إتحاف الوري بأخبار أم القري‏ - ج2

- عمر بن محمد بن فهد المزيد...
664 /
1

[الجزء الثانى‏]

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

المقدّمة

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين: سيدنا محمد و على آله و أصحابه، و من اهتدى بهديه إلى يوم الدين. و بعد

فهذا هو الجزء الثانى من كتاب «إتحاف الورى بأخبار أم القرى» للنجم عمر بن فهد الهاشمى القرشى المكى، و هو يعالج أخبار الحقبة التاريخية من سنة اثنتى عشرة من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة و أزكى التسليم، و ينتهى بنهاية أخبار سنة ستمائة.

و قد عدل عن التجزئة التى وردت فى نسخة «ت» و أغفلتها نسخة «م» إلى تجزئة اقتضتها أصول الطباعة التى تراعى تقارب الأجزاء فى عدد الصفحات.

و يلاحظ أن المؤلف قد اعتمد فى نقوله على كثير من المؤرخين ناسبا كل خبر إلى قائله، و أن من بين هؤلاء المؤرخين من طبعت كتبه و منهم من ظلت كتبه مخطوطة، بعضها قد عثر عليه و بعضها لم يعثر عليه حتى الآن.

فهو ينقل عن المسبحى محمد بن عبد اللّه الحرانى بواسطة الرشيد المنذرى، و ينقل عن الفاكهى، و عن الصابى ثابت بن سنان ابن قرة، و ينقل عن ابن الجوزى و عن سبطه، و عن السمنانى على بن محمد الرحبى، و عن العتيقى، و عن ابن الفرات، و عن النويرى، و عن بيبرس الدوادار، و عن على بن أنجب الخازن، و عن ابن محفوظ.

و كتب هؤلاء بعضها طبعت منه أجزاء و بقية الأجزاء مخطوطة، و بعض المخطوط قد عثر عليه و بعضه لم يعثر عليه، و لم يتيسر لنا الاطلاع على كثير منها لتوثيق نقول المؤلف عنها، ولكن أمكننا توثيق أخبار كثيرة من مراجع أخرى.

*** و إذا كنا قد اعتمدنا فى تحقيق الجزء الأول على مصورات ثلاث نسخ عرفنا بها. فإن هذا الجزء قد اعتمدنا فى تحقيقه على نسختين فقط هما المرموز إليهما بالحرف «ت» و الحرف «م» أما المرموز إليها بالحرف «ه» و هى النسخة الهندية فلم يتيسر الحصول على أجزاء أخرى منها تكمل الكتاب، و لذا فقد فاتنا الاعتماد عليها فى تحقيق هذا الجزء.

و يلاحظ أن النسختين قد اختلفتا فى ترتيب أحداث السنوات من سنة ست و ستين إلى سنة خمس و سبعين؛ فقدمت نسخة «ت» الأحداث سنة لذلك فقد اثبتنا ماورد فى نسخة «م» لاتفاق أحداثها- تاريخا- مع المراجع المعتمدة، و نبهنا على ذلك فى هوامش تلك السنوات.

*** و يتلو هذا الجزء- إن شاء اللّه تعالى- الجزء الثالث و هو يبدأ بأخبار سنة إحدى و ستمائة من الهجرة النبوية.

و اللّه تعالى من وراء القصد و هو يهدى السبيل.

المحقق‏

فهيم محمد شلتوت‏

مكة المكرمة فى يوم الخميس 27 من شعبان سنة 1403 ه

الموافق 9 من يونيه سنة 1983 م‏

إتحاف الورى بأخبار امّ القرى‏

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

«السنة الثانية عشرة»

فيها كان عامل أبى بكر عتّاب على مكة، و على الطائف عثمان ابن أبى العاص‏ (1).

و فيها حج بالناس خليفة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أبو بكر الصديق رضى اللّه عنه- كذا ذكر ابن جرير و أبو الفرج بن الجوزى- و قال ابن الأثير إن الذى حج بالناس فى هذه السنة عمر بن الخطاب‏ (2)، أو عبد الرحمن بن عوف رضى اللّه عنهما، قال فى أول سنة ثلاث عشرة إن أبا بكر وجّه الجنود إلى الشام بعد عوده من الحج‏ (3)؛ فهذا مؤكد للأول و مضعف لما قاله. و اللّه أعلم.

و فيها حج خالد بن الوليد رضى اللّه عنه من العراق سرّا، و معه عدة من أصحابه يعسف البلاد، فأتى مكة و حجّ و رجع، فما توافى جنده بالحيرة حتى وافاهم مع صاحب الساقة، فقدماها [معا] (4) و خالد و أصحابه محلّقون، و لم يعلم بحجّه إلا من أعلمه، و لم يعلم أبو بكر رضى اللّه عنه إلا بعد رجوعه، فعتب عليه؛ و كانت عقوبته إيّاه صرفه من العراق إلى الشام ممدّا لجموع المسلمين باليرموك‏ (5).

***

____________

(1) تاريخ الطبرى 4، 50، و الكامل لابن الأثير 2: 176.

(2) تاريخ الطبرى 4: 27، و الكامل لابن الأثير 2: 168، و البداية و النهاية 6: 353، و انظر الذهب المسبوك ص 12، 13.

(3) تاريخ الطبرى 4: 28، و الكامل لابن الأثير 2: 168.

(4) إضافة عن الكامل لابن الأثير 2: 168.

(5) و انظر تاريخ الطبرى 4: 26، و البداية و النهاية 6: 352.

4

«السنة الثالثة عشرة»

فيها كان عامل عمر على مكة عتّاب بن أسيد- فيما قال ابن جرير و ابن الأثير و ابن الجوزى- و على الطائف عثمان بن أبى العاص‏ (1).

و فيها حج بالناس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه أو عبد الرحمن بن عوف على ما ذكر ابن الأثير (2)، و قال ابن الجوزى و ابن جرير (3) الثانى- و أهو أصح- و جزم به المسعودى فى مروجه‏ (4)، و فى الزهر الباسم‏ (5).

و فيها مات أبو بكر الصديق رضى اللّه عنه‏ (6). و استخلف عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه. و مات عتاب بن أسيد الأموى يوم‏

____________

(1) تاريخ الطبرى 4: 82، و الكامل لابن الأثير 2: 188.

(2) الكامل لابن الأثير 2: 188 و فيه «و حج فى هذه السنة عمر بن الخطاب بالناس، و حج سنيه كلها».

(3) تاريخ الطبرى 4: 82 و فيه «استعمل عمر على الحج عبد الرحمن بن عوف فى السنة التى ولى فيها فحج بالناس، ثم حج سيفه كلها بعد ذلك بنفسه».

(4) قال المسعودى فى مروجه 2: 312 «فكانت ولايته عشر سنين و ستة أشهر و أربع ليال، و حج فى خلافته تسع سنين». و لعل المؤلف يشير إلى هذا.

(5) و هو الزهر الباسم فى سيرة أبى القاسم للمسعودى. أبى الحسن على بن الحسين، و انظر تاريخ الأدب العربى لبروكلمان 2: 48 و الملحق 1: 206، 2: 48.

(6) و انظر تاريخ الطبرى 4: 46، 47، و الكامل لابن الأثير 2: 175، 176، و مآثر الأنافة فى معالم الخلافة 1: 83، و سمط النجوم العوالى 2: 355- 358، و مرآة الجنان 1: 65.

5

موت أبى بكر، أو دفن يوم جاء نعى أبى بكر الصديق رضى اللّه عنهما (1)، و كان موت الصديق لثمان بقين من جمادى الآخرة.

و مات أبو العاص بن الربيع/ فى ذى الحجة (2)، و يقال 317 مات بعد أن تأمّر عمر كما ترى. و اللّه أعلم.

*** «سنة أربع عشرة»

فيها كان عامل مكة عتّاب بن أسيد على ما ذكر ابن الأثير، و على الطائف عثمان بن أبى العاص‏ (3).

و فيها حج بالناس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه‏ (4).

____________

(1) و فى شفاء الغرام 2: 163 «و رأيت فى مختصر تاريخ ابن جرير أن عتاب ابن أسيد كان على مكة فى سنة أربع عشرة، و خمس عشرة، و ست عشرة، و سبع عشرة، و ثمان عشرة، و تسع عشرة. و كل ذلك و هم ذكرناه للتنبيه عليه و اللّه أعلم، و رأيت فى تاريخ ابن الأثير أنه كان على مكة فى سنة اربع عشرة و خمس عشرة» و كل ذلك و هم ذكرناه.

(2) كذا فى الأصول. أما فى الكامل لابن الأثير 2: 168، و البداية و النهاية 6: 354 و الإصابة 4: 123 فإنه مات فى خلافة أبى بكر فى ذى الحجة من سنة اثنتى عشرة و قال: و فيها أرخه ابن سعد و ابن إسحاق و أرخه غير واحد، و شذ أبو عبيد فقال مات فى سنة ثلاث عشرة، و أغرب منه قول ابن مندة قتل يوم اليمامة.

(3) تاريخ الطبرى 4: 152، و الكامل لابن الأثير 2: 207 و فيهما «و على البحرين عثمان بن أبى للعاص».

(4) تاريخ الطبرى 4: 152، و الكامل لابن الأثير 2: 207.

6

و فيها مات أبو قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة القرشى التيمى‏ (1)

و هند بنت عتبة بن ربيعة زوج أبى سفيان رضى اللّه عنهما (2)

*** «سنة خمس عشرة»

فيها كان عامل مكة عتّاب بن أسيد على ما ذكر ابن جرير (3)، و على الطائف يعلى بن منبّه كذا ذكر ابن الأثير (4).

و ذكر ابن جرير أنه عثمان ابن أبى العاص‏ (5).

و فيها حج بالناس عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه‏ (6).

*** «سنة ست عشرة»

فيها كان عامل مكة عتّاب بن أسيد على ما ذكر ابن‏

____________

(1) الكامل لابن الأثير 2: 207، و البداية و النهاية 7: 50.

(2) الكامل لابن الأثير 2: 207، و البداية و النهاية 7: 51.

(3) تاريخ الطبرى 4: 168.

(4) الكامل لابن الأثير 2: 215.

(5) الذى ذكره ابن جرير الطبرى فى تاريخه 4: 168 يعلى بن منبه، و قال و على اليمامة و البحرين عثمان ابن أبى العاص.

(6) تاريخ الطبرى 4: 168، و الكامل لابن الأثير 2: 215.

7

جرير (1)، و على الطائف يعلى بن منبّه- كذا ذكر ابن الأثير (2).

و ذكر ابن جرير (3) أنه عثمان بن أبى العاص.

و فيها حج بالناس عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه‏ (4).

