رحلة العالم الألماني ج. او. هابنسترايت

- إبراهيم عبد القادر المازني المزيد...
168 /
5

الفهرس‏

تقديم 9

الرسالة الأولى 21

الوصول إلى مدينة الجزائر و التعرف على الداي 21

تسمية البلاد الجزائرية و تحديد موقعها 24

نبذة عن تاريخ مملكة الجزائر 26

أصول سكان الجزائر و مكانة الأتراك المتميزة 29

الحضر و اليهود 32

الأسرى المسيحيون 34

مدينة الجزائر: موقعها و تحصيناتها 35

منازل مدينة الجزائر و حماماتها و مساجدها 37

العدالة و القضاء 38

وضعية الدايات و تعرضهم للاغتيالات 40

خزينة الجزائر 42

فدية الأسرى المسيحيين و الغنائم 42

تنظيم الديوان و إدارة المقاطعات 44

عادات و تقاليد الجزائر و جو الحرية الذي توفره للأسرى المسيحيين 46

صيام رمضان و مراسم عيد الأضحى 48

ضواحي مدينة الجزائر 49

ملاحظات حول نباتات و حيوانات مملكة الجزائر 50

6

الرسالة الثانية 53

الخروج مع المحلة إلى سهل متيجة و البليدة 54

وضعية سكان الريف و معاملة الحكام لهم 59

عبور وادي جر و الوصول إلى مليانة 60

المرور بقبيلتي جندل و وامري و الوصول إلى المدية 62

التعرف على المدينة و الجهات القريبة منها 64

المرور بأولاد إبراهيم و بن سالم و أولاد ثان 66

النزول بوطن قشتولة و التعرف على سور الغزلان و برج حمزة 67

التعرف على آثار أوزيا (سور الغزلان) 69

النزول عند بني هارون و العودة إلى مدينة الجزائر 70

الرسالة الثالثة 73

استعداد حكومة الجزائر لصد الهجوم الإسباني و شيوع حالة الخوف و الترقب بين السكان 74

انعكاس الوضع على هابنسترايت و اضطراره للسفر خارج مدينة الجزائر 76

استقبال الداي لها بنسترايت و إعطائه رسائل توصية لإتمام مهمته العلمية 77

الاستعداد للسفر و مغادرة الجزائر إلى عنابة 78

التوقف بعنابة و مغادرتها للالتقاء بمحلة باي قسنطينة 81

أسلوب جمع الضرائب و فرض الغرامات و معاملة شيوخ القبائل 84

التعرف على بعض الآثار الرومانية بنواحي تيفاش و خميسة 86

السفر إلى قسنطينة و التعرف على آثارها 88

موقع قسنطينة و مناظر خانق وادي الرمال 90

7

تعرض هابنسترايت لنقمة السكان 91

التوقف بحمام المسخوطين و وصف منابعه و التعرف على آثاره 92

قبر القديس أغسطين بعنابة 94

المرور بحصن فرنسا و الوصول إلى القالة و مشاهدة صيد المرجان 95

الانتقال إلى طبرقة ثم الوصول إلى رأس نيغرو 99

زيارة معسكر باي تونس بباجة و العودة إلى رأس نيغرو و المكوث فيه لعدة أيام 101

الوصول إلى بنزرت و الانتقال منها إلى مدينة تونس 105

الرسالة الرابعة 109

مقابلة باي تونس في مقر إقامته بباردو 109

التعرف على حنايا قرطاج 111

وصف مدينة تونس و قلعة حلق الوادي 113

حكومة مملكة تونس: الباي و الديوان و الحامية 115

طبائع أهل تونس و قوتها البحرية 118

معاينة آثار قرطاج 119

السفر إلى طرابلس بحرا و التوقف بجزيرة لا مبادوزا و وصف ديرها 122

الوصول إلى طرابلس و التعرف على حاكمها الباشا 126

التعرف على بعض آثار طرابلس و لبدة و العودة إلى ألمانيا 127

المراجع المعتمدة في تحقيق رحلة هابنسترايت 129

ملاحق‏

ملحق رقم (1)

محطات رحلة هابنسترايت 131

8

ملحق رقم (2)

قائمة بأهم الكتابات الغربية المتعلقة بولايات المغرب العثمانية 133

ملحق رقم (3)

خرائط توضح خط سير هابنسترايت 136

ملحق رقم (4)

صور عن الأماكن التي تعرف عليها هابنسترايت 140

ملحق رقم (5)

فهرس الأعلام و الأماكن 165

9

تقديم‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

رحلة ج. أو. هابنسترايت إلى الجزائر و تونس و طرابلس (1732)

تشتمل الكتابات الأوربية عن أقطار المغرب العربي مذكرات الرحالة و تقارير القناصل و انطباعات المسافرين و حكايات البحارة و إفادات الجواسيس و تقاييد رجال الدين. و هي مع اختلاف أهدافها و تباين اتجاهاتها و تضارب معلوماتها في بعض الأحيان، تعتبر مصدرا تاريخيا من الدرجة الأولى، نظرا للمعلومات التي توفرها للباحث و لتنوع و جهات النظر التي تعبر عنها و الظروف التي كتبت فيها، فهي لا تقل أهمية عن الكتابات المحلية و حتى السجلات الرسمية، بل تصبح في غياب الوثائق الأرشيفية و شح المصادر المحلية مصدرا أساسيا لا يمكن أن يستغني عنه أي باحث في دراسته للحياة الاجتماعية و الثقافية، إذ تعرفه على النشاط الاقتصادي و الوضع السياسي للفترة الحديثة من تاريخ المغرب العربي.

لقد حظيت الكتابات الغربية حول أوضاع أقطار المغرب العربي منذ الربع الأول من القرن التاسع عشر باهتمام الكتاب الأوربيين، و كان للفرنسيين قصب السبق في ذلك، إذ حققوا و نشروا العديد منها، و هذا ما ساعد على توفرها في المكتبات و مكن الباحثين من الانتفاع بها، فغدت المرجع الأساسي‏

10

للعديد من المؤلفات التاريخية خاصة منها ما يتعلق بتاريخ الجزائر و تونس في العهد العثماني، فلم يعد من الممكن لأي باحث جاد تجاوز ما كتبه و نشره في هذا الشأن كل من مارمول، و هايدوودان، و دابر، و داراندا، و لاموت، و لافاي، و طولو، و دارفيو، و بايصونال، و دي‏فونتال، و شووبوتان، و شالر (1).

لقد شكلت تلك الكتابات الغربية منذ منتصف القرن الثامن عشر، بحكم الهيمنة الثقافية الأوربية في مجال البحث و التأليف و النشر، المرجع الأساسي للفترة العثمانية من تاريخ المغرب العربي، و قد أصبح كتاب غرامون(H .de Grammont) الذي اعتمد على هذه الكتابات التاريخية منذ صدوره عام 1887 (2) النموذج الذي قلما تجاوزه من كتب عن تلك الفترة؛ و قد رسم هذا الكتاب المرجعي ملامح الفترة العثمانية ببلاد المغرب العربي، فتحددت الصورة النمطية حسب النظرة الأوربية، و غدا الوجود العثماني في الأساس هيمنة و استعمارا و تأخرا و جمودا، و اعتبر الجهاد البحري قرصنة و اعتداء، بينما أصبح تصدي الحكام لمخططات الهيمنة الخارجية موقفا عدائيا غير مبرر، أما الجهاز الإداري فهو مجرد آلة مسخرة لممارسة الظلم و تكريس الاستعباد، فيما غدت العادات و التقاليد مظهرا للتأخر و الانغلاق.

إن هذا التصور الأوربي لتاريخ المغرب العربي في الفترة العثمانية ينطلق من نظرة خارجية و يعبر عن موقف عدائي، جعل الدارسين لتاريخ المغرب العربي الحديث في موقف حرج، بل في تناقض مع شروط المنهجية سواء من حيث المواصفات الموضوعية أو المعالجة العلمية، فهم لا يستطيعون بحكم حاجتهم إلى المضمون التاريخي لهذه الكتابات الأوربية أن‏

____________

(1) أنظر القائمة الملحقة بالكتاب و المتضمنة أهم الكتابات الغربية حول المغرب العربي في العهد العثماني.

(2)

H. D. de Grammont, Histoire d`Alger sous la domination turque( 5151- 0381 ), Paris, E. Leroux, 7881.

11

يستغنوا عنها، كما أنهم من جهة أخرى لا يمكنهم قبول توجهاتها الاستعمارية أو التسليم بأحكامها المتحيزة.

إن التغلب على هذه الإشكالية و تجاوز هذا التناقض يتطلب في نظرنا التسلح بالمنهج النقدي و الأسلوب التحليلي في التعامل مع هذه الكتابات، و التوجه في نفس الوقت إلى البحث عما ظل بعيدا عن أيدي الباحثين من الكتابات الأوربية الأكثر موضوعية و حيادا و خاصة ما كتب من طرف علماء مستكشفين لم تكن لهم خلفيات معادية للوجود العثماني و لم يتأثروا بالمخططات الاستعمارية الهادفة للسيطرة على البحر المتوسط و احتلال أقطار المغرب العربي، كما هو الحال بالنسبة لغالبية الرحالة و العلماء الألمان و الإسكندنافيين و الهولنديين و الروس و إلى حد ما الإنكليز و الأمريكان‏ (1)، فقد

____________

(1) نذكر من هذه الكتابات التي تعود إلى العهد العثماني مع تحديد تاريخ تسجيلها أو إصدارها:

1. وليم لا يثغو الأسكتلندي.(W .Lithgow) )4161(

2. الدكتور توماس شو الإنكليزي.(Dr .Th .Shaw) )8371(

3. كوكوفتسوف الروسي.(M .G .Kokovotsov) )7771(

4. جيمس ل. كاثكارت.(J .L .Cathcart) )5871(

5. فون ريهبندر الألماني.(J .Ad .Von Rehbinder) )0081(

6. وليم شالر الأمريكي.(W .Shaler) )6281(

7. ليسكين البولوني.(Liskenne) )0381(

8. سيمون بفايفر الألماني.(S .Pfeiffer) )0381(

لزيادة الاطلاع، راجع قائمة بأهم الكتابات الغربية الملحقة بالكتاب و كذلك:

- ناصر الدين سعيدوني، ورقات جزائرية، دراسات و أبحاث في تاريخ الجزائر في العهد العثماني، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 2000، ص ص. 21- 100.

- W. Marais, Un Sicle de recherches sur le pass de l`Afrique musulmane, in Histoire et Historiens dAlge? rie, Paris, 1391.

- G. Tubert- Delof, Bibliographie critique du Maghreb dans la litte? rature franc? aise( 2351- 5571 ), Alger, S. N. E. D., 6791.

12

كانت كتاباتهم أقرب إلى الاتزان و أميل إلى الموضوعية بالمقارنة مع نظرائهم من الفرنسيين و الأسبان و الإيطاليين و خاصة منهم بعض رجال الدين‏ (1)، فقد عرفوا بموقفهم العدائي و نظرتهم المتحيزة فيما سجلوه عن أقطار المغرب العربي في العهد العثماني، هذا دون أن نقلل من الأهمية العلمية لبعض المصادر الفرنسية و خاصة ما كتبه علماء مستكشفون أو عسكريون مستطلعون‏ (2).

و في هذا الإطار تحتل رحلة الطبيب و عالم النبات الألماني ج. أو.

هابنسترايت‏

( J. E. Hebenstreit )

مكانة خاصة، فهي تقدم صورة لأقطار المغرب العربي (الجزائر- تونس- طرابلس) في النصف الأول من القرن الثامن‏

____________

(1) نذكر من هذه الكتابات التي ألفها رجال دين ينتمون إلى إرساليات و هيئات دينية، حسب تاريخ تأليفها أو إصدارها:

مارمول دال كارفاخال.(L .d .Marmol y Carvajal) )0061(

دييغو دو هايدو.(P .Diego de Hae ?do) )2161(

الأب دان.(P .Dan) )7361(

داراندا.(E .DAranda) )2461(

الأب أو. دابر.(O .Dapper) )8661(

الأب دولاموت. (1703)(De la Motte)

كامولان.(P .F .Camelin) )0271(

الأب لافاي.(J .B .Lafaye) )6271(

لزيادة الاطلاع، أنظر قائمة بأهم الكتابات الغربية الملحقة بالكتاب.

(2) نذكر منها على سبيل المثال:

الفارس دارفيو.(Le Chevalier L .DArvieux) )2071(

بايصونال.(J .A .Peyssonnel) )5271(

دي فونتان.(L .R .Desfontaines) )4871(

فانتور دو بارادي.(Venture de -Paradis) )9871(

العقيد بوتان‏(Colonel Boutin) )8081( .

لزيادة الاطلاع، أنظر قائمة بأهم الكتابات الغربية الملحقة بالكتاب.

13

عشر أقرب ما تكون إلى الاعتدال و الموضوعية و النظرة المتزنة بالمقارنة مع باقي الكتابات المعاصرة لها من أمثال كتابات لاكوندامين (1731)، و ج.

مورغان (1731)، و ج. ب. طولو (1732)، بل تعتبر مع اختصارها أكثر دقة مما تضمنته رحلة الطبيب الإنكليزي الدكتور شو (1738) (1)؛ و هذا ما شجعنا على ترجمتها و التعليق عليها و تقديمها للقارى‏ء لتكتمل الجوانب التي لم تركز عليها باقي الكتابات الغربية عن الفترة العثمانية من تاريخ المغرب العربي.

لقد ظلت هذه الرحلة بعيدة عن أيدي الباحثين، فلم يحاول الكتاب الفرنسيون الرجوع إليها لصعوبة الوصول إليها، و أهملوا نشرها و تحقيقها رغم اختصارها و غزارة معلوماتها، و لعل ذلك يعود إلى كونها لا تقدم لهم الصورة التاريخية التي تتماشى و نظرتهم لأقطار المغرب العربي الحديث. كما أن صاحبها ظل مجهولا رغم بحوثه العلمية في مجال الطب و علم النبات، فلا نعرف عنه سوى معلومات متواضعة، فهو كما جاء في النسخة الفرنسية لهذه الرحلة، من أهالي مدينة نوشتادت أون أورلا(Neustadt /Orla) الواقعة بمقاطعة الساكس بألمانيا، درس الطب في شبابه بجامعة يينا(Iena) ، و استقر بلايبزيغ(Leipzig) ، و تحصل على عمل بفضل توصية من عالم النبات ريفيناس(Rivinas) حيث اشتغل عند أحد التجار الأغنياء، فأوكلت إليه مهمة العناية بالنباتات النادرة، و هذا ما سمح له بمواصلة دراسته و الحصول على‏

____________

(1)

La Condamine, Voyage au Levant- Alger en 1371, pub. par M. Emerit, in Revue africaine T. 89/ 4591, pp. 453- 183 J.- A. Morgan, A Complete History of Algiers, London, 1371, trad. par B. de la Primaudie, Paris, 7571( 2 )vols. (.

