الدرة الثمينة في أخبار المدينة

- محمد بن محمود ابن النجار المزيد...
183 /
5

تقريظ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين. أما بعد:

فإن المدينة المنورة الدار الطيبة و البقعة المحببة المطيبة، دار السّنة و الهجرة، و مدخل الصدق و الإيمان.

سماها اللّه طابة في «الصحيح» و سماها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) طيبة، و كان يطلق عليها من قبل (يثرب) و سميت كذلك في القرآن الكريم حكاية عن قول من قالها من المنافقين و الذين في قلوبهم مرض، و قد جاء النهي عن تسميتها بذلك، لأنه مأخوذ من الثرب و هو الفساد، أو من التثريب و هو التوبيخ و الملامة، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يكره الاسم الخبيث.

روى أحمد في «مسنده» من حديث البراء بن عازب رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «من سمى المدينة يثرب فليستغفر اللّه، هي طابة»، و جاء أن من قال: يثرب فكفارته أن يقول (المدينة) عشر مرات.

و المدينة حرم مقدس مشرف، ثبت تحريم صيدها و شجرها على الحلال و المحرم للّه كما هو مذهب الجمهور، لقوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في «صحيح مسلم» «إن إبراهيم حرم مكة، و إني حرمت المدينة، ما بين لابتيها حرام، لا يقطع عضاها، و لا يصاد صيدها».

لكن مكة يضمن صيدها و شجرها، و في ضمان صيد المدينة و شجرها خلاف.

و المدينة المنورة بلدة مباركة الطعام و الشراب، لأن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) دعا لأهلها بالبركة في صاعهم و مدّهم و مكيالهم.

و المدينة المنورة محفوظة لا يدخلها الدجال، ففي «الصحيحين» قال‏

6

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إن الدجال لا يطأ مكة و لا المدينة، و أنه يجئ حتى ينزل في ناحية المدينة فترجف ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل كافر و منافق».

و في رواية: «ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة و المدينة» و هي في «الصحيحين».

و المدينة المنورة محفوظة لا يدخلها الطاعون، ففي «الصحيحين» قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون و لا الدجال» و الأنقاب جمع نقب، و هو الطريق على رأس الجبل، و أنقاب المدينة طرقها و فجاجها.

و السر في ذلك أن الطاعون وباء عند الأطباء، و قد صح أنهم لما قدموا المدينة و أصابهم أمراض عظيمة و حمى شديدة، دعا لهم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فكشف عنهم ذلك، و قال: «اللهم انقل وباءها إلى خم» و خم؛ مكان على ثلاثة أميال من الجحفة التي هي جهة رابغ.

قال القرطبي: الطاعون هو الموت العام الفاشي، و نعني بذلك أنه لا يكون في المدينة من الطاعون مثل ما يكون في غيرها من البلاد، كالذي وقع في طاعون عمواس، و قد أظهر اللّه تعالى صدق رسوله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فإنه لم يسمع من النقلة و لا من غيرهم من يقول: أنه وقع في المدينة طاعون عام و ذلك ببركة دعائه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حيث قال: «اللهم صححها لنا».

و المدينة المنورة لا تقبل خبثا، فهي كالكير في إزالة الخبث عنها كما في «الصحيحين» أن أعرابيا بايع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأصابه وعك بالمدينة، فقال: يا محمد! أقلني بيعتي- أي أعفني من مبايعتك- فأبى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فخرج الأعرابي، فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إنما المدينة كالكير تنفي خبثها و ينصع طيبها» أي يخلص و تشتد رائحته.

قال بعضهم: هذا خاص بزمن حياته (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و صحح النووي أنه عام يشمل كل زمان، فقد جاء في الحديث الصحيح: «لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد» قال الزركشي: هذا- و اللّه أعلم زمن الدجال.

المدينة المنورة لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل اللّه فيها من هو خير

7

منه. و معنى ذلك أن الذي يخرج عن المدينة راغبا عنها زاهدا فيها، إنما هو جاهل بفضلها، و فضل القيام بها، أو كافر بذلك، و كل واحد من هذين إذا خرج منها فمن بقي من المسلمين خير منه و أفضل على كل حال. و قد قضى اللّه تعالى بأن مكة و المدينة لا تخلوان من أهل العلم و الفضل و الدين، إلى أن يرث اللّه الأرض و من عليها.

و في المدينة المنورة المسجد الذي أسس على التقوى «مسجد قباء» الذي جاءت الإشارة في قوله تعالى. لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى‏ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ‏ [التوبة: 108].

و قد سأل أبو سعيد رضي اللّه عنه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن المسجد الذي أسس على التقوى؟ فقال: «هو مسجدكم هذا».

و جاء في رواية أخرى: أنه المسجد النبوي. و الحق أن كلا منهما أسس على التقوى، و قد أخرج الترمذي أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «الصلاة في مسجد قباء كعمرة». و أخرج ابن ماجه بسند جيد عن سهل قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة». و رواه أحمد و الحاكم و قال: صحيح الإسناد.

و قد كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) يأتي مسجد قباء راكبا و ماشيا كل سبت، و تارة يوم الإثنين، و صبيحة اليوم السابع عشر من رمضان فيصلي فيه. و قد حث (صلّى اللّه عليه و سلّم) على الإقامة بها، و وعد من صبر على لأوائها و شدتها أن يكون له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة.

و دعا على من أحدث بها و أساء و أتى إثما و أعان على ذلك، فقال:

«من أحدث فيها أو آوى محدثا فعليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين لا يقبل اللّه منه صرفا و لا عدلا». أي لا يقبل منه فرضا و لا نفلا.

و دعا على من آذى أهلها أو أرادهم بسوء بأن اللّه يذيبه في النار ذوب الرصاص، أو ذوب الملح في الماء، و قال: «اللهم أكفهم من دهمهم ببأس» رواه البزار بإسناد حسن.

هذا و قد وفق اللّه ابننا الفاضل الباحث المجتهد الأديب الأريب الأستاذ حسين محمد علي شكري المدني الذي امتلأ قلبه بحب دينه و نبيه‏

8

(صلّى اللّه عليه و سلّم) و بلده المدينة المنورة، فقام بجد و اجتهاد و إخلاص و صدق بالبحث و التنقيب عن تواريخ المدينة المنورة، و عن النسخ المصححة المعتمدة و الأصول الموثقة في المكتبات الأثرية، و سؤال ذوي الإختصاص عنها من المهتمين بهذا الباب بالمقابلة و المراسلة و قد ظهر له في نتائج هذه الجهود أمور كثيرة مهمة تستحق التسجيل و النظر و المراجعة لبعض ما نشر من التواريخ لأهمية تلك الفوائد.

و هذا الكتاب الذي نقدم له اليوم و هو «الدرة الثمنية في أخبار المدينة» للإمام الحافظ أبي عبد اللّه محمد بن محمود بن النجار البغدادي، هو أول كتاب في سلسلة جهوده المباركة.

نسأل اللّه سبحانه و تعالى أن يوفقنا و إياه لصالح الأعمال، و أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم.

و صلّى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم، و الحمد للّه رب العالمين.

و كتبه السيد محمد بن علوي ابن عباس المالكي الحسني‏

9

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

مقدمة التحقيق‏

الحمد للّه، و الصلاة و السلام الأتمان على سيدنا محمد، و على آله و صحبه أجمعين.

و بعد:

فهذا كتاب «الدرة الثمينة في أخبار المدينة» لابن النجار في طبعته الأولى المحققة و المقابلة بطبعتين سابقتين و ثلاث نسخ خطية له.

فالطبعة الأولى للكتاب أخرجها الأستاذ صالح جمال عام 1366 ه اعتمادا على نسخة خطية سقيمة كما وصفها (رحمه اللّه) في مقدمة الكتاب، و قد سماه «أخبار مدينة الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم)».

و الطبعة الثانية أخرجها لجنة من العلماء و الأدباء- كما هو مذكور في صدر غلاف الطبعة- و ذلك سنة 1376 ه، و ذلك اعتمادا على نسختين خطيتين و مطبوعة الأستاذ صالح جمال، و سمي «الدرة الثمينة في تاريخ المدينة».

و قد قمت بمقابلة المطبوعتين فوجدت بينهما اختلافا كبيرا و تكرارا لأخطاء و تصحيفات كثيرة جدا يطول عرضها، إضافة إلى أنهما حرّفا اسم الكتاب، ثم بحثت عن مخطوطة لهذا الكتاب فلم أجد سوى مخطوطة بمكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت منسوخة بخط الشيخ إبراهيم حمدي أمين المكتبة عن نسخة يظهر من تعليقه على الورقة الأولى من المخطوطة أنها بمكتبة آل مظهر بالمدينة المنورة.

فقابلت بين هذه النسخ و أثبت الفروق، ثم ظفرت بنسخة ثانية كتبت بخط الشيخ إبراهيم حمدي أيضا لكن بعدد أقل من البياضات و السقط، و ذكر في نهايتها عن أي مخطوطة نقلت هذه المخطوطة، فظهر أنها جميعها

10

نقلت من نفس النسخة التي نقلت منها النسخة التي اطلع عليها الأستاذ صالح جمال، و نسخة ثالثة ناقصة الأوراق من بدايتها و وسطها و نهايتها و هي من مصورات مكتبة تشستربتي.

و قد قمت بعد المقابلة و إثبات الفروق بالرجوع إلى المصادر التي يمكن أن يكون تم منها النقل ككتب الصحيحين، و قمت بمراجعة تراجم رجال السند للتأكد من صحة الأسماء و تسلسل السند لتصحيح الأسقاط و التحريفات الكثيرة الواقعة في النسخ المطبوعة أولا ثم الخطية، و لم ألتزم بذكر فروق النسخ كثيرا لأنه أمر يطول ذكره لوجود التباين الواسع و الأسقاط المتعددة.

و أسأل اللّه العظيم أن يكون ما بذلته من جهد خالصا لوجهه الكريم، و أن يثيب كل من نظر و راجع و صحح ما وجده من خلل في هذه الطبعة، و أن يرزقنا جميعا المحبة و حسن الأدب في جوار هذا السيد العظيم سيدنا محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم).

سبحانك اللهم و بحمدك، و صلّى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلّم تسليما كثيرا.

و كتبه حسين محمد علي شكري‏

11

تاريخ المدينة المنورة و المؤرخون‏

حظيت مدينة الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) باهتمام العلماء من مؤرخين و محدثين، فمنهم من أفرد تاريخها أو فضائلها في مصنف مفرد لذلك، و منهم من أدمجه في مصنف كبير، أو ذكر فضائلها ضمن مؤلفه.

و في هذه الخلاصة أحببت ذكر هذه المصنفات مع إيراد ترجمة مقتضبة لها إسهاما في التعريف بهذه المصنفات، و حثا للباحثين و المهتمين على إظهارها و إخراجها من عالم المخطوطات إلى عالم المطبوعات، فحق المحبة و الجوار بالمدينة المنورة يلزم كل من وجد في نفسه القدرة العلمية و كذا القدرة المادية أن يسهم في إخراج هذه الكنوز التاريخية، خصوصا تاريخ المدينة المنورة التي وفق اللّه لها علماء و حفاظا كتبوا في تاريخها و فضائلها.