*** «سنة سبع عشرة»

فيها جاء سيل عظيم- يعرف بسيل أمّ نهشل- من أعلى مكة من طريق الردم بين الدارين‏ (5) فدخل المسجد الحرام، و اقتلع مقام إبراهيم و ذهب به من موضعه حتى وجد بأسفل مكة، و عفّى مكانه الذى كان فيه؛ عفّاه السيل، فأتى به فربط بلصق الكعبة بأستارها فى وجهها، و ذهب السيل بأم نهشل بنت عبيدة (6) بن أبى أحيحة سعيد بن العاص بن أميّة بن عبد شمس، فماتت فيه، و استخرجت بأسفل مكة.

____________

(1) تاريخ الطبرى 4: 188

(2) الكامل لابن الأثير 2

(3) تاريخ الطبرى 4.

(4) انظر المرجعين السابقين.

(5) أى دار أبى سفيان و دار حنظلة بن أبى سفيان. هامش اخبار مكة للأزرقى 2: 197.

(6) كذا فى الأصول، و أخبار مكة للأزرقى 2: 33. و فى نفس المرجع 2:

167، و شفاء الغرام 2: 260 «بنت عبيد».

8

فكتب فى ذلك إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه، فأقبل فزعا، فدخل بعمرة فى شهر رمضان، فدعا عمر رضى اللّه عنه فقال: أنشد اللّه عبدا عنده علم فى هذا المقام. فقال المطلب/ بن أبى وداعة السهمى: أنا يا أمير المؤمنين عندى ذلك؛ فقد كنت أخشى عليه هذا فأخذت قدره من موضعه [إلى الركن، و من موضعه‏] (1) إلى باب الحجر، و من موضعه إلى زمزم بمقاط، و هو عندى فى البيت. فقال له عمر رضى اللّه عنه: فاجلس عندى و أرسل إليها. فجلس عنده و أرسل إليها فأتى بها، فمدّها فوجدها مستوية إلى موضعه هذا اليوم‏ (2)- و ذلك كان فى سنة ثمان عشرة.

و فيها عمل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه الرّدم الذى بأعلى مكة؛ صونا للمسجد، بناه بالضفائر و الصخر العظام و كبسه، و لم يعله سيل منذ ردمه سيدنا عمر رضى اللّه عنه إلى اليوم، غير أنه جاء فى سنة اثنتين و مائتين سيل يقال له سيل [ابن‏] (3) حنظلة فكشف عن بعض ربضه، و رئيت حجارته و فيها صخر لم ير مثله.

و فيها وسع أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه المسجد بدور اشتراها، و هدم على من أبى البيع. و ترك ثمنها لأربابها فى خزانة الكعبة حتى أخذوها بعد (4).

____________

(1) سقط فى الأصول و المثبت عن اخبار مكة للأزرقى 2: 33.

(2) و أضاف المرجع السابق 2: 34 «فسأل الناس و شاورهم فقالوا: نعم هذا.

موضعه. فلما استثبت ذلك عمر رضى اللّه عنه و حق عنده أمر به فأعلم ببناء ربضه تحت المقام ثم حوله؛ فهو فى مكانه هذا إلى اليوم.

(3) إضافة عن أخبار مكة للأزرقى 2: 34، 170.

(4) أخبار مكة للأزرقى 2: 68، 69، و تاريخ الطبرى 4: 206، و الكامل لابن الأثير 2: 227، و شفاء الغرام 1: 224، و الذهب المسبوك 14.

9

و تزوّج حفصة بنت المغيرة، فأخبر أنها عاقر فطلّقها قبل أن يدخل بها.

و كانت مدة إقامة سيدنا عمر رضى اللّه عنه بمكة عشرين ليلة (1).

و فيها أمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه مخرمة ابن نوفل، و الأزهر بن عبد عوف، و حويطب بن عبد العزّى، و سعيد بن يربوع بتجديد أنصاب الحرم. و استأذنه أهل المياه أن يبنوا منازل بين مكة و المدينة فأذن لهم و شرط عليهم: أن ابن السبيل أحقّ بالكلأ و الماء (2).

و فيها كان عامله عتّاب بن أسيد على ما قاله ابن جرير (3) و ابن الجوزى- و قال ابن الأثير- فى قول: و على الطائف عثمان بن أبى العاص‏ (4).

و فيها حج بالناس عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه‏ (5).

***

____________

(1) اخبار مكة للأزرقى 2: 129، و تاريخ الطبرى 4: 206، و الكامل لابن الأثير 2: 227، و الذهب المسبوك 14، 15.

(2) الذهب المسبوك 14.

(3) تاريخ الطبرى 4: 222.

(4) الكامل لابن الأثير 2: 234.

(5) انظر المرجعين السابقين.

10

«سنة ثمان عشرة»

فيها كان عامل مكة عتّاب بن أسيد/ رضى اللّه عنه- على ما ذكر ابن جرير و ابن الأثير و ابن الجوزى- و على الطائف عثمان بن أبى العاص‏ (1).

و فيها حج بالناس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه‏ (2).

*** «سنة تسع عشرة»

فيها كان عامل مكة عتّاب بن أسيد رضى اللّه عنه- على ما ذكر ابن جرير و ابن الأثير و ابن الجوزى- و على الطائف عثمان بن أبى العاص‏ (3).

و فيها حج بالناس عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه‏ (4)، و حجّ‏

____________

(1) تاريخ الطبرى 4: 225، و الكامل لابن الأثير 2: 238، و فيهما «و كانت ولاته فى هذه السنة على الأمصار الذين كانوا عليها فى سنة سبع عشرة».

(2) انظر المرجعين السابقين.

(3) تاريخ الطبرى 4: 226، و الكامل لابن الأثير 2: 338، و فيهما «و كان عماله على الأمصار و قضاته فيها الولاة و القضاة الذين كانوا عليها فى سنة ثمان عشرة».

و يلاحظ أن الولاة فى سنة ثمان عشرة كانوا هم ولاته فى سنة سبع عشرة. و فى هذه السنة كان و اليه على اليمامة و البحرين عثمان بن أبى العاص.

و انظر تاريخ الطبرى 4: 222، و الكامل لابن الأثير 2: 234.

(4) تاريخ الطبرى 4: 226، و الكامل لابن الأثير 2: 238.

11

بأبى سفيان بن الحارث، فلما حلق رأسه قطع الحلّاق ثؤلولا (1) كان فى رأسه، فلم يزل مريضا حتى مات بعد مقدمه من الحج بالمدينة فى السنة [التى‏] (2) بعدها (3).

*** «سنة عشرين»

فيها كان عامل مكة عتّاب بن أسيد رضى اللّه عنه- على ما ذكره الثلاثة فى السنة التى قبلها- و على الطائف عثمان بن أبى العاص‏ (4).

و فيها حج بالناس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه‏ (5).

***

____________

(1) الثؤلول: بثر صغير صلب مستدير يظهر على الجلد كالحمصة و غيرها.

(المعجم الوسيط)

(2) إضافة على الأصول.

(3) و انظر الاستيعاب 4: 1673 برقم 3002، و العقد الثمين 8: 48 برقم 2889، و الكامل لابن الأثير 2: 240، و البداية و النهاية 7: 103، 104.

(4) تاريخ الطبرى 4: 231، و الكامل لابن الأثير 2: 240 و فيهما «و كان عماله فى هذه السنة على الأمصار عماله عليها فى السنة التى قبلها إلا من ذكرت أنه عزله.»

(5) انظر المرجعين السابقين.

12

«سنة إحدى و عشرين»

فيها كان عامل مكة عتّاب بن أسيد رضى اللّه عنه- على ما أشار إليه ابن جرير و ابن الأثير- و على الطائف عثمان بن أبى العاص‏ (1):

و فيها حج بالناس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه‏ (2).

و فيها مات جعال- و يقال جفيل- بن سراقة الصحرى‏ (3).

و خالد بن الوليد، و قيل فى السنة التى بعدها- بحمص- على الأرجح‏ (4).

*** «سنة اثنتين و عشرين»

فيها كان عامل مكة عتّاب بن أسيد رضى اللّه عنه- على ما أشار إليه ابن الأثير- و على الطائف عثمان بن أبى العاص‏ (5).

____________

(1) تاريخ الطبرى 4: 250، و الكامل لابن الأثير 3: 9، و فيهما «و كان عامله على مكة و الطائف و اليمن و اليمامة و البحرين و الشام و مصر و البصرة من كان عليها فى سنة عشرين».

(2) انظر المرجعين السابقين.

(3) الاستيعاب 1: 245، 274، و الإصابة 1: 235، و لم يذكرا تاريخ وفاته.

(4) تاريخ الطبرى 4: 249، الاستيعاب 3: 427، برقم 603، و الكامل لابن الأثير 3: 9، و البداية و النهاية 7: 113- 118، و الإصابة 1: 413- 415.

(5) تاريخ الطبرى 4: 267، و الكامل لابن الأثير 3: 16.

13

و فيها حج بالناس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه‏ (1).

*** «سنة ثلاث و عشرين»

فيها كان عامل مكة نافع بن عبد الحارث الخزاعى، و على الطائف سفيان بن عبد اللّه الثقفى‏ (2).

و فيها حجّ بالناس عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه، فسأل عن أويس القرنى كما كان يسأل، و صعد إلى أبى قبيس فنادى بأعلى صوته: يا أهل الحجيج من أهل اليمن، أفيكم أويس من مراد؟ فقام شيخ كبير طويل اللحية من قرن‏ (3) فقال: يا أمير المؤمنين إنك قد أكثرت السؤال عن أويس هذا، و ما فينا أحد اسمه أويس إلا ابن أخ لى/ يقال له أويس، فأنا عمه، و هو حقير بين أظهرنا خامل الذكر، و أقل مالا، و أوهن أمرا من أن يرفع إليك ذكره. فسكت سيدنا عمر رضى اللّه عنه، و ظن أنه ليس هو أويس الذى يريده، و قيل إنه إنما سكت؛ عمّى عليه كأنه لا يريده، ثم قال: يا شيخ و أين ابن أخيك هذا الذى تزعم؟ أهو معنا بالحرم؟ قال الشيخ:

نعم يا أمير المؤمنين هو معنا فى الحرم، غير أنه فى أراك عرفة يرعى‏

____________

(1) و انظر المرجعين السابقين.

(2) تاريخ الطبرى 5: 42، و الكامل لابن الأثير 3: 32.

(3) قرن: قبيلة يمنبة. (معجم البلدان لياقوت)

14

إبلا لنا. فركب عمر بن الخطاب و على بن أبى طالب رضى اللّه عنهما على حمارين لهما، و خرجا من مكة، و أسرعا السير إلى أراك عرفة، ثم جعلا يتخللان الشجر و يطلبانه، فإذا هما به فى طمرّين من صوف أبيض، قد صف قدميه يصلى إلى الشجرة، و قد رمى ببصره إلى موضع سجوده، و ألقى يديه على صدره، و الإبل حوله ترعى. قال عمر لعلى رضى اللّه عنهما: يا أبا الحسن، إن كان فى الدنيا أويس القرنى فهذا هو، و هذه صفته. ثم نزلا عن حماريهما [و شدّا بهما] (1) إلى أراكة، ثم أقبلا إليه يريدانه.