- J. B. Tollot, Nouveau voyage fait au Levant( 1371- 2371 ), contenant les descriptions d`Alger, Tunis de Barbarie, Paris, A. Cailleau, 2471.

- Dr. Th. Shaw, Voyage dans plusieurs provinces de la Barbarie( d`Alger et de Tunis ), Oxford, 8371, le? re trad. en franc? ais, La Haye, 3471, 2 e? me trad. par Mac Carthy, Paris, 0381.

14

مؤهل سمح له بمزاولة مهنة الطب.

و أثناء ذلك عرف هابنسترايت بسلوكه المنضبط و إخلاصه في أداء عمله، و هذا ما ساعده على أن يحظى بثقة ملك بولونيا و منتخب الساكس أغسطس الثاني (1670- 1733)، فكلفه برئاسة بعثة علمية إلى شمال إفريقيا للتعرف عن كثب على نباتات و حيوانات تلك المنطقة، و العمل على جمع عينات منها لفائدة القصر الملكي، فنجح إلى حد كبير في القيام بتلك المهمة، و عرف كيف ينال ثقة حكام الجزائر و تونس و طرابلس، و أظهر حسن التصرف في إقامة علاقات و دية مع هؤلاء الحكام و مساعديهم، و قد كانت معارفه الطبيعية و ملاحظاته الدقيقة خير عون له على القيام برحلات استطلاعية داخل الجزائر و تونس بصحبة الأفراد المرافقين له. على أن الظروف لم تساعده على التعرف أكثر على تونس و طرابلس، بعد أن سادت روح العداء للوجود الأوربي نتيجة احتلال الإسبان لوهران و المرسى الكبير سنة 1732، مما اضطره إلى تحديد تحركاته و إنهاء مهمته و إن كان يأمل في استكمالها بقطع الصحراء الكبرى و الوصول إلى السنغال و التعرف على دواخل إفريقيا.

لقد سارع هابنسترايت إلى العودة إلى ألمانيا بعد أن بلغه نبأ وفاة الملك الذي أرسله في هذه المهمة العلمية، في 4 ماي 1733. فحظي مجددا برعاية الملك الجديد أغسطس الثالث الذي أعجب بمواهبه و قدر فيه إخلاصه في أداء المهمة التي كلف بها و تفانيه في نقل ما جمعه من مقتنيات تتعلق بالتاريخ الطبيعي من أشياء نادرة و بعض الحيوانات و النباتات الإفريقية، فعينه أستاذا للطب في لا يبزيغ، و هذا ما ساعده على نشر بعض مؤلفاته العلمية، فيما ظلت تقاييده عن مهمته بشمال إفريقيا ضمن أوراقه الخاصة، عند ما استدعي لتقديم الإسعافات لجيش أمير سكسونيا بالجبهة إبان اندلاع حرب السبع سنوات التي تسبب فيها طموح الملك الفرنسي لويس الرابع عشر و تحديه للتحالف الأوربي المعادي له، و أثناء هذه الحرب أصيب هابنسترايت بحمى معدية أدت إلى وفاته و هو يؤدي واجبه في جبهة القتال في الخامس من شهر ديسمبر من‏

15

عام 1757، و هذا ما حال دون ظهور نتائج أبحاثه العلمية و نشر مذكراته الخاصة و منها تقاييده عن رحلته إلى كل من الجزائر و تونس و طرابلس سنة 1732.

لم يتعرف القراء على رحلة هابنسترايت إلا بعد وفاته بمدة تجاوزت عشرين عاما، فقد اطلع عليها العالم الموسوعي بيرنويي‏

( Bernouilli )

، و اعتبرها ذات فائدة تاريخية كبرى للمعلومات الغنية التي تشتمل عليها و الملاحظات الدقيقة التي تتضمنها، فحرص على نشرها ضمن مجموعته المختصرة عن الرحلات(Sammlung Kleiner Reisen) التي دأب على إصدارها ببرلين و لايبزيغ ابتداء من عام 1780، و اختيار لهذه الرحلة عنوانا باللاتينية ينم عن اهتمامه، فعنونها ب" قائمة أو جدول بالآثار الرومانية المكتشفة بإفريقيا الشمالية"(De Antiquatitus Romanis African Repertis) ، و التي حاول هابنسترايت تتبع معالمها و الوقوف على أماكنها و وصف ما بقي منها ماثلا للعيان.

و بذلك أمكن للعالم الفرنسي المهتم بالرحلات إيريس(Eyries) من نقل نصها الأصلي إلى اللغة الفرنسية و نشره في مجلة الحوليات الجديدة للرحلات و العلوم الجغرافية

( Nouvelles Annales des Voyages et Sciences Ge? ographiques )

، و التي كانت تهتم بالتعريف بالأسفار و بالمسائل المتعلقة باللغات و العادات و الفنون و الجديد من الاكتشافات و البحوث، حسبما هو محدد في الصفحة التي تحمل عنوانها، و قد أدرج إيريس نص هذه الرحلة مع تعريف بمؤلفها في الصفحات التسعين الأولى من المجلد 46 لعام 1830، و الذي نشرته مكتبة جيد و أولاده الواقعة بشارع سان مارك فايرو بباريس.

و لقد اطلعت على مضمون الرحلة في الثمانينيات من القرن العشرين أثناء البحث في ودائع المكتبة الوطنية بباريس لتحضير رسالة دكتوراه حول أوضاع الريف الجزائري أواخر العهد العثماني، فأثارت انتباهي لمعلوماتها القيمة حول‏

16

الجزائر و خاصة أوضاع سكان الريف، فراودتني فكرة ترجمتها إلى العربية، لكن ظروف العمل و مشاغل الحياة حالت دون نحقيق هذه الأمنية آنذاك، فظلت منسية في رفوف المكتبة الوطنية الفرنسية حتى سمحت لي الظروف مؤخرا بترجمتها و نشرها.

لقد جاءت رحلة هابنسترايت في شكل رسائل وجهها إلى راعي الرحلة ملك بولونيا و منتخب الساكس يطلعه فيها على ما شاهده أو تعرف عليه أو جلب انتباهه في أثناء سفره في الجزائر و عند انتقاله بتونس أو توجهه إلى طرابلس الغرب، فجاءت وصفا دقيقا لأوضاع تلك الأقطار و تعبيرا صادقا عن آرائه، إذ لم يهتم فيما سجله إلا برصد الواقع كما تعرف عليه، و هذا ما جعلها في الواقع تقريرا أدبيا عن مهمة علمية الهدف منها التعرف على طبيعة البلاد و سكانها و البحث عن الحيوانات و النباتات الإفريقية و الوقوف على معالم الحضارة الرومانية، و هذا ما يلاحظه القارئ من تصفح مضمون الرسائل الأربعة التي تتألف منها الرحلة؛ فالرسالة الأولى تبدأ بمغادرة هابنسترايت مدينة دريسدن(Dresden) بألمانيا في 23 أكتوبر 1731 و توجهه إلى مرسيليا في شهر نوفمبر و ركوبه السفينة إلى الجزائر في 24 جانفي 1732، و قد بدأ في تسجيل ما شاهده أولاحظه بالجزائر منذ 16 فبراير من نفس السنة، و اهتم فيها أساسا بتقاليد السكان و أوضاعهم و بسلوك عبدي باشا داي الجزائر و نظام الجيش و الظروف التي تميزت بها محاولة الإسبان استرجاع مدينة و هران و المرسى الكبير بعد أن طردوا منها (1708).

أما الرسالة الثانية فتحمل تاريخ أول جوان (يونيو) 1732، و تتضمن أخبار جولته مع فرقة الجند (المحلة) بقيادة الآغا داخل الأقاليم الداخلية و عبر مدن مليانة و المدية و سور الغزلان و برج حمزة (البويرة).

بينما الرسالة الثالثة كانت بتاريخ 31 أغسطس 1732، و يروي فيها مشاهداته منذ انتقاله من مدينة الجزائر إلى عنابة و حلوله بقسنطينة ثم بعد ذلك إلى القالة و منها إلى طبرقة و رأس نيغرو و باجة حيث التقى بباي تونس حسين بن علي.

17

أما الرسالة الرابعة و الأخيرة فهي مؤرخة في 5 أكتوبر 1732، و قد أدرج فيها أخبار سفره من تونس إلى طرابلس، التي اقتصر فيها على بعض الملاحظات بعد أن لم يتمكن من الانتقال إلى الأقاليم الداخلية لتخوف الحكام من تدهور الأوضاع بسبب ظروف استيلاء الإسبان على و هران و المرسى الكبير (1732).

إن رحلة هابنسترايت رغم اختصارها و قصر الفترة الزمنية التي استغرقتها، و هي حوالي عشرة أشهر، إلا أن غنى معلوماتها و دقة ملاحظاتها، تؤكد لنا قيمتها التاريخية و تجعلها لدى الباحثين من المصادر المهمة التي تعرف بأوضاع أقطار المغرب العربي في النصف الأول من القرن الثامن عشر، و لعل أهميتها تكمن في أنها:

1. تلقي الضوء على فترة مهمة و خطيرة، و هي الربع الأول من القرن الثامن عشر الذي تحولت فيه ولايات الجزائر و تونس و طرابلس الغرب من مجرد ولايات عثمانية تابعة للدولة العثمانية إلى كيانات سياسية مستقلة بشؤونها و إن ظلت هذه الولايات المستقلة مرتبطة بالسلطة الشرعية للسلطان العثماني باعتباره راعي شؤون المسلمين و رمز وحدتهم السياسية و تضامنهم الديني.

فالرحلة بما تضمنته من معلومات تقدم إيضاحات على هذا التحول و تعرفنا على تطور الحكم بالجزائر بعد أن ألغي المنصب الشرفي للباشا الممثل الشخصي للسلطان لفائدة الداي، فأصبح حكام الجزائر المعروفون بالدايات الباشوات مستقلين فعليا عن الدولة العثمانية منذ 1717. كما أن تونس تأكد كيانها السياسي مع استقرار الحكم في سلالة حسين علي التركي الذي استقل بحكمها منذ 1705 و الذي أعجب هابنسترايت بشخصيته. و نفس الوضع عرفته طرابلس الغرب التي استقل بشؤونها الباشا أحمد القرامانلي منذ 1711 و ورث الحكم لأسرته، و قد نال تقديرا خاصا من هابنسترايت الذي تعرف عليه و قدر مواهبه.

2. تتضمن معلومات معتبرة عن علاقة الحكام بطوائف السكان بالمدن و المجموعات القبلية في الريف، و تعرفنا على صلاحيات الديوان و سلوك‏

18

الحكام و مكانة الجيش (فرق الإنكشارية) في النظام السياسي و خاصة الفرق المتجولة في الريف (المحلات) التي تعتبر أساس النظام السياسي و الهياكل الإدارية، كما تعرفنا على طبيعة السياسة الدفاعية للحكام و طريقة تعاملهم مع الدول الأوربية.

3. تقدم عرضا شاملا و ملاحظات دقيقة عن السياسة الجبائية لحكام المغرب العربي في القرن الثامن عشر القائمة على تجريد الحملات العسكرية، و انتهاج أسلوب الشدة مع سكان الريف، مما أثر سلبا في فترة لا حقة على صلة السلطة (البايليك) بالسكان (الرعية)، و أدى إلى حدوث انتفاضات خطيرة زادت في ضعف تلك الأجهزة الحاكمة و جعلها منغلقة على نفسها و عاجزة عن مواجهة الضغوط الأوربية المتزايدة.

4. تلقي الضوء على الجو السائد و الظروف التي نتجت عن احتلال الإسبان لوهران، و تقدم لنا وصفا دقيقا عن الاستعدادات التي قام بها حكام الجزائر و عن تفاعل السكان مع هذا الجهد و موقفهم المعادي للأوربيين الذين اعتبروهم عيونا للإسبان في استيلائهم مجددا على و هران و المرسى الكبير (1732) بعد أن طردوا منهما سنة 1708.

5. تظهر الرحلة مدى اهتمام الأوربيين بعالم البحر المتوسط و خاصة الولايات العثمانية منه، و توجههم لدراسة الأوضاع الطبيعية و الأحوال الاجتماعية و الإمكانات الاقتصادية السائدة به، مما سوف يوفر للسياسيين و العسكريين في فترة لاحقة معلومات تساعدهم على تحديد سياساتهم و تنفيذ مخططاتهم الاستعمارية.

6. تؤكد الرحلة تواصل الأوربيين مع الحضارة الرومانية، و تظهر مدى عنايتهم برصد الآثار الرومانية، فقد كانت هذه الآثار الشغل الشاغل لصاحب الرحلة، فهو يحرص على الوقوف عليها، و يحاول جاهدا التعرف على دلالاتها و هو بذلك يعبر عن توجه أوربي لإحياء معالم الحضارة الرومانية بشمال إفريقيا، و ذلك قبل أن تتكفل البعثات الأثرية بالتنقيب عنها و دراستها في القرن التاسع عشر.

19

هذا و قد كان صاحب الرحلة يعبر بصدق عن مشاعره و يبدي آراءه بصراحة في الأوضاع السائدة في أقطار المغرب العربي، و يعرب عن موقف متفهم لميول الشعوب و خصائص الجماعات و خاصة طبائع أهالي الريف، و هذا ما سمح له بتجاوز النظرة السطحية لدى غالبة الرحالة الأوربيين التي تحكم على ظاهر الأشياء، و ساعده على التعرف على ما كان يتميز به التونسيون و يختص به الجزائريون، كما استطاع أن يتلمس الصلات الأخوية و الروابط الروحية التي تجمعهم خاصة في مواجهة الأخطار الخارجية.