و سوف أعرض هذه المصنفات حسب تسلسلها التاريخي ما استطعت إلى ذلك سبيلا، و قد أعلق بما يفيد حول بعضها، و أذكر ترجمة مختصرة لمؤلفيها.

و فيما يلي ذكرها:

1- تاريخ المدينة لابن زبالة:

المؤلف هو محمد بن الحسن بن زبالة المدني، و قد أتم كتابه سنة 199 ه أي قبل وفاته بعام حيث إنه توفي سنة 200 ه، و قد عرفته المصادر أنه من أصحاب الإمام مالك رضي اللّه عنه.

و هذا الكتاب لا يزال مفقودا، فممن اطلع عليه السمهودي و نقل منه في كتاب «وفاء الوفا»، كما يعتبر الكتاب مصدرا لجميع من كتب عن المدينة المنورة من بعده.

12

و قد جمع المستشرق فستنفلد مرويات ابن زبالة من المصادر التي نقلت عنه و قام بنشره عام 1864 م بعنوان «تاريخ المدينة» لابن زبالة.

و الظن أن أصل الكتاب قد احترق ضمن الحريق الذي أتى على كتب السمهودي.

2- تاريخ يحيى بن جعفر العبيدي النسابة: ذكره صاحب «كشف الظنون».

3- أمر المدينة: لعلي بن محمد المدائي: ذكره محقق تاريخ ابن شبة.

4- أخبار المدينة: للزبير بن بكار، و له أيضا «أخبار وادي العقيق» توفي سنة 256 ه.

5- أخبار المدينة المنورة: لعمر بن شبة. و هو: عمر بن شبة النميري البصري، توفي سنة 262 ه، ألف أيضا كتاب «أمراء المدينة».

و هذا الكتاب لم يصل إلينا كاملا. و الكتاب يسرد تاريخ المدينة من خلال التراجم و ذكر بعض المواضع، و تاريخ الخلفاء الأربعة (رضوان اللّه عليهم)، و قد طبع الجزء الذي وصل إلينا.

6- أخبار المدينة: ليحيى بن الحسن بن جعفر. و قد عاش في أواخر القرن الثالث.

7- فضائل المدينة: للمفضل الجندي.

و هو: المفضل بن محمد بن إبراهيم بن مفضل الجندي اليمني، توفي سنة 308 ه. و كتابه صغير الحجم اقتصر فيه على ذكر فضائل المدينة و السكنى فيها و بعض البقاع منها، و هو مطبوع.

8- الأنباء المبينة عن فضل المدينة: للقاسم بن عساكر الدمشقي المتوفى سنة 600 ه.

9- الدرة الثمينة في أخبار المدينة: لابن النجار- و هو كتابنا هذا-.

10- إتحاف الزائر و إطراف المقيم للسائر: لأبي اليمن بن عساكر.

هو: عبد الصمد بن عبد الوهاب ابن عساكر، توفي سنة 686 ه، و كتابه يهتم في أكثره بالزيارة و ما يتعلق بها من أخبار، مع ذكره لبناء و فضل‏

13

المسجد النبوي، و قد طبع ضمن سلسلة كتب تاريخ المدينة المنورة (3).

11- بهجة النفوس و الأسرار: للمرجاني، توفي سنة 699 ه.

هو: عبد اللّه بن محمد بن عبد الملك المرجاني البكري. توفي سنة 699 ه، و كتابه مما يمكن اعتباره من الكتب الشاملة التي توسعت في ذكر أخبار المدينة، و له فيه استطرادات خارجة عن أصل موضوع الكتاب، و يقوم أحد الباحثين بجامعة أم القرى بتحقيق الكتاب.

12- الروضة الفردوسية و الحظيرة القدسية: للآقشهري.

هو: محمد بن أحمد بن أمين بن معاذ الآقشهري. توفي سنة 739 ه. و كتابه كما وصفه السخاوي مقسم على خمسة أبواب: في الزيارة و حكمها، في ذكر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أبنائه و بناته الخ، في ذكر الوقائع، في ذكر الصحابة، في ذكر من عرفت وفاته بالمدينة.

13- التعريف بما آنست الهجرة من معالم دار الهجرة: للمطري.

هو: محمد بن أحمد بن خلف المطري. توفي سنة 741 ه. كتابه بمثابة الذيل لكتاب ابن النجار حيث استدرك فيه على ابن النجار، و وصف بعض المعالم في عصره، و هو قيد الطبع.

14- الإعلام بمن دخل المدينة من الأعلام: للمطري.

هو: عبد اللّه بن محمد بن أحمد المطري، توفي سنة 765 ه. و قد ذكر السخاوي أنه لم يتيسر له الوقوف على نسخة منه.

15- نصيحة المشاور و تعزية المجاور: لابن فرحون.

هو: عبد اللّه بن محمد بن فرحون اليعمري المالكي، توفي سنة 769 ه. كتابه من أوسع الكتب و أشملها لمن سبقه، حيث إنه تصوير و تأريخ للحياة السياسية و الاجتماعية و الثقافية في المدينة المنورة في عهد المؤلف، ألفه في أواخر حياته فلخص فيه تجربة كاملة لظروف و أحوال معيشية عاصرها المؤلف. و هذا الكتاب قد طبع ضمن سلسلة كتب تاريخ المدينة المنورة (2).

16- تحقيق النصرة بتلخيص معالم دار الهجرة: للمراغي.

هو: أبو بكر بن الحسين بن عمر المراغي، توفي سنة 816 ه.

14

و كتابه تلخيص لكتابي ابن النجار و المطري كما أنه استدرك عليهما و زاد فيه. و قد طبع الكتاب.

17- المغانم المطابة في معالم طابة: للفيروز ابادي.

هو: محمد بن يعقوب بن محمد الفيروز ابادي، توفي سنة 817 ه.

و كتابه يهتم بالتعريف بالمواضع حيث إنه علامة لغوي، كما ذيل كتابه ببعض التراجم. و قد طبع الجزء الخاص بالمواضع الجغرافية فقط من الكتاب.

18- التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة: للسخاوي.

هو: محمد بن عبد الرحمن بن محمد السخاوي، توفي سنة 902 ه. و كتابه عبارة عن تلخيص مختصر جدا للسيرة النبوية في بداية الكتاب، ثم بقية الكتاب عبارة عن تراجم. و هو مطبوع.

19- وفاء الوفا في أخبار دار المصطفى: للسمهودي.

هو: علي بن أحمد السمهودي، توفي سنة 911 ه. و كتابه هذا هو أوسع كتب تاريخ المدينة المنورة، حيث إنه قد اطلع على جميع ما سبق من مصنفات كتبت حول المدينة المنورة معظمها لا يزال مفقودا. و قد طبع الكتاب عدة طبعات، و كذلك مختصر الكتاب المسمى (خلاصة الوفا).

20- الجواهر الثمينة في محاسن المدينة: لمحمد كبريت.

هو: محمد بن عبد اللّه بن محمد الحسيني، توفي سنة 1070 ه.

و كتابه يغلب عليه طابع الأدب و الشعر و الرقائق.

21- نتيجة الفكر في خبر مدينة سيد البشر: للخليفتي.

هو: محمد بن عبد اللّه العباسي الخليفتي، توفي سنة 1130 ه (1).

و كتابه يحتوي كما وصفه الدكتور عاصم حمدان‏ (2) على خمسة أبواب: في فضل المدينة، في فضل مسجدها، في من يزار بها من الصحابة، في مشاهدها و آثارها، في فضل المجاورة بها.

____________

(1) في تاريخ الوفاة خلاف في مصادر الترجمة، و ما ذكر هنا أرجح الأقوال.

(2) المدينة المنورة بين الأدب و التاريخ ص 106.

15

22- نزهة الناظرين في تاريخ مسجد سيد الأولين و الآخرين:

للبرزنجي.

هو: جعفر بن إسماعيل بن زين العابدين البرزنجي، توفي سنة 1317 ه، و كتابه خاص بتاريخ مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو مطبوع.

أما المصنفات التي اهتمت بتاريخ علماء و عائلات المدينة فهي:

1- تحفة المحبين و الأصحاب في معرفة ما للمدنيين من الأنساب:

للأنصاري.

هو: عبد الرحمن بن عبد الكريم بن يوسف الأنصاري، توفي سنة 1197 ه. و كتابه هذا يهتم بذكر أنساب عائلات المدينة المنورة و أصولها، كما يهتم بذكر الإنتاج العلمي لأفراد تلك الفترة.

2- تحفة الدهر و نفحة الزهر في أعيان المدينة من أهل العصر:

للداغستاني.

هو: عمر بن عبد السلام الداغستاني الأنصاري، توفي بعد سنة 1201 ه، و كتابه يغلب عليه الطابع الأدبي في ذكر التراجم، حيث يصوغ عباراته بأسلوب أدبي. و قد ذكر الدكتور عاصم حمدان أنه يقوم بتحقيقه.

و هناك مؤلفات اهتمت بذكر ما حصل من الفتن بالمدينة المنورة على وجه الخصوص فمنها:

1- ذيل الانتصار لسيد الأبرار. للسمهودي.

هو: عمر بن علي السمهودي، توفي سنة 1158 ه. و هذا الكتاب يؤرّخ للفتنة التي حصلت بالمدينة بين سكان المدينة المنوّرة و الأغوات و تدخل حرب لمناصرة الأغوات.

2- النفح الفرجي في فتح جته جي: للبرزنجي.

هو: جعفر بن حسن بن عبد الكريم البرزنجي، توفي سنة 1184 ه (1). و هذا الكتاب يختص بذكر فتنة تسلط بعض قبائل حرب على‏

____________

(1) ذكر بعض المصادر وفاته عام 1177 ه.

16

طريق الحاج و مداهمتهم لأطراف المدينة المنورة حتى قيض اللّه لهم القائد علي جته جي فحارب تلك القبائل ورد كيدها.

3- الأخبار الغريبة فيما وقع بطيبة الحبيبة: لجعفر هاشم.

هو: جعفر بن حسين بن يحيى بن هاشم، توفي سنة 1342 ه.

و الكتاب تاريخ لفتن وقعت بالمدينة المنورة خلال القرن الثاني عشر ذكرها ملخصة الدكتور عاصم حمدان في كتابه «المدينة المنورة بين الأدب و التاريخ»، و قد طبع الكتاب.

هذا ما وقفت عليه من مؤلفات اهتمت بتاريخ المدينة المنورة و ما يتعلق بها من نواحي اجتماعية و سياسية و تاريخية، و يلاحظ أنه قد يتقارب تاريخ مؤلف لمؤلف آخر معاصر له، أو أن الفترة الزمنية بينهما ليست بالبعيدة، كما يلاحظ التباعد الزمني لبعض المصنفات، و السبب ليس لعدم الكتابة خلال هذه الفترة في رأيي، إنما هو عدم الاطلاع أو الوقوف على مصنفات للمهتمين بتاريخ المدينة المنورة خلال هذه الفترة الزمنية الفاصلة بين تاريخ و آخر.

و في عصرنا الحديث ظهرت مؤلفات لمعاصرين تعددت توجهاتهم في الكتابة عن المدينة المنورة. فمنها:

1- تاريخ معالم المدينة المنورة قديما و حديثا: لأحمد ياسين الخياري.

2- فصول في تاريخ المدينة: لعلي حافظ.

3- المدينة المنورة بين الماضي و الحاضر: لإبراهيم العياشي.