فلما سمع أويس حسّهما أوجز فى صلاته، ثم تشهّد و سلم.

و تقدما إليه فقالا له: السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته. فقال أويس:

و عليكم السلام و رحمة اللّه و بركاته. فقال عمر: من الرجل؟ قال:

راعى إبل و أجير للقوم. فقال عمر رضى اللّه عنه: ليس عن الرعاية أسألك، و لا عن الإجارة، إنما أسألك عن اسمك، فمن أنت يرحمك اللّه؟ فقال: أنا عبد اللّه و ابن أمته. فقالا: قد علمنا أن كل من فى السموات و الأرض عبيد اللّه، و إنّا نقسم عليك بحقّ الحرم و المسجد المعظم إلا أخبرتنا باسمك الذى سمّتك به أمك. قال: يا هذان ما تريدان إلىّ؟ أنا أويس بن عبد اللّه. فقال عمر رضى اللّه عنه: اللّه أكبر، نحب أن توضح لنا عن شقّك الأيسر. قال: و ما حاجتكما إلى ذلك؟ فقال له على رضى اللّه عنه: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) وصفك لنا،

____________

(1) إضافة عن حلية الأولياء 2: 82.

15

و قد وجدنا/ الصفة كما خبرنا، غير أنه أعلمنا أن بشقك الأيسر لمعة بيضاء كمقدار الدينار أو الدرهم، و نحن نحبّ أن ننظر إلى ذلك.

فأوضح لهما ذلك عن شقه الأيسر، فلما نظر علىّ و عمر إلى اللمعة البيضاء ابتدرا أيهما يقبل قبل صاحبه، و قالا: نشهد أنك أويس القرنى. ثم بكيا طويلا، و قالا: يا أويس إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أمرنا أن نقرئك منه السلام، و أمرنا أن نسألك أن تستغفر لنا، فإن رأيت أن تستغفر لنا- يرحمك اللّه- فقد خبّرنا بأنك سيّد التابعين، و أنك تشفع يوم القيامة فى عدد ربيعة و مضر. فبكى أويس بكاء شديدا ثم قال: عسى أن يكون ذلك غيرى. فقال علىّ: إنّا قد تيقنا أنك هو- لا شك فى ذلك- فادع اللّه لنا- رحمك اللّه- بدعوة و أنت محسن. فقال أويس: ما أخصّ باستغفار نفسىّ و لا أحدا من ولد آدم، ولكنه فى البر و البحر للمؤمنين و المؤمنات، و المسلمين و المسلمات فى ظلم الليل و ضياء النهار، ولكن من أنتما يرحكما اللّه؟ فإنى قد خبرتكما و شهرت لكما أمرى، و لم أحبّ أن يعلم بمكانى أحد من الناس. فقال على:

أما هذا فأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، و أما أنا فعلىّ بن أبى طالب. فوثب أويس فرحا مستبشرا فعانقهما و سلم عليهما و رحّب بهما، و قال: جزا كما اللّه عن هذه الأمة خيرا. قالا: و أنت جزاك اللّه عن نفسك خيرا. ثم قال أويس: و مثلى يستغفر لأمثالكما؟

فقالا: نعم، إنا قد احتجنا إلى ذلك منك، فخصّنا- رحمك اللّه- منك با حتى نؤمّن على دعائك. فرفع أويس رأسه و قال:

16

اللهم إنّ هذين يذكران أنهما يحبانى فيك. و قد رأونى فاغفر لهما، و أدخلهما فى شفاعة نبيهما محمد (صلّى اللّه عليه و سلم). فقال له عمر رضى اللّه عنه:

مكانك- رحمك اللّه- حتى أدخل مكة/ فآتيك بنفقة من عطائى، و فضل كسوة من ثيابى؛ فإنى أراك رثّ الحال، هذا المكان الميعاد بينى و بينك غدا. فقال: يا أمير المؤمنين لا ميعاد بينى و بينك، و لا أعرفك بعد اليوم و لا تعرفنى، ما أصنع بالنفقة؟ و ما أصنع بالكسوة؟ أما ترى على إزارا من صوف، ورداء من صوف؟ متى أرانى أخلقهما؟ أما ترى نعلى مخصوفتين، متى ترانى أبليهما؟ و معى أربعة دراهم أخذتها من رعايتى، متى ترانى آكلها؟ يا أمير المؤمنين إن بين يدىّ عقبة لا يقطعها إلا كل مخف مهزول، فأخفّ- يرحمك اللّه- يا أبا حفص؛ إن الدنيا غرارة غدارة، زائلة فانية، فمن أمسى و همته فيها اليوم مدّ عنقه إلى غد، و من مدّ عنقه إلى غد أعلق قلبه بالجمعة، و من أعلق قلبه بالجمعة لم ييأس من الشهر، و يوشك أن يطلب السنة، و أجله أقرب إليه من أمله، و من رفض هذه الدنيا أدرك ما يريد غدا من مجاورة الجبار، و جرت من تحت منازله الثمار. فلما سمع عمر رضى اللّه عنه كلامه ضرب بدرته‏ (1) الأرض، ثم نادى بأعلى صوته: ألا ليت عمر لم تلده أمه، ليتها عاقرا لم تعالج حملها. [ألا من يأخذها بما فيها و لها؟ ثم قال: يا أمير المؤمنين خذ أنت ها هنا حتى آخذ] (2) أنا ها هنا. و مضى أويس يسوق الإبل بين يديه، و عمر و على رضى اللّه عنهما ينظران إليه حتى غاب فلم يروه، و ولى عمر و علىّ رضى اللّه عنهما نحو مكة.

____________

(1) فى الأصول «بيده» و المثبت عن حلية الأولياء 2: 83.

(2) سقط فى الأصول و المثبت عن المرجع السابق.

17

و لما صدر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه من منى أناخ بالأبطح. ثم كوّم كومة من البطحاء، ثم ألقى عليها طرف ثوبه فاستلقى، و مدّ يده إلى السماء فقال: اللهم ضعفت قوتى، و كبر سنّى، و رقّ عظمى، و انتشرت رعيّتى؛ فاقبضنى إليك غير مضيّع و لا مفرّط و لا مفتون.

ثم رجع إلى المدينة، فما انسلخ ذو الحجّة، حتى قتل رضى اللّه عنه‏ (1)، و بويع عثمان بن عفان رضى اللّه عنه.

و فيها أذن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه لأزواج النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) فحججن‏ (2)، فلما ارتحل عمر من المحصّب من آخر الليل أقبل رجل يشير فقال: قالت عائشة رضى اللّه عنها [: سمعت رجلا على راحلته يقول‏] (3)- و أنا أسمع-:

أين كان عمر أمير المؤمنين نزل؟ قالت: فقال له قائل/- و أنا أسمع-: هذا كان منزله، و أناخ فى منزل عمر رضى اللّه عنه، ثم رفع عقيرته يتغنى فقال فى ذلك:

____________

(1) طبقات ابن سعد 3: 334- 342، و تاريخ الطبرى 5: 33- 38، و الكامل لابن الأثير 3: 20- 22، و صفة الصفوة 1: 287- 292، و البداية و النهاية 7: 137، و المختصر فى أخبار البشر 1: 164، 165، و تاريخ الخلفاء 131- 134، و تاريخ الخميس 2: 248- 250.

(2) الاستيعاب 3: 1158، و البداية و النهاية 7: 138، و النجوم الزاهرة 1: 77، و الذهب المسبوك 17.

(3) إضافة عن طبقات ابن سعد 3: 333، و تاريخ الخلفاء 144.

18

عليك سلام من أمير و باركت‏* * * يد اللّه فى ذاك الأديم الممزّق‏

فمن يسع أو يركب جناحى نعامة* * * ليدرك ما قدّمت بالأمس يسبق‏

قضيت أمورا ثم غادرت بعدها* * * بوائق‏ (1) فى أكمامها لم تفتّق‏

قالت عائشة رضى اللّه عنها: فلما سمعت ذلك قلت لبعض أهلى اعلموا علم الرجل. فانطلقوا إليه يسألونه فلم يجدوه فى مناخه؛ فو اللّه أنى لأحسبه من الجنّ، حتى إذا قتل عمر رضى اللّه عنه نحل الناس هذه الأبيات جماع بن ضرار أو شماخ بن ضرار (2).

*** «سنة أربع و عشرين»

فيها- أو فى سنة ست و عشرين كما سيأتى- أمر أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى اللّه عنه عبد الرحمن بن عوف رضى اللّه عنه أن يجدّد أنصاب الحرم، فبعث عبد الرحمن نفرا من قريش منهم حويطب بن عبد العزّى، و عبد الرحمن بن أزهر فجدّدوا أنصاب الحرم‏ (3).

____________

(1) فى الأصول «نوائح» و المثبت عن طبقات ابن سعد 3: 333، و صفة الصفوة 1: 292، و الاستيعاب 3: 1158، و تاريخ الخلفاء 1: 144، و تاريخ الخميس 2: 247. و الذهب المسبوك 18.

(2) و فى الاستيعاب 3: 1158، و تاريخ الخميس 2: 248، و الذهب المسبوك 18 «للشماخ بن ضرار أو لأخيه مزرد». و زاد الاستيعاب «قال أبو عمر (رحمه اللّه) كانوا إخوة ثلاثة كلهم شاعر».

(3) أخبار مكة للأزرقى 2: 129، و تاريخ الطبرى 5: 47.

19

و فيها حج بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى اللّه عنه، و قيل عبد الرحمن بن عوف بأمر عثمان، كذا قال ابن الأثير (1)، و نسب ابن جرير الثانى للواقدى و أبى معشر، و الأولّ لآخرين و لم يذكرهم‏ (2).

*** «سنة خمس و عشرين»

فيها حج بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى اللّه عنه‏ (3).

*** «سنة ست و عشرين»

فيها اعتمر أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى اللّه عنه من المدينة، فأتى مكة ليلا فدخلها، و طاف و سعى و حلّ قبل أن يصبح، و رجع إلى المدينة، و أمر بتوسيع المسجد الحرام، فوسّع بدور اشتراها و دور هدمها على من أبى البيع. و ترك ثمنها لأربابها فى خزانة الكعبة، و أمر بهم فحبسوا و قال: قد فعل ذا بكم عمر فلم تصيحوا به. فكلّمه عبد اللّه بن خالد بن أسيد فأطلقهم‏ (4).

____________

(1) الكامل لابن الأثير 3: 33.

(2) تاريخ الطبرى 5: 46، 47، و الذهب المسبوك 22.