لقد حرصنا في ترجمتنا لهذه الرحلة على إثبات العديد من التعليقات و الهوامش ليتمكن القارئ من الاستفادة من معلوماتها و التعرف على الأحداث التي تعرض لها و الأشخاص و الأماكن و المواقع التي أشارت إليها. كما وضعنا عدة خرائط تحدد خط سير صاحب الرحلة في انتقاله عبر الجزائر و تونس، مع إثبات قائمة بالمصادر و المراجع التي يمكن الرجوع إليها للتعرف أكثر على الظروف التي كانت سائدة في أقطار المغرب العربي في القرن الثامن عشر.

في الأخير، لا يسعني في ختام هذا التقديم إلا أن أتوجه بخالص الشكر و الامتنان للذين وجدت منهم المساعدة و التشجيع في ترجمة هذه الرحلة و التعليق عليها و في مقدمتهم الابن البار معاوية الذي كان لي نعم العون في إنجاز هذا العمل، و الأستاذ د. علي تابليت ود. منير حشاني اللذين مكناني مشكورين من النسخة الإلكترونية للنص الفرنسي للرحلة، و كذلك الأستاذ عبد الناصر خالف الذي تفضل بإعادة طبعها في ورق عادي لتسهيل العمل عليها.

ناصر الدين سعيدوني‏

مونتريال- كندا

في 10- 7- 2007

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

[الرسالة الأولى‏]

نص الترجمة العربية ل رحلة ج. أو. هابنسترايت إلى الجزائر و تونس و طرابلس (1732)

[الوصول إلى مدينة الجزائر و التعرف على الداي‏]

و في 16 فبراير (1732) أرست بنا السفينة بميناء الجزائر، و في هذا اليوم تناولنا آخر قطعة من الخبز الذي كان بحوزتنا، و الذي كنا نقتصد في توزيعه ليفي بحاجتنا أثناء السفر، و كما جرت العادة فإنه لا يمكن النزول إلى البر بدون إشعار الداي بذلك، و هذا ما دفعني إلى إخبار القنصل الإنكليزي بلاك(Black) بوصولنا، و كان ملكنا الذي قمنا بالرحلة لحسابه‏ (1) يود أن نضع أنفسنا تحت حماية ملك فرنسا و جمهورية هولندا، لكني رأيت من الأفضل لنا أن نبحث عن المعونة عند الأمة التي وصلنا إلى الجزائر تحت علمها، و هي إنكلترا، و بالفعل فقد قدم القنصل الإنكليزي السيد بلاك إلى الميناء لاستقبالنا، و اصطحبنا معه إلى منزله حيث قدم لنا القهوة كما جرت العادة، و بعد ذلك‏

____________

(1) هو الملك أغسطس الثاني (1733- 1670)(Auguste II) و منتخب منطقة الساكس في اختيار الإمبراطور الجرماني و ملك بولونيا (1697- 1733)، تخلى عن معتقده البروتستانتي ليمكن له اعتلاء عرش بولونيا بعد وفاة الملك يوحنا الثالث سوبباسكي، تحالف مع العاهل الروسي بطرس الأكبر ضد شارل الثاني عشر ملك السويد، و قد أرغمه هو الآخر على التخلي عن ملك بولونيا لفائدة ستانيسلاس ليزنسكي، لكن انتصار حليفه بطرس الأكبر في معركة بولتافا (1709) جعله يحتفظ بعرش بولونيا بمساعدة الجيوش الروسية (1710)، و عندما توفي خلفه ابنه أغسطس الثالث (1733- 1763) الذي احتفظ بعرش بولونيا ضد منافسه ستانيسلاس ليزنسكي بدعم من النمسا و روسيا.

22

توجهنا لملاقاة الداي‏ (1) الذي سألني عن الغرض من رحلتي و عن البلاد التي قدمت منها، و عن الأشخاص المرافقين لي في رحلتي هذه‏ (2)، و بعد أن تأكد من أننا قدمنا إلى دولته تشريفا له بأبحاثنا و قد أعرب له أثناء ذلك القنصل الإنكليزي عن نوايانا الحسنة تجاه دولته، مؤكدا له أن ليس لدينا مخططات تضر بحكومته، بعدها أبلغنا الداي بواسطة أحد المترجمين" أن بلاده مفتوحة لكم في رحلتكم‏

____________

(1) الداي المعني بالكلام هو كرد عبدي باشا (و الأصح كور أي الأعور)، و قبل ذلك كان يتولى منصب آغا العرب (قائد الحامية)، و أثناء حكمه للجزائر (1136- 1145 ه/ 1724- 1732 م) عرف بشخصيته القوية و مواقفه الشجاعة و بمنشآته العمرانية، فأنشأ مسجد المقرئين المعروف بالمكارون، و وسع ضريح الولي سيدي عبد الرحمن الثعالبي سنة 1142 ه/ 1730 م، و انتهج سياسة حازمة مكنته من إخماد انتفاضة عشائر الحنانشة بالشرق الجزائري سنة 1140 ه/ 1728 م، و تمكن من إقرار النظام في صفوف الجند، و أظهر استقلاله عن الدولة العثمانية، فرفض طلبها بإقرار صلح بين الجزائر و إسبانيا (1137 ه/ 1725 م) و امتنع عن استقبال بعثة السلطان العثماني و قد ناصره في هذا الموقف أعضاء الديوان و في مقدمتهم المفتي الحنفي و قائد الحامية المعروف بآغا العرب أو آغا الصبائحية، سنة 1141 ه/ 1729 م، و حتى يحول دون حدوث أي تمرد في صفوف الجند أسند وظيف آغا العرب و هو قائد الحامية إلى ابنه.

تعرض الداي كرد علي في آخر حياته إلى نكسة خطيرة عندما تمكن الإسبان من احتلال و هران و المرسى الكبير مجددا في 1145 ه/ 1732 م، رغم الاحتياطات التي اتخذها، فحمل نفسه مسؤولية عدم وصول المدد للمدافعين عن حصون و هران في الوقت المناسب، و شعر بإهانة بالغة جراء ذلك، فاعتزل الناس و انقطع عن الطعام و استسلم أكثر فأكثر لتعاطي الحشيش الذي اعتاد على تناوله، فقضى نحبه عن سن يناهز 88 سنة في خريف عام 1145 ه/ 1732 م، بعد مدة قصيرة من مغادرة هابنسترايت لمدينة الجزائر، و تولى مكانه صهره بابا إبراهيم بن محمد الخزندار دون أن يجد معارضة في ذلك بعد أن استشهد ابن الداي المؤهل لخلافة أبيه على الأرجح في محاولة طرد الإسبان من و هران.

(2) الأشخاص المرافقون لهابنسترايت و الذين أشار إليهم في رحلته هم: شولتز(Schulze) و إبرباخ‏(Eberbach) و البستاني ترو(Trau) ، كما رافقه في رحلته في مقاطعة التيطري الكاهن و الطبيب الإنكليزي الدكتور شو(Dr .Shaw) أنظر ترجمته في الهامش 47).

23

و أنكم تستطيعون الاعتماد على حمايته"، و قبل أن ننصرف من عنده أعطى لكل واحد منا برتقالة حلوة المذاق تعبيرا عن القبول الحسن الذي حظينا به لديه.

لقد حملت معي من مرسيليا مشروبات روحية و علبا من المربى، فقمت بتوزيعها على موظفي قصر الداي من الضباط حسبما تقتضيه العادة عند القيام بالزيارة، و بعد هذه الإجراءات لم يعد أي أحد يثير مخاوفنا، سواء كان تركيا أو عربيا داخل المدينة أو خارجها، بل أصبحنا محل تقدير لكوننا أجانب و لأننا نمتهن حرفة الطب أو التداوي بالأعشاب، فقد اعتادوا على تسميتنا بالباربيرو (1)، و مرد ذلك أنهم كانوا يروننا في أغلب الأحيان نحمل في أيدينا زهورا و نباتات، و هذا يعتبر في حد ذاته أحسن وسيلة لضمان سلامتنا.

لم تكن جهودي في إخفاء كوني طبيبا ذات جدوى، فقد اعتقدت أنه من الخطإ بل من المضر لمشاريعي في البحث أن أرفض وصف الأدوية لبعض كبار الشخصيات و خاصة الآغا (2)، و هو ابن الداي الذي عرف المفعول الجيد للوصفات التي كنت أقوم بتحضيرها، فقدم لي هدية في شكل لبوءة

____________

(1) كلمة باربيرو(Barbiero) في لغة الفرانكا (و التي هي خليط من لغات شعوب البحر المتوسط)، يقصد بها المشتغل بالطب أو المداوي بالأعشاب، و غالبا ما يرادفها في اللسان الدارج كلمتا حلاق أو مزين لارتباط ممارسة الطب بالحجامة، مع العلم بأن مهنة الطب تكاد تقتصر في العهد العثماني، في الموانئ البحرية و منها مدينة الجزائر، على بعض الأطباء الأوربيين الذين اعتادوا معالجة بعض الشخصيات و اكتسبوا من جراء ذلك احتراما و تقديرا لمعارفهم الطبية، و هذا ما ساعد هابنسترايت الطبيب على النجاح في مهمته و مكنه من اكتساب صداقة الداي و ابنه آغا العرب.

(2) آغا العرب هو قائد فرق الجند بمدينة الجزائر و المتصرف في فرسان المخزن بإقليمها (دار السلطان)، يكلف من طرف الداي بالمحافظة على الأمن و قمع حركات التمرد و ضمان المواصلات و استخلاص الجباية، و هذا ما وسع من صلاحيات هذا القائد العسكري و جعله يحتل المرتبة الثانية في سلك الموظفين المساعدين للداي، بل جعله الحاكم الحقيقي لأوطان دار السلطان بسهل متيجة و الساحل (و هي أوطان: بني خليل، بني موسى، الخشنة، السبت أو حجوط، يسر) و ملحقاتها ببلاد القبائل و جهات التيطري‏

24

و قنفذين صغيرين، و أعطى أوامره بأن يبحث لي عن النعام و حيوانات نادرة أخرى، و نفس السلوك أبداه معي الآخرون، فكلما قدمت خدمة لأحد إلا و حاول أن يظهر لي عرفانه بالجميل بتقديم هدايا كالتي قدمها لي الآغا. و هذا ما جعلني آمل أن أحقق الهدف الرئيسي من رحلتي فيما يتعلق بالبحث عن الحيوانات الممكن العثور عليها في منطقة شمال إفريقيا (1)، و قد اعتقدت أنه بإمكاني تنمية مجموعتي من الحيوانات التي تحصل عليها المحلة من سكان الريف أثناء جمعها للضرائب، إذ اعتادت أن تحمل معها عند عودتها إلى مدينة الجزائر بعض الحيوانات المتوحشة.

[تسمية البلاد الجزائرية و تحديد موقعها]

لقد سنحت لي الفرصة أثناء رحلتي هذه أن أتعرف على سلوك و عادات هذه البلاد، و هذا ما سوف أعرضه فيما يلي من أجل تصحيح معلومات مارمول و دابير و تاسي فيما كتبوه عن مملكة الجزائر (2). فمدينة الجزائر عاصمة المملكة التي تحمل اسمها و التي عرفت في الماضي باسم موريطانيا القيصرية، كما كانت تعرف في الماضي أيضا مملكة فاس باسم‏

____________

(قيادات ساباو، بني جعاد، بني سليمان، عريب)، و جعل منه المراقب الفعلي لبايات المقاطعات الأخرى (قسنطينة، المدية، معسكر)، و قد سمحت له مكانته العسكرية بقيادة فرق الجيش التي تتشكل منها المحلة المكلفة بمراقبة الريف و جمع الجباية من سكانه بأوطان دار السلطان و بايليك التيطري.

(1) فضلنا استعمال تعبير منطقة شمال إفريقيا على تسمية موريطانيا التي لم تكن معروفة في العهد العثماني، و التي اقتبسها صاحب الرحلة من الكتب التاريخية القديمة لجهله بالواقع التاريخي الذي جعل تلك المنطقة تعرف بالمغرب العربي تاريخيا و بشمال إفريقيا جغرافيا.

(2) تميزت كتابات غالبية القناصل و الرحالة الأوربيين و جل رجال الدين المسيحيين بمعاداة الوجود العثماني بإيالات المغرب العثمانية (الجزائر و تونس و طرابلس الغرب)، و خاصة منهم رجال الدين الأسبان و الفرنسيين و الإيطاليين مثل هايدو(Hae ?do) و دان‏(Dan) و دابر(Dapper) و كوبان‏(Le R .Pe Coppin) و جرمان مووات‏(S .G .Mouette) و دولاموت.(Le pe ?re Phi .De la Motte) أنظر قائمة بأهم الكتابات الغربية حول المغرب العربي الملحقة بالكتاب.

25

موريطانيا الطنجية. و هذه البلاد" مملكة الجزائر" تعرف عادة لدى الكتاب الأوربيين ببرباريا(Barbarie) أو البلاد المتوحشة (1)، و حسب دلالة هذه الكلمة فإنها تعني أنها مأهولة بأشخاص متوحشين و شرسين و هذا ما نعتبره منافيا للحقيقة إذ يجب أن ينصف القسم الأكبر من سكان هذه البلاد، فهم أفراد بعيدون عن التوحش، يقدرون الأجانب و لهم رغبة ملحة في التعاون معهم، فلفظ المتبربرين أو البرابرة يراد به سكان الصحراء أو أنه مقتبس من الإغريق أو الرومان الذين كانوا يطلقون على كل الشعوب التي لا تتكلم لغتهم هذه التسمية.

تقع مملكة الجزائر بين خطي عرض 33 خ و 37 20 خ شمال خط الاستواء، و بين 15 و 20 من خطوط الطول غرب جزيرة الحديد (2)، و يحدها من الشمال البحر المتوسط و من الغرب مملكة فاس و من الشرق مملكة تونس، أما في الجنوب فتوجد جبال الأطلس و التي نرى قممها في هذا الوقت (شهر فبراير)

____________

(1) برباريا(Barbarie) تعريف اعتاد الأوربيون و خاصة رجال الدين و القناصل إطلاقه على أقطار المغرب العربي في العهد العثماني، باعتبارها بلادا تمارس القرصنة و يتصف سكانها بالتوحش و القسوة و يتخذ حكامها موقفا عدائيا من الأوربيين، و هم في ذلك يعبرون عن موقف عدائي تعود أصوله إلى مفاهيم الإغريق و الرومان عن الشعوب التي لا تنتمي إلى حضارتهم.

و لعل ما يميز موقف هابنسترايت في هذا الشأن هو كونه تنبه إلى هذا التحامل و اعتبره موقفا غير مبرر، بل أكد بأن سكان أقطار المغرب العربي هم أبعد ما يكونون عن حالة التوحش، و هذا ما يميزه عن غيره من غالبية الرحالة الأوربيين الذين كتبوا عن منطقة شمال إفريقيا.

