بغية الطلب في تاريخ حلب‏ - ج6

- ابن العديم عمر بن أحمد بن أبي جرادة المزيد...
506 /
2511

[الجزء السادس‏]

[تتمة حرف الحاء]

بسم الله الرحمن الرحيم و به توفيقى‏ (1)

[ذكر من اسمه الحسين‏]

[ذكر من اسمه عبدالله فى آباءمن اسمه الحسين‏]

الحسين بن عبدالله الخادم:

مولى! الحسن بن عرفة بن يزيد العبدي، رابط بعين زربة مدة مديدة، و روى فيها عن مولاه الحسن بن عرفه.

روى عنه أبو عمر و لاحق بن الحسين بن عمران بن أبي الورد الأندلسي.

أنبأنا أبو نصر بن هبة الله قال: أخبرنا علي بن الحسن قال: أخبرنا أبو محمد هبة الله بن أحمد بن الأكفاني قال: حدثنا أبو محمد عبد العزيز بن أحمد الكتاني قال: أخبرنا أبو العباس الفضل بن سهل بن محمد الصفار المروزي قال: حدثنا أبو عمرو لاحق بن الحسين بن عمران بن أبي الورد الأندلسى قال: حدثنا حسين بن عبد الله الخادم مولى الحسن بن عرفة بن يزيد العبدي بعين زربة، و كان مرابطا بها نحوا من نيف و عشرين سنة، قال حدثنا الحسن بن عرفة قال: قدم عبد الله بن المبارك البصرة فدخلت عليه فسألته أن يحدثني فأبى، و قال: أنت صبي. قال الحسن بن عرفة: فأتيت حماد بن زيد فقلت: يا أبا اسماعيل دخلت على ابن البارك فأبى أن يحدثني فقال: يا جارية هات خفي و طيلساني، و خرج معي يتوكأ على يدي حتى دخلنا على ابن المبارك فجلس معه على السرير فتحدثا ساعة، ثم قال له حماد: يا أبا

____________

(1)- ترتيب هذا المجلد هو الرابع بين مجلدات مكتبة أحمد الثالث. و جاء على صفحة الغلاف:

آ- نوبة فقير عفو الله تعالى محمد بن محمد بن محمد بن السابق الحنفي عفا الله عنهم اجمعين بالقاهرة المحروسة في سنة ست و خمسين و ثمانمائة. أحسن الله عاقبتهما في خير آمين، في يوم الاربعاء، تاسع عشر ربيع الاخر.

ب- الحمد لله على نعمه، انها خيرا و سخاء، داعيا لمالكه بطول البقاء و دوام الارتقاء، محمد و عمر بن فهد القاسمي المكي بها سنة 869.

2512

عبدالرحمن ألا تحدث هذا الغلام؟ فقال ابن المبارك: يا أبا اسماعيل هو صبي لا يفقه ما يحمله، قال حماد: حدثه يا أبا عبد الرحمن، فلعله و الله أن يكون آخر من يحدث عنك في الدنيا، قال الحسن بن عرفه: رحم الله حمادا ما كان أحسن فراسته، أنا آخر (2* * * و) من حدث عن ابن المبارك، و ذكر تمام الحكاية.

الحسين بن عبدالله الصيرفي:

سمع بحلب محمد بن حماد الدوري، روي عنه أبو عبدالله محمد بن عبدالله الحاكم الحافظ.

أخبرنا أبو الحجاج يوسف بن خليل بن عبدالله الدمشقى قال: أخبرنا الإمام أبو الفتوح أسعد بن أبي الفضائل بن خلف العجلي- قراءة عليه و أنا أسمع بأصبهان- قال: أخبرنا أبو القاسم اسماعيل بن محمد بن الفضل- قراءة عليه و أنا أسمع- قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن عبد الله بن خلف، قال: أخبرنا أبو عبدالله الحافظ قال: حدثني الحسين بن عبد الله الصيرفي قال: حدثني محمد بن حماد الدوري بحلب قال: أخبرني أحمد بن القاسم بن نصر بن دوست قال: حدثنا حجاج ابن الشاعر قال: اجتمع أحمد بن حنبل، و يحيي بن معين، و علي بن المديني في جماعة منهم، اجتمعوا فتذاكروا أجود الأسانيد الجياد، فقال رجل منهم: أجود الأسانيد سعد عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عامر أخي أم سلمة عن أم سلمة. و قال علي ابن المديني: أجود الأسانيد ابن عون عن محمد عن عبيدة عن علي. و قال: أبو عبد الله الزهري عن سالم عن أبيه. و قال يحيي: الأعمش عن ابراهيم عن علقمة عن عبدالله، فقال له إنسان: الأعمش مثل الزهري؟ فقال: برئت من الأعمش أن يكون مثل الزهري، الزهري يري القرض و الاجارة، و كان يعمل لبني أمية، و ذكر الأعمش فمدحه، فقال: فقير صبور مجانب للسلطان، و ذكر علمه بالقرآن و ورعه‏ (1)

____________

(1)- الزهري هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري (51- 124 ه) امام الائمة و سيد كبير من اوائل التابعين، شيخ ابن اسحاق و مالك الاوزاعي، عد بمثابة المستشار التاريخي للخلافة الاموية. انظره حوله مقدمة كتاب المغازي بتحقيقي و الاعمش هو سليمان بن مهران (61- 148 ه) تابعي مشهور بعلوم القرآن و الحديث و الفرائض، قبل فيه: لم ير السلاطين و الملوك و الاغنياء في مجلس أحقر منهم في مجلس الاعمش، مع شدة حاجته و فقره. الاعلام للزركلي.

2513

الحسين بن عبد الله الانطاكي:

حدث‏ (1).

روى عنه أبو عمرو محمد بن علي بن الحسن بن الخليل القطان.

الحسين بن عبد الله الارتاحي:

من قرية بين أنطاكية و حلب يقال لها أرتاح بالقرب من ثغر حارم، و هي قرية جامعة، و كان بها حصن مانع.

روي عن عبد الله بن خبيق الانطاكي.

روي عنه عم أبي أبي نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ يعقوب.

قرأت في أمالي أبي نعيم الاصبهاني: حدثنا أبي (رحمه الله) قال: قرأت في كتاب يعقوب أخي جدي حديثا، قال: حدثنا الحسين بن عبد الله الارتاحي قال: حدثنا عبد الله بن خبيق، قال: حدثنا يوسف بن أسباط قال: جاء رجل الي استاذنا سفيان الثوري فقال: إني أريد أن آتي الشام فأقيم في بعض حصونها فأعبد ربي فيه؟ فقال له سفيان: أوصيك بوصية، اذا أتيت الشام و اتخذت فيها مائة صديق فاترك تسعة و تسعين و كن في الواحد شاكا.

الحسين بن عبد الله البغراسي:

من أهل بغراس حصن مذكور بالقرب من أنطاكية و قد ذكرناه في ديباجة كتابنا هذا (2). روي عن أبي بحر عبد العزيز بن قرة الثغري التميمي، روي عنه القاضي أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الغفار بن ذكوان البعلبكي.

ذكر من اسم أبيه عبد الرحمن ممن اسمه الحسين‏

الحسين بن عبد الرحمن بن طاهر بن محمد بن محمد بن الحسين الكرابيسي:

ابن علي (3- و) أبو عبد الله بن العجمي الحلبي كان أبوه عبد الرحمن بن‏

____________

(1)- فراغ بالاصل.

(2)- انظر الجزء الاول ص 151- 152.

2514

طاهر من أهل نيسابور فاتنقل الي حلب، و أمام بها و عرف بالعجمي، و ولد له بها أولاد ثلاثة: طاهر و الحسين هذا، و الحسن، فأما الحسين و طاهر فلا عقب لهما و العقب من ولده الحسن، و كان أبو عبد الله الحسين من ذوي الزهد و الدين و الورع و كان يميل الي عقيدة الحنابلة و ترك التأويل في أحاديث الصفات و حملها علي ظاهرها و يطعن علي أبي الحسن الاشعري.

رحل الي مصر و لقي بها و بغيرها جماعة من العلماء و حدث بحلب عن الحافظ الشهيد أبي القاسم مكي بن عبد السلام بن الحسين الرميلي المقدسي و أبي أحمد حامد بن يوسف التفليسي البرزندي.

روي عنه أحمد بن أحمد الدندنقاني، و علي بن مرشد بن علي بن منقذ الكناني و أبو نصر بن ظفر بن أبي محمد القباني المحتسب الحلبي. و له أشعار في الزهد و الحكمة فيها لين، و وقفت له علي مجموع بخطه يتضمن فوائد و وفاءات و تواريخ.

أخبرنا تاج الدين أبو الحسن محمد بن أبي جعفر أحمد بن علي قال: أخبرنا أبي أبو جعفر أحمد بن علي بن أبي بكر بن اسماعيل القرطبي قال: أخبرنا أبو نصر عبد الصمد بن ظفر بن أبي محمد الحلبي بها سنة تسع و ستين و خمسمائة، قال: أخبرنا الشيخ الإمام الأجل أبو عبدالله الحسين بن عبد الرحمن بن طاهر النيسابوري قال:

أخبرنا الشيخ الحافظ أبو القاسم مكي بن عبد السلام بن الحسين المقدسي قال:

أخبرنا ابراهيم بن عمر البرمكي البغدادي قال: أخبرنا أبو عبدالله عبيدالله بن محمد بن محمد بن حمدان العكبري قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن (3- ظ) الحسين الآجري‏ (1).

نقلت من خط علي بن مرشد بن علي بن منقذ الشيزري قال: حدثني الشيخ أبو عبد الله الحسين بن طاهر بن العجمي الزاهد الفقيه العالم بحلب قال: قرأت علي مقبرة بجبل الطور في أرض بيت المقدس بيتا و هو في شهر ربيع الاول و هو:

أري كل انسان يعلل نفسه‏* * * اذا ما مضي عام سلامة قابل‏

____________

(1)- تبع هذا فراغ مقداره اربعة اسطر.

2515

قلت: فمني كان ذلك؟ قال: سنة اثنتين و تسعين، و هي السنة التي أخذ فيها الافرنج لعنهم الله، بيت المقدس، يوم الجمعة سادس و عشرين شهر رمضان من شماليها و شرقيها من برج يقال له برج الطوسي فأجازها كما أنشدني:

تسوفني نفسي ستعمل صالحا* * * و أعلم أن السوف لا شك قاتلي‏

فلله قوم فكروا فتيقظوا* * * و مالوا علي اللذات ميلة قافل‏

رجال اذا هموا أثاروا و قبلوا* * * متون مطاياهم صدور المنازل‏

تزود من الدنيا فانك راحل‏* * * و لا تغترر منها بعذب المناهل‏

فكل نعيم لا محالة زائل‏* * * و كل نعيم زال ليس بطائل‏

شاهدت في جزء بخط أبي المكارم محمد بن عبد الملك بن أحمد بن أبي جرادة أثبت (4- و) ذكر جماعة من شيوخ حلب و حالهم قال: الشيخان الفقيهان: أبو محمد طاهر و أبو عبد الله الحسين فذكر مولد طاهر و وفاته، ثم قال: و مولد أخيه الحسين في سنة ثمان و أربعين و أربعمائة، و توفي يوم عرفة سنة أربع و ثلاثين و خمسمائة رويا عن الفقيه أبي حامد التفليسي و غيره، و لهما رحلة الي مصر، ولقيا جماعة من العلماء بها و بغيرها.

هكذا وقع بخط أبي المكارم عن الفقيه أبي حامد التفليسي، و هو و هم، و انما هو أبو أحمد حامد بن يوسف، و ذكره في عدة مواضع في هذا الخبر علي الوهم، و كأنه علق الجزء من خاطره لبعض المحدثين بدمشق، فوهم في كنية التفليسي، و لم يعرف اسمه و اشتبه عليه اسم أبيه بكنيته، و الله أعلم.

بلغني أن ختلغ آبه‏ (1) أمير حلب اعتقل الشيخ أبا عبد الله بن العجي و ابن أخيه أبا طالب عبد الرحمن بن الحسين بن عبد الرحمن بقلعة حلب بسعاية بعض الشيعة بحلب، و نقلوا اليه عنهما أن المجن الفوعي‏ (2) أودع عندهما و ديعة، و كان ختلغ قد تتبع جماعة من الحلبيين و صادرهم ظلما و عدوانا، و كان الشيخ أبو عبد

____________

(1)- انظر حوله كتاب زبدة الحلب: 2/ 237- 238.

(2)- انظر حوله عندما كان مقدما لاحداث حلب ثم مصرعه كتابي مدخل الي تاريخ الحروب الصليبية: 243- 244.

2516

الله لا يأكل طعاما إلا بملح يقدمه علي طعامه، عملا بالسنة، قالوا: فثقبت كعاب الشيخ أبي طالب ابن أخيه، و أحضر في ذلك اليوم لهما طعام، فقال الشيخ أبو عبد الله لغلامه ما أتيتني بملح؟ فقال: لا، فامتنع عن الاكل الي أن يأتيه بالملح، فقال له ابن أخيه أبو طالب: ما يشغلك ما نحن فيه عن طلب الملح في هذا الوقت فقال له (4- ظ) أبو عبد الله: ما بقيت أقعد عندك، و لبس ثوبه و رداءه و جلس، قالوا:

فضحك أبو طالب و قال: ان تركوك، قال: فلم يستتم كلامه حتي جاء رسول خلطبا (1) و أخرج أبا عبد الله من الاعتقال و ترك أبا طالب علي حاله.

و سمعت عمي أبا غانم محمد بن هبة الله بن أبي جرادة يقول: حدثني الخطيب أبو طاهر هاشم بن أحمد بن عبد الواحد بن هاشم قال: كان صاحب حلب قد اعتقل أبا طالب عبد الرحمن بن الحسن بن عبد الرحمن بن العجمي و عمه الشيخ أبا عبدالله ابن عبد الرحمن بقلعة حلب، فرأي أبو عبد الله ابن أخيه أبا طالب قليل الصبر كثير التململ ضيق الصدر، فقال له: يا أبا طالب تصبر أو أخليك و أنزل؟ فقال له: ان تركوك فانزل فما مضي الا هنيئة و اذا برسول صاحب حلب قد جاء و أخرج الشيخ أبا عبدالله من الاعتقال، و ترك أبا طالب مكانه.

سألت أبا بكر أحمد بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن العجمي الحلبي عن وفاة عم جده أبي عبد الله بن العجمي، فقال: توفي سنة خمس و ثلاثين و خمسمائة بحلب.

ثم وقع إلي بالقاهرة تاريخ لمحمد بن علي العظيمي بخطه فنقلت منه في حوادث سنة أربع و ثلاثين و خمسمائة، و أنبأنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي و غيره عنه قال: مات الشيخ الإمام أبو عبدالله بن العجمي (رحمه الله) الدين الزاهد (2) و رثيته.

قرأت بخط أبي الحسن علي بن مرشد بن علي بن منقذ في تاريخه في حوادث سنة أربع و ثلاثين و خمسمائة قال: و في ثالث (5- و) ذي الحجة توفي الشيخ أبو عبد الله الزاهد بن العجمي (رحمه الله)، حدثني من حضره قال: جئت افتقده و هو في آخر قوته، فقلت كيف تجدك؟ و أومأ إلي ايماء، فما شككت أنه تلك الساعة يموت‏

____________

(1)- هو نفسه ختلغ آبه.

(2)- هذا الخبر ليس في تاريخ العظيمي المطبوع.