(3) تاريخ الطبرى 5: 47، و الكامل لابن الأثير 3: 36.

(4) أخبار مكة للأزرقى 2: 69، و تاريخ الطبرى 5: 47، و الكامل لابن الأثير 3: 36.

20

و جدد/ أنصاب الحرم‏ (1).

و كلم أهل مكة عثمان رضى اللّه عنه أن يحوّل الساحل من الشّعيبة- ساحل مكة القديم فى الجاهلية- إلى ساحلها اليوم و هو جدّة، و قالوا: جدة أقرب إلى مكة و أوسع. فخرج عثمان رضى اللّه تعالى عنه إلى جدة و رأى موضعها، فحوّل الساحل إليها، و دخل البحر و اغتسل فيه، و قال: إنه مبارك. و قال لمن معه: ادخلوا و لا يدخله أحد إلا بمئرز، ثم خرج من جدة على طريق يخرجه على عسفان، ثم مضى إلى الجار (2) فأقام بها يوما و ليلة ثم انصرف إلى المدينة (3).

و حج فى هذه السنة أيضا بالناس‏ (4).

*** «سنة سبع و عشرين»

فيها حج بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى اللّه عنه‏ (5).

____________

(1) أخبار مكة للأزرقى 2: 129، و تاريخ الطبرى 5: 247، و الكامل لابن الأثير 3: 36.

(2) الجار: مدينة على ساحل بحر القلزم (البحر الأحمر) من موازاة المدينة و بينهما يوم و ليلة، و هى مرفأ للسفن من مصر و الحبشة و عدن و الصين و سائر بلاد الهند، و شرب أهلها من عين يليل. (معجم البلدان لياقوت)

(3) انظر الجواهر المعدة فى فضائل جدة مخطوط بمكتبة الحرم المكى رقم 27 دهلوى 13.

(4) تاريخ الطبرى 5: 47 و البداية و النهاية 7: 151.

(5) تاريخ الطبرى 5: 51، و الكامل لابن الأثير 3: 39.

21

«سنة ثمان و عشرين»

فيها حج بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى اللّه عنه‏ (1).

*** «سنة تسع و عشرين»

فيها حج بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى اللّه عنه، و ضرب فسطاطه بمنى، و أتمّ الصلاة بها و بعرفة، فعاب ذلك غير واحد من الصحابة رضى اللّه عنهم، و قال له علىّ رضى اللّه عنه: ما حدث أمر و لا قدم عهد، و لقد عهدت النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) و أبا بكر و عمر رضى اللّه عنهما يصلّون ركعتين، و أنت صدرا من خلافتك. فما درى ما يرجع إليه، و قال: رأى رأيته. و بلغ الخبر عبد الرحمن بن عوف رضى اللّه عنه- و كان معه- فجاءه و قال له: ألم تصلّ فى هذا المكان مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أبى بكر و عمر رضى اللّه عنهما ركعتين و صليتها أنت ركعتين؟! قال: بلى، ولكنى أخبرت- أن بعض من حجّ من اليمن و جفاة الناس قالوا: إن الصلاة للمقيم ركعتان، و احتجوا بصلاتى، و قد اتّخذت بمكة أهلا، ولى بالطائف مال. فقال عبد الرحمن: ما فى هذا عذر؛ أما قولك اتخذت بها أهلا فإن زوجتك بالمدينة تخرج بها إذا شئت، و إنما

____________

(1) تاريخ الطبرى 5: 54، و الكامل لابن الأثير 3: 40، و البداية و النهاية 7: 154.

22

تسكن بسكناك، و أما مالك بالطائف فبينك و بينه [مسيرة] (1) ثلاث ليال، و أما قولك عن حاج اليمن و غيرهم فقد/ كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ينزّل عليه الوحى و الإسلام قليل، ثم أبو بكر و عمر رضى اللّه عنهما فصلّوا ركعتين، و قد ضرب الإسلام بجرانه. فقال عثمان رضى اللّه عنه: هذا رأى رأيته. فخرج عبد الرحمن فلقى ابن مسعود فقال: يا عبد اللّه، غيّر ما نعلم. فقال: فما أصنع؟ فقال:

اعمل بما ترى و تعلم. فقال ابن مسعود: الخلاف شرّ، و قد صليت بأصحابى أربعا. فقال عبد الرحمن: قد صليت بأصحابى ركعتين، و أما الآن‏ (2) فسوف أصلى أربعا. و قيل كان ذلك سنة ثلاثين.

*** «سنة ثلاثين»

فيها حجّ بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى اللّه عنه‏ (3).

*** «سنة إحدى و ثلاثين»

فيها حجّ بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى اللّه عنه‏ (4).

***

____________

(1) إضافة عن تاريخ الطبرى 5: 57، و الكامل لابن الأثير 3: 42، و البداية و النهاية 7: 154 و الذهب المسبوك 23.

(2) فى الأصول «و أما أنا» و التصويب عن تاريخ الطبرى 5: 57، و الكامل لابن الأثير 3: 42، و الذهب المسبوك 23.

(3) تاريخ الطبرى 5: 68.

(4) تاريخ الطبرى 5: 77، و الكامل لابن الأثير 3: 54.

23

«سنة اثنتين و ثلاثين»

فيها حجّ بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى اللّه عنه‏ (1).

*** «سنة ثلاث و ثلاثين»

فيها حجّ بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى اللّه عنه‏ (2).

*** «سنة أربع و ثلاثين»

فيها حج بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى اللّه عنه‏ (3).

*** «سنة خمس و ثلاثين»

فيها كان عامل مكة عبد اللّه بن عامر الحضرمىّ، و على الطائف القاسم بن ربيعة الثقفى‏ (4).

____________

(1) درر الفرائد المنظمة 194، و فيه «أنه حج بالناس سنة ثلاثين إلى أربع و ثلاثين».

(2) تاريخ الطبرى 5: 92، و الكامل لابن الأثير 3: 61، و البداية و النهاية 7: 166.

(3) تاريخ الطبرى 5: 98، و الكامل لابن الأثير 3: 64، و البداية و النهاية 7: 170.

(4) تاريخ الطبرى 5: 148، و الكامل لابن الأثير 3: 78.

24

و فيها حج بالناس عبد اللّه بن عباس بأمر عثمان و هو محصور (1).

*** «سنة ست و ثلاثين»

فيها اعتمرت أم المؤمنين عائشة رضى اللّه عنها- و أمير المؤمنين عثمان رضى اللّه عنه محصور- ثم خرجت من مكة تريد المدينة، فلما كانت بسرف لقيها رجل من أخوالها يقال له عبيد بن أبى سلمة، و هو ابن أمّ كلاب، فقالت: مهيم؟ فقال: قتل عثمان و بقوا ثمانيا.

قالت: ثم صنعوا ماذا؟ قال: أجمعوا على بيعة علىّ رضى اللّه عنه.

فقالت: ليت هذه انطبقت على هذه إن تمّ الأمر لصاحبك، ردّونى. فانصرفت إلى مكة تقول: قتل- و اللّه- عثمان مظلوما، و اللّه لأطلبن بدمه. فقال لها: و لم؟ و اللّه إن أوّل من أمال حرفه‏ (2) لأنت، و اللّه لقد كنت تقولين: اقتلوا نعثلا فقد كفر. فقالت: إنهم استتابوه ثم قتلوه، و قد قلت و قالوا و قولى الأخير خير من قولى الأول/ فقال لها ابن أم كلاب:-

فمنك البداء و منك الغير* * * و منك الرياح و منك المطر

و أنت أمرت بقتل الإمام‏* * * و قلت لنا أنه قد كفر

____________

(1) تاريخ الطبرى 5: 139، و الكامل لابن الأثير 3: 73، و البداية و النهاية 7: 187.

(2) فى الأصول «حربه» و المثبت عن تاريخ الطبرى 5: 172، و الكامل لابن الأثير 3: 87.

25

فهبنا أطعناك فى قتله‏* * * فقاتله عندنا من أمر

و لم يسقط السقف من فوقنا* * * و لم تنكسف شمسنا و القمر

و قد بايع الناس ذاتدرأ* * * يزيل الشّبا و يقيم الصّعر

و يلبس للحرب أثوابها* * * و ما من وفى مثل من قد غدر (1)

فانصرفت إلى مكة فقصدت الحجر فسترت فيه، فاجتمع الناس حولها فقالت: أيها الناس إن الغوغاء من أهل الأمصار و أهل المياه و عبيد أهل المدينة اجتمعوا على هذا الرجل المقتول ظلما بالأمس، و نقموا عليه استعمال من حدثت سنه‏ (2)، و قد استعمل أمثالهم من قبله، و مواضع من الحمى حماها لهم فتابعهم، و نزع لهم عنها [استصلاحا لهم‏] (3) فلما لم يجدوا حجّة و لا عذرا بادروا بالعدوان؛ فسفكوا الدم الحرام، و استحلوا البلد الحرام و الشهر الحرام، و أخذوا المال الحرام، و اللّه لإصبع من عثمان خير من طباق الثرى‏ (4) أمثالهم، و و اللّه لو أنّ الذى اعتدّوا به عليه كان ذنبا لخلص منه كما يخلص الذهب من خبثه، أو الثوب من درنه، إذ ماصوه كما يماص الثوب بالماء- أى يغسل- فقال عبد اللّه بن عامر

____________

(1) تاريخ الطبرى 5: 172، و الكامل لابن الأثير 3: 87.

(2) فى الأصول «نفسه» و المثبت عن تاريخ الطبرى 5: 165، و الكامل لابن الأثير 3: 87.

(3) إضافة عن تاريخ الطبرى 5: 165.

(4) كذا فى الأصول. و فى و تاريخ الطبرى 5: 165، و الكامل لابن الأثير 3: 87 «طباق الأرض».

26

العامرى الحضرمى- و كان عامل عثمان على مكة (1)-: ها أنا ذا أوّل طالب. فكان أوّل مجيب، و تبعه بنو أميّة على ذلك، و كانوا هربوا من المدينة- بعد قتل عثمان رضى اللّه عنه- إلى مكة، و رفعوا روءسهم، و كانوا أول من تكلم بالحجاز، و تبعهم سعيد بن العاص، و الوليد بن عقبة، و سائر بنى أمية. و قدم عليهم عبد اللّه بن عامر من البصرة بمال كثير، و يعلى بن أميّة- و هو ابن منبّة- من اليمن و معه ستمائة بعير [و ستمائة ألف درهم، فأناخ بالأبطح. و قدم طلحة و الزبير من المدينة فلقيا عائشة] (2) فقالت: ما وراءكما؟ فقالا: إنا تحمّلنا هرابا من المدينة من غوغاء و أعراب، و فارقنا قومنا حيارى لا يعرفون حقا و لا ينكرون باطلا و لا يمنعون أنفسهم. فقالت: انهضوا إلى هؤلاء الغوغاء. فقالوا: نأتى الشّام. فقال ابن عامر: قد كفاكم الشام معاوية، فأتوا البصرة فإن لى بها صنائع، و لهم فى طلحة هوى.