(2) ربما يقصد بها جبل طارق أو إحدى جزر المحيط الأطلسي، مع العلم بأن تلك التحديدات لم تعد معمولا بها بعد أن اعتمد خط غرينيتش كأساس لتحديد خطوط الطول شرقا و غربا، و الذي يحدد موقع البلاد الجزائرية بمقتضاها بين خطي الطول 10 خ شرق و 8. 30 خ غرب غرينيتش، و خطي العرض 19 و 37 شمال خط الاستواء أي على امتداد 2000 كلم و بمساحة إجمالية تبلغ 2. 381. 743 كلم مربع منها 381. 000 كلم مربع شمال الصحراء.

26

مغطاة بالثلوج‏ (1). و هذا القطر أو مملكة الجزائر المسمى قديما موريطانيا القيصرية كما سبقت الإشارة إلى ذلك، كان يحكمه الملك يوبا الثاني(Juba II) و الذي أطلق عليه هذا الاسم" قيصرية" نسبة إلى حاميه و وليه الإمبراطور أغسطس، و كان الملك يوبا هذا مرتبطا بحزب بومباي(Pompe ?e) ، و عندما أسر من طرف أغسطس حمل إلى روما و لقي الرعاية من أغسطس لخصاله و حسن سلوكه، و هذا ما دفعه إلى إعادته إلى مملكته و أن يزوجه بكليوباترا (سيليني) ابنة الملكة المصرية الشهيرة كليوباترا(Cle ?opa ?tre) ، و قد عثرت بالفعل على قطعة معدنية تؤرخ لهذا الحدث‏ (2).

[نبذة عن تاريخ مملكة الجزائر]

لقد عرفت هذه البلاد (مملكة الجزائر) العديد من التغيرات، ففي بداية

____________

(1) يقصد بها سلسلة جبال الأطلس البليدي التي تشرف على سهل متيجة و ترى من مدينة الجزائر و التي يبلغ ارتفاعها عند كاف الشريعة 1629 متر، و كذلك جبال بلاد القبائل (جبال جرجرة) التي تظهر قممها مكللة بالثلج من مرتفعات مدينة الجزائر عندما يصفو الجو في فصلي الشتاء و الخريف.

(2) لقد التبس على صاحب الرحلة موقف الرومان من الملك النوميدي يوبا الأول و ابنه يوبا الثاني، فالصحيح أن الملك يوبا الأول بن هيميصال‏(Juba I) الذي حكم نوميديا ما بين 60 و 46 ق. م. هو ملك نوميديا الذي وقف في الحرب الأهلية الرومانية إلى جانب بومبي ضد قيصر و وضع حدا لحياته عند انتصار هذا الأخير في معركة تابسوس‏(Thapsus) (46 ق. م.)، فأخذ قيصر ابنه إلى روما رهينة و اكتسب بها ثقافة لاتينية- إغريقية راقية، و زوجه أغسطس كليوباترا سيليني (ابنة الملكة المصرية كليوباترا من أنطونيوس)، و نصبه حاكما على موريطانيا باسم يوبا الثاني (25 ق. م./ 23 م) ليتولى محاربة قبائل الجنوب (الجيوتول) التي كانت تهدد خط الدفاع الروماني (الليمس)، و قد اتخذ يوبا الثاني يول (شرشال) عاصمة له و أطلق عليها اسم ولي نعمته تمجيدا له اعترافا بجميله، فعرفت بقيصرية(Caesarea) ، و اشتهر بتآليفه العلمية في التاريخ الطبيعي و الجغرافيا و لم تصلنا منها سوى مقتطفات عرفت بليبيكا و عربيكا(Lybica Arabica) ، و خلفه ابنه بطوليموس (40- 23)(Ptole ?me ?e) الذي أمر الإمبراطور الروماني كاليكولا بقتله في مدينة ليون للتخلص منه و الحاق مملكته" موريطانيا القيصرية" بالإمبراطورية الرومانية.

27

القرن الخامس الميلادي أخضعها جنسريق(Gense ?ric) على غرار إسبانيا لسيطرة الوندال، و قد طرد القائد البيزنطي بليزير(Be ?lisaire) منها الوندال سنة 533 م، و ظلت تحت سيادة بيزنطة حتى فتحها العرب سنة 663 م، و ظل هؤلاء يحكمونها بهدوء و بدون مشاكل إلى عهد شرلكان و أثناء ذلك استولى عليها الأتراك و كان الإسبان آنذاك يحتلون و هران و حصونها، و في تلك الفترة كان سليم ملك مدينة الجزائر يخشى أن لا يستطيع الوقوف في وجه الإسبان فطلب العون من القرصان الشهير عروج بربروسة، فاستولى هذا الأخير على البلاد التي استدعي للدفاع عنها و اغتال سليم الذي استقدمه، كما أنه هلك بدوره بعد ذلك في حروبه ضد الإسبان الذين كانوا يحكمون و هران، فانتخب الجند أخاه خير الدين ليخلفه، فاعترف بسيادة الدولة العثمانية على البلاد (الجزائرية) و قبل أن يدفع الضريبة للسلطان العثماني سليم (الأول)، و منذ ذلك العهد أصبحت البلاد الجزائرية ضمن أملاك السلطان العثماني الذي كان يرسل إليها بين الحين و الآخر جماعات الإنكشاريين لتعزيز حاميتها (1).

إن حملة شارلكان البائسة على الجزائر و إقليمها معروفة إلى حد كبير (2) 19، و يتناقل الناس هنا أن الحصن المعروف لدى السكان بقلعة

____________

(1) من المعروف أن البلاد الجزائرية دخلت طوعا تحت السيادة العثمانية في الربع الأول من القرن السادس عشر أثناء الصراع المحتدم من أجل السيادة على حوض البحر المتوسط بين إسبانيا الكاثوليكية و الدولة العثمانية، فبعد استشهاد عروج بجهات تلمسان (الوادي المالح) (1518) و انتهاج الإسبان سياسة توسعية، طلب أعيان الجزائر بنصيحة من خير الدين بربروسة الانضمام إلى الدولة العثمانية للحصول على المدد، و بالفعل التحقت الجزائر بالدولة العثمانية و أمدها السلطان سليم الأول بألفي انكشاري كان لهم الفضل في إبعاد الخطر الإسباني و الاستيلاء على القلعة الإسبانية التي كانت تهدد مدينة الجزائر و المعروفة بالبنيون (1529).

(2) حملة الإمبراطور شرلكان على مدينة الجزائر (1541) تعتبر من الأحداث المهمة في تاريخ المغرب العربي، فقد وضعت حدا نهائيا للمخططات الإسبانية الهادفة إلى الاستيلاء على شمال إفريقيا و القضاء على النفوذ العثماني بها و إخضاعها للهيمنة

28

الإمبراطور قد تم بناؤه من طرف شرلكان في ليلة واحدة (1). أثناء حصاره لمدينة الجزائر.

لقد ظل الباب العالي يرسل إلى الجزائر باشوات يمثلون السلطان حتى سنة 1710، و عندما رفض الديوان الممثل للحامية استقبال الباشا ممثل السلطان، أصبح الداي أورئيس الحامية منذ ذلك اليوم صاحب السيادة في حكم الجزائر و قد أطلق عليه قناصل الدول الأجنبية لقب ملك، و هو يتمتع بسلطة مطلقة و إن ظل يرسل كل سنة هدية إلى إستانبول اعترافا منه بأحقية السلطان العثماني في تولي أمور المسلمين و شرعيته في تمثيلهم، و هذا ما جعل دايات الجزائر يحتفلون بتولية السلاطين العثمانيين بإستانبول و يستقبلون في الجزائر بين الحين و الآخر القابيجي باشي(Capigi -Bachi) أو المرسلون فوق العادة من قبل السلطان العثماني‏ (2).

____________

الإسبانية. للتعرف أكثر على أحداث حملة شرلكان، أنظر هامش رقم 82.

(1) أما قلعة الإمبراطور(Fort lEmpereur) المعروف ببرج الطاووس أو برج السلطان قالاس الواقع أعلى مدينة الجزائر، فقد عسكر في مكانه الإمبراطور شرلكان عند حملته على مدينة الجزائر فعرف به، أما إنشاؤه فيعود إلى ما بعد تلك الحملة، فقد شيده حسن بن خير الدين حاكم الجزائر (1543) و طور تحصيناته حسن فينيزيانو و أدخل عليه تعديلات (1656)، و زوده ب 56 مدفعا، و أثناء الاحتلال الفرنسي لمدينة الجزائر (1830) تعرض للتدمير بفعل انفجار مخزن البارود الموجود به.

أما الحصن الذي بني في ليلة واحدة أو في يوم و ليلة فهو حصن أربع و عشرون ساعة المعروف ببرج" بوليلة" أو برج" ستّي تاقليلات" الذي أنشأه حاكم الجزائر علج علي عند مصب وادي المغاسل خارج باب الوادي (1596)، و كانت به ثمانية بطاريات تشكل دفاعات مدينة الجزائر في الناحية الغربية.

(2) بعد فترة الاضطرابات التي طبعت الحكم العثماني المباشر للجزائر على عهد الباشوات (1588- 1659)، و بعد أن فشل قادة الجند (الآغوات) في فرض سلطتهم و مواجهة هجمات الأساطيل الأوربية (1659- 1671)، تولى ديوان الجند شؤون الحكم، فانتخب أحد أعضائه ليتولى الحكم تحت اسم الداي، و أصبح الديوان ينظر في شؤون الحكم‏

29

[أصول سكان الجزائر و مكانة الأتراك المتميزة]

إن سكان مملكة الجزائر ليسوا كلهم من أصول واحدة، فالحكومة بيد الأتراك الخلص أي الذين ينحدرون من آباء و أمهات أتراك و هم في الغالب يستقدمون من المشرق أو قد يأتي بهم القراصنة بالقوة إلى الجزائر (1)، و الأتراك ينظرون إلى الجزائريين نظرة يشوبها الاحتقار و ينعتونهم بأنهم مجموعة من العصاة أو الخارجين عن القانون فلا يجندون أحدا منهم في الحامية، و نفس النظرة تحملها النساء التركيات عن الجزائريين، على أن الرجال الأتراك يضطرون إلى الزواج من الأسيرات المسيحيات أو مع نساء البلاد أي الجزائريات، و لكن أولادهم لا يستطيعون احتلال المراتب الكبيرة في المملكة، و هؤلاء المنحدرون من آباء أتراك و أمهات جزائريات يحملون اسم الكراغلة(Cololis) (2) و يكونون مع العناصر التركية جيشا تعداده مائة ألف‏

____________

مع بقاء ممثل شرفي للسلطان بالجزائر يعرف بالباشا (1671- 1711). على أن تطور الحكم أدى إلى تزايد صلاحيات الداي باعتباره الحاكم المطلق الصلاحية، و تحول الديوان إلى مجلس للضباط ترتبط اجتماعاته بالمناسبات و المواسم التي توزع فيها الجرايات على الجند، بينما منصب ممثل السلطان و هو الباشا فقد تم إلغاؤه و اكتسب الداي لقبه، فأصبح يحمل بجانب مهامه كداي لقب الباشا الذي يتحصل عليه بفرمان سلطاني و يكسبه شرعية لدى الديوان و الجند و باقي السكان، و هذا ما سمح لنظام الحكم في الجزائر أن يستقل فعليا عن الدولة العثمانية، فاكتسبت بذلك الجزائر مقومات الدولة المستقلة ذات السيادة في إطار التضامن العثماني و تحت رعاية السلطان الشرعية منذ 1717 و حتى الغزو الفرنسي في 1830.

(1) هؤلاء هم الأوربيون الذين يقعون في الأسر و يندمجون في الطائفة التركية بمدينة الجزائر، و يعرفون بالأعلاج.

(2) الكراغلة أو القرغلان تحوير للفظ التركي قول أوغلي أي أبناء العبيد، على اعتبار أنهم عبيد السلطان حسب العرف العثماني، و هم جماعة المولدين من آباء أتراك و أمهات جزائريات، و قد اكتسبوا مكانه مميزة بالنسبة لباقي السكان من غير الأتراك و إن لم يسمح لهم بتولي المناصب السامية التي ظلت حكرا على الأتراك القادمين من المشرق، و هذا ما سبب توترا في علاقتهم بديوان الجزائر و أدى إلى طرد جماعات منهم من مدينة الجزائر إلى وادي الزيتون ببلاد القبائل (1693).

30

رجل‏ (1). و هذا الجيش المعروف بالحامية يقسم كل سنة إلى ثلاثة أقسام تستخدم في مختلف الأوقات لإرغام القبائل البربرية و العربية على دفع الضريبة (2). و من الجند من يشتغل بالقرصنة في البحر و منهم من يعمل بالحاميات المعسكرة في مواقع محددة بالمدينة.

كل الأتراك بالجزائر يمتهنون الجندية و يستطيعون حسب النظام العسكري أن يصلوا إلى أعلى المناصب، فالداي نفسه كان جنديا في صفوف الحامية، و هذا ما يخول له الحصول على جرايته عندما توزع المرتبات كل شهر، و هي تقدر بحوالي عشر قطع نقدية من صنف إيكو(E ?cus) (3) أما الحامية التركية المعروفة بالنوبة و التي ترابط بمدينة الجزائر فهي موزعة على ثماني ثكنات مهيأة لإقامة الجند (4)، هذا و يتسلم الجند غير المتزوجين أربعة

____________

(1) يقدر عدد الأسرى المسيحيين بمدينة الجزائر بحوالي ألفي أسير، في وقت كان فيه مجمل سكان مدينة الجزائر يتراوح ما بين 80 و 100 ألف نسمة.