4- آثار المدينة المنورة: لعبد القدوس الأنصاري.

5- الدر الثمين في معالم دار الرسول الأمين: لمحمد غالي الشنقيطي.

6- فضائل المدينة المنورة: لخليل ملا خاطر.

7- رسائل في تاريخ المدينة: نشرها حمد الجاسر.

8- الأحاديث الواردة في فضائل المدينة: صالح الرفاعي.

9- التاريخ الشامل للمدينة المنورة: عبد الباسط بدر.

10- المدينة المنورة بين الأدب و التاريخ: عاصم حمدان.

17

11- عنوان النجابة فيمن مات بالمدينة من أبناء الصحابة: مصطفى العلوي السناري.

و لا يزال الاهتمام بهذه المدينة المنورة محط أنظار المهتمين و الباحثين، فلا تخفى في وقتنا الحاضر المؤلفات فيها، و الحمد للّه.

و صلّى اللّه و سلّم على سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين.

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

هذا الكتاب‏

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين.

فهذا كتاب يؤرخ لمدينة المصطفى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و هو الكتاب الثاني الذي وصل إلينا من الكتب المصادر لكثير من المؤرخين و عمدتهم.

و هذا الكتاب ألفه الإمام الحافظ أبو عبد اللّه محمد بن محمود النجار المتوفى سنة 643 ه، كتبه عند ما قدم إلى المدينة المنورة للزيارة حيث يقول بعد ما اجتمع بجماعة من أهل المدينة: «فسألوني عن فضائل المدينة و أخبارها، فأخبرتهم بما تعلق في خاطري من ذلك، فسألوني إثباته في أوراق ...» و قد قيده من حفظه حيث إن مصادره لم تكن معه حين الزيارة و في ذلك يقول: «فاعتذرت إليهم بأن الحفظ قد يزيد و ينقص، و لو كانت كتبي حاضرة كنت أجمع كتابا في ذلك شافيا لما في النفس ...».

فهو- ي(رحمه اللّه)- قد أحب أن يجمع في تاريخ المدينة كتابا شافيا، و لو تيسرت له كتبه لكتب في تاريخها كتابا أعظم مما كتب، كما كتب ذيلا لتاريخ بغداد للخطيب، و الذي قال عنه الذهبي: «و هو في مئتي جزء ينبئ بحفظه و معرفته ...».

فهذا الكتاب بالنسبة لما قد ظهرت من مؤلفات سابقة له في تاريخ المدينة يعتبر فريدا جامعا، فمثلا أقدم تواريخ المدينة التي وصلت إلينا، هو تاريخ ابن شبة و هو غير مكتمل فما وصلنا غير جزء منه أو نصفه، كان ابن شبة يؤرخ فيه على طريقة المحدثين، و لم تكن أخباره متوسعة في جميع المجالات بل هي سير مقتضبة لأحداث جرت بالمدينة و مواقع ذكرت أشياء عنها يسيرة.

ثم كتاب «فضائل المدينة» لابن الجندي و هو كتاب صغير اهتم مصنفه‏

20

بذكر نبذ من فضائل بعض الأماكن و البقاع بالمدينة و السكنى بها.

أما ابن النجار فقد ذهب إلى ما يعرف بالتاريخ الموسوعي للمدينة و تاريخها القديم، و نشأتها منذ الزمن القديم، و ما جرى بها من أحداث خلال تلك الفترة.

ثم تدرج في تلك الأخبار و التواريخ و الوصف و ذكر الشواهد، و ما سمعه من شيوخه و من أهل هذه المدينة عند ما استخبر عن بعض الأماكن و الأحداث.

و نظرا لما لهذا الكتاب من أهمية باعتباره تفرد في منهجه، وجدنا أن المطري المتوفى سنة 741 ه قد ذيل لهذا الكتاب و استدرك عليه، ثم أتى بعدهما أبو بكر المراغي المتوفى سنة 816 ه فاستدرك و ذيل على الكتابين.

كما أن هذا الكتاب يعد مصدرا أساسيا باعتبار نقله عن ابن زبالة و الزبير بن بكار، فنجد السمهودي يورد عن المؤلف و يشير إلى أنه رواه بسنده عن الزبير أو ابن زبالة، مع أن السمهودي- في غالب الظن- قد اطلع على تاريخ ابن زبالة.

و تاريخ ابن النجار هذا يؤرخ حتى فترة حياته، فنراه يختم قوله في بعض المواضع بقوله «إلى يومنا هذا»، فقد سجل تاريخه بالإضافة إلى النقل و الرواية عن طريق المعاينة، و قام كذلك بتحديد قياسات بعض الأماكن التي اطلع عليها و وصف مكانها و موقعها و قد فعل ذلك أيضا المطري اقتداء به.

و ختاما أدع القارئ الكريم يجول بناظريه في صفحات هذا الكتاب ليرى مدى أهميته في حفظ تاريخ هذه المدينة المنورة المباركة، و يحصل منه ما لا يجده في كثير من المصادر.

21

ترجمة المؤلف‏ (1)

اسمه: محمد بن محمود بن حسن بن هبة اللّه بن محاسن البغدادي، أبو عبد اللّه.

لقبه و كنيته: محب الدين ابن النجار.

نشأته و تعلمه: ولد- (رحمه اللّه)- سنة ثمان و سبعين و خمسمائة، و أول سماعه و هو ابن عشر سنين، و طلب بنفسه و هو ابن خمس عشرة سنة، فسمع من أبي الفرج عبد المنعم بن كليب، و يحيى بن بوش، و ذاكر بن كامل، و المبارك بن المعطوش، و أبي الفرج بن الجوزي. و هؤلاء غالب من يروي عنهم في مؤلفه هذا.

كما سمع بالشام و مصر و الحجاز و أصبهان و حران و مرو و هراة و نيسابور في رحلة استغرقت سبعة و عشرين عاما، فكتب عمن دب و درج من عال و نازل، و مرفوع و أثر، و نظم و نثر حتى صار المشار إليه ببلده و حصل و جمع.

و قد اشتملت مشيخته على ثلاثة آلاف شيخ و أربعمائة امرأة.

قال عن نفسه: «قرأت المطولات، و رأيت الحفاظ، و كنت كثير التتبع لأخبار فضلاء بغداد و من دخلها»، و لعل ذلك مما جعله يذيل على كتاب الخطيب البغدادي «تاريخ بغداد».

مؤلفاته:

القمر المنير في المسند الكبير.

كنز الإمام في السنن و الأحكام.

____________

(1) مصادر الترجمة: «سير أعلام النبلاء» 23/ 131، «طبقات الشافعية» لابن قاضي شهبة 1/ 454 (424)، «طبقات الشافعية» للسبكي 8/ 98 (1093)، «طبقات الشافعية» للإسنوي 2/ 502 (1199).

22

- المؤتلف و المختلف.

المتفق و المفترق.

انتساب المحدثين إلى الآباء و البلدان.

جنة الناظرين في معرفة التابعين.

العقد الفائق.

وفاته: توفي- (رحمه اللّه)- في خامس شعبان سنة ثلاث و أربعين و ستمائة.

23

مقدمة المؤلف‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

و صلّى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم.

أخبرنا الفقيه الأجل الإمام العالم الشريف العدل؛ تاج الدين علي بن أبي العباس أحمد بن الشيخ الأجل أبي محمد عبد المحسن بقراءتي عليه.

أخبرنا الشيخ الفقيه الأجل أبو عبد اللّه محمد بن محمود بن النجار بقراءة أبي عليه، و قراءة ابن الوليد عليه و أنا أسمع، قال:

الحمد للّه حمدا يقتضي من إحسانه المزيد، و يبلغنا من رضوانه ما نؤمل و نريد، و الصلاة و السلام على من هدانا إلى المنهج السديد، محمد الذي هو على أمته شهيد، و على آله و أصحابه ذوي المجد المشيد، ما سار راكب في البيد.

و بعد؛ فإني لما دخلت مدينة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أسعدت بزيارته أقمت بها، و اجتمعت بجماعة من أهل الصلاح و العلم و الفضل من المجاورين بها، وفقهم اللّه و إيانا لمرضاته، فسألوني عن «فضائل المدينة و أخبارها» فأخبرتهم بما تعلق في خاطري من ذلك، فسألوني إثباته في أوراق، فاعتذرت إليهم بأن الحفظ قد يزيد و ينقص، و لو كانت كتبي حاضرة كنت أجمع كتابا في ذلك شافيا لما في النفس، فألحوا عليّ في ذلك و قالوا:

تحصيل اليسير، خير من فوات الكثير! و هذه البلدة مع شرفها قد خلت ممن يعرف من أخبارها شيئا، و نحن نحب أن يكون لك بها أثر صالح تذكر به!

فأجبتهم إلى ذلك رجاء بركتهم، و اغتناما لامتثال أمرهم، و قضاء لحق جوارهم و صحبتهم، و طلبا لما عند اللّه تعالى من الثواب بنشر فضائل دار الهجرة و منبع الوحي، و ذكر أخبارها و الترغيب في سكناها، و الحث على زيارة المدفون بها، (صلوات اللّه عليه و سلامه)، و استخرت اللّه سبحانه و تعالى، و أثبت في هذا الكتاب ما تيسر من ذلك بعون اللّه تعالى و حسن توفيقه.

24

ثم إني ذكرت أكثره بغير إسناد لتعذر حضور أصولي .. و أنا أسأل اللّه سبحانه و تعالى أن يجعل ذلك لوجهه خالصا و إليه مقربا، و لنا نافعا في الدنيا و الآخرة، إنه على ما يشاء قدير.

و قد قسمته ثمانية عشر بابا، و اللّه سبحانه الموفق للصواب:

الباب الأول: في ذكر أسماء المدينة و أول ساكنيها.

الباب الثاني: في ذكر فتح المدينة.

الباب الثالث: في ذكر هجرة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه إليها.

الباب الرابع: في ذكر فضائلها.

الباب الخامس: في ذكر تحريمها و حدود حرمها.

الباب السادس: في ذكر وادي العقيق و فضله.

الباب السابع: في ذكر آبار المدينة و فضلها.

الباب الثامن: في ذكر جبل أحد و فضله و فضائل الشهداء به.

الباب التاسع: في ذكر إجلاء بني النضير من المدينة.

الباب العاشر: في ذكر حفر الخندق حول المدينة.

الباب الحادي عشر: في ذكر قتل بني قريظة بالمدينة.

الباب الثاني عشر: في ذكر مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و فضله.

الباب الثالث عشر: في ذكر المساجد التي بالمدينة و فضلها.

الباب الرابع عشر: في ذكر مسجد الضرار و هدمه.

الباب الخامس عشر: في ذكر وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و صاحبيه رضي اللّه عنهما.

الباب السادس عشر: في ذكر فضل زيارة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم).

الباب السابع عشر: في ذكر البقيع و فضله.

الباب الثامن عشر: في ذكر أعيان من سكن المدينة من الصحابة و التابعين من بعدهم.

و من اللّه نستمد الهداية و السداد، إلى سبل الحق و الرشاد.

25

الباب الأول في ذكر أسماء المدينة و ذكر أول ساكنيها

أنبأنا ذاكر بن كامل قال: كتب إليّ أبو علي الحداد أن أبا نعيم الحافظ أخبره إجازة، عن أبي محمد الخلدي قال: أنبأنا محمد بن عبد الرحمن المخزومي، حدّثنا الزبير بن بكار، قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن زبالة، عن إبراهيم بن أبي يحيى.