قالوا: قبّحك اللّه [فو اللّه‏] (3) ما كنت بالمسالم و لا بالمحارب، فهلا

____________

(1) و فى شفاء الغرام 2: 165 «و عنه ينقل ابن ظهيرة فى الجامع اللطيف 275، و اللفظ له «وليها لعثمان رضى اللّه عنه جماعة أولهم: على بن عدى بن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف القرشى؛ ولاه عليها أول خلافته، ثم خالد بن العاص بن هشام بن عبد المغيرة المخرومى- سبقت ولايته فى عهد عمر رضى اللّه عنه- و كذلك ولى عثمان الحارث بن نوفل السابق آنفا، و عبد اللّه بن خالد بن أسيد بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس القرشى، ابن أخى عتاب بن أسيد، و عبد اللّه بن عامر الحضرمى. و ذكر ابن الأثير أنه كان على مكة فى سنة خمس و ثلاثين- و فيها قتل عثمان- ثم نافع بن عبد الحارث الخزاعى السابق ذكره».

(2) سقط فى الأصول و المثبت عن تاريخ الطبرى 5: 166، و الكامل لابن الأثير 3: 87.

(3) إضافة عن المرجعين السابقين.

27

أقمت كما أقام معاوية/ فنكتفى بك، ثم نأتى الكوفة فنسدّ على هؤلاء القوم المذاهب؟ فلم يجدوا عنده جوابا مقبولا، فاستقام الرأى على البصرة، و قالوا لها: نترك المدينة- فإنا خرجنا لا نطيق من بها من الغوغاء- و نأتى بلدا مضيعا و سيحتجون علينا ببيعة على رضى اللّه عنه؛ فتنهضينهم كما أنهضت أهل مكة، فإن أصلح اللّه الأمر كان الذى أردنا، و إلا دفعنا بجهدنا حتى يقضى اللّه ما أراد.

فأجابتهم إلى ذلك.

و دعوا عبد اللّه بن عمر رضى اللّه عنهما- و كان قدم من المدينة- ليسير معهم فأبى، و قال: أنا من أهل المدينة أفعل ما يفعلون‏ (1).

و كان أزواج النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) و رضى اللّه عنهم معها (2) على قصد المدينة، فلما تغيّر رأيها إلى البصرة تركن ذلك، و أجابتهم حفصة إلى المسير معهم، فمنعها أخوها عبد اللّه بن عمر، و جهّزهم يعلى ابن أمية بستمائة بعير [و ستمائة ألف درهم‏] (3) و جهزهم ابن عامر بمال كثير، و نادى مناديها: إن أم المؤمنين و طلحة و الزبير شاخصون إلى البصرة، فمن أراد إعزاز الإسلام، و قتال المحلّين، و الطلب بثأر عثمان، و ليس له مركب و جهاز فليأت. فحملوا ستمائة على ستمائة بعير، و ساروا فى ألف- و قيل فى تسعمائة- من أهل المدينة و مكة، و لحقهم الناس فكانوا ثلاثة آلاف رجل.

____________

(1) الكامل لابن الأثير 3: 88، و درر الفرائد المنظمة 194.

(2) أى عائشة رضى اللّه عنها.

(3) إضافة عن الكامل لابن الأثير 3: 88.

28

و بعثت أم الفضل بنت الحارث أم عبد اللّه بن عباس رضى اللّه عنهما رجلا من جهينة يدعى ظفر؛ فاستأجرته على أن يأتى عليا رضى اللّه عنه بالخبر، فقدم على على رضى اللّه عنه بكتابها (1).

و خرجت عائشة رضى اللّه عنها و من معها من مكة، و كان من قصتهم ما ذكر فى التواريخ.

و فيها حج بالناس عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب بأمر على ابن أبى طالب رضى اللّه عنه‏ (2).

*** «سنة سبع و ثلاثين»

فيها كان عامل مكة و الطائف قثم بن العباس‏ (3).

و فيها حج بالناس عبيد اللّه بن العباس، بأمر على بن أبى طالب رضى اللّه عنه‏ (4).

***

____________

(1) المرجع السابق.

(2) تاريخ الطبرى 5: 244.

(3) تاريخ الطبرى 6: 53، و الكامل لابن الأثير 3: 152.

(4) تاريخ الطبرى 6: 53 و فيه «عبد اللّه بن عباس». و الكامل لابن الأثير 3: 152.

29

«سنة ثمان و ثلاثين»

فيها حج بالناس عامل مكة قثم بن العباس بن عبد المطلب رضى اللّه عنه‏ (1).

*** «سنة تسع و ثلاثين»

فيها بعث معاوية رضى اللّه عنه يزيد بن شجرة الرهاوى فى ثلاثة آلاف فارس إلى مكة ليقيم للناس الحجّ، و يأخذ له البيعة بها، و ينفى عنها قثم بن العباس عامل/ على رضى اللّه عنه. فلما سمع قثم خطب الناس بمكة و عرّفهم مسير الشاميين، و دعاهم إلى قتالهم، فلم يجبيبوه بشى‏ء، و أجابه شيبة بن عثمان العبدرى بالسمع و الطاعة، فعزم قثم على مفارقة مكة و اللحاق ببعض شعابها، و مكاتبة أمير المؤمنين بالخبر و بأن يمده بالجيوش ليقاتل الشاميين.

فنهاه أبو سعيد الخدرى عن مفارقة مكة. و قال: أقم فإن رأيت منهم القتال و بك قوّة فاعمل برأيك، و إلّا فالمسير عنها أمامك.

فأقام؛ و قدم الشاميّون فلم يعرضوا لقتال أحد، و أرسل قثم إلى أمير المؤمنين يخبره، فسيّر جيشا فيهم الرّيّان بن ضمرة بن هوذة بن على الحنفى، و أبو الطفيل أول ذى الحجة، و كان قدوم يزيد بن شجرة قبل التروية بيومين، فنادى فى الناس: أنتم آمنون إلا من تعرّض لنا بقتال و نازعنا. و استدعى أبا سعيد الخدرى و قال له: إنى لا أريد

____________

(1) تاريخ الطبرى 6: 77، و الكامل لابن الأثير 3: 162.

30

الإلحاد فى الحرم، و لو شئت لفعلت؛ لما فيه أميركم من الضعف، فقل له يعتزل الصلاة بالناس و أعتزلها أنا، و يختار الناس من يصلى بهم. فقال أبو سعيد لقثم ذلك، فاعتزل الصلاة، و اختار الناس حاجب البيت شيبة بن عثمان بن أبى طلحة عبد اللّه بن عبد العزّى بن عثمان بن عبد الدار، فصلى بهم، و حجّ بهم. فلما مضى حجّ الناس سار يزيد إلى الشام، و أقبل خيل علىّ فأخبروهم بعود أهل الشام فتبعوهم‏ (1).

و قيل إن الإمام عليا رضى اللّه عنه بعث على الموسم عبيد اللّه ابن عباس، فاجتمع بمكة مع يزيد بن شجرة، و تنازعا الإمارة، و لم يسلّم أحدهما لصاحبه، ثم وقع الصّلح بينهما على أن يعتزل كل منهما الأمر جميعا، و يختار الناس من يصلى بهم، و يحج بهم. فاختاروا شيبة بن عثمان فصلى بهم و حج بهم‏ (2).

*** «سنة أربعين»

فيها- و قيل فى سنة اثنتين و أربعين- قدم بسر بن [أبى‏] (3) أرطاة العامرى مكّة فى ثلاثة آلاف بعد دخوله المدينة، فخاف أبو موسى الأشعرى أن يقتله فهرب منه، و أكره الناس على البيعة لمعاوية ثم‏

____________

(1) الكامل لابن الأثير 3: 164.

(2) تاريخ الطبرى 6: 79.

(3) اضافة عن تاريخ الطبرى 6: 80، و الكامل لابن الأثير 3: 166.

31

سار إلى اليمن، ثم عاد راجعا فلقى جارية (1) بن قدامة رسول على ابن أبى طالب، فهرب بسر و أصحابه معه، و أتبعه جارية (1) حتى أتى مكة، و قال: بايعوا/ أمير المؤمنين. فقالوا: قد هلك‏ (2)، فلمن نبايع؟ قال: لمن بايع له أصحاب علىّ. فبايعوا خوفا منه، ثم سار إلى المدينة.

و فيها خرج عبد اللّه بن عباس من البصرة و لحق بمكة فى قول أكثر أهل السير، و قد أنكر ذلك بعضهم فقالوا: لم يزل عاملا عليها لعلى حتى قتل، و شهد صلح الحسين مع معاوية، ثم خرج إلى مكة. و الأول أصح، و إنما كان الذى شهد صلح الحسن عبيد اللّه ابن عباس‏ (3).

و فيها حج بالناس المغيرة بن شعبة- و كان معتزلا بالطائف- عن كتاب يقال إنه افتعله على لسان معاوية رضى اللّه عنه أنه ولّاه‏

____________

(1) فى الأصول «حارثة» و المثبت عن تاريخ الطبرى 6: 80، و الكامل لابن الأثير 3: 166، و البداية و النهاية 7: 323.

(2) و المعروف أن على بن أبى طالب رضى اللّه عنه قتل فى شهر رمضان يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت منه سنة أربعين على يد ابن ملجم المرادى. و انظر تاريخ الطبرى 6: 83- 88، و الكامل لابن الأثير 3: 168- 170، و البداية و النهاية 7: 324- 329، و الرياض النضرة 2: 327- 332، و تاريخ الخلفاء 175، 176.

(3) تاريخ الطبرى 6: 81، و الكامل لابن الأثير 3: 167، و البداية و النهاية 7: 323.

32

الموسم، ثم خشى أن يجى‏ء أمير فقدّم الحجّ يوما؛ فوقف بالناس يوم التروية على أنه يوم عرفة، وضحوا على أنه يوم عرفة، و دعوا لمعاوية.

و تخلّف عن المغيرة ابن عمر رضى اللّه عنهما و معظم الناس، و كان ابن عمر رضى اللّه عنه و أصحابه عائدين من منى إلى عرفة و المغيرة و أصحابه مستقبليهم مفيضين من جمع، فأقاموا بعدهم ليلة، و هذا إن صح عن المغيرة فلعله صحّ عنده رؤية هلال ذى الحجة على وفق ما فعل، و لم يصح ذلك عند من خالفه- و اللّه أعلم. و قيل إنّ فعل المغيرة ذلك أنه بلغه أن عتّبة بن أبى سفيان مصبّحه واليا على الموسم‏ (1).