2517

فقال: امضوا فعلي مهلة الي بعد غد، و كلا قد عطس ثلاث عطسات كل عطسة ليوم فكان الامر كما ذكره (رحمه الله).

الحسين بن عبد الرحمن بن مروان:

أبو عبد الله الأسدي و قيل فيه الازدي، القاضي الصابوني الأنطاكي و هو والد أبي عبد الله الحسين بن الحسين قاضي الثغور الذي قدمنا ذكره، و والد عبيد الله بن الحسين قاضي أنطاكية، و ولي هذا القضاء أيضا، و حدث بحلب عن أحمد ابن عبد الله بن محمد الكندي، و روي عن عبد الله بن الحسين العقيلي، روي عنه أبو بكر محمد بن الحسين بن صالح السبيعي و محمد بن جعفر بن أبي الزبير المنبجي.

أخبرنا عمي أبو غانم محمد بن هبة الله بن محمد بن أبي جرادة، و أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان الأسدي و ابنه أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن القاضي، و محمد بن أحمد الطرسوسي قالوا: أخبرنا أبو سالم أحمد بن عبد القاهر ابن الموصول الحلبي قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن محمد بن أبي جرادة الحلبي قال: حدثني أبو الفتح عبد الله بن اسماعيل بن الجلي الحلبي قال:

أخبرنا أبو عبيد الله بن أبي نمير القطبي الحلبي قال: أخبرنا محمد بن الحسين بن صالح السبيعي (5- ظ) الحلبي الحافظ قال: حدثنا أبو عبد الله الحسين بن عبد الرحمن الصابوني القاضي الانطاكي بحلب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد الكندي قال: حدثنا ابراهيم بن الجراح عن أبي يوسف عن أبي حنيفة عن عبد الملك ابن عمير عن عطية القرظي قال: عرضت علي النبي صلي الله عليه و سلم يوم قريظة فقال: انظروا فان كان أنبت فاضربوا عنقه فوجدوني لم أنبت، فخلا سبيلي‏ (1).

قرأت في ديوان شعر العباس بن الوليد الخياط أبي الفضل المصيصي، من نسخة رثة سيرها إلي القاضي أبو محمد بن الخشاب قال فيه: و له في القاضي الصابوني الاعور يمدحه:

____________

(1)- انظر مغازي الزهري: 81- 83.

2518

قاض علي الثغر من بني أسد* * * قد مات حساده من الحسد

لا يشمت البخل بالسماح و لا* * * تراه و المنكرات في بلد

تري يد الجور من قضيته‏* * * بالعدل مقطوعة من العضد

هكذا قال في الشعر من بني أسد بفتح السين و لعله رآه مكتوب في نسبته الأسدي فظنه أسد بتحريك السين، و الصحيح أنه أزدي، و يقال فيه الأسدي و أزدي بسكون السين و بالزاي جميعا و الله أعلم‏ (1).

و الازد بن عمران بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة بن الغطريف ابن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك ابن الازد أيضا. و أكثر ما ينسب ولد الازد بن عمران بالسين الساكنة، و هم رهط المهلب بن أبي صفرة، و في الازد أيضا بطن أسديون يقال لهم بنو أسد، بتحريك السين، و هو أسد بن شريك- بضم الشين- بن مالك بن عمرو بن مالك بن فهم، و لهم خطة بالبصرة، يقال لها خطة بني أسد، و ليس بالبصرة خطة لبني أسد بن خزيمة (2)، و في الازد: أسد بن الحارث بن العتيك بن ازد بن عمران، فيحتمل أن يكون القاضي الصابوني منهم، فيقال فيه: الأزدي و الأسدي و الاسدي، و الله أعلم.

و قد روي أبو حفص العتكي عن أبيه عبيد الله بن الحسين فقال: أخبرنا عبيد الله بن الحسين القاضي الازدي، و هو أخو الحسين بن الحسين، و سيأتي ذلك في ترجمة عبيد الله بن الحسين ان شاء الله تعالي. (6- و).

الحسين بن عبد الرحمن:

أبو علي قاضي حلب، روي عنه النسائي، و قال: ثقة و يحتمل أن يكون القاضي الصابوني، و كناه أبا علي، و الله أعلم.

الحسين بن عبد الرحمن الحلبي:

روي عن أبيه، روي عنه محمد بن أحمد الكوفي.

____________

(1)- انظر كتاب الايناس في علم الانساب للوزير المغربي- ط. الرياض 1980: 57.

(2)- الايناس: 77.

2519

أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن- فيما اذن لنا في روايته عنه- قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن عمي قال: أخبرنا أبو المعالي الحسين بن حمزة بن الحسين العسكري قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب قال:

حدثني محمد بن علي بن عبد الله الصوري قال: أخبرنا عبد الرحمن بن عمر التجيبي بمصر قال: أخبرنا أبو هريرة أحمد بن عبد الله بن أبي الحسن بن أبي العصام العدوي قال: حدثنا أبو العباس عيسي بن عبد الرحيم قال: حدثني علي و ابن محمد- هو ابن حيون- قال: حدثني محمد بن أحمد الكوفي قال: حدثني الحسين بن عبد الرحمن الحلبي عن أبيه قال: أمر المأمون أن يحمل إليه عشرة من الزنادقة سموا له من أهل البصرة، فجمعوا، فأبصرهم طفيلي فقال: ما اجتمع هؤلاء إلا لصنيع، فانسل فدخل و سطهم، و مضي بهم الموكلون حتي انتهوا بهم إلي زورق أعدلهم فدخلوا الزورق، فقال الطفيلي: هي نزهة، فدخل معهم الزورق، فلم يك بأسرع بأن قيد القوم و قيد معهم الطفيلي، فقال الطفيلي: بلغ تطفيلي إلي القيود، ثم سير بهم إلي بغداد، فدخلوا علي المأمون فجعل يدعو بأسمائهم رجلا رجلا فيأمر بضرب رقابهم حتي وصل (6- ظ) إلي الطفيلي و قد استوفوا عدة القوم، فقال للموكلين بهم: ما هذا؟ فقالوا و الله ما ندري، غير أنا وجدناه مع القوم فجئنا به، فقال المأمون: ما قصتك و يلك؟ فقال يا أمير المؤمنين امرأته طالق ان كان يعرف من أقوالهم شيئا و لا يعرف إلا الله و محمد النبي صلي الله عليه و سلم، و إنما أنا رجل رأيتهم مجتمعين فظننت صنيعا يغدون إليه، فضحك المأمون و قال: يؤدب.

و كان ابراهيم بن المهدي قائما علي رأس المأمون فقال يا أمير المؤمنين قلت لي:

أدبه، أحدثك بحديث عجيب عن نفسي، فقال: قل يا ابراهيم، قال يا أمير المؤمنين خرجت من عندك يوما في سكك بغداد متطربا حتي انتهيت إلي موضع سماه فشممت يا أمير المؤمنين من جناح أبا زير قدورا قد فاح طيبها، فتاقت نفسي إليها و إلي طيب ريحها، فوفقت علي خياط و قلت له: لمن هذه الدار؟ فقال: لرجل من التجار من البزازين، قلت ما اسمه؟ قال: فلان بن فلان فرميت بطرفي الي الجناح فإذا في بعضه شباك فأنظر إلي كف قد خرج من الشباك قابضا علي بعضه و معصم‏

2520

فشغلني يا أمير المؤمنين الكف و المعصم عن رائحة القدور فبقيت باهتا ساعة ثم أدركني ذهني، فقلت للخياط: هو ممن يشرب النبيذ؟ قال: نعم و أحسب عنده اليوم دعوة، و ليس ينادم إلا تجارا مثله مستورين فإني لكذلك إذا قبل رجلان نبيلان راكبان من رأس الدرب، قال الخياط: هؤلاء منادموه، فقلت ما أسماؤهما (7- و) و ما كناهما؟ فقال: فلان و فلان، و أخبرني بكناهما، فحركت دابتي و داخلتهما، و قلت جعلت فداكما قد استبطأ كما أبو فلان أعزه الله، و سايرتهما حتى أتينا الى الباب، فأجلّاني و قدماني فدخلت، و دخلا فلما رآني معهما صاحب المنزل لم يشك أني منهما بسبيل أو قادم قدمت عليهما من موضع، فرحب و أجلسني في أفضل موضع، فجي‏ء يا أمير المؤمنين بمائدة، و عليها خبز نظيف و أتينا بتلك الألوان فكان طعمها أطيب من ريحها، فقلت في نفسي هذه الالوان قد أكلتها، بقيت الكف أصل الى صاحبتها، ثم رفع الطعام و جي‏ء بالوضوء، ثم صرنا إلى منزل المنادمة فإذا أشكل منزل يا أمير المؤمنين، و جعل صاحب المنزل يلاطفني و يقبل علي بالحديث و جعلوا لا يشكون أن ذلك منه لي عن معرفة متقدمة، و إنما ذلك الفعل كان منه لما ظن أني منهما بسبيل حتى إذا شربنا أقداحا خرجت علينا جارية يا أمير المؤمنين كأنها غصن بان يتثنى، فأقبلت تمشي فسلمت غير خجلة، و ثنيت لها وسادة فجلست و أتي بعود فوضع في حجرها فجسته فاستبنت في جسها حذقها ثم اندفعت تغني:

توهمهما طرفي فأصبح خدها* * * و فيه مكان الوهم من نظري أثر

فصافحها قلبي فآلم كفها* * * فمن مئتن قلبي في أناملها عفر

فهيجت يا أمير المؤمنين بلابلي فطربت لحسن شعرها و حذقها ثم اندفعت تغني:

أشرت إليها هل عرفت مودتي‏* * * فردت بطرف العين إني على العهد

(7- ظ)

فحدت عن الإظهار عمدا لسرها* * * و حادت عن الإظهار أيضا على عمد

2521

فصحت: السلاح يا أمير المؤمنين و جاءني من الطرب مالم أملك نفسي، ثم اندفعت تغني الصوت الثالث:

أليس عجيبا أن بيتا يضمني‏* * * و اياك لا نخلو و لا نتكلم‏

سوى أعين تشكو الهوى بجفونها* * * و تقطيع أنفاس على الناي تضرم‏

إشارة أفواه و غمز حواجب‏* * * و تكسير أجفان و كف تسلم‏

فحسدتها يا أمير المؤمنين على حذقها و اصابتها معنى الشعر أنها لم تخرج من الفن الذي ابتدأت فيه فقلت: بقي عليك يا جارية، فضربت بعودها الارض و قالت:

متى كنتم تحضرون مجلسكم البغضاء؟ فندمت على ما كان مني و رأيت القوم كأنهم قد يغيروا لي، فقلت: ليس ثم عود؟ قالوا: بلى و الله يا سيدنا، فأتيت بعود و أصلحت من شأني ما أردت ثم اندفعت أغني:

ما للمنازل لا تجيب حزينا* * * أصممن أم قدم المدى فبلينا

روحوا العشية روحة مذكورة* * * إن متن متن و إن حيين حيينا

فما استتممت يا أمر المؤمنين حتى خرجت الجارية فأكبت على رجلي فقبلتهما و تقول: معذرة يا سيدي و الله ما سمعت من يغني هذا الصوت مثلك أحدا، و قام مولاها و جميع من كان حاضرا فصنعوا كصنيعها، و طرب القوم و استحثوا الشراب فشربوا بالكاسات و الطاسات، ثم اندفعت أغني (8- و):

أفي الله أن تمسين لا تذكرينني‏* * * و قد سحمت‏ (1) عيناي من ذكرك

الدما

الى الله أشكو بخلها و سماحتى‏* * * إذا عسل مني و تبدل علقما

فردي مصاب القلب أنت قتلته‏* * * و لا تتركيه ذاهب القلب مضرما

الى الله أشكو أنها أجنبية* * * و أني بها ما عشت بالود مغرما

فجاءنا من طرب القوم يا أمير المؤمنين شي‏ء خشيت أن يخرجوا من عقولهم فأمسكت ساعة حتى هدأوا مما كانوا فيه من الطرب، ثم اندفعوا في الشرب بالصراحيات صرفا على ذلك الطرب فاندفعت أغني الصوت الثالث.

____________

(1)- السحم: الدم تغمس فيه أيدي المتحالفين. القاموس.

2522

هذا محبك مطوى على كمده‏* * * حري مدامعه تجري على جسده‏

له يد تسأل الرحمن راحة* * * مما به و يد أخرى على كبده‏

يا من رأى أسفا مستهترا أسفا* * * كانت منيته في عينه و يده‏

فجعلت الجارية تصيح: هذا و الله الغناء يا سيدي، و سكر القوم و خرجوا من عقولهم، و كان صاحب المنزل جيد الشرب، حسن المعرفة، فأمر غلمانه مع غلمانهم بحفظهم و صرفهم الى منازلهم، و خلوت معه فشربنا أقداحا ثم قال لي: يا سيدي ذهب ما كان من أيامي ضائعا إذ كنت لا أعرفك، فمن أنت يا مولاي؟ فلم يزل يلج علي حتى أخبرته، فقام يقبل رأسي و قال: يا سيدي و أنا أعجب يكون هذا الادب الا من مثلك و اذا إني مع الخلافة و أنا لا أشعر، ثم سائلني عن قصتي و كيف حملت نفسي على ما فعلت، فأخبرته خبر الطعام، و خبر الكف و المعصم، فقلت: أما الطعام فقد نلت منه حاجتي، فقال: و الكف و المعصم، ثم قال: يا فلانة، لجارية له، قولي لفلانة تنزل فجعل (8- ظ) ينزل لي واحدة واحدة فأنظر الى كفها و معصمها، فأقول: ليس هي، قال: و الله ما بقي غير أختي و أمي و الله لانزلهما إليك، فعجبت من كرمه و سعة صدره، فقلت: جعلت فداك إبدأ باختك قبل الامام فعسى أن تكون هي، فقال: صدقت فنزلت فلما رأيت كفها و معصمها قلت: هي ذه، فأمر غلمانه فصاروا الى عشرة مشايخ من جلة جيرانه في ذلك الوقت، فأحضروا، ثم أمر ببدرتين فيهما عشرون ألف درهم، و قال للمشايخ: هذه أختي فلانه أشهدكم أني قد زوجتها من سيدي ابراهيم بن المهدي و أمهرتها عنه عشرة آلاف درهم، فرضيت و قبلت النكاح و دفع إليها البدرة، و فرق البدرة الاخرى على المشايخ، ثم قال لهم: اعذروا فهذا ما حضر على الحال، فقبضوها، و نهضوا، ثم قال يا سيدي أمهد لك بعض البيوت تنام مع أهلك فأحشمني و الله ما رأيت من سعة صدره، و كرم خيمه‏ (1)، فقلت: بل أحضر عمارية و أحملها الى منزلي، فقال ما شئت، فأحضرت عمارية فحملتها، و صرت بها الى منزلي فوحقك يا أمير المؤمنين لقد حمل إليّ جهازها ما ضاقت به بعض بيوتنا، فاولدتها هذا القائم على رأس سيدي أمير المؤمنين، فعجب المأمون من كرم ذلك الرجل و سعة صدره و قال: لله أبوه ما سمعت مثله قط، ثم أطلق الرجل الطفيلي‏

____________

(1)- الخيم: السجية و الطبيعة. القاموس.

2523

و اجازه جائزة سنية و أمر ابراهيم بإحضار الرجل، فكان من خواص المأمون و أهل صحبته‏ (1) (9- و).

الحسين بن عبد الواحد بن محمد بن عبد القادر القنسريني:

أبو عبد الله المقرئ النحوي، كان مقرئا مجيدا نحويا، و كان مقيما بحلب يفيد علم القراءات و العربية. قرأ على أبي الحسن أحمد بن رضوان و عبيد الله بن الليث.

قرأ عليه أبو المجد عبيد الله بن محمد بن عبد الباقي بن أبي جرادة، وجد جدي أبو الفضل هبة الله بن أحمد بن أبي جرادة، و صنف لجد جدي كتابا مفيدا في القراءات السبعة، سماه بالتهذيب و كتبه له بخطه، و هو الآن عندي، و قرأ عليه النحو أبو الفرج سعيد بن علي بن محمد بن السلالي بحلب في سنة ثلاثين و أربعمائة، فقد توفي بعد ذلك.

و أخبرنا بكتابه المسمى بالتهذيب شيخنا أبو اليمن الكندي في الاجازة قال:

كتب إلينا أبو الحسن علي بن عبد الله بن أبي جرادة قال: أخبرنا أبي أبو المجد عبد الله قال: أخبرنا أبو عبد الله القنسريني.

أخبرنا عبد الواحد بن عبد الله ابن عمي عبد الصمد قال: سمعت جدي عبد الصمد بن عبد الله، ح.

قال عبد الواحد: و سمعت أبا الفتح يحيى ابن عم أبي أبي غانم محمد بن هبة الله قال: سمعت أبا غانم، قالا: كان القاضي أبو الفضل عبد الله بن أحمد يقرأ على الشيخ أبي عبد الله القنسريني فمضى الى منزله ليلة ليقرأ عليه و كانت ليلة مطيرة، فصادف الشيخ أبا عبد الله يقرأ القرآن، و كان يقرأ قراءة طيبة، فوقف بالباب يسمع قراءته و يلتذ بحسن قراءته و طيب صوته، و المطر ينزل على رأسه، و لم ير أن يقطع عليه قراءته حتى مضى أكثر الليل، و سكت أبو عبد الله فطرق الباب،

____________

(1)- الحكاية كاملة في مروج الذهب للمسعودي- ط. القاهرة 1958: 4/ 9- 14، و لا توجد ترجمة للحلبي في تاريخ ابن عساكر و لا في تاريخ بغداد للخطيب البغدادي.

2524

ففتح له فرآه مبتل الثياب، فسأله عن حاله، فأخبره بالصورة، فعظم ذلك عليه، و قال له: كنت دخلت عليّ و كنت أقرأ لك الى الصباح.

قال عماي: و سافر أبو عبد الله القنسريني الى العراق فحضر بعض الشيوخ القراء ببغداد و أصحابه يقرءون عليه فجلس في أخريات الناس، فحين رأوه ازدروه و استبشعوا زيه، و أبو عبد الله ساكت، فلما فرغ أصحابه تقدم أبو عبد الله، و طلب أن يقرأ عليه شيئا، فقال له: اقرأ على بعض الطلبه الى أن تجود، ثم اقرأ عليّ، فقال أشتهي أن أقرأ عليك خمسا، فلم ير الشيخ أن يكسر خاطره، فأذن له، فلما قرأ، قال له: من أين تكون؟ قال: من الشام، قال له: لعلك أبو عبد الله القنسريني؟ قال: نعم فقام له الشيخ و أكرمه و أجلسه الى جانبه، و قال أنا أحق بالقراءة عليك، قال هذا أو معناه، قلت: و أظن هذا الشيخ المقرئ هو أبو الحسن ابن رضوان، و الله أعلم.

الحسين بن عبيد الله:

ابن الحسين بن ابراهيم بن علي بن عبيد الله بن الحسين الاصغر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو علي بن أبي أحمد العلوي النصيبي، أبوه شريف مذكور من أعيان الشرفاء، و قد الى حلب على أميرها سيف الدولة أبي الحسن علي بن عبد الله بن حمدان.

ذكره الحسين بن جعفر بن خداع النسابة في «كتاب المعقبين من ولد الحسن و الحسين (عليهما السلام)» و قال: إنه و فد على سيف الدولة بن أبي الهيجاء بن حمدان الى حلب، و قتل معه في انهزامه في غزاة المصيبة، و ذكر أن أمه أم ولد.

و غزاة المصيبة كانت في سنة .... و أربعين و ثلاثمائة (1).

ذكر من اسم أبيه عبيد ممن اسمه الحسين (9- ظ)

الحسين بن عبيد الهمذاني:

حدث بطرسوس عن عبد الحميد بن عصام الجرجاني. روى عنه محمد بن‏

____________

(1)- فراغ بالاصل، و كانت الغزاة التي نجا فيها سيف الدولة بكل صعوبة سنة 339 ه انظر زبدة الحلب: 1/ 121.

2525

أيوب بن المعافى العكبري، و يقع في بعض الاصول الحسن بن عبيد، و الحسين هو الصحيح.

أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن معمر بن طبرزد، فيما أذن لنا في روايته عنه، قال: أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن أحمد بن عمر الحريري قال: أخبرنا الشيخ أبو اسحاق ابراهيم بن عمر بن أحمد البرمكي قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن خلف بن بخيت الدقاق قال: حدثنا محمد بن أيوب بن المعافى العكبري قال: حدثنا الحسين بن عبيد الهمذاني بطرسوس قال: حدثنا عبد الحميد بن عصام الجرجاني قال: حدثنا محمد بن يوسف الفيريابي قال: حدثنا سفيان الثوري عن سفيان بن عيينه عن ابن ابي نجيح أنه سئل عن السياحين قال هم الصائمون.

الحسين بن عبيد المصيصي:

حدث عن عتيق بن عبد الرحمن الاذني. روى عنه عبد الرحمن بن أبي نصر أنبأنا أبو محمد عبد الرحمن بن ابراهيم بن أحمد المقدسي، و قرأته بخطه، قال:

قرأت على أبي الحسن أحمد بن حمزة بن الموازيني بدمشق: أخبركم جدك أبو الحسن علي بن الحسن بن الحسين السلمي المعبر، إجازة، قال: أخبرنا الحافظ عبد العزيز بن أحمد بن محمد الكتاني، إجازة، قال: حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن أبي نصر قال: حدثنا الحسين بن عبيد المصيصي قال: حدثنا عتيق بن عبد الرحمن (10- و) الاسدي قال: حدثنا أحمد بن حرب الطائي قال كنا عند سفيان ابن عينية فحدثنا حتى ضجر، ثم ألقى الكتاب، فقال: قوموا عني، فقام اليه رجل فقال: أتضجر و الله إن أحدنا ليهم بالحج من أقصى خراسان، فإذا ذكرك حج، و لولاك ما حج، فأخذ الكتاب و أنشأ يقول:

خلت الديار فسدت غير مسود* * * و من الشقاء تفردي بالسؤدد

2526

ذكر من اسم ابيه على ممن اسمه الحسين‏

الحسين بن علي بن الحسين بن علي:

أبو علي المروزي، حدث بحلب عن محمود بن والان. روى عنه أبو بكر محمد بن الحسين بن صالح السبيعي الحلبي.

أخبرنا عمي أبو غانم محمد بن هبة الله بن أبي جرادة و أبو محمد عبد الرحمن ابن عبد الله بن علوان الاسدي و ولده أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن القاضي، و أبو عبد الله محمد بن أحمد الطرسوسي الحلبيون قالوا: أخبرنا الشيخ الامين أبو سالم أحمد بن عبد القاهر بن الموصول الحلبي قال: أخبرنا الشيخ. بو الحسن علي ابن عبد الله بن محمد بن عبد الباقي بن أبي جرادة قال: حدثني الشيخ أبو الفتح عبد الله بن اسماعيل الجلي الحلبي بحلب، قال: أخبرنا الشيخ الزاهد أبو عبد الله عبد الرزاق بن عبد السلام بن أبي نمير العابد الحلبي بحلب، قال: أخبرنا محمد بن الحسين السبيعي بحلب قال: حدثنا أبو علي الحسين بن علي بن الحسين بن علي المروزي بحلب قال: حدثنا أبو حامد محمود بن والان قال: حدثنا علي بن حجر بن اياس (10- ظ) السعدي قال: حدثنا يوسف بن زياد قال: أخبرنا عبد الرحمن ابن زياد بن أنعم عن الأعرج عن أبي هريرة قال: خضت مع رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) السوق، فقعد على البزازين فاشترى سراويلا بأربعة دراهم، قال: و كان لاهل السوق رجل يزن بينهم الدراهم يقال له فلان الوزان فجي‏ء ليزن ثمن السراويل فقال له النبي (صلى اللّه عليه و سلم): «أتزن و أرجح»، فقال الرجل: إن هذا القول ما سمعته من أحد من الناس، فمن هذا الرجل؟ قال أبو هريرة: قلت حسبك من الزهق‏ (1) و الجفاء في جنبك أن لا تعرف نبيك (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال الرجل:

أهذا رسول الله؟ و ألقى الميزان و وثب الى يد رسول الله يأخذها و يقبلها، فجذبها رسول الله و قال: إنما يفعل هذه الاعاجم بملوكها فإني لست بملك إنما أنا رجل منكم، ثم جلس فاتزن الدراهم و أرجح كما أمره رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم)، فلما انصرفنا تناولت السراويل من رسول الله لا حملها عنه فمنعني و قال: صاحب الشي‏ء أحق بحمله إلا أن يكون ضعيفا يعجز فيعينه أخوه المسلم، قلت: يا رسول‏

____________

(1)- أي حسبك من الهلاك، النهاية لابن الاثير.

2527

الله و إنك لتلبس السراويل؟ قال: نعم بالليل و النهار، في السفر و الحضر، قال يوسف: و شككت في قولي: و مع أهلي فإني أمرت بالتستر فلم أجد ثوبا أستر من السراويل‏ (1).

الحسين بن علي بن الحسين بن حمدان:

ابن حمدون بن الحارث بن لقمان بن راشد (10- و) التغلبي أبو العشائر الحمداني، و تمام نسبه مذكور في ترجمة أبي فراس.

أمير فارس مشهور شاعر مجيد كان بحلب في خدمة ابن عمه سيف الدولة أبي الحسن علي بن عبد الله بن حمدان، و ولاه أنطاكية روى عنه أبو بكر الخالدي و فيه يقول أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان من قصيدته الرائية التي يذكر فيها مآثر قومه من بني حمدان:

و منا الحسين القرم شبه جده‏* * * حمى نفسه و الجيش للجيش غامر (2)

قال أبو عبد الله الحسين بن خالويه في تفسير هذا البيت و ذلك أنه كبسه عسكر الاخشيد مع يانس المؤنسي و هو منصرف من أنطاكية من الميدان، و أصابته نشابة في وجهه أخرج نصلها بعد أيام، فلم يزل يضرب في أوساطهم بالسيف حتى تخلص، و أسر بعد ذلك في دلوك‏ (3)، و كان له في بلد الروم أجمل أثر و أشرف فعل في اكرام الأسارى.

قال ابن خالويه: سار سيف الدولة في سنة خمس و أربعين و ثلاثمائة الى بلد يانس بن شمشقيق‏ (4) لما بلغه حلفه للملك على لقائه و حمل معه الزواريق مخلعة حتى عقدها على أرسناس‏ (5)، و خلف بدلوك أبا العشائر الحسين بن علي بن الحسين‏

____________

(1)- انظر كنز العمال: 4/ 9961.

(2)- ديوانه: 38.

(3)- بليدة من نواحي حلب بالعواصم. معجم البلدان.

(4)- من مشاهير القادة البيزنطيين من أصل أرمني، تسلم عرش الامبراطورية و حكم من 969 الى 976 و رسم اسمه بالحروف اللاتينيه‏johnTzimisces .

(5)- اسم نهر في بلاد الروم يوصف ببرودد الماء. معجم البلدان.

2528

ابن حمدان و رسم له الزول على حصن عرنداس‏ (1) و بناءه، و خلف الأمير أبا فراس و رسم له بناء حصن البرزمان‏ (2)، فكلاهما يستعد حتى خرج لاون البطريق في جموع أبيه و سبق الخبر الى أبي العشائر فخرج (11- ظ) طمعا فيه ليسابق أبا فراس اليه، و لقيه فوجده في عدد عظيم و انكشف عن أبي العشائر أصحابه، و ثبت يقاتل حتى أسر و ضرب وجها من الارمن يعرف بأبي الاسد فقتله، و بلغ أبا فراس الخبر فنفر في أربعمائة فارس من العرب سوى العجم و أتبعه الى مرعش‏ (3) فلم يلحقه، فكتب اليه في قصيدة:

أ أبا العشائر ان أسرت فطالما* * * أسرت لك البيض الرقاق رجالا

لما أجلت المهر فوق رؤوسهم‏* * * نسجت له حمر الشعور عقالا

يا من اذا حمل الحصان على الوجى‏* * * قال اتخذ حبك التريك بغالا

ألا دعوت أخاك و هو مصاقب‏* * * يكفي العظيم و يحمل الاثقالا

ألا دعوت أبا فراس انه‏* * * ممن اذا طلب الممنّع نالا

وردت بعيد الفوت أرضك خيله‏* * * سرعا كأمثال القطا أرسالا (4)

قرأت في جزء أحضره إليّ الحافظ عماد الدين أبو القاسم علي بن الحافظ أبي محمد القاسم بن الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن يتضمن سيرة سيف الدولة أبي الحسن بن حمدان و أخباره، تأليف أبي الحسن علي بن الحسين الزراد الديلمي ذكر في سنة أربع و أربعين و ثلاثمائة قال:

و سار أبو العشائر الحسين بن علي بن حمدان من حلب الى مرعى و سلمها إليهم و سار أبو العشائر الحسين بن علي بن حمدان من حلب الى مرعش و سلممها إليهم و بعض غلمانه، فلم يشعر إلا بالروم قد أقبلوا عليه فركب فرسه و ركب أصحابه فطردهم الروم، و كان (12- و) أبو العشائر قد ثمل من الخمر فغلبه السكر، فسقط عن الفرس، فأدركه الروم فأسروه و حملوه الى قسطنطينية.

____________

(1)- لم اقف على تعريف له، انظر زبدة الحلب: 1/ 126.

(2)- قلعة من العواصم من نواحي حلب. معجم البلدان.

(3)- مدينة في الثغور بين الشام و بلاد الروم. معجم البلدان.

(4)- ديوانه: 165- مع فوارق.

2529

قرأت في كتاب المفاوضة جمع محمد بن علي بن نصر الكاتب بخطه.

و أخبرنا به اجازة زيد بن الحسن بن زيد الكندي عن أبي بكر محمد بن عبد الباقي الانصاري قال: أخبرنا أبو غالب محمد بن أحمد بن سهل بن بشران النحوي قال: قرأ علينا محمد بن علي بن نصر الكاتب قال: و حدثني أبو الفرج يعني الببغاء قال: هربت وقتا من الاوقات من أبي العشائر، و صرت الى حلب، و سألت سيف الدولة أن يمنعه عني، و قلت: ان أخلاقه لا تلاؤم أخلاقي، و قد ربيتني و اصطنعتني، و أريد أن لا أبرح حضرتك و مجلسك، قال: افعل و مضى على هذا مديدة قريبة، فدخلت يوما و اذا بين يدي سيف الدولة رجل عربي لا أعرفه عليه جبة ديباج و فرو و عمامة خز بلثامين، متقلدا سيفا محلى، و هو جالس على السرير و رجليه على الأرض و سيف الدولة يقبل عليه يحادثه فاستطرفت ذلك، و لم يكن في العرب كلها من يجلس تلك الجلسة مع سيف الدولة، قال: و نهض فاذا هو أبو العشائر فلما رأيته أسقط في يدي، و دنا مني فقبض عليّ فقلت لسيف الدولة: أيها الامير الذمام، فقال: ليس على أبي العشائر ذمام، ثم قال له: احتفظ به فإنه فرار فلم يبق في موضع للمنازعة (12- ظ).

فقلت: أيها الامير ما يمكنني الخروج، قال: و لم؟ قلت: علي دين و أحتاج الى ابتياع شعير لدوابي، و حنطة لغلماني، و هذا وجه الشتاء و لابد أن أنظر في أمري فقال: كل هذا يتنجز في الساعة، و وقع الى الداريج‏ (1) بكرين شعيرا و الى صاحب المنثر بثلاثة أكرار حنطة، و أطلق من خزانته ألفي درهم، و أمر بحمل عشر قطع ثيابا، و حصل جميع ذلك و ما تعالى النهار و هو جالس في دار سيف الدولة، فلما حضر صاحبه و عرفه حصول ما عددته كله قال: اركب على اسم الله، فركبت و مضيت معه الى أنطاكية فما كان يخليني من خلعة و بر و تفقد، و رسومي على سيف الدولة مطلقة في أوقاتها غير متأخرة عني بحال، و هذه كانت عادات الرؤساء في الافضال.

____________

(1)- من الواضح انه من العمال و أن الكلمة مركبة من دار- يج، هذا و لم أهتد الى معناها بدقة لا في المعاجم العربية أو المعربة.

2530

أنبأنا أحمد بن الازهر بن السباك عن أبي بكر محمد بن عبد الباقي الانصاري عن القاضي أبي علي المحسن بن علي التنوخي قال: و أنشدني أيضا- يعني- أبا الفرج الببغاء، و قال: قلتها بديها في أبي العشائر الحسين بن علي بن الحسين بن حمدان و كنت حاضرا و قد ضرب بسيف كان في يده هامة جمل ففصلها فأنشدته في الحال:

ما الفعل للسيف اذ هزّت مضاربه‏* * * فمرّ محتكما في هامة الجمل‏

لكن كفك أعدته بجرأتها* * * و فتكها فمضى يهوي على عجل‏

(13- و)

و لو سوى كفك المعروف صال به‏* * * نبا و لو كان مطبوعا من الاجل‏

(1)

أخبرنا أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل، فيما أذن لنا في روايته عنه، قال: أنبأنا أبو القاسم اسماعيل بن أحمد بن عمر بن السمرقندي قال: أخبرنا أبو يوسف يعقوب بن أحمد الاديب في كتابه قال: أخبرنا أبو منصور عبد الملك بن اسماعيل الثعالبي قال: و أنشدني- يعني- أبا بكر الخوارزمي لابي العشائر بن حمدان:

سطا علينا و من حاز الكمال سطا* * * ظبي من الجنة الفردوس قد هبطا

له عذاران قد خطّا بوجنته‏* * * فاستوقفا فوق خديه و ما انبسطا

و ظل يخطو و كل قال من شغف:* * * يا ليته في سواد الناظرين خطا

قال أبو منصور الثعالبي: و قال بعض الرواة: دخلت الى أبي العشائر أعوده من علة هجمت عليه فقلت له: ما يجد الامير فأشار الى غلام قائم بين يديه و اسمه نسطوس، كأن رضوان قد غفل عنه فأبق‏ (2) منه و أنشد:

____________

(1)- ترجم الثعالبي ترجمة مطولة لابي الفرج عبد الواحد بن نصر المخزومي النصيبي المعروف بالببغاء، و ساق مقطوعات من نثره و شعره. يتيمة الدهر: 1/ 252- 286.

(2)- أي فرّ.

2531

أسقم هذا الغلام جسمي‏* * * بما بعينيه من سقام‏

فتور عينيه في دلال‏* * * أهدى فتورا الى عظامي‏

و امتزجت روحه بروحي‏* * * تمازج الماء بالمدام‏ (1)

قرأت في كتاب عنوان السير في محاسن أهل البدو و الحضر تأليف أبي الحسن محمد بن عبد الملك الهمذاني: أبو العشائر بن حمدان القائل (13- ظ):

و ما سر قلبي منذ شطّت بك النوى‏* * * أنيس و لا كاس و لا متصرّف‏

و ما ذقت طعم الماء الّا وجدته‏* * * كأن ليس بالماء الذي كنت أعرف‏

و لم أشهد اللذات إلا تكلّفا* * * و أي سرور يقتضيه التكلف‏

قال ابن الهمذاني: و لما خرج الحاج في زمن المكتفي كان معهم أبو العشائر بن حمدان، فظفر بهم زكرويه بن مهرويه القرمطي فقطع يدي أبي العشائر و رجليه بز بزبالة، ثم قال ابن الهمذاني بعد ذلك و أخذ الروم حلب و قتلوا أبا العشائر و أخوته في سنة احدى و خمسين و ثلاثمائة.

و هذا خطأ من ابن الهمذاني فيما ذكره أولا و ثانيا فإن أبا العشائر توفي أسيرا في يد الروم بالقسطنطينية في سنة اثنتين أو ثلاث و خمسين‏ (2).

و قرأت في كتاب أبي الحسن علي بن الحسين الديلمي في أخبار سيف الدولة، قال و اجتمع في البلاط بالقسطنطينية من الأسارى الحمدانية نحو ثمانمائة رجل منهم: أبو العشائر و أبو فراس و محمد بن ناصر الدولة، و ذكر جماعة، و قال:

وفادى- يعني- سيف الدولة بأبي فراس و أبي العشائر و رقطاش و غيرهم، يعني سنة أربع و خمسين، و هذا و هم من أبي الحسن الديلمي فإن أبا العشائر توفي بالقسطنطينية في حال الاسر و قال فيه الامير ابو فراس يرثيه.

أ أبا العشائر لا محلك دارس‏* * * بين الضلوع و لا محلك نازح‏

____________

(1)- انظر يتيمة الدهن: 1/ 104- 105.

(2)- الذي وقع بأسر القرامطة أبو الهيجاء بن حمدان، أسره أبو طاهر. انظر كتابي الجامع في أخبار القرامطة ط. دمشق 1988: 2/ 491- 495.

2532

إني لأعلم بعد موتك أنه‏* * * ما مر للأسراء يوم صالح‏ (1)

قرأت في تاريخ أبي اسحاق ابراهيم بن حبيب السّقطي صاحب كتاب الرّديف‏ (2) في حوادث سنة اثنتين و خمسين و ثلاثمائة في ذكر من توفي فيها قال:

و فيها، أو في سنة ثلاث و خمسين مات أبو العشائر الحسين بن علي بن الحسين بن حمدان ببلد الروم في أسره مسموما و كان السبب في سمه أن ملك الطاغية بلغه أن عليّ بن حمدان فسق بابن قسطنطين، كان في أسره فأنفذوا من بلد الروم من سمه فهلك و سمّوا هم أبا العشائر بن حمدان حنقا لما جرى من قتلهم ابن قسطنين، و كان أبو العشائر فارسا شجاعا سخيا ممدّحا.

الحسين بن علي بن الحسين‏

ابن علي بن محمد بن يوسف بن بحر بن بهرام بن المرزبان بن باهان بن باذام ابن بلاش بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام بن جور، أبو القاسم بن أبي الحسين بن أبي القاسم بن أبي الحسن المغربي، هكذا قرأت نسبة بخطه و قيل في نسبه من ماهان بن باذان بن ساسان بن الحرون، قيل ساسان هو المعروف بالحرون بن بلاش ابن جانيا سيف بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور بن يزدجرد، وجد أبيه أبو الحسن هو المغربي عرف بذلك لأنه كان يختلف على ديوان المغرب.

و قرأت بخط الحافظ أبي طاهر أنه نقل من خط عبد الحميد ابنه على ظهر الجزء الأول من رسائل الوزير أنه: الجزء الأول من رسائل أبي القاسم الحسين بن علي ابن الحسين بن علي بن محمد بن يوسف بن بحر بن بهرام بن المرزبان بن ماهان ابن مادان بن ساسان بن الحرون بن فلاش بن جاما سف بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور. و كتب عبد الحميد.

و أبو القاسم هذا هو الوزير الملقب بالكامل ذي الجلالتين ولد بحلب (14- ظ) في سنة سبعين و ثلاثمائة، و كان أبوه وجده من كتّاب الأمير سيف الدولة، و حصل بعد موت سيف الدولة بين أبيه و بين سعد الدولة أبي المعالي شريف نبوة أوجبت‏

____________

(1)- ديوانه: 243 مع فوارق.

(2)- لم أقف على ذكر بوجوده.

2533

انفصاله عنه، فعوق أبو المعالي أبا القاسم بحلب مع جماعة من أهله، ثم سار أبوه بعد ذلك إلى مصر، فانتقل أبو القاسم بعده و قتل الحاكم أباه و أخوته فهرب أبو القاسم و توجه إلى العراق، و تقلد وزارة مشرّف الدولة أبي علي بن عضد الدولة ابن بويه في سنة خمس عشرة و أربعمائة، و أقام في وزارته شهورا، و فارقه و انتقل إلى وزارة الأمير أبي المنيع قرواش بن المقلد أمير بني عقيل، ثم وزر لنصر الدولة ابن مروان صاحب ميافارقين و دياربكر (1).

و كان الوزير أديبا فاضلا عارفا باللغة و النحو فصيحا، حسن النظم و النثر عارفا بالحساب، و له كتاب في تفسير (2) القرآن أحسن فيه على اختصاره و اختصر كتاب إصلاح المنطق‏ (3) فأجاد في ذلك و عرضه على أبي العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان، فاستجاده و أثنى عليه، و كتب إليه في ذلك الرسالة الأعريضية التي أولها:

السلام عليك أيتها الحكمة المغربية، و الألفاظ العربية، أي هواء رقاك و أي غيث سقاك.

و فضائله جمة، لكنه كان جسورا مهورا، سي‏ء التدبير، متكبرا.

حدث عن الوزير أبي الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات، و روى عن أبيه علي بن الحسين، و أبي جعفر الطحاوي، و أبي أسامة جنادة بن محمد، و أبي الحسن محمد بن عيسى النامي العراقي اليشكري و أبي الحسن على بن لؤلؤ الحلبي و القاضي أبي الحسن علي بن محمد بن يزيد الحلبي و أبي عبد الله محمد بن الحسين اليمني و أبي القاسم (15- و) الميمون بن حمزه الحسيني، و علي بن منصور الحلبي المعروف بدوخلة، و أبي الحسن علي بن عبد الله الماذرائي، و محمد بن الحسن التنوخي، و القاضي أبي أحمد محمد بن داود بن أحمد العسقلاني، و محمد بن إبراهيم التميمي، و علي بن إبراهيم الدهكي، و أبي جعفر الموسوي قاضي مكة، و ابن الكلابي راوية أبي فراس و أبي زكريا يحيى بن علي الأندلسي أمير الغرب،

____________

(1)- سبق أن ترجم ابن العديم لابن مروان و ذكر خلال ذلك علاقة الوزير المغربي به، كما ذكره في ترجمة حسان بن المفرج.

(2)- لم يصلنا.

(3)- ليعقوب بن اسحاق بن السكيت (186- 244 ه/ 802- 858 م) و كان من أعظم علماء عصره في اللغة و الادب- الاعلام للزركلي.

2534

و أبي بكر محمد بن عبد الملك التاريخي و أبي الحسن علي بن نصر بن الصباج و غيرهم.

روى عنه ابنه أبو يحيى عبد الحميد بن الحسين، و أبو الحسن بن الطيب الفارقي و أبو الجوائز الحسن بن باري الواسطي، و أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي و علي بن السكن الفارقي و أبو عبد الله محمد بن جردة، و أبو غالب محمد بن أحمد بن سهل بن بشران النحوي، و القاسم بن بابويه.

أخبرنا أبو القاسم عبد الصمد بن أبي الفضل القاضي- فيما أذن لنا أن نرويه عنه- عن أبي الفتح نصر الله بن محمد الفقيه قال: حدثنا نصر بن ابراهيم الزاهد المقدسي قال: قرأت على أبي يحيى عبد الحميد بن الحسين بن علي المغربي عن أبيه أبي القاسم الحسين بن علي قال: أخبرنا أبو الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن عبد الرحمن الروذباري قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن موسى الرازي قال: أخبرنا أبو زكريا يحيى بن زكريا الطائي النبهاني قال: حدثنا أبو حاتم السجستاني و أبو عبد الله محمد بن حسان الضبي قالا: حدثنا يعقوب بن محمد قال: حدثنا يزيد بن عمر بن مسلم الخزاعي قال:

حدثنا أبي عن أبيه قال: شهدت رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و منشد ينشده (15- ظ) قول سويد بن عامر المصطلقي:

لا تأمنن و إن أمسيت في حرم‏* * * إن المنايا تجتني كل إنسان‏

فاسلك طريقك تمشي غير مختشع‏* * * حتى تلاقي ما يمنى لك الماني‏

لكل ذي صاحب يوما مفارقه‏* * * و كل زاد و إن أبقيته فان‏

و الخير و الشر مجموعان في قرن‏* * * بكل ذلك يأتيك الجديدان‏

فقال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم): «لو أدركني هذا لأسلم» (1)، فبكى أبي، فقلت: يا أبة ما يبكيك من مشرك مات في الجاهلية! قال يا بني ما رأيت مشركة تلقت من مشرك خيرا من سويد.

____________

(1)- انظره في كنز العمال: 14/ 37876.

2535

قال: قوله «ما يمنى لك» ما يقدر لك القادر الله عز و جل.

قرأت في رسائل الوزير أبي القاسم بن المغربي، نسخة كتاب كتبه ليعرض بالسدة القادرية و قد طعن عليه بالدار الخليفية في مذهبه حيث وزر للملك السعيد شرف الدولة أبي علي، و انكار الاسم المغربي المشهور به، و أنه نسب الى اعتقاد المذهب المصري‏ (1) و التدين به فكتب رسالة في ذلك، و كتبها على وجهها و حذفت من آخرها ما لا حاجة لي إليه لما فيها من ذكر نسبه و منشأه و مذهبه و مبدأ حاله و طلبه للعلم و اشتغاله، و الرسالة:

الدهر أبو العجائب، و ذو الغرائب، إلا أنني ما ظننته يبدع هذه البدعة الشنعاء، و لا ظننته يطرق هذه الظنة النكراء و ينبغي (16- و) أن أنزل عن الاحتجاج للملك أدام الله بقاءه و أعز نصره و لواءه، و المؤتمن على تدبيره و السفير بينه و بين عسكره، أدام الله تمكينه، فإن الله يعلم و الناس يعلمون خلوص نياتهما في الطاعة و بعدهما من هذه الشناعة، فإن تشاغلي بما يخصني من هذه الحال التي ظننت أن العرض على الله يسبقها، و أن المعتقد المقدس قد استحكم في الثقة بي استحكاما يقصر أيدي اللئام عن صياغة مثلها لي، فإن كان يظن أن ما و سمت به من النسب المستعار يحملني على الازورار فإن الأمر بضده إذ كان أصلي من البصرة، و انتقل سلفي عنها في فتنة البريدي إلى بغداد، و كان جدّ أبي، و هو أبو الحسن علي بن محمد يخلف على ديوان المغرب، فنسب به إلى المغربي، و ولد له جدي الأدنى ببغداد في سوق العطش، و نشأ و تقلد أعمالا كثيرة، منها تدبير محمد بن ياقوت عند استيلائه على أمر المملكة، و كان خال أبي و هو أبو علي هارون بن عبد العزيز الأوارجي المعروف الذي مدحه المتنبي متحققا بصحبة أبي بكر محمد بن رائق، فلما لحق أبا بكر بن رائق ما لحقه بالموصل‏ (2) سار جدي و خال أبي الى الشام، و التقيا بالإخشيذ، و أقام والدي و عمي رحمهما الله بمدينة السلام، و هما حدثان إلى أن توطدت أقدام شيوخهما بتلك البلاد، و أنفذ الإخشيذ غلامه المعروف بفاتك المجنون‏

____________

(1)- الاسماعيلية عقيدة الخلافة الفاطمية.

(2)- سبقت الاشارة الى مقتل ابن رائق من قبل ناصر الدولة الحمداني.

2536

الممدوح المشهور (1) فحملها و من يليهما إنى الرحبة و سار بهما على طريق الشام إلى مصر فأقامت الجماعة (16- ظ) هناك إلى أن تجددت قوة المستولي على مصر فانتقلوا بكليتهم و حصلوا في حيز سيف الدولة أبي الحسن بن حمدان مدة حياته، و استولى جدي على أمره استيلاء يشهد به مدائح أبي نصر بن نباته فيه، ثم غلب أبي من بعده على أمره و أمر ولده غلبة تدل عليها مدائح أبي العباس النامي فيه، ثم شجر بينهما ما يتفق مثله بين المتصاحبين في الدنيا ففارقه من الرحبة، و انحدر إلى الأنبار قاصدا مدينة السلام، فلما حصل بالأنبار وجد العراق مضطربا، و بهاء الدولة (رحمه الله) في أول أمره غالبا (2) فخوف من المقام، فركب مغررا بنفسه قاصدا الشام ليتمكن من تعرف أخبارنا و افتكاك إسارنا، فإنا كنا بحلب معوقين من بعده، فلقي بمصر الحظوة التي عرفت، وليتها ما اتفقت، فإن ختامها كان سما زعافا و عقباها كان بورا و اجتياحا (3)، و انتقلت في أثره، و كانت والدتي من أهل العراق، و لنا الى اليوم أملاك بالنعمانية (4) موروثة، فكنا بمصر زوارا و بالعراق لما انتقلنا إليها قاطنين و ألافا فهذا أولا حديث الأصل الذي وقع الاشتباه، و تم التمويه فيه.

ثم أرجع إلى ذكر الدين فإني نشأت و غذيت بكتب الحديث و حفظ القرآن و مناقبة الفقهاء و مجالسة العلماء، و الله ما رأيت قط بتلك البلاد مأدبة و لا وليمة الا لعرس، و لا كنت متشاغلا إلا بعلم أو دين، و لقد سلم لي من جزازات كتبي ما هو اليوم دال على تشاغلي بالدين القيم، و استمراري على النهج الأسلم (17- و) لأنه ليس كتاب من كتب السنة إلّا و قد أحطت به رواية و رمته دراية، و ها هنا اليوم نسختان من موطأ مالك سماعي من جهتين، و عليهما خطوط الشيخين و الصحيحان لمسلم و البخاري، و جامع سفيان و مسانيد عدة عن التابعين، ولي، و أحمد الله، إملاءات عدة في تفسير القرآن و تأويله و تخريجات من الصحاح المذكورة، و سمعت‏

____________

(1)- ممدوح المتنبي عندما كان في مصر.

(2)- انظر حوله كتابي تاريخ العرب و الاسلام: 321- 322.

(3)- في هذا اشارة الى فتك الحاكم بأمر الله بال المغربي.

(4)- بليدة بين واسط و بغداد على ضفة دجلة. معجم البلدان.

2537

كتاب المزني‏ (1) عن الطحاوي عن المزني، و أما الأحاديث المنثورة التي كنت أبكر بكور الغراب لاستماعها، و أطرح زينة الدنيا في مزاحمة أشياعها فأكثر من أن تحصى، فكيف يظن بمثلي ممن ظهر تماسكه إن كان لم يظهر باطنه تعلق بالهباء المنثور، و تمسك بالضلال و الزور.

و ذكر باقي الرسالة. أنا اختصرتها.

قرأت بخط أبي المكارم علي بن محمد بن محمد بن المطلب وزير تقي الدين عمر بن شاهنشاه، و ذكر أنه نقل عن ظهر النسخة التي اختصر فيها الوزير أبو القاسم ابن المغربي كتاب اصلاح المنطق بخط أبيه أبي الحسن علي بن الحسين بن المغربي:

ولد سلمه الله، و بلغه مبلغ الصالحين، أول وقت طلوع الفجر من ليلة صباحها يوم الأحد الثالث عشر من ذي الحجة سنة سبعين و ثلاثمائة، و استظهر القرآن وعدة من الكتب المجردة في اللغة و النحو و نحو خمسة عشر ألف بيت من مختار الشعر القديم، و نظم الشعر و تصرف في النثر، و بلغ من الخط ما يقصر عنه نظراؤه، و من حساب المولد و الجبر و المقابلة و جميع الأدوات الى ما يستقل بدونه (17- ظ) الكاتب، و ذلك كله قبل استكماله أربع عشرة سنة، و اختصر هذا الكتاب، فتناهي باختصاره، و أوفى على جميع فوائده حتى لم يفته شي‏ء من ألفاظه، و غيّر من أبوابه ما أوجب التدبير تغييره للحاجة الى الاختصار، و جمع كل نوع إلى ما يليق به، ثم ذكرت له نظمه بعد اختصاره، فابتدأ به و عمل منه عدة أوراق في ليلة، و كان جميع ذلك قبل استكماله سبع عشر سنة، و أرغب الى الله في بقائه و سلامته.

و ذكر الصابئ في تاريخه قال: في شهر رمضان من سنة أربع عشرة و أربعمائة قبض على أبي علي الرخجي و تولى وزاره مشرف الدولة أبي علي أبو القاسم الحسين‏

____________

(1)- هو اسماعيل بن يحيى، صاحب الامام الشافعي (175- 264 ه/ 791- 878 م) كان زاهدا عالما من كتبه: «الجامع الكبير» و «الجامع الصغير» و «الترغيب بالعلم». الاعلام للزركلي.

2538

ابن علي بن الحسين المغربي، و كان سي‏ء التدبير لنفسه مهوّرا قليل النظر في العواقب، مع ما كان فيه من الفضائل الأدبية (1).

قرأت بخط عبد القوي بن الجليس عبد العزيز بن الحباب في ذكر الوزير أبي القاسم قال: و ذكر أن مولده كان بمصر في ليلة الأحد الثالث عشر من ذي الحجة سنة سبعين و ثلاثمائة.

قلت: و هذا وهم، و لم يولد بمصر، و إنما ولد بحلب في التاريخ المذكور، لأن أباه في هذا التاريخ كان بحلب في خدمة أبي المعالي شريف بن سيف الدولة.

قرأت في الرسالة التي كتبها أبو الحسن علي بن منصور بن طالب الحلبي، المعروف بدوخلة، إلى أبي العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان، و أجابه عنها أبو العلاء بن سليمان برسالة الغفران، و قد ذكر كلاما قال بعده: ثم سافرت منها- يعني من بغداد- الى مصر، و لقيت أبا الحسن المغربي، فألزمني أن لزمته لزوم الظل، و كنت منه مكان المثل في كثرة الانصاف و الحنو و الاتحاف، فقال لي سرا: أنا أخاف همة أبي القاسم تنزو به الى أن يوردنا وردا لا صدر عنه، فإن كانت الأنفاس مما تحفظ و تكتب فاكتبها و احفظها و طالعني بها، فقال لي يوما: ما نرضى بالخمول الذي نحن فيه، فقلت له: و أي خمول هنا (18- و) تأخذون من مولانا خلد الله ملكه في كل سنة ستة آلاف دينار، و أبوك من شيوخ الدولة، و هو معظّم مكرّم، فقال: أريد أن تصار الى ديواننا الكتائب و المواكب و المقانب، و لا أرضى بأن يجري علينا كالولدان و النسوان، فأعدت ذلك على أبيه فقال: ما أخوفني أن يخضب أبو القاسم هذه من هذه، و قبض على لحيته و هامته، و علم أبو القاسم، فصارت بيني و بينه وقفة.

و ذكر دوخلة أيضا في هذه الرسالة أنه دخل أنطاكية، و خرج منها الى ملطية و بها المايسطرية (2) خولة بنت سعد الدولة، قال: فأقمت عندها الى أن ورد عليّ كتاب‏

____________

(1)- هذا الخبر ليس في تحفة الامراء للصابى‏ء، و الذي و صلنا من كتاب التاريخ قطعة صغيرة فيها حتى سنة/ 293 ه/.

(2)- من الالقاب البيزنطية الرفيعة- منها استعيرت في أيامنا رتبة ما جستير- و قد حمل هذا اللقب بعد سيف الدولة عدد من أفراد الاسرة الحمدانية.

2539

أبي القاسم، فسرت الى ميافارقين، فكان يسر حسوا في ارتغاء (1)، قال لي يوما:

لي أيام ما رأيتك؟ قلت: أعرضت حاجة؟ قال: لا، أردت أن ألعنك، قلت فالعني غائبا، قال: لا في وجهك أشفى، قلت: و لم؟ قال: لمخالفتك إياي فيما تعلم، و قلت له: و نحن على أنس بيني و بينه: لي حرمات ثلاثة: البلدية، و تربية أبيه لي، و تربيتي لأخوته، قال: هذه حرم مهتكة: البلدية نسب بين الجيران، و تربية أبي لك منّة عليك، و تربيتك لأخوتي بالدنانير و الخلع، أردت أن أقول له: استرحت من حيث تعب الكرام، فخشيت جنونه، لأنه كان جنونه مجنونا، و أصح منه مجنون، و أجنّ منه لا يكون، و أنشد:

جنونك مجنون و لست بواجد* * * طبيبا يداوي من جنون جنون‏

بل جن جنانه و رفض شيطانه.

به جنّة مجنونة، غير أنها* * * إذا حصّلت منه ألبّ و أعقل (18- ظ)

قال: و كان أبو القاسم ملولا و الملول ربما ملّ الملال، و كان لا يملّ أن يمل و يحقد حقد من لا تلين كبده و لا تنحل عقده، قال: و قال لي بعض الرؤساء:

أنت حقود و لم يكن حقودا، فقلت له: أنت لا تعرفه، و الله ما كان يحنى عوده، و لا يرجى عوده، و له رأي يزين له العقوق و يمقتّ إليه رعاية الحقوق، بعيد من الطبع الذي هو للصدّ صدود و للتألف ألوف ودود، كأنه من كبره قد ركب الفلك و استوى على ذات الحبك‏ (2)، و لست ممّن يرغب في راغب عن وصلته، أو ينزع الى نازع خلته، فلما رأيته ساردا جاريا في قلة انصافي على غلوائه، محوت ذكره عن صفحة فؤادي، و اعتددت ودّه فيما سال به الوادي، و أنشدت الرجل أبياتا أعتذر فيها عن قطعي له:

____________

(1)- مثل يضرب في باب التعريض بالشي‏ء يبديه الرجل و هو يريد غيره، و أصله الرجل يؤتى باللبن فيظهر أنه يريد الرغوة خاصة و لا يريد غيرها، فيشربها و هو في ذلك ينال من اللبن. انظر كتاب الامثال لأبي عبيد القاسم بن سلام: 65.

(2)- ذات الحبك هي السماء. المرصع لابن الاثير- ط. بغداد 1971: 151.

2540

فلو كان منه الخير إذ كان شره‏* * * عنيدا لقلنا إنّ خيرا مع الشر

و لو كان إذ لا خير لا شر عنده‏* * * صبرنا و قلنا لا يرش و لا يببري‏

و لكنه شرّ و لا خير عنده‏* * * و ليس على شر إذا دام من صبر

قال: و بغضي له- شهد الله حيا و ميتا- أوجبه أخذه محاريب الكعبة الذهب و الفضة و ضربها دنانير و دراهم، و سماها الكعبية، و أنهب العرب الرملة و خرّب بغداد، و كم دم سفك، و حريم انتهك، و حرة أرمل و صبي أيتم. هذا ذكره علي بن منصور في رسالته الى أبي العلاء، و قد بلغه أنه ذكر لأبي العلاء فقال: أعرفه خبرا، هو الذي هجا أبا القاسم الحسين (19- و) بن علي المغربي‏ (1) فكتب إليه بذلك إقامة لعذره في هجوه.

و قد كان بين أبي القاسم بن المغربي و بين علي بن منصور ما يوجب أن لا يقبل قوله فيه، و قد ظفرت في بعض ما نقلته من خط بعض الأدباء ما ذكر أنه نقله من خط أبي القاسم الوزير: أنشدني علي بن منصور، إن صدق فيدل على ما ذكرته من حالهما.

قرأت بخط أبي عبد الله محمد بن علي العظيمي، و أنبأنا أبو اليمن الكندي و غيره عنه قال: وزّر ببغداد الوزير أبو القاسم الحسين بن علي بن الحسين بن المغربي في رمضان سنة خمس عشرة و أربعمائة، بغير خلعة و لا لقب، و لا فارق الدراعة، و كان كاتبا مليحا، شاعرا، منجما و فيلسوفا، قيما بعلوم كثيرة، و كان فيه حسد، و جرت له ببغداد أمور أو جبت استيحاشه من الخليفة، فنقل الى أن نزل على أبي نصر بن مروان على سبيل الضيافة، فمات عنده سنة ثماني عشرة و أربعمائة (2).

قرأت بخط عبد القوي بن عبد العزيز بن الحباب في ذكر الوزير أبي القاسم قال و كان ممدحا و مقصودا بالأدب من جميع من يتعلق به من العجم و العرب، مدحه مهيار بن مرزويه في يوم نوروز، و قد أحضرت إليه هدايا من الديلم و الأتراك على عادتهم مع الوزراء في مثل اليوم المذكور، و استأذنه في الانشاد فأذن له فأنشده قصيدته اللامية و منها:

____________

(1)- تاريخ العظيمي: 326 مع بعض الاختصار.

(2)- تاريخ العظيمي: 326 مع بعض الاختصار.

2541

عسى معرض وجهه يقبل‏* * * فيوهب للآخر الأول‏

فداك و تفعل ما لا تقول‏* * * ممن يقول و لا يفعل‏

يلومك في الجود لمّا عرفت‏* * * من شرف الجود ما يجهل (19- ظ)

سللت على المال سيل العطاء* * * فلا حيك في الجود مستقتل‏

و منها:

أجرني أبت نحوه أن أضيع‏* * * و انصر دعائي فلا أخذل‏

و صن بك وجهي عمن سواك‏* * * فما مثل وجهي يستبذل‏ (1)

فلما انتهى الى آخرها استحسنها و أعجب بها، و أشار إليه الى الناحية التي فيها الدنانير و الدراهم، فجلس إليها، و فتح كمه الأيسر و جمع إليه بيده اليمنى حتى ملأه، ثم فتح كمه الأيمن و جمع إليه بيده اليسرى الى أن لم يبق على الأرض دينار و لا درهم، و نهض فقبل الأرض و انصرف، و سئل عما حصل له، فذكر أن مبلغه ألفا و مائة و نيفا و عشرين دينارا، و سبعة آلاف و ثلاثمائة درهم، و هذا عطاء ما سمع بمثله ممن جاد في وقته لشاعر سواه.

قال و كان قد عبث به بعض شعراء البغداديين عندما جرى له و هو في الوزارة ما أوجب له الخروج من بغداد، فقال فيه:

و يلي و و يحي و ويهي على ملوك بويه‏* * * يا ضيعة الملك جدا و يا بكائي عليه‏

يا مغربي رويدا كيف اهتديت اليه‏* * * سلبته كل حلي في جيده و يديه‏

سياسة الملك ليست ما جاء عن سيبويه‏

ثم لقيته بميافارقين فأراد أن يستدرك ما فاته، و يعتذر عما سبق منه، فقال فيه:

يا معجز الله الذي حل في أعلى محل‏* * * لما رأيت الملك في هون و مضيعة و قل‏

أكبرت نفسك أن تدبر أمر ملك مضمحل‏

____________

(1)- نشر المرحوم محمد كرد علي رسالة ابن القارح في كتابه «رسائل البلغاء» ط.

القاهرة 1946: انظر ص 272- 276. و انظر أيضا ديوان مهيار- ط. القاهرة 1930: 3/ 124- 133 مع فوارق.

2542

و هذا الشاعر المذكور الذي هجاه ثم مدحه هو أبو عبد الله الخيمي الشاعر و قيل إنه عمل الأبيات اللامية لما حصل أبو القاسم عند قرواش بن مقلد بن مسيب.

و أنه دخل إليه في جملة الشعراء مادحا، فقال بأي وجه تلقاني؟ فقال جوابي لك جواب أبي الهول الحميري الفضل بن يحيى، و قد سأله مثل هذه المسألة فقال:

بالوجه الذي ألقى به ربي و ذنوبي إليه أكثر من ذنوبي إليك و أنشده:

«يا معجز الله»- الأبيات، و ذكر بيتا ثانيا بعد الأول:

و رأى جميع ممالك الدنيا تعلي مستقل‏

فقال: قد قبلت عذرك، و أنا فاعل بك ما فعله الفضل بأبي الهول. (20- و)

أخبرنا القاضي أبو النصر محمد بن هبة الله بن الشيرازي فيما أذن لنا في روايته عنه. قال أخبرنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن قال: الحسين بن علي بن الحسين ابن محمد المغربي بن يوسف بن بحر بن بهرام بن المرزبان بن ماهان بن باذام بن ساسان الحرون بن بلاش بن خايناشف بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور بن يزدجرد، أبو القاسم بن أبي الحسن الوزير كان مع أبيه بمصر، فلما قتل الملقب بالحاكم أباه هرب من مصر و استجار بحسان بن المفرج بن دغفل بن الجراح الطائي و مدحه فأجاره و سكن جأشه و أزال خوفه و استيحاشه، فأقام عنده محترما، ثم رحل عنه مكرما و توجه الى العراق، و اجتاز البلقاء من أعمال دمشق، و وزر لقريش أمير عقيل، و وزر لابن مروان صاحب دياربكر.

و كان أديبا مسترسلا، و شاعرا فاضلا، ذا معرفة بصناعتي الكتابة الانشائية و الحسابية، و حدّث عن الوزير أبي الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات المعروف بابن حنزابه‏ (1)، روى عنه ابنه أبو يحيى عبد الحميد بن الحسين، و أبو الحسن بن الطيب الفارقي‏ (2).

قول الحافظ: و وزر لقريش، و هم و إنما هو قرواش.

____________

(1)- جزر البر لقبت به لقصرها.

(2)- تاريخ ابن عساكر: 5/ 6- و.

2543

و قرأت في جزء، سيّره لي الشريف أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بخطه، و ذكر أنه نقله من خط خلف بن عبد الله بن هبة بن جرير السعدي قال: الوزير أبو القاسم الحسين بن علي بن الحسين المغربي، و قال: و كان أبو القاسم عارفا فاضلا و بليغا مترسلا، و مفتنا في كثير من العلوم الدينية و الأدبية و النجومية، و مشار إليه في قوة الذكاء و الفطنة، و سرعة الخاطر و البديهة. قال: و كان خبيث الباطن، كثير الحيل، شديد الحسد على الفضل و إن أظهر الميل الى أهله.

أخبرنا أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل بن عبد المطلب الهاشمي قال: أخبرنا أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني قال: أنشدني أبو صالح قراطاش بن طنطاش الظفري- إملاء من حفظه- قال: أنشدنا أبو محمد علي بن عبد القاهر بن آسي قال: أنشدني أبو أسامة قال: أنشدني الوزير أبو القاسم المغربي لنفسه. (20- ظ).

قال: و قد كان بنى دارا جديدة، فاتنقل اليها فما جاءه النوم الليلة الأولى لتغير المكان، فأنشد هذه الأبيات:

إني أبثك من حديثي‏* * * و الحديث له شجون‏

فارقت موضع موطني‏* * * ليلا ففارقني السكون‏

قل لي فأول ليلة* * * في القبر كيف ترى أكون‏

أخبرني الحافظ محب الدين أبو عبد الله محمد بن محمود بن النجار البغدادي قال: أخبرني أبو الفتح بن عبد الله بن محمد بن علي بن هبة الله بن عبد السلام الكاتب ببغداد قال أخبرني جدي أبو الفتح محمد بن علي قال: أنشدنا أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي قال: أنشدنا الوزير أبو القاسم الحسين بن علي المغربي لنفسه:

تأمل من أهواه صفرة خاتمي‏* * * فقال حبيبي لم تجنبت أحمره‏

فقلت له من أحمر كان لونه‏* * * و لكن غرامي حل فيه فغيره‏

أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن رواحة الحموي قال:

2544

أخبرنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السلفي- إجازة إن لم يكن سماعا- قال: أنشدني أبو نصر عبد الله بن عبد العزيز بن المؤمل الرسولي ببغداد قال: أنشدني علي بن السكن الفارقي بميا فارقين قال: أنشدني الوزير أبو القاسم علي بن الحسين المغربي لنفسه:

عزال حبه الصبر غرب‏* * * و لكن وجهه للحسن شرق (21- و)

رددت و قد تبسم عنه طرفي‏* * * و قلت له: ترى لي فيك رزق‏

سأرجو الوصل لا أني جدير* * * و لا قدري لقدرك فيه رفق‏

و لكن لست أول من تمنى‏* * * من الدنيا الذي لا يستحق‏

أخبرنا أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل قال: أخبرنا أبو سعد السمعاني قال:

أنشدني أبو صالح قراطاش بن طنطاش الظفري- إملاء- قال: أنشدني أبو عبد اللّه محمد بن جرده قال: أنشدني الوزير أبو القاسم المغربي لنفسه:

من بعد ملكي رمتم أن تغدروا* * * ما بعد فرقة بائعين تخير (1)

ردوا الهدو كما عهدت إلى‏* * * الحشا و المقلتين الى الكرى ثم اهجروا

أخبرنا أبو يعقوب يوسف بن محمود بن الحسين الساوي بالقاهرة، قال:

أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السّلفي قال: أخبرنا أبو علي أحمد بن محمد بن أحمد البرداني قال: أنشدني بعض أصحابنا للوزير أبي القاسم علي بن الحسين بن المغربي و قد اجتاز بهيت فزار قبر عبد اللّه بن المبارك و قال:

مررت بقبر ابن المبارك زائرا* * * فأوسعني و عظا و ليس بناطق‏

و قد كنت بالعلم الذي في جوانحي‏* * * غنيا و بالشيب الذي في مفارقي‏

و لكن أرى الذكرى تنبه عبرة* * * إذ هي جاءت من رجال الحقائق‏

كذا وقع «أبي القاسم عليّ» و كذا ذكره علي بن السكن الفارقي، و هو خطأ، و علي أبوه.

____________

(1)- قصد ما جاء بالحديث النبوي: البيعان بالخيار مالم يتفرقا. كنز العمال:

4/ 9432.

2545

أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسين بن المقير- إذنا و قد سمعت منه غيره- قال:

(21- ظ) أخبرنا أبو طالب المبارك بن علي بن محمد بن خضير الصيرفي قال: أخبرنا أبو سعد أحمد بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي، قراءة عليه، قال: أنبأنا أبو غالب محمد بن أحمد بن سهل النحوي قال: أنشدنا أبو القاسم الحسين بن علي بن المغربي لنفسه:

ترنم جاري و المدام تهزه‏* * * ترنم قمري بفرعة ضال‏

فجاوبته من زفرتي بمغرّد* * * و ناوبته من أدمعي بسجال‏

و قلت له يا جار هل أنت آمن‏* * * تفرق أحباب و حرب ليال‏

تهيج لي الذكرى مراحك كلما* * * هزجت فيشقى في نعيمك بالي‏

لئن جمعت بيني و بينك حليتي‏* * * لقد فرفت بيني و بينك حالي‏

تذكرت دار الحي إذ أنا باسط* * * ظلالي و مجموع لديّ رجالي‏

و إذ أنا بين الناس منزع‏* * * آمل لبثّ نوال أو بناء معال‏

لعمري لقد أسهلت في الارض بعدما* * * تزحزح عن ريب الزمان جبالي‏

أخبرنا أبو هاشم الهاشمي قال: أخبرنا أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور قال: سمعت أبا القاسم اسماعيل بن أبي بكر السمرقندي، مذاكرة، يقول:

ما بقي في الدنيا من يروي معجم أبي الحسين جميع غيري و لا بدمشق أيضا و لا عن أبي الحسن عبد الدائم بن الحسن الهلالي ثم أنشد:

و أعجب ما في الأمر أني عشت بعدهم‏* * * على أنهم ما خلفوا فيّ من بطش‏

ثم قال: و هذا البيت من قطعة أنشدناها أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب (22- و) التميمي للوزير أبي القاسم بن المغربي:

و ما ظبية أدماء تحنو على طلا* * * ترى الأنس و حشا و هي تأنس بالوحش‏

غدت فارتعت ثم انثنت لرضاعة* * * فلم تلف شيئا من قوائمه الحمش‏

(1)

فطافت بذاك القاع و لهى فصادفت‏* * * سباع الفلا ينهشنه أيمّا نهش‏

____________

(1)- الحمش هنا الدقيقة القليلة اللحم. القاموس.

2546

بأوجع في يوم طلّت أنامل‏* * * تودعني بالدّر من شبك النقش‏

و أحمالهم تحدى و قد خيل الهوى‏* * * كأن مطاياهم على ناظري تمشي‏

و أعجب ما في الأمر أني عشت بعدهم‏* * * على أنهم ما خلفوا في من بطش‏

قرأت في بعض الفوائد أن الوزير أبو القاسم الحسين بن علي بن المغربي أرق ذات ليلة أرقا شديدا، فكان لا يزداد إلّا فلقا و لا يزداد الليل إلّا طولا، فقال لبعض ندمائه: أي شي‏ء تعرف من الشعر في طول الليل و السهر و القلوب؟ فقال:

فول بشار بن برد:

جفت عيني عن التغميض حتى‏* * * كأن جفونها عنها قصار

أقول و ليلتي تزداد طولا* * * أما لليل عندكم نهار (1)

فقال: صدقت و أحسنت ثم قال على البديهة:

عهدي به و رداء الوصل يجمعنا* * * و الليل أطوله كاللمح بالبصر

فا لآن ليلي مذ غابوا فديتهم‏* * * ليل الضرير و صبحي غير منتظر

نقلت من خط جلال الدولة أبي عبد الله محمد بن علي بن عبّاد الكاتب المصري (22- ظ) في شكة (2) له ما صورته: رأيت في بعض تعاليق الوزير أبي القاسم بن المغربي أبياتا كتب بها الى إلف له في بعض الأغراض و شفعها بأبيات أخرى وقعت مني موقع الاستطراف و الاستظراف و نافست نفسي في الانفراد بها عن حضرته العالية، و الاستئثار بها دونها، فأثبتها و هي:

يا من لقلب هائم لم يستطع‏* * * ذكر اسم من يهواه من إشفاقه‏

و لعاشق غلبت عليه خجلة* * * فكأنه المعشوق في اطراقه‏

ينهي عن البث المريح لسانه‏* * * فيموت مطويا على أشواقه‏

سمع الغناء فرد سيل دموعه‏* * * من بعد ما ذابت على آماقه‏

____________

(1)- ديوان بشار- ط. القاهرة 1957: ج 3 ص 249.

(2)- يرجح انه أراد بها ورقة مفردة كتب عليها صاحبها ملاحظة أو نصا ما ثم شكلها في قطعة معدنية أمامه أو الى جانبه. انظر مادة شكك في لسان العرب.

2547

عبد من الأشواق لو هزت به‏* * * أعطاف غصن سل من أوراقه‏

كتم لهوى من بعد ما نمت به‏* * * ريّا كنشر الروض من أخلاقه‏

و لدى الهوى العذري طيب شمائل‏* * * ما مثلها تخفض على ذواقه‏

و أرى اللقاء مع الحياء مقابلا* * * مني و منه مثل بعد فراقه‏

أو يجمع الشوق المبرح طالبا* * * ما بين مركز دملجيه‏ (1) و ساقه‏

قال و كان بينه و بين الالف الذي كتب هذه الأبيات إليه محالفة لطيفة في الله عز و جل على مذهب التصوف، ثم اعترض الدهر بينهما بقدحه بين القرناء فخافا من اتصال الممازجة قالة الأعداء، فصرم حبله و استبقى بذلك في الباطن وصله، و اتفق أن ضاق صدر ذلك الأليف عن هذه السياسة (23- و) فاعتل و مات، فقال يرثيه و يعرض ببعض الأغراض التي قل ما قيل في مثلها:

لقد بؤت من دين المروءة بالكفر* * * و أصبحت أغشي صفحة الغدر بالغدر

عصيت الهوى العذري في هجر شادن‏* * * أضعت بهجراني له فرصة الدهر

نمى في حجور الملك ثم ملكته‏* * * بظل شباب حازه لي و ما أدري‏

فقيد فتكي في هواه إنابة إلى‏* * * الله خلت دمعه و اكفا يجري‏

يهون عليه أن تساعفه المنى‏* * * و أرجم يوم البعث في لهب الجمر

و ما زال هجرانيه حتى تركته‏* * * جدثيا برغمي مودعا أضلع القبر

لقد كاد ذاك القبر يوم أزوره‏* * * يعلق ثوبي شاكيا ألم الهجر

بنفسي من خوفي من الاثم قادني‏* * * إلى الأثم فاستوفيت من قتله وزري‏

مضى و التقى و الحسن حشو ثيابه‏* * * و أورثني منه الأسى آخر العمر

و قال في مثل ذلك أيضا:

تركت بشط النيل لي سكنا فردا* * * جست عليه الدمع أن يطأ الخدا

غزال طواه الموت من بعد هجرة* * * أطعنا فلا كنا بها الأسد الوردا

فسقيا لمهجور العناء كانني أعد* * * له ذنبا و أطوي له حقدا

أسميه من فرط الصبابة مضجعا* * * و لو طاوعت نفسي لسميته لحدا

____________

(1)- الدملج: المعضد. القاموس.

2548

و آخر عهدي من حبيبي أنه مضى‏* * * يحسب الاعراض عن هجرة قصدا

و زودني يوم الحمام صحيفة* * * و ثنى شعار لاجديدا و لا جردا (23- ظ)

قال: يصف أن ذلك الأليف، يوم موته، كتب اليه رقعة يستودعه فيها العهد الذي بينه و بينه، و يحتسب الله عليه في هجرانه، و أنفذ إليه معها إزارا كان كثير الالتحاف به على سبيل التذكار:

أداوي به تخفاق قلبي كأنني‏* * * أضم اليه صاحب البرد لا البردا

و قد كنت بالتقبيل أمحو رقاعه‏* * * فصرت بماء الدمع أغسل وجدا

عدمت فؤادي كم أرجي انصداعه‏* * * و يبقى على غدر الزمان صفا صلدا

(1)

بكيت دفينا ليته كان باكيا* * * علي فقاسى دوني الثكل و الفقدا

مضى و التقى و النسك حشو ثيابه‏* * * و رحّل عنها الحسن و الظرف و الحمدا

حرام على أيدي الحرام ممنّع‏* * * و إن كان أيدي الحب يشغله و فدا

فياليت شعري عنك و الترب بيننا* * * و ذاك و إن قرّبته نازح جدا

منحت الثرى تلك المحاسن أم ترى‏* * * غصبت عليها أم سمحت بها عمدا

أبحت الرضاب العذب بعد تمنع‏* * * و أبرزت ذاك الجيد و الفاحم الجعدا

طوت بعدك الدنيا رداء جمالها* * * فلا روضها يحلى و لا تربها يندى‏

و نقلت من خط أبي عبد الله بن عباد الكاتب، و من خط القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني و اختاره كل واحد منهما لأبي القاسم الحسين بن علي بن المغربي.

يا رب ظبي قد طرقت‏* * * و ساده في الليل سرا (24- و)

ففششت قفلا من عقيق‏* * * أحمر و سرقت درا

قرأت بخط أبي عبد الله محمد بن علي العظيمي و أنبأنا عنه المؤيد بن محمد الطوسي قال كتب أبو القاسم بن المغربي الى الحاكم يقول:

و أنت و حسبي أنت تعلم أن لي‏* * * لسانا وراء المجد يبني و يهدم‏

____________

(1)- أى حجرا صلدا.

2549

و ليس حليما من تقبل كفه‏* * * فيرضى و لكن من تعص فيحلم‏ (1)

قلت و هذان البيتان كتبهما الى الحاكم بعد أن قتل الحاكم أباه عليا، و عمه محمد على ما نذكره في ترجمة أبيه علي ان شاء الله، و طلب الحاكم أبا القاسم و أخويه، فظفر بأخويه فقتلهما و استتر أبو القاسم و هرب الى الشام مع بعض العربان، و حصل عند حسان بن المفرج و استجار به، و أشار على حسان بمباينة الحاكم و لقاء يارختكين حين سيره الحاكم الى الشام فالتقاه و أسره و ضرب عنقه، ثم اجتمع أبو القاسم بالمفرج و ولده و أشار عليهم بمراسلة أبي الفتوح الحسن بن جعفر العلوي أمير مكة و مبايعته، و ترسل إليه عنهم بنفسه، و سهل عليه الأمر فطمع و بايعه بنو حسن و تلقب بالراشد، و صعد المنبر و خطب لنفسه و سار ابن المغربي برسالته الى العرب كلها من سليم و هلال و عوف بن عامر و غيرهم ثم سار به و بمن اجتمع إليه الى الشام و دخل به الرملة فتلقاه بنو الجراح و قبلوا الأرض بين يديه، و سلموا عليه بإمرة المؤمنين، و أمر بالمعروف و نهى عن المنكر و خطب بها على المنبر فعظم ذلك على الحاكم فكتب الى حسان (24- ظ) والى أبيه المفرج و بذل لهما بذولا كثيرة حتى فلهما عن ذلك الجمع، و جعلهما في حيرة و ضعف أمر أبي الفتوح، و بان له تغير آل الجراح، فخاف أن تخرج مكة من يده، فاستجار بالمفرج، و طلب منه أن يبلغه مأمنه و يسيره الى وطنه، فحفظ المفرج ذمامه، و سيره مع من أجازه وادي القرى، و تلقاه بنو حسن و مضوا به الى مكة، و كتب الى الحاكم و اعتذر اليه فقبل عذره.

قرأت بخط عبد القوي بن القاضي الجليس عبد العزيز بن بن الحباب في جزء جمع فيه شيئا من أحوال أبي القاسم بن المغربي، قال فيه- و أجاز لنا عبد القوي الرواية عنه-: فأما أبو القاسم بن المغربي فانه كتب الى الحاكم كتابا صدره بقوله:

و أنت و حسبي أنت تعلم أن لي‏* * * لسانا أمام المجد يبني و يهدم‏

و ليس حليما من تباس يمينه‏* * * فيرضى و لكن من تعض فيحلم‏

فسيّر إليه أمانا بخطه نسخهته.

____________

(1)- ليسا في تاريخ العظيمي المطبوع.

2550

بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا كتاب كتبه المنصور أبو علي الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين بن الامام العزيز بالله أمير المؤمنين لحسين بن علي بن حسين المغربي: إنك آمن بأمان الله و رسوله محمد المصطفى و أبينا علي المرتضى و الائمة من آلهما مصابيح الدجى صلى الله عليهم و سلم، و أمان أبينا الأقرب نزار أبي المنصور العزيز بالله أمير المؤمنين، (قدس الله روحه)، و صلى عليه، على النفس و الجسم و جميع الجوارح و الحواس و المال و الحال و الأهل و الأقارب، و الأنساب، أمانا ماضيا (25- و) لا يتعقب بتأويل و لا يتبع بفسخ و لا تبديل و ان الامام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين آمن حسين بن علي بهذا الأمان، بعد أن تحقق له ذنوبا كبيرة، و اجراما عظيمة فصفح عن علم، و تجاوز عن معرفة و حلم، و جعل هذا الأمان كالإسلام الذي يمحو ما قبله، و يمهد الخير لما بعده، فكل سعاية و وشاية و ذنب و جريمة تنسب الى حسين بن علي هذا، قد تحقق أمير المؤمنين أكثر منها و صفح عنه فلا يدله عليه إلّا بالاحسان إليه، و إن لحسن بن علي هذا اختياره عند وقوفه على هذا الكتاب في انكفائه الى الباب العزيز و التعرض للخدمة، أو التوفر على العبادة لا يكره على خدمة يستعفي منها، و لا تقبل عليه الأقاويل في خدمة تتعلق بها، و أقسم أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله على ذلك بأيمان الله و غليظ مواثيقه، و بيته الحرام، و مشاعره العظام، و آياته الكرام، و حقوق جميع آبائه (عليهم السلام)، فمتى غيّر أو بدّل، أو أمر، أو أملى أو أسرّ، أو أعلن، أو دس، أو اغتال فجميع المسلمين في شرق الأرض و غربها و في الموقان‏ (1) و الري.

و جدة و أذربيجان و الدينور و همذان، و السهل و الجبل، و القريب و البعيد، و العراق و الشام، و ديار ربيعة و ديار بكر و ديار مضر و حلب، و مصر و الحجاز و المغرب، في حل و سعة من بيعته، و قد فسح الله لهم، و فسح أمير المؤمنين في النكث لها، و برأ نفسه مما أوجبه عليهم و التزموه في أعناقهم، و قد برى‏ء من الله و رسوله، و الله و رسوله منه بريئان، و برى‏ء اليه من حوله و قوته، و التجى الى حول نفسه و قوتها، و أشهد الله و ملائكته و صالحي خلقه على نفسه بذلك كله أمانا مؤكدا، و ذماما مؤبدا، و عهدا مسئولا، و ميثاقا محفوظا مرعيا، و كفى بالله شهيدا. (25- ظ)

____________

(1)- ولاية واسعة بأذربيجان. معجم البلدان.

2551

و كتب المنصور بيده.

و توجه ابن المغربي قبل وصول هذا الامان اليه الى العراق، و قصد فخر الملك أبا غالب وزير مشرف الدولة أبي علي، و بلغ القادر بالله خبره، فاتهمه بالورود لإفساد الدولة العباسية، و تردد بينه و بين فخر الملك في بابه ما أوجب خروجه الى واسط، و كتب فخر الملك بحراسته هناك و معرفة حقه، و أقام مدة على هذه الجملة من أمره، حتى إذا توفي فخر الملك شاع في إصلاح القادر بالله، و استعطاف رأيه و ابراء ساحته عنده مما كان ظن به و قدر فيه، و عاد الى بغداد و أقام أياما بها، ثم مضى الى قرواش ابن المقلد أمير العرب، و سار معه الى الموصل فأقام بها مدة يسيرة و خافه المعروف بابن أبي الوزير الكافي، و كان إذ ذاك وزيرا لقرواش و مدبرا لأمور دولته، فحمل إليه مالا كثيرا و تقدم له بالرحيل، فسار عنها متوجها الى ديار بكر، و أميرها إذ ذاك نصر الدولة أبو نصر أحمد بن مروان الكردي، فأقام عنده مدة على سبيل الضيافة.

ثم خوطب في التصرف ففعله بعد إباء شديد و امتناع كثير، و كانت لبسته إذ ذاك المرقعة و الصوف، و لم تمض إلا مدة يسيرة حتى غير ذلك اللباس، و ظهر أمره بعد الالتباس، و انكشفت حاله لجميع الناس، و جرت حاله على ما قال، و قد ابتاع غلاما تركيا كان يهواه قبل أن يبيعه منه مولاه:

تبدل من مرقعة و نسك‏* * * بأنواع الممسك و الشفوف (26- و)

و عنّ له غزال ليس يحوي‏* * * هواه و لا رضاه بلبس صوف‏

فعاد أشد ما كان انتهاكا* * * كذاك الدهر مختلف الصروف‏

فأقام هناك مدة طويلة في أعلى حال، و أجل رتبة، و أعظم منزلة، ثم كوتب من الموصل بالمسير إليها، و عرض عليه صاحبها وزارته، و ذلك بعد وفاة الكافي وزيره، فسار عن ميافارقين و ديار بكر على سبيل اعتبار الأعمال، و تصفح العمال، و تمادى به السفر الى أن قرب من الموصل، ثم أسرى في الليل فصبح الموصل، و اجتمع بصاحبها و قلده وزارته و تردد في الدخول الى الحضرة، و وساطة ما بين السلطان، و بين معتمد الدولة، و اجتمع برؤساء الأتراك و الديلم و استمالهم، و كان الملك ببغداد إذ ذاك أبو علي بن سلطان الدولة أبي شجاع بن بهاء الدولة أبي نصر بن‏

2552

عضد الدولة أبي شجاع بن ركن الدولة أبي علي، و شرع له أبو منصور قردوست في الوزارة شروعا لم يتم في حياته، و عدل أبو القاسم بعد وفاته الى مراسلة الأمير أبي المسك عنبر و استمالته و اعتنق السفارة بينه و بين أبو الحسين بن وصيف فلما قبض على مؤيد الملك كوتب أبو القاسم بالورود، فورد و تقلد الوزارة بغير خلع و لا لقب و لا مفارقة للدراعة، و ذلك في شهر رمضان سنة خمس عشرة و أربعمائة، و كان عالما فاضلا و بليغا مترسلا و مفننا في كثير من العلوم الدينية و الأدبية و النجومية، و مشارا إليه في قوة الذكاء و الفطنة، و سرعة الخاطر و البديهة، و أقام في الوزارة بالحضرة شهورا أوحش (26- ظ) فيها الأمير أبا المسك من الوافي أبي مقاتل أرسلان الطويل، و أغراه به حتى قبص عليه و قتله، و جرى في أثناء ذلك من الأمور التي دعت مشرف الدولة و الأمير أبا المسك الى مفارقة بغداد و الخروج الى أو انا (1) ما قد شرح في كتب التواريخ‏ (2).

و خرج الوزير أبو القاسم معهما، ثم عرض له من الاشفاق ما حمله على مفارقتهما، و قصد معتمد الدولة أبي المنيع قرواش، و تجدد من سوء رأي الخليفة القادر بالله فيه لما حدث بين الزكي أبي علي بن عمر بن محمد بن الحسن و أبي الحسن علي بن أبي طالب، و بين أبي علي المختار بن عبيد الله و الهاشميين بالكوفة من الفتنة التي ذهبت فيها النفوس و الأموال، مما جمعت فيه الجموع و عقدت به المحاضر المشتملة على ذمّه، و الوقيعة فيه ما أوجب له قصد نصر الدولة أبي نصر بن مروان و البعد الى بلاده فأقام عنده على حكم الضيافة مدة أكرمه فيها نصر الدولة غاية الاكرام، و أقطعه ضياعا جليلة تقوم به، و بمن وصل معه من حاشيته و أتباعه، و لم يزل عنده الى أن كوتب من بغداد بالعود إليها، فاستأذن نصر الدولة على ذلك فلم يمكنه مخالفته.

قلت: و حالت المنية بينه و بين الوصول الى بغداد، على ما نذكره في وفاته إن شاء الله تعالى بميافارقين.

____________

(1)- بليدة كثيرة البساتين و الشجر، نزهة من نواحي دجيل بغداد. معجم البلدان.

(2)- انظر كتاب الكامل في التاريخ لابن الاثير- ط. القاهرة 1953: 7/ 306- 329.

2553

أخبرنا أبو القاسم عبد الرحيم بن يوسف بن الطفيل، فيما أذن لنا أن نرويه عنه، قال أخبرنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد السّلفي- قراءة عليه و أنا أسمع- (27- و) قال: أخبرنا أبو الكرم خميس بن علي الحوزي الحافظ قال: سمعت غير واحد من أصحابنا يقول: لما نزل الوزير المغربي بواسط في درب الواسطيين مكث أياما لم يحضر مسجدهم، فدخل عليه أبو بكر هذا، يعني أبا بكر أحمد بن العباس الدونباي، فقال: يا شيخ يا أستاذ يا وزير مهما شئت كن، إن كنت تحضر مسجدنا هذا في الصلوات الخمس و إلّا فاتنقل عنا، فقال: السمع و الطاعة أيها الشيخ، ثم انتقل عنهم من يومه‏ (1). (27- ظ)

____________

(1)- انظر كتاب «سؤالات الحافظ السلفي لخميس الحوزي» ط. دمشق 1976: 97، و قد اصاب النص تصحيفات كبيرة، تقوم على نص كتابنا هذا.

2554

[تنبيه‏]

بسم الله الرحمن الرحيم و به توفيقي.

نقلت من كتاب المفاوضة جمع محمد بن علي بن نصر الكاتب، من خطه، و أخبرنا به أحمد بن أزهر بن السماك في كتابه عن أبي بكر محمد بن عبد الباقي قال: أخبرنا أبو غالب بن بشران- إذنا- قال: حدثنا محمد بن علي قال: حدثني أبو الحسن مهيار الشاعر قال: لما وزر أبو القاسم بن المغربي ببغداد تعظم و تكبر، و رهبته الناس، و انقبضت عن لقائه، ثم خفت عاقبة ذلك، فعملت فيه قصيدتي البائية المشهورة التي أولها:

هل عند عينيك على غرب‏* * * ..............

و دخلت إليه فوقفت بين يديه طمعا في أن يجلسني، فما فعل، فأنشدته:

نعم دموع يكتسي تربه‏* * * منها قميص البلد المعشب‏

فرفع طرفه إليّ و قال: اجلس أيها الشيخ، فجلست و مررت في القصيدة حتى بلغت الى قولي:

جاء بك الله على فترة* * * بآية من يرها يعجب‏

لم تألف الأبصار من قبلها* * * أن تطلع الشمس من المغرب‏ (1)

فقال أحسنت يا سيدي، فلما فرغت من الانشاد جمع كل ما كان بين يديه من دينار و درهم، فدفعه إليّ، و كان قدرها مائتي دينار، فقبلت الأرض و انصرفت.

و دخل الصاحب أبو القاسم بن عبد الرحيم (رحمه الله)، فأعطاه دينارا و درهما، فصاح بي: أيها الشيخ، فرجعت فسلمها إليّ، و كان في الدينار ثلاثون مثقالا خلاصا، ثم استدعى طستا و غسل كل ما مدح به من الشعر في ذلك اليوم.

____________

(1)- ديوان مهيار الديلمي- ط. بيروت 1314 ه: 1/ 58- 67 مع فوارق، و انه أنشده اياها بهنئه بالنيروز و كان ذلك في داره بباب الشعير سنة أربع عشرة و أربعمائة.

2555

قال أبو الحسن بن نصر. هذا و إن كان احسانا من جانب، فهو سرف من جانب، و لو أحسن الدهر كله ليله و نهاره لمحاه ما استجاره في الصاحب أبي القاسم (29- و) رضي الله عنه.

أخبرنا أبو نصر محمد بن هبة الله في كتابه قال: أخبرنا أبو القاسم بن أبي محمد قال: وجدت بخط أبي الفضل بن خيرون: الوزير أبو القاسم المغربي بميافارقين يوم الأحد الحادي عشر من شهر رمضان سنة ثمان عشرة و أربعمائة- يعني مات‏ (1).

قرأت بخط عبد القوي بن الحباب في تعليقه الذي ذكر فيه ابن المغربي قال:

و ذكر أن بعض وزرائه، يعني أبا نصر بن مروان، و يعرف بأبي الحسن محمد بن القاسم بن صقلاب، من أهل الموصل، قال له: إن هذا رجل عظيم له سياسة و عظم حيلة و قد بلغك ما فعل من الأمور العظام، و أنه دوخ الممالك، و قلب الدول، و قد خبر حال هذا البلد و طال مقاما فيه، و عرف غوامض أسراره، و لست تأمن مكره، فاحتال عليه و سقاه السم في شرابه، و كان مبرزا بأخبيته و فساطيطه بظاهر ميارفارقين، فلما أحس بالموت تقدم برده الى المدينة فرد إليها، و توفي بها في شهر رمضان سنة ثماني عشرة و أربعمائة، و أوصى أن تحمل جثته الى جوار قبر أمير المؤمنين علي (كرم الله وجهه) بظاهرة الكوفة، و يدفن في تربة له هناك فحملت، و بين الموضعين مسيرة شهر.

قلت: و ذلك حين كوتب من بغداد بالعودة إليها.

قرأت في بعض التواريخ قال: و لما أحس، يعني أبا القاسم بن المغربي، من نفسه بالموت، كتب كتابا الى كل من يصل إليه من الأمراء و الرؤساء الذين بينه و بين الكوفة، يعرفهم فيه أن حظية له توفيت، و أن تابوتها يجتاز بهم الى مشهد أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)، و خاطبهم لمن يصحبه و يحضره، و كان قصده أن لا يتعرض أحد لتابوته، و ان ينطوي خبره، فتم له ذلك، و حمل الكتاب مع تابوته، و كل من يجتار به ظن أنه الجارية، حتى وصل و دفن بالمشهد بالكوفة.

____________

(1)- تاريخ ابن عساكر: 5/ 7- و.

2556

الحسين بن علي بن حماد الموصلي:

أبو بكر، شاعر محسن كان بحلب في عصر أبي عبد الله الحسين بن خالويه و طبقته، و قرأ ولداه عقيل و عمار على أبي عبد الله بن خالويه، قرأت له أبياتا من الشعر بخط أحد ولديه المذكورين، ذكراها في حكاية كانت على ظهر كتاب المعاني للفراء، بخط أبي عبد الله بن خالويه، صورتها: قال ابن خالويه: حضر ذات يوم عندي أبو اسحاق بن شهرام، و أبو العباس ابن كاتب (29- ظ) البكتمري، و أبو الحسن المعنوي فأنشد عمار بيتا على فص خاتمه و هو:

و كل مصيبات الزمان وجدتها* * * سوى فرقة الأحباب هينة الخطب‏

و سأل الجماعة إجازته، فقال أبو اسحاق بن شهرام:

و كل مصيبات الزمان وجدتها* * * سوى فرقة الأحباب هينة الخطب‏

و قد قال لي قوم تبدّل سواهم‏* * * لعلك تسلو إنما الحب كالحب‏

و من لي بسلوى عنهم لو أطقتها* * * و لكن عذلي ليس يقبله قلبي‏

فيا حب لا تبخل عليّ بقبلة* * * تردّ بها نفسي فيغبطني صحبي‏

فإني و بيت الله فيك معذب ال* * * فؤاد عليل القلب مختلس اللب‏

ولي مثل قد قاله قبل شاعر* * * إذا ازددت منه زدت ضربا على ضرب‏

خرجت غداة النفر أعترض الدمى‏* * * فلم أر أحلى منك في العين و القلب‏

فو الله ما أدري أحبا رزقته‏* * * أم الحبّ أعمى مثل ما قيل في الحب‏

و قال أبو العباس:

و كل مصيبات الزمان وجدتها* * * سوى فرقة الأحباب هينة الخطب‏

فيا أسفي لو كان يغني تأسف‏* * * و وا كربتي لو روّحت شدة الكرب‏

شربت بكأس الهم خمر فراقهم‏* * * فأصبحت سكران السرور بلا شرب‏

و قال أبو الحسن المعنوي:

و كل مصيبات الزمان وجدتها* * * سوى فرقة الأحباب هينة الخطب (30- و)

و لم أر هذا الدهر يملك صرفه‏* * * سوى الرجل العلامة النجد الندب‏

2557

و لست لصرف الدهر بالواهن الذي‏* * * يروح على لوم و يغدو على عتب‏

أنا معنوي الشام قولا و فطنة* * * و لست هبيري العلاقة و الحب‏

فحدثنا بهذا أبا بكر الحسين بن علي بن حماد فأجازها، و هذا قول ولديه:

و كل مصيبات الزمان وجدتها* * * سوى فرقة الأحباب هينة الخطب‏

و قد نالني من ريب دهري مصائب‏* * * تعالت تباعا أقصدت حبة القلب‏

فما جرعتني من كؤوس صروفها* * * أمر من البين المفرق للصحب‏

فكم زفرات تعتريني لذكرهم‏* * * تقلبني ما بين جنب إلى جنب‏

تقلقني طورا بشب ضرامها* * * و تتركني طورا سليبا بلالب‏

فوا أسفا من فرقة بعد ألفة* * * و يا حسرات سوف تقضي على نحبي‏

و يا لوعة في القلب يقدح زندها* * * تردد ما بين الشراسيف و الحجب‏

أ أحبابنا صرف الزمان أصابنا* * * فمزقنا ما بين شرق إلى غرب‏

أخلاي إني منذ يوم فراقكم‏* * * أروح و أغدو دائم الهم و الكرب‏

و يا حزنا من ريب دهر نبا بنا* * * و شتتنا بعد التآلف و القرب‏

فلو كان غير الدهر طال تعتبي‏* * * عليه و لكن ما على الدهر من عتب‏

الحسين بن علي بن ذحيم:

الحلبي الطحان، أبو علي، حدث عن أبي بكر الخرائطي، و أبي بكر أحمد بن مسعود بن النضر الوزّا سمع منه أبو القاسم يحيى بن علي بن الطحان الحضرمي و ذكره في تاريخه (30- ظ) الذي ذيل به على تاريخ مصر لابن يونس، فقال في «كتاب الغرباء ممن دخل مصر (1)».

الحسين بن علي بن دحيم الحلبي الطحان أبو علي، روى عن الخرائطي، سمعت منه.

قلت: و كان في حلب بيتا يقال لهم بنو دحيم، و كان فيهم العدالة و الأمانة

____________

(1)- هو بحكم المفقود مع تاريخ ابن يونس.

2558

و كان يضرب المثل بحلب بشاهد منهم. فيقال: كأنه العدل ابن دحيم، و أظن أن هذا المذكور منهم. و الله أعلم.

هكذا ذكر الحضرمي نسبه، و هو الحسين بن علي بن محمد بن دحيم.

الحسين بن علي بن سعيد:

ابن حامد بن عثمان بن علي بن جار الخير أبو عبد الله بن دبابة البزاز السنجاري، الملقب أمين الدين، و ينبز بالبقيرة شاعر حسن الشعر من أهل سنجار، سكن بغداد و قدم حلب لاستخلاص أخيه من أسر الكرج، و كان لأخيه المأسور دين على الأمير سنقر الحلبي، أحد أمراء حلب فقدم أبو عبد الله بن بابة الى حلب، و استخلص دين أخيه لفكاكه من الأسر.

روى لنا شيئا من شعره ولده الفقيه شمس الدين علي بن الحسين، و القاضي أبو علي حسن بن محمد بن اسماعيل القيلوي، و أخبرني ولده علي أن دبابة الذي بنسب إليه رجل من العرب، قال: و جار الخير هو الذي نقل الى سنجار و أقام بها، و قال لي: سمعت ذلك من والدي الحسين بن علي (رحمه الله)، و كان مولده في سنة أربعين و خمسمائة.

أنشدنا أبو الحسن علي بن الحسين بن علي بن سعيد بن حامد المعروف بابن دبابة السنجاري بها و بحلب، قال: أنشدني أبي لنفسه يمدح الإمام الناصر (31- و) لدين الله أمير المؤمنين.

بصر هل بذي العلمين نار* * * أم ابتسمت على أضم نوار

فان تك أو حشت منها ديار* * * فقد أنست بحلتها ديار

ذراني كي أسيل بها دموعي‏* * * و أسألها متى شط المزار

أصبرا بعدهم و لنا ثلاث‏* * * عدمت تصبري و هم جوار

أحنّ و ما الذي يجدي حنيني‏* * * حنين النوق فارقها الحوار

و ألتثم الثرى شوقا إليها* * * و لا صبر لدّي و لا قرار

فان لاح الصّوار ذكرت ليلى‏* * * و أذكرها إذا نفح الصّوار (1)

____________

(1)- الصوار هنا و عاء المسك. لسان العرب.

2559

تقول عوادلي و الليل داج‏* * * و للجوزاء في الأفق انحدار

تمتع من شميم عرار نجد* * * فما شيم البروق عليك عار

فما تدري أ يجمع منك شمل‏* * * بعيد اليوم أو تنأى الديار

فإن فراقهم في العين ماء* * * سفوح و هو في الأحشاء نار

فقلت لهم لئن عز التأسي‏* * * و أعوزني على الوجد اصطبار

وفا جأني الزمان بكل خطب‏* * * أليم ما لموهنه جبار

فلي بالناصر المنصور دامت‏* * * أياديه على الزمن انتصار

إمام للبرية طاب أصلا* * * و طاب الفرع منه و النجار

له خلقان من أري و شري‏ (1)* * * إلى هذا يشار و ذا يشار (31- ظ)

أنشدني أبو علي الحسن بن محمد بن اسماعيل القيلوي من لفظه بمنزلي بحلب، قال: أنشدني أمين الدين الحسين بن دبابة السنجاري البزاز لنفسه بحلب يهجو أبا علي بن الربيع اليهودي رأس المثيبة (2) ببغداد و كان يلقب بالبقيرة:

تبصر بقيرة آل الربيع‏* * * عدمت البصيرة إثر البصر

سننت لذبحك موسى الهجاء* * * و موسى الذي سن ذبح البقر

قال لي أبو علي القيلوي لقّب الأمين حسين في سنجار بالبقيرة بقوله هذين البيتين فلا يعرف بسنجار إلّا بالبقيرة.

أخبرني شمس الدين علي بن الحسين بن دبابة عن والده الحسين قال: كان في أيام شبابه يعتني بشي‏ء من الهجو، قال: فبات ليلة فرأى أسدا عظيما قد أقبل نحوه قال: فخاف خوفا عظيما، قال: فقال له الأسد: تعود تهجو؟ فقال: لا، قال:

فتب، قال: فتاب عن الهجو من ذلك اليوم:

أنشدني أبو الحسن بن الحسين بن دبابة بسنجار قال: كتب إليّ والدي في كتاب هذا الشعر لنفسه:

____________

(1)- أي من الفة و تثبيت ود، و مماراة و لجاجة. النهاية لابن الاثير.

(2)- أي رئيس «أكاديمية» اليهود في بغداد. انظر كتابي «يهود في الحياة الاقتصادية و السياسية الاسلامية في العصور الوسطى» ط. بيروت 1988: 72- 175

2560

أراني أرى سنجار لا در درها* * * إذا ما أجلت الطرف أرض و بار

جواري بها شرّ الجوار فعلني‏* * * أراها و ما أنهارها بجوار

و ليت الحيا الوكاف‏ (1) لا جاد ربعها* * * و شبت مغانيها الغداة بنار

(32- و)

فليس بها من يرتجى لملمة* * * و ليس بها يوما مقبل عثار

أظل بها حلف الهموم كأنما* * * سقيت الردى فيها بكاس نوار

أخبرني أبو الحسن علي بن الحسين بن دبابة قال: كان عمي أسرته الكرج، و كان له دين على سنقر الحلبي الأمير بحلب، فسعى والدي في فكاكه، فقطع عليه الكراج أربعة آلاف دينار، فجاء والدي الى حلب و استخلص دين عمي من سنقر الحلبي، و جمع عليه شيئا آخر حتى تكمل أربعمائة (2) دينار، و سار بها الى خلاط (3)، و كان في صحبته غلام لعمي المأسور فوصل والدي الى خلاط في الشتاء، و كان البرد شديدا، فالتفت الى غلام أخيه في ميدان خلاط، و قال يا فلان بالله لو أبصرت أخي الساعة هاهنا ما كان جيدا و نستريح من الصداع و مقاساة البرد، و من جمع أربعة آلاف دينار و ما معنا غير أربعمائة؟ قال: فما استتم الكلام حتى- رأى شخصا يعرفه من أهل سنجار فسلم عليه و قال: ما رأيت أخاك؟ قال: و أين أراه: قال:

هو في المدينة فقال: لا تفعل، فقال: بلى و الله، و دخل إليه و أخرجه من المدينة الى أبي، و اجتمعا و قضى أمنية، و كان قد هرب من الأسر و اتفق و ما اتفق.

قال لي عز الدين أبو علي حسن بن محمد القيلوي: توجه ابن دبابة الى سنجار ثم نوجه منها الى دمشق فمات بها بعد سنة عشر و ستمائة، و قال لي أبو الحسن علي ابن الحسين بن دبابة: توفي والدي (32- ظ) في جمادى الآخرة سنة ست عشرة و ستمائة، عن ست و سبعين سنة.

الحسين بن علي بن شبل بن طهمان:

ابو بكر الطهماني المعروف بشبل، حدث بحلب عن اسحاق بن شاهين، و روى‏

____________

(1)- أي المطر الغزير. النهاية لابن الاثير.

(2)- أي لم يستطع أن يجمع من كامل المبلغ المطلوب سوى أربعمائة دينار.

(3)- في تركيا ليس بعيدا عن بحيرة و أن، ما تزال تحمل هذا الاسم، و على مقربة منها جرت معركة مناز كرد المشهورة عام 1071 م.