قال: للمدينة في التوراة أحد عشر اسما: المدينة، و طيبة، و طابة، و المسكينة، و جابرة، و المجبورة، و المرحومة، و العذراء، و المحبة، و المحبوبة، و القاصمة.

و قال ابن زبالة: عن عبد العزيز بن محمد بن موسى بن عقبة، عن عطاء بن مروان، عن أبيه، عن كعب.

قال: نجد في كتاب اللّه الذي نزل على موسى (عليه السلام) أن اللّه تعالى قال للمدينة: «يا طيبة، يا طابة، يا مسكينة، لا تقبلي الكنوز، ارفعي أجاجيرك على أجاجير القرى».

قال عبد العزيز بن محمد: و بلغني أن لها في التوراة أربعين اسما.

و في «صحيح مسلم» من حديث جابر بن سمرة رضي اللّه عنه، عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه قال: «إن اللّه تعالى سمى المدينة طابة» (1).

و في «صحيح مسلم» أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «هي المدينة يثرب» (2).

____________

(1) أخرجه مسلم في الحج، باب المدينة تنفي شرارها (1385).

(2) أخرجه البخاري في المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (3622)، و مسلم في الرؤيا، باب رؤيا النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) (2272).

26

و قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: يثرب اسم أرض، و مدينة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في ناحية منها.

و قال ابن زبالة: كانت يثرب أم قرى المدينة، و هي ما بين طرف قناة إلى طرف الجرف، و ما بين المال الذي يقال له: البرني إلى زبالة.

و كانت زهرة من أعظم قرى المدينة، قيل: و كان فيها ثلاثمائة صائغ من اليهود.

و قيل: إن تبّعا لما قدم المدينة بعث رائدا ينظر إلى مزارع المدينة، فأتاه فقال: قد نظرت؛ فأما قناة فحب و لا تبن، و أما الحرار فلا حب و لا تبن، و أما الجرف فالحب و التبن.

قال أهل السير: كان أول من نزل المدينة بعد غرق قوم نوح قوم يقال لهم: صعل، و فالج. فغزاهم داود النبي (عليه السلام)، فأخذ منهم مائة ألف عذراء، قال: و سلط اللّه عليهم الدود في أعناقهم فهلكوا، فقبورهم هذه التي في السهل و الجبل.

قالوا: و كانت العماليق قد انتشروا في البلاد، فسكنوا مكة و المدينة و الحجاز كله، و عتوا عتوا كبيرا، فبعث إليهم موسى- (عليه السلام)- جندا من بني إسرائيل فقتلوهم بالحجاز و أفنوهم.

يروى عن زيد بن أسلم أنه قال: بلغني أن ضبعا رؤيت‏ (1) هي و أولادها رابضة في حجاج‏ (2) عين رجل من العماليق.

و قال: لقد كان في ذلك الزمان تمضي أربعمائة سنة و ما يسمع بجنازة!

ذكر سكنى اليهود الحجاز

قال: و إنما كان سبب سكنى اليهود بلاد الحجاز أن موسى (عليه السلام) لما أظهره اللّه على فرعون و أهلكه و جنوده، وطئ الشام و أهلك من بها، و بعث بعثا من اليهود إلى الحجاز و أمرهم ألا يستبقوا من العماليق‏

____________

(1) كذا في «الوفاء» للسمهودي، و في «المغانم المطابة» للفيروز ابادي، و في الأصل «ربيت».

(2) الحجاج، بكسر أوله و فتحه: العظم الذي ينبت عليه الحاجب.

27

أحدا بلغ الحلم، فقدموا عليهم فقتلوهم و قتلوا ملكهم «نبنما». و كان يقال له: الأرقم بن أبي الأرقم، و أصابوا ابنا له شابا من أحسن الناس، فضنوا به عن القتل، و قالوا: نستحييه حتى نقدم به على نبي اللّه موسى (عليه السلام) فيرى فيه رأيه، فأقبلوا و هو معهم، و قبض اللّه موسى قبل قدومهم.

فلما سمع الناس بقدومهم تلقوهم، فسألوهم عن أمرهم، فأخبروهم بما فتح اللّه عليهم و قالوا: لم نستبق منهم أحدا إلا هذا الفتى، فإننا لم نر شابا أحسن منه فاستبقيناه حتى نقدم به على [نبي اللّه‏] (1) موسى (عليه السلام) فيرى فيه رأيه.

فقالت لهم بنو إسرائيل: إن هذه لمعصية لمخالفتكم أمر نبيكم، لا و اللّه لا تدخلون علينا بلادنا، و حالوا بينهم و بين الشام، فقال الجيش: ما بلد إذ منعتم بلدكم خير من البلد الذي خرجتم منه.

و كانت الحجاز أشجر بلاد اللّه و أظهره ماء.

قال: و كان هذا أول سكنى اليهود الحجاز بعد العماليق.

و قال آخرون: بل كان علماؤهم يجدون في التوراة أن نبيا يهاجر من العرب إلى بلد فيه نخل بين حرتين، فأقبلوا من الشام يطلبون صفة البلد؛ فنزل طائفة تيماء و توطنوا نخلا، و مضى طائفة فلما رأوا خيبر ظنوا أنها البلدة التي يهاجر إليها، فأقام بعضهم بها، و مضى أكثرهم و أشرفهم فلما رأوا يثرب سبخة و حرة و نخلا قالوا: هذا البلد الذي يكون له مهاجر النبي إليها، فنزلوه، فنزل النضير بمن معه بطحان فنزلوا منها حيث شاءوا و كان جميعهم بزهرة، و هي محل بين الحرة و السافلة مما يلي القف، و كانت لهم الأموال بالسافلة، و نزل جمهورهم بمكان يقال له: يثرب بمجتمع السيول- سيل بطحان و العقيق، و سيل قناة- مما يلي زغابة.

قال: و خرجت قريظة و إخوانهم بنو هدل و عمرو أبناء الخزرج بن الصريح بن التومان بن السبط بن اليسع بن سعد بن لاوي بن خير بن النحام بن تنحوم بن عازر بن عذري بن هارون بن عمران (عليه السلام).

و النضر بن النحام بن الخزرج بن الصريح بعد هؤلاء، فتبعوا آثارهم‏

____________

(1) ما بين المعكوفتين، زيادة من «الوفاء» للسمهودي.

28

فنزلوا العالية على واديين يقال لهما: مذينيب و مهزور، فنزلت بنو النضير على مذينيب و اتخذوا عليه الأموال، و نزل قريظة و هدل على مهزور و اتخذوا عليه الأموال. و كانوا أول من احتفر بها الآبار و غرس الأموال، و ابتنوا الآطام و المنازل، قالوا: فجميع ما بنى اليهود بالمدينة تسعة و خمسون أطما.

قال عبد العزيز بن عمران: و قد نزل المدينة قبل الأوس و الخزرج أحياء من العرب، منهم أهل التهمة تفرقوا جانب بلقيز إلى المدينة، فنزلت ما بين مسجد الفتح إلى يثرب في الوطاء، و جعلت الجبل بينها و بين المدينة، فأبرت بها الآبار و المزارع.

ذكر نزول أحياء من العرب على يهود

قالوا: و كان بالمدينة قرى و أسواق من يهود بني إسرائيل، و كان قد نزلها عليهم أحياء من العرب فكانوا معهم، و ابتنوا الآطام و المنازل قبل نزول الأوس و الخزرج؛ و هم: بنو أنيف حي من بلي، و يقال: إنهم من بقية العماليق، و بنو مزيد حي من بلي، و بنو معاوية بن الحارث بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان، و بنو الجذماء حي من اليمن.

قالوا: و كانت الآطام عز أهل المدينة و منعتهم التي يتحصنون فيها من عدوهم، فكان منها ما يعرف اسمه و منها ما لا يعرف اسمه، و منها ما يعرف باسم سيده، و منها ما لا يدرى لمن كان، و منها ما ذكر في الشعر، و منها ما لم يذكر، فكان ما بني هناك من الآطام للعرب بالمدينة ثلاثة عشر أطما.

ذكر نزول الأوس و الخزرج المدينة

قالوا: فلم تزل اليهود الغالبة بها الظاهرة عليها حتى كان من أمر سيل العرم ما كان و ما قص اللّه في كتابه، و ذلك أن أهل مأرب و هي أرض سبأ كانوا آمنين في بلادهم، تخرج المرأة بمغزلها لا تتزود شيئا، تبيت في قرية و تقيل في أخرى حتى تأتي الشام.

فقالوا: رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا [سبأ: 19].

29

فسلط اللّه عليهم العرم و هو جرذ، فنقب عليهم السد حتى دخل السيل عليهم فأهلكهم، و تمزق من سلّم منهم في البلاد، و كان السدّ فرسخا في فرسخ، كان بناه لقمان الأكبر العادي، بناه للدهر على زعمه، و كان يجتمع إليه مياه أهل اليمن من مسيرة شهر.

قالوا: فكانوا في عيد لهم، و كان فيهم هتام بن ربيعة بن عمرو بن عامر، و كان كاهنا غيشوما فقالت له بنو عمرو: قل. قال: قولي لكم و عليكم! قالوا: نعم، فقال:

يا رب من ورّث عاد* * * اجعل مأرب بيننا فانعما

صحا صحا غيرا و فجا اقتما* * * منها لأن الركب فيها أظلما

فأوحش عليه الليل أزرما

فكان تمزيقهم.

و يروى أن طريفة بنت ربيعة الكاهنة، امرأة عمرو بن عامر بن ثعلبة ابن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث قالت له: إني أتيت في المنام فقيل لي: ربّ أمر ذاب، شديد الذهاب، بعيد الإياب، من واد إلى واد، و بلاد إلى بلاد، كدأب ثمود و عاد! ثم مكثت.

ثم قالت: أتيت الليلة فقيل لي: شيخ هرم، و جعل لزم، و رجل قرم، و دهر ازم، و شر لزم، يا ويح أهل العرم.

ثم قالت: أتيت الليلة، فقيل لي: يا طريفة لكل اجتماع فراق، فلا رجوع و لا تلاق، من أفق إلى آفاق.

ثم قالت: أتيت الليلة في النوم، فقيل لي: ربّ إلب موالب، و صامت و خاطب، بعد هلاك مارب.

قالت: ثم أتيت في النوم، فقيل لي: لكل شي‏ء سبب، الأغبش ذو الذنب‏ (1)، الأشعر الأزب، فنقب بين المقر و القرب، ليس من كأس ذهب.

فخرج عمرو و امرأته طريفة فدخلا العرم، فإذا هما بجرذ يحفر في أصله، و يقلب بيديه و رجليه الصخرة ما يقلبها خمسون رجلا.

____________

(1) في الخطبة: «الأيمن ذو الربب»، و في المطبوعة «ب»: «إلا عين ذي الريب».

30

فقال: هذا و اللّه البيان، و كتم أمره و ما يريده، و قال لابن أخيه وداعة ابن عمرو: إني سأشتمك في المجلس فالطمني، فلطمه، فقال عمرو: و اللّه لا أسكن بلدا لطمت فيه أبدا. من يشتري مني أموالي؟ قال: فوثبوا و اغتنموا غضبته و تزايدوا في ماله فباعه.