*** «سنة إحدى و أربعين»

فيها حج بالناس عتبة بن أبى سفيان‏ (2).

و فيها- أو فى التى بعدها- مات أبو وهب صفوان بن أميّة ابن خلف الجمحى‏ (3).

____________

(1) تاريخ الطبرى 6: 92، و الكامل لابن الأثير 3: 174، و شفاء الغرام 2:

214.

(2) تاريخ الطبرى 6: 98، و الكامل لابن الأثير 3: 181.

(3) الكامل لابن الأثير 3: 183 و فيه «مات سنة 42 ه» و البداية و النهاية 8:

23

33

و عثمان بن طلحة بن أبى طلحة عبد اللّه بن عبد العزى القرشى العبدرى‏ (1).

*** «سنة اثنتين و أربعين»

و فيها حج بالناس عتبة بن أبى سفيان‏ (2).

*** «سنة ثلاث و أربعين»

فيها كان عامل مكة خالد بن العاص بن هشام‏ (3).

و فيها حجّ بالناس أمير المدينة مروان بن الحكم‏ (4).

*** «سنة أربع و أربعين»

فيها كان واليا على مكة عبد اللّه بن خالد بن أسيد بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس القرشى الأموى‏ (5).

____________

(1) الاستيعاب 3: 1034، و الكامل لابن الأثير 3: 183، و مرآة الجنان 1: 119 و فيها «مات سنة 42 ه». و البداية و النهاية 8: 23.

(2) كذا فى الأصول و درر الفرائد 195. و فى تاريخ الطبرى 6: 103، و الكامل لابن الأثير 3: 183 «عنبسة بن أبى سفيان».

(3) تاريخ الطبرى 6: 121، و الكامل لابن الأثير 3: 190.

(4) و انظر المرجعين السابقين، و المحبر 20، و البداية و النهاية 8: 225 و درر الفرائد 195.

(5) العقد الثمين 5: 133، و الجامع اللطيف 286.

34

و فيها قدم من الشام منبر صغير على ثلاث درجات، فخطب عليه معاوية/ و هو أول من خطب بمكة على منبر، و كانت الخلفاء و الولاة يخطبون يوم الجمعة على أرجلهم قياما فى وجه الكعبة، و فى الحجر (1).

و فيها حجّ بالناس أمير المؤمنين معاوية بن أبى سفيان رضى اللّه عنه‏ (2)، فقدم له عبد اللّه بن صفوان بن أمية الجمحى ألفى شاة.

و اشترى دار النّدوة من أبى الرهين العبدرى بمائة ألف درهم، فجاء شيبة بن عثمان فقال له: إن لى فيها حقا، و قد أخذتها بالشفعة. فقال له معاوية: فأحضر المال. فقال: أروح به إليك العشيّة. و كان ذلك بعدما صدر الناس من الحجّ، و قد كان معاوية تهيّأ للخروج إلى الشام، فصلّى معاوية بالناس العصر، ثم دخل الطواف فطاف بالبيت سبعا، و صلّى خلف المقام ركعتين، ثم انصرف فدخل دار الندوة، فقام له شيبة حين أراد أن يدخل الدار، فقال: يا أمير المؤمنين قد أحضرت المال. قال: فاثبت حتى يأتيك رأيى. فأجيف الباب و أرخى السّتر، و ركب معاوية من الدار دوابّه و خرج من الباب الآخر مسافرا، و مضى معاوية إلى المدينة- و شيبة لا يشعر به- فلم يزل شيبة جالسا بالباب حتى جاء المؤذن فسلّم‏

____________

(1) شفاء الغرام 1: 242.

(2) تاريخ الطبرى 6: 123، و الكامل لابن الأثير 3: 192، و البداية و النهاية 8: 28، و الذهب المسبوك 24.

35

و أذنه بصلاة المغرب، فخرج والى مكة عبد اللّه بن خالد بن أسيد. فقام إليه شيبة فقال: فأين أمير المؤمنين؟ قال: راح إلى الشام. فقال شيبة: و اللّه لا كلمته أبدا (1).

و فيها فى ذى الحجة؛ و هو الصحيح- و قيل فى سنة اثنتين و أربعين، و يقال فى سنة إحدى و خمسين، و يقال فى سنة اثنتين و خمسين- مات أبو موسى الأشعرى عبد اللّه بن قيس بن موسى، الصحابى رضى اللّه عنه بمكة، و قيل فى الكوفة (2).

*** «سنة خمس و أربعين»

فيها حج بالناس أمير المدينة مروان بن الحكم‏ (3).

*** «سنة ست و أربعين»

فيها حج بالناس أبو الوليد عنبسة بن أبى سفيان صخر بن حرب‏ (4).

____________

(1) أخبار مكة للأزرقى 1: 269، 270، و شفاء الغرام 2: 167.

(2) تاريخ الطبرى 6: 234، و الاستيعاب 3: 979- 981، 4:

1762- 1764، و الكامل لابن الأثير 3: 202، و دول للإسلام 1: 44، و البداية و النهاية 8: 45.

(3) تاريخ الطبرى 6: 128، و الكامل لابن الأثير 3: 195، و الذهب المسبوك 24.

(4) و فى تاريخ الطبرى 6: 129، و الكامل لابن الأثير 3: 196. و البداية و النهاية 8: 30 «عتبة بن أبى سفيان».

36

«سنة سبع و أربعين»

فيها حج بالناس أبو الوليد عنبسة بن أبى سفيان. و قيل أخوه عتبة (1).

*** «سنة ثمان و أربعين»

فيها حج بالناس/ مروان بن الحكم، و قيل سعيد بن العاص‏ (2)

*** «سنة تسع و أربعين»

فيها حج بالناس أمير المدينة سعيد بن العاص‏ (3)

*** «سنة خمسين»

فيها حجّ بالناس أمير المؤمنين معاوية بن أبى سفيان، كذا قال‏

____________

(1) تاريخ الطبرى 6: 130، و الكامل لابن الأثير 3: 196. و البداية و النهاية 8: 31

(2) المحبر 20، و تاريخ الطبرى 6: 130، و الكامل لابن الأثير 3: 196.

(3) المحبر 20، و تاريخ الطبرى 6: 130.

37

العتيقى‏ (1)، و قال المسعودى إن الذى حج بالناس فى هذه السنة يزيد بن معاوية (2).

و اتفق لمعاوية رضى اللّه عنه فى حجّته الثانية أن يبعث إلى شيبة بن عثمان أن يفتح له الكعبة حتى يدخلها و يصلى فيها، فأرسل إليه بالمفتاح مع حفيده شيبة بن جبير- و هو غلام حدث- و لم يأته و لم يسلم عليه، فلما رآه معاوية استصغره و قال له: من أنت يا حبيب؟ فقال: أنا شيبة بن جبير. فقال: لا بأس بابن أخى، غضب أبو عثمان شيبة، فكان شيبة. ففتح الكعبة، فلما دخل أجاف عليه الباب و لم يدخل معه الكعبة إلا حاجبه أبو يوسف الحميرى، فبينا معاوية يدعو فى البيت و يصلى إذا بحلقة باب الكعبة تحرّك تحريكا خفيفا، فقال معاوية: يا شيبة انظر، هذا عثمان بن محمد بن أبى سفيان، فإن كان إيّاه فأدخله، ففتح الباب فإذا هو هو، فأدخله، ثم حركت الحلقة تحريكا هو أشد من الأوّل، فقال معاوية: انظر، هذا الوليد بن عتبة بن أبى سفيان، فإن كان إيّاه‏

____________

(1) تاريخ الطبرى 6: 134، و مروج الذهب 4: 398، و الكامل لابن الأثير 3: 202. و العتيقى هو محمد بن عبد اللّه بن محمد العتيقى الإفريقى، أبو عبد الرحمن فلكى مؤرخ من أهل إفريقيا توفى سنة 385 ه له التاريخ الجامع أرخ فيه لبنى أمية و بنى العباس. (الإعلام 7: 98)

(2) و فى مروج الذهب 3: 35 «و قد كان معاوية حج فى سنة خمسين» و فى 4: 398 «ثم كانت سنة خمسين حج بالناس يزيد بن معاوية»، و شفاء الغرام 2:

214، و الذهب المسبوك 24.

38

فأدخله. ففتح فإذا هو هو، فأدخله، ثم قال. لأبى يوسف الحميرى: انظر عبد اللّه بن عمر- فإنى رأيته آنفا خلف المقام- حتى أسأله أين صلّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من الكعبة. فقام أبو يوسف الحميرى فجاء بعبد اللّه بن عمر، فقال له معاوية: يا أبا عبد الرحمن. أين صلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عام دخلها؟ قال: بين العمودين المقدمين، اجعل بينك و بين الجدار ذراعين أو ثلاثة. فبينما هم كذلك إذ رجّ الباب رجّا شديدا. و حرّكت الحلقة تحريكا أشدّ من الأول، فقال معاوية لشيبة: انظر، هذا عبد اللّه بن الزبير، فإن كان إياه فأدخله. قال شيبة: فنظرت فإذا هو هو/. فأدخلته، فأقبل مغضبا فقال: إيها يا ابن أبى سفيان؛ ترسل إلى عبد اللّه بن عمر تسأله عن شى‏ء أنا أعلم به منك و منه، حسدا لى و نفاسة. فقال معاوية: على رسلك يا أبا بكر فإنما نرضاك لبعض دنيانا. فصلى معه و خرج. قال شيبة: و خرجت معه، فدخل زمزم فنزع منها دلوا فشرب منه، و صبّ باقيه على رأسه و ثيابه، ثم خرج فمر بعبد الرحمن ابن أبى بكر الصديق خلف المقام فى حلقة، فنظر إليه محدقا، فقال له عبد الرحمن: ما نظرك إلىّ؟ فو اللّه لأبى خير من أبيك [و أمى خير من أمك‏] (1) و أنا خير منك. فلم يجبه بشى‏ء و مضى حتى دخل دار الندوة، فلما جلس فى مجلسه قال: عجلوا على بعبد الرحمن بن أبى بكر، فقد رأيته خلف المقام. فأدخل عليه فقال: مرحبا بابن الشيخ الصالح، قد علمت أن الذى خرج منك آنفا لجفائنا بك،

____________

(1) إضافة عن أخبار مكة للأزرقى 1: 271.

39

و ذلك لنأى دارنا عن دارك، فارفع حوائجك. فقال: علىّ من الدّين كذا، و أحتاج إلى كذا، و أجز لى كذا، و أجز لى كذا، و أقطعنى كذا.

فقال معاوية رضى اللّه عنه: قد قضيت حوائجك كلها. فقال:

وصلتك رحم يا أمير المؤمنين، إن كنت لأبرنا بنا، و أوصلنا لنا.

و فيها حج عبد الصمد بن على بن عبد اللّه بن عباس‏ (1).