(2) يشكل الجند أو القوة العسكرية المعروفة بالأوجاق أو الحامية العمود الفقري لنظام الحكم في الجزائر العثمانية، و جماعات الجند هذه تتكون من قسمين: الجنود العاملون في البحر المعروفون بالرياس، و الجنود المستقرون بالبلاد و هم اليولداش، و هؤلاء الأخيرون منهم من يقيمون بالحصون و المواقع العسكرية و يشكلون النوبات (ج. نوبة)، و منهم من يشاركون في الحملات داخل البلاد لجمع الجبايات و إخضاع العصاة و يعرفون بفرق المحلة، و هم كما ذكر صاحب الرحلة هابنسترايت ثلاثة أقسام أو مجموعات رئيسية، الأولى يتولى آغا العرب قيادتها و هي التي رافقها و عادة ما تنضم إليها قوى باي المدية، و الثانية خاصة ببايليك الشرق و يتولى قيادتها باي قسنطينة، و هي التي سوف يرافقها صاحب الرحلة بجهات عنابة و قسنطينة، و الثالثة تخص بايليك الغرب و يتولى قيادتها باي معسكر. و تتحدد مهمة فرق المحلة هذه في استخلاص الضريبة من سكان الريف و قمع حركات التمرد و إبقاء السكان خاضعين للسلطة المركزية بالجزائر بقيادة الداي.

(3) استعمل صاحب الرحلة تعبير إيكو(E ?cu) و هي العملة الفرنسية القديمة، استمدت اسمها من شعار المملكة، كانت قيمتها تقدر (1641) ب 60 فلسا(Sous) ، و هو يقصد بها ريال الجزائر أو البوجو الذي تقدر قيمته سنة 1830 ب 80. 1 فرنكا.

(4) يتوزع الجند (أو فرق النوبة) المكلفون بالمرابطة في الحصون و المواقع العسكرية داخل‏

31

أرغفة في اليوم بالإضافة إلى جرايتهم، و يتوقف إعطاء الخبز لهم عند ما يتزوجون، و هذا ما حد من الزواج و جعل عدد الكراغلة، و هم أبناؤهم من الجزائريات، محدودا.

يمتلك الجيش المعروف بالحامية السلطة العليا بمملكة الجزائر، فهو يقيل الدايات و يعين آخرين مكانهم حسب رغبته و غالبا ما تنتهي حياة الدايات بالقتل حتى أصبح الداي الذي يموت دون أن يتعرض للاغتيال ينظر إليه و كأنه ولي صالح و يصبح قبره محل تقدير لكون هذه النهاية نادرة جدا (1). هذا و إن جنود الحامية كلهم يعتبرون متساوين فليس لهم رئيس يخضعون له سوى قائدهم المباشر، و الأشخاص الذين يتميزون منهم بحكم التقدم في السن و الوظيفة يتسلمون أجرة أعلى من الآخرين كل واحد حسب سنه و مهمته، و الذين يصلون منهم إلى أعلى المراتب يتقاضون عشرة ريالات في الشهر،

____________

مدينة الجزائر و خارجها على ثماني ثكنات و عدد من الحصون. أما الثكنات فهي:

المقرئين، و البانجية، و الخراطين أو صالح باشا، و أوسطة موسى، و ثكنة علي باشا، ويالي أده، و الثكنة القديمة (أسكي) أو الخضارين الفوقانية، و الثكنة الجديدة (يكي) أو الخضارين السفلية.

أما حصون مدينة الجزائر و نواحيها فأهمها حصون القصبة، و برج باب عزون، و برج الإنكليز، و البرج الجديد، و برج 24 ساعة، و حصن الإمبراطور، و برج النجمة، و برج مرسى الذبان، و برج الحراش، و برج الكيفان، بالإضافة إلى العديد من مواقع المدفعية (البطاريات) المنتشرة على ساحلها الشرقي حتى تامنتافوست، و ساحلها الغربي حتى سيدي فرج.

(1) بالفعل تعددت حوادث اغتيال الدايات من طرف الموظفين المنافسين أو الجنود الناقمين.

و قد لقي أغلب الآغوات و الكثير من الدايات حتفهم بفعل حركات التمرد العديدة و الاغتيالات المتكررة، و حتى بعد استقرار نظام حكم الدايات الباشوات في أواخر العهد العثماني فقد تعرض ستة دايات للاغتيال من مجموع ثمانية تولوا حكموا الجزائر بين 1798 و 1830.

32

و يصلون في سلم الترقية إلى رتبة معزول آغا و هي كلمة تعني الرجل الحر (1)، فيظل صاحب هذه الرتبة يتسلم جرايته حتى و إن لم يقم بأي عمل، و نفس الامتيازات يتمتع بها الأعلاج و هم النصارى الذين اندمجوا في العنصر التركي، و لكنهم ظلوا مبعدين عن تولي منصب الداي.

[الحضر و اليهود]

و الحضر و هم السكان الأوائل للمدينة، و قد فرض عليهم الأتراك وضعية التبعية المطلقة، فليس لأحد منهم الحق في حمل السلاح، كما أن أملاكهم معرضة للمصادرة لأقل خطإ يصدر منهم في حق الأتراك، و هم في مجموعهم يشتغلون كعمال و تجار، أما رجال القبائل المستقرون لمزاولة الزراعة أو البدو الذين يعيشون في الريف بعيدا عن المدينة فيتمتعون بحرية كبيرة، و هم ينقسمون إلى قبائل أو عشائر تعيش تحت الخيام و عند ما ينتقلون من مكان إلى آخر يحملون معهم كل ما يملكونه من أقوات و متاع و حيوانات. و كل مجموعة من هذه القبائل المتنقلة تشكل دوارا يعود التصرف فيه إلى أحد الشيوخ الذي يلزم بدفع الضريبة عندما يأتي الجند أو المحلة لتحصيلها (2)، و قد اعتاد هؤلاء العرب الرحل الهروب إلى الصحراء عندما يقترب وقت تسديد

____________

(1) معزول آغا و هو الضابط الذي انتهت صلاحياته و أصبح غير ملزم بمتطلبات الخدمة العسكرية، و يصل جل الضباط من صنف الآغا إلى منزلة آغا الهلاليين إذ يمارسون سلطة شرفية لمدة شهرين يتقاعدون بعدها ليصبحوا ضمن صنف معزول آغا حيث يظلون يتسلمون رواتبهم الشهرية و يحضرون جلسات الديوان العام الذي يجتمع في المواسم الدينية و المناسبات العامة.

(2) المحلة لفظ يطلق على الجند المتنقل في الأرياف مقابل النوبة التي تعني الجند المقيم بالأبراج أو الثكنات، فقد جرت العادة على توجه فرق الجند في فصلي الربيع و الخريف بقيادة آغا العرب بالنسبة لمدينة الجزائر، و تحت إشراف البايات في مقاطعات قسنطينة و معسكر و المدية؛ و تتحدد مهمة المحلة في إقرار الأمن و استخلاص الضرائب و مراقبة القبائل الجبلية و العشائر البدوية، و تساعد جند المحلة في مهامهم القبائل الجبلية المعروفة بفرسان المخزن و رجال القوم مقابل الامتيازات التي ينالونها و الغنائم التي يتحصلون عليها أثناء غاراتهم على القبائل المعادية للبايليك أو التي تحاول التهرب من دفع ما يتوجب عليها من جباية و رسوم.

33

الجباية، و لهذا كان داي الجزائر يرسل فرق الجند المعروفة بالمحلة إلى مواطنهم وقت الحصاد ليتمكن من استخلاصها. أما العرب الذين يقطنون نواحي الأطلس، فهم لا يعتبرون من الرعايا الخاضعين، إذ يتصدون لجند المحلة عندما يتوجه إليهم، و لهذا السبب أصبح من غير الممكن السفر أو الانتقال داخل البلاد بدون حراسة قوية.

و بالإضافة إلى الحضر من سكان مدينة الجزائر الذين يخضعون بمحض إرادتهم لنير الحكم التركي، فإن مدينة الجزائر مأهولة بعدد كبير من اليهود، و يسدد كل واحد منهم ضريبة تقدر بريالين في الشهر (1)، و هذا ما يدر على الخزينة مقدارا معتبرا من المال. و هناك أيضا بمدينة الجزائر عرب ينتمون إلى الأقاليم الداخلية (2)، فالبساكرة نسبة إلى بلدهم الأصلي بسكرة، يعملون في‏

____________

(1) يؤلف اليهود بمدينة الجزائر إحدى الطوائف المهمة لكثرتهم و لتحكمهم في النشاط التجاري، فقد قدر عدد اليهود بها ما بين 000. 7 و 000. 8 نسمة، و قد أوكلت العناية بشؤونهم إلى أحد أعيانهم المعروف بمقدم اليهود، و هو بمثابة أمين لجماعة اليهود يتعامل باسمهم مع موظفي البايليك، و يتوجب عليه دفع ضريبة شهرية في شكل رسم عن كل يهودي لخزينة البايليك تقدر بحوالي ألف ريال بوجو (الريال بوجو قيمته 1. 86 فرنك فرنسي سنة 1830). أنظر: ناصر الدين سعيدوني، النظام المالي للجزائر أواخر العهد العثماني (1791- 1830)، الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، 1985، ص. 105.

(2) يعرفون بالبرانية لكونهم دخلاء على المدينة و ينسبون إلى مواطنهم الأصلية و يكلفون ببعض الأعمال المتواضعة التي يأنف من تأديتها سكان المدينة من حضر و أندلسيين، لكونها مهنا متواضعة و إن كانت توفر لأصحابها مدخولا ماليا محترما. و يقدر عدد البرانية بعشرة آلاف نسمة، و أهم جماعاتهم: بنو ميزاب الذين كانوا يعملون في الحمامات و مطاحن الحبوب، و جماعة قبائل جرجرة التي اشتغل أفرادها في مختلف المهن اليدوية و الحراسة، بالإضافة إلى البساكرة الذين كانوا يشتغلون في الحراسة الليلية و في أعمال التنظيف، و الأغواطيون الذين كانوا يعملون في الكيل و الوزن و نقل البضائع، و الجيجليون الذين كانوا يشتغلون في أفران الخبز و المطابخ، و الزنوج (الوصفان) المسخرين للعمل في المنازل. أنظر: ناصر الدين سعيدوني، الجزائر في التاريخ (العهد العثماني)، الجزائر، 1982، البنية الاجتماعية في المدن (ص ص. 99- 105).

34

تنظيف الشوارع و المنازل و يقومون بالحراسة في الليل و يوضعون تحت مراقبة أحد الأمناء من جماعتهم يتوجب عليه تسديد قيمة أي شي‏ء قد يسرق من المنازل أثناء الحراسة الليلية، و لهذا السبب فإنه من النادر أن نسمع عن تعديات أو سرقات في الليل.

[الأسرى المسيحيون‏]

أما الأسرى الأوربيون و أغلبهم من الإسبان و البرتغاليين و الإيطاليين و الألمان، فإن عددهم قليل جدا بمدينة الجزائر، و هم عادة ما يحظون باحترام الأتراك و يكونون في حماية إحدى الدول الأوربية التي تكون في حالة سلم مع حكومة الداي، هذا و تتكفل البعثة الفرنسية برعاية رجلي دين من الرهبان(Les Pe ?res) أحدهما يحمل لقب المبعوث الرسولي لكل من تونس و طرابلس و الجزائر(Vicaire Apostolique) ، أما المستشفى الإسباني فيسيره متصرف و يساعده أحد رجال الدين (الآباء) المنتمين لسلك رهبنة عتق الأسرى(Ordre de la Re ?demption) ، و هو يقوم بأعمال خير جمة لفائدة جميع الأسرى و يلحق به جراح(chirurgien) و صيدلي(apothicaire) يقومان بمعالجة المرضى‏ (1).

يتوفر القناصل الفرنسيون و الإنكليز و السويديون و الهولنديون على أماكن إقامة ملائمة في المدينة و ضواحيها، و يسددون مقابلها كل سنة مبالغ مالية

____________

(1) دأبت هذه الممثليات القنصلية و كذلك تلك الإرساليات الدينية المهتمة بتحرير الأسرى الأوربيين، و أغلبها إرساليات دينية فرنسية و إسبانية و إيطالية، على تقديم خدمات طبية في إطار نشاطها الديني، و وظفت من أجل ذلك بعض رجال الدين باعتبارهم ذوي معرفة بأمور الطب و الصيدلة، فكانوا يقومون بإنشاء مارستانات خيرية أهمها مارستان البعثة الدينية الإسبانية الذي أقامه الأب سيباستيان دويون سنة 1551 لفائدة الأسرى المسيحيين، و قد أعيد تجديده عام 1612 و أصبح يتلقى دعما ماليا من الحكومة الإسبانية، و لا يقل عنه أهمية مارستان البعثة الفرنسية الذي أنشأه الراهب تراريدو سنة 1662 داخل أحد السجون العامة قرب باب عزون، و مستوصف لازاريت الذي قدم له الملك الفرنسي لويس الثالث عشر الدعم المالي. و بجانب هذه المستوصفات، أولى حكام الجزائر رعايتهم لبعض الملاجئ و المصحات منها مصحة خاصة بالأمراض العقلية بزنقة الهواء.

35

لأصحابها؛ و ليس هناك مقرات(auberges) يأوي إليها الأجانب، و هذا ما كان في صالحنا فقد انتفعنا بصفة خاصة من هذه الوضعية، فأقمنا مدة مكوثنا بمدينة الجزائر عند السيد بلاك الذي عاملنا بالأريحية و الكرم المعهودين لدى مواطنيه من الإنكليز، و نفس المعاملة لمسناها لدى القناصل الآخرين الذين حملنا إليهم رسائل في شأن رحلتنا، حتى أننا لم نلمس في مدينة الجزائر مع من تعاملنا معه سوى سلوك متحضر، هذا و يوجد بمدينة الجزائر أيضا أفراد من الإغريق لهم كاهن يرعى شؤونهم الدينية.

[مدينة الجزائر: موقعها و تحصيناتها]

إن مدينة الجزائر حقا من المدن المهمة في إفريقيا، فهي قد و اجهت في كل الأوقات جيوش أقوى الدول، و هي على الأرجح مدينة جوليا القيصرية(Julia Cesarea) التي شيدها يوبا تمجيدا للإمبراطور أغسطس‏ (1)، مع أننا لا نجد بها أية آثار رومانية؛ و قد سميت عند العرب بالجزائر بسبب وجود جزيرة قبالتها بالقرب من الساحل، و هذه الجزيرة أصبحت اليوم موصولة بالمدينة برصيف بحري.

بنيت مدينة الجزائر على منحدر جبلي و هذا ما جعل أزقتها متدرجة يعلو بعضها البعض مثل مدرجات مسرح روماني، و هذا التدرج في أزقتها مع‏

____________

(1) لقد جانب هابنسترايت الصواب، فمن المؤكد أن قيصرية هي مدينة شرشال التي حول الملك يوبا الثاني اسمها من يول- كما كانت تعرف منذ العهد القرطاجي- إلى قيصرية تمجيدا لولي نعمته القيصر الروماني أغسطس أو أوكتافيوس. أما مدينة الجزائر فهي إيكوزيم‏(IKosim) الفينيقية، و التي عرفت في العهد الروماني بإيكوزيوم‏(Icosium) ، بعد أن أصبحت إحدى المستوطنات الرومانية المهمة في القرن الأول الميلادي، و تعرضت للتدمير عند اجتياح الوندال لها، و ظلت خربة حتى أعاد عمرانها الأمير بلوكين بن زيري بن مناد الصنهاجي (339 ه/ 960 م)، فعرفت بجزائر بني مزغناي، و تحولت إلى مدينة مستقلة أواخر العهد الزياني، و استنجد سكانها بالأخوين بربروسة للقضاء على الحصن الإسباني المقام على الجزر المواجهة لها و المعروف بقلعة الفنار" البنيون"، فتغير بذلك مصيرها لتصبح قاعدة المغرب الأوسط أو البلاد الجزائرية منذ 1518.

36

البياض الناصع لمنازلها ذات السطوح المشرفة على البحر هو الذي يكسبها منظرا متميزا جدا. أما الميناء فهو متكون من قلعة حصينة جدا تعرف ببرج الفنار و من رصيف مبني بالحجارة يربط البرج بالمدينة (1).

و بالإضافة إلى برج فنار توجد أبراج أخرى تدافع عن مدينة الجزائر، فهناك برج في الطرف الأعلى من المدينة يعرف بحصن الإمبراطور، بالإضافة إلى برجين آخرين يمكن مهاجمة الميناء منهما، كما توجد على شاطئ البحر بين مدينة الجزائر و رأس ماتيفو ثلاثة حصون صغيرة مزودة بالمدفعية (2). و في كل الأحوال فإن الاقتراب من الشاطئ يشكل خطرا على السفن بسبب الصخور التي تغمرها المياه، و هذا ما يبعد عن المدينة أي أسطول معاد. هذا و إن ميناء الجزائر معرض للرياح الجنوبية الغربية حتى أنه في شهر يناير الماضي تسببت هذه الرياح في غرق و إتلاف بعض السفن التي كان راسية بالميناء، أما من الجهات الأخرى فإن الميناء يعتبر آمنا إلى حد ما.

و من جهة البر توجد مدينة الجزائر التي تدافع عنها أربعة حصون و هي حصن الإمبراطور و البرج الجديد و برج باب عزون و برج باب الوادي، و المدينة في حد ذاتها تعتبر محصنة جدا نظرا للأسوار و الخنادق التي تحيط بها، أما أزقتها فهي غير مستقيمة وضيقة و وسخة و يصعب السير فيها بسبب‏

____________

(1) اكتملت منشآت ميناء الجزائر في القرن السادس عشر بعد أن وصلت الجزر الأربعة الصخرية الواقعة قبالة مدينة الجزائر، إثر استيلاء خير الدين بربروسة على الحصن الإسباني المعروف بالبينيون (1529)، و قد استعملت أنقاض هذا الحصن في إقامة رصيف يربط الميناء بالمدينة، عرف بطريق خير الدين (1560)، و أثاء ذلك بنيت تحصينات عديدة مكان الجزر التي وصلت ببعضها، و زودت ببطاريات المدافع، فأصبح ميناء الجزائر موقعا عسكريا يصعب على الأساطيل المعادية مهاجمته و اقتحامه.

(2) أهم التحصينات و مواقع المدفعية (البطاريات) بالساحل الشرقي لمدينة الجزائر و الذي يشكل انحناؤه خليج الجزائر، ابتداء من مدينة الجزائر (باب عزون)، هي: برج باب عزون، برج تافورة، برج سفيد الحامة، بطارية واد خنيس (حسين داي)، برج القنطرة (الحراش)، برج الكيفان، برج تامنتافوست.

37

كثرة المارة و لوجود عدد كبير من الجمال و البغال، بحيث يتوجب عليك أخذ الحيطة حتى لا تلامس أو تصطدم بأحد الأتراك المارين، لأنه ليس في مقدور أي أجنبي أن ينصفك في حالة اصطدامك بهم، و في هذه الحالة فمن الأفضل ألا تحتك بعجرفة هذا الصنف من الناس.

[منازل مدينة الجزائر و حماماتها و مساجدها]

أما منازل المدينة فهي منتظمة و بناؤها جيد بالنسبة لنوعيتها؛ و يحرص في بنائها على أن يكون كل جزء من المنزل منفصلا عن الأجزاء الأخرى و لا سيما الأجنحة الداخلية حتى تظل النساء في معزل، بحيث لا يمكن أن يراهن أحد، و كذلك يستخدم الرواق كمكان للتوقف بحيث يخلع الحذاء قبل الدخول إلى المنزل إذا تطلب الأمر ذلك، و ينفتح المدخل على فناء مبلط بقطع رخام مربعة مشكلة من أربع إلى ست خانات، و عادة ما يكون الفناء مربع الشكل محاط بصف أوصفين من الأروقة، أما الغرف فهي مستطيلة تزينها صور أوراق الأشجار و أشكال المنمنمات المحفورة على الجبس، و للمنازل أسطح مهيأة لأن تكون مكانا للاستراحة، و تشاهد في المنازل الزهور و النباتات و الأثاث الجميل، و طريقة المحافظة عليها تدل على التزام السكان بقواعد النظافة و النظام، و لا ينفذ ضوء النهار إلى المنازل من جهة الشارع حيث لا توجد إلا منافذ صغيرة لا يمكن رؤية الخارج منها، و إنما يصل الضوء إليها من الفناء المنفتح على الغرف.

المنازل الريفية كثيرة جدا بفحص المدينة و هو الاسم الذي يطلق على الجهات المجاورة لها، و هي مريحة جدا للسكن، و غرفها ذات هندسة تساعد على الحد من الحرارة الشديدة في الصيف، و ليس هناك أحلى من منظر بساتين البرتقال المنتشرة حولها و التي أثارت انتباهي للانتظام التام لصفوف أشجارها.

حمامات مدينة الجزائر مريحة و مزينة و الذين يستعملونها تقدم لهم خدمات جيدة. أما المساجد فهي متقنة البناء، منها عشرة مساجد كبيرة ذات منارات، أما التي تقل عنها شأنا فعددها يفوق الخمسين، و تقع المقابر خارج‏

38

المدينة (1) و هي تعتبر مزارات و خاصة منها أضرحة المرابطين التي تتخذ أماكن للعبادة و يكون الجناة في مأمن عند احتمائهم بأحد المساجد أو الأضرحة، و كل مسيحي نزق أوطائش يدخل إليها ينظر إليه السكان و كأنه اعتنق الإسلام.

و أماكن العبادة هذه لا يمكن للمار بها التعرف على ما بداخلها، أما أرضيتها فهي مغطاة بالحصائر و الزرابي و أبنيتها تشدها عرصات قوية تتدلى بينها في اتساق و نظام قناديل من الزجاج.

و هذه المساجد تظل مفتوحة طيلة اليوم لأداء الصلوات، و تقام خمس صلوات في النهار و الليل، و بواسطتها يمكن تقسيم اليوم فيقال ساعة آذان الصبح و الظهر و العصر، أي وقت الصباح و منتصف النهار و المساء لأن في هذه الأوقات يرفع الآذان من المنارات إيذانا بحلول وقت الصلاة، ففي آذان الظهر يعلق فوق المنارة علم أبيض و بعد منتصف النهار (العصر) يعلق علم أخضر و لهذا يسمونه بانتيرا نيفا(Panthera niva) أي ساعة نشر علم السفينة، و في المساء بانتيرا أباسا(Panthera abassa) أو ساعة طي العلم‏ (2).

[العدالة و القضاء]

و قصر الملك أي الداي يستعمل في نفس الوقت كقصر للعدالة، فالداي يجلس منذ الصباح و حتى المساء في أحد أركان فناء هذا القصر المستخدم كقاعة استقبال، و في إمكان كل واحد أن يعرض قضيته، و قبل ذلك يتخلى عن سلاحه،

____________

(1) يقدر عدد مساجد مدينة الجزائر، حسب معلومات الدكتور شو الذي تعرف عليه صاحب الرحلة في الجزائر، بعشرة مساجد كبيرة و خمسين مسجدا صغيرا، بالإضافة إلى ثلاث مدارس كبيرة، و من أشهر هذه المساجد الجامع الكبير أو المسجد الأعظم و الجامع الجديد، بالإضافة إلى جوامع: كتشاوة، و ميزوموتو، و علي بتشنين، و شعبان خوجة، و سفير، و الرابطة، و عبدي باشا، و السيدة، و سيدي رمضان، و المقرئين أو البلاط.

(2) ارتبطت أوقات النهار بمواقيت الصلاة، فترفع الأعلام على المآذن و بعض السفن مع حلول وقت الظهر عند منتصف النهار، و بعد الظهيرة مع صلاة العصر، و كذلك وقت غروب الشمس و هو وقت صلاة المغرب. و قد جرت العادة أن تكون هذه الأعلام ذات ألوان خاصة و يحرص على طيها في نهاية كل يوم.

39

و كلمة" شرع اللّه" أو عدالة اللّه لها في هذا المقام وزن كبير، بحيث أن كل فرد مهما علا شأنه يحصل على تطبيق حكم العدالة بمجرد النطق به، و الأجانب يتوجب عليهم إظهار الاحترام لقصر الداي بنزع قبعاتهم عند مرورهم أمامه.

و بعد محكمة الداي تأتي محكمة القاضي و التي تشكل في الواقع محكمة أولية، و منها يمكن رفع الشكوى إلى محكمة الداي، و لا يتطلب الانتهاء من القضية وقتا طويلا، فهي لا تستغرق سوى ما يتطلبه حضور المتقاضين و سماع الشهود و تقديم الشكوى، و تنفيذ الحكم يتم في اليوم نفسه، و الأتراك تتم معاقبتهم في سرية حفظا لكرامتهم، بينما تنفذ الأحكام علانية في الحضر و باقي طوائف السكان الآخرين عند باب عزون، و الأسرى المسيحيون غالبا ما يضطرون للقيام بمهنة الجلاد التي ليس فيها ما يعيرهم أو ينقص من مكانتهم لأن أمر تنفيذ الإعدام يتولاه الشواش و هم الضباط الرئيسيون بقصر الداي في هذا الشأن.

يعود التصرف في شؤون سكان الريف إلى آغا الصبائحية (1)، و هو الآن ابن الداي الحالي و يتم تنفيذ العقوبة في هؤلاء السكان الخاضعين في خيمة تنصب لهذا الغرض. هذا و يتم تنفيذ الحكم في الجرائم الكبرى بطريقة غير عادية، فاليهودي أو النصراني الذي ينقص من معدن العملة تقطع يديه و يشنق و يطاف بجثته على ظهر حمار في أرجاء المدينة، و هذه العقوبة نفذت حديثا

____________

(1) يعود التصرف في سكان الريف بإقليم مدينة الجزائر المعروف بدار السلطان و المؤلف من أوطان متيجة و الساحل (أنظر هامش رقم 5) إلى آغا العرب أو قائد الحامية الذي يأتمر بأوامره شيوخ الدواوير و قياد العشائر بهذا الإقليم، و هذا ما زاد في صلاحياته و جعله بمثابة الحاكم الفعلي للجزائر، و إن كان يخضع إلى الداي الذي ينصبه في هذه الوظيفة و قد يعزله منها لأي سبب، و نظرا لأهمية هذا المنصب فإن صاحبه يكون محل ثقة و ربما يختار من أفراد أسرة الداي أو أبنائه، كما هو الحال مع الداي كرد عبدي الذي كلف ابنه بهذا المنصب الخطير، و هذا ما لاحظه هابنسترايت و أشار إليه في رحلته.

40

و أرغم الجراحون من الأسرى على القيام بالإجراءات المتعلقة بها، أما الضرب بالعصا فهو أكثر الأمور شيوعا، فهو يطبق حالا في المتهمين في الأمور الأقل أهمية بحضور القاضي؛ و لليهود قاض خاص بهم، بينما النصارى لهم الحرية في رفع تظلماتهم أمام قناصل دولهم.

[وضعية الدايات و تعرضهم للاغتيالات‏]

و قبور الدايات الذين يموتون بدون التعرض للقتل من الصعب العثور عليها، فهي توجد في أماكن داخل المدينة و تتخذ مزارات للتبرك بها، أما الذين يموتون نتيجة القتل فيدفنون بدون إقامة المراسيم بالمقابر الواقعة خارج باب الوادي حيث تشاهد ستة قبور دايات تم اغتيالهم في نفس اليوم الذي تولوا فيه منصب الداي‏ (1)، و القبر السابع الذي بجوارهم هو للداي الذي تغلب على منافسيه بفعل قوة مناصريه، أما باقي القبور فمظهرها يختلف بحسب مكانة أصحابها بين قبر رفيع المقام و آخر أقل شأنا، و يعلوقبور رؤساء البحرية (من فئة قابودان باشا) علم يرفرف فوقها، و أحباء الشخص المتوفى يقومون بزيارة قبره و القيام ببعض الطقوس التي اعتادوا عليها مثل نثر الزهور على القبر ورشه بالعطر (2)، و هناك بعض الرجال يرابطون بأضرحة رجال الدين تبركا بها أو لحراستها. هذا و يتم غسل الأموات في أحد الأماكن المخصصة لذلك، و منها يحمل الميت بصحبة أقاربه لدفنه و إقامة صلاة الميت عليه.

يختار لمنصب الداي أحد الأتراك بإجماع الآراء أو بتغلب إحدى الجماعات في فرض مرشحها، و على كل فإن تولي هذه المرتبة السامية يتوجب فيها أن يكون متوليها تركيا، و رغم المخاطر المترتبة عن تولي هذه‏

____________

(1) ارتبط ذلك بفترة الفوضى التي تسبب فيها ضباط الحامية (الإنكشارية)، و انقسم أثناءها الديوان إلى شيع و جماعات متنافسة.

(2) ذهب صاحب الرحلة إلى أن قبور رؤساء البحرية كانت ترش بالخمر، و من الراجح أن ذلك لبس في التعبير أو خطأ في الترجمة الفرنسية، إذ أن الصحيح أن العادة جرت بأن ترش تلك القبور بالعطور أو ماء الورد.

41

المسؤولية فإن الجميع يرغبون فيها، أما الداي الذي يحكم الجزائر الآن فهو عبدي آغا (1) و قد ضحى أخيرا ببعض موظفيه الكبار الذين تآمروا على شخصه و ذلك حتى يضمن سلامته، و قد احتاط للأمر فاتخذ لهذا الغرض عددا من الجواسيس الذين لا يخفى عن أعينهم إي شي‏ء، و رغم طيبة هذا الداي فهو يخشى أن تكون نهايته مثل سلفه الذي انتهت حياته بالاغتيال‏ (2)، و قد رأيت هذا الداي مصفر الوجه و هو يرتعد في اليوم الأول من عيد الأضحى و هو المناسبة التي يمد فيها يده ليقبلها كل من حضر لتحيته فيكون بذلك عرضة للاعتداء و هدفا سهلا للاغتيال، و في غير هذه المناسبة لا يمكن رؤيته أبدا، فهو يتخذ من تقدمه في السن حجة تعفيه من الاختلاط بالآخرين، و هو مع ذلك رجل ذو أريحية و صاحب خبرة في الحكم، و قد برهن فعلا على كفاءته هذه، فمنذ سنوات استدعى الجند الذين كانوا غير راضين عن حكمه، و بعد أن وجه إليهم خطابا برر فيه سياسته أعلن تنازله عن كرسي الحكم و أخذ مكانه بين الآغوات الذي كان واحدا منهم قبل توليه منصب الداي و توجه إليهم قائلا: فليتقدم غيري ليشغل هذا المنصب الخطير، و لم يعد إلى كرسي الداي إلا بعد أن ألحوا عليه و قبل الجند طلبه بإعلان الولاء له.

[خزينة الجزائر]

مداخيل الداي ذات قيمة معتبرة فقد قدرها لوجي دوتاسي بمائتي ألف‏

____________

(1) أنظر ترجمة الداي عبدي باشا: الهامش رقم 8.

(2) الداي الذي خلفه كرد عبدي في تولي حكم الجزائر هو محمد داي الذي انتهت حياته بالقتل بسبب نقمة الجند عليه إثر إيقاعه العقاب ببعض رياس البحر الذين اقترفوا أعمال نهب، فدبرت جماعة من الجند (اليولداش) مؤامرة ضده و نصبت له كمينا على الساعة العاشرة صباحا يوم 18 مارس 1724 داخل مدينة الجزائر عند ما كان عائدا من تفقد بعض الأبراج، فصوب نحوه أحد الجنود من على سطح ثكنة البحرية طلقة نارية أصابته بين كتفيه و أردته قتيلا، فسارع أعوانه و في مقدمتهم الخزناجي إلى دار الإمارة بالجنينة و أغلقوا الأبواب ليحولوا دون انتشار الفوضى، و سارعوا بإعلان آغا العرب أو قائد الصبائحية كرد عبدي دايا، الأمر الذي ساعد على قمع التمرد و إقرار الهدوء. أنظر:

H. D. de Grammont, op. cit.

42

قرش أوفلورين في السنة، الجزء الأكبر منها كان يودع في الخزينة الموجودة في مكان أمين لا يمكن لأي شخص الدخول إليه ما عدا الخزناجي الذي يصاحبه لدى دخوله إليها أحد الأسرى و يكون مجردا من الملابس دفعا للشبهة، و هذه الخزينة تدخلها مقادير ضخمة من الأموال و لكنها لا تخرج منها أبدا الأمر الذي يسمح لنا بالتكهن بأنها تحتوي على كوم هائل من الذهب و الفضة في شكل نقود و أشياء ثمينة (1)، و مدخل هذه الخزينة محروس بعناية و الجند يأمرون الناس المارين بقربه بتعرية رؤوسهم.

[فدية الأسرى المسيحيين و الغنائم‏]

تشكل تجارة الأسرى المسيحيين أحد مصادر الدخل الرئيسية، فكل أسير له قيمة محددة حسب مكانته، فالقابودان، و هو قائد السفينة، يتطلب إطلاق سراحه دفع ألفين و خمسمائة قرش، بينما معاونه و كذلك صانع السفن أو الجراح فيدفع عن كل واحد منهم ألف و خمسمائة قرش، أما البحار فعليه تسديد ألف قرش. و عادة ما يكون ثمن إطلاق الأسرى الألمان أعلى من الآخرين لمهارتهم في شؤون البحرية. أما الآباء المشتغلون بقضية تحرير الأسرى‏

( Les Pe? res de la Re? demption )

و الذين يتكفلون بدفع ديتهم فيأتون إلى الجزائر كل سنة و يحالفهم النجاح دائما في تحرير بعض الأسرى؛ و من حسن الحظ أن يكون المرء أسيرا لدى الداي، لأن الآباء المسيحيين المكلفين بفدية الأسرى ملزمون بتخليص أسرى الداي قبل غيرهم.

هذا و يتجمع أسرى الداي في المساء في سجون عامة على هيئة ملاجئ‏

____________

(1) توجد خزينة الجزائر الواقعة أسفل المدينة في إحدى الغرف الملحقة بقصر الجنينة، و كانت تضم كميات كبيرة من الأموال و النفائس، بعضها في شكل قطع نقدية و بعضها الآخر عبارة عن مقتنيات نادرة و أشياء ثمينة، و قد حرص حكام الجزائر على عدم الإنفاق منها إلا في حالات نادرة، مما جعلها بمثابة كنز ثمين لا يقدر بثمن، و حتى بعد نقلها إلى أعلى المدينة بحصون القصبة بأمر من الداي علي خوجة عام 1817، ظلت تحتوي على ثروات طائلة، فقد قدر الفرنسيون احتياطاتها من العملة و الأشياء الثمينة، عند استيلائهم عليها سنة 1830، ب 48. 684. 527 فرنك (بقيمة 1830)، راجع:

ناصر الدين سعيدوني، النظام المالي ...، المصدر نفسه، ص ص. 169- 187.

43

ليلية 45. أما الأسرى الذين يوضعون في خدمة القناصل أو الأفراد المقيمين بالجزائر فيتمتعون بالحرية مقابل تعويض مالي يسدد كل شهر. أما أسرى الخواص من الجزائريين فيدفعون هذا التعويض للأشخاص الذين يمتلكونهم، و يسمح لهم بالعمل لتوفير مدخول مالي يمكنهم من تسديد ما يتوجب عليهم إزاء مالكيهم. و رغم الحراسة التي يخضع لها هؤلاء الأسرى فإن في استطاعتهم الهروب على متن قوارب صغيرة يقومون بصنعها خفية في بساتين مالكيهم، و قد حدثت في المدة الأخيرة محاولة هروب من هذا النوع؛ و عند القبض عليهم في حال محاولتهم الهروب يتعرضون إلى الضرب بالعصا، و الذي يتم بطريقة لا تؤدي إلى موت الأسير إلا نادرا، لأن الأسير يعتبر جزءا من ثروة سيده‏ (1).

تخرج سفن إيالة الجزائر للبحث عن الغنائم عادة في بداية فصل الربيع، و إن كان ليس من المؤكد أن ترفع أشرعتها للإبحار هذه السنة نظرا للاستعدادات الإسبانية في ميناء مالقة لمهاجمة الجزائر، فمن الراجح أن يتوجه الأسطول الإسباني نحو و هران التي ظلت دوما في حوزة الإسبان الذين يحاولون الآن استرجاعها (2). و هذا ما جعل البحارة الجزائريين يمكثون في‏

____________

(1) كان الأسرى الأوربيون بمدينة الجزائر يتمتعون بحرية الحركة و العمل أثناء النهار، و إن كانوا ملزمين بقضاء الليل في سجون عامة عرفت بالبانيه‏(Bagnes) ، و هي أشبه بالملاجئ الليلية منها بالسجون المحروسة، و يبلغ عدد هذه السجون خمسة و هي:

سجن كورغلي، و سجن علي ماضي، و سجن البايليك، و سجن سانت كاترين، و سجن راباحي، و سجن سيدي حسان. مع العلم بأن عدد الأسرى الأوربيين بالجزائر تناقص من 21 ألف سنة 1662 إلى 2000 سنة 1724، نظرا لتراجع نشاط البحرية الجزائرية أمام تزايد قوة الأساطيل الأوربية.

(2) حاول الإسبان تنفيذ مخطط توسعي بسواحل المغرب العربي، و تنفيذا لهذا المشروع استولوا على عدد من المراكز الساحلية الجزائرية منها: المرسى الكبير (1505) و وهران (1509)، بقيادة رايمون القرطبي و زعامة الكاردينال خيمينيس‏(Don F .Xime ?nes de Cesne ?ros) . و ارتكب الإسبان أثناء استيلائهم على و هران مذابح فظيعة، فقد

44

المرسى، و إن كان ذلك لم يحل دون حصول البحارة الخواص منذ حلولنا بالجزائر على أربع غنائم، و قد تم بيع الأسرى في المزاد العلني، و حددت قيمة كل واحد منهم حسب سنه و قوته العضلية و مظهره الخارجي، هذا و إن أكبر خطر يتعرض له البحارة الجزائريون تمثله السفن المالطية، ففي السنة الماضية ظهرت سفينتان قبالة مدينة الجزائر و تسببتا في إبقاء الميناء مغلقا لمدة أربعة أشهر بحيث لم يعد من الممكن أن يخرج منه أي شي‏ء.

تتكون الغنائم البحرية التي يتحصل عليها الجزائريون في نشاطهم البحري على العموم من سفن إسبانية من نوع طارتان(Tartane) و من بعض قوارب الصيادين، أما سفن دولتي هامبورغ و لوبيك بجرمانيا فهي تحمل الآن جوازات سفر سويدية أو هولندية، و لم تعد هدفا للبحارة الجزائريين كما كان عليه الأمر في السابق.

[تنظيم الديوان و إدارة المقاطعات‏]

يوكل الداي و هو رئيس الدولة الاعتناء بشؤون البلاد إلى الديوان الذي يجتمع كل يوم سبت و هو مجلس مؤلف من كبار ضباط الوجاق و هم الآغوات الذين يصلون إلى هذه المرتبة بالتتابع حسب تقدمهم في السن، و يرأس الديوان آغا يتولى هذه المسؤولية لمدة شهرين يترك بعدها مكانه لآغا آخر، و أثناء هذه الفترة التي يتولى فيها رئاسة الديوان يصاحبه في انتقاله عدة

____________

قضوا على 4000 من سكانها و أسروا عددا كبيرا ممن نجوا من الموت، و أزالوا مظاهر المدينة الإسلامية منها و أقاموا حولها العديد من الحصون و الاستحكامات العسكرية لمواجهة حصار الجزائريين لهم، و قد ظلوا لمدة تسع و تسعين عاما يواجهون الهجمات المتكررة التي كانت تشنها عليهم القوات الجزائرية، حتى تمكن باي الغرب مصطفى بوشلاغم من تحرير و هران سنة 1708، و حتى بعد أن أعاد الإسبان احتلالها من جديد سنة 1732 لم يلبثوا أن اضطروا إلى الانسحاب منها سنة 1791، فانتقلت إليها قاعدة بايليك الغرب من مدينة معسكر، و عمرت مدينة و هران من جديد و أصبح سكانها يقدرون بعشرين ألفا عندما تمكن الفرنسيون من الاستيلاء عليها سنة 1831.

45

شواش ينادون على المارة: أفسحوا المكان أفسحوا ... الآغا قادم! فهو الشخص الوحيد الذي يحظى بهذه المعاملة من دون بقية الضباط السامين‏ (1)، و هم الكاهية (2) و معزول آغا (3) و سلك الضباط من رتبة بلوك باشي و أوده باشي و البيك باشي، بالإضافة إلى باقي الضباط الآخرين الذين يتتابعون في ترتيبهم حسب رتبهم. أما رئيس الهيئة الدينية فهو المفتي الذي تبعث به إستانبول مثله مثل القاضي الذي أصبح الآن يثبت في وظيفته من طرف ديوان الجزائر الذي لم يعد يعترف بالسلطان العثماني إلا باعتباره الولي الشرعي للمسلمين.

أما المقاطعات (البايليكات) فتحكم من طرف البايات‏ (4) أو نواب الداي و تعطى لهم حرية التصرف حسب رغباتهم شريطة أن يدفعوا ما يتوجب عليهم من مداخيل مقاطعاتهم، فيحملون هذه المداخيل بأنفسهم و يستقبلون في الجزائر بتشريفات تليق بمقامهم، و هذه التشريفات التي تكلفهم في غالب الأحيان حياتهم، لا يمكن لهم تجنبها بحيث لا يقبل منهم تحت أي عذر من‏

____________

(1) يعرف هذا الضابط السامي بآغا الهلالين لكون سلطته الشرفية على الديوان و ما يرتبط بها من امتيازات و معاملات خاصة تحدد بفترة شهرين قمريين، يلتحق بعدها بمجموعة الضباط المتقاعدين الذين يعرف كل واحد منهم بمعزول آغا، و الذين يشكلون مع غيرهم من الضباط و الأعيان مجلس الديوان الذي يجتمع في المواسم و المناسبات الخاصة و التي توزع أثناءها الجرايات و الرواتب على الجند.

(2) الكاهية موظف سام بديوان الجزائر كان يعتبر بمثابة نائب الداي و توكل له رئاسة الديوان، و بعد أن أصبح معزول آغا يتولى رئاسة الديوان كل شهرين، تحول الكاهية إلى مجرد موظف شرفي يمثل الداي في حضور الديوان أثناء المواسم و الأعياد.

(3) للتعرف على وضعية جماعة معزول آغا، أنظر هامش رقم 29.

(4) بالإضافة إلى دار السلطان و هي المقاطعة المركزية التي يشرف عليها الداي مباشرة و يتصرف في شؤونها آغا العرب، تتألف مملكة الجزائر كما تعرف آنذاك من ثلاث مقاطعات" بايليكات" يتولى حكمها البايات بأمر و توجيه من الداي و مراقبة من آغا العرب، و هذه المقاطعات هي: بايليك الشرق و مركزه قسنطينة، بايليك الغرب و مقره معسكر آنذاك، و بايليك التيطري و قاعدته المدية

46

الأعذار إرسال ضباط مكانهم لحمل جباية مقاطعاتهم إلى مدينة الجزائر (1).

[عادات و تقاليد الجزائر و جو الحرية الذي توفره للأسرى المسيحيين‏]

هذا و إن عادات و تقاليد الجزائر تحددها ضوابط الشريعة الإسلامية، فالمسلم الصالح يتوجب عليه حسن معاملة أصدقائه، كما يطلب منه أن يكون شديدا مع أعدائه رحيما بالمنهزمين، و في هذا الشأن قارنت حالة الشقاء التي عليها الجزائريون بمرسيليا مع وضعية الأسرى المسيحيين بشمال إفريقيا، فالأولون لا يستطيعون إلا بشق الجهد جر أغلالهم الثقيلة، بينما الآخرون و هم الأسرى المسيحيون في الجزائر يقضون نهارهم أحرارا مقابل دفعهم مبلغا ماليا كل شهر ليطلب منهم في المساء التوجه إلى مقراتهم التي لم تكن أبدا غير مريحة بالنسبة إليهم، و حتى الأسير المسيحي الذي يرتد عن معتقده لا يحظى بالترحيب، لأنه ليس فقط تسبب في خسارة سيده بعد أن تسقط الفدية عنه بإسلامه و إنما ينظر إليه على أنه لم يعتنق الإسلام عن اقتناع.

و في هذا الجو يتمتع الكل في الجزائر بحرية المعتقد، فالأجانب يكرمون و الكل في وضعية تمكنهم من القيام بما يرغبون فيه. و الأسير المسيحي يستطيع أن يحصل على حكم عادل عن أية معاملة سيئة يتلقاها من سيده عندما يثبت ما يؤكد تظلمه، في الوقت الذي يلاقي فيه البحارة الجزائريون عقابا مضاعفا عندما يقعون في أيدي أعدائهم الأوربيين الذين هم في حرب لا هوادة فيها معهم‏ (2).

____________

(1) تعرف عملية حمل الجباية و الرسوم من مراكز المقاطعات إلى مدينة الجزائر بالدنوش، إذ يتوجب على كل باي حملها بنفسه كل سنة و هي الدنوش الكبرى، بينما ترسل الجباية في فصلي الربيع و الخريف من كل سنة مع خليفة الباي و تعرف بالدنوش الصغرى، و ترتبط الدنوش الكبرى التي يحملها البايات بإجراءات خاصة بحيث يستقبل البايات خارج مدينة الجزائر، و ينزلون في جناح خاص من قصر الداي، فيحرصون على إرضاء الداي و أعضاء الديوان و الشواش، حتى يتجنبوا المساءلة و حتى لا يتعرضوا إلى العزل أو ينفذ فيهم حكم الإعدام.

(2) لقد اتصف هابنسترايت هنا بالصدق و النظرة الموضوعية في مقارنة معاملة الأسرى‏

47

أما محاولات الاغتيال التي يقوم بها رعايا الداي للتخلص منه فتعود إلى خبث طبيعة و سوء نية بعض الأفراد و لا يمكن أن نعتبرها صادرة عن سلوك يتصف به الشعب كله، مع أن هذه المحاولات تكون في بعض الأحيان تعبيرا عن رفض الطغيان و التصدي للظلم.

أغلب العادات التي يمارسها الجزائريون تستند في أساسها إلى قوانين، و ليس فيها ما يفاجئ الأوربي كغياب النساء عن الحياة العامة، و احتشامهن الشديد، فلا يسرن في الأزقة بدون حجاب، و حتى منازلهن تكاد أشعة الشمس لا تصل إليها، و عندما يسافرن على ظهور البغال يكن مختبئات في ستائر غريبة، و قد ترجاني أحد الأتراك من ذوي المكانة المتميزة أن أعالج زوجته، و عندما طلبت منه أن أرى المريضة أجابني من الأفضل أن تموت على أن يراها أحد.

و الجزائريون من أتباع الرسول محمد (صلى اللّه عليه و سلم) الغيورين و يستهجنون المتشيعين لعلي (ض)، و يقومون في الغالب بالحج إلى مكة (المكرمة)، و بعد أداء هذه الفريضة يرتدون الملابس الخضراء التي تنسب إلى الرسول (صلى اللّه عليه و سلم)، و هو اللباس الذي يميز الأشراف الذين يدعون بأنهم من سلالة النبي (صلى اللّه عليه و سلم)(1).

____________

الجزائريين في أوربا و الأوربيين في الجزائر، و هذا ما تجاوزه جل من كتب عن أوضاع الأسرى و نشاط البحرية من الأوربيين، فلم يروا في نشاط البحرية الجزائرية سوى قرصنة و عملا عدائيا منافيا للحضارة و مضادا للسلم و لحرية التجارة، مع أنها تعتبر في إطار التعامل الدولي عملا مشروعا من أجل الدفاع عن النفس. أنظر: ناصر الدين سعيدوني، ورقات جزائرية، دراسات و أبحاث في تاريخ الجزائر في العهد العثماني، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 2000، البحرية الجزائرية، ص ص. 187- 213.

(1) طائفة الأشراف بمدينة الجزائر ظلت محافظة على خصوصيتها و معتزة بأصولها، لها أمين يرعى شؤونها يعرف بنقيب الأشراف، و لها زاوية خاصة بها و أوقاف تنتفع بريعها، قدر مدخولها سنة 1830 ب 5000 فرنك. و كان آخر نقيب لهذه الطائفة هو أحمد الشريف الزهار صاحب التقاييد التاريخية عن أحوال الجزائر، و التي نشرها بعد تحويرها و التعليق عليها الأستاذ أحمد توفيق المدني و نشرت بالجزائر سنة 1974 (أنظر قائمة المراجع المعتمدة في التحقيق).

48

هذا و يمتنع المسلمون الأتقياء عن شرب الخمر، أما الآخرون فيتعاطونه حتى يبلغ بهم السكر حد الهياج، و في هذه الحالة يصل بهم الاندفاع إلى حد ارتكاب أكبر التجاوزات التي تتسبب في قتلهم في بعض الأحيان، و هذا ما يحدث غالبا في أيام العيد، فبعد أن يمتنعوا عن شرب الخمر طيلة شهر رمضان، يعودون إلى شربها مع حلول العيد الأضحى، فيقبلون على تعاطي الخمر طيلة أيام العيد الثلاثة التي تطيب فيها المآكل و إن كانوا لا يجرؤون على تناوله جهارا (1).

[صيام رمضان و مراسم عيد الفطر]

لقد صادف أن وصلت إلى الجزائر في الفترة التي تسبق الصيام، و لا حظت أن المسلمين يمتنعون عن الشرب و الأكل أثناء اليوم طيلة الشهر، و حتى ظهور قمر الشهر التالي. و هذا الصوم ليس منهكا سوى للطبقة الدنيا و هي جماعة البرانية، الذين يلتزمون به رغم ما يقومون به من أعمال منهكة جدا، بينما الذين هم في منزلة أرفع، و هم الحضر، يتجنبون هذا الإجهاد و يهيئون في الليل ما يقومون بعمله في النهار.

و مع نهاية شهر رمضان و عند رؤية هلال العيد ينقل الخبر على جناح السرعة إلى الداي ليأمر بإطلاق المدافع إعلانا بانتهاء شهر رمضان و حلول العيد (2)، الذي يعرف لدى الأتراك ببيرم و في لغة الفرانكا يطلق عليه لفظ باساكا(Pasaca) لأنه يأتي على منوال عيد الفصح لدى النصارى، و قد جرت العادة في صبيحة اليوم الأول من عيد الفطر أن يذهب الناس إلى إلقاء السلام و تقديم التهنئة إلى الأفندي الأكبر أوالداي، و أثناء ذلك يكون هذا الأخير

____________

(1) كانت مدينة الجزائر، نظرا لنشاطها البحري و لتنوع أصول سكانها و وجود جماعة كبيرة من الأسرى المسيحيين بها، تضم العديد من الخمارات المعروفة ب" التبارن" (ج. تبرنة) بلغة الفرانكا، يقوم على خدمتها الأسرى الأوربيون و يتردد عليها النصارى و جماعات من الجند الإنكشاري، من أهمها حانات قصر الرياس المعروفة بسبع تبارن.

(2) يقصد به عيد الفطر المعروف لدى العامة بالعيد الصغير و في لغة الفرانكا بباساكا و عند الأتراك ببيرم.

49

معرضا لأخطار كبيرة، لأن أعداءه يسهل عليهم الوصول إليه و تنفيذ مؤامراتهم التي يكونون قد خططوها ضده، و لقد ذهبنا نحن بدورنا برفقة القنصل الإنكليزي لتقديم تهانينا للداي، فوجدناه في لباس الحفل الرسمي جالسا على جلد نمر في قاعة المجلس و أعضاء الديوان يحيطون به، و قد وضعت أمامه مائدة يتناول عليها وجبة الغداء في أطباق من الفخار، و يكون أول من يبدأ الأكل مع موظفيه السامين، بعدها يأتي دور قدماء الإنكشارية ويليهم الجند و في الأخير تترك الموائد للعامة لتناول غدائها قبل أن تقدم للجند القهوة و الحلويات.

و أثناء ذلك تتم الاستعدادات لمبارزة رسمية، اعتاد الأتراك القيام بها بين بعضهم البعض، فيغطى المكان المخصص لهذه التمارين بالرمل، و يتقدم إليها المتصارعون عراة إلا من سراويل قصيرة جدا من الجلد المدهون بالزيت مثل أجسادهم لتكون ملساء، و بعد الصلاة يتبارى المتصارعون واحدا بعد الآخر، و يقومون حسبما جرت العادة بحركات تؤهلهم للفوز بالجائزة، فالذي يطرح خصمه على الظهر يعتبر منتصرا، و عندما لا تحسم المباراة تؤجل إلى آخر أيام العيد لاستئناف المصارعة من جديد، و تكون مصحوبة كما في اليوم الأول بأنغام موسيقى الإنكشارية، و بجانب هذه المبارزة يتسلى الشعب أيام العيد بكل أنواع الألعاب التي ليس فيها ما يثير الانتباه، و أثناء هذه الفترة و حتى بعد مضي عدة أيام من حلول العيد فإنه يتوجب على المرء أخذ الحيطة حتى لا يصادف أحد الأتراك سكيرا في أحد الأزقة، لأن في ذلك مجازفة قد تؤدي إلى هلاكه، فالتركي قادر على ارتكاب أي حماقة لأقل إهانة قد يشعر بها ممن يقابله في الطريق.

[ضواحي مدينة الجزائر]

ضواحي مدينة الجزائر (المعروفة بالفحص) ذات تضاريس جبلية و لها مناظر تدخل البهجة و السرور على النفس، تتخللها أودية رطبة تتميز بخصوبتها، تشاهد فيها الكثير من الحدائق بها أشجار العنب و البرتقال و اللوز و غيرها من الأشجار المثمرة و غير المثمرة مثل السرو، و لهذا يفضل‏

50

الأشخاص الذين لا تضطرهم أشغالهم للبقاء في المدينة قضاء الصيف في المنازل الريفية، حيث الطرقات تحف بها أشجار الزيتون غير المنتجة فهي ليست كزيتون البروفانس، إنما تركت على حالتها الطبيعية و لم تقلم و لم يعتن بها و يتخللها نبات الصبار الذي ينموبكثرة و يبلغ ارتفاعا كبيرا و يتخذ الفقراء من ثماره غذاء لهم. كما توجد أيضا بفحص الجزائر أشجار النخيل لكنها غير مثمرة و إن أعطت تمرا فهو بدون نواة، و من الراجح أن ذلك يعود إلى نقص الحرارة الذي لا يساعد على اكتمال نمو العراجين التي تحملها، و أما جمارها أو براعمها فتنموبكميات كبيرة و مذاقها لذيذ جدا، و يتخذ منها السكان غذاء لهم. و على طول المسالك الريفية بضواحي الجزائر ينمو أيضا نوع من شجر الصبار الضخم أو بالأحرى شجر الأغاف(agave) و صبار سيكوتران(I`aloe ?s sucotrin) ، فالأول يخرج برعما طوله عشرون قدما و تتفرع منه غصون جميلة مما يشكل منظرا بهيجا للعين، و شجيرات القطلب(arbousier) و التوت منتشرة بكثرة و هي تحمل ثمارها في هذا الفصل. أما الكروم التي يزرعها المسيحيون في حدائقهم فعنبها من النوع الجيد و اللذيذ، و الأتراك يحولونه إلى زبيب، أو يعالجونه بالنار ليستخرجون منه مشروبا روحيا ذا طعم طيب يتناولونه كشراب بجانب الشراب العادي المعروف عندهم.

[ملاحظات حول نباتات و حيوانات مملكة الجزائر]

و أراضي الجزائر صالحة جدا لزراعة الحنطة، و سكان سهل متيجة الجميل و عرب بايليك و هران يزودون مخازن الداي بهذا المنتوج، ليقوم هو ببيعه للأجانب الذين أصبحوا بفعل هذه المبادلات من كبار التجار بفرنسا و إسبانيا و جبل طارق.

إن رطوبة الشتاء التي تتعمق كثيرا في التربة تعوض انقطاع المطر الذي يصبح نادرا جدا منذ شهر أبريل و حتى شهر أكتوبر، فالزهور و النباتات التي شاهدناها في هذا الفصل ساعدت على نموها رطوبة الأرض، فهي لا تظهر على الأرض إلا مع نهاية شهر ماي، و عندها تجف سريعا بفعل الحرارة الشديدة.

51

و في الجزء الجنوبي من مملكة الجزائر توجد أنواع مختلفة من الحيوانات المتوحشة تعيش في عزلة بجبال الأطلس، و لا يمكن الحصول عليها إلا بأمر من الداي عندما يرغب في تقديم هدايا لإحدى الدول الأوربية أو عند ما يعود الجند الإنكشاريون المشاركون في المحلات‏ (1) التي تجوب تلك الجهات لاستخلاص الجبايات، لأن هؤلاء الجند يستعملون أي وسيلة تمكنهم من الحصول على هدايا يقدمونها لأصدقائهم، و قد سبق لي القول بأن ابن الداي، و هو آغا المحلة، قدم لي لبوءة صغيرة كهدية، و أصدر أوامره بأن يبحث لي عن كل أنواع الحيوانات النادرة، و قد أصبحت حضيرتي من هذه الحيوانات الآن تتكون من اللبوءة الصغيرة و قنفذين و قط متوحش(chat tigre) و ابن مقرض(furet) و ظبي(antilope) ، و قد اشتريت قطا متوحشا آخر و هو من فصيلة جميلة من القطط، فضلا عن الوعد الذي أعطي لي للحصول على بعض من طيور النعام. أما بحر الجزائر فوفