رحلة أبي طالب خان إلى العراق و أوروبة

- أبو طالب بن محمد الأصفهاني المزيد...
301 /
5

الإهداء

إلى أصدقاء خالي مصطفى جواد الأوفياء

و الّذين لم ينسوا فضله و علمه.

كانوا و ما زالوا يذكرون مآثره على الدوام‏

أهدي هذا الكتاب‏

حسين إبراهيم السمّاك‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

حياة العلامة الدكتور مصطفى جواد في سطور بقلم: سالم الآلوسي‏

روعت الأوساط العلمية و الأدبية بإعلان نبأ وفاة صديقنا العلامة الجليل و المؤرخ الثبت و الأديب الضليع الدكتور (مصطفى جواد) مساء يوم الأربعاء 7 شوال 1389 ه الموافق 17 كانون الأوّل 1969 م بمرض القلب الّذي أبتلي به قرابة أربع سنين، و بالرغم من وطأة مرضه و حاجته إلى المعالجة و الراحة، و اصل الفقيد جهود في التأليف و البحث و الترجمة فلم يقعده المرض و لم تثنه عن عزمه شدّة الآلام، و لما شعر الفقيد بدنو أجله كان يتحامل على نفسه مرددا البيت التالي:

كأن فؤاده كرة تنزى‏* * * حذار البين لو نفع الحذار

فكنت تراه يدخل المكتبة ليؤلف كتابا في تاريخ كان قد بدأ به، أو يترجم كتابا يرى فيه فائدة تاريخية، أو يدبج مقالة يجد فيها طرافة لغوية، و كثيرا ما كان يردّد عليّ قوله: «الموت سنة اللّه في خلقه، و أمنيتي أن أنجز قبل أن أموت، بعض البحوث و المؤلفات الّتي أراها نافعة للمؤرخين و الأدباء و الباحثين».

*** و من بين تلك الكتب الّتي تناول تعريبها من الفرنسية هذا الكتاب الّذي يجده القارئ الكريم بين يديه «رحلة أبي طالب خان» و قد زرناه عصر يوم من الأيّام من أيّام ربيع 1969 م الاستاذان جعفر الخليلي، و فؤاد عباس‏

8

و أنا، فوجدناه- (رحمه اللّه)- طلق المحيا رضي النفس فقلنا له: الحمد للّه صحتك جيدة! فأجابنا: كلا: يا أيّها الاخوان الأعزاء، صحتي ما زالت بتدهور مستمر، و آلامي تتزايد فلم يبق- بعد أن عجز الأطباء- إلا رحمة اللّه، و إذا ما وجدتموني فرحا مستبشرا، فقد أعانني اللّه على الفراغ من ترجمة «رحلة أبي طالب خان» و لم يبق أمامي إلا سيرة هذا الرجل، و قد أعياني البحث في المظان و المراجع المتوفرة بمكتبتي فلم أعثر على ترجمة له، ثمّ التفت- رح- إلى الأستاذ جعفر الخليلي و رجاه أن يبحث له في المصادر الفارسية علّه يجد «ما يروي الغلة و يشفي العلة» كما قالها- (رحمه اللّه)- ضاحكا.

إن فقد العلامة أبي جواد، خسارة لا تعوض، و تلبية لطلب ابن أخته، السيّد حسين إبراهيم السمّاك، الّذي أشرف على طبع هذه الرحلة، بتدوين سيرة الفقيد رأيت أن أقدم هذه النبذة الموجزة الّتي جعلتها بشكل مسرد تاريخي، لتصدير الكتاب بها، تاركا أمر كتابة سيرته مفصلة، و قد بدأتها، إلى وقت قريب إن شاء اللّه.

1904 م- ولد الفقيد في محلة «عقد القشل» ببغداد، في جانب الرصافة إلا أنني أعتقد أن تاريخ ولادته أسبق من هذا بسنتين كما هو مثبت على (دفتر هويته) الصادر عام 1924 عندما كان معلما في الناصرية في هذه السنة. و كان والده جواد بن مصطفى ابن إبراهيم، الّذي ينحدر عن عائلة تركمانية، كما صرح لي في عدّة مناسبات، خياطا بسوق الخياطين المجاور لخان مرجان (دار الآثار العربية اليوم).

أمّا أمّه فهي هدية بنت طالب من عائلة عربية.

- انتقل مع والده الّذي كف بصره إلى قضاء دلتاوة (الخالص اليوم) بمحافظة ديالى.

- درس القرآن الكريم، عند كتاب معلمة تعرف: (الملة صفية).

- دخل مدرسة دلتاوة الابتدائية الّتي كانت تسمّى ب (المكتب) يومذاك.

9

1917- دخل الجيش الإنكليزي المحتل «دلتاوة» و كانت هذه السنة آخر أيّام دراسته في العصر العثماني.

بعد وفاة والده، اضطر إلى الانقطاع عن الدراسة، فاشتغل مع أخيه الأكبر- كاظم- في إدارة بساتين والده في «دلتاوة».

- بعد عودته إلى بغداد أدخله أخوه «كاظم» المدرسة الجعفرية و منها انتقل إلى مدرسة باب الشيخ الابتدائية، الّتي كان مديرها أيّامئذ المرحوم السيّد هاشم الآلوسي.

1920- عاد إلى دلتاوة بسبب ضيق حالته المعاشية للانتفاع من غلة البساتين.

1921- دخل دار المعلمين الابتدائية بعد اجتيازه امتحانا في العربية و الرياضيات (الهندسة).

- خلال دراسته بدار المعلمين نظم أولى قصائده الشعرية.

1924- تخرج من دار المعلمين و عين معلما في مدرسة الناصرية الابتدائية براتب 170 روبية.

1924- نشر بعض قصائده في مجلة المعلمين الّتي كان يصدرها السيّد هاشم السعدي- رح-.

نقل للتدريس في مدرسة السيف الابتداية في البصرة و لبث فيها نصف سنة.

1927- نقل بعدها إلى مدرسة الكاظمية الابتدائية مدرسا للغة العربية و فروعها.

1928- تزوج من زوجته الحالية السيّدة شفيقة مصطفى الطباطبائي.

1928- نقل من مدرسة دلتاوة الابتدائية إلى ديوان وزارة المعارف (وزارة التربية و التعليم اليوم) للتحرير و مساعدة أستاذه المرحوم يوسف عز الدّين الناصري.

10

- نقل بعدها للتدريس في المدرسة المأمونية بدل الأستاذ الشاعر محمّد مهدي الجواهري.

- كان ينشر في مجلة لغة العرب الّتي كان يصدرها الأب أنستاس ماري الكرملي لمدة أربع سنوات.

1932- بالنظر لضآلة راتبه، قرر الاستقالة من وزارة المعارف ليكون معلما في مدرسة الآباء اليسوعيين ببغداد، فتدخل بعض رجال المعارف و عاونوا على نقله إلى ملاك المدارس الثانوية، فعين مدرسا في المتوسطة الشرقية.

1934- رشح للبعثة العلمية في الولايات المتحدة للتخصص في علم الآثار، و لما رأى صعوبة السفر إلى هذه البلاد النائية، قرر السفر إلى فرنسا.

- سافر إلى القاهرة و دخل كلية الآداب فيها مستمعا، ثمّ عكف على دراسة اللغة الفرنسية.

و في القاهرة نشر للأب أنستاس الجزء التاسع من تاريخ الجامع المختصر لابن الساعي المؤرخ البغدادي.

- نشر في مجلة المقتطف بعض قصائده.

1934- رحل إلى باريس و دخل (السوربون) بجامعة باريس لدراسة الآداب العربية و علومها.

1939- تخرج من السوربون بعد أن نال شهادة الدكتوراه.

1940- عين في دار المعلمين العالية (كلية الآداب اليوم)، و بقى فيها حتّى عام 1944.

1944- عين في مديرية الآثار العامّة ملاحظا فنيا، و كان من المؤسسين لمجلة «سومر» و قد نشر فيها عددا من البحوث و المقالات الآثارية و الخططية.

1946- انتخب عضوا في لجنة التأليف و الترجمة في وزارة المعارف.

11

- سافر إلى عدد من الأقطار العربية و الشرقية و الأوروبية، فزار مصر، سورية، لبنان، تركية، إيران، الهند، فرنسا، إنكلترا، إيطاليا، يوغسلافيا و سويسرا.

1948- انتخب عضوا في المجمع العلمي العربي بدمشق.

1949- انتخب عضوا في المجمع العلمي العراقي فنائبا للرئيس، و بعدها انتخبه مجمع اللغة العربية بالقاهرة عضوا فيه، و كان دوره في جميع هذه المجامع دور العالم المحقق الثبت.

شارك في عدد من المهرجانات العلمية الدولية، كمهرجان ابن سينا ببغداد و طهران 1954 و مهرجان الغزالي بدمشق.

سافر للمعالجة من مرضه إلى لندن 1966

و جيكوسلوفاكيا 1968

ألمانيا الديمقراطية 1969

نشر عددا من المؤلفات و حقق بعضا من كتب التراث و نشر مئات من البحوث و المقالات في التاريخ و اللغة و الأدب و دراسات في الفنون الشعبية (الّتي كان يفضل تسميتها بالفنون العامية).

- آخر كتاب صدر له «قل و لا تقل» الجزء الأوّل و قد نشره ابن أخته السيّد حسين إبراهيم السّماك.

12

سيرة أبي طالب خان‏

هو أبو طالب بن محمّد خان، كما ذكر هو في سيرة نفسه في أوّل رحلته، و قد فصلنا ذلك عن رحلته، و سنذكره بنصه قبل سرد الرحلة، و ذكر أن أباه كان يلقب بالحاجي و بالبيك فاسمه و لقبه هما «حاجي محمّد بيك خان» و أصله تركي و ولد بأصبهان، و قد اضطر جور الشاه نادر شاه أباه أبي طالب منذ شبيبته أن يهاجر إلى البلاد الهندية و التجأ إلى أبي المنصور خان النواب فأحسن استقباله و تلقّيه و اصطنعه، و لما مات نويل راي والي كورة أوده خلفه في هذا المنصب الخطر تعيينا محمّد قلي خان ابن أخي النواب المذكور آنفا، و صار والده من أقرب المقربين إليه ثمّ مات النواب أبو المنصور خان سنة 1167 ه- 1753 م و خلفه ابنه شجاع الدولة، و قد حمله حسده لابن عمه محمّد شجاع أن أمر باعتقاله و قتله، و شاعت قسوته و عمّت حتّى أتباع القتيل، فأراد أن يعتقل والد أبي طالب حاجي محمّد بيك مع أنه كان قد اعتزل قبل وقوع هذه المصيبة و سكن هو و عياله لكنو (1). و لما علم والده بما نواه النواب شجاع الدولة التجأ إلى البنغال مع أفراد من خدمه، و كان سفره سفر الخائف بحيث لم يحمل معه إلا ذهبه و جواهره، و بقيت أمواله الأخرى تحت سطوة مضطهده، فقضى عدّة سنين في البنغال ثمّ مات في مقصود آباد سنة 1182 ه- 1768 م و كان قد استقدم أهله قبل ذلك.

و كان أبو الحسن جده لأمه رجلا تقيا دينا صينا، و كان من بلد بهاء الملك سعدي خان جد ملك أوده الحالي و كان مخلصا له كل الإخلاص‏

____________

(1) و تعرف أيضا بلكأنو و هي من مدن البلاد الهندية المشهورة. (المترجم).

13

حتّى لقد اعتزل الأعمال كلها بعد وفاة هذا الأمير و عزم على قضاء ما بقي من أيّامه في الاعتزال.

و ولد أبو طالب في لكنو سنة 1167 ه- 1753 م، و مع الحقد الّذي حقده على والده النواب شجاع الدولة لقيت والدته من الحاقد المضطهد عونا لذكرى العلاقات الّتي كانت بين الأسرتين، و أوصاها إيصاء صارحا أن تحسن تعليمه و تهذيبه، و كان والده حين عزم على الإقامة في البنغال كتب إلى أمه في أن تقدم عليه هي و أولادها جميعا، فتركوا لكنو و سافروا برا إلى باتناه و من هناك أبحروا إلى مقصود آباد، و كانت هذه أوّل سفرة لأبي طالب و كان له أربع عشرة سنة من العمر، و بعد أن لبث في مقصود آباد نحوا من سنة و نصف سنة توفي والده في السنة المذكورة، و ألقيت كل أعمال العامّة و الخاصّة عليه و أسندت إليه، و كان أهله قبل هذا الحادث المشؤوم قد خطبوا له فتاة من ذوي قرباء القريبة من أسرة مظفر ينك نواب البنغال و عقدوا عليها، فقضى عدّة سنين في خدمة ذلك الأمير، و بعد سنين خلف آصف الدولة مسعودا الأودي و دعاه كبير وزرائه مختار الدولة أن يعود إلى لكنو فعاد و أسند إليه وظيفة أوميلدار في أيتايا و هي وظيفة استيفاء الضرائب و تعتمد على قوّة عسكرية، و كذلك عدّة أصقاع واقعة بين نهر جمّاه و نهر الكانج، و بقي في هذه الوظيفة سنتين يطوف البلاد غالبا ليجمع واردات العرش، و بعد أن مات حاميه و ولي حيدر بك خان فقد وظيفته و عاد إلى لكنو (1).

و في أثناء هذه الحروب و الأحداث عين الكولونيل «ألكسندر هاناي» مستوفيا في كوروك بور فاستأذن النواب في أن جعله معاونا له، و كان أبو طالب يقيم تحت خيام باستمرار ثلاث سنوات يباشر فيها هذه الوظيفة، أو تحت أكواخ من البواري و من الخيزران ثمّ نحي الكولونيل عن هذه الوظيفة فرجع مرّة أخرى إلى لكنو، و سرعان ما حدث خلاف بين حيدر بك خان و وكلاء شركة الهند، سبب اضطرابا في الشؤون المالية فقد أخذت واردات المملكة تنقص يوما بعد يوم مع أن جباة الخراج و الضرائب كانوا يأخذون‏

____________

(1) و تسمّى أيضا لكأنو كما ذكرنا آنفا، (المترجم).

14

بالقسر و القهر من ملتزمي الأرضين مبالغ هي أعظم ممّا كانوا يأخذون منهم من قبل، فأفرطوا في جورهم حتّى لقد ثار عدد كبير من الملتزمين، يرأسهم الراجا بولبودرسنك، و هذا الرئيس سليل ملوك الهند بخط مستقيم، و إذ كان في طاعته مائة ألف راجبوتي و كان يعد مماثلا للنواب الوزير الّذي لا يود الراجا الاعتراف بسلطته، فأرسل عليه، لإخضاعه، جيشا مؤلفا من جنود النواب نفسه و السيبويين الريفيين، و لكن دسائس حيدر بك خان و الجباة أحبطت هذا الهجوم، و تردت شؤون النواب ترديا حمل المستر هاستينكز (1) الحاكم العام على استقالة سلطته في الأمر، و أوعز إلى ميدلتن‏ (2) أن يستشير أبا طالب فيما يتخذ من التدبير و التشمير لإخضاع الراجا المذكور آنفا و إعادة النظام التام إلى البلاد، و علم أبو طالب أن حيدر بك خان لم يستطع أن يشارك في تحمل الاضطراب في أمور النواب، و أنه ما دام مقربا معاضدا ستثيره أعماله و تحنقه، أو تؤدّي إلى تلفه فأراد أن يبقى محايدا في الأمر و لكن الوكيل الإنكليزي ألح و حلف لأبي طالب ليحمينه من أعدائه فأجابه إلى رجائه و أخذ أبو طالب يتعقب الراجا بولبودرسنك مدة سنتين و هزمه في عدّة وقعات ثمّ استولى على معسكره و قتل الراجا و هو يحاول الهرب، و أنقذ أبو طالب النواب من عدو كان يسعى منذ ستين سنة لإتلاف أسرته و أعاد السلام إلى البلاد، و منذ هذا الحين بدأت الملمات تنزل على أبي طالب فإن ميدلتن غادر لكنو، و عاد هاستينكز إلى إنكلترا، و بقي أبو طالب في متناول أعدائه، و قد نال حيدر بك خان ببراعته و رئائه الحظوة عند الحاكم العام الجديد، و أظهر له عدّة سنوات إمارات الرعاية و العناية، و اجتهد أن يقبل وظيفة في وزارته، فلما أخفق في اجتهاده قلب له ظهر

____________

(1) هو هاستينكز وارن، ولد في جرجيل ببريطانية سنة 1732 م و نشأ في تلك البلاد و تعلم فيها، و في سنة 1750 سافر إلى البنغال ببلاد الهند و رتب كاتبا فيها و بعد سبع سنين رتب وكيلا لشركة الهند الشرقية في بلاط نواب البنغال ثمّ ترقى في الدرجات إلى أن صار حاكم الهند العام و كان دارسا للآداب الشرقية، و اتهم باحتجان أموال الدولة ثمّ بري‏ء و توفي في دبليسفورد سنة 1818 م. (المترجم).

(2) هو ميدلتن توماس فانشو 1769- 1822 م أوّل أسقف في كلكتا و قد أسس فيها كلية لتعليم المبشّرين بالنصرانية. (المترجم).

15

المجن و تنمر له و قطع ستة آلاف الروبيات الّتي كان يقبضها معاشا له فمن ثمّ عزم أبو طالب على الرجوع إلى البنغال و ركب سفينته في نهر الكانج سنة 1202 ه- 1787 م و جاء إلى كلكتا ليرفع شكواه إلى اللورد كورنواليس‏ (1) فتلقاه بأدب وافر و وعده أن يحميه و يجعله في حيزه، و إذ كان على عزم السفر إلى مدراس لمباشرة قيادة الجيش المرسل على السلطان تيبو صاحب بقي أمر أبي طالب معتلا مختلا زمنا متطاولا أربع سنوات. و في هذه الفترة من عمله استقدم عياله إلى كلكتا و هجره أصدقاؤه بالتدريج لما رأوا تخلي الحظوة و الحظ عنه، على عادة الأصدقاء المنتفعين. و قد أفنت ماله النفقات الّتي أنفقها على نقل عياله في هذه المسافة الطويلة إن صح القول، و زادت همومه بموت ابنه في عمر أربع سنوات ضحية لوبالة المناخ و جهالة الأطباء في كلكتا.

و لما رجع كورنواليس إلى البنغال تذكر الوعد الّذي وعده أبا طالب و كان حيدر بك خان قد توفي منذ زمن غير بعيد فأرسل كورنواليس أبا طالب إلى لكنو سنة 1207 ه- 1792 م و زوده كتب توصية به إلى الوكيل الإنكليزي «جيري» و إلى النواب آصف الدولة. و قد أحسن أتباع آصف الدولة في الحقيقة استقباله، و لكنه بقي يوما بعد يوم يأمل أن يبلغه خبر ترتيب له في بعض المناصب إلا أنه لسوء حظه غادر كورنواليس بلاد الهند، و منذ ذلك الحين حبطت آماله، و أقصي النواب آصف الدولة المستر جيري من لكنو، و أصدر في الوقت نفسه أمرا إلى أبي طالب بأن يترك المدينة، و اعترض أبو طالب على هذا التحكم فكان اعتراضه غير مجد شيئا، و صمّت الآذان عن شكواه فترك أفرادا من عياله في لكنو و أرسل بالباقين إلى اللّه آباد و رجع هو إلى كلكتا مرّة ثالثة سنة 1210 ه- 1795 م. و كان السير «جون شور» الّذي عرف باللورد تيكماوث حاكما عاما فأحسن استقباله و لطف به، و وعده أن يسعى في إزالة شقائه و بلائه إلا أن آصف‏

____________

(1) هو كورنواليس شارل المركيز 1738- 1805 م، دخل الجيش البريطاني سنة 1756 و خاض عدّة معارك و خصوصا سنة 1780 و سنة 1781 ثمّ رتب حاكما عاما لبلاد الهند و قهر السلطان تيبو صاحب سنة 1791، و عين بعد ذلك نائبا عن الملك في إيرلندا و قاوم عدّة ثورات فيها.

و قبل وفاته بقليل أعيد ترتيبه حاكما عاما لبلاد الهند. (المترجم).

16

الدولة مات بعد زمن قليل، و لم تترك لجون شور الاضطرابات الّتي حدثت بوفاته وقتا للتفكير في شأن أبي طالب قبل أن يسافر إلى أوروبا.

إن السنوات الثلاث الّتي سلخها أبو طالب في كلكتا قد تركه فيها جميع أصدقائه و أتباعه، و زاده غما ترك خدام أبيه القدامى إيّاه، فرأى نفسه في حال تستحق الترثي و إذ ذاك زاره صديقه الاشتيام‏ (1) «داود ريشاردسن» و لكونه يحسن الفارسية و الهندية حادثه في أمور مختلفة و أعلمه أنه قد نوى الرجوع إلى أوروبا، آملا أن يعيد إليه صحته هواء بلاده الأصلية، فإن صحته أخذت تتردى يوما بعد يوم، و أنه سيعود إلى كلكتا بعد ثلاث سنوات، و قال لأبي طالب: «أنت في عطالة الآن فأصحبني في هذه الرحلة فتغيير المجال و رؤية العجائب و الغرائب الّتي في أوروبا تنفي عنك هذه السوداء الّتي أرهقتك و سأحاول تعليمك اللغة الإنكليزية في أثناء السفرة البحرية هذه و أقضي جميع حاجاتك». و بعد أن فكر أبو طالب في هذا الأمر بعض الوقت رأى أن الرحلة طويلة و خطرة جدا، و مع ذلك فقد اعتزم السفر فلعلّه يرى حادثا ينهي حياته و آلامه معها، و لم يفرط في الوقت بل ذهب في غد ذلك اليوم و استأجر موضعا للسفر في السفينة شارلوت إحدى سفن شركة الهند إلا أن سوء الحظ أدّى إلى احتراق هذه السفينة بعد أيّام قليلة، و مع ذلك فقد كان مصمما على السفر، فأبحر من غير تلبّث على السفينة «كرستيانا» و اشتيامها يسمّى نيتلمان و كانت على عزم الإقلاع إلى الدانمارك.

هذا ما ذكره أبو طالب من سيرة نفسه في أوّل كتاب رحلته بالتحرير و التحبير، و قد ظهر للقارئ أنه لم يذكر سنة ميلاده و إنما استنتجناها من كلامه، و لا ذكر المدرسة الّتي درس فيها، و لا المدرسين الّذين درّسوه، و لا العلوم و الفنون الّتي درسها، بله إن الإنسان إذا ذكر سيرة نفسه و كتبها بقلمه كانت عرضة للنقد و التحقيق أكثر منها لو كتبها غيره من غير المعروفين بمعاداته، و بان من هذا الجزء من سيرته أنه كان عالما بأمور الحساب و الجباية، و قاد جيشا لمحاربة راجا ثائر و أخضعه، و أنه كان يلتجي‏ء

____________

(1) الاشتيام ربان السفينة، و قد وردت في شعر البحتري و غيره. (م).

17

للإنكليز غالبا في نيل منصبه، و لعلّ ذلك كان من أسباب كراهة ناس من الحكّام الهنود و غيرهم له و تحلئتهم له عن موارد العيش الهني‏ء، مضافا إلى نباهته و ذكائه، و قد دلّت سيرته الّتي اتضحت من رحلته المحررة أنه درس الآداب الفارسية فضلا عن اللغة الفارسية، و أنه كان شاعرا في هذه اللغة ينظم قصائد و مسمّطات قد ترجمنا ما وجدنا منها في الرحلة، و ألّف كتابا في المختارات الشعرية بالفارسية، و قد ادعى عند وصوله إلى القسطنطينية أنه من سلالة الّنبي محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أي علوي و اشترى من سوقها عمامة خضراء كعمامة العلويين في أيّامه و ما قبلها بزهاء مائتي سنة و ما بعدها، و لكنها كانت زرقاء لأن سوق القسطنطينية كان مظلما فبيعت له الزرقاء مكان الخضراء، مع أنه لما كان في فرنسا صبغ عمامته بالحمرة، و نسي أنه قال في أوّل رحلته «والدي كان يسمّى حاجي بك خان و كان تركي الأصل و لكنه ولد بأصبهان .. وجدي الأمير أبو الحسن بيك كان زاهدا تقيا دينا صينا».

و لقب «البيك» لأبيه وجده لأمّه يؤيد كونه من أسرة تركية فكيف يكون علويا؟ هذا ما لا أستطيع الإجابة عنه و لا كتب هو ما يسوّغ دعواه، و دلّت أخباره في رحلته داخل البلاد الإسلامية أنه كان شيعيا حاد العقيدة جاد المذهب، في العصر الّذي كان فيه الأتراك العثمانيون و القاجاريون و متأخرو الصفويين قبلهم يوقدون نار التعصب الذميم البغيض بين أهل السنة و الشيعة إيقادا مستداما محتدما، و قد نال في أوروبا جاها فدعاه الملك جورج الثالث مرّات و دعاه نابليون الأوّل إلى حفلته إلا أنه كان مريضا.

18

ترجمة أبي طالب في كتاب تراجم عالمية و دائرة المعارف البريطانية

و قد وجدنا لأبي طالب ترجمة في كتاب «تراجم عالمية» و هي بالفرنسية، و قد ذكر في الجزء الأوّل منها في نشرتها الجديدة بباريس سنة 1843 م و تكاد عامتها تكون مستخلصة من رحلته المحررة، قال كاتبها- 1:

85-: «أبو طالب مرزا سائح و أديب ولد سنة 1751 م في لكنو ... و قد ترجم للسلطان سليم الثالث القاموس في مجلدين (إلى الفارسية) ترجمة كاملة مصححة و خلع عليه السلطان إلا أنه رفض الهدية الّتي أهداها إليه عند عزمه على ترك القسطنطينية مكتفيا بالوعد الّذي وعده السلطان به و هو طبع الكتاب في القسطنطينية ... و أخذ منه إجازة و فرامين لبواشية مختلفين في السلطنة التركية، و قد غادر عاصمة العثمانيين في اليوم الثاني عشر من كانون الأوّل في طريق أماسيه و سيواس و ملطية و ديار بكر و ماردين و نصيبين و كردستان و الموصل ثمّ وصل إلى بغداد في اليوم الثامن و العشرين من كانون الثاني سنة 1803 م. و في أثناء إقامته بهذه المدينة زار المدن المقدّسة المشهورة كمدينة الإمام علي و مدينة الإمام الحسين و كان الوهابيون قد سلبوا ما فيها، و قد فصل أمرهم تفصيلا غريبا و وجد هناك إحدى عماته و كانت قد ألجأتها صروف الزمان إلى ترك الدّنيا و الانقطاع للتأمّل و العبادة في المدينة المقدّسة، و كان الوهابيون قد سلبوا منها جميع ما عندها فأعانها أبو طالب بما استطاع. و ترك أبو طالب بغداد في اليوم العاشر من آذار من السنة المذكورة قليل الرضا عن الوكيل الإنكليزي مضيفه، ذلك لأنه رفض من أجله مثوى في دار الباشا، و انحدر في دجلة إلى البصرة و سكن عند

19

سفير إيراني، و قد امتعض من عجرفة القنصل الإنكليزي «مانستي» و طمعه ثمّ أبحر من البصرة في اليوم العاشر من أيار في مركب لهذا الوكيل و نزل في اليوم الثالث من حزيران في بومباي ... إن رحلة أبي طالب خان في آسيا و إفريقيا و أوروبا الّتي كتبها بنفسه بالفارسية ترجمت إلى اللغة الإنكليزية و ربّما كانت ترجمتها طبق المخطوط، و مترجمها «ج ستيوارد» و نشرت سنة 1810 م بلندن ثمّ طبعت ثانية في كلكتا في السنة نفسها في مجلد واحد، و عن الترجمة الإنكليزية ترجمت إلى اللغة الفرنسية، ترجمها جي سي جانسن و نشرها مع نقض للآراء المعروفة في أوروبا في حرية النّساء بآسية، كتبه المترجم نفسه في باريس سنة 1811 م بجزئين و ترجمت إلى اللغة الهولندية ترجمها لينردن سنة 1813 في مجلدين. و النص الفارسي لرحلة أبي طالب خان قد نشر عند موته، نشره ابنه مرزا حسين علي بكلكتا في مجلد كبير ضخم، و كنا قد تحققنا من أي ترجمة استمدت الترجمة الفرنسية الّتي نشرها «ش. مالو» بباريس سنة 1819 و هي النشرة الثانية بالفرنسية ...

و قد الف أبو طالب لباب التواريخ و هو مختصر جغرافية أوروبا و تاريخها ...

و قد وجد الأستاذ الأديب الفاضل فؤاد عبّاس ترجمة لأبي طالب في دائرة المعارف البريطانية و تفضل بترجمتها إلى العربية و نحن نذكرها بنص ترجمته، و هذا نصها «أبو طالب خان 1752- 1806 م: أبو طالب خان ابن حاجي محمّد بك من أصل تركي، ولد في لكناو، و قد قضي سنيه الأولى في مرشد آباد في مظفر جنك، و حين اعتلى آصف الدولة العرش سنة 1775 م رجع إلى أوده و عين عملدار منطقة اثاوة و مناطق أخرى غيرها، و خدم أيضا موظفا للواردات تحت إرادة الكولونيل هناي الّذي مصر قطر سوار و استخدم من بعد ناثانائيل ميدلتون المقيم البريطاني فأشركه مع ريشارد جونسن في إدارة (الجاكير): ضرائب الأراضي المصادرة من بيكماث أوده، و بقي في أوده حتّى سنة 1796، و في شباط سنة 1799 أبحر من كلكتا قاصدا أوروبا فزار إنكلترا و فرنسا و تركيا و بلادا أخرى ثمّ رجع إلى الهند في آب من سنة 1803 و ضمن رحلاته في كتابه (مسيري طالبي في بلادي إفرنجي) المطبوع سنة 1812 و ترجمه إلى الإنكليزية س. ستيوارت سنة 1814

20

و ترجمه إلى الفرنسية ش. مالو سنة 1819 و الف أيضا (لب السير) و (و جهانما) و (خلاصة الأفكار). و كتابه تنبيه الغافلين الّذي أرخ فيه مدينة أوده تحت حكم آصف الدولة يعد مرجعا مهما كما قام به حيدر بك و بعض المقيمين الإنكليز و ينطوي على دفاع حار عن سياسة هناي في إدارة الواردات و ترجمه إلى الإنكليزية (و. هوي) سنة 1888 م. و أبو طالب خان هو الّذي نشر الطبعة الأولى لديوان حافظ في كلكتا سنة 1791 م». و ذكر المترجم الأديب الفاضل بعد ذلك مرجعين لهذه الترجمة الفرنسية في نقاط مهمة من سيرة أبي طالب، و كانت وفاته سنة 1221 ه.

أمّا ترجمتنا هذه فهي من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية و لم نستطع معرفة مترجمها الفرنسي لأن لها في هذه اللغة ترجمتين لأديبين فرنسيين قدمنا ذكرهما، و النسخة الّتي امتلكناها في باريس أيّام كوننا بها كانت قد سقطت منها الصفحة الأولى الّتي ذكر فيها اسم المترجم، إلا أنها تدلّ على براعة في الترجمة و تفهم لأغراض الراحل، و علو كعب المترجم في الكلم الفرنسي الغريب و لم يحذف هذا المترجم منها إلا فقرات ذكرها الرحالة أبو طالب في التشريح عندما اطلع في اكسفورد على التشريح الحديث و قد أشير إلى الحذف في موضعه من الرحلة.

21

رحلة أبي طالب خان‏

رحلة أبي طالب خان من نوادر الرحل في العالمين في موضوعها و أسلوبها و براعة كاتبها و شمول ملاحظاته، فالمألوف في عصره و قبله و بعده أن الأوروبيين كانوا يسيحون في بلاد الشرق و يكتبون في وصفه رحلا و في آثاره كتبا، و لا نزال نتسقط أخبار الشرق المتأخرة من رحل الأوروبيين فيه و خصوصا أخبار العراق، أمّا أن شرقيا يسيح في بلاد أوروبة و يصفها هذا الوصف المسهب فيه، المحتوي على كل غريب و طريف، فضلا عن التاريخ السياسي الّذي عاصره الرحالة، فهذا من أندر النوادر في عصره و لذلك أسرع الإنكليز و الفرنسيون و الهولنديون إلى ترجمة الرحلة إلى لغاتهم.

لوجدانهم فيها أوصافا و مباحث و أمورا خاصة ببلادهم لم يجدوها عند كتابهم و رحاليهم فإن أبا طالب كان نافذ الملاحظة منعم النظر مثقفا ثقافة شرقية عالية قلّما يفوته ذكر شي‏ء ممّا وقع عليه بصره أو تناوله في أثناء السياحة فكره، و ستبقى رحلته مثالا لتأليف الرحلات و الاستقصاء و الشمول، و لقد أحسن تنظيمها و حبكها و الظاهر لنا أنه كتبها مذكرات متفرقة فلما عاد إلى بلاده رتبها و نظمها و أحسن تأليفها و أحال عند الحاجة إلى الربط بين أجزائها و أنبائها على ملاحظات متأخرة قبل أن يلاحظها (1)، كما أحال على ملاحظات متقدّمة لاحظها، ففي الأوليات دليل على أن التأليف وقع بعد الارتحال.

____________

(1) كقوله و هو يصف كورك بإنكلترا: «و قد كنت رأيت في خليج جنوة في سياحتي و مضيق الدردنيل» قبل أن يراهما. (م).

22

المرأة في رحلة أبي طالب‏

و ممّا لحظناه و تبيناه في رحلة أبي طالب نصيب المرأة الوافي فيها، فقد ظهر لنا أن أبا طالب كان زير نساء مغرما بهن، وصّافا لجمالهن، كثير التملّق لهن، وافر الغزل، و نحسب أن من أسباب الإقبال عليه و الالتفات إليه في أثناء إقامته بلندن غرامه بالنّساء و إطراءه لهن و نظمه أشعارا في محاسنهن، و من الأدلة على تملقه للنّساء تكراره عبارات استحسان الجمال، و هو فوق ذلك قلّما مرّ ببلدة أو مدينة أو قرية فلم يصف نساءها فضلا عن الحفلات و المراقص و الضيافات و المآدب الّتي حضرها، فلم يفته فيها ذكر بنت حوّاء، و يفهم من كلامه أنه عاشر إنكليزية في لندن معاشرة مخادنة، و رأى من حرية المرأة الإنكليزية إذ ذاك ما سهّل له ذلك، و ساعده على نيل القبول من النّساء جمال له شرقي يلوح لنا من أثناء كلامه و بياض لون وسط مخالف لما عرف من ألوان الشرقيين‏ (1) كما يفهم من بعض اقتصاصه، و لعلّ ذلك ناشئ من كون أصله تركيا و أن أباه عاش في أصفهان و هي مدينة باردة المناخ و أهلها موصوفون ببياض البشرة و حمرة الوجنات و ليس بعيدا أن والدته كانت فارسية من أصفهان، و الغالب على الأبناء أن يرثوا في أجسادهم ملامح أمّهاتهم و ألوانهن، بله لباقته و أناقته و براعته في الحديث و أدبه و قريحته الفياضة بشعر الغزل، و أمثلة ذلك قوله في وصف مدينة الكاب بأفريقية: «فهكذا كانت ظرافة الضابط كولنز و زوجته السيّدة كولنز تلك الظرافة الّتي جعلتني أقضي ظهيرة جدّ مستحسنة في حياتي» ثمّ قال في‏

____________

(1) يدلّ على ذلك قوله: «و اتفقوا على ظنّهم أنّي أمير فارسي» و ذلك بعد قوله: «و آخرون يحسبون أنّي من سادات الألمان أو أسباني».

23

وصف نسائها «فالنّساء الهولنديات قد تعودن كثيرا أن يتخطين المهاوي حتّى ليصحبن أزواجهن دائما في هذا النوع من التنزهات» ثمّ قال: «و لكن الشابات الهولنديات حسنات الأجسام كثيرات النشاط و لا يستطيع الإنسان أن يتهمهن بالقسوة و الفظاظة (1) و من سوء الحظ أنهن يردن أن تهدى إليهن هدايا جزيلة (2) و النّساء الهولنديات المتزوجات سيّئة سمعتهن و الإنكليز الّذين لهم بعض الغنى كل واحد منهم قد خادن سيّدة منهن يزورها اعتيادا من غير أن يرى ممانعة أو مدافعة أو إباء من زوجها، و قد جرت العادة بأن يعتزل الزوج زوجته حينما يصل خدنها الإنكليزي المدلل و هذا يعني أن الإنكليز ينفقون جميع ما يحصلون عليه و ما يربحون» ثمّ قال: «و يطيب لي أن أذكر بالثناء الحسن رجلا اسمه المستر بومكارد، و هو هولندي ظريف ... و امرأته كانت جد متحببة و كانت ذات علم غزير و تتقن سبع لغات مختلفات» و قال: «و لكنّي لا أستطيع أن لا أقول كلمات على الأمسيات الساحرة الّتي أمضيتها في دار الليدي بارنيت المعروفة عموما باسم أميرة الكاب فكنت غالبا أكون في دارها مع شابة إيرلندية ذات جمال كامل» و قال بعد ذلك: «و إذ كنت أجهل اللغة الهولندية كان من المحال أن أكالم النّساء الشابات الهولنديات و مع ذلك فقد رقصن بحضوري رقصا شهوانيا و نظرن إليّ نظرات معبرات فأحمر خجلا و أضطر أن أنزوي في ركن من أركان باحة الرقص، هذا و إن عدّة أوانس تحرشن بي ذات يوم و أجملهن و كانت أجرأهن خطفت منديلي و قدّمته إلى إحدى صواحبها فاستغرقن في الضحك كلهن و إذ ظهر أن صاحبتها لا تريد قبوله استرجعته منها قائلا: أنا لا أهبه إلا لأجمل فتاة منكن. إشارة منّي إلى عادة الأتراك في رميهم المنديل إلى المرأة الّتي يريدون أن يقضوا اللّيل معها، و توجّهت الدعابة بذلك على شيطانتي المحبوبة فانصرفت و قد ضرّج الخجل خديها بالاحمرار». قال كل هذا في ذكر نساء الكاب وحدها، ثمّ قال في وصف كورك و ذكر رجلا اسمه بيكر: «و عيال هذا الرجل الفاضل هم اثنا عشر شخصا و فيهم ابنتا أخيه و إحداهما المعية محبوبة الخلق و الأخرى جميلة

____________

(1) أراد بالنسبة إلى الرّجال الهولنديين.

(2) و أنى لأبي طالب الهدايا الجزيلة و هو مسافر بنفقات صاحبه؟!.

24

متحفظة، و عند الغداء عنيت بي السيّدات الف عناية و لم أر من نساء جميلات مثل هذه المداراة و قد خجلت من لطفهن شاكرا، و هؤلاء الملائكة من النّساء قدمن إلينا بعد ذلك الشاي و سألتني إحداهن هل هو محلى على الكفاية؟ فأجبتها: لا يمكن أن لا يكون كذلك و قد أعدته يدان جميلتان جدا (1)، فأخذت الجماعة تضحك جميعها و خجلت الفتاة كأنها وردة دمشق» ثمّ قال في وصف إيرلندا: «و لم أستطع كتمان إعجابي بالفتيات الشواب اللواتي يجرين بين هذه الجماعات إمّا بسبب البرد و إمّا لنشاطهن الطبيعي و هن لا يحسسن في جريهن إنسانا و يكاد الإنسان يحلف أنه يرى فيهن فراشات ترفرف». و قال في ذكر إحدى المآدب الّتي أدب إليها: «و لما رفعوا غطاء المائدة اقترب الشرب لصحة الملك و الملكة ثمّ صحة عدّة نساء جميلات ممّن أعرفهن و لا أستطع أن آبى ذلك على واحدة منهن» ثمّ قال:

«و الإيرلنديات ليست لهن أساليب جفاء و خشونة و إنما لهن عيون رفيقة رقيقة و شعور جميلة كشعور الإنكليزيات و لكنها ليست طويلة و لا جميلة كشعور الإيكوسيات و سحنتهن من سحنة الإيكوسيات و فيهن نشاط ناري و قوّة حيوية و حدّة أذهان». ثمّ قال في ذكر بعض الإيرلنديات: «و السيّدة فيلمنك لما علمت بأنّي عرفت زوجها في كلكتا رجت منّي أن أزورها في دارها في الحال و كان منها الف لطف و سألتني ذات يوم هل زوجها مبتهج في كلكتا؟

فقلت لها: كيف يمكن أن يكون سعيدا و هو بعيد عن صاحبة له لها هذا التحبب و هذه الظرافة (2)؟! فخجلت السيّدة فليمنك و قالت لي: إنك ملاق.

و ابنتان من بناتها قد صحبتا أباهن إلى الهند، و له ثلاث بنات أخر و هن جميلات كحور الجنة العين». ثمّ قال في وصف ما جرياته في لندن:

«و دعاني شارل كوكرل مرّة في كل أسبوع إلى الطعام على مائدته الّتي كانت لي ابتهاج في حضوريها و أن أرى أجمل نساء إنكلترا».

و قد وصف لندن و الجمال النسوي الّذي فيها نظما مسمطا بقوله و قد ترجمت نظمه شعرا:

____________

(1) هذه من عبارات التملّق الّتي اعتادها أبو طالب لمخاطبة النّساء بها و اجتذابهن و نيل رضاهن.

(م).

(2) راجع حاشية الصفحة السابقة.

25

لنعش مستقبلا في لندنا* * * نقف الأيّام وقفا حسنا

لجمال قد أثار الفتنا* * * من نساء فتيات صدننا

و لندع رؤية غرس و بنا* * * إن طوبى و هي أحلى مشتهى‏

و كذا السدرة ذات المنتهى‏* * * ثمّ دوح الجنة الوافي البها

لم تشر منك فؤادا قد لها* * * بين سرو الأرض ممّا حولنا

فإذا ما لمتنا شيخ الحرم‏* * * في هوانا لم يكن منا ندم‏

قد حبانا اللّه دوما بالنعم‏* * * و حمدناه و شيخا يحترم‏

و له الشّكر و إحسان الثنا* * * املأ الكأس إلى أصبارها

من عصير الكرم و أرقب نارها* * * لست أخشى أن تراني تائها

تاركا مثل غفول قدسها* * * دين آبائي الالى عافوا للدنا

فربيع العمر وقف للجمال‏* * * كان في الهند و قد ولى و زال‏

و جمال الألبيون اليوم قال‏* * * أنا تعويض فلا تخش المآل‏

ولدى بسمته زال العنا* * * يا بديعات الجمال الفاتنات‏

قد سحرتن فؤادي يا بنات‏* * * بضفيرات غريبات الشيات‏

و بحسن قد عبدناه ولات‏* * * و ملأتن حياتي بالهنا

إلى آخرها و هي مذكورة في هذه الرحلة بتمامها. و سيرى القارئ فيها كثيرا من أمثال ما ذكرناه.

26

ترجمة أبي طالب بقلمه‏

و دونك ما ذكره أبو طالب من سيرة نفسه في أوّل كتاب رحلته و هذا نصّه قال: «4» (1).

«أحسب أن من الواجب عليّ أن أحدّث القارئ بعدّة خصوصيات من تاريخي قبل أن أقصّ أخبار رحلتي، فوالدي كان يسمّى حاجي محمّد بك خان، و كان تركي الأصل مولودا في أصبهان و منذ شبيبته اضطره بغي نادر شاه إن يهاجر إلى بلاد الهند و فيها أحسن استقباله و تلقيه النواب أبو منصور خان و لما توفي نويل راي حاكم رستاق أوده نال منصبه المهم محمّد قلي خان ابن أخي النواب، و صار والدي من المقربين عند هذا الأمير ثمّ مات أبو منصور خان النواب سنة 1167 الهجرية أي سنة 1753 الميلادية و خلفه في منصبه ابنه شجاع الدولة، و لكنه كان يغار من ابن عمه محمّد شجاع فأمر باعتقاله و قتله، و عمّت قسوته حتّى أتباع الأمير القتيل، فأراد أن يقبض على والدي مع أنه كان قد اعتزل الأعمال قبل وقوع هذه الكارثة هو و عياله في لكنو، و لما علم بمقصد النواب التجأ إلى البنغال مع أفراد من خدّامه، و أعجله سفره السريع عن أن يأخذ معه شيئا غير ذهبه و جواهره فبقيت أمواله تحت حكم مضطهده، و قضى والدي عدّة سنوات في البنغال ثمّ مات في مقصود آباد سنة 1768 الميلادية».

و «جدي لأمّي أبو الحسن بيك كان رجلا زاهدا عابدا صينا دينا و كان من بلد النواب برهان الملك سعادة خان جد الملك الّذي يحكم في أيّامنا

____________

(1) هذا رقم صفحات الترجمة الفرنسية لهذه الرحلة. (م).

27

هذه بأوده، و كان جد مخلص لهذا الملك حتّى اعتزل الأمور كلها بعد وفاته ليقضي أيّامه الباقية في الاعتزال».

«و ولدت أنا في لكنو و مع ما كان يحمله النواب شجاع الدولة على أبي من الحقد أعان والدتي عدّة معونات من أجل ذكرى العلاقات الاجتماعية الّتي كانت بين أسرتينا و أوصى والدتي إيصاء، مصروحا بأن تسعى في تعليمي تعليما حسنا و تثقيفي، و كان والدي لمّا عزم على الإقامة في البنغال كتب كتابا إلى أمّي يدعوها إلى الانتقال مع الأطفال جميعهم فتركنا لكنو و سافرنا برا إلى بانتالا و منها أبحرنا إلى مقصود آباد و هذه أوّل سفرة سفرتها و كان عمري إذ ذاك أربع عشرة سنة».

«و وقعت وفاة والدي في مقصود آباد بعد أن أمضينا فيها ثمانية عشر شهرا، فوكلت العناية في جميع شؤونه إليّ‏ (1)، و قبل هذا الحادث المتعس كان أهلي قد عقدوا لي عقد الزواج بفتاة من ذوي القرابة القربى لمظفر ينك نواب البنغال فقضيت عدّة سنوات في خدمة هذا الملك، و بعد سنوات خلف آصف الدولة مسعودا الأودي في منصبه فدعاني وزيره الأوّل مختار الدولة إلى الرجوع إلى لكنو و أسند إليّ منصب عملدار في إيتايا و أصقاع أخرى بين نهر جمّاه و نهر الكانج فبقيت في هذه الوظيفة سنتين، و إن كنت غالبا أطوف لجباية خراج الدولة».

«و بعد موت الرجل الّذي رعاني و حماني و نصب حيدر بك خان في منصبه فقدت وظيفتي، و في أثناء هذه الحوادث رتب الكولونيل ألكسندر هناي مستوفيا للخراج في كوروك بور و استأذن النواب في أن يجعلني معاونا له، فلبثت في هذه الوظيفة ثلاث سنوات أسكن باستمرار في الخيام أو أكواخ مصنوعة من البواري و الخيزران، ثمّ نحي الكولونيل عن منصبه هذا فرجعت إلى لكنو و سرعان ما وقعت خلافات بين الوزير حيدر بك خان و وكلاء شركة الهند فسبّبت اضطراب الأحوال المالية في المملكة و نقصت الواردات يوما فيوما مع أن الجباة كانوا يجورون على مقطعي الأرضين و يستأدونهم بالقهر مبالغ عظيمة أكثر ممّا كانوا يؤدونه، حتّى أثار ظلمهم‏

____________

(1) لم يذكر أبو طالب حقيقة هذه الشؤون. (م).

28

عددا كبيرا من المقطعين يرأسهم الراجا بولبودرسنك، و هذا الرئيس من سلالة ملوك الهند القدامى على خط مستقيم، و إذ كان تحت حكمه مائة ألف راجبوتي كان يعد مماثلا للنواب الوزير و لا يريد الاعتراف بسلطته، فأرسل عليه جيشا من جند النواب و السيبوبين و الريفيين لإخضاعه و ردعه و لكن دسائس حيدر بك خان أحبطت هذا الأمر و شاركه في الإحباط الجباة، و أصبحت شؤون النواب جد سيّئة بحيث أيقن المستر هاستينكز الحاكم العام أن من الواجب عليه التدخل و استعمال سلطته، و كلّف المستر ميدلتن أن يستشيرني فيما ينبغي أن يتخذ من العدد و التدبير لإحباط ثورة الراجا و إعادة النظام إلى البلاد، و كنت أعلم أن حيدر بك خان لم يستطع كاهله أن يتحمّل الاضطراب الحادث في شؤون النواب و أنه ما دام مقرّبا لا تحدث مشروعاتي إلا إثارته و إحناقه أو لا تؤدّي إلا إلى تلفي فأردت أن أبقى محايدا في هذا الحادث إلا أن الوكيل الإنكليزي أصرّ و حلف لي ليحمينني من أعدائي جميعهم، و انتهى الأمر بي إلى الموافقة و إجابة سؤاله، فتعقبت بولبودرسنك مدّة سنتين و هزمته في عدّة وقعات، حتّى استوليت أخيرا على مخيمه و هلك هو في محاولته الهرب، و هكذا أنقذت النواب من عدوّ كان يسعى منذ ستين سنة في تلف أسرته و أعدت السلم إلى البلاد».

«و منذ ذلك الحين بدأ شقائي فالمستر ميدلتن غادر لكنو و الحاكم هاستينكز عاد إلى أوروبا و بقيت في متناول أعدائي، و كان حيدر بك خان بلباقته و رئائه قد نال حظوة الحاكم العام الجديد و أظهر لي عدّة سنوات علامات الرعاية و اللطف و بذل وسعه في أن أقبل وظيفة في وزارته، فلما أخفق أخذ يقاومني و قطع ستة آلاف الروبية الّتي كانت راتبي المالي من النواب، فعزمت على الرجوع إلى البنغال و ركبت سفينة في نهر الكانج سنة 1787 م و ذهبت إلى كلكتا لأقدّم شكواي إلى اللورد كورنواليس فاستقبلني هذا السيّد بأدب وافر و وعدني بأن يرعاني و يحميني و لكنه كان على عزم السفر إلى مدراس لتولي قيادة الجيش المرسل على السلطان «تيو» و ظل أمري متأخر الإجراء أربع سنوات، و في أثناء هذه الفترة استقدمت عيالي إلى كلكتا و تفرّق عنّي أصدقائي لما رأوني محلأ عن الحظوة، و بهظتني النفقات الّتي أنفقتها في نقل عيالي إبهاظ التلف إن صحّ التعبير، و تفاقمت‏

29

همومي بموت ابني في عمر أربع سنوات ضحية لوخامة المناخ و جهل الأطباء في كلكتا».

«و تذكر اللورد كورنواليس عند رجوعه إلى البنغال بالوعد الّذي وعدني به، و مات حيدر بك خان قبيل ذلك فأرسلني إلى لكنو سنة 1792 و أرسل معي بكتب توصية إلى الوكيل الإنكليزي (جيري) و النواب آصف الدولة، و قد تلقاني هذا الأمير في الحقيقة هو و أتباعه تلقيا فائقا رائقا و بقيت أعتقد يوما بعد يوم أن نبأ ترتيبي في منصب من المناصب بالغي لا محالة إلا أنّي لسوء حظي غادر اللورد كورنواليس بلاد الهند، و منذ ذلك أخفقت آمالي كلها و نحى النواب المستر جيري و نفاه من لكنو و أصدر إليّ أمرا في الوقت بأن أترك المدينة، و اعترضت على هذا الظلم فلم يسمع لي اعتراض و لا شكوى فتركت أفرادا من عيالي في لكنو و أرسلت بالآخرين إلى اللّه آباد و رجعت المرّة الثالثة إلى كلكتا سنة 1795».

«و كان السير جون شور و هو اليوم اللورد تيكن ماوث حاكما عاما فاستقبلني بلطف و وعدني أن يجتهد في دفع الأسواء عنّي و لكن النواب آصف الدولة مات بعد زمن قصير و الاضطراب الناشئ من هذا الحادث لم يترك للحاكم وقتا و فراغا للتفكير في شؤوني قبل أن يبحر إلى أوروبا، و في أثناء السنوات الثلاث الّتي قضيتها في كلكتا هجرني جميع أصدقائي حتّى أتباعي، و زاد همي أن رأيت خدم أبي القدامى قد تركوني، فوجدت نفسي في حال محزنة، و إذ ذاك زارني صديقي الربان داود ريشاردسن و كان هذا الرجل الفاضل يحسن الفارسية غاية الإحسان و كذلك الهندية و تحادثنا في موضوعات مختلفة فأعلمني أنه عزم على الرجوع إلى أوروبا ليرى هل يعيد إليه صحته هواء وطنه الأصلي؟ لأن صحته أخذت تتردى يوما فيوما و أنه سيعود إلى كلكتا بعد ثلاث سنوات و قال لي: «إنك بطال الآن فاصحبني في هذه السفرة فإن تغيير مجال الحياة و النظر إلى عجائب أوروبا و غرائبها ينفيان عنك هذا السوداء الّتي استولت عليك، و سأحاول تعليمك اللغة الإنكليزية في أثناء هذه السفرة البحرية و أقوم بجميع ما تحتاج إليه» و بعد أن فكرت في هذا الأمر و هذا الاقتراح بعض الوقت رأيت أن السفر طويل و خطر جدا، و مع ذلك صممت على الارتحال متوقعا حادثا يضع حدا لحياتي و آلامي».

30

«و لم أفرط في الوقت فقد استأجرت موضعا للسفر غد ذلك اليوم في السفينة (شارلوت) إحدى سفن شركة الهند و كان من النحس أن احترقت هذه السفينة بعد أيّام قليلة إلا أننا كنا عازمين و مصممين على السفر فركبنا السفينة كرستيانا من غير تلبث و لا تلكؤ و ربانها يسمّى نيتلمان و كانت على عزم الإقلاع إلى الدانمارك».

31

رحلة أبي طالب خان سنة 1213 ه- 1799 م من الهند إلى العراق و تركيا و فرنسا و إنكلترا من طريق البحر و البر

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

رحلة (1) أبي طالب خان سنة 1213 ه- 1799 م من الهند إلى العراق و تركيا و فرنسا و إنكلترا من طريق البحر و البر

(السفر إلى الهند)

قال (12) (2) و في غرة شهر رمضان من سنة 1213 الهجرية الموافقة لليوم السابع من فيفرية (شباط) (3) سنة 1799 الميلادية استأذنا أصحابنا في السفر فقصدنا إلى كلكتا على ظهر سفينة من نوع «بدكرو» أي سفينة كبيرة، عازمين أن ندرك السفينة المسمّاة كرستيانا (الدانية) (4)، فأدركناها في اليوم الثالث راسية في «كدجرة» و ركبناها، و احتجز كل منا حجرة من حجرها. إن السفينة كانت في اختلال كبير و كثير، و أكثر ملاحيها من لسكرية البنغال فيهم من الجهالة قدر ما فيهم من الكسالة، و كانت الحجر صغيرة مظلمة كريهة الرائحة، و خصوصا الحجرة الّتي كانت نصيبي، ذلك لأنّي و رفيقي «داود ريشارد سون» كنا آخر المبحرين فيها، أمّا سائر ركاب السفينة فقد

____________

(1) أصل الرحلة باللغة الفارسية و قد ترجمت إلى اللغة الإنكليزية ثمّ نقلت إلى اللغة الفرنسية، و قد نقلنا إحدى ترجمتيها الفرنسية إلى اللغة العربية. (المترجم).

(2) ابتدأنا الترجمة من الصفحة الثانية عشرة من الترجمة الفرنسية لأنها أوّل الرحلة، أمّا ما قبلها فترجمة المؤلف لنفسه.

(3) في التوفيقات الإلهامية في مقارنة التواريخ الهجرية بالسنين الإفرنكية و القبطية تأليف اللواء محمّد مختار باشا المصري، ص 607- أن أوّل شهر رمضان من سنة 1213 ه يوافق اليوم السابع من شباط سنة 1799 م. (م).

(4) الدانية نسبة إلى الدانمارك الدولة المشهورة. و كانت هذه السفينة على عزم الرجوع إلى الدانمارك، و كان مع أبي طالب داود ريشاردسن أحد الضباط الإنكليز.

34

اختاروا أحسن الحجر قبلا، و من سوء حظنا أننا قد دفعنا أجرة سفرنا إلى إنكلترا، في كلكتا نفسها، فأصبح عدولنا عن السفر فيها غير ممكن، و كنا مجبرين على الرضا بما عين لنا و ما سمح لنا به.

و كان ربان السفينة «نيتلمان» متكبّرا عنيدا، و كان نائبه أمريكي الأصل يشبه كلبا ضخما متجهما، إلا أنه كان محبوب الخلق جدا، يضاف إلى ذلك أنه كان عليما بالملاحة، و لم تكن قط كذلك حال النائب الثاني و لا حال مساعدي الربان الآخرين فقد كانوا يجهلون الملاحة أصلا، فضلا عمّا كانوا عليه من الفظاظة و سوء الأدب.

و باليوم السادس عشر من الشهر المذكور آنفا أي شباط غادرنا «كدجرة» و واصلنا الانحدار في سفينتنا مع النهر و كان الماء يبلغ من سمكها ثلاث عشرة قدما و نصفا و مررنا فوق عدّة كثبان تجمع رملها في قعر النهر و لم يكن أسفل خشب السفينة يعلوها إلا بست بوصات في أكثر المرّات.

و إذا كان مدّ البحر في النهر قد بدأ بالجزر خشينا أن نعرّض السفينة لخطر الانتشاب في الرمل و الجنوح فيه. و في صباح اليوم الثاني بينما كنا نستعد لجذب الأنجر و متابعة السفر، أعلمنا اشتيام‏ (1) سفينة خافرة أنّ بارجة حربية فرنسية تسمّى (لافورت‏ (2)) تطوّف على مقربة من نهر الكانج، و قد استولت على عدّة سفن، و صدر أمر بأن لا تخرج السفن من موانيها، فيجب علينا انتظار رفع الحظر حتّى نستأنف السفر، و كان بعض الخطر في أن نصعد في ذلك النهر، فأجمعنا أمرنا على أن نرسي السفينة حيث كنا إلى أن يرفع الحظر. و في أثناء إقامتنا في «كدجرة» زودونا، باستمرار تام، خبزا طريا و زبدا و بيضا و سمكا و خضراوات. و لمّا كانت السفن تأبى التقدّم إلى الموضع الّذي كنا فيه اضطررنا أن نقتات البسكت و الزبد المملوح و أن نأخذ قسما من أزوادنا الّتي اتخذناها للسفر في البحر.

يضاف إلى هذا الحادث الرابك حادث آخر لم يكن أقل منه ربكا، ذلك أننا و إن كنا بعيدين جدا عن الشاطئ فقد أغار على سفينتنا الذبان بكثرة بحيث كان من‏

____________

(1) الاشتيام: مدير أمور السفينة و ربانها، كما قدّمناه. (م).

(2) أي القويه. (م).

35

الصعوبة بمكان أن نقدر على الكلام من غير أن نضع أيدينا على أفواهنا تفاديا من أن نبتلع ذبابات عدّة منه، فقضينا هناك عشرين يوما تامة في هذه الحال الغامة غير دارين ما الّذي نعزم عليه من الأمر. و أخيرا سمعنا ذات يوم دويّ رمي مدفع على مسافة معينة فظننا أن سفنا حربية إنكليزية كانت راسية في مدارس قد أرسلت لتتعقب السفينة الحربية الفرنسية، و في الحال لمحنا ثلاث سفن تجري نحونا بأشرعة (1) جدّ منشورة، إن هذا الأمر أيّد ظننا، و لكن السفن الثلاث لما قربت منا علمنا أنها كانت أربعا فلقيت السفينة الحربية الفرنسية، فهجمت عليها ثمّ أخفقت حملتها، فاضطرت إلى التلجيج، و الابتعاد تاركة إحداهن تحت سيطرة الفرنسيين.

و بعد ليال شبت النار في سفينة إنكليزية كانت راسية بالقرب منا فرّعبنا احتراقها و تركها ملاحوها، و إن كانت مشحونة بكمية كبيرة من نسيج قنب البنغال، إن رباننا «نيتلمان» و هو يعود في هذه السفرة إلى وطنه، لم يكن يخشى في الظاهر محاسبة الإنكليز له البتة فأرسل قارب سفينة الجنيب إلى نحو السفينة المحترقة، عدّة أيّام متوالية و أمر ملاحيه الّذين في القارب المذكور أن يحملوا إليه كثيرا من صناديق الشراشف‏ (2) الّتي لم تأت النار إلا على نصفها، غير أنه كانت عاقبته الندم على هذا الاختلاس الشنيع.

و باليوم الثامن و العشرين من شباط بلغنا الخبر الصحيح الّذي مفاده أن سفينة إنكليزية اسمها «سيبيت» في مجيئها من مدارس هجمت بشدّة و عنف على السفينة الحربية الفرنسية المقدّم ذكرها و استولت عليها.

و باليوم الثالث من شوال الموافق لليوم الرابع من مارس (آذار) ألقت السفينتان المذكورتان آنفا مراسيهما على مقربة من سفينتنا. إن السفينة «سيبيت» قد لحقها ضرر كبير، و في الوقت نفسه فقدت «لافورت» السفينة الفرنسية المأسورة جميع سواريها فسحبتها قاهرتها السفينة الإنكليزية.

____________

(1) لم تكن السفن البخارية مخترعة في أيّام رحلته و إن استعمل البخار لشؤون أخرى، فكل السفن المذكورة في الرحلة شراعية أو مردية. (م).

(2) تحتمل الكلمة الفرنسية معنى «الجوخ» أيضا، و لما كان ذكر نسيج قنب البنغال قد تقدّم رجحنا الشراشف. (م).

36

و باليوم الرابع من الشهر انحدر خمسة عشر قاربا في النهر لنقل الأسرى الفرنسيين إلى كلكتا، و رفع حظر سير السفن، و جاءتنا السفينة الخافرة و قادتنا إلى غور كبير يسميه الإنكليز «خليج البنغال» و من هاهنا تبدأ رحلتنا.

و بينما كانت السفينة تجري بنا منذ عدّة أيّام بريح مؤاتية، إذ لحظنا ذا صباح أن اشتيام سفينتنا قد غيّر وجهتها، فبعث هذا الأمر ملاحيها على الدهش البالغ، و من المعلوم الأكيد أننا أنفدنا ما خزّناه من الماء العذب في توقفنا الاضطراري في مصب نهر الكانج فلم نجد بدّا من إنحاء السفينة نحو جزائر «نيكوبار».

جزائر نيكوبار

هذه الجزائر و عدتها سبع عشرة جزيرة في الأكثر تختلف سكناها من حيث كثرة السكّان و قلّتهم، و ترسو عندها السفن غالبا عندما يعوزها الماء و الزاد، و قد حاولنا أن نبلغ كبراها و هي المسمّاة «كار نيكوبار» فلم نستطع ذلك بسبب الرياح المضادة لنا، و كذلك لم نستطع بلوغ الثانية منها و بعد أن قاسينا عسرا كثيرا و بذلنا مجهودا وفيرا، أرسينا سفينتنا بالقرب من الثالثة.

و لما لمحنا الأرض وددت أن أراها أيضا بجلاء و وضوح و لذلك استعنت بمجهار «تليسكوب»، و مع تطبيق عينيّ على هذه الآلة لم أستطع تمييز الأرض، و إذ استولى عليّ الدهش رجوت من أحد الضباط أن يوضح لي هذه الغرابة، فقال لي: إن هذه الجزر على الحقيقة لا تزال من حيث النظر تحت الأفق و جسم الماء الكري الّذي يفصلها عنا يخفيها عن أنظارنا، و هذا الشكل أو النوع من الحوادث الحسية ناشئ عن قوّة انكسار الأشعة الّذي يرفع، في الجو الغليظ، بظاهر النظر، جميع الأجسام فوق ارتفاعها الحقيقي.

إن الجزيرة الّتي أرسينا عندها تسمّى «تريبيز» محيطها خمسة و عشرون ميلا، و الجزيرتان اللتان لمحناهما أيضا هما «راجوري» و «بيكو»، و جاءنا جماعة من سكانها يحملون كمية من جوز الكاكو و جوز الصنوبر و الليمون و من الفواكه الأخرى، و ذكور البط و الطيور و الدواجن، ليأخذوا بها، على‏

37

سبيل المقايضة، أقمشة شراشف و تبغا و جميع أنواع السكاكين، و لم يظهر منهم اهتمام بذهبنا و لا بفضتنا. إن جوز الكاكاو ينشأ بكثرة كاثرة في هذه الجزر فهم يقايضون به: كل عشر جوزات بلفيفة واحدة من الجروت أو من «السكاير» من التبغ. تلك الّتي ثمنها قرابة «ليكونداس» واحد- أي تسعة دراهم‏ (1) في البنغال. و هذه الجزائر قريبة من خط الاستواء فلذلك يكون لها ربيعان و خريفان، و سكانها حسان الخلقة، شديد و العضلات خاصة، تدلّ أمزجتهم على نشاطهم، و يشبهون الصينيين في منظرهم و مظهرهم، و لكن لونهم مائل إلى الصفرة و ليس لهم لحى إلا قليلا منهم، و جميع لباسهم لفافة ضيّقة تغطي خصورهم، و أطفالهم صباح الوجوه جدا، و دورهم من الخشب و الخيزران و سطوح دورهم مغطاة بالقش و الأضغاث، و أشكالها دائرية، لا يمكن حاقّ موازنتها و مقابلتها إلا ببيادر حنطة، و عدّة من هذه الدور لها مع ذلك ثلاث طبقات، و الطبقة الأرضية، للطيور الدواجن و للمعزى و غير ذلك، و الطبقة الوسطى خاصّة بالرّجال و الطبقة العليا خاصّة بالنّساء و هؤلاء الجزيريون‏ (2) يدينون بالإسلام، و يخفون نساءهم‏ (3) باحتياط شديد، و لا يدعوهن يتصلن بالأجانب أي اتصال كان.

و عندما تزوّدنا أزوادا استعد اشتيام السفينة و تهيأ للسفر، و لكن أمرا غير متوقع فاجأنا و حال دون السفر، و ذلك أن ستة عشر من اللسكر الّذين في السفينة اعتصموا في الغابات لما قاسوه من سوء المعاملة في السفينة، و كان الباقون في السفينة ينتظرون إطلال اللّيل ليفعلوا ما فعل الأولون، و من حسن الحظ أن عدّة من أعيان الجزيرة جاؤونا في أثناء ذلك و خافوا أن يتّهموا بمواطأة الهاربين فيما فعلوا فعرضوا على ربان السفينة أنهم يستطيعون رجع الهاربين إليها، و إذ كان الربان «نيتلمان» في موقف حرج جدا،

____________

(1) ذكر الدراهم محصور بين قوسين في الترجمة الفرنسية، و لا شك في أن الدراهم المذكورة تختلف عن دراهمنا، العتيقة و الجديدة. (المترجم).

(2) لا تحذف ياء فعيلة عند النسبة إليها إلا إذا كانت علما مشهورا، كما جاء في أدب الكاتب لابن قتيبة مثل «بجيلة و بجلي و حنيفة و حنفي» و في اسم الجنس تبقى الياء مثل «سليقي».

(3) نصيب النّساء من رحلة أبي طالب عظيم جدا، و كان إذا رأى خيال امرأة ذكرها لأنه كان مغرما بالنّساء عموما كما ذكرنا.

38

أعطاهم عهدا، و أقسم عليه، أن يهب لهم قطعا من أقمشة الشراشف الّتي اختلسها من السفينة المحترقة في نهر الكانج على سبيل المكافأة لهم، إن عهدا مغريا مثل هذا فتن هؤلاء الأبالسة الفقراء (1)، و لعلمهم بجميع مضايق الغابات و الجبال استطاعوا، أعجل ما يكونون، أن يدركوا الهاربين، و يعيدهم إلى ظهر السفينة في أثناء اللّيل، و لكن الربان كافأ عنايتهم و عناءهم بأحط نوع من إنكار الجميل، فقد زعم أنه لا يستطيع بهذه الساعة، فتح الصناديق المحتوية على القماش، و إنما حثهم على أن يأتوه صباح الغد، فيكافئهم حقا بسخاء على نصبهم، و لكنه لما بان الفجر رفع الأنجر و أصبحت السفينة على بعد عدّة أميال في البحر قبل أن يتصور الجزيريون الخديعة من هذا الغدر أو يفكّروا في حدوثها.

مغادرة نيكوبار

و غادرنا جزائر نيكوبار في اليوم الرابع من إبريل (نيسان) سنة 1799 م و بعد ثلاثة أيّام صرنا إلى الدرجة السابعة من درجات خطوط العرض الشمالية، و كانت الشّمس كأنها تصبّ رصاصا على رؤوسنا، فإن الحرارة كانت تبعا لذلك شديدة جدا، و مطرتنا السّماء خمسة و عشرين يوما، و لم نكن نتقدّم في سيرنا إلا ببطء بالغ، و في الحقيقة لم يسجل كتاب سيرنا البحري إلا عشرة أميال، و قد استبنا أن السكون كان شاملا في كل الأيّام على التقريب، ما حول خط السير، و هذا الحادث الحسي ناشئ، كما أوقن، من تأثير الشّمس.

و باليوم السادس عشر من نيسان وصلنا إلى قريب من خط الاستواء، و إذ كانت الشّمس غير محجوبة الشعاع بالسحاب استطعنا أن نشاهد النجم القطبي بعناية تامة، و كانت جمهرة نجوم الدب الأكبر و جمهرة نجوم الدب الأصغر تظهر أيضا بعيدة في ارتفاع النجم القطبي كبعده هو نفسه في كلكتا، و هو يستبين على هذا القول، في الأفق. ثمّ جاوزنا خط الاستواء في الدرجة المائة من درجات الطول من شرق لندن باليوم التاسع عشر من‏

____________

(1) هذا هو التعبير الفرنسي و هو من تعابير المجاز عندهم فلم يكونوا فقراء حقيقة و لا أبالسة و لكنه من بابة الترثي لهم. (المترجم).

39

الشهر المذكور آنفا. و منذ عدّة أيّام كنا نرى أسرابا من الطير منها كبار بحجم الوزّ، و منها صغار في قوّة الحمام، و هي تغتذي بالسمك فقط.

و تقضي اللّيل فوق الماء، و حينما تريد تكثير نسلها لتكثير نوعها تقترب من الساحل و هناك تلبث طول زمن الحضن و التفريخ و قد أمسك الملاحون طائر آخر من النوع الصغير، ارتطم بأحد الصواري.

احتفال إله البحر

و كان الملاحون يلعبون لعبة مداعبة فيها من المضحكات ما فيه الكفاية: و هي أن ثلاثة منهم يرتدون بهيأة غريبة، و يتلطخون بالحمرة و الصفرة و يأتون إلى سطح السفينة بملابسهم و شعورهم تقطر ماء، فالأوّل منهم يحمل كتابا و الثاني يحمل بوقا و الثالث لابس ملبسا بلغ الغاية في السخرية و مظهر أنه قائدهما فتحضر لهم مقاعد فيقعدون عليها، و يعلن البوق أن «نبتون» إله البحر آت ليشرّف بزيارته السفينة الّتي تقرب من مستقرّه، و إذ ذاك يأمر الإله المضحك جميع من لم يعبروا بعد خط الاستواء بالحضور، ليغفر خطاياهم بالغسل، فتتراكض جماعة كبيرة من الشبان و الشابات و الأطفال، الّذين هذا الاحتفال جديد عليهم، و يختفون في زوايا مختلفة من السفينة و منهم من يتسلقون الصواري و لكن كاتب الأقوات و الأطعمة فتح كتابه و قرأ أسماء جميع من يجب عليهم التعميد (1)، و أوعز إليهم بالحضور و المثول، و كلّما حضر أحد الركاب عصبوا عينيه و أقعد قسرا على لوح موضوع بالعرض على دن أي برميل، فيصبون على رأسه عدّة أسطال من ماء البحر، و في الوقت يجرون من الوراء اللوح القاعد هو عليه، بحيث يقع في البرميل. و لما بلغني الدور قصدت إلى بعض الضباط، و بتقديمي قنينات من العرق أعفيت من تعميدا الاحتفال.

السمك الطائر

و باليوم الخامس و العشرين من نيسان صادفنا كثيرا من السمك الطائر،

____________

(1) هذا اصطلاح نصراني بمعنى الغسل المذكور قبلا، استعمله المترجم هنا.

40

و رأينا عدّة منه يرتفع في طيرانه إلى سمك ثلاث مخاصر (1) أو أربع، و يطير مسافة خمس مائة (2) قدم على التقريب، و يحرك أجنحته أي زعانفه كالطير، و كنت حتّى ذلك الحين أحسب، خلافا لشهادة السياح، أن هذا النوع من السمك لا يأتي إلا القفز و لكنّي الآن موقن بأنه يجب أن يعد من الحيوان الطائر، و قد سقطت منه عدّة سمكات على سفينتنا، فأصلحت للمائدة، و وجدت لحمها لذيذا جدا، و له طعم كطعم الطير الداجنة (3).

و في الدرجة الخامسة من درجات خطوط العرض الجنوبية برد الجو كثيرا و إن كنا لم نبلغ الدرجة العشرين من زاوية الشّمس، و في الدرجات الثانية عشرة منها صفا الجو صفاء محسوسا (4)، و حاولت أن أتبين القطب الجنوبي بالتهدي ببعض النّجوم فلم أر قط جمهرة نجوم تقابل جمهرة نجوم الدب الأكبر و نجوم الدب الأصغر، بل قليلا من النّجوم القطبية.

الرياح التجارية

و باليوم السابع و العشرين من نيسان السنة المذكورة (1799) دخلنا في مجرى رياح «الأليزة» (5) و هذا الحادث الحسي يستوجب إيضاحا: إن الملاحين الأوروبيين تعرّفوا بالتجارب أن بين الدرجة العاشرة و الدرجة

____________

(1) المخاصر هي جمع المخصرة و هي ضرب من العصا لها طول معلوم عند الرحالة و لعلّ الهنود يقيسون بها.

(2) هذه هي الكتابة الجديدة لهذا العدد و أمثاله و هي الصحيحة من حيث القاعدة العامّة.

(3) قال مصطفى جواد هذا السمك عرف في عالم الحيوان باسم «الخطاف» بفتح الخاء، و جراد الماء، قال الفريق أمين المعلوف: «فصيلة الخطاف أو جراد البحر: سمك طيار في البحار الحارة و المعتدلة. خطاف: جراد الماء و الواحدة جرادة: سمكة طيارة، ذكرها الدميري باسم الخطاف قال الخطاف بفتح الخاء و تشديد الطاء: سمكة ببحر سبتة لها جناحان على ظهرها، أسودان تخرج من الماء و تطير في الهواء ثمّ تعود إلى البحر. و ورد ذكر جراد الماء في كتاب سلسلة التواريخ قال: و ذكروا أن في ناحية البحر سمكا صغيرا طيارا يطير على وجه الماء يسمّى جراد الماء، و لا يزال هذا السمك يعرف في البحر الأحمر بجراد الماء، كما ذكر فورسكال. «معجم الحيوان: ص 101».

(4) أي محسوسا به، حذف الجار و المجرور لكثرة الاستعمال كالمشترك أي المشترك فيه.

(5) هي الرياح التجارية عندهم.

41

الثامنة و العشرين من درجات العرض الجنوبية تهب الريح باستمرار من الجنوب الشرقي، و تدفع بسرعة، في فسحة ثمانين درجة من الطول، جميع السفن القاصدة إلى بلاد الهند و السفن العائدة منها، و ناس ليسوا بأقلاء يحسبون أنه لو لم يكن في طريق السفن «رأس البون اسبرانس» أي الأمل الحسن‏ (1) و أمريكا الجنوبية لاستطاع البحريون في قليل من الزّمان أن يدوروا حول الأرض في فسحة هذه الدرجات، و إذ استكشف التجار هذه الرياح و كانت مفيدة للتجارة سمّاها الإنكليز «الرياح التجارية» أمّا في الدرجات الأخر من العرض فالرياح متغيرة و مشكوك في حالها.

و بالأيّام الأولى من شهر أيار «مايس» كان البحر هائجا فكانت أمواجه ترتفع غالبا إلى مستوى سطح السفينة و تدخل فيها من القناني‏ (2) و المشاكي‏ (3)، و مع أننا لم نكن إلا على الدرجة الحادية و الثلاثين من زاوية الشّمس، كان البرد في أثناء ذلك قارسا جدا، و وجدت من المستغرب جدا أن أيار الّذي هو في البنغال زمن القيظ الشديد كان باردا أيضا. و جرت بنا السفينة فجاوزت بنا جزيرة «موريس» و طرف جزيرة مدغشقر الجنوبي على مسافة ستين فرسخا أو سبعين، و قد قيل إن الجزيرة الأخيرة يحكم فيها ملك مسلم، و أن سكّان عدّة من أصقاعها يتكلّمون بالعربية.

و منذ تحركنا في هذا السفر كنا نخشى أن يأسرنا الفرنسيون، فقد كانوا في حرب على إنكلترا، و قد زاد خوفنا و تضاعف عند مقاربتنا لجزرهم، غير أننا لحسن الحظ نجونا و سلمنا ممّا كنا نخشاه، و في ذلك الوقت على التقريب كابدنا إعصارا بحريا شديدا دام ثلاثة أيّام و كان الموج يرتفع فيكون كالجبال و يزعج السفينة بشدّة جعلت من المستحيل على الإنسان أن يقف قائما، و حينما كنا نقعد كانت رؤوسنا تصدم حواجز السفينة، و بغتة، حين لم أكن أفكر في شي‏ء، سقط على صدري بجميع‏

____________

(1) ترجمه بعضهم «رأس الرجاء الصالح» مع أن الأعلام لا تترجم في الاستعمال، بل في الإيضاح.

(2) هكذا ورد في الترجمة الفرنسية و الظاهر أنه من مصطلحات لأشياء في السفينة.

(3) المشاكي جمع المشكاة و هي الكوة و الروزنة و شبههما.

42

ثقالته إنكليزي ضخم البدن جدا، و لم يكن يفصل حجرته عن حجرتي إلا نسيج من الخيش «الجنفاص»، فآذاني أذى فظيعا، و قد طالما أغضبني هذا الإنكليزي لأنّي كلّما رفعت صوتي بعض الرفع أو أقله في حجرتي عرضا صرخ هذا الرجل الساذج قائلا: و الآن إذن ألا تدعني أنام حينا ما؟.

و طوال الإعصار البحري كنا نقاسي نصبا في إعدادنا طعامنا، فكنا مجبرين على أن نأكل و نحن مضطجعو الأجسام، و من زيادة الشقاء أن السفينة دخل فيها من ماء الموج ليل نهار ما أوجب استعمال المضخات باستمرار، و قد رعب هذا العارض ركاب السفينة أشد الرعب أمّا أنا فقد كنت نصبا تعبا من الحياة، أرى جميع هذه الأمور بغير مبالاة (1).

و باليوم الرابع و العشرين من أيار من السنة المذكورة تبيّنا بعض القارة الأفريقية على نحو من مائتي ميل من شمال رأس «بون أسبرانس» المذكور آنفا و لم يكن قط أن نرسي السفينة فيه بعض الزمن، و مع ذلك فرؤيتي تلك الأرض أذرت الدموع من عينيّ، و شاهدنا على طول الساحل مخلوقات بحرية بشيعة و عدّة من الحيتان‏ (2) المعروفة باسم البال كانت تقترب جدا من السفينة، بحيث نراها بجهرة، و الواحدة منها أكبر من الفيل الضخم أربع مرّات، و هي تدفق ماء البحر من مناخرها الواسعة في سمك خمس عشرة مخصرة، و إذ كانت هذه الحيتان الثدوية، لا بدّ لها أن تطفو غالبا لتتنفّس سهلت رؤيتها على الرائي، و الأوروبيون يقتلونها و يستخرجون دهنها و شحومها البيض و يتخذون منها تجارة عظيمة.

كان الوقت رهيبا في بقية الشهر فنحن لم نر الشّمس و لا الكواكب عدّة ليال و عدّة نهر (3)، و كان الموج يتكسر باستمرار بمشاكي سياجها بعد سدها، و كنا مجبرين أيضا إمّا على أن ننغمس في ظلام دائم و إمّا على أن نوقد ليل نهار من الشمع، لقد بدأ الشمع يعوزنا، كنا إذن مكفنين بالظلمات كالجثث في قعر

____________

(1) ستحلو للرحالة الحياة، كما سيأتي بقلمه في رحلته و يرى الحياة أحلى من سكر النبات خصوصا بين الفتيات. (المترجم).

(2) الحيتان جمع الحوت.

(3) النهر جمع نهار.

43

قبورها و لو لا جلبة الموج الصخاب لحسبنا أنا من أهل الآخرة، فتذكرت حينئذ قول حافظ الشيرازي الشاعر (1):

و دوي الأمواج يبدو رهيبا* * * بسرور من فكرة الآلام‏

إن من ساح في السواحل ناج‏* * * في ظلام اللّيل البهيم الطامي‏

و باليوم الرابع من حزيران من هذه السنة (1799 م) لمحنا رأس «الكاب» و هو جبل المائدة و بعيد ذلك لمحنا خليج المائدة، الّذي تقوم في أسفل ساحله «مدينة الكاب» و أعلمنا إذ ذلك أن أزوادنا قد جفت و ينبغي لنا بالضرورة الإرساء في الميناء للحصول على أزواد جديدة، و لكننا كنا جدا متأخرين و إذ لم يرد الربان الدخول في الخليج ليلا بسبب صخور البحر التحتانية صممنا على الانتظار إلى صباح الغد، و كانت الريح مؤاتية كل اللّيل بحيث استطعنا من غير نصب أن نبرّ (2) في مدينة الكاب إبرارا. و لكن الضابط ذا الرتبة الثانية قد نام و هو يباشر ما عليه من توجيه السفينة، فاتجهت نحو الجنوب فلم نستطع الوصول إلى الأرض في اليوم التالي ليوم الوصول كله، و الفينا أنفسنا مضطرين ثانية أن نقضي اللّيل في لجة البحر. و أخيرا استعددنا و تأهبنا صباح اليوم الثالث لدخول الخليج غير أن عاصفة رهيبة ذات رعود و بروق فاجأتنا و ردّتنا خمس درجات نحو الجنوب، و سقطت صاعقة على سطح السفينة فقتلت ثلاثة ملاحين و جرحت اثنين جرحا بليغا جدا.

مشاق السفر

ولكي أطلع مواطني الّذين يرغبون في السياحة، أذكر المشاق الّتي كابدتها في سفري على السفينة كريستيانا و إنّي قاسم هذه الشدائد على أربعة أصناف.

أ- في كل السفن قد يحتاج المسافر إلى الخبز الجيد و الزبد و اللبن و الفواكه و الخضراوات، و قد يضطر إلى شرب الماء الآسن و التمضمض‏

____________

(1) المترجم الفرنسي نثر النظم الفارسي، و نظمته أنا شعرا و كذلك كل ما جاء من شعر الرحالة كقصيدة مدح لندن الآتية فيما بعد. (المترجم).

(2) أبر إبرارا نزل إلى البر من البحر و هو ضد أبحر إبحارا.

44

بالماء المالح‏ (1)، و يحصر في موضع غير صحي مع الكلاب و الخنازير، و إذا صعد إلى سطح السفينة فإنّه يجلب على نفسه البلل أو يسقط في البحر، يضاف إلى ذلك الأخطار الّتي هو معرض لها على الدوام، و كراهة حصره في موضع واحد و الهدام‏ (2) الّذي يحدثه اضطراب السفينة.

ب- أنا كنت أنام في حجرة صغيرة جدا، و محجوب عنها الضياء كل الحجب ثمّ أنّها مخالفة للصحة كليا، و خدم السفينة لا يعتنون بالنظافة، و ضيق المكان يحول دون وضع البهائم في موضع مفصول و لقد قاسيت نصبا كبيرا من شراسة جيراني من الركاب الّذين لا يطلبون إلّا تسهيل الفرص لأنفسهم.

ج- إنّ الأجانب «و أريد بهم غير الأوروبيين» لا يستطيعون أن يحلقوا أو يقصّوا أظفارهم، و عليهم أن يأكلوا بالسكين و الشوكة و ليس لهم مكان خفي للاغتسال فهم لا يستطيعون أن يتطهّروا، و قد تألمت من هذا الأمر الأخير العسير، ثمّ إنّ الملاحين لا يغسلون أيديهم، و لا وجوههم إلّا بالصباح، و كنت مضطرا في الغالب أن استمد من ماء البحر بنفسي عند احتياجي إليه، و ذلك بإناء من أواني الصفر و لكن العواصف أفقدتني عدّة منها و لم يبق لي أخيرا منها إلّا إبريق، فتعذّر عليّ الوضوء و أصبح من المستحيلات حقا القيام بفرض ديننا (3).

د- يعمّ جميع السفن الّتي ليست للإنكليز (4) اضطراب هائل، فالملاحون يتركون الماء يدخل في السفينة، و يتلفون كل شي‏ء بلا ضرورة و كل عمل منهم لا يكون إلّا في هرج و مرج و كلام خشن بذي‏ء. و لم يكن زادنا إلّا من السمك المملوح و البيض الفاسد الّذي يبعث رائحة كريهة لا

____________

(1) قيل إنّ الفصيح أن يقال: «الماء الملح» غير أنّ ابن القرية فصيح العرب وصف البصرة للحجاج قال: «حرها فادح و ماؤها مالح و فيضها سانح».

(2) الهدام هو دوار البحر أي صداعه بغثاثة النّفس و القي‏ء.

(3) يعني الصلوات الخمس.

(4) خالط الرحالة الإنكليز في بلاد الهند منذ شبابه و لهم في نفسه أثر حسن، يتمثل غالبا في تقييد رحلته هذا. (م).

45

يطاق شمها، و قد اعتاد الملاحون العادة الحمقاء من نومهم على ظهر السفينة وسط الماء الّذي غمره، يضاف إلى ذلك أنّ ضباط السفينة جهلاء و الملاحين غير مدربين و لا مهذبين.

إنّ صديقي «أوكست بروك» من كلكتا كان محقا في تكراره عليّ قوله:

«لا تبحر أبدا إلّا في سفينة إنكليزية (1)» و لما رأى أنّي عزمت، بخلاف نصيحته، على السفر في سفينة دانيّة «دانيماركية» بعث إليّ عند ركوبها كمية كبيرة من الفواكه اليابسة و المربيات و البسكويت، و استأخذني‏ (2) في الوقت نفسه ملابس مدفئة، و كنت جد سعيد، أن اتخذ، بلطف منه، تلك الاحتياطات، و لو لا ذلك لهلكت حقا من البرد و الجوع.

تيهان في البحر

و باليوم الثالث عشر من حزيران من السنة المذكورة تراخت الريح، إلّا أنّ ذلك لم يكن قط باعثا على راحتنا فمنذ عدّة أيّام لم نر الشّمس، و لم يكن عندنا تقاويم يومية و الضباط لم تكن لهم تجارب في الملاحة، و فقدنا كل اعتبار، و لم يستطع أحد أن يقول: في أي قاموس من البحر نحن كائنون؟ و لا كيف ينبغي أن تكون السيطرة على السفينة؟ و من زيادة التعس أنّه قد ظهر أنّ الماء العذب المخزون لا يكفينا حاجتنا إلّا أيّاما قليلة، فنحن قد صرنا إذن إلى أشد ضيقة و كدنا نهلك لو لا رحمة اللّه تعالى و رأفته. و كان الضباط كلهم يحسبون أنّنا بعيدون تماما في غرب الكاب و أنّنا على التقريب في منتصف الطريق إلى جزيرة «سنت هيلين» و إذا نحن بمدير المعيشة في السفينة، (و كان ذا عينين حادتي البصر، و رحل عدّة رحلات إلى الهند) قد نزل إلى كوثل‏ (3) السفينة، ليتحقق كمية الطيور الدواجن الباقية، و رمى ببصره إلى ما وراء السفينة، فصرخ قائلا: «ها هي ذي الأرض قد تركتموها وراءكم»، و لسماع هذه الكلمات انشمر عدّة ضباط إلى الصاري الأعظم، فلمحوا الأرض في الحقيقة،

____________

(1) راجع الحاشية في أعلاه.

(2) أي حملني على أن آخذ.

(3) الكوثل: المؤخر.

46

باستعمالهم مناظيرهم‏ (1)، من غير أن يستطيعوا تحديدها، و إذ ذاك أصدروا أمرا بإدارة السفينة و إنحائها نحو الأرض، و في آخر عدّة ساعات تعرفوا جبل المائدة و «بن دوسكر أي خبزة السكّر (2)» و في الحال استثاب البحريون شجاعتهم و بذلوا جميع مجهودهم لبلوغ الأرض المرادة.

و باليوم الحادي و العشرين من حزيران وجدنا أنفسنا بإزاء «بي دي لاتابل» و لتغير مجرى الريح كان يجب أن نتجه وجهة «فالس بي» لأنّه بعد زمن معين لا يجوز دخول كل سفينة في خليج «بي دي لاتابل» لأنّ الريح الّتي تهب من الجنوب الغربي، تجعل دخوله خطرا في برهة أربعة أشهر من السنة، فلذلك كان للحاكم أمر عمد واضح بأن يمنع كل سفينة من الولوج في الميناء و أجيز له إطلاق الرصاص على الّذين يأبون الإذعان لإشارة المنع المعلومة.

و باليوم الثالث و العشرين من تموز (3) تلك السنة دخلنا مساء بعد عسر ما في «فالس بي»، و لكن اللّيل الّذي أطل علينا سريعا أجبرنا على أن نلقي مرساة السفينة، لئلا يصدم السفينة صخر جرف البحر، و في صباح الغد استأنفنا السير، و بالظهيرة أرسينا السفينة بإزاء المدينة. و هذه المدينة في واد خصيب و في وسط مرج من الأزهار و الأعشاب الذكية الروائح، و مساكنها لا تتجاوز ثلاثين مسكنا، و لكنّها منظمة و محكمة البناء و في كل منها عين ماء. و هذا الموضع جدّ ملائم للتبرد في أوقات الرياح اللافحة الحر من الجنوب الغربي، و قد وجدنا هناك سبع عشرة سفينة منهما سفينتان حربيتان لحماية الميناء من هجوم الفرنسيين، و لقد مضى زمن طويل لم أر فيه سكانا من البشر، و لقد خلبني جمال هذه المدينة و مينائها، و شعرت في إبراري فيها بشعور جديد و إحساس مزيد.

و سرعان ما علمت أنّ الركاب جميعهم تألموا من سوء سيرة الربان «نيتلمان» و أنّهم عزموا على أن لا يرجعوا إلى السفينة، بل يذهبوا إلى مدينة الكاب و ينتظروا

____________

(1) المناظير جمع المنظار.

(2) جاء في الحاشية «سمي هذان الجبلان هذه التسمية لأنّ أحدهما يشبه المائدة و الآخر يشبه خبزة السكر».

(3) لعلّه حزيران فإنّه سيذكر أنّه سافر بعد النزول في «فالس بي» إلى الكاب في اليوم الثاني من حزيران فتأمّل ذلك.

47

وصول بعض السفن الإنكليزية، لكي يبحروا فيها إلى أوروبا، و كنت في حالة التمييل بين أن أترك رفاقي في السفر، و أن أخسر مبلغا جزيلا من الدنانير بملازمتهم و مرافقتهم، فاخترت الأمر الأخير من الأمرين و نزلت إلى البر، و استأجرت مثوى في الدار الّتي سكن فيها المسافرون الآخرون، و صاحب مثوانا اسمه «بارنيت» و هو أيكوسي الأصل، مداهن ذو وجهين‏ (1) فوافقت على أن أدفع إليه عشر روبيات كل يوم للسكن و الطعام، و لم يكن معه إلّا زوجة و طفلان و خمسة عبيد، و مع أنّنا كنّا في داره خمسة عشر إنسانا و فينا خدمنا كان يتدارك حتّى حاجاتنا الصغرى و يبادر إلى تحقيق رغباتنا.

و قبيل وصولنا إلى هذه البلدة كان الإنكليز قد استولوا على مدينة الكاب و ركزوا فيها حامية عدّتها خمسة آلاف جندي أوروبي في قيادة المقدم «دنداس‏ (2)» و كان يقوم بوظيفة الحاكم فيها أيضا، لغياب حاكمها اللورد «ماكارتني» و الضابط «كولينز» كان يقود جنود خليج «فالس بي» المقدم ذكره آنفا، فذهبت إليه أزوره، فتلقاني بأعظم أدب و في الغد جاءني يزورني، كفاء لزيارتي و دعاني إلى التغدّي في داره، و دعا معي جماعة كبيرة و كانت مائدته نفيسة (3)، و لم أكن أفهم أيّامئذ إلّا قليلا من اللغة الإنكليزية. و مع ذلك فهكذا كانت ظرافة الضابط «كولنز» و زوجته «المسزس. (4) كولنز» تلك الظرافة الّتي جعلتني أقضي ظهيرة جد مستحسنة في حياتي. و كان الضابطان «لي» و «كوج» اللذان يقودان السفينتين الحربيتين المقدم ذكرهما آنفا قد تلقياني أسرع تلق و دعواني مرتين إلى مشاهدة احتفالين عيديين أقاماهما على سفينتيهما، و أمرا بإطلاق عدّة إطلاقات مدفعية إعلانا بوصولي و بمغادرتي للسفينتين، و أفاضا عليّ أخيرا كل التكريم الّذي جرت العادة بإفاضته على أعيان الزمان.

و لم تنسلخ مدة طويلة على إقامتي في دار المستر «بارنيت» حتّى شعرت بتبدل كبير في سيرته، فكانت المائدة في كل يوم أردأ ممّا قبلها، و أحيانا كان يسي‏ء معاملتنا، و جاءني ذات يوم يرجو منّي تبديل مثواي، بمثوى أصغر منه‏

____________

(1) جاء في الترجمة أنّه كان حرا منافقا و هما صفتان متناقضتان. (م).

(2) ذكر الرحالة هذا المقدم كأنّه من معروفيه و لم يقل «في قيادة مقدم اسمه كذا و كذا». (المترجم).

(3) كان الرحالة يحب الإنكليز و ألوان طعامهم. (م).

(4) لقب النّساء المتزوجات في إنكلترا في ذلك العصر. (م).

48

لأنّه ينتظر، على حسب قوله، نزلاء جددا، فنقلت أمتعتي إلى مثوى مجاور لما كنت فيه ثمّ جاءني بعد قليل جدا فقال لي: إنّ هذا البيت كان محتجز السكنى و يجب عليّ أن أختار بيتا آخر من الدار، فأذعنت أيضا مرّة أخرى، و أسكنني في المثوى الجديد الّذي عيّن عليه، فوجدت فيه صناديق أمتعة لرجل شريف كان قد ذهب إلى مدينة الكاب و سيعود في المساء فساءني هذا الأسلوب في التصرف، و سألت صاحب الدار ما كانت غايته؟ فأجابني ذاكرا: إنّه سامحني كثيرا في أجرة مثواي فإن أردت البقاء في الدار فيجب أن أدفع عشرين روبية كل يوم، فقلت له: إنّك تتصرف تصرّف السادرين الأغوياء، و استعددت للسفر إلى مدينة الكاب، و مع أنّ الشّمس لم تكن قد متعت حين خروجي من منزله فقد استأداني أجرة اليوم كله و كنت مغتاظا فوق ذلك من زوجه فقد كنت وهبت لها حين وصولي، كيسا مملوءا من أجود أنواع الأرز البنغالي، و قيمة الكيس في مدينة الكاب أربعون أو خمسون روبية.

مدينة الكاب سنة 1799 م‏

و باليوم الثاني من حزيران‏ (1) سافرت إلى مدينة الكاب في عربة تجرها ثمانية أحصنه، و يقودها رجل واحد بمهارة مدهشة، فقد كانت الأحصنة تارة تخوض الماء فيبلغ صدورها و تارة تنغمس العربة في الرمل، و كنّا أحيانا نصعد تلالا و آكاما فيها حدر (2) و مع ذلك فكانت الخيل تحضر إحضارا، و بعد أربعة أميال أو خمسة من المدينة كان الطريق واسعا و مستويا، و على طواريه سياج من نبات شائك، و كان الريف جيد الزراعة، و يرى الإنسان هنا و هناك بساتين و غياضا و ضياعا و أرحاء، تساعد جدا على تجميل جمهرة المناظر. و الإنكليز و الهولنديون الّذين يسكنون مدينة الكاب يخرجون للنزهة كل يوم في هذا الطريق، على الخيل و في العربات منذ الزوال إلى الساعة الرابعة، فعلى مسافة ثلاثة أميال من المدينة تظهر المدينة نفسها ذات منظر مبهج، و بينها و بين خليج‏

____________

(1) لعلّ الرحالة و هم في تسمية الشهر، لأنّهم دخلوا خليج «فالس بي» في الثالث و العشرين من تموز، كما ذكر، أو كان ذلك التاريخ هو الخطأ.

(2) الحدر جمع الحدور و هو الجانب المنحدر الّذي لا تثبت فيه الرجلان. (م).

49

«فالس بي» مسيرة يوم واحد. و إذ كان في الطريق المذكور فنادق كان من الأمر السار أن يستطيع الإنسان التغدّي و التعشي في الساعات الّتي يريدها.

و كان اللّيل قد أرخى سدوله حين دخلنا مدينة الكاب و لكني كنت قد أحكمت أمري باحتجازي مثوى لي في فندق المستر «كلارك» فذهبت إليه قاصدا حين وصولي. إنّ مدينة الكاب تحف بها جبال، و عدّة دور منها قائمة على مقربة قريبة من رأس التابل (أي جبل المائدة) بحيث يخشى الأجنبي في كل لحظة أن يراها مدمّرة بسقوط الجبل عليها، و الجبال المذكورة آنفا تغطيها أعشاب طيبة الروائح و أزهار كثيفة و هي للأنعام مراع جيدة، و يرى الإنسان هناك منابع ماء غزيرة عذبة، لا تقتصر فائدتها على استعمال السكان بل تستعمل لإدارة عدّة أرحاء و لنضح الأرضين.

إنّ سكان الكاب يذهبون غالبا إلى قمة جبل «التابل» للهو عليها و هو موارب في عدّة مواضع فلا يستطيع الإنسان تسلقه بغير حبل و مع هذا فالنّساء (1) الهولنديات قد تعودن كثيرا أن يتخطين المهاوي حتّى ليصحبن أزواجهن دائما في هذا النوع من التنزهات. و في الجانب الآخر من المدينة يرى الإنسان «بي دي لاتابل» و فيه عدّة مضارب مدفعية مهمة، و منها مضارب قليلة من جهة الساحل، و هذا يعني أنّ مدينة الكاب محصنة تحصينا جيدا، حتّى أنّ الإنكليز لما هجموا عليها، قبل أن يستولوا عليها، اضطروا أن يذهبوا أوّلا إلى «فالس بي» و هناك نزلوا إلى البر، و بعد أن اجتازوا الجبال، بصعوبة بالغة هجموا على مدينة الكاب من الجانب الأرضي، و هكذا أجبروا الهولنديين على الاستسلام.

دور (2) مدينة الكاب زهاء عشرة أميال، و الدّور أكثرها مبنية بالآجر، و منها قليل مبني بالحجارة، و طرقها الواسعة المتصافّة تصافا حسنا لها رصف‏ (3) مبلطة بحجارة صغار أو الطاباق العريض و لها مثعب‏ (4) أو مثعبان،

____________

(1) سيرى القارئ أنّ الرحالة لا ينفك بذكر النّساء بأدنى سبب كما ذكرنا قبلا.

(2) الدور عند القدامى هو «المحيط» عند العصريين.

(3) الرصف جمع كثرة الرصيف.

(4) المثعب هو مجرى الماء المستقذر في المدينة و يسمّيه العصريون «المجرى و المجاري» و هو

50

تثعب فيه المياه، بحيث لا يمكن أبدا، على التقريب، أن يرى فيها طين حتّى في الشتاء. و جميع الطرق و الدروب و الشوارع مكنوفة بصفين من الأشجار، الّتي تظل ظلا وارفا أي ذات الظل الوارف، و أمام كل دار مصاطب من الحجارة سمكها أي ارتفاعها قدمان يجلس عليها السكان، ليدّخنوا بسبلهم في أماسي الصيف، و هذه العادة الّتي أحسبها خاصة بالهولنديين عادة حسنة.

و عدّة دور من المدينة مؤثثة بظرافة و فيها مرايا و مناضد و مناور (1) و شمعدانات و أكثر هذه من الفضة، و جدران البيوت و الحجر و الغرف مزينة بورق ملون بمختلف الألوان و الشبابيك عليها ستور نفيسة من أقمشة الهند أو من القطيفة، و فذلكة القول إنّ بهاء هذه المدينة أنساني حاقّ الإنساء ذكرى بهاء كلكتا الّذي كنت أحسب حتّى هذا اليوم أنّه أعلى من بهاء جميع المدن الّتي بين بلاد الهند و أوروبا، ثمّ تغير حسباني بالنسبة إلى مدينة الكاب و أستطيع أن أقول متحققا أنّي منذ أوّل يوم من فصولي حتّى وصولي إلى إنكلترا كنت أرى تزايد البهاء و النفاسة في الأشياء فكل مدينة أبلغها أراها أجمل من الّتي غادرتها.

و كان الأمر بالضد حين رجعت إلى بلاد الهند، و على هذا ظهر لي بعد إقامة طويلة في لندن ثمّ زيارتي باريس أنّ هذه المدينة الأخيرة هي دون الأولى كمالا من غير شك، أجل فيها آثار أجمل من آثار لندن، و لكنّها أقل تنظيما و نظافة و استنارة باللّيل، و الميادين العامّة و الحدائق أقل عددا فظننت أنّي هويت من الجنّة إلى النّار (2)، و لم أشعر بجميع جمال عاصمة فرنسا إلّا عندما كنت في إيطاليا، فمدن إيطاليا، على حسب رتبتها في الذكر، ظهرت لي جميلة بالمقابلة بينها و بين القسطنطينية، و ظهرت لي هذه الأخيرة جنّة الأرض حينما تذكرت بغداد و المدن الأخرى من وطن أهل العقائد الصحيحة (3)، و في قرابة وسط الكاب ميدان جميل دوره ميلان و فيه يتدرب الجنود، و يكنفه من الجانبين‏

____________

خطأ من حيث الاصطلاح، لأنّ القدامى من العرب سموه بالمثعب و المثاعب و لأنّ المجرى عام لكل ماء. (م).

(1) المناور هو جمع المنوار.

(2) قلنا: لا شك في أنّ حب الرحالة للإنكليز ساهم في تعظيمه جمال لندن. (المترجم).

(3) يعني المسلمين عامّة.

51

دروب ذات دور شاهقة و من الجانب الآخر الحصن و البحر، إنّ الحصن منظم و يشبه كثيرا حصن كلكتا و لكنّه أصغر منه. و أسواق المدينة جدّ جميلة.

و مشحونة بالسلع و التجارة.

النّساء الهولنديات‏

حسبنا من الكلام على مدينة الكاب فلنتكلّم قليلا على السكان فجميع الهولنديين الّذين أتاحت لي الفرص أن أراهم في الكاب ثقلاء الدم، ضخام، سخفاء العقول، و لكن الشابات الهولنديات حسنات الأجسام، كثيرات النشاط، و لا يستطيع الإنسان أن يتهمهن بالقسوة و الفظاظة (1)، و من سوء الحظ أنّهنّ يردن أن تهدى إليهن هدايا جزيلة، و النّساء الهولنديات المتزوجات سيّئة سمعتهن و الإنكليز الّذين لهم بعض الغنى كل واحد منهم قد خادن سيّدة منهن يزورها اعتيادا من غير أن يرى ممانعة أو مدافعة أو إباء من زوجها، و قد جرت العادة بأنّ الزوج يعتزل زوجته حينما يصل الخدن الإنكليزي المدلل، و هذا يعني أنّ الإنكليز ينفقون جميع ما يربحون و ما يحصّلون على أنّ الهولنديين ينالون من الغنى أكثر ممّا ينالون في أثناء حكومة دولتهم و في الحالة العمّى‏ (2) أرى الهولنديين رداء (3) أنذالا، قلما يضيفون الضيوف و يبالون أنّ تساء سمعتهم، و لم أر شعبا غيرهم يعامل العبيد بقسوة كمعاملتهم و إذا كان للعبد من عبيدهم حرفة أو صنعة فهم يجيزون له الاحتراف أو الاشتغال بها، و لكنّهم يوجبون عليه أن يدفع إليهم دولارا واحدا إلى أربعة دولارات في كل يوم، بحسب وسائل عملهم، و في مقابل تلك الإجازة، و يحتفظون لأنفسهم ببنات العبيد إذا كن جميلات و إلّا باعوهن و أجبروهن على الاعتمال مع آبائهن، و إن اتفق أنّ عبدا أمكنه جمع مبلغ كاف في أن يبتاع حريته و يتحرر فإنّهم يطلبون منه ثمنا مغلى مفرطا، أو يضعون في طريقه كثيرا من العراقيل، و إذا كانت الجواري‏ (4) مكلفات أن‏

____________

(1) الظاهر: أنّ الرحالة رأى منهن رقة عليه.

(2) العمى مؤنث الأعم.

(3) جمع ردي‏ء.

(4) الجواري جمع الجارية و هي أنثى العبد في الغالب. (المترجم).

52

يعتنين بخدمة السرر و الغرف و الحجر للمسافرين أمكنهن أن يحصلن على شي‏ء من الدراهم و لكن ساداتهن لبخلهم يسلبونهن قسما كبيرا منها.

و في أثناء إقامتي في الكاب كابدت أذى هائلا من قذارة مواضع الاستراحة (1) و الغائط فإنّهم لا يعتنون بتنظيفها و ليس في المدينة حمامات حارة و لا حمامات باردة، و السكان يجهلون كل الجهل استعمال المغسل و التطهر.

و إذ كنت أجهل اللغة الهولندية كان من المحال أن أكالم النّساء الشابات الهولنديات و مع ذلك فقد رقصن بحضوري رقصا شهوانيا، و نظرن إليّ نظرات جدّ معبرات‏ (2) فأحمر خجلا و اضطر أن أنزوي في باحة الرقص، هذا و أنّ عدّة أوانس تحرشن بي ذات يوم، و أجملهن كانت أجرأهن خطفت منديلي و قدّمته إلى إحدى صواحبها فاستغرقن في الضحك كلهن، و إذ ظهر أنّ صاحبتها لا تريد قبوله، فاسترجعته منها قائلا: «أنا لا أهبه إلّا لأجمل فتاة منكن» إشارة منّي إلى عادة الأتراك في رميهم المنديل إلى المرأة الّتي يريدون أن يقضوا اللّيل معها، و توجّهت الدعابة بذلك على شيطانتي المحبوبة، فانصرفت و قد ضرج الخجل خديها بالاحمرار.

أهل الكاب‏

أقمت في دار المستر «كلارك» حتّى اليوم الثالث عشر من تموز سنة (1799 م) و في أثناء تلك الإقامة تعرّفت إلى عدّة أشخاص و تحققت أنّ في مدينة الكاب ناسا كثيرا من المسلمين، و صاحب مثواي لم يتوان عن أن يبرهن لي على أنّه هولندي صحيح النسب بدعاواه العريضة، و قد أنبته تأنيبا كثيرا، رده عليّ بكثير من الوقاحة، حتّى لقد تهدّدني بتقديمي إلى باحة القضاء، و شكوته إلى الضابط «ويليامسون» أحد رفقائي في السفر و إذ كان بينه و بين إحدى نساء الدار تواطؤ إنحاز إلى صاحب الدار، و بعد ذلك أتيحت له فرصة الندم على سيرته الّتي سارها، فإنّ الجارية الّتي و اطأها و وطئها قد اتضح أمرها و عاقبها سيّدها بشدّة و أخذ جميع الدراهم الّتي‏

____________

(1) يعني المراحيض و أشباهها.

(2) يكثر الرحالة من ذكر افتتان النّساء و لعلّه كان على جمال من الصورة. (المترجم).

53

أعطاها إيّاها الضابط المذكور، و إذ ذاك غادر ويليامسون الدار و جاء إليّ معتذرا. و بعد مشاجرتي للمستر (كلارك) سكنت في دار مسلم مستور حييّ فعني بحالي و اهتم بي أعظم عناية و اهتمام.

كنّا أيّامئذ في قلب الشتاء و مع ذلك كنّا نرى الخضرة و الأزهار في كل مكان، و كانت الفواكه لذيذة و في وفارة و كثرة حتّى لقد رأيناها معروضة في موضع واحد، على اختلاف مناطقها الحارة و المثلوجة. و كان على مسافة ما من المدينة بستان مشهور يعرف باسم كونستانتيا يغل عنبا فائقا رائقا و وجدته ألذ عنب أكلته في حياتي و يصنعون منه نبيذا لذيذا. يصدر باسم «كونستانس» إلى جميع أصقاع الدّنيا.

و أهل الكاب يبيعون في الأسواق كثيرا من البقر و الضأن و المعزى و هو من النوع الجميل يكون فيه كثير من الشحم و الدهن، و في المدينة خضراوات جيدة و لكن الأرز و الحنطة فيها من النوع المقارب‏ (1). و من العسير جدا أن يحصل المسافر على زبد طري، و مع كثرة هذه الأشياء و وفارتها في الظاهر تباع بأسعار عالية جدا.

إنّ خيل مدينة الكاب جميلة و قوية وجد مروضة و أحسبها من أصل الخيل العربية، و هؤلاء يستخدمون البغال أيضا، و في الغالب يتخذونها لجر العربات و العربات القروية يجرها البقر و إنّ هذا الجزء من أفريقية فيه كثير من النعام، و قد أروني نوعا خاصا من الكلاب و قططا وحشية تعيش في الغابات.

و باستثناء الهولنديين يرى السائح ناسا من كثير من الأقطار الأخرى، و تستعمل في المدينة سبع لغات أو ثمان و الشعب مؤلف في قبيله الكبير من المالقيين و الزنج، و أكثرهم من قدامى العبيد الّذين ابتاعوا حريتهم و تحرروا أو أعتقهم سادتهم و لقيت بينهم كثيرا من المسلمين منهم عدّة أشخاص يمتلكون أملاكا معتبرة و يطيب‏ (2) لي أن أثني الثناء الحسن على رجل اسمه «المستر بومكارد» هولندي ظريف كان يقيم منذ ثلاثين سنة في البنغال و كان‏

____________

(1) هو الوسط، ليس بالجيد و لا الردي‏ء.

(2) بدأ الرحالة يذكر الّذين تعرّف إليهم و كان لهم أثر حسن في نفسه، و التذكير هو الغالب فمنهن نساء. (م).

54

بعض الزمن حاكم «جنيسورا» و امرأته كانت جدّ متحبّبة، و كانت ذات علم غزير و تتقن سبع لغات مختلفات. و إن وجب عليّ أن أذكر جميع الألطاف الّتي ألطفني بها المقدم «دنداس» المقدم ذكره في هذه الرحلة فإنّي لم آت على نهايتها، و لكنّي لا أستطيع أن لا أقول كلمات على الأمسيات الساحرة الّتي قضيتها في دار الليدي «بارنيت» المعروفة عموما باسم «أميرة الكاب» فكنت غالبا أكون في دارها مع شابة إيرلندية ذات جمال كامل و السيّدة «كرافورد» كانت قليلة الكلام، إلّا أنّ فيها جميع ظرافة الأميرات الهنديات و قد أغرمت بها غراما. و الليدي «بارنيت» و «السيّدة كرادفورد» كانتا الإنكليزيتين المتميزتين الوحيدتين اللتين كان زوجاهما معهما في الكاب، و الضباط الآخرون كانوا مضطرين أن يبسطوا آمالهم و رغباتهم بين أيدي الهولنديات‏ (1) فكثير منهن بهذا السبب فعلن‏ (2) زواجا نافعا جدا.

و في أثناء إقامتي بمدينة الكاب تغيّرت الرياح و استطاع الاشتيام «نيتلمان» أن يقود سفينته من «فالس بي» إلى «بي دي تابل» و ما كاد يصل إليه حتّى اتهمه «المستر برينكل» وكيل شركة الهند بأنّه نهب ما في السفينة الّتي احترقت في نهر الكانج بالهند فاستدعي إلى باحة القضاء، و صدر الحكم بتجريمه و تغريمه زهاء (ثمانية و أربعين ألف فرنك).

و في أثناء الأجراء لهذه الدعوى وضعت سفينته في الحجر و الملاحون تفرقوا، أنّ «نيتلمان» وجد نفسه إذن في حال تعذر و استحالة لاستئناف السفر، و مع هذا فأحسب أنّه لم يكن مغتاظا من هذا الحادث لأنّه تزوج بعيد ذلك سيّدة هولندية و أقام في الكاب، و إذ ذلك رفع الركاب أمره إلى القضاء و أجبروه على أن يعيد إليهم نصف المبلغ الّذي أعطوه إيّاه أجرة لسفرهم، و كان لي من ظلافة النّفس ما منعني من مطابقتهم على ذلك و كنت أخشى من جهة ثانية مناقرة الوكلاء (3) الهولنديين، و قد أكّد لي «نيتلمان» أنّه إن صدر الحكم عليه لا له‏

____________

(1) يعرض الرحالة بما أشار إليه من أنّ الضباط الإنكليز كان لكل منهم خدينة من زوجات الهولنديين.

(2) استعمل «فعلن» لأنّه لم يكن زواجا بل كان سفاحا.

(3) الوكلاء عند العرب هم المحامون عند العصريين، و هذا الاصطلاح ممّا أسيئت ترجمته قبل نصف قرن لأنّ الّذي يحامي لا يأخذ أجر. (م).