*** «سنة إحدى و خمسين»

فيها حج بالناس أمير المؤمنين معاوية بن أبى سفيان رضى اللّه عنهما، كذا قال الواقدى و أبو معشر (2)، و قال العتيقى و ابن الأثير (3): إن الذى حج بالناس فى هذه السنة يزيد بن معاوية، و يقال سعيد بن العاص‏ (4).

***

____________

(1) المعروف أن على بن عبد اللّه بن عباس ولد فى أيام مقتل على بن أبى طالب رضى اللّه عنه من سنة 40 ه فيكون سنه فى سنة خمسين حوالى عشر سنين، فكيف يحج ولده عبد الصمد فى سنة 50 ه؟! و انظر النجوم الزاهرة 1: 279، و شذرات الذهب 1: 148.

(2) كذا فى الأصول و تاريخ الخلفاء 196، و مروج الذهب للمسعودى 4:

398. و فى تاريخ الطبرى 6: 161 «و حج بالناس فى هذه السنة يزيد بن معاوية؛ حدثنى بذلك أحمد بن ثابت عن من ذكره عن إسحاق بن عيسى، عن أبى معشر، و كذلك قال الواقدى».

(3) الكامل لابن الأثير 3: 210.

(4) المحبر 20.

40

«سنة اثنتين و خمسين»

فيها حج بالناس أمير المدينة سعيد بن العاص‏ (1).

*** «سنة ثلاث و خمسين»

فيها حج بالناس أمير المدينة سعيد بن العاص‏ (2).

*** «سنة أربع و خمسين»

فيها حج بالناس أمير المدينة مروان بن الحكم‏ (3)، و يقال سعيد بن العاص كذا قال يعقوب بن سفيان‏ (4).

و فيها مات حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بمكة (5).

____________

(1) تاريخ الطبرى 6: 161، و مروج الذهب 4: 398، و الكامل لابن الأثير 3: 211.

(2) تاريخ الطبرى 6: 164، و الكامل لابن الأثير 3: 212.

(3) تاريخ الطبرى 6: 167، و مروج الذهب 4: 398، و الكامل لابن الأثير 3: 213 و البداية و النهاية 8: 67.

(4) المحبر 20، و يعقوب بن سفيان: هو يعقوب بن سفيان الفسوى الفارسى الحافظ المؤرخ له التاريخ الكبير (تاريخ الفسوى منه قطعة محفوظة بمعهد المخطوطات برقم 819 تاريخ، و له التاريخ و المعرفة. و الجزء الثانى منه محفوظ بخزانة طوبقبوسراى برقم 1554.

و انظر كشف الظنون 1: 299 و أعلام الزركلى 8: 198، و البداية و النهاية 11: 59، و النجوم الزاهرة 3: 77. و قد اختلف فى وفاته بين سنة 277، 280 ه.

(5) العقد الثمين 4: 221 برقم 1068، و الاستيعاب 1: 362 برقم 535، و البداية و النهاية 8: 68.

41

و سعيد بن يربوع بن عنكثة بن عامر بن مخزوم المخزومى بمكة أو بالمدينة (1).

*** «سنة خمس و خمسين»

فيها حج بالناس عتبة بن أبى سفيان./ كذا قال .... (2)، و قال ابن الأثير إن الذى حج بالناس فى هذه السنة مروان بن الحكم‏ (3).

و فيها مات الأرقم المخزومى، و قيل يوم مات أبو بكر (4).

*** «سنة ست و خمسين»

فيها اعتمر أمير المؤمنين معاوية بن أبى سفيان رضى اللّه عنه فى رجب‏ (5).

____________

(1) فى الأصول، و البداية و النهاية 8: 70 «معبد بن يربوع» و المثبت عن الاستيعاب 2: 626، و الإصابة 2: 51، و الكامل لابن الأثير 3: 213، و العقد الثمين 4: 588.

(2) بياض فى الأصل بمقدار كلمتين. و فى المحبر 20 «و حج بالناس فى سنة 55 ه مروان بن الحكم، و يقال عتبة بن أبى سفيان».

(3) الكامل لابن الأثير 3: 214، و تاريخ الطبرى 6: 168، و؟؟؟

4: 398.

(4) الاستيعاب 1: 131، و الكامل لابن الأثير 3: 214 و البداية؟؟؟ و النهاية 8: 71 و الإصابة 1: 78، و العقد الثمين 3: 280.

(5) تاريخ الطبرى 6: 168، و الكامل لابن الأثير 3: 214.

42

و فيها مات عثمان بن شيبة بن أبى طلحة العبدرى‏ (1).

و فيها حج بالناس الوليد بن عتبة بن أبى سفيان‏ (2).

*** «سنة سبع و خمسين»

فيها حج بالناس الوليد بن عتبة بن أبى سفيان‏ (3).

و فيها مات عثمان بن شيبة بن أبى طلحة العبدرى‏ (4).

*** «سنة ثمان و خمسين»

فيها حج بالناس أمير المدينة الوليد بن عتبة بن أبى سفيان‏ (5).

و فيها- و قيل فى التى بعدها- توفى شيبة بن عثمان الحجبى‏ (6).

____________

(1) انظر وفيات السنة الآتية.

(2) تاريخ الطبرى 6: 168، و مروج الذهب 4: 398، و المحبر 20، و الكامل لابن الأثير 3: 214، و البداية و النهاية 8: 78.

(3) مروج الذهب 4: 398، و الكامل لابن الأثير 3: 219، و البداية و النهاية 8: 81. و المحبر 20 و فيه «و يقال عتبة بن أبى سفيان».

(4) الكامل لابن الأثير 3: 219.

(5) تاريخ الطبرى 6: 172، و مروج الذهب 4: 398، و الكامل لابن الأثير 3: 221. و فى المحبر 21 «حج عثمان بن محمد بن أبى سفيان، و يقال الوليد».

(6) الإصابة 2: 161، و البداية و النهاية 8: 213، و العقد الثمين 5: 19 برقم 1384، و مرآة الجنان 1: 131.

43

«سنة تسع و خمسين»

فيها حج بالناس عثمان بن محمد بن أبى سفيان‏ (1).

و فيها مات عبد اللّه بن عامر بن كريز بمكة، فدفن بعرفات‏ (2).

و فيها و قيل فى سنة تسع و ستين مات أبو محذورة مؤذن النبى (صلّى اللّه عليه و سلم)(3).

*** «سنة ستين»

فيها لما أبطأ عبد اللّه بن الزبير عن بيعة يزيد بن معاوية و تخلف و خشى منهم لحق بمكّة ليمتنع بالحرم، و جمع مواليه، و جعل يظهر عيب يزيد بن معاوية و يشتمه، و يذكر شربه الخمر، و غير ذلك، و يثبّط الناس عنه، و يجتمع الناس فيقوم فيهم من الأيام فيذكر مساوى‏ء بنى أمية، فيطنب فى ذلك.

و فيها خرج الحسين بن على بن أبى طالب رضى اللّه عنه من المدينة إلى مكة، فلقيه عبد اللّه بن مطيع فقال: جعلت فداك، أين‏

____________

(1) تاريخ الطبرى 6: 196، و مروج الذهب 4: 398، و الكامل لابن الأثير 3: 223.

(2) الكامل لابن الأثير 3: 223، و العقد الثمين 5: 185، و البداية و النهاية 8: 88 و فيه «مات سنة 58 ه» و الإصابة 3: 60 و فيه «مات سنة سبع أو ثمان و خمسين».

(3) الكامل لابن الأثير 3: 223، و الإصابة 4: 176.

44

تريد؟ فقال: أمّا الآن فمكة، و أما بعد فإنى مستخير اللّه تعالى.

قال: خار اللّه لك، و جعلنا فداك، فإذا أتيت مكة فإياك أن تقرب الكوفة، فإنها بلدة مشئومة؛ بها قتل أبوك، و خذل أخوك، و اغتيل بطعنة كادت تأتى على نفسه، إلزم الحرم فإنك سيّد العرب لا يعدل بك أهل الحجاز أحدا، و يتداعى إليك الناس من كل جانب، لا تفارق الحرم فداك عمّى و خالى،/ فو اللّه لئن هلكت لنسترقّن بعدك.

فأقبل حتى نزل مكة، و أهلها يختلفون إليه و يأتونه، و من بها من المعتمرين و أهل الآفاق، و ابن الزبير بها قد لزم جانب الكعبة، فهو قائم يصلى عندها عامة النهار و يطوف، و يأتى الحسين فيمن يأتيه، و لا يزال يشير عليه الرأى و هو أثقل خلق اللّه على ابن الزبير؛ لأن أهل الحجاز لا يبايعونه ما دام الحسين بالبلد.

و أرسل أهل الكوفة إلى الحسين فى المسير إليهم، فلما أراد المسير إلى الكوفة أتاه عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال له: إنى أتيتك لحاجة أريد أن أذكرها نصيحة لك، فإن كنت ترى أنك مستنصحى قلتها، و أديت ما علىّ من الحق فيها، و إن ظننت أنك لا تستنصحنى كففت عما أريد. فقال له: قل، فو اللّه ما أستغشّك و ما أظنك بشى‏ء من الهوى. قال له: بلغنى أنك تريد العراق، و إنى مشفق عليك أن تأتى بلدا فيها عماله و أمراؤه، معهم بيوت الأموال؛ و إنما الناس عبيد الدينار و الدرهم، فلا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصره، و من أنت أحبّ إليه ممن يقاتلك معه.

فقال له الحسين: جزاك اللّه خيرا يا ابن عمّ؛ فقد علمت أنك‏

45

مشيت بنصح، و تكلّمت بعقل، و مهما يقض من أمر يكن أخذت برأيك؛ فأنت عندى أحمد مشير، و أنصح ناصح.

و أتاه عبد اللّه بن عباس رضى اللّه عنهما فقال له: قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق، فبيّن لى ما أنت صانع. فقال له: قد أجمعت السير فى أحد يومىّ هذين إن شاء اللّه تعالى. فقال له ابن عباس رضى اللّه عنهما: فإنى أعيذك باللّه من ذلك، أخبرنى، أتسير إلى قوم قتلوا أميرهم، و ضبطوا بلادهم، و نفوا عدوهم؟ فإن كانوا فعلوا ذلك فسر إليهم، و إن كانوا إنما دعوك إليهم- و أميرهم عليهم قاهر لهم، و عماله تجبى بلاده- فإنما دعوك إلى الحرب، و لا آمن عليك أن يغروك و يكذبوك و يستنفروا/ إليك و يكونوا أشد الناس عليك. فقال الحسين: إنى أستخير اللّه و أنظر ما يكون. فخرج ابن عباس.

و أتاه ابن الزبير فحدثه ساعة ثم قال: ما أدرى ما تركنا هؤلاء القوم و كفنا عنهم، و نحن أبناء المهاجرين و ولاة هذا الأمر دونهم!! خبرنى ما تريد أن تصنع؟ فقال الحسين رضى اللّه عنه:

لقد حدثت نفسى بإتيان الكوفة، و لقد كتب إلىّ شيعتى بها و أشراف الناس، و أستخير اللّه تعالى. فقال ابن الزبير: أما لو كان لى بها مثل شيعتك لما عدلت عنها. ثم خشى أن يتّهمه فقال: أما إنك لو أقمت بالحجاز ثم أردت هذا الأمر ها هنا ما خالفنا عليك، و ساعدناك و بايعناك و نصحنا لك. فقال له الحسين: إن أبى حدثنى أن بها كبشا يستحل حرمتها فما أحب أن أكون ذلك الكبش.

46

قال: فأقم إن شئت و تولينى أنا الأمر تطاع و لا تعصى. قال: و لا أريد هذا أيضا. ثم إنهما أخفيا كلامهما، فالتفت الحسين إلى من هناك و قال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا ندرى. جعلنا اللّه فداك. قال:

إنه يقول أقم فى هذا المسجد أجمع لك الناس. ثم قال له الحسين:

و اللّه لئن أقتل خارجا منها بشبر أحب إلىّ من أن أقتل فيها، و لئن أقتل خارجا منها بشبرين أحب إلى من أن أقتل خارجا منها بشبر، و اللّه لو كنت فى جحر هامة من هذه الهوام‏ (1) لاستخرجونى حتى يقضوا بى حاجتهم‏ (1)، و اللّه ليعتدون علىّ كما اعتدت اليهود فى السبت. فقام ابن الزبير فخرج من عنده، فقال الحسين: إن هذا ليس من الدنيا شى‏ء أحبّ إليه من أن أخرج من الحجاز، و قد علم أن الناس لا يعدلونه بى؛ فودّ أنى خرجت حتى يخلو له.

فلما كان من العشى- أو من الغداة- أتاه ابن عباس فقال:

يا ابن عمّ إنى أتصبّر و لا أصبر، إنى أتخوّف عليك فى هذا الوجه الهلاك و الاستئصال، إن أهل العراق قوم غدر فلا تقربنّهم، أقم بهذا البلد فإنك سيّد الحجاز، فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم فلينفوا عاملهم/ و عدوّهم، ثم أقدم عليهم، و إن أبيت إلا أن تخرج فسر إلى اليمن، فإن فيها حصونا و شعابا (2)،

____________

(1) فى الأصول «لا يستخرجونى حتى يقضوا لى حاجتهم» و المثبت عن الكامل لابن الأثير 4: 17.

(2) فى الأصول «و شعبا» و المثبت عن المرجع السابق.

47

و هى أرض طويلة عريضة، و لأبيك فيها شيعة، و أنت عن الناس فى عزلة، فتكتب إلى الناس و ثبتّ دعاتك؛ فإنى أرجو أن يأتيك عند ذلك الذى تحبّ فى عافية. فقال الحسين: يا ابن عمّ إنى أعلم و اللّه أنك ناصح مشفق، و قد أزمعت و أجمعت السيّر. فقال له ابن عباس: فإن كنت سائرا فلا تسر بنسائك و صبيتك، فإنى خائف أن تقتل كما قتل عثمان و نساؤه و ولده ينظرون إليه. ثم قال له ابن عباس: لقد أقررت عين ابن الزبير بالخروج من الحجاز، و هو اليوم لا ينظر إليه أحد معك، و اللّه الذى لا إله إلا هو لو أخذت بشعر ناصيتك حتى تجتمع علينا الناس و تطيعنى لفعلت ذلك. و خرج ابن عباس رضى اللّه عنهما من عنده فمرّ بابن الزبير ثم قال:

يا لك من قبّرة بمعمر* * * خلا لك الجوّ فبيضى و أصفرى‏

و نقّرى ما شئت أن تنقّرى

و هذا حسين يخرج إلى العراق و يخليك فى الحجاز.

و خرج الحسين رضى اللّه عنه يوم التروية، فاعترضه رسل عمرو بن سعيد بن العاص- و هو أمير على الحجاز ليزيد بن معاوية مع أخيه يحيى- يمنعونه، فأبى عليهم و مضى، و تضاربوا بالسياط، و امتنع الحسين و أصحابه و ساروا. فمروا بالتنعيم فرأى بها عيرا قد أقبلت من اليمن، بعث بها بجير بن ريّان من اليمن إلى يزيد بن معاوية- و كان عامله على اليمن- و على العير الورس و الحلل‏ (1)،

____________

(1) فى الأصول «الحلى» و المثبت عن الكامل لابن الأثير 4: 18، و سمط النجوم العوالى 4: 60.

48

فأخذها الحسين و قال لأصحاب الإبل: من أحب منكم أن يمضى معنا إلى العراق أوفيناه كراءه، و أحسنّا صحبته، و من أحبّ أن يفارقنا من مكاننا أعطيناه نصيبه من الكراء. فمن فارق منهم أعطاه حقه، و من سار معهم أعطاه كراءه و كساه، ثم شدّوا.

و أدرك الحسين كتاب عبد اللّه بن جعفر مع ابنيه عون و محمد، و فيه:-

أما بعد فإنى أسألك باللّه تعالى لما انصرفت حتى تقرأ كتابى هذا؛ فإنى مشفق عليك من هذا الوجه أن يكون فيه هلاكك و استئصال أهل بيتك، إن هلكت اليوم طفى‏ء نور الدين‏ (1)، فإنك علم المهتدين و رجاء المؤمنين، فلا تعجل بالمسير فإنى فى إثر/ كتابى و السلام.

و قام عبد اللّه بن جعفر إلى عمرو بن سعيد- و كان عامل يزيد على مكة- و قال له: أرسل إلى الحسين كتابا تجعل فيه الأمان، و تمنيه فيه بالبرّ و الصلة، و تسأله الرجوع. ففعل عمرو ذلك. و أرسل الكتاب مع أخيه يحيى بن سعيد، و مع عبد اللّه بن جعفر فلحقاه، و قرأ الكتاب، و جهدا أن يرجع، فلم يفعل، و كان مما اعتذر به إليهما أن قال: إنى رأيت رؤيا؛ رأيت فيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و أمرت فيها بأمر أنا ماض له. فقالا: ما تلك الرؤيا؟ قال: ما حدثت بهذا أحدا، و ما أنا محدث بها أحدا حتى ألقى ربى.

____________

(1) كذا فى الأصول. و فى الكامل لابن الأثير 4: 18 «نور الأرض».

49

فيها كتب يزيد إلى أمير المدينة عمرو بن سعيد الأشدق أن يوجه إلى ابن الزبير جندا، و ألا يؤتى به إلا مغلولا؛ لما بلغه عنه، فسأل عمرو الأشدق: من أعدى الناس لابن الزبير؟ فقيل: عمرو أخوه. فولّاه شرطة المدينة، و أرسل عمرو بن الزبير إلى نفر من أهل المدينة يضربهم ضربا شديدا بالسياط؛ لهوائهم فى أخيه عبد اللّه، منهم أخوه المنذر بن الزبير، و ابنه محمد بن المنذر، و عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، و عثمان بن عبد اللّه بن حكيم بن حزام، و محمد بن عمار بن ياسر و غيرهم‏ (1)؛ يضربونهم الأربعين إلى الخمسين إلى الستين، فاستشار عمرو بن سعيد عمرو بن الزبير فيمن يرسله إلى عبد اللّه بن الزبير. فقال: لا توجّه إليه رجلا أنكى له منى. فجهّز معه الناس، و فيهم أنيس بن عمرو الأسلمى فى سبعمائة، فجاء مروان بن الحكم إلى عمرو بن سعيد فقال له: لا تعز مكّة و اتّق اللّه، و لا تحل حرمة البيت، و خلوا ابن الزبير؛ فقد كبر (2) و له ستون سنة و هو يجوز (2). فقال عمرو بن الزبير: و اللّه لنغزونه فى جوف الكعبة على رغم أنف من رغم. و قال له أبو شريح خويلد الخزاعى الكعبى: لا تعزوا مكة؛ إنّا كنا مع رسول‏

____________

(1) أضاف تاريخ الطبرى 6: 192، و البداية و النهاية 8: 148 «خبيب ابن عبد اللّه بن الزبير، و فرمنه عبد الرحمن بن عثمان التيمى، و عبد الرحمن بن عمرو ابن سهل فى أناس إلى مكة».

(2) فى تاريخ الطبرى 6: 192 «هذا له بضع و ستون سنة و هو رجل لجوج» و فى الكامل لابن الأثير 4: 8 «فقد كبر و له ستون سنة و هو لجوج».

50

(صلّى اللّه عليه و سلم) حين فتح مكة فخطب فقال: إن اللّه حرّم مكة يوم خلق السموات و الأرض، و يوم خلق الشمس و القمر و وضعها بين الجبلين، فهى حرام إلى يوم القيامة، لا يحل لمؤمن يؤمن باللّه و اليوم الآخر أن يسفك فيها دما، و لا يعضد فيها شجرا، لم تحلّ لأحد كان قبلى، و لم تحلّ لى إلا/ ساعة من نهار، ثم رجعت كحرمتها بالأمس. فليبلغ الشاهد الغائب. و إن النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) أمرنا أن يبلّغ الشاهد الغائب، و كنت شاهدا و كنت غائبا، و قد أدّيت إليك ما كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أمر به. فقال له عمرو بن سعيد: انصرف أيها الشيخ، فنحن أعلم بحرمتها منك. إنها لا تمنع من ظالم، و لا خالع طاعة، و لا سافك دم.

فقال أبو شريح: قد أدّيت إليك ما كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أمر به، فأنت و شأنك.

و قيل إن يزيد كتب إلى عمرو بن سعيد ليرسل عمرو بن الزبير إلى أخيه عبد اللّه ففعل، و أرسله و معه جيش نحو ألفى رجل من أهل الشام، فنزل أنيس بذى طوى، و نزل عمرو بالأبطح، فأتاه الناس يسلمون عليه، و سألوه عن مجيئه، فقال: جئت لأن يعطى أخى الطاعة ليزيد و يبرّ قسمه، و قد حلف يزيد ألّا يقبل منه بيعته إلا أن يؤتى به فى جامعة، فإن أبى قاتلته. فقال له جبير بن شيبة: كان غيرك أولى بهذا منك، تسير إلى حرم اللّه و أمنه، و إلى أخيك فى سنّه و فضله، و تجعله فى جامعة؟! ما أرى الناس يدعوك و ما تريد. قال:

أرى من يحول‏ (1) دون ذلك. ثم أقبل عمرو و نزل داره عند الصفا،

____________

(1) فى الأصول «حال» و لعل الصواب ما ذكرناه. و فى العقد 6: 382 «أرى أن أقتل من حال دون ذلك».