ذيل تاريخ مدينة السلام‏ - ج1

- محمد بن سعيد ابن الدبيثي المزيد...
582 /
5

الجزء الأول‏

تقديم‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّه نحمده و نستعينه و نستغفره، و نعوذ باللّه من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا، من يهده اللّه فلا مضلّ له، و من يضلل فلا هادي له، و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أنّ إمامنا و سيدنا و حبيبنا و شفعينا و أسوتنا محمدا عبده و رسوله، بعثه اللّه بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كلّه و لو كره المشركون.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ‏ [آل عمران:

102].

يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَ نِساءً وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء: 1].

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ قُولُوا قَوْلًا سَدِيداً* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب: 70- 71].

أما بعد:

فهذا «ذيل تاريخ مدينة السّلام» لأبي عبد اللّه محمد بن سعيد ابن الدّبيثي، أقدّمه لبغداد الحبيبة و ساكنيها و وارديها و محبيها و المجاهدين عن حماها، ليكشف صفحة مضيئة من تاريخ هذه المدينة العريقة التي استعصت على الغزاة، أو قامت بعد كبوة، كما في هذا التاريخ الذي تناول عهد نهضة بني العباس في أيام الخليفة الهمام أسد بني العباس الناصر لدين اللّه، ليكون نبراسا يضي‏ء الدّروب المظلمة، و يذكّر كلّ ذي بصيرة و غيرة و حمّية بحقّ مدينة السّلام بغداد عليه، حققته و تعبت عليه حتى تجلّى بما هو عليه من الهيئة العلمية الرائقة و الصّفة النافعة التي تمنيتها له و أنا بعيد عن مدينتي الحبيبة التي بها ولدت‏

6

و ترعرعت و تعلّمت، فشببت و اكتهلت و شخت، و بها الأحباب الذين قضى بعضهم نحبه، و منهم من ينتظر، هاجرت عنها ببعض أهلي و ولدي بعد استيلاء العدوّ المخذول عليها، لائذا بحمى بني هاشم في عمّان البلقاء، جزاهم اللّه خير الجزاء و وفّقهم لكلّ مكرمة و خير، مستذكرا أبياتا قالها الفقيه العالم عبد الوهاب ابن عليّ المالكي حين فارق بغداد، و هي حبيبة على نفسه:

سلام على بغداد في كل موطن‏* * * و حقّ لها مني سلام مضاعف‏

فو اللّه ما فارقتها عن قلى لها* * * و إني بشطّي جانبيها لعارف‏

و لكنّها ضاقت عليّ بأسرها* * * و لم تكن الأرزاق فيها تساعف‏

و كانت كخلّ كنت أهوى دنوّه‏* * * و أخلاقه تنأى به و تخالف‏

مع أننا كنّا بحمد اللّه و منّه قبل مصيبة استلاب الأوطان و تغلّب العدوان في بلهنيّة من العيش و حال جميلة، على ما كان فينا من خصاصة؛ بسبب الحصار الذي أريد منه إهلاك الحرث و النّسل، فمعاناة الخصاصة أحمد ألف مرّة من الارتماء عند ذوي الخساسة من الأعداء الظالمين و أعوانهم العملاء الخاسئين.

و التاريخ يشهد أبدا أن مدينة السلام بغداد سرعان ما تنهض بعد كبوتها، ما زال أهلها النّجب قد شغلوا بهذا الأمر خواطرهم و أفكارهم، و جعلوه دأبهم و دينهم و ديدنهم و هجّيراهم و مطلبهم الذي لا يعوقه عنهم تقاذف الآمال، فنسأل اللّه سبحانه أن ييسر أمرهم و ينصرهم على عدوّهم، فعلامات الخلاص لامعة، و أماراته ساطعة، و آياته بعون اللّه صادعة، و قد وعد اللّه عباده الصالحين، و وعده الحقّ، بالنّصر المبين، فقال تعالى: وَ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج: 40].

و تراث الأمة من أعظم جوانب إحياء مجدها خطرا و أبقاها على الأيام أثرا، فهو وجدانها و تجربتها عبر التاريخ على أنحاء شتّى من المعرفة الإنسانية، في وقت نحن محاويج لمثل هذا، فقد تداعت علينا الأمم الظالمة كما تداعى الأكلة على قصعتها، فعقيدة الأمة و تراثها و تاريخها هو المحفّز لانطلاق أبنائها نحو

7

استعادة أمجادهم و تطهير أوطانهم من دنس المحتلين الغزاة، و تبوأ منزلتهم التي أرادها اللّه سبحانه مرتفعة شامخة ظاهرة على الدّين كلّه و لو كره المشركون.

و قد رأيت من المفيد أن أقدّم لهذا الكتاب بدراسة وجيزة أتناول فيها بعض ما هو لصيق بهذا الكتاب اقتضت طبيعتها أن تكون في بابين، أولهما: أنظار في كتب الرجال و التراجم، و اختص ثانيهما: بابن الدبيثي و كتابه ذيل تاريخ مدينة السلام و طبيعة عملي فيه.

أما الباب الأول فكان في ثلاثة فصول، تناول الفصل الأول منها ظهور كتب التراجم التي كانت نتيجة لظهور الإسناد بعد انتشار الفتن في المجتمع الإسلامي، و دراسة أساليب عرض هذه الكتب و تنظيمها: على الطبقات، و الأنساب، و حروف المعجم، و الوفيات، و البلدان. ثم الانتقال إلى محتوياتها و اختصاص بعضها بالصحابة، أو الثقات، أو الضعفاء، أو الكتب التي جمعت الصنفين، أو المدلسين، أو المختلطين، أو الكذابين الوضاعين، أو كتب تناولت بالدراسة تراجم رجال كتب مخصوصة، أو أخرى عنيت بالأنساب أو الكنى أو الألقاب، أو المشتبه.

أما الفصل الثاني فاختص بدراسة تواريخ المدن و البلدان و أسباب ظهورها، و أنواعها من حيث المحتوى، و التركيز على الكتب المعنية بالرجال و التراجم، و محاولة دراسة أول كتاب وصل إلينا من هذا الصنف، هو تاريخ واسط لبحشل.

و جعلت الفصل الثالث في استعراض لتواريخ بغداد التراجمية، حاولت فيه أن أقف على أول من صنف فيها على وجه الخصوص، و سبب تأخر التصنيف في رجالاتها إلى مدة متأخرة مع أنها حاضرة الإسلام منذ ظهور الحركة التأليفية عند المسلمين. ثم بينت أهمية كتاب «تاريخ مدينة السلام» للخطيب باعتباره أول كتاب تراجمي لهذه المدينة يصل إلينا، و تناولت بعد ذلك الكتب المؤلفة فيها على سبيل الاستقصاء فكانت حصيلة طيبة نافعة إن شاء اللّه تعالى.

8

و أما الباب الثاني فكان في أربعة فصول، تناول الأول منها سيرة ابن الدبيثي مؤلف هذا الكتاب، افتتحته بمصادر سيرته، و اتبعتها بسيرة و جيزة لحياته، و أنهيته باقتباسات من آراء العلماء فيه أبانت عن غزارة فضله و علو منزلته العلمية.

و تناول الفصل الثاني تاريخ ابن الدبيثي، بحثنا فيه عنوان الكتاب، و النهج الذي انتهجه المؤلف في عرض مادته، و نطاقه الزماني و المكاني، و طبيعة التراجم التي تناولها، و خطته في ترتيب محتويات كل ترجمة، ثم انتقلنا بعد ذلك إلى بيان موارده و ما استفاده من السماع و المشافهة و المساءلة، و الإجازات، و الاتصالات و المكاتبات العلمية مع أقرانه في تكوين المادة العلمية التي كان جلها مما عاصره. ثم اعتماده جملة كبيرة من معجمات الشيوخ و المشيخات التي وقف عليها بخطوط أصحابها، فضلا عن بعض المؤلفات التي سبقته و تناولت تراجم البغداديين أو الواردين إلى بغداد مما يقع ضمن نطاقه الزماني. و ختمت الفصل في بيان أهمية هذا التاريخ، و أثره العظيم في المؤلفات اللاحقة.

أما الفصل الثالث فاختص بدراسة طبيعة الأحاديث في تاريخ ابن الدبيثي، و منهجه في إيرادها. و بينت بعض الفوائد المستفادة من دراستي لهذه الأحاديث، رجوت أن تكون نافعة للدراسات الحديثية.

و تناول الفصل الرابع وصف النسخ الخطية المعتمدة، و النهج الذي انتهجته في تحقيق هذا الكتاب، فالحمد للّه على مننه و آلائه، هو الموفق للصواب إليه المرجع و المآب.

***

9

الباب الأول أنظار في كتب الرجال و التراجم‏

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

الفصل الأول ظهور كتب الرجال و التراجم‏

تعرض الحديث النبويّ الشريف- و هو المصدر الثاني من مصادر التشريع- إلى حركة واسعة للتّلاعب فيه و الدّس عليه منذ فترة مبكرة، فانتشر الكذب على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أسهم في ذلك ذوو المآرب السّياسية و المذهبية و العقائديّة، و من لم يتشبّع بالدين الجديد لأسباب مختلفة. و أخذ المجتمع يبتعد شيئا فشيئا عن تلك الحياة الطّاهرة التي عاشها الصحابة (رضوان اللّه عليهم) مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). و ساهم بعض القصّاص (الوعاظ) و جهلة من الصّالحين في الإساءة إلى الحديث النبوي الشّريف حينما وضعوا أو حدّثوا بأحاديث كذب ظنا منهم أنّهم يكذبون لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و ليس عليه، ترغيبا في الخير و الدين، و ترهيبا من العصيان و الشر، و لبئس ما كانوا يفعلون.

و نتيجة لكل ذلك قام العلماء المسلمون بجهود هائلة في محاولة لتنقية هذه الأحاديث و تبيان الصّحيح منها و عزل السّقيم، فكان من نتيجة ذلك استعمال «الإسناد» الذي أدّى بدوره إلى ظهور علم الرّجال، و المقصود بهم رجال أهل الحديث، و هو العلم الذي أسهم إسهاما فاعلا في ظهور «علم التراجم» الذي شمل المحدثين و غيرهم من الخلفاء، و الملوك، و السّلاطين، و الأمراء، و الوزراء، و السّاسة، و النّقباء، و القضاة، و الفقهاء، و العدول، و المحامين، و القراء، و النّحويين، و اللّغويين، و الأدباء، و الشعراء، و الأطباء، و الصيادلة، و الصّيارفة، و التّجار، و الزّهاد، و الصّوفية، و غيرهم من المشهورين و الأعلام، فكتب الرجال يراد بها كتب رجال الحديث، أما كتب التراجم فهي أعم و أشمل.

12

ظهور الإسناد:

و الإسناد هو سلسلة الرّواة الموصلة إلى متن الحديث. و قد اختلف الكتّاب و الباحثون في الوقت الذي ظهر فيه استعمال الإسناد، إذ ليس هناك من تاريخ محدد له، و قال محمد بن سيرين «33- 110 ه»: «لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سمّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السّنة فيؤخذ حديثهم، و ينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم» (1).

و إنما وقع الخلف في تفسير «الفتنة» التي قصدها ابن سيرين في قوله هذا، فذهب بعض الباحثين إلى القول بأنها الفتنة الواقعة في زمن عثمان رضي اللّه عنه و التي انتهت بمقتله و أدت إلى التمزق و الانغلاق في كيان المجتمع الإسلامي و ظهور الأهواء السياسية المتعارضة و الآراء المتعصبة المتدافعة (2). و ذهب آخرون إلى أنّ المقصود بالفتنة هي فتنة عليّ و معاوية رضي اللّه عنهما و اختلافهم في أمر الخلافة (3). و رأى الأستاذ روبسن أنّ المراد بالفتنة هي فتنة عبد اللّه بن الزّبير معتمدا في ذلك على نص ورد في موطأ مالك جاءت فيه هذه اللفظة، و هو حديث مالك عن نافع أنّ ابن عمر خرج إلى مكة في الفتنة يريد الحج ...

الحديث» (4)، و المقصود كما هو معروف حصار الحجاج لابن الزبير سنة 72 ه (5)، و بذلك حاول روبسن أن يوفّق بين نص ابن سيرين و عمره و تاريخ هذه‏

____________

(1) صحيح مسلم 1/ 15.

(2) أكرم العمري: بحوث في تاريخ السنة 43- 44، و حارث الضاري في مجلة كلية الشريعة، العدد الخامس 1979 ص 229- 230.

(3) محمد مصطفى الأعظمي: دراسات في الحديث النبوي و تاريخ تدوينه 395.

(4) الموطأ (1042 برواية الليثي) بتحقيقنا، و (1173 برواية أبي مصعب الزهري) بتحقيقنا أيضا، و هو في البخاري 3/ 10 و 12 و 5/ 162، و مسلم (1230) (180).

(5) ينظر تاريخ خليفة بن خياط 268- 269، و التمهيد لابن عبد البر 15/ 202.

13

الحادثة (1). و لا شك أن هذا الرأي لم يقم على أسس منطقية أو تاريخية سوى ورود لفظة «الفتنة» في نصّ حديث ابن عمر، و قد ورد هذا اللفظ كثيرا في غيره من الأحاديث و النصوص التاريخية.

و بسبب ورود هذه اللفظة في نصّ تاريخي رأى الأستاذ يوسف شخت أنّ الفتنة إنما هي فتنة الوليد بن يزيد المتوفى سنة 126 ه فقد جاء في تاريخ الطبري في حوادث السنة المذكورة: «و في هذه السنة اضطرب حبل بني مروان و هاجت الفتنة» (2). و قد أدّى به هذا الافتراض إلى اعتبار كلام ابن سيرين موضوعا عليه لأنّه توفي سنة 110 ه (3)، و هو استنتاج غريب يدل على مجازفة ظاهرة، فالفتن كثيرة، و قد ورد هذا اللّفظ في العديد من الأحاديث و النصوص التاريخية و الأدبية المتصلة بالقرن الأول الهجري.

و عندي أنّ ابن سيرين لم يقصد فتنة معينة من هذه الفتن المعروفة في التاريخ، و إنما أراد انتشار الكذب و الأهواء و تنازع المسلمين، و كثرة الوضع و الانتحال و تهيؤ الأسباب لذلك‏ (4).

و قد شعر ابن عباس «ت 68 ه» بخطورة الأمر حين بدأ يقف على أكاذيب أضيفت إلى سيّدنا عليّ رضي اللّه عنه و يتعجب منها (5). و روى مجاهد، قال:

«جاء بشير العدوي إلى ابن عباس، فجعل يحدّث و يقول: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)،

____________

(1) روبسن: الإسناد في الحديث النبوي (مقال منشور في مجلة الجمعية الاستشراقية لجامعة كلاسكو، م 15 ص 15- 26 (1953) بالإنكليزية.

(2) الطبري: تاريخ الأمم و الملوك 7/ 262.

(3) يوسف شخت: نشأة الفقه الإسلامي، ص 36- 37 (بالإنكليزية).

(4) ينظر بحثنا: مظاهر تأثير علم الحديث في علم التاريخ عند المسلمين (الأقلام، السنة الأولى، العدد الخامس، ص 22- 25، بغداد 1965)، و أصالة الفكر التاريخي عند العرب (منشور في بحوث المؤتمر الدولي للتاريخ، ص 897- 899، بغداد 1974).

(5) ينظر صحيح مسلم 1/ 13- 14.

14

فجعل ابن عباس لا يأذن‏ (1) لحديثه و لا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس، مالي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدّثك عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و لا تسمع، فقال ابن عباس: إنا كنّا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ابتدرته أبصارنا، و أصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب النّاس الصّعب و الذّلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف» (2).

إن السّؤال عن الرواة كان شاملا لأسمائهم و كناهم و ألقابهم و عشائرهم، و شيوخهم، و رحلاتهم إلى البلدان و الأمصار، و لقائهم المشايخ، فضلا عن مواليدهم و وفياتهم لتبيان صدق لقائهم لمشايخهم، ثم الآخذين عنهم و طبقاتهم، و آراء العلماء النقاد فيهم جرحا أو تعديلا. و من ثم توفرت مادة عن كل واحد منهم صار من المتعين تنظيمها في كتب خاصة.

أساليب عرض كتب الرجال و التراجم:

و لما كان عدد هؤلاء الرواة ضخما و متنوعا أصبح من الضّروري إيجاد صيغ تنظيمية تيسّر على الباحث الوقوف على طلبته من غير تعب أو نصب، فاخترعوا أشكالا متنوعة لعرض المادة التي حصلوا عليها، و تفنّنوا في أساليب العرض و المحتوى.

فأما أساليب العرض فقد وقفنا على خمسة أنواع هي:

أولا: التنظيم على الطبقات:

ليس لدينا تحديد واضح لمعنى «الطبقة» عند المحدّثين، فهي لم تستعمل كوحدة زمنية ثابتة، لكنها كانت تعني اللقيا في الأغلب الأعم، فيجمع الرواة الذين أخذوا عن شيوخ معينين في مكان واحد، و هم في الأغلب الأعم من‏

____________

(1) أي: لا يستمع.

(2) صحيح مسلم 1/ 13، و تنظر رسالة تلميذي الدكتور عزيز الدايني: أسس الحكم على الرجال، ص 44.

15

أعمار متقاربة.

لقد ابتكر نظام الطبقات في الأصل ليخدم إسناد الحديث فيعرف ما فيه من إرسال أو انقطاع أو عضل أو تدليس أو نحو ذلك مما يؤدي إلى معرفة اتصال السّند من عدمه. و يؤكد الأستاذ فرانتس روزنتال أن تقسيم الطبقات هو أقدم تقسيم زمني وجد في التفكير الإسلامي‏ (1). و من أشهر كتب طبقات المحدثين كتاب «الطبقات» لمحمد بن سعد البغدادي «ت 230 ه»، و كتاب «الطبقات» لخليفة ابن خياط المعروف بشباب العصفري «ت 240 ه» و كلاهما مطبوعان مشهوران.

و على الرغم من وجود عيوب رئيسة في هذا التنظيم من أبرزها عدم اتباع الآخذين به تقسيما واحدا أو مفهوما واحدا للطبقة حيث يتباين عدد الطبقات لمدة زمنية محدودة بين مصنّف و آخر، كما أنه يختلف عند المؤلف الواحد بين كتاب و آخر بحسب مفهومه للطبقة و مراده منها، فلا ينفع البتة أن تقول أنّ فلانا من الطبقة الرابعة أو السادسة، لأنه قد يكون عند مؤلف آخر من الطبقة الخامسة أو الثامنة، أو هو متباين تباينا كاملا عند مؤلف بعينه.

لقد تأثر الحافظ الذهبيّ بطريقة المحدثين فرتّب كثيرا من كتبه على الطبقات، و اختلف المفهوم عنده من كتاب لآخر، فقد رتب كتابه «تذكرة الحفاظ» الذي تناول فيه كبار حفّاظ الحديث من الصحابة حتى عصره على إحدى و عشرين طبقة استنادا إلى اللّقيا بين المشايخ و لم يدخل سني الوفيات باعتباره، حيث نجدها متداخلة بين طبقة و أخرى، و قد علّل ذلك بقوله أنّه لا بد في كل طبقة من مجاذبة الطبقتين، و إلا فلو بولغ في تقسيم الطبقات لجاءت كل طبقة ثلاث طبقات و أكثر (2). أما كتابه «معرفة القراء الكبار على الطبقات و الأعصار» فقد جعله سبع عشرة طبقة حسب اللقيا في القراءة مع أنّه تناول المدة الزمنية

____________

(1) روزنتال: علم التاريخ عند المسلمين 133.

(2) تذكرة الحفاظ 1/ 250.

16

نفسها التي تناولها كتابه «تذكرة الحفاظ» و رتب كتابه الثالث «سير أعلام النبلاء» على أربعين طبقة مع أنّ المدة الزمنية التي تناولها هي نفسها التي تناولها في كتابيه السابقين.

و من هذا الذي قدّمنا يتضح لنا أن الذهبي لم يراع الوحدة الزمنية الثابتة في جميع هذه الكتب. أما كتابه «المعين في طبقات المحدثين» فقد جعل الطبقات الأولى فيه تتخذ أسماء المشهورين فيها من نحو قوله «طبقة الزهري و قتادة» و «طبقة الأعمش و أبي حنيفة» و «طبقة ابن المديني و أحمد» و هلم جرا، إلا أنه غيّر هذه الطريقة حينما وصل إلى مطلع المئة الثالثة حيث صار يستعمل السنوات التقريبية في الطبقة نحو قوله: «الطبقة الذين بقوا بعد الثلاث مئة و إلى حدود العشرين و الثلاث مئة و «طبقة من الثلاثين إلى ما بعد الخمسين و خمس مئة».

و يتبين من دراسة هذه الوحدات الزمنية التي ذكرها أنّ الطبقة قد تكون في حدود عشرين سنة أو خمس و عشرين أو ثلاثين سنة. أما تقسيمه لتاريخ الإسلام إلى سبعين طبقة و جعله الطبقة عشر سنين فهو أسلوب تنظيمي حسب لا علاقة له بأدب التنظيم على الطبقات، كما بيناه مفصلا في موضع آخر (1).

لقد أثّر نظام الطبقات الذي اخترعه المحدثون بأساليب عرض كتب التراجم التي عنيت بغيرهم، فاتبعته و لم تشذ عن طريقة أهل الحديث كثيرا، فنظموا كتبا في القرّاء، و الفقهاء، و الصوفية و الزهاد، و الأدباء، و الشعراء، و النحاة، و غيرهم على الطبقات، و هي كتب معروفة منتشرة مشهورة.

ثانيا: التنظيم على الأنساب:

عني العرب بأنسابهم قبل الإسلام، و استمرت هذه العناية في الإسلام، فقد نظم النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة حين أصدر دستورها الأوّل «الصحيفة» على عشائرها.

و قامت تنظيمات الدولة الإسلامية الاجتماعية و الاقتصادية في القرن الأول‏

____________

(1) ينظر كتابي: الذهبي و منهجه 283.

17

الهجري على أساس من التنظيمات القبلية. فقد قسمت البصرة إلى أخماس لكل قبيلة من القبائل النازلة فيها سكن خاص بها يسمى «ربع»، كما قسمت الكوفة إلى «أرباع» أيضا. و يلاحظ أنّ السبق في الإسلام يرتبط في كثير من الأحيان بالقبيلة إذ غالبا ما كان إسلام القبيلة عاما حيث كانت تدخل الإسلام دفعة واحدة حين يدخل رؤساؤها في الإسلام. و كان «العطاء» في القرن الأول يمثل عصب الحياة العربية لا سيما بالنسبة إلى القبائل المحاربة في الأمصار الجديدة مثل البصرة و الكوفة و الفسطاط و غيرها، و كان العطاء يوزّع على أساس القبائل حيث كان عطاء القبيلة يعطى إلى رئيسها ليوزع بعد ذلك على أفرادها. و كان طابع الحركة الفكرية في هذه المراكز قد تأثر كثيرا بالحياة السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية، و قد ساعد كل ذلك على نمو العناية بالأنساب و التأليف فيها، و انبرى كتاب القبائل إلى تأليف الكتب و الرسائل التي تظهر أمجاد قبائلهم و مفاخرها و منزلتها في الجاهلية و الإسلام.

و كان من الطبيعي أن يعنى المحدّثون بالأنساب نظرا لطبيعة المجتمع القائم يومئذ، فصاروا يجمعون رواة الحديث الذين ينتمون إلى عشيرة أو قبيلة واحدة فيذكرونهم في مكان واحد.

إن أقدم من أخذ بالترتيب على النّسب من المصنفين الأولين في الرجال هو ابن سعد كاتب الواقدي «ت 230 ه» في كتابيه «الطبقات الكبرى» و «الطبقات الصغرى»، و خليفة بن خياط «ت 240 ه» في كتابه «الطبقات».

«فأما خليفة فقد كان أكثر التزاما بالترتيب على النسب، فقد جعل النسب هو الأساس الوحيد في ترتيب الصحابة في المدينة، و لم يعتبر السابقة في الإسلام و تقدم سنة الوفاة، و لا التفاضل بين الصحابة، و بهذا استطاع أن يعرض الرواة من الصحابة على أساس العشائر دون إخلال بهذا الأساس سواء فيما كتبه عن الصحابة في المدينة أو ما كتبه عن الصحابة في الأمصار كالكوفة و البصرة، و كذلك فعل عند كلامه على الصحابة الذين نزلوا بلاد الشام. و يستمر التقسيم‏

18

على النسب ظاهرا في طبقات خليفة عند كلامه على التابعين في الكوفة و البصرة و المدينة، و لا يتجاوز هذا الأساس إلا في موضع واحد فقط عند ذكره للطبقة الثانية من التابعين في المدينة، فقد قدم أبناء المهاجرين على غيرهم معتبرا السابقة في الإسلام، و لكنه عاد بعد ذلك إلى الترتيب النسبي. و قد حافظ خليفة ابن خياط على النسق الذي اتبعه في تسلسل القبائل من بداية كتابه حتى يتلاشى عنده الترتيب على النسب بعد التابعين، مما يؤكد أن تسلسل القبائل عنده لم يكن مجرد ترتيب عرضي بل هو أمر مقصود قائم على فكرة القرابة من النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و هو بذلك يتابع كتب الأنساب. ثم يختفي الترتيب على النسب بعد طبقة التابعين، و لا يظهر إلا في القسم الأخير الذي خصصه للنساء» (1).

أما محمد بن سعد فقد مزج بين الترتيب استنادا إلى السابقة في الإسلام و النسب، فقد قسم الصحابة إلى طبقات حسب قدم إسلامهم، لكنه في الوقت نفسه نظم كل طبقة حسب النسب ابتداءا ببني هاشم ثم بقية بطون قريش ثم مضر، فالأوس و الخزرج، و هلم جرا، لكنه كان قليل المراعاة لهذا الأمر كلما تقدم في التابعين ثم من بعدهم.

إن ترتيب كتب الرجال على أسس الأنساب لم يتقدم و بدأ بالتلاشي منذ مدة مبكرة لقلة فاعليته و صعوبة الاستمرار في السير عليه نظرا لعدة عوامل من أبرزها:

1- اتساع رقعة الإسلام و دخول غير العرب فيه و بروز العديد من العلماء و المحدثين من غير العرب مما يصعب سلكهم في هذا التنظيم.

2- إن العناية بالأنساب ارتبطت غالبا في مجتمعات القرن الأول التي اعتزت بأنسابها اعتزازا كبيرا نظرا لقربها من عهد القبيلة و لارتباط مصالحاها الاجتماعية و الاقتصادية بقبائلها، فلما ضعف دور القبيلة ضعف معه العناية بالنسب.

____________

(1) أكرم العمري: مقدمة الطبقات لخليفة 38 م.

19

3- إن النسب بحد ذاته لم يعد في المجتمع العباسي ذا أهمية، فقد قامت الثورة العباسية على أساس أممي، و تطورت الحياة فيها إلى حياة مدنية، و لم يعتن العباسيون بالقبائل و شيوخها، ثم اضمحل الأمر كلية بإلغاء نظام العطاء.

و من ثم فإن كتب المحدثين التي كانت تعنى بأنساب القبائل أخذت تتحول فتعنى بانتسابات المحدثين إلى المدن و الصنائع و المهن و منها العشائر و القبائل كما هو في أنساب السمعاني «ت 562» و غيره.

ثالثا: التنظيم على حروف المعجم:

نظمت كثير من كتب الرجال على حروف المعجم ليسهل الكشف على اسم المحدث فيها، مع تباين في مفهوم هذا التنظيم، ذلك أن بعضهم لم يعتبر إلا الاسم الأول، ثم نظم كل اسم حسب الطبقات أو الوفيات، و راعى بعضهم الاسم الأول و الثاني ثم نظم هذه الأسماء حسب وفياتها، و اتبع آخرون الترتيب المعجمي في الأسماء و الآباء صعودا حتى يحصل الفرق. و يصبح الأمر أكثر سهولة إذا عرف القارئ منهج كل مؤلف من هؤلاء.

إن تنظيم الرجال على حروف المعجم يرجع إلى فترة مبكرة، فقد رتب أبو إسحاق أحمد بن محمد بن ياسين الهروي «ت 234» كتابه في «تاريخ هراة» على حروف المعجم‏ (1) و من أوائل الكتب المرتبة على حروف المعجم كتاب «التاريخ الكبير» لأبي عبد اللّه محمد بن إسماعيل البخاري «ت 256 ه»، و هو يمثل أنموذجا سار عليه غير واحد ممن ألف في الرجال و رتب على حروف المعجم.

ابتدأ البخاري كتابه بمن اسمه محمد إكراما للنبي (صلى اللّه عليه و سلم) و تبركا به، و هي عادة انتقلت إلى الكثيرين ممن رتب على حروف المعجم من كتاب الرجال و التراجم، و ابتدأ بترجمة النبي (صلى اللّه عليه و سلم) ثم المحمدين من الصحابة فذكر عشرة منهم. ثم بدأ يرتب آباء من اسمه محمد على حروف المعجم فيذكر من يبدأ اسم أبيه بالألف،

____________

(1) السخاوي: الإعلان بالتوبيخ 653.

20

لكنه لا يعنى بترتيب أسماء الآباء حسب تسلسل حروفها، ففي باب الألف مثلا يذكر أسامة، ثم إياس، و أشعث، و إبراهيم، و أفلح، و أبيّ، و الأسود، و أيوب، و أبان، و إسماعيل، و إسحاق، و أسلم، و أنس، و أعين ... إلخ و كذلك في الحروف الأخرى من الآباء. و حين انتهى من المحمدين ابتدأ بحرف الألف، فابتدأ بإبراهيم، ثم إسماعيل، فإسحاق، فأيوب، ثم أشعث، و الأسود، و أزهر، و أحمد، و أمية، و أسيد، و أوس، و أسامة، و أسلم، و أيمن، و أنس، و أصبغ، و إدريس، و آدم، و أبيّ ... إلخ، و كذلك فعل في ترتيب آبائهم، فرتب آباء من اسمه «إبراهيم» مثلا على الألف ثم الباء ثم الثاء، فالجيم و الحاء و الخاء ... إلخ من غير اعتبار لتنظيمهم على حروف المعجم ضمن الحرف الواحد، و ربما لاحظ القدم و التسلسل الزمني.

لقد تأثر العديد من مؤلفي كتب الرجال و التراجم بهذه الطريقة، فاتبعها الخطيب في «تاريخ مدينة السلام» حيث اعتمد الاسم الأول للمترجم فقط، فإذا كان في المترجمين بهذا الاسم كثرة مثل المحمدين و الأحمدين و العليين و نحوهم رتبهم بحسب أسماء آبائهم على حروف المعجم أيضا، و ذكر لكل ذلك أبوابا ثم عناوين، و ربما اضطر في أحايين قليلة جدا إلى ترتيب أسماء الأجداد على حروف المعجم حينما تكثر الأسماء في العنوان الواحد، كما فعل فيمن اسمه محمد و اسم أبيه أحمد، فقال: «و هذا ذكر من اسمه محمد و اسم أبيه أحمد جعلت ترتيبهم على حروف المعجم من أوائل أسماء أجدادهم لتقرب معرفته و تسهل طلبته» (1). و فيما عدا هذه الاستثناءات رتب كل باب أو عنوان من هذه الأبواب و العناوين حسب قدم الوفاة، سواء أكان الباب أو العنوان متضمنا الاسم الأول فقط أم كان مرتبا على الاسم الأول ثم اسم الأب، أم مرتبا على اسم الأب و اسم الجد بصرف النظر عن منزلته، و من غير اعتبار لكبر سنّه أو علو روايته،

____________

(1) الخطيب: تاريخ مدينة السلام 2/ 80.

21

و هي الطريقة التي ابتدعها البخاري في تاريخه الكبير في كثير من جوانبها، و سيأتي مزيد ذكر لها عند الكلام على منهج المؤلف ابن الدبيثي في كتابه هذا.

على أن كثيرا من المؤلفين المتأخرين في الرجال و التراجم وجدوا في هذا الترتيب المزدوج على حروف المعجم ثم على الوفيات صعوبة و إرباكا لا سيما بعد أن توفرت مادة أجود عندهم فعدل الكثير منهم إلى الترتيب على حروف المعجم في الأسماء و الآباء و الأجداد مع اعتبارات يسيرة مثل تقديم المحمدين على غيرهم، أو تقديم الأحمدين في حرف الألف على غيرهم.

إن أفضل كتاب منظم على حروف المعجم من حيث المنهجية و الترتيب هو كتاب «تهذيب الكمال في أسماء الرجال» لحافظ عصره أبي الحجاج يوسف المزي «ت 742 ه» (1)، فقد رتب التراجم على حروف المعجم المشرقية في أسمائهم و أسماء آبائهم و أجدادهم و هلم جرا، لكنه بدأ في حرف الألف بالأحمدين، و في حرف الميم بالمحمدين لشرف هذين الاسمين. ثم رتب في نهاية الأسماء فصول الكنى و الأنساب و الألقاب و المبهمات على حروف المعجم أيضا، و جعل النساء في آخر الكتاب و رتبهم على الترتيب المذكور في الأسماء و الكنى و الأنساب و الألقاب و المبهمات، و عمل إحالات للأسماء الواردة في كتابه بحسب شهرته أو وروده في الروايات، و جعل كثيرا من هذه الإحالات في صلب الكتاب، كما أفاد من فصول الكنى و الأنساب و الألقاب و المبهمات في عمل الإحالات، و هي فهارس قلما نجدها في عصرنا الحديث هذا لصعوبتها.

لقد صار هذا التنظيم نموذجا لكثير من الكتب التي جاءت بعده، فأفاد منه غير واحد، لا سيما الكتب التي جاءت بعده، نذكر منها «الوافي» للصفدي،

____________

(1) حققته في خمسة و ثلاثين مجلدا و نشرته مؤسسة الرسالة ببيروت (1980- 1992) ثم سرقه غير واحد من أصحاب دور النشر، و وضع بعض «الدكاترة» أسماءهم عليه من غير حياء، و كذلك فعلوا في غير ما كتاب من كتبنا المحققة، نسأل اللّه العافية!

22

و «فوات الوفيات» لابن شاكر، و كتب الحافظ ابن حجر، و السخاوي و غيرهم.

رابعا: التنظيم على الوفيات:

و رتبت بعض كتب الرجال و التراجم مادتها حسب تاريخ وفاة المترجم من غير نظر إلى أهمية المترجم أو قيمته العلمية.

و أول من كتب في هذا النوع فيما نعلم هو أبو الحسين عبد الباقي بن قانع ابن مرزوق البغدادي المتوفى سنة 351 ه ابتدأ به من الهجرة و وصل به إلى سنة 346 ه (1).

ثم كتب الحافظ أبو سليمان محمد بن عبد اللّه بن أحمد بن ربيعة المعروف بابن زبر الربعي الدمشقي «ت 379 ه» كتابه الشهير: «تاريخ موالد العلماء و وفياتهم» ابتدأه من الهجرة و وصل به إلى سنة 338 ه.

و على هذا الكتاب سار تذييل طويل في كتب الوفيات، فقد ذيّل عليه الحافظ أبو محمد عبد العزيز بن أحمد الكتاني الدمشقي «ت 466 ه» إلى قريب وفاته، ثم ذيّل على أبي محمد الكتاني تلميذه أبو محمد هبة اللّه بن أحمد ابن الأكفاني «ت 524» ذيلا صغيرا نحو عشرين سنة وصل به إلى سنة 485 ه و سمّاه «جامع الوفيات».

ثم ذيّل على ابن الأكفاني شرف الدين أبو الحسن علي بن المفضّل المقدسي الإسكندراني المالكي الحافظ الكبير المتوفى سنة 611 ه وصل به إلى سنة 581 ه (2).

____________

(1) كتب أبو القاسم عبد اللّه بن محمد بن المرزبان البغوي المتوفى سنة 317 ه كتابا لوفاة شيوخه (طبع)، أما كتاب «الوفيات» لأبي العباس أحمد بن محمد المعروف بابن عقدة الكوفي المتوفى سنة 332 ه فلا ندري طريقة ترتيبه لعدم وصوله إلينا (ينظر كتابي: الذهبي و منهجه 399).

(2) تنظر مقدمة التكملة للمنذري، الورقة 1 (من القسم غير المنشور، من نسختي المصورة عن نسخة الكتاني المحفوظة بخزانة الملك الحسن الثاني ي(رحمه اللّه) أهدانيها سنة 1986 م).

23

و ذيّل على ابن المفضّل تلميذه الإمام الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري «ت 656 ه» وصل به إلى أثناء سنة 642 ه و سماه «التكملة لوفيات النقلة»، و قد يسره اللّه لي فحققته سنة 1967 م و نلت به رتبة الماجستير من جامعة بغداد مع كتاب عن المنذري و كتابه التكملة، و طبع الكتاب أكثر من خمس طبعات.

و ذيّل على أبي محمد المنذري تلميذه الشريف عز الدين أحمد بن محمد الحسيني المتوفى سنة 695 ه بكتاب سماه «صلة التكملة لوفيات النقلة» ابتدأه من سنة 641 ه و وقف به عند سنة 675 ه، و وصل إلينا بخطه كاملا، و قد أعددته للنشر.

و يلاحظ أنّ التنظيم على الوفيات يتصل اتصالا وثيقا بكتب الحوليات، و هي الكتب التاريخية التي عرضت مادتها سنة فسنة مثل تاريخ خليفة بن خياط «ت 240 ه» و «تاريخ الأمم و الملوك» للطبري «ت 310»، فأساس فكرتها هي سياقة الحوادث أو التراجم على التسلسل الزمني، و من ثم رأينا المنذري في «التكملة» يرتب تراجمه حسب وفياتهم باليوم و الشهر و السنة.

و من هنا يتعين علينا التنبيه على أن بعض الكتب التي تحمل اسم «الوفيات» لا تعد ضمن هذه الكتب إلا أن تكون قد التزمت بالترتيب على أساس الوفاة، فمن ذلك مثلا كتاب «وفيات الأعيان» لابن خلكان «ت 681» و «الوافي بالوفيات» للصلاح الصفدي «ت 764» و «فوات الوفيات» لابن شاكر الكتبي «ت 764»، فهذه الثلاثة من الكتب المرتبة على حروف المعجم.

كما ينبغي الالتفات إلى أنّ لفظ «الوفيات» صار مرادفا للتراجم، فيقال في الكتاب الحولي الذي يعنى بذكر الحوادث و التراجم، أنّه يتضمن الحوادث و الوفيات، بل ربما أطلق لفظ «الوفيات» على الكتب الحولية التي غلب عليها ذكر التراجم، مثل كتاب «المقتفي لتاريخ أبي شامة» لعلم الدين البرزالي «ت 739 ه» و غيره، فهذا كله من باب التجوز.

24

خامسا: التنظيم على البلدان:

يراد بالتنظيم على البلدان أن يجمع المؤلف رجال أو تراجم كل بلد في مكان واحد من الكتاب، ثم يرتبهم على حروف المعجم أو الطبقات أو الأنساب، و هو غير تخصيص كتاب بعينه لبلد معين، كما سنبينه لاحقا.

و قد ظهر التنظيم على البلدان عند المحدثين منذ فترة مبكرة، فنظم كلّ من ابن سعد «ت 230» و خليفة بن خياط «ت 240» كتابيهما على البلدان. و رتب الإمام مسلم «ت 261» كتابه «الطبقات» على البلدان أيضا. و كذلك فعل ابن أبي خيثمة «ت 279» في كتابه «التاريخ الكبير». و كتب ابن حبان «ت 345» كتابه المشهور «مشاهير علماء الأمصار» و قسمه إلى ستة أقسام كبيرة هي: الحجاز، و العراق، و الشام، و مصر، و اليمن، و خراسان.

و كان نصيب كل مدينة يتوقف على مدى نشاط الحركة الفكرية فيها و كثرة من نسب إليها من العلماء.

محتويات كتب الرجال و التراجم:

تكلمنا فيما تقدم على أساليب عرض كتب الرجال و تأثر كتب التراجم بها، ثم لاحظنا بعد ذلك تفننا في محتويات هذه الكتب، فهي إما أن تكون شاملة، و هي الأقل، أو تكون مختصة بفئة معينة. و يقع عند كثير من الباحثين خلط بين أساليب العرض و المحتوى، و هو مما يتعين التفريق بينهما، فالمحتوى قد يعرض بأي من أساليب العرض: على الطبقات، أو الأنساب، أو حروف المعجم، أو البلدان، أو الوفيات.

لقد بينا أن كتب الرجال هي الأصل لأنها كانت تلبي حاجات المحدثين في معرفة الرواة جرحا و تعديلا، ثم انتقلت لتشمل النواحي الأخرى في الحركة الفكرية العربية الإسلامية و هو ما عرف بالتراجم، و أبرز كتب المحدثين تناولت:

25

1- الصحابة:

لاحظنا أنّ المحدّثين عنوا بتأليف كتب خاصة في الصّحابة، من أبرزها كتاب «معجم الصحابة» لأبي الحسين عبد الباقي بن قانع البغدادي المتوفى سنة 351 ه، و هو مرتب على حروف المعجم، و كتاب «معرفة الصحابة» لأبي نعيم الأصبهاني المتوفى سنة 430 ه، و كتاب «الاستيعاب» لابن عبد البر النمري المتوفى سنة 463 ه و هو مرتب على حروف المعجم المغربية، و منها كتاب عز الدين ابن الأثير المتوفى سنة 630 ه المعروف «بأسد الغابة في معرفة الصحابة»، ثم كتاب الحافظ ابن حجر المتوفى سنة 852 ه «الإصابة» الذي استوعب فيه الكتب السابقة. و هذه الكتب كلها مطبوعة متداولة مشهورة.

2- الثقات:

و تناول مؤلفو كتب الرجال الرواة الثقات بتآليف خاصة، منها كتاب «الثقات» لأحمد بن عبد اللّه العجلي المتوفى سنة 261 ه، و كتاب «الثقات» لابن حبان البستي المتوفى سنة 354 ه، و كلاهما متساهل في التوثيق، و تاريخ أسماء الثقات لأبي حفص بن شاهين المتوفى سنة 385 ه.

3- الضعفاء:

و عني مؤلفو كتب الرجال بذكر الضعفاء من الرواة و جمعهم في كتب مخصوصة، و لكل واحد منهم منهجه و طريقته، فمنهم من يذكر الراوي إن كان فيه أدنى لين، و منهم المتحرج الذي يقتصر على من تأكد ضعفه عنده. و أكثر الأئمة النقاد الأوائل ألفوا في الضعفاء، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر الإمام البخاري «ت 256 ه»، و إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني «ت 256 ه»، و أبو زرعة الرازي «ت 264 ه»، و النسائي «ت 303 ه» و أبو جعفر العقيلي «ت 323 ه»، و ابن حبان البستي «ت 354 ه»، و ابن عدي الجرجاني «ت 365 ه»، و الدار قطني «ت 385 ه»، و الحاكم «ت 405 ه»، و ابن الجوزي «ت 597 ه»، و الذهبي «ت 748 ه»، و كل كتبهم معروفة مطبوعة مشهورة.

26

أما كتب البخاري و الجوزجاني و أبي زرعة الرازي و النسائي و الدارقني فمختصرة. و أما كتب العقيلي و ابن حبان و الكامل فمطولة و فيها أمثلة نافعة.

4- كتب جمعت الثقات و الضعفاء:

و تناولت بعض كتب الرجال الرواة عموما سواء أكانوا من الضعفاء أم من الثقات، مثل كتاب «التاريخ الكبير» للإمام البخاري «ت 256 ه»، و «الجرح و التعديل» لابن أبي حاتم الرازي «ت 327 ه» و غيرهما.

5- المدلسون:

و عني بعضهم بذكر من رمي بالتدليس من المحدثين، مثل كتاب «التبيين لأسماء المدلسين» لسبط ابن العجمي «ت 841»، و طبقات المدلسين للحافظ ابن حجر «ت 852 ه».

6- المختلطون:

و ألف بعضهم كتبا خاصة بمن اختلط في آخر عمره لتمييز رواية من سمع منه قبل الاختلاط عمن سمع منه بعد الاختلاط، مثل كتاب «الاغتباط بمعرفة من رمي باختلاط» لسبط ابن العجمي أيضا، و «الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات» لابن الكيال «ت 929 ه».

7- الكذابون الوضاعون:

و مع أن كتب الضعفاء تناولت الضعفاء و الهلكى و الكذابين، فقد عني بعضهم بجمع الوضاعين في كتاب مستقل مثل كتاب «الكشف الحثيث عمن رمي بوضع الحديث» لسبط ابن العجمي.

8- رجال كتب مخصوصة:

و ألّف بعض العلماء كتبا تناولت الرواة المذكورين في أسانيد كتب معينة، مثل «رجال البخاري» للكلاباذي «ت 398 ه»، و رجال صحيح مسلم لابن‏

27

منجويه «ت 428 ه»، و «الجمع بين رجال الصحيحين» لأبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي «ت 507»، و كتاب «تهذيب الكمال في أسماء الرجال» للحافظ المزي «ت 742 ه» أعظم كتاب في رجال الكتب الستة و بعض مؤلفاتهم الأخرى، و مختصراته معروفة مشهورة، و «تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة» للحافظ ابن حجر «ت 852 ه»، و هم الرجال غير المذكورين في «تهذيب الكمال» من مسانيد أبي حنيفة و الشافعي و أحمد و موطأ مالك.

9- كتب عنيت بالأنساب أو الكنى أو الألقاب:

و عني المحدثون بتأليف الكتب الخاصة ببيان نسبة المحدثين إلى القبائل و العشائر و البلدان و الصنائع و نحوها، و من أشهرها كتاب «الأنساب» لأبي سعد السمعاني «ت 562 ه» و مختصره «اللباب في تهذيب الأنساب» لعز الدين ابن الأثير «ت 630 ه». كما عنو بتأليف كتب خاصة بكنى المحدثين، و من أشهرها كتاب «الكنى» للإمام مسلم «ت 261 ه»، و «الكنى و الأسماء» لأبي بشر الدولابي، «ت 310 ه»، و «الكنى» لأبي أحمد الحاكم «ت 378 ه» و مختصره «المقتنى في سرد الكنى» للذهبي «ت 748 ه». كما ألفوا الكتب الخاصة بالألقاب، و منها كتاب «نزهة الألباب في الألقاب» للحافظ ابن حجر «ت 852 ه».

10- المشتبه:

و ألفوا الكتب الخاصة بما يشتبه من الأسماء و الكنى و الأنساب و الألقاب لدفع الارتياب عنها و ضبطها، ذلك أن الأسماء شي‏ء لا يدخله القياس، ليس هناك شي‏ء قبله يدل عليه و لا شي‏ء بعده يدل عليه، فليس لها إلا التقييد و الضبط، و من أجمع هذه الكتب حتى عصره كتاب «الإكمال» لابن ماكولا «ت 475 ه» الذي استوعب فيه المؤلفات السابقة لا سيما كتب: عبد الغني بن سعيد الأزدي «ت 409 ه»، و الدار قطني «ت 385 ه»، و الخطيب البغدادي «ت 463 ه» ثم الذيل عليه لابن نقطة الحنبلي «ت 629 ه» و هو «إكمال الإكمال»،

28

و الذيل على ابن نقطة لابن الصابوني «ت 680 ه» و هو «تكملة إكمال الإكمال»، و لمنصور بن سليم الإسكندراني «ت 673 ه» ذيل على ابن نقطة أيضا. ثم الكتاب النافع الجامع الملي‏ء الذي ألّفه مؤرخ الإسلام الذهبي و سمّاه «المشتبه»، و شرحاه: للحافظ ابن حجر «ت 852 ه» المسمى «تبصير المنتبه»، و لعلامة الشام ابن ناصر الدين الدمشقي «ت 842 ه» المسمى «توضيح المشتبه» و هو أعظم هذه الكتب نفعا و أبقاها على الأيام أثرا.

و قد أثرت هذه المؤلفات في مجمل الحركة التأليفية عند المسلمين، فألّف أهل كل فن الكتب الخاصة بهم، كالفقهاء على اختلاف مذاهبهم، و القراء، و اللغويين، و النحاة، و الأدباء، و الشعراء، و الأطباء، و الحكماء، و غيرهم. كما عني أهل كل بلد أو مصر بجمع الرواة الذين نجموا ببلدهم أو وردوه و حدثوا به، و تتبعوا أهل العلم و السياسة و من اشتهر بعلم من العلوم فدونوا سيرهم في مؤلفات خاصة بتلك البلدان، كلّ حسب ثقافته و تكوينه الفكري و مجال اهتمامه، و هو ما عرف بتواريخ المدن و البلدان، و هو ما نتناوله في الفصل الآتي.

***

29

الفصل الثاني تواريخ المدن و البلدان‏

عني العرب المسلمون بتأليف الكتب التي تعنى بتاريخ بلد معين أو مدينة معينة. و قد بينا في الفصل الأول أن هناك فرقا واضحا بين التنظيم على البلدان و كتابة التاريخ لبلد بعينه، حيث أن تواريخ المدن هي تواريخ محلية لا تتعدى تناول تاريخ مدينة بعينها، ثم نلاحظ نوعين متميزين منها:

1- الأول عني بخطط المدينة و تاريخها السياسي من غير عناية برجالها أو علمائها أو من ورد إليها من العلماء و الأدباء و المحدثين؛ مثل «أخبار المدينة» لابن زبالة الذي كتب في حدود سنة 199 ه و «أخبار مكة» للأزرقي المتوفى سنة 344 ه و «تاريخ بغداد» لأحمد بن أبي طاهر طيفور المتوفى سنة 280 ه، و «تاريخ بخارى» لأبي جعفر البرسخي المتوفى في منتصف المئة الرابعة للهجرة النبوية (1) و غيرها.

2- أما النوع الثاني فإنه يمثل اتجاه المحدثين في الكتابة التاريخية بصورة واضحة، و هو تاريخ غالبا ما كان يكتبه واحد من أهل تلك المدينة و يحتوي على مقدمة، تطول أو تقصر حسب مزاج المؤلف و منهجه و اهتمامه، ثم يبدأ بذكر أهل بلده و القادمين إليه من المشهورين و الأعلام و لا سيما أولئك الذين عنوا بالعلم و الرواية. و هذا النوع من التواريخ المحلية هو الذي انتشر و استمر في مناهج المؤرخين و صارت له الغلبة حتى لم نعد نسمع بمدينة معروفة إلا و قد وضع لها تاريخ من هذا النوع.

____________

(1) المعروف أنه لأبي جعفر النرشخي المتوفى سنة 348 ه، و نعتقد أنه لأبي جعفر البرسخي، و هو غير النرشخي (راجع بحثنا: من هو مؤلف تاريخ بخارى، المنشور في مجلة الأقلام البغدادية 1970 م).

30

و مما لا شك فيه أنّ تواريخ المدن كانت تعبيرا عن الرباط الوثيق الذي يربط الإنسان بمكان مولده و مرباه، و من ثم الحنين إليه، و هو ما أشار إليه الجاحظ في رسالته «الحنين إلى الأوطان» و في غيرها من كتبه. و من ثم ظهر دائما نوع تعصب و مفاخرة بين أهل المدن، غالبا ما احتلت المكانة التي كانت تحتلها المفاخرات القبلية في صدر الإسلام. و أكثر ما تظهر مثل هذه المفاخرات في مقدمة تواريخ البلدان حيث يثني المؤلف على منزلة المدينة التي يؤرخ لها، فالخطيب البغدادي افتتح تاريخه بقول يونس بن عبد الأعلى: «قال لي الشافعي:

يا أبا موسى دخلت بغداد؟ قال: قلت: لا. قال: ما رأيت الدنيا» (1)، ثم ذكر فصلا فيه «ذكر أقاليم الأرض السبعة و قسمتها و إن الإقليم الذي فيه بغداد سرّتها» (2) و خصص بعد ذلك بابا ذكر فيه «مناقب بغداد و فضلها و ذكر المأثور من محاسن أخلاق أهلها» (3).

و أشار أبو القاسم حمزة بن يوسف السّهمي في مقدمته لتاريخ جرجان إلى أن العصبية لمدينته هي التي دفعته إلى الكتابة عنها، قال: «أما بعد، فإني لما رأيت كثيرا من البلدان تعصب أهلها و أظهروا مفاخرها بدخول الصحابة رضي اللّه عنهم أجمعين بلادهم، و كون الخلفاء و الأمراء و جماعة من العلماء عندهم حتى أرخوا لذلك تواريخ و صنفوا فيها تصانيف على ما بلغهم، و لم أر أحدا من مشايخنا رحمهم اللّه صنف في ذكر علماء أهل جرجان تصنيفا أو أرخ لهم تاريخا على توافر علمائها و تظاهر شيوخها و فضلائها، فأحببت أن أجمع في ذلك مجموعا على قدر جهدي و طاقتي ... إلخ» (4). ثم ذكر بعد ذلك فتح جرجان، و من دخلها من أصحاب النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و التابعين ... إلخ.

____________

(1) تاريخ مدينة السلام 1/ 292.

(2) المصدر نفسه 1/ 319.

(3) المصدر نفسه 1/ 346- 358.

(4) السهمي: تاريخ جرجان 3- 4.

31

و قد أدى الاعتزاز بالأوطان إلى تأليف كتب خاصة بفضائل المدن، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر كتاب «فضائل بغداد» ليزدجرد بن مهمندار، و «فضائل بغداد و أخبارها» لأحمد بن الطيب السرخسي، و كتاب «فضائل مكة على سائر البقاع» لأبي زيد البلخي، و «فضائل مصر» للجمحي‏ (1)، و «فضائل المدينة» للجندي‏ (2)، و «فضائل مصر» لابن زولاق، و «محاسن أصبهان» للمافروخي، و غيرها. و يذكر ابن النديم بعض الكتب المؤلفة في المفاخرة بين مدينة و أخرى، من ذلك مثلا كتاب «مفاخرة أهل البصرة و أهل الكوفة» لأبي الحسن المدائني، و كتاب «فخر أهل الكوفة على أهل البصرة» للهيثم بن عدي، و كتاب «فضل المدينة على مكة» و هلم جرا مما يشير إلى أثر المفاخرات في ظهور التواريخ المحلية منذ القرن الثاني الهجري.

و لا يفوتنا أن نذكر هنا أثر رواية الحديث في جمع محدثي مدينة ما في كتاب واحد، فإن أولى الأشياء التي يطالب بها طالب الحديث هو التعرف على شيوخ بلده، ثم التعرف على شيوخ البلدان الأخرى‏ (3).

كما يتعين علينا عدم إغفال التفنن في الكتابة التاريخية و تطور أساليب عرضها تيسيرا على طلبة العلم في معرفة مواطن الرواة و صلات بعضهم ببعض.

إن الدراسة المتأنية لظهور التواريخ المحلية تبين أن أول ظهورها كان في العراق، و في وقت مبكر يعود إلى أوائل العناية الحقيقية بالفكر التاريخي في القرن الثاني الهجري. و تشير أسماء الكتب التي ذكرها ابن النديم، و هي أقدم قائمة وصلت إلينا، إلى كتابين ألفهما عمر بن شبة بن عبيدة النميري البصري «172- 262 ه» أحدهما في «تاريخ البصرة»، و الثاني في «أخبار المدينة».

____________

(1) هذه كلها ذكرها ابن النديم في «الفهرس».

(2) توفي سنة 310 ه (الإعلان بالتوبيخ 642).

(3) ينظر كتاب «الجامع لأخلاق الراوي و آداب السامع» للخطيب البغدادي، لا سيما الباب الخاص بالرحلة في الحديث إلى البلاد النائية للقاء الحفاظ و تحصيل الأسانيد العالية.

32

كما أن هناك إشارات واضحة إلى عناية المؤرخين المتقدمين بذكر أمراء بلد بعينه مثل «أمراء البصرة» و «أمراء المدينة»، و «أمراء مكة»، كلها لعمر بن شبة، و «ولاة الكوفة» للهيثم بن عدي، و نحوها (1). و نذكر من ذلك الكتاب المهم الذي ألفه أبو عليّ الحسين بن أحمد السّلّامي المتوفى سنة 300 ه (2):

«تاريخ ولاة خراسان» و هو من التواريخ المتقدمة.

و أول كتاب وصل إلينا هو «تاريخ واسط» لأسلم بن سهل الرزاز الواسطي المعروف ببحشل المتوفى سنة 292 ه حيث يمثل نموذجا لتواريخ المدن فيما بعد، فقد ذكر المكان الذي بنيت فيه واسط و هي منطقة «كسكر»، ثم اختيار الحجاج لها، و شيئا من قدسيتها، و ذكر ولاة عمر بن الخطاب كسكر، ثم ذكر واسط القصب، و السلسلة التي كانت بنهر دجلة عند موضع واسط لأخذ الضرائب على السفن المارة. ثم تناول مدينة واسط من حيث تسميتها، و فضلها، و بنائها، و من عدها من العلماء ضمن الأمصار، ثم من رغب في السكنى بها.

و انتقل بحشل بعد هذه المقدمة التي استغرقت قرابة عشر صفحات إلى تسمية من سكن واسطا و روى بها مبتدءا بتسمية القرن الأول القادمين مدينة واسط من صحابة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ممن خدمه و رآه و نقل حديثه و سمع كلامه، فذكر منهم أنس بن مالك، و نافع مولى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و أبي بن مالك، و أبا الغادية. و من النساء: سمراء بنت نهيك و أم مالك البهزية، و أم عاصم، و أم عياش.

____________

(1) ذكرها ابن النديم في الفهرس.

(2) ينظر تاريخ بيهق لفريد الدين علي بن زيد البيهقي، من تحقيق و ترجمة صديقنا العلامة المحقق المدقق يوسف الهادي (دمشق 2004) ص 296. و قد ضاع هذا الكتاب النفيس مع أن مغلطاي المتوفى سنة 762 ه كان يمتلك نسخة منه. و وقف السخاوي على تلخيص له للحافظ جمال الدين أبي المحاسن يوسف بن أحمد ابن محمود اليغموري المتوفى سنة 673 ه (الإعلان 630) و اليغموري مترجم في صلة التكملة للحسيني، الورقة 189 و تاريخ الإسلام للذهبي 15/ 270.

33

و يلاحظ أنّه ذكر قدوم بعض هؤلاء المكان قبل تمصير واسط، و هو أمر يذكرنا بما فعله الخطيب فيما بعد حينما ذكر الصحابة الذين نزلوا المدائن قبل تمصير بغداد. و أتبع ذلك بالتابعين من أهل واسط الذين رووا عن الصحابة، فكان يذكر الصحابي و من روى عنه من الواسطيين، فذكر من روى عن أنس بن مالك‏ (1)، و عن أبي عسيب مولى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و عن عبد اللّه بن أبي أوفى، و أبي سعيد الخدري، و عبد اللّه بن عمرو بن العاص، و معقل بن يسار، و النعمان بن بشير، و نبيشة الخير، و محمد بن حاطب الجمحي ... إلخ. و ذكر بعد الرواة عن الصحابة «تسمية من اتصل بنا من أهل واسط من القرن الثاني، كتبت لكل رجل منهم حديثا ليعرف موضعه، و قد ضممت إلى كل رجل منهم من حدّث من أهله و إن كان دونه في السن» (2) ثم ذكر مثل ذلك من القرن الثالث‏ (3)، و القرن الرابع‏ (4).

و يلاحظ أنه استعمل لفظ «القرن» بمعنى الطبقة، و هو استعمال لغوي صحيح فقسم كتابه إلى أربع طبقات، و راعى الأنساب حينما جمع من حدث عن الرجل من أهله و إن كان دونه في السن. كما لاحظنا أنه ذكر بعض من ولد بواسط ثم رحل إلى مدن أخرى فسكنها و مات بها (5)، و هي طريقة صارت متبعة في كثير من التواريخ المحلية التي ألفت فيما بعد حيث لا يقتصر على أهل البلد و وارديها، و لكن على أهلها الذين انتقلوا عنها، كما في تاريخ الخطيب و غيره.

***

____________

(1) جاء هذا في ص 64 من المطبوع و حقه أن يكون في ص 48 منه بسبب اختلاط في أوراق المخطوط لم ينتبه إليه محققه الفاضل.

(2) تاريخ واسط 85.

(3) نفسه 151.

(4) نفسه 218.

(5) ينظر مثلا ص 211، 215.

34

الفصل الثالث تواريخ بغداد التراجمية

بينا قبل قليل أن تواريخ المدن أو البلدان على نوعين: عني الأول منهما بالتاريخ السياسي و الخططي و الدنيوي، فهو تاريخ «حوادث» مختص بمدينة معينة، و الثاني هو تاريخ عني بالتراجم مع مقدمة تطول أو تقصر عن المدينة، ثم يذكر التراجم حسب الترتيب الذي يعرض فيه مادته. و هذا النوع هو الذي قصدناه بهذا العنوان، نسبة إلى «التراجم» (1)، لأن كتابنا هذا من كتب التراجم، فهو الأولى بمثل هذه الدراسة.

و مع أن مدينة السلام بغداد قد أسست منذ منتصف المئة الثانية و صارت في مدة قصيرة معدن العلم و العلماء و عاصمة الدولة الإسلامية المترامية الأطراف، فإن أحدا من العلماء لم يفكر في تأليف كتاب خاص برجالاتها من الخلفاء و الأمراء و العلماء و الأدباء و ذوي الشأن ممن سكنها أو وردها، إلا في منتصف المئة الخامسة حينما ألف أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي تاريخه المشهور.

نعم، ذكر إسماعيل باشا البغدادي «تاريخ بغداد» لأبي القاسم محمد بن حبيب النيسابوري المتوفى سنة 245 ه (2). و مثل هذا الاسم في هذه الطبقة لا وجود له في كتب الرجال و التراجم، فلعله مخلوط من اسمين أو أكثر، فمحمد ابن حبيب المتوفى سنة 245 ه هو صاحب كتاب «المحبّر» و هو لم يكن‏

____________

(1) النسبة إلى الجموع مستعملة بكثرة عند العلماء مع أن أهل العربية لا يحبذونها، و منهم من لا يجيزها، لكن نظرة إلى «أنساب» السمعاني و غيره تؤكد كثرتها مثل «الإبري» و «البزوري» و «القدوري» و «الأخباري» و «الفوطي» و «القماطري» ... إلخ.

(2) إيضاح المكنون 214.

35

نيسابوريا و لا يكنى بأبي القاسم، فمن كنّاه قال في كنيته: «أبو جعفر» (1)، و لم يذكر له أحد ممن ترجم له كتابا في «تاريخ بغداد»، بل له «تاريخ الخلفاء» فلعله هو المقصود (2). و هذا بكل حال لا يعني شيئا، فإنه لم يذكر عند المؤرخين الثقات، و لا نقل عنه أحد ممن يعتد به، فهو شبه لا شي‏ء.

و ذكر إسماعيل باشا البغدادي أيضا أنّ أبا بكر محمد بن عمر بن محمد بن سلم التميمي المعروف بابن الجعابي (نسبة إلى الجعبة التي توضع فيها السهام) البغدادي المولود سنة 284 ه و المتوفى ببغداد في رجب سنة 355 ه قد ألّف كتابا عنوانه «أخبار بغداد و طبقات أصحاب الحديث» (3)، و لا نعلم شيئا عن هذا الكتاب، و لا وجدنا له ذكرا عند المتقدمين مع كثرة البحث و الفحص.

و الجعابي هذا من كبار حفّاظ بغداد، كتب له الخطيب ترجمة رائقة في تاريخه‏ (4) صارت فيما بعد أساسا لمن ترجم له مثل السمعاني في الأنساب‏ (5)، و ابن الجوزي في المنتظم‏ (6)، و الذهبي في كتبه‏ (7)، و الصفدي في الوافي‏ (8)،

____________

(1) ياقوت: معجم الأدباء 6/ 2480، الزبيدي: طبقات النحويين 198.

(2) تنظر ترجمته إضافة إلى الهامش السابق عند ابن النديم في الفهرست 119، و الخطيب في تاريخ مدينة السلام 3/ 87- 88، و القفطي في إنباه الرواة 3/ 119، و الذهبي في تاريخ الإسلام 5/ 1220، و الصفدي في الوافي 2/ 325 و طبع من كتبه «المنمق» و «المحبر» و «مختلف القبائل» و غيرها رسائل.

(3) إيضاح المكنون 1/ 41، و ينظر أيضا الذريعة لأغابزرك 1/ 323.

(4) تاريخ مدينة السلام 4/ 42- 49.

(5) في «الجعابي» منه، و يراجع مختصره «اللباب» لابن الأثير.

(6) المنتظم 7/ 36- 38.

(7) مثل تاريخ الإسلام 8/ 84- 88، و سير أعلام النبلاء 16/ 88- 92، و العبر 2/ 302، و تذكرة الحفاظ 3/ 925- 929، و دول الإسلام 1/ 220، و ميزان الاعتدال 3/ 670- 671.

(8) الوافي بالوفيات 4/ 240- 241.

36

و ابن كثير في البداية و النهاية (1)، و ابن تغري بردي في النجوم‏ (2)، و السيوطي في طبقات الحفاظ (3)، و ابن العماد في الشذرات‏ (4)، و غيرهم.

و ذكر مترجموه أنه سمع من محمد بن يحيى المروزي، و أبي خليفة الفضل ابن الحباب الجمحي، و جعفر بن محمد الفريابي و غيرهم، و أنه تخرّج بالحافظ ابن عقدة، و برع في الحفظ و بلغ فيه المنتهى حتى قال أبو علي التنوخي: ما شاهدنا أحدا أحفظ من أبي بكر ابن الجعابي، و سمعت من يقول: إنه يحفظ مئتي ألف حديث، و يجيب في مثلها، و أنه كان يفضل الحفاظ الآخرين بأنه كان يسوق المتون بألفاظها، و أكثر الحفاظ يتسمحون في ذلك. و ذكروا أنه كان إماما في معرفة العلل و الرجال و تواريخهم، لم يبق في زمانه من يتقدمه. و قد وصفه الإمام الذهبي بأنه «الحافظ البارع العلامة». و قال الخطيب: سمعت ابن رزقوية يقول: كان ابن الجعابي يمتلئ مجلسه و تمتلى‏ء السكة التي يملي فيها و الطريق، و يحضر الدار قطني، و ابن المظفر، و يملي من حفظه.

و مع كل ذلك أخذوا عليه عدة أمور، من أبرزها: التشيع، حتى قيل إنّ نائحة الرافضة سكينة كانت تنوح في جنازته، و أنّه كان يتهاون في الصلاة، و أنه كان يشرب في مجلس ابن العميد، و أنه تولى قضاء الموصل فلم يحمد في ولايته، و هذه كلها ذكرها الخطيب عن أشياخه. و ذكر محمد بن عبيد اللّه المسبّحي صاحب «تاريخ مصر» أن ابن الجعابي قد صحب قوما من المتكلمين، فسقط عند كثير من أصحاب الحديث، و أنه وصل إلى مصر، و دخل إلى الإخشيد، ثم مضى إلى دمشق، فوقفوا على مذهبه، فشردوه، فخرج هاربا.

____________

(1) البداية و النهاية 11/ 261- 262.

(2) النجوم الزاهرة 4/ 12.

(3) طبقات الحفاظ 375- 376.

(4) شذرات الذهب 3/ 17.

37

و من كل هذا يظهر أن المآخذ التي أخذت عليه لا علاقة لها بعلمه و إتقانه و ضبطه، فقد ذكر أبو علي النيسابوري أنه لم ير في أصحابه أحفظ من أبي بكر ابن الجعابي، هذا و أبو علي النيسابوري هو أستاذ ابن الجعابي، و لذلك قال الخطيب البغدادي معقبا: «حسب ابن الجعابي شهادة أبي علي له أنه لم ير في البغداديين أحفظ منه، و قد رأى يحيى بن صاعد و أبا طالب أحمد بن نصر و أبا بكر عبد اللّه ابن محمد بن زياد النيسابوري و عامة أهل ذلك العصر، و كان أبو علي قد انتهى إليه الحفظ عن الخراسانيين، مع اشتهاره بالورع و الديانة و الصدق و الأمانة» (1).

و مما يثير الانتباه أن ابن الجعابي قد أوصى بأن تحرق كتبه عند موته، فذكر الأزهري أنها أحرقت جميعا، و أحرق معها كتب للناس كانت عنده‏ (2). و تشير روايات أخرى إلى أنّه أحرق كتبه بنفسه أو قبيل وفاته، فقد نقل الذهبي عن ابن شاهين، قال: دخلت أنا و ابن المظفر و الدار قطني على ابن الجعابي و هو مريض، فقلت له: من أنا؟ قال: سبحان اللّه ألستم فلانا و فلانا؟ و سمّانا، فدعونا و خرجنا، فمشينا خطوات، فسمعنا الصائح بموته، و رأينا كتبه تل رماد (3). و نقل عن مسعود السجزي، قال: حدثنا الحاكم، قال: سمعت الدار قطني يقول:

أخبرت بعلة الجعابي، فقمت إليه، فرأيته يحرق كتبه، فأقمت عنده حتى ما بقي عنده سينة، و مات من ليلته‏ (4).

إن هذه النصوص تشير إلى أن كتب ابن الجعابي لم تصل إلى من جاء بعده، و أنها أتلفت. و لعل هذا هو الذي يفسر لنا كيف أن الخطيب لم ينقل من هذا الكتاب، إن وجد، نصا واحدا، و لا أشار إليه في تاريخه مع تداعي همته إلى‏

____________

(1) تاريخ مدينة السلام 4/ 43- 44.

(2) نفسه 4/ 48.

(3) سير أعلام النبلاء 16/ 92.

(4) نفسه 16/ 90- 91.

38

ذكر من هو أقل شأنا منه.

و لم أزل أستعجب من تأخر المؤرخين في التوريخ لرجالات هذه المدينة العظيمة حتى زمن الخطيب البغدادي مع أن رجلا مثل بحشل «ت 292 ه» قد ألّف تاريخا لواسط، و هي لا تعشر بغداد في سعتها و منزلتها و كثرة علمائها و أعلامها. كما أن التواريخ المحلية كانت معروفة قبل هذا التاريخ، مثل تاريخ مصر لابن يونس، و تاريخ أصبهان لأبي الشيخ، ثم لأبي نعيم الحافظ، و تاريخ نيسابور لأبي عبد اللّه الحاكم، و تاريخ الحمصيين لأحمد بن عيسى البغدادي، و تاريخ بخارى لغنجار، و تاريخ المراوزة لمحمد بن حمدوية الهورقاني، و تاريخ سمرقند لأبي سعد عبد الرحمن بن محمد الإسترابادي و غيرها مما ذكره الخطيب نفسه في تاريخه‏ (1).

و ربما كان هذا الإغفال لكون مدينة السلام هي عاصمة الدولة الإسلامية و مقر الخلفاء و الأمراء، و من ثم فإن تاريخها هو التاريخ العام للمسلمين جميعا، فالتواريخ السياسية أكثرها مما يعنى بحاضرة الخلافة. على أن هذا يعكر عليه كون العلماء قد كتبوا في تواريخ العلماء لحواضر أقل منها خطورة مثل واسط، و مرو، و أصبهان، و مصر، و غيرها من البلدان، و من ثم كان «تاريخ مدينة السلام» للخطيب البغدادي في واقع الأمر هو أول كتاب تراجمي عن بغداد مهما قيل عن الكتب الأخرى، فضلا عن أنه أول كتاب يصل إلينا.

ولد أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت المعروف بالخطيب البغدادي في جمادى الآخرة من سنة 392 ه بقرية من أعمال نهر الملك قريبة من بغداد، و ذهب إلى أحد المؤدبين على عادة أهل تلك الأزمان، ثم توجه لسماع الحديث و هو في الحادية عشرة من عمره سنة 403 ه حيث كان والده قد انتقل إلى بغداد.

و أخذ الفقه الشافعي عن شيخه القاضي أبي الطيب طاهر بن عبد اللّه الطبري مدة

____________

(1) ينظر تاريخ مدينة السلام 17/ 830- 831.

39

امتدت لسنوات عديدة. و مع عنايته بالفقه لكنه صرف جماع همته إلى الحديث فتوجه إليه بالكلية، و أصيب بالشره في طلبه و لم يتركه طوال مسيرته العلمية، و اتصل بكبار المحدثين يومئذ و لازمهم مثل ابن رزقوية و أبي بكر البرقاني.

و حين استكمل حديث بلده بدأ رحلات منظمة لطلب العلم، فكانت رحلته الأولى إلى البصرة سنة 412 ه. و توجه في رحلته الواسعة إلى نيسابور سنة 415 ه و دخل الدينور و الري، و أخذ عن شيوخ تلك البلدان. و في سنة 421 ه توجه الخطيب إلى أصبهان قاصدا أبا نعيم الأصبهاني أكبر علمائها يومئذ و ليأخذ عمن بقي فيها من المسندين الكبار، و عاد منها سنة 422 ه حيث استقر ببغداد و قد اكتملت بضاعته العلمية، فاتجه إلى التصنيف، فألف العديد من كتبه، و انتهى قبل سنة 445 ه، و هي السنة التي حج فيها، من تأليف كتابه العظيم «تاريخ مدينة السلام» في نشرته الأولى.

و قد امتحن الخطيب بعد استيلاء البساسيري، أحد أعوان بني عبيد، على مدينة السلام بغداد، مما اضطره إلى ترك موطنه و الهجرة إلى بلاد الشام في منتصف صفر من سنة 451 ه، فتغرب عن مدينة الحبيبة قرابة الأحد عشر عاما قاسى فيها مرارة الغربة (1) حتى عاد إليها في سنة 462 ه و قد بلغ السبعين من عمره، فاستقر في حجرة بباب المراتب جوار المدرسة النظامية يحدّث بتاريخه العظيم، ثم سرعان ما انتقل إلى رحمة اللّه بعد سنة واحدة من عودته فتوفي في ذي الحجة من سنة 463 ه، و دفن بمقابر باب حرب‏ (2).

يتكون تاريخ الخطيب من مئة و ستة أجزاء حديثية، و الجزء كراسة تتكون‏

____________

(1) حين استولى الكفار و أعوانهم على مدينة السلام بغداد في شهر صفر من سنة 1424 ه (نيسان 2003) بدأوا بتصفية أهل العلم و المعرفة تقتيلا و تشريدا، فاضطر الكثير منهم إلى الهجرة، لا سيما الذين تجاوزوا سن الكهولة من أمثالنا.

(2) تنظر مقدمتي لتاريخ مدينة السلام 1/ 17- 39.

40

عادة من عشرين ورقة (أربعين صفحة)، كما نص على ذلك مترجموه، و كما هو موجود في النسخ التي حافظت على تقسيم هذه الأجزاء.

و جعل الخطيب نسخته في أربعة عشر مجلدا، و لكنّ النّسّاخ لم يلتزموا فيما بعد بأن تكون نسخهم بهذا العدد، و هي العادة الجارية في تلك الأعصر أن يحافظ الناسخ على الأجزاء لا على المجلّدات.

ابتدأ الخطيب كتابه بمقدمة عن مدينة بغداد يمكن للباحث أن يلاحظ فيها ثلاثة محاور رئيسة:

الأول تناول فيه أقوال العلماء في أرض بغداد و حكمها و ما حفظ عنهم من الجواز و الكراهة لبيعها، تم تكلّم على السواد و فعل عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فيه، و حكم بيع أرضه، و حدّه و منتهاه، و خبر غارة المسلمين على المنطقة التي أقيمت عليها مدينة السّلام فيما بعد. و تناول بالنقد الأحاديث التي رويت في الثّلب لبغداد و الطّعن على أهلها، و بيّن فسادها و وهاءها. ثم بيّن مناقب بغداد و فضلها و محاسن أخلاق أهلها، كما تطرق إلى نهري دجلة و الفرات و ما فيهما من المنافع. و تكلم المصنف بعد هذا على معنى «بغداد»، و ساق شيئا من سيرة مؤسسها أبي جعفر المنصور.

أمّا المحور الثاني فكان مخصصا للبحث في خطط بغداد، فذكر خبر بناء المدينة المدوّرة، و خططها، و تحديدها، و من تولّى عمارتها، و خبر بناء الكرخ و الرّصافة. ثم تناول محال مدينة السّلام و طاقاتها و سككها و دروبها و أرباضها و من نسبت إليه في الجانبين: الغربي و الشرقي. ثم عرّج على ذكر دار الخلافة و القصر الحسني و التّاج و زيارة سفير الروم أيام المقتدر و ما شاهده فيها، و وصف دار المملكة التي بأعلى المخرّم. و تناول بعد ذلك المساجد الجامعة في جانبي المدينة، و الأنهار و التّرع التي كانت تتخلّلها، و الجسور المقامة على دجلة بين الجانبين، و مقدار مساحة بغداد و ما ذكر عن عدد مساجدها و حمّاماتها، ثم مقابرها المشهورة.

41

و أما المحور الثالث فتناول فيه خبر المدائن و تسمية من وردها من الصحابة.

و قيمة هذه المقدمة التي استغرقت خمسة أجزاء من بين المئة و الستة أجزاء التي تكون منها الكتاب إنما تتبدّى في محورها الثاني الخاص بخطط مدينة السّلام فهو المحور الوحيد اللّصيق بموضوع الكتاب.

أما بقية الكتاب فكله تراجم لأهل بغداد و وارديها، فالتراجم هي أسّ الكتاب، و هو أمر يعكس مفهومه للتاريخ. و قد ذكر الخطيب في مقدمة القسم الخاص بالتراجم أنّ تاريخه هذا يشمل «الخلفاء، و الأشراف، و الكبراء، و القضاة، و الفقهاء، و المحدّثين، و القرّاء، و الزّهّاد، و الصّلحاء، و المتأدبين، و الشعراء من أهل مدينة السّلام الذين ولدوا بها و بسواها من البلدان و نزلوها، و ذكر من انتقل منهم عنها و مات ببلدة غيرها، و من كان بالنواحي القريبة منها، و من قدمها من غير أهلها» (1).

و هذا النّصّ يشير إلى طبيعة التّراجم التي انتقاها الخطيب لتكوّن مادة كتابه بموجب خطة بيّنة المعالم تشمل أربعة فئات من المترجمين:

1- أهل مدينة السّلام الذين ولدوا بها أو بسواها من البلدان و نزلوها فصارت موطنهم.

2- أهل مدينة السّلام الذين ولدوا بها ثم رحلوا عنها فاستوطنوا غيرها من البلدن، و لكنهم ظلّوا ينسبون إليها.

3- أهل المناطق المجاورة لبغداد، مثل المدائن، و عكبرا، و بعقوبا، و الدّور، و سامرّا، و النّهروان، و الأنبر، و دير العاقول، و نحوها.

4- الغرباء الذي قدموا بغداد، و حدّثوا بها أو استوطنوها.

و يلاحظ من النّص الذي نقلناه قبل قليل، و من دراستنا لطبيعة التّراجم التي انتقاها الخطيب أنّه استبعد من تاريخه الكثير من أعلام بغداد من المتكلمين‏

____________

(1) تاريخه 2/ 5.

42

الكبار، و الحسّاب، و المهندسين، و الأطباء، و الصّيادنة، و الفلكيين، و الأمراء، و القوّاد، و أرباب الصنائع من البنّائين و المعماريين و كبار التّجّار و المموّلين و نحوهم، فكان تركيزه على الطبقة المثقفة بمنظاره هو، و هم رواة الحديث و الفقهاء و القضاة و بعض الشعراء و المتأدبين إضافة إلى الخلفاء و بعض المشهورين من أرباب السياسة، فاجتهد أن يذكر في كتابه كل محدّث حدّث ببغداد مهما ضعف شأنه و قلّ خطره، لم يترك من ذلك أحدا وقف عليه، بل وجدنا تراجم لا يعرف عنها شي‏ء سوى ورودها في إسناد رواية، أو ذكرت في معجم لأحد الشيوخ مثل أبي القاسم ابن الثّلّاج أو ابن جميع الصّيداوي، أو مما أخبر به أحد شيوخه ممن اتصلوا بهم، و لم يجد المصنّف في كثير من هذه التراجم مادة يذكرها سوى هذا النّزر اليسير، في الوقت الذي أهمل فيه ذكر تراجم خطيرة لغير أمثال هؤلاء أو قصّر فيها تقصيرا بيّنا.

أما إدخال المصنّف لتراجم أهل المناطق المجاورة لبغداد في الخطة العامة للكتاب فهو صنيع لم أفهمه جيدا، و لم أجد له مبررا سوى توسيع الدائرة و الاستكثار، فإن قال قائل: إنه افترض أنّ أمثال هؤلاء لا بد أن يكونوا قدموا بغداد يوما ما لقربهم منها، فهو مردود بذكره بعض من لم يدركوا بناء بغداد من الصحابة و التابعين، من مثل أولئك الذين قدموا مع عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه إلى النّهروان و مروا بالمدائن و غيرها، بله ذكره الصّحابة الذين نزلوا المدائن، و هي تبعد عن بغداد أكثر من خمسة و عشرين كيلوا مترا، فكأنه استخسر أن يخلو هذا الكتاب الوسيع من ذكر الصّحابة الكرام الذين هم صفوة الخلق بعد الأنبياء و المرسلين. أما سامرا فتبعد عن بغداد قرابة المئة و عشرين كيلو مترا، و مثلها الأنبار و القرى المصاقبة لهما. فهذا في رأينا شي‏ء خارج عن نطاق الموضوع الذي يتناوله الكتاب، لكنه رأي ارتآه المصنّف، و هو المسؤول عنه، مع تقصيره في ذكر رجالات بغداد و علمائها من خارج الوسط الدّيني و الأدبي و السياسي.

43

لقد ذكر الخطيب في المقدّمة الخاصة بخطط بغداد القصور الفخمة و العمائر العظيمة في دار الخلافة لكنه لم يذكر المهندسيين الذين أبدعوا تلك المرافق التي حيّرت الألباب في هندستها و تصاميمها و تنفيذها من البرك الجميلة، و التّماثيل الرائعة، و الدّهاليز الفخمة. و ذكر أن مهندسين وزنوا ماء الخالص حتى أدخلوه إلى الجانب الشّرقي من بغداد، لكنه لم يذكر لنا واحدا منهم، و يصح ذلك على مئات الأطباء و الصّيادنة و الصّناعيين الذين أبدعوا آلات الجراحة مثلا حيث لم يتضمن الكتاب ترجمة أي واحد منهم.

من هنا ينبغي أن ندرك بأنّ تراجم «تاريخ مدينة السلام» عنيت بشرائح معينة من المجتمع البغدادي حسب، و أن المصنّف أسقط كثيرا من تراجم النّخبة الذين وجدهم، بناء على تكوينه الفكري و ثقافته، غير جديرين بالذّكر و التدوين، مما يتعين على الدارسين أخذ ذلك بنظر الاعتبار، فهو في حقيقته لا يصوّر الحركة الفكرية ببغداد في المدة التي تناولها تصويرا حقيقيا و أمينا، بل قد يعطي مفهوما معكوسا و يكوّن تصورا في ذهن القارئ، و كأن ليس ببغداد إلا المحدّثين و الفقهاء، و الصّوفية و بعض الشعراء و الأدباء، حتى بلغ الأمر به أن ترجم لمن يتعاطى الكدبة بسبب أنّه سمع منه وريقات بإسناد نازل، قال في ترجمة الحسين ابن الحسن بن أحمد الجواليقي المعروف بابن العريف: «كتبنا عنه، و كان شيخا فقيرا يسأل النّاس في الطّرقات، فلقيناه ناحية سوق باب الشام، و دفع إليه بعض أصحابنا شيئا من الفضة، و قرأت عليه أوراقا من كتاب لبعض أصحابنا كان كتبه عنه، و ذلك في سنة ثمان و أربع مئة» (1). و قد صارت هذه عادة لمن جاء بعده و نهج نهجه كأبي سعد السمعاني و ابن الدبيثي و ابن النجار و نحوهم.

أما الغرباء فقد وضّح المصنّف الأسس التي انتقى بموجبها تراجم هؤلاء الغرباء، فقال: «و لم أذكر من محدّثي الغرباء الذين قدموا مدينة السلام و لم يستوطنوها سوى من صحّ عندي أنّه روى العلم بها. فأمّا من وردها و لم يحدّث‏

____________

(1) تاريخه 8/ 560.

44

بها فإني أطرحت ذكره و أهملت أمره؛ لكثرة أسمائهم و تعذّر إحصائهم، غير نفر يسير عددهم، عظيم عند أهل العلم محلهم، ثبت عندي ورودهم مدينتنا و لم أتحقّق تحديثهم بها، فرأيت أن لا أخلي كتابي من ذكرهم لرفعة أخطارهم، و علوّ أقدارهم» (1).

و يذكر المصنّف عادة فيما إذا كان المترجم قد مرّ ببغداد مرورا عابرا، كأن يكون قدمها و هو في طريقه إلى الحجّ، أو أنه قدمها ليسمع من شيوخها، أو يحدّث فيها، أو أنه قدمها دفعة واحدة أو دفعات عدّة، أو أنّه قدمها ليستوطنها، و هو غالبا ما يذكر في الحالة الأخيرة المحلة أو المكان الذي استقرّ به ببغداد.

و قد خلط الخطيب الغرباء القادمين إلى بغداد بأهلها، و هي طريقة سار عليها بعض المؤلفين السابقين له أو الذين جاءوا بعده ممن ألفوا في تواريخ المدن، لكنّ بعض المؤلفين اتبعوا طريقة الفصل فذكروا أهل البلد ثم ألحقوا بهم الغرباء كما فعل العلامة أبو سعيد بن يونس في «تاريخ مصر» حيث ذكر المصريين على حدة و الغرباء الذين دخلوا مصر على حدة، أو كما فعل ابن الفرضي في كتابه «تاريخ علماء الأندلس» و من ذيّل عليه كابن بشكوال في «الصلة» و ابن الأبار في «التكملة» حيث ذكروا كلّ حرف من أهل البلد ثم أتبعوه بالغرباء الذين حدّثوا بها (2).

و قد طبع تاريخ الخطيب لأول مرة بمطبعة السعادة بالقاهرة سنة 1931 م طبعة سقيمة مليئة بالتصحيف و التحريف و السقط استنادا إلى مخطوطة سقيمة متأخرة محفوظة في مكتبة كوبرلي بإستانبول و على الأجزاء المحفوظة بمكتبة الأزهر، و هي من نسخة جيدة نسخت عن النسخة التي كانت موقوفة بالسّميساطية، ظنا منهم أنها هي نسخة السّميساطية، و على جزء صوّره لهم‏

____________

(1) تاريخه 2/ 5.

(2) تنظر مقدمتنا لتاريخ مدينة السلام 1/ 75- 79.

45

المستشرق الألماني هلموت ريتر سدوا به نقصا كان في نسخة كوبرلي، و جزء واحد من آخر الكتاب محفوظ بدار الكتب المصرية، تاركين جميع النسخ الأصلية و العتيقة التي نسخت في المئة السادسة و غيرها من النسخ. و الظاهر أن القائمين على نشر الكتاب قد كلّفوا أحد النساخ المصريين بنسخ الكتاب و طبعوه اعتمادا على ما نسخ مع ما وقع فيه هذا الناسخ من أخطاء في القراءة و رسم بعض الحروف. كما أن القائمين على تصحيح الكتاب لم يعتنوا بمقابلة المنسوخ على الأصل المنتسخ منه، فسقطت مئات الجمل و الكلمات و الفقرات في مطبوعتهم مما هو موجود فيما اعتمدوه، فضلا عن أن الناشرين قد وسّدوا تصحيح الكتاب إلى أناس غير متخصصين بموضوع الكتاب، فكثرت الأخطاء و انتشر التصحيف و التحريف و السقط فيها بحيث سقطت قيمتها، كما نوّه بذلك عدد من أهل العلم، منهم الأستاذ الدكتور أكرم العمري حين قال: «إن مواضع السقط كثيرة ... و أما الأخطاء التي وقعت في طبعة تاريخ بغداد فكثيرة، منها ما يتعلق بتصحيف الأسماء و قلبها و اختلاط إسناد رواية بإسناد رواية أخرى مع سقط الرواية الأولى، أو سقوط اسم وسط السند، و غير ذلك» (1). و منهم الأستاذ الفاضل الدكتور خلدون الأحدب حيث قال: «إن هذه النسخة المطبوعة من تاريخ بغداد كما هو معروف عند أهل العلم و الباحثين، فيها من أنواع التصحيف و التحريف و السقط و القلب ما يوجب الرجوع إلى النسخ الخطية منه، لتقويم النصوص و استدراك ما يكون فيها من سقط» (2).

و قد وفقنا اللّه سبحانه و تعالى إلى تحقيق هذا الكتاب الجليل بمعاونة صديقنا الفاضل الأستاذ الحاج حبيب اللمسي صاحب «دار الغرب الإسلامي» حين وظف لهذا المشروع، كما هو دأبه أبدا، إمكاناته المادية و الأدبية خدمة

____________

(1) العمري: موارد الخطيب 87 هامش 1.

(2) تنظر مقدمته لدراسته النافعة: زوائد تاريخ بغداد على الكتب الستة 1/ 13.

46

لتراث أمتنا فظهر في سبعة عشر مجلدا ضخما، فكانت أول نشرة علمية محققة على نسخ من المدينة المنورة، و القاهرة، و تونس، و الجزائر، و إستانبول، و باريس، و لندن، و إيرلندا. و قد وثقنا النص بالإشارة إلى مناجم الكتاب و تتبعها و العزو إلى المصادر التي اقتبست منه، و مقابلة نص الخطيب بموارده و بمن نقل عنه و تثبيت الاختلافات الأساسية، فضلا عن تفصيل النص بما يظهر معانيه و دلالاته و ضبطه بالحركات، و بيان ما وقع فيه من أوهام. ثم تخريج أحاديث الكتاب التي أربت على خمسة آلاف حديث مرفوع و موقوف تخريجا مستقصيا مع بيان عللها الظاهرة و الخفية و الكلام عليها تصحيحا و تضعيفا، و عملنا له الفهارس المتنوعة التي تضمنها المجلد السابع عشر مما ييسر الإفادة من الكتاب على أحسن وجه، فنال هذا العمل رضا أهل العلم و تقديرهم بحيث قال العلامة المحقق المدقق الأستاذ يوسف الهادي: «لقد بلغ المحقق بطبعته هذه لتاريخ مدينة السلام الصادرة عن دار الغرب الإسلامي أقصى ما استطاعه من دقة و ضبط في عمل سيخلد اسمه في عالم التحقيق، كما هو حاله في أعماله الأخرى و أهمها تهذيب الكمال» (1).

و ممن ذيّل على تاريخ الخطيب أبو البركات هبة اللّه بن المبارك بن موسى ابن علي بن يوسف السّقطي المحدث الرّحال المولود في سنة 445 ه و المتوفى سنة 509 ه (2).

و كان أبو البركات السّقطي من طلاب العلم المجدين في الطلب، سمع‏

____________

(1) من مقال له- حفظه اللّه- في صحيفة الوسط.

(2) تنظر ترجمته عند السمعاني في «السقطي» من الأنساب، و ابن الجوزي في المنتظم 9/ 183، و ابن النجار في التاريخ المجدد كما في المستفاد، الترجمة 193، و الذهبي في تاريخ الإسلام 11/ 131، و سير أعلام النبلاء 19/ 282، و العبر 4/ 19، و ميزان الاعتدال 4/ 26، و اليافعي في مرآة الجنان 3/ 198، و ابن كثير في البداية و النهاية 12/ 179، و ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة 1/ 114- 115، و ابن حجر في لسان الميزان 1/ 114، و العيني في عقد الجمان 15/ الورقة 705، و ابن العماد في شذرات الذهب 4/ 26.

47

الحديث ببلده بغداد، و رحل إلى واسط، و البصرة، و الكوفة، و الموصل، و أصبهان، و الجبال و بالغ في الطلب و تعب في جمع الحديث و كتابته، و كان مجدا في الطلب و السماع و البحث عن الشيوخ و إظهار مسموعاتهم، و القراءة عليهم، و قد أثنى عليه المحدث الكبير أبو طاهر السّلفي المتوفى سنة 576 ه و عدّه من أكابر الحفاظ الذين أدركهم.

إلا أن الشره في الطّلب أدى به إلى ادعاء السماع من شيوخ لم يسمع منهم و لا يتحمل سنه السماع منهم، فقال عنه أبو سعد السمعاني: «لم يكن موثوقا به فيما ينقله، و كان شيخنا أبو الفضل محمد بن ناصر الحافظ يقول: أبو البركات السّقطي من سقط المتاع» (1) و قال الإمام الذهبي: «أبو البركات ابن السقطي، هبة اللّه بن المبارك البغدادي، أحد المحدثين الضعفاء ... كذّبه ابن ناصر» (2).

قال زين الدين ابن رجب: «جمع لنفسه معجما لشيوخه في نحو ثمانية أجزاء ضخمة، و جمع تاريخا لبغداد ذيّل به على تاريخ الخطيب» (3).

و معجم شيوخه معروف مذكور، ذكره غير واحد ممن ترجم له حتى قال الذهبي في السير «صاحب المعجم الضخم» (4)، و نقل منه المؤرخون و منهم ابن الدّبيثي في هذا الكتاب‏ (5). إلا أن كتابه الذي ذيّل به على تاريخ الخطيب لم يكن معروفا عند المؤرخين الذين ترجموا له أو الذين جاءوا بعده و كان من المفترض أن ينقلوا منه. على أن ابن الجوزي أشار في ترجمته إلى عنايته بالتاريخ فقال:

«فجمع الشيوخ و خرّج التاريخ و أرّخ لكنه أفسد ذلك بأن ادعى سماعا ممن لم‏

____________

(1) الأنساب «السقطي».

(2) العبر 4/ 19.

(3) الذيل على طبقات الحنابلة 1/ 114.

(4) سير أعلام النبلاء 19/ 282.

(5) ذيل تاريخ مدينة السلام 1/ 420، 442، 535 و 2/ 299 و 3/ 186، 223، 229، 302، 325، 363، 371، 389 و 4/ 128 و 419، 484، 547.

48

يره» (1) و لم يشر إليه السمعاني في الأنساب، و لا ابن النجار في التاريخ المجدد مع عنايته بالتواريخ التي هي أقل شأنا من تاريخه هذا، مما يدل على خموله أو انعدامه في عصره، و قد قال الإمام الذهبي في تاريخ الإسلام: «جمع الشيوخ، و خرّج الفوائد، و قيل: إنّه ذيّل على تاريخ الخطيب و ما ظهر ذلك، و له معجم في مجلد» (2)، فانظر إلى تصدير الذهبي باللفظة التمريضية «و قيل» ثم قوله بعد ذلك: «و ما ظهر ذلك»، و إنما قال ذلك لعدم وقوفه على هذا «الذيل» المزعوم، و لا وجد أحدا من المؤرخين الذين جاءوا بعده ينقل منه أو يشير إليه، و عبارة الذهبي بكل حال أكثر دقة من عبارة ابن رجب الذي جزم بوجود هذا «الذيل» فلعله كتب مسودة ثم تركها، فلم يعبأ بها أحد.

و من ثم يمكن القول أنّ أول من ذيّل على تاريخ الخطيب هو الحافظ أبو سعد عبد الكريم بن محمد التّميمي السّمعاني، و هو من عائلة علمية معروفة بمشرق العالم الإسلامي، ولد بمرو في شعبان سنة 506 ه و توفي بها في سنة 562 ه، و له مصنفات مشهورة طبع الكثير منها. و لكن هذا «الذّيل» لم يصل إلينا فيما أعلم، إذ لا نعرف عنه اليوم شيئا سوى أقسام اختصرها ابن منظور صاحب «اللسان» (3)، و تراجم اختارها منه الفتح بن عليّ البنداري في كتابه «تاريخ بغداد» (4)، و يبدو أنه كان بحجم تاريخ الخطيب أو أقل قليلا، فقد ذكر الحافظ ابن النجار أنه في أربع مئة طاقة، و ذكر أن كتاب «الأنساب» في ثلاث مئة و خمسين طاقة (5)، و قد طبع «الأنساب» في اثني عشر مجلدا متوسطا. و حين ذكر السخاوي أن تاريخ الخطيب في عشر مجلدات، ذكر في الوقت نفسه أن ذيل‏

____________

(1) المنتظم 9/ 183.

(2) تاريخ الإسلام 11/ 131.

(3) عندي قطعة منه بخط ابن منظور، مصورة.

(4) منه مجلد في دار الكتب الوطنية بباريس بخطه (رقم 6152 عربيات).

(5) الذهبي: سير 20/ 460- 461.

49

السّمعاني في «عشر مجلدات فأقل» (1). و مما يؤسف عليه ضياع هذا «الذيل» النفيس الذي أكثر المؤرخون النقل منه لا سيما الإمام الذهبي في «تاريخ الإسلام» و غيره مع أن نسخه كانت كثيرة كما يبدو فقد ذكر تاج الدين السّبكي المتوفى سنة 771 ه أنه كانت عنده منه نسختان، قال في ترجمة محمد بن عبد الكريم الشّهرستاني من طبقاته الكبرى: «و وقفت على الذّيل و عندي منه نسختان، فلم أجد في الترجمة زيادة على ما حكيت» (2).

و قد تضمّن الذيل الذي ألفه أبو سعد السمعاني ثلاثة أنواع من المترجمين:

1- التراجم التي استدركها على الخطيب ممن لم يذكرهم و هم من شرطه الذي بيّنه في مقدمة كتابه.

2- التّراجم التي ذكرها الخطيب و لم يذكر وفيات أصحابها، لتأخرها في الأغلب الأعم عن وفاة الخطيب، فأعاد الترجمة و أضاف إليها، و ذكر وفيات أصحابها.

3- التراجم التي نجمت بعد الخطيب و إلى قريب من وفاته. و هو مثل الخطيب قد ذكر بعض المعاصرين له، و هم في الحياة، فتأخرت وفياتهم؟؟؟ عن تاريخ وفاته.

و يتبين من التراجم التي اقتبسها البنداري في «تاريخ بغداد» أنه سار على خطة الخطيب في الأغلب الأعم. لكن صياغته لعناصر الترجمة أجود من الخطيب لغة و سبكا.

و ذيّل على أبي سعد ابن السمعاني الحافظ جمال الدين أبو عبد اللّه محمد ابن سعيد الواسطي المعروف بابن الدبيثي المتوفى سنة 637 ه، مؤلف كتابنا هذا، و سنفصّل القول في منهجه في فصل خاص من هذه المقدمة.

____________

(1) الإعلان بالتوبيخ 622.

(2) الطبقات الكبرى 6/ 129.

50

و ممن ذيل على ابن السمعاني أيضا أبو الحسن محمد بن أحمد بن عمر القطيعي المتوفى سنة 634 ه (1) و هو أول شيخ للحديث بالمدرسة المستنصرية (2). و قد ذكره و ذكر تاريخه هذا جمال الدين ابن الدّبيثي، فقال:

«و كتب بخطه و رحل إلى الشام ... و جمع تاريخا لبغداد ذكر فيه محدثيها و غيرهم، لم أقف عليه» (3)، مما يدل على أنه ألّف هذا الذيل قبل أن يؤلف ابن الدّبيثي كتابه.

و ذكر تاريخه هذا زكي الدين المنذري، فقال: «و جمع تاريخا للبغداديين» (4). و ذكر ابن نقطة أنه ما أظهره‏ (5)، و زعم الذهبي أنه لم يتممه‏ (6)، و لكن قال زين الدين بن رجب: «و جمع تاريخا في نحو خمسة أسفار، ذيّل به على تاريخ أبي سعد ابن السّمعاني سماه «درّة الإكليل في تتمة التذييل» رأيت أكثره بخطه، و قد نقلت منه في هذا الكتاب كثيرا، و فيه فوائد جمّة مع أوهام و أغلاط» (7). و ذكر صلاح الدين الصّفدي أنه ذيّل على كتاب التاريخ الذي عمله أبو سعد ابن السمعاني و أذهب عمره فيه، و نقل عن محب الدين ابن النجار قوله:

«و طالعته فرأيت فيه من الغلط و الوهم و التّصحيف و التّحريف كثيرا أوقفته على وجه الصواب فيه فلم يفهمه، و قد نقلت عنه أشياء و نسبتها إليه، و لا يطمئن قلبي إليها، و العهدة عليه فيما قاله، فإنه لم يكن محققا فيما ينقله و يقوله، عفا اللّه عنا

____________

(1) انظر ترجمته و مصادرها في تكملة المنذري (3/ الترجمة 2723 بتحقيقنا)، و في وفيات سنة (634) من تاريخ الإسلام، بتحقيقنا، و في السير 23/ 1008 بتحقيقنا.

(2) ينظر كتاب عمي العلامة الدكتور ناجي معروف: تاريخ علماء المستنصرية 1/ 324.

(3) تاريخ ابن الدبيثي 1/ الترجمة 57 بتحقيقنا.

(4) التكملة 3/ الترجمة 2723.

(5) التقييد 58.

(6) الذهبي: تاريخ الإسلام 14/ 154.

(7) ابن رجب: الذيل 2/ 212.

51

و عنه» (1). و ذكر ابن رجب أنّ ابن النجار قد بالغ في الحط على تاريخ القطيعي مع أنه نقل منه أشياء كثيرة، بل نقله كلّه. و يعزو ابن رجب هذه الخصومة إلى تعيين القطيعي شيخا للحديث بالمدرسة المستنصرية عند افتتاحها، بينما كان ابن النجار مفيدا للطلبة فيها حسب، و نقل عن عمر ابن الحاجب أنه أثنى على هذا التاريخ، و قال: «وقفت على تراجم من بعضه فرأيته قد أحكمها، و استوفى في كلّ ترجمة ما لم يعمله أحد في زمانه يدل على حفظه و إتقانه و معرفته بهذا الشأن» (2).

و مما يؤسف عليه أن يضيع هذا الكتاب، لكن جمهرة المؤرخين المعنيين بهذا الشأن قد أكثروا النقل منه، منهم ابن النجار في «التاريخ المجدد»، و ابن الفوطي في «تلخيص مجمع الآداب»، و الذهبي في «تاريخ الإسلام»، و ابن رجب في «الذيل على طبقات الحنابلة»، و غيرهم.

و ممن ذيّل على تاريخ الخطيب الإمام الحافظ المفيد محدث بغداد أبو الفضل أحمد بن صالح بن شافع بن صالح بن حاتم الجيلي ثم البغدادي المعدّل المتوفى سنة 565 ه، قال ابن النجار: «كان حافظا متقنا، ضابطا محققا، حسن القراءة، صحيح النّقل، ثبتا حجة، نبيلا، ورعا متدينا تقيا، متمسكا بالسّنّة على طريقة السّلف. و صنّف تاريخا على السنين بدأ فيه بالسّنة التي توفي فيها أبو بكر الخطيب، و هي سنة ثلاث و ستين و أربع مئة إلى بعد الستين و خمس مئة، يذكر السنة و حوادثها و من توفي فيها، و يشرح أحوالهم، و مات و لم يبيضه. و قد نقلت عنه من هذا الكتاب كثيرا»، ثم قال ابن رجب: «و أنا فقد نقلت من تاريخ ابن شافع في هذا الكتاب فوائد مما وقع لي منه، فإنه وقع لي منه عدة أجزاء من منتخبه لابن نقطة» (3)، و قال الذهبي: «ذيّل على تاريخ الخطيب على السّنين إلى‏

____________

(1) الصفدي: الوافي 2/ 130. و انظر الذهبي: سير 23/ 9- 10.

(2) الذيل 2/ 212- 213.

(3) الذيل 1/ 312.

52

بعد الستين و خمس مئة» (1).

و يحق للقارئ أن يسأل: كيف يمكن أن يكون كتابا مرتبا على السّنين ذيلا لكتاب مرتب على حروف المعجم؟ و جواب ذلك فيما نرى ينبغي أن يفهم في إطار مفهوم «التاريخ» الذي ساد بين المحدثين، و هو أنّ التاريخ عندهم يعني التراجم، فقد نظم الخطيب تاريخه على حروف المعجم ثم على الوفيات، و في أثناء تراجمه حوادث تاريخية لا سيما في تراجم الخلفاء و الوزراء و أرباب الإدارة، و ما أيسر أن يعاد تنظيمه على السّنوات لو أراد أي أحد ذلك، فما عليه إلا أن يذكر التّراجم في وفيات كلّ سنة، كما فعل الإمام الذهبي في كتابه «تاريخ الإسلام» مثلا. و لما كان تاريخ ابن شافع أكثره تراجم، فإنه ارتأى أن تنظيم تراجمه على السّنوات مع فصل الحوادث عنها أفضل، و لذلك لم يفرّق المؤرخون في هذه الأعصر بين التنظيمات، و إنما لاحظوا نوعية المعلومات التي حواها كل تاريخ، و هي مسألة تنطلق من مفهوم كل مؤرخ للتاريخ و الغاية منه.

و ممن ذيّل على تاريخ الخطيب أيضا مؤرخ بغداد و محدّثها محب الدين أبو عبد اللّه محمد بن محمود بن الحسن بن هبة اللّه المعروف بابن النجار البغدادي المتوفى سنة 643 ه، سمّاه: «التاريخ المجدد لمدينة السلام و أخبار فضلائها الأعلام و من وردها من علماء الأنام»، جمع فيه بين ذيلي ابن السّمعاني و ابن الدّبيثي، و أفاد من كتاب القطيعي و غيره من الكتب.

و قد ترجم لابن النجار ياقوت الحموي و توفي قبله بسبعة عشر عاما، و ذكر تاريخه هذا، فقال: «صاحبنا الإمام محب الدين ابن النجار البغدادي الحافظ المؤرخ الأديب العلّامة أحد أفراد العصر الأعلام. ولد في بغداد في ذي القعدة سنة ثمان و سبعين و خمس مئة، و سمع .. و استمرت رحلته سبعا و عشرين سنة، و اشتملت مشيخته على ثلاثة آلاف شيخ. و كان إماما حجة ثقة حافظا مقرئا أديبا

____________

(1) السير 20/ 573.

53

عارفا بالتاريخ ... و له التصانيف الممتعة منها: تاريخ بغداد ذيّل به على «تاريخ مدينة السلام» للحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي و استدرك فيه عليه، و هو تاريخ حافل دلّ على تبحره في التاريخ و سعة حفظه للتراجم و الأخبار» (1).

إنّ عنوان الكتاب يشير إلى ما استجد من تراجم بعد تاريخ الخطيب. و يبين النص الذي نقلناه من معجم الأدباء لياقوت الحموي أنّ ابن النجار قد ألّف تاريخه هذا منذ فترة مبكرة تعود إلى ما قبل وفاة ياقوت الحموي سنة 626 ه كما نقل الذهبي في مقدمة كتابه أنه قال: «كنت و أنا صبي عزمت على تذييل الذيل لابن السّمعاني، فجمعت في ذلك مسودة، و رحلت ... و كنت كثير التتبع لأخبار فضلاء بغداد و من دخلها» (2). و مما لا شك فيه أن المصنف قد أضاف الكثير إليه بعد هذا التاريخ، فقد ذكر كثيرا من التّراجم التي توفي أصحابها بعد سنة 640 ه و بعض الأخبار التي أعقبت وفاة ياقوت الحموي، و هو أمر واضح لمن يطالع تاريخه.

و ذكره و ذكر كتابه هذا كمال الدين ابن الشّعّار الموصلي المتوفى سنة 654 ه فقال بعد أن ترجم له ترجمة رائقة: «و هو اليوم إمام مدينته و حافلها و عالمها في الحديث و فاضلها يشار إليه في فضله و معرفته ... و له: التاريخ المجدد لمدينة السلام و أخبار علمائها الأعلام و من وردها من فضلاء الأنام» (3).

و قال الشريف عز الدين الحسيني: «و كان أحد الحفاظ المشهورين عارفا بالصناعة الحديثية» (4).

____________

(1) معجم الأدباء 6/ 2644.

(2) الذهبي: سير 23/ 132.

(3) عقود الجمان 6/ الورقة 218- 220 (من نسختي المصورة).

(4) صلة التكملة، الورقة 36 (من نسختي المصورة بخطه).

54

و كان تاريخ ابن النجار تاريخا حافلا، ذكر الإمام الذهبي في «تذكرة الحفاظ» أنه في ثلاث مئة جزء (1)، و ذكر في «السير» أنه في مئتي جزء (2)، و ما أظنه أصاب في أي منهما، و لعله كان يتكون من مئتين و أربعين جزءا، إذ أن آخر ما في المجلد العاشر المحفوظ بالمكتبة الظاهرية بدمشق هو الجزء الستون بعد المئة، و هو من نسخة تتكون من خمسة عشر مجلدا، كما سيأتي بيانه بعد قليل، فإن المجلدات الخمسة الباقية لا بد أن تحتوي على ثمانين جزءا.

أما عدد مجلدات الكتاب فتختلف باختلاف النساخ، فقد ذكر تلميذه و صديقه تاج الدين عليّ بن أنجب المعروف بابن الساعي البغدادي خازن الكتب بالمدرسة المستنصرية و المتوفى سنة 674 ه أنه قرأ عليه هذا الكتاب و أنه كان في ستة عشر مجلدا (3)، و كذا ذكر مؤلف الكتاب المسمى بالحوادث‏ (4) و ابن كثير (5) و هما ينقلان عادة من تاريخ ابن الساعي. فلعل هذه النسخة هي نسخة المؤلف التي بخطه. و ذكر شمس الدين السخاوي أنه في «سبعة عشر مجلدا (كذا) بخط الجمال ابن الظاهري في الأوقاف التي بجامع الحاكم، و فقد بعضه» (6)، لكنه ذكر في موضع آخر أنه في خمسة عشر مجلدا، و هو الأصوب، فقد فصّل القول في الضائع منه، فذكر عند الكلام على الكتاب الذي شرع في تأليفه و أصّله من «تاريخ الإسلام» للذهبي أنه استوفى عليه مجموعة من الكتب ذكر بعضها و قال: «و اليسير من «تاريخ بغداد» للخطيب، و المجلد الثاني و الثالث من «الذيل» عليه لابن النجار و أولهما محمد بن حمزة بن عليّ بن طلحة بن علي،

____________

(1) الذهبي: تذكرة الحفاظ 4/ 1428.

(2) الذهبي: سير أعلام النبلاء 23/ 132.

(3) الذهبي: تذكرة الحفاظ 4/ 1429، و تاريخ الإسلام 14/ 480.

(4) كتاب الحوادث 245 (بتحقيقنا).

(5) البداية و النهاية 13/ 169.

(6) الإعلان بالتوبيخ 622.