فلما أراد الظعن قالت طريفة: من كان يريد خمرا و خميرا، و برا و شعيرا، و ذهبا و حريرا؛ فلينزل بصرى و سديرا.

و من أراد الراسيات في الوحل، المطعمات في المحل؛ فليلج يثرب ذات النخل.

و من كان ذا جمل شديد، و هم بعيد؛ فليلحق بأرض عمان. فلحقت منهم فرقة بالشام بقود طمر بن عمرو و هو غسان، و لحق عمران بن عامر و هم الأزد بأرض عمان و بها يومئذ شترن، و لحقت خزاعة بتهامة، و لحقت بنو عمرو بن ثعلبة و هم الأوس و الخزرج ابنا حارثة بن عمرو بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بيثرب و هي المدينة.

قالوا: و كان ممن بقي بالمدينة من اليهود حين نزلت عليهم الأوس و الخزرج، بنو قريظة و بنو النضير و بنو محمحم و بنو زعوراء و بنو قينقاع و بنو حجر و بنو ثعلبة، و أهل زهرة، و أهل زبالة، و أهل يثرب، و بنو القصيص و بنو ناغصة و بنو ماسكة، و بنو القمعة، و بنو زيد اللات، و هم رهط عبد اللّه، و بنو عكوة و بنو مرانة.

قالوا: فأقامت الأوس و الخزرج بالمدينة، و وجدوا الأموال و الآطام و النخل في أيدي اليهود، و وجدوا العدد و القوة معهم فمكثت الأوس و الخزرج معهم ما شاء اللّه.

ثم إنهم سألوهم أن يعقدوا بينهم و بينهم جوارا و حلفا يأمن به بعضهم من بعض و يمنعون به من سواهم، فتعاقدوا و تحالفوا و اشتركوا و تعاملوا. فلم يزالوا على ذلك زمنا طويلا و أثرت الأوس و الخزرج و صار لهم مال و عدد.

فلما رأت قريظة و النضير حالهم خافوهم أن يغلبوهم على دورهم و أموالهم، فتنمروا لهم حتى قطعوا الحلف الذي كان بينهم، و كانت قريظة

31

و النضير أعدوا و أكثروا، فأقامت الأوس و الخزرج في منازلهم و هم خائفون أن تحتلهم يهود حتى نجم منهم مالك بن العجلان أخو بني سالم بن عوف بن الخزرج.

ذكر قتل يهود و استيلاء الأوس و الخزرج على المدينة

قالوا: و لما نجم مالك بن العجلان، سوّده الحيان عليهما فبعث هو و جماعة من قومه إلى من وقع بالشام من قومهم يخبرونهم حالهم، و يشكون إليهم غلبة اليهود عليهم، و كان رسولهم الرمق بن زيد بن امرئ القيس، أحد بني سالم بن عوف بن الخزرج و كان قبيحا دميما شاعرا بليغا، فمضى حتى قدم الشام على ملك من ملوك غسان الذين ساروا من يثرب إلى الشام يقال له: أبو جبيلة، من ولد جفنة بن عمرو بن عامر، و قيل: كان أحد بني جشم بن الخزرج و كان قد أصاب ملكا بالشام و شرفا.

فشكى إليه الرمق حالهم و غلبة اليهود عليهم و ما يتخوفون منهم، و إنهم يخشون أن يخرجوهم. فأقبل أبو جبيلة في جمع كبير لنصرة الأوس و الخزرج، و عاهد اللّه لا يبرح حتى يخرج من بها من اليهود أو يذلهم و يصيرهم تحت يد الأوس و الخزرج. فسار و أظهر أنه يريد اليمن حتى قدم المدينة و هي يومئذ يثرب، فلقيه الأوس و الخزرج و أعلمهم ما جاء به.

فقالوا: إن علم القوم ما تريد تحصنوا في آطامهم فلم نقدر عليهم، و لكن ادعهم للقائك و تلطف بهم حتى يأمنوك و يطمئنوا فتتمكن منهم.

فصنع لهم طعاما و أرسل إلى وجوههم و رؤسائهم، فلم يبق من وجوههم أحد إلا أتاه، و جعل الرجل منهم يأتي بخاصته و حشمه رجاء أن يحبوهم الملك. و قد كان بنى لهم حيزا و جعل فيه قوما، و أمرهم من دخل عليهم منهم أن يقتلوه حتى أتى على وجوههم و رؤسائهم، فلما فعل ذلك عزت الأوس و الخزرج في المدينة، و اتخذوا الديار و الأموال، و انصرف أبو جبيلة راجعا إلى الشام و تفرقت الأوس و الخزرج في عالية المدينة و سافلتها، و بعضهم جاء إلى عفا من الأرض لا ساكن فيه فنزله، و منهم من لجأ إلى قرية من قراها و اتخذوا الأموال و الآطام، فكان ما ابتنوا من الآطام‏

32

مائة و سبعة و عشرين أطما (1) و أقاموا و كلمتهم و أمرهم مجتمع، ثم دخلت بينهم حروب عظام‏ (2).

و كانت لهم أيام‏ (3) و مواطن و أشعار، فلم تزل الحروب بينهم إلى أن بعث اللّه نبيه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أكرمهم باتباعه.

***

____________

(1) لمعرفة أسماء و مواقع هذه الأطم، انظر «وفاء الوفا» 1/ 190 و ما بعدها.

(2) من الحروب التي وقعت بين الأوس و الخزرج: حرب سمير، ثم حرب كعب بن عمرو، و حرب حضير بن الأسلت، و حرب حاطب بن قيس. و نقل السمهودي عن ابن إسحاق أن الحرب بقيت مائة و عشرين سنة إلى الإسلام.

(3) و من أشهر هذه الأيام: يوم بعاث، كانت فيه مقتلة عظيمة للأوس و الخزرج. و لمزيد التفصيل انظر «وفاء الوفا» 1/ 215 و ما بعدها.

33

الباب الثّاني في ذكر فتح المدينة

قالت عائشة رضي اللّه عنها: كل البلاد افتتحت بالسيف و افتتحت المدينة بالقرآن.

قالت: و ذلك أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان يعرض نفسه في كل موسم على قبائل العرب و يقول: «ألا رجل يحملني إلى قومه؟ فإنّ قريشا قد منعوني أن أبلّغ كلام ربّي»، فيأبونه و يقولون: قوم الرجل أعلم به.

حتى لقي في بعض السنين عند العقبة نفرا من الأوس و الخزرج قدموا في المنافرة التي كانت بينهم.

فقال لهم: «من أنتم؟» قالوا: نفر من الأوس و الخزرج! قال:

«من موالي اليهود؟» قالوا: نعم، قال: «أفلا تجلسون أكلمكم؟»، قالوا: بلى، فجلسوا معه فدعاهم إلى اللّه عزّ و جلّ و عرض عليهم الإسلام و تلا عليهم القرآن‏ (1). و كانوا أهل شرك و أوثان، و كان إذا كان بينهم و بين اليهود الذين معهم بالمدينة شي‏ء، قالت اليهود لهم- و كانوا أصحاب كتاب-: إن نبيا يبعث الآن قد أظل زمانه، فنتبعه و نقتلكم معه قتل عاد و إرم.

فلما كلم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أولئك النفر و دعاهم إلى اللّه قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلمون و اللّه أنه للنبيّ الذي توعّدكم به اليهود، فلا تسبقنكم إليه فاغتنموه و آمنوا به، فأجابوه فيما دعاهم إليه و صدقوه و قبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام.

و قالوا: إنّا قد تركنا قومنا و بينهم من العداوة و الشرّ ما بينهم، و عسى أن يجمعهم اللّه بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك و نعرض‏

____________

(1) «السيرة النبوية» لابن هشام 1/ 428، «دلائل النبوة» لأبي نعيم 1/ 298.

34

عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم اللّه عليك فلا رجل أعز منك.

ثم انصرفوا عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) راجعين إلى بلادهم قد آمنوا و صدقوا.

و كانوا ستة: أسعد بن زرارة، و عوف ابن عفراء- و هي أمه- و أبو الحارث بن رفاعة، و رافع بن مالك بن العجلان، و قطبة بن عامر بن حديدة، و عقبة بن عامر بن نابي، و جابر بن عبد اللّه بن رئاب.

فلما قدموا المدينة إلى قومهم، ذكروا لهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ما جرى لهم و دعوهم إلى الإسلام، ففشا فيهم حتى لم يبق بيت و لا دار من دور الأنصار إلا و لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيها ذكر (1).

فلما كان العام المقبل، وافى منهم اثنا عشر رجلا فلقوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالعقبة و هي العقبة الأولى فبايعوه، فلما انصرفوا بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) معهم مصعب بن عمير إلى المدينة و أمره أن يقرئهم القرآن، و يعلمهم الإسلام و يفقّههم في الدين، و كان منزله على أسعد بن زرارة (2).

و لقيه في الموسم الآخر سبعون رجلا من الأنصار و معهم امرأتان فبايعوه، و أرسل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أصحابه إلى المدينة، ثم خرج إلى الغار بعد ذلك و توجه هو و أبو بكر رضي اللّه عنه إلى المدينة.

***

____________

(1) «السيرة النبوية» لابن هشام 1/ 428، 429.

(2) المصدر السابق 1/ 434.

35

الباب الثّالث في ذكر هجرة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه‏

أخبرنا يحيى بن أسعد المهاجر، و أبو القاسم بن كامل الحذاء و جماعة غيرهما فيما أذنوا لي في روايته عنهم قالوا: أنبأنا الحسن بن أحمد أبو علي الحداد، عن أبي نعيم أحمد بن عبد اللّه الأصفهاني، قال: كتب إليّ جعفر بن محمد بن نصير، أبو محمد الخلديّ، قال: أنبأنا أبو شريك محمد بن عبد الرحمن المخزومي بمكة، قال: حدّثنا الزبير بن بكار، قال:

حدّثنا محمد ابن الحسن بن زبالة، عن جعفر بن صالح بن ثعلبة، عن جده، يعلى بن سلام، عن محمد بن عبد اللّه بن خزيمة بن ثابت:

أن تبعا لما قدم المدينة و أراد إخرابها، جاءه حبران من قريظة يقال لهما: تحيت و منبه، فقالا: أيها الملك انصرف عن هذه البلدة فإنها محفوظة، و إنها مهاجر نبي من بني إسماعيل اسمه أحمد يخرج آخر الزمان، فأعجبه ما سمع و صدقهما و كف عن أهل المدينة (1).

و في «الصحيحين» من حديث أبي موسى الأشعري، عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه قال: «رأيت في المنام أنّي مهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب و هلي‏ (2) إلى اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب» (3).

و ذكر البخاري في «صحيحه» (4) أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما ذكر هذا المنام لأصحابه، هاجر من هاجر منهم قبل المدينة، و رجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، و تجهز أبو بكر رضي اللّه عنه قبل المدينة، فقال‏

____________

(1) «السيرة النبوية» لابن هشام 1/ 21، 22.

(2) كذا في «الصحيحين»: «وهلي» باللام، و في الأصل «وهمي» بالميم.

(3) أخرجه البخاري في المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (3622)، و مسلم في الرؤيا، باب رؤيا النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) (2272).

(4) أخرجه البخاري في اللباس، باب التقنع (5807).

36

له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «على رسلك، فإنّي أرجو أن يؤذن لي»، فقال له أبو بكر:

و هل ترجو ذلك بأبي أنت و أمي؟ قال: «نعم»، فحبس أبو بكر نفسه على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ليصحبه، و علف راحلتين كانتا عنده الخبط أربعة أشهر.

قالت عائشة رضي اللّه عنها: بينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، فقال قائل لأبي بكر رضي اللّه عنه: هذا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مقبلا متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، قال أبو بكر رضي اللّه عنه: فدا له أبي و أمي، و اللّه ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر.

قالت: فجاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فاستأذن، فأذن له، فدخل فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لأبي بكر: أخرج من عندك، فقال أبو بكر رضي اللّه عنه: إنما هم أهلك- بأبي أنت يا رسول اللّه- قال: فإني قد أذن لي في الخروج، فقال أبو بكر رضي اللّه عنه: فالصّحبة بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«نعم»، قال أبو بكر رضي اللّه عنه: بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه، خذ إحدى راحلتي هاتين، قال رسول اللّه: «بالثمن».

قالت عائشة رضي اللّه عنها: فجهزناهما أحثّ الجهاز، و وضعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إن لها به نطاقين في الجنّة»، فبذلك سميت «ذات النطاقين».

قالت: ثم لحق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بغار في جبل ثور، فمكثا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد اللّه بن أبي بكر و هو غلام شاب لقن ثقف، فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرا يكادان به إلّا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، و يرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من لبن، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل حتى ينعق بها عامر بغلس. يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث.

و استأجر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أبو بكر رجلا من بني الدّئل هاديا ماهرا بالهداية- و هو على دين كفار قريش- فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما، و واعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث، و انطلق معهما عامر بن‏

37

فهيرة و الدليل الدّيلي فأخذ بهم طريق السواحل أسفل من عسفان، ثم عارض الطريق على أمج، ثم لقي الطريق بناحية فنزل في خيام أم معبد بنت الأشقر الخزاعية بأسفل ثنية لفت، ثم على الخرّار، ثم على ثنية المرّة، ثم سلك بهما لقفا، ثم أجاز بهما مدلجة لقف ثم استبطن بهما مدلجة محاج، ثم سلك بهما مرجح محاج، ثم تبطن بهما مرجح من ذي الغضوين، ثم بطن من ذي كشر، ثم الأجرد، ثم ذا سلّم، ثم أعداء مدلجة تعهن، ثم أجاز القاحة، ثم هبط العرج ثنية العامر عن يمين ركوبة، و يقال: بل ركوبة نفسها، ثم بطن رئم حتى انتهى إلى بني عمرو بن عوف بظاهر قباء، فنزل عليهم على كلثوم بن الهدم بن امرئ القيس بن الحارث و كان سيد الحي، و قد اختلف في اليوم الذي نزل فيه!

و عن نجيح بن أفلح مولى بني ضمرة قال: سمعت بريدة بن الحصيب يخبر أنه بعث يسارا غلامه مع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أبي بكر رضي اللّه عنه من الحروات، قال: و هي موضع أسفل من ثنية هرشى، يدلهما على العابرين ركوبة.

قال يسار: فخرجت حتى صعدت الثنية و رجزت به فقلت:

هذا أبو القاسم فاستقيمي‏* * * تعرّضي مدارجا و سومي‏

تعرّض الجوزاء للنجوم‏

قال: فلما علوا ظهر الظهيرة حضرت الصلاة، فاستقبل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) القبلة، فقام أبو بكر رضي اللّه عنه عن يمينه، و قمت عن يمين أبي بكر و دخلني الإسلام. فدفع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صدر أبي بكر فأخره، و أخرني أبو بكر فصففنا خلفه فصلينا، ثم خرجنا حتى قدمنا المدينة بكرة و كان يوم الاثنين، و لقي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أبا بكر رضي اللّه عنه ثياب بياض.

و سمع المسلمون بالمدينة بخروج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة ينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يوما بعد أن طال انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم، رقى رجل من اليهود

38

أطما من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه مبيضين، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب! هذا جدّكم الذي تنتظرونه، فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، و ذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، فقام أبو بكر رضي اللّه عنه للناس و جلس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صامتا، فطفق من جاء من الأنصار ممن آمن برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يحيّي أبا بكر رضي اللّه عنه حتى أصابت الشمس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عند ذلك.

و لما أقبل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى المدينة، كان مردفا لأبي بكر رضي اللّه عنه و أبو بكر شيخ يعرف، و نبي اللّه شاب لا يعرف، قال: فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر، من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل الذي يهديني السبيل، فيحسب الحاسب أنه يعني الطريق، و إنما يعني سبيل الخير.

و لبث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، و أسس المسجد الذي أسس على التقوى و صلّى فيه، ثم ركب راحلته فصار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالمدينة، و هو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين، و كان مربدا للتمر لسهيل و سهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة.

فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حين بركت به راحلته: هذه إن شاء اللّه المنزل، ثم دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالغلامين، فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا.

فقالا: بل نهبه لك يا رسول اللّه، فأبى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما ثم بناه مسجدا.

و عن عبد الرحمن بن يزيد بن حارثة قال: لما نزل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على كلثوم بن الهدم، و صاح كلثوم بغلام له؛ يا نجيح، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): أنجحت يا أبا بكر (1).

____________

(1) في «الوفاء» للسمهودي 1/ 245، ذكر بعد قول النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أنجحت يا أبا بكر»، فقال:

39

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: أقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بقباء يوم الاثنين، و يوم الثلاثاء، و يوم الأربعاء، و يوم الخميس، و ركب من قباء يوم الجمعة فجمع في بني سالم، فكانت أول جمعة جمّعها في الإسلام.

و كان يمر بدور الأنصار دارا دارا، فيدعونه إلى المنزل و المواساة، فيقول لهم: خيرا، و يقول: خلّوها فإنها مأمورة.

حتى انتهى إلى موضع مسجده اليوم، و كان المسلمون قد بنوا مسجدا يصلون فيه، فبركت ناقته و نزل، و جاء أبو أيوب الأنصاري فأخذ رحله، و جاء أسعد بن زرارة فأخذ بزمام راحلته.

فلما خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من المسجد، تعلقت به الأنصار، فقال:

المرء مع رحله، فنزل على أبي أيوب الأنصاري خالد بن يزيد بن كليب، و منزله في بني غنم بن النجار.

و عن أبي عمرو بن جحاش قال: اختار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) المنازل، فنزل في منزله، و مسجده، فأراد أن يتوسط الأنصار كلها، فأحدقت به الأنصار.

و قال البراء بن عازب: أول من قدم علينا مصعب بن عمير، و ابن أم مكتوم، و كانا يقرئان الناس، ثم قدم عمار بن ياسر و بلال، ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين من أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم).

ثم قدم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشي‏ء فرحهم برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، حتى جعل الإماء يقلن: قدم رسول اللّه فينا قدم، فما قدم حتى قرأت: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى‏ [الأعلى: 1] في سور من المفصل‏ (1).

قالت عائشة رضي اللّه عنها: «لما قدم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالمدينة وعك أبو بكر و بلال»، قالت: فدخلت عليهما. فقلت: يا أبت كيف تجدك؟ و يا بلال كيف تجدك؟ فكان أبو بكر رضي اللّه عنه إذا أخذته الحمّى يقول:

كلّ امرئ مصبّح في أهله‏* * * و الموت أدنى من شراك نعله‏

____________

أطعمنا رطبا، قال: فأتوا بقنو من أم جرذان فيه رطب منصف، و فيه زهو. فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): ما هذا؟ قال: عذق أم جرذان، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «اللهم بارك في أم جرذان» اه.

(1) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار، باب مقدم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه المدينة (3925).

40

قالت: و كان بلال إذا أقلعت عنه الحمى، يرفع عقيرته فيقول:

ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة* * * بواد و حولي إذخر و جليل‏

و هل أردن يوما مياه مجّنة* * * و هل يبدون لي شامة و طفيل‏

قالت عائشة رضي اللّه عنها: فجئت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأخبرته، فقال:

«اللهم حبّب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، و صححها، و بارك لنا في صاعها و مدها، و انقل حمّاها و اجعلها بالجحفة» (1).

قال أهل السير: و أقام علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه بمكة ثلاث ليال و أيامها حتى أدى عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الودائع التي كانت عنده للناس، حتى إذا فرغ منها لحق برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فنزل معه على كلثوم بن الهدم.

قالوا: و لم يبق بمكة من المهاجرين إلا من حبسه أهله أو فتنوه.

أنبأنا أبو القاسم الزندوزدي، عن أبي علي المقري، عن أبي نعيم الحافظ، عن جعفر الخواص، قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه في قول اللّه عزّ و جلّ: وَ قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَ اجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً [الإسراء: 80].

قال: جعل اللّه مدخل صدق المدينة، و مخرج صدق مكة، و سلطانا نصيرا الأنصار (2).

***

____________

(1) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار، باب مقدم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه المدينة (3926).

(2) و ممن ذكر هذا القول أيضا؛ الطبري في «تفسيره» 8/ 135، 136، و ابن كثير، و قال عقب ذلك: «و هذا القول هو أشهر الأقوال ...» اه.

41

الباب الرّابع في ذكر فضائلها و ما جاء في ترابها

أخبرنا عبد الرحمن بن علي الحافظ في كتابه قال: حدّثنا معمر بن عبد الواحد إملاء، قال: أنبأنا شكر بن أحمد، أنبأنا أبو سعيد الرازي الحافظ في كتابه، قال: قرأت على علي بن عمر بن أحمد، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، حدّثنا سليمان بن داود، حدّثنا أبو غزية، حدّثنا عبد العزيز بن عمران، عن محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن ثابت بن قيس ابن شماس، عن أبيه قال:

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «غبار المدينة شفاء من الجذام» (1).

أخبرتنا عفيفة الفارقانية في كتابها عن أبي علي المقري، عن أبي نعيم الحافظ، عن أبي محمد بن الخواص، قال: أخبرنا أبو يزيد المخزومي، حدّثنا الزبير بن بكار، حدّثنا محمد بن الحسن عن محمد بن فضالة، عن إبراهيم ابن الجهم: أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أتى بني الحارث فرآهم روبا (2).

فقال: «ما لكم يا بني الحارث روبا؟»، قالوا: نعم يا رسول اللّه، أصابتنا هذه الحمى، قال: «فأين أنتم عن صعيب»؟ قالوا: يا رسول اللّه ما نصنع به؟ قال: «تأخذون من ترابه فتجعلونه في ماء، ثم يتفل عليه أحدكم‏

____________

(1) رواه الديلمي في «الفردوس» 3/ 101 (4281)، و السيوطي في «الجامع الصغير» و عزاه لابن السني و أبي نعيم. و قال المناوي: «جاء ذلك عن ابن عمر رضي اللّه عنهما مرفوعا»، و روى رزين عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أنه قال: لما رجع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من تبوك، تلقاه رجال من المخلفين، فأثاروا غبارا فخمروا، فغطى بعض من كان معه أنفه. فأزال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) اللثام عن وجهه و قال: «أما علمتم أن عجوة المدينة شفاء من السم، و غبارها شفاء من الجذام»!

(2) روبا: يعني أصابهم الفتور بسبب الحمى.

42

و يقول: باسم اللّه تراب أرضنا بريق بعضنا شفاء لمرضنا بإذن ربّنا»، ففعلوا فتركتهم الحمى‏ (1).

قال أبو القاسم طاهر بن يحيى العلوي: «صعيب» وادي بطحان دون الماجشونية (2)، و فيه حفرة مما يأخذ الناس منه و هو اليوم إذا ربا إنسان أخذ منه.

قلت: و رأيت هذه الحفرة اليوم و الناس يأخذون منها و ذكروا أنهم جربوه فوجدوه صحيحا، و أخذت أنا منها أيضا.

و حدّثنا ابن زبالة عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، عن عمارة بن غزية، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبي سلمة: أن رجلا أتي به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و برجله قرحة، فرفع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) طرف الحصير، ثم وضع أصبعه التي تلي الإبهام على التراب بعد ما مسها بريقه.

فقال: «باسم اللّه ريق بعضنا، بتربة أرضنا، يشفى سقيمنا بإذن ربّنا».

ثم وضع أصبعه على القرحة فكأنما حل من عقال‏ (3).

ما جاء في ثمرها

روى مسلم في «الصحيح» من حديث سعد بن أبي وقاص رضي اللّه تعالى عنه أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «من أكل سبع تمرات مما بين لابتيها حين يصبح، لم يضره شي‏ء حتى يمسي» (4).

و روى البخاري و مسلم في «الصحيحين» من حديث سعد أيضا عن‏

____________

(1) في البخاري (5745) عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول للمريض- و في رواية: يقول في الرقية-: «تربة أرضنا، و ريقة بعضنا، يشفى سقيمنا بإذن ربنا».

(2) تعرف اليوم ب «المدشونية»، و تقع على يمين القادم من قربان، و تربة صعيب تقع في الركن الشرقي من ذلك البستان، و لا يزال يؤخذ من هذه التربة للاستشفاء و تعرف لذلك ب «تربة الشفاء».

(3) روى مسلم في «صحيحيه» (2194) (54) عن عائشة رضي اللّه عنها، أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان إذا اشتكى الإنسان الشي‏ء منه، أو كانت به قرحة أو جرح، قال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بأصبعه هكذا- و وضع سفيان سبابته بالأرض- ثم رفعها: «باسم اللّه، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، ليشفي به سقيمنا بإذن ربنا».

(4) أخرجه مسلم في الأطعمة، باب فضل ثمر المدينة (2047).

43

النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه قال: «من تصبّح كلّ يوم سبع تمرات عجوة، لم يضره في ذلك اليوم سم و لا سحر» (1).

ما جاء في انقباض الإيمان إليها

روى البخاري في «صحيحه» من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه قال:

«إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحيّة إلى جحرها» (2).

قلت: أي ينقبض إليها.

ما جاء في دعاء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لها بالبركة

أخبرنا أبو محمد بن علي الحافظ في كتابه، قال: أنبأنا يحيى بن علي القرشي، أنبأنا حيدرة بن علي الأنطاكي، أنبأنا أبو محمد بن أبي نصر، أنبأنا أحمد بن سليمان بن أيوب، حدّثنا عبد الرحمن بن عمرو، حدّثنا عبيد بن حسان، حدّثنا الليث بن سعد، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن عمرو بن سليم الزرقي، عن عاصم بن عمرو، عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قال: خرجنا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى إذا كنا بالسقيا التي كانت لسعد بن أبي وقاص، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «ائتوني بوضوء».

فلما توضأ قام فاستقبل القبلة، ثم كبر ثم قال: «اللهم إن إبراهيم كان عبدك و خليلك دعاك لأهل مكة بالبركة، و أنا محمد عبدك و رسولك أدعوك لأهل المدينة أن تبارك لهم في مدهم و صاعهم مثل ما باركت لأهل مكة مع البركة بركتين» (3).

أنبأنا عبد الرحمن بن علي الفقيه، قال: أخبرنا علي بن أبي محمد،

____________

(1) أخرجه البخاري في الأطعمة، باب العجوة (5445)، و مسلم في الأطعمة، باب فضل ثمر المدينة (2047/ 155).

(2) أخرجه البخاري في فضائل المدينة، باب الإيمان يأزر إلى المدينة (1876)، و مسلم في الإيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريبا و سيعود غريبا (147).

(3) أخرجه أحمد في «المسند» 5/ 309 (22124)، و أبو داود في «السنن» 2/ 484 (4270)، و الترمذي باب «فضل المدينة» 5/ 674 (3914)، و قال: «هذا حديث حسن صحيح».

44

أخبرنا أحمد بن محمد البزار، أخبرنا ابن مدرك، حدّثنا الحسين بن محمد قال: حدّثنا محمد بن عزيز، حدثني سلامة، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أنس بن مالك رضي اللّه عنه أنه سمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول:

«اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة».

أخرجاه في «الصحيحين» (1).

و أخرج مسلم في «صحيحه» من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه قال:

كان الناس إذا رأوا الثمر جاءوا به إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فإذا أخذه قال:

«اللهم بارك لنا في ثمرنا، و بارك لنا في مدينتنا، و بارك لنا في صاعنا، و بارك لنا في مدنا، اللهم إن إبراهيم عبدك و خليلك و نبيك و إنه دعاك لأهل مكة، و إني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة و مثله معه» (2).

قال: ثم يدعو أصغر وليد فيعطيه ذلك الثمر.

ما جاء في الصبر على لأوائها و شدتها

روى مسلم في «صحيحه» من حديث سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه قال:

«لا يثبت أحد على لأوائها و جهدها إلا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة» (3).

أنبأنا أبو محمد الشافعي قال: أخبرنا محمد بن الخليل بن فارس، حدّثنا أبو القاسم بن أبي العلاء، أنبأنا محمد بن عبد اللّه الدوري، حدّثنا محمد ابن موسى بن إبراهيم بن فضالة، حدّثنا أبو بكر محمد بن زبان بن حبيب، أخبرنا محمد بن رمح، أنبأنا الليث، عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي سعيد مولى المهريّ، أنه جاء أبا سعيد الخدري رضي اللّه عنه ليالي الحرة فاستشاره في الجلاء من المدينة، و شكا إليه أسعارها و كثرة عياله،

____________

(1) أخرجه البخاري في فضائل المدينة، باب المدينة تنفي الخبث (1885)، و مسلم في الحج، باب فضل المدينة (1369).

(2) أخرجه مسلم في الحج، باب فضل المدينة (1373).

(3) في الحج، باب الترغيب في سكنى المدينة و الصبر على لأوائها (1377/ 483).

45

و أخبره أن لا صبر له على جهد المدينة، فقال له: ويحك! لا آمرك بذلك، إني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول:

«لا يصبر أحد على جهد المدينة و لأوائها فيموت، إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة إذا كان مسلما» (1).

ما جاء في ذم من رغب عنها

خرّج مسلم في «الصحيح» (2) من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه قال: «يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه و قريبه:

هلمّ إلى الرخاء!، و المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، و الذي نفسي بيده، لا يخرج منهم أحد رغبة عنها إلا أخلف اللّه فيها خيرا منه، ألا إن المدينة كالكير تخرج الخبيث، لا تقوم السّاعة حتّى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد».

ما جاء في ذم من أخاف المدينة و أهلها

أنبأنا أبو الفرج بن علي، قال أنبأنا عبد الوهاب الحافظ، أنبأنا أبو الحسين العاصمي، حدّثنا أبو عمر بن مهدي، حدّثنا عثمان بن أحمد السماك، حدّثنا أحمد بن الخليل، و الحسن بن موسى، قالا: حدّثنا سعيد ابن زيد، حدّثنا عمرو بن دينار، قال: حدّثنا سالم بن عبد اللّه، قال: سمعت أبي يقول: سمعت عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يقول:

اشتد الجهد بالمدينة و غلا السعر، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): «اصبروا يا أهل المدينة و أبشروا، فإني قد باركت على صاعكم و مدّكم، كلوا جميعا و لا تفرقوا، فإن طعام الرجل يكفي الاثنين، فمن صبر على لأوائها و شدتها كنت له شفيعا و كنت له شهيدا يوم القيامة. و من خرج عنها رغبة عما فيها أبدل اللّه عزّ و جلّ فيها من هو خير منه، و من بغاها أو كادها بسوء أذابه اللّه تعالى كما يذوب الملح في الماء» (3).

____________

(1) في الحج، باب الترغيب في سكنى المدينة و الصبر على لأوائها (1374/ 477).

(2) في الحج، باب المدينة تنفي شرارها (1381).

(3) في «مجمع الزوائد» للهيثمي 3/ 305 و عزاه للبزار، و قال: و رجاله رجال الصحيح.

46

أنبأنا أبو طاهر لاحق بن علي (قندرة) الصوفي، أنبأنا أبو القاسم الكاتب، أنبأنا أبو علي بن المذهب، أنبأنا أبو بكر القطيعي قال: أنبأنا عبد اللّه بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثني أنس بن عياض، حدثني يزيد بن خصيفة، عن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن عطاء ابن يسار، عن السائب بن خلاد رضي اللّه عنه: أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «من أخاف أهل المدينة ظلما أخافه اللّه، و عليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين؛ لا يقبل اللّه منه يوم القيامة صرفا و لا عدلا» (1).

أنبأنا أبو محمد بن الشافعي، عن أبي محمد بن طاووس، حدّثنا سليمان ابن إبراهيم، حدّثنا أبو عبد اللّه اليزدي، حدّثنا محمد بن الحسن، حدّثنا حامد بن محمود، حدّثنا مكي بن إبراهيم، حدّثنا هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، عن عبد اللّه بن نسطاس، عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «من أخاف أهل المدينة؛ فعليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين، لا يقبل اللّه منه صرفا و لا عدلا، و من أخاف أهلها فقد أخاف ما بين هذين و وضع يديه على جنبيه تحت ثدييه» (2).

و خرج البخاري في «صحيحه» من حديث سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه قال: «لا يكيد أهل المدينة أحد إلّا انماع كما ينماع الملح في الماء» (3).

أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الحسن في كتابه قال: أنبأنا أبو البركات بن المبارك، أنبأنا عاصم بن الحسن، أنبأنا عبد الواحد بن محمد، حدّثنا ابن السماك، حدّثنا إسحاق بن يعقوب، حدّثنا محمد بن عبادة، حدّثنا أبو ضمرة، عن عبد السلام بن أبي الجنوب، عن‏

____________

انتهى. قال الدكتور خليل ملا خاطر في كتابه: «فضائل المدينة» 1/ 211 عقب ذكره لكلام الهيثمي، قلت: «لا، بل فيه- عندهما- عمرو بن دينار، و هو ضعيف (...)، فهو حسن.

(...)، لذا قال الحافظ في «مختصر الترغيب و الترهيب» بسند جيد» انتهى منه بتصرف.

(1) أخرجه أحمد في «المسند» 4/ 55 (16122).

(2) رواه الطبراني في «الكبير» 7/ 143 (214)، «مسند» الإمام أحمد 3/ 354 (14404)، «مجمع الزوائد» 3/ 306.

(3) أخرجه البخاري في فضائل المدينة، باب إثم من كاد أهل المدينة (1877)، و مسلم في الحج باب من أراد أهل المدينة بسوء أذابه اللّه (1387).

47

عمرو بن عبيد، عن الحسن، عن معقل بن يسار رضي اللّه عنه.

قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «المدينة مهاجري، فيها مضجعي و فيها مبعثي، حقيق على أمتي حفظ جيراني ما اجتنبوا الكبائر، من حفظهم كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة، و من لم يحفظهم سقي من طينة الخبال».

قيل للمزني: ما طينة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار (1).

ما جاء في منع الطاعون و الدجال من دخولها

و في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه قال: «على أنقاب المدينة ملائكة، لا يدخلها الطّاعون و لا الدّجّال» (2).

و فيهما من حديث أنس رضي اللّه عنه عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه قال: «ليس من بلد إلّا سيطؤه الدّجّال، إلا مكّة و المدينة، ليس له نقب من أنقابها إلّا عليه الملائكة صافّين يحرسونها، فينزل السّبخة ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج إليه كلّ كافر و منافق» (3).

و أخرج البخاري من حديث أبي بكرة رضي اللّه عنه عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «لا يدخل المدينة رعب المسيح الدّجّال، لها يومئذ سبعة أبواب على كلّ باب ملكان» (4).

ذكر ما يؤول إليه أمرها

أنبأنا القاسم بن علي، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الحسن،

____________

(1) رواه الطبراني في «الكبير» 20/ 205 (470) ببعض اختلاف في ألفاظه، و قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» 3/ 310: فيه عبد السلام بن أبي الجنوب و هو متروك، و اللّه أعلم. انتهى منه.

و المزني: هو معقل بن يسار راوي الحديث.

(2) أخرجه البخاري في فضائل المدينة، باب لا يدخل الدجال المدينة (1880)، و مسلم في الحج، باب صيانة المدينة من دخول الطاعون و الدجال إليها (1379).

(3) أخرجه البخاري في فضائل المدينة، باب لا يدخل الدجال المدينة (1881)، و مسلم في الفتن، باب قصة الجساسة (2943).

(4) أخرجه البخاري في فضائل المدينة، باب لا يدخل الدجال المدينة (1879)، وقع في «المطبوعتين» (في كل باب ملك) و ما أثبت من «صحيح البخاري»!

48

أنبأنا سهل بن بشر، أنبأنا محمد بن الحسين، أنبأنا أبو طاهر الذّهلي قال:

حدّثنا جعفر بن محمد الفريابي، حدّثنا هشام بن عمار، أنبأنا يحيى بن حمزة، حدّثنا الزّبيدي، حدّثنا الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: «لتتركن المدينة على خير ما كانت مدلاة ثمارها لا يغشاها إلا العوافي- يريد عوافي السباع و الطير- و آخر من يحشر منها راعيان من مزينة يردان المدينة ينعقان بغنمها فيجدانها وحشا، حتى إذا بلغا ثنيّة الوداع، خرّا على وجوههما»، أخرجه البخاري في «صحيحه» (1).

تضعيف الأعمال بها

أخبرنا عبد العزيز بن محمود بن الأخضر، قال: أخبرنا عبد الأول بن عيسى بن شعيب السّجزيّ، قال، أخبرنا محمد بن عبد العزيز الفارسي، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح، حدّثنا ابن صاعد، حدّثنا هارون بن موسى، حدّثنا عمر بن أبي بكر الموصلي، عن القاسم بن عبد اللّه، عن كثير بن عبد اللّه بن عمرو بن عوف، عن نافع، عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال:

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «صلاة الجمعة بالمدينة كألف صلاة فيما سواها».

و بالإسناد عن ابن عمر رضي اللّه عنهما، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «صيام شهر رمضان في المدينة كصيام ألف شهر فيما سواها» (2).

فضيلة الموت بها

أنبأنا عبد الرحمن بن علي قال: أنبأنا يحيى بن علي بن الطّراح، قال: أنبأنا محمد بن أحمد المعدل، حدّثنا محمد بن عبد اللّه الدقاق، حدّثنا الصلت بن مسعود، حدّثنا سفيان بن موسى،

____________

(1) في فضائل المدينة، باب من رغب عن المدينة (1874)، و مسلم في الحج، باب في المدينة حين يتركها أهلها (1389).

(2) «الشعب» للبيهقي 3/ 487 (4148)، الطبراني في «الكبير» 1/ 372 (1144)، «مجمع الزوائد» للهيثمي 3/ 301.

49

حدّثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال:

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت، فإنه من مات بالمدينة شفعت له يوم القيامة» (1).

____________

(1) «الشعب» للبيهقي 3/ 498 (4186)، و ابن حبان في «صحيحه» 9/ 57 (3741)، و الترمذي 5/ 676 (3917) و قال: هذا حديث حسن من حديث أيوب. اه.

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

الباب الخامس في ذكر تحريم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) للمدينة و ذكر حدود حرمها

في «الصحيحين» من حديث عبد اللّه بن زيد بن عاصم، عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه قال: «إن إبراهيم حرّم مكّة و دعا لأهلها، و إنّي حرّمت المدينة كما حرّم إبراهيم مكّة، و إنّي دعوت في صاعها و مدّها بمثل ما دعا به إبراهيم لأهل مكة» (1).

و ذكر أبو داود السجستاني في «السنن» من حديث علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «المدينة حرام ما بين عائر إلى ثور، فمن أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين، لا يقبل اللّه منه صرفا و لا عدلا، لا يختلى خلاها، و لا ينفّر صيدها، و لا تلتقط لقطتها إلا لمن أنشد بها، و لا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال، و لا يصلح أن يقطع منها شجرة إلّا أن يعلف رجل بعيره» (2).

و في «الصحيحين» من حديث علي رضي اللّه عنه أيضا، عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه قال: «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين، لا يقبل اللّه منه يوم القيامة صرفا و لا عدلا» (3).

قال أبو عبيد القاسم بن سلام: عير و ثور جبلان، و أهل المدينة لا

____________

(1) أخرجه البخاري في البيوع، باب بركة صاع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و مدهم (2129)، و مسلم في الحج، باب فضل المدينة (1360).

(2) باب «في تحريم المدينة» 2/ 529 (2034)/ 532 (205).

(3) أخرجه البخاري في فضائل المدينة، باب حرم المدينة (1870)، و مسلم في الحج، باب فضل المدينة (1366).

52

يعرفون بها جبلا يقال له: ثور، إنما ثور بمكة، فنرى أن الحديث أصله ما بين عير إلى أحد (1).

قلت: بل يعرف أهل المدينة جبل ثور، و هو جبل صغير وراء أحد و لا ينكرونه.

و في «السنن» (2) لأبي داود من حديث عدي بن زيد قال: حمى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كل ناحية من المدينة بريدا بريدا، لا يخبط شجرها و لا يعضد إلا ما يساق به الجمل.

و فيها: أن سعد بن أبي وقاص أخذ رجلا يصيد في حرم المدينة الذي حرّم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فسلبه ثيابه، فجاءوا إليه فكلموه فيه.

فقال: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حرّم هذا الحرم، و قال: «من أخذ الصيد فيه فليسلبه ثيابه»، فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و لكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه‏ (3).

و فيها: عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «لا يخبط شجرها و لا يعضد و لكن يهشّ هشا رفيقا» (4).

أخبرنا يحيى بن أبي الفضل الفقيه، أخبرنا عبد اللّه بن رفاعة، أنبأنا علي بن الحسن الشافعي، أخبرنا شعيب بن عبد اللّه، حدّثنا أحمد بن الحسن الرازي، حدّثنا أبو الزنباع، حدّثنا عمرو بن خالد، حدّثنا بكر بن مضر، عن ابن الهاد، عن أبي بكر بن محمد، عن عبد اللّه بن عمر، عن‏

____________

(1) قال الفيروز آبادي في «المغانم المطابة» 142/ ب: «و لا أدري كيف وقعت المسارعة من هؤلاء الأعلام إلى إثبات و هم في الحديث الصحيح المتفق على صحته بمجرد دعوى أن أهل المدينة لا يعرفون بها جبلا يسمى «ثورا»، و غاية مثال هؤلاء القائلين أنهم سألوا جماعة من أهل المدينة،- و لا يلزم أن يكون كلهم- بعد مضي أعصار متطاولة و سنين متكاثرة، فلم يعرفوه. و العلم القطعي حاصل من طريق العيان المشاهد بطروق التغير و الاختلاف و النسيان على أسماء الأمكنة و البلدان ... الخ». اه منه.

و انظر بيان ذلك في «وفاء الوفا» 1/ 92 و ما بعدها.

(2) باب «تحريم المدينة» 2/ 532 (2036).

(3) باب: «تحريم المدينة» 2/ 532 (2037) و فيه اختلاف بعض الألفاظ.

(4) باب «تحريم المدينة» 2/ 533 (2039)، و فيه: «لا يخبط حمى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ...».

53

رافع بن خديج رضي اللّه عنه أنه سمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: و ذكر مكّة.

فقال: «إن إبراهيم حرم مكة و إني أحرم ما بين لا بتيها- يريد المدينة-».

و في «صحيح البخاري» في حديث الهجرة أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال للمسلمين: «إني رأيت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين و هما الحرتان» (1).

أنبأنا القاسم بن علي، قال: أنبأنا محمد بن إبراهيم، أنبأنا سهل بن بشر، أنبأنا علي بن منير، أنبأنا الذهلي، أنبأنا موسى بن هارون، حدّثنا إبراهيم بن المنذر، حدّثنا عبد العزيز بن أبي ثابت، حدثني أبو بكر بن النعمان بن عبد اللّه بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن جده، عن كعب بن مالك رضي اللّه عنه.

قال: حرم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الشجر بالمدينة بريدا في بريد، و أرسلني فأعلمت على الحرم على شرف ذات الجيش، و على مشيرب، و على أشراف المجتهر، و على تيم‏ (2).

قلت: و اختلف العلماء في صيد حرم المدينة و شجره؟ فقال مالك و الشافعي و أحمد رضي اللّه عنهم: إنه إنه محرم. و قال أبو حنيفة رضي اللّه عنه: ليس بمحرم.

و اختلفت الرواية عن أحمد رضي اللّه عنه، هل يضمن صيدها و شجرها بالجزاء؟ فروي عنه أنه لا جزاء فيه، و به قال مالك رضي اللّه عنه.

و روي أنه يضمن، و للشافعي رضي اللّه عنه قولان كالروايتين.

و إذا قلنا بضمانه؛ فجزاؤه سلب القاتل يتملكه الذي يسلبه. و من أدخل إليها صيدا لم يجب عليه رفع يديه عنه، و يجوز له ذبحه و أكله، و يجوز أن يؤخذ من شجرها ما تدعو الحاجة إليه للرحل و الوسائد، و من حشيشها ما يحتاج إليه للعلف، بخلاف مكة!

***

____________

(1) في المناقب، باب هجرة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) (3905)، و رواية الحديث هنا بالمعنى.

(2) «مجمع الزوائد» 3/ 302، و عزاه للطبراني في «الأوسط»، و قال: و في طرقه عبد العزيز بن عمران، و هو ضعيف. اه.

54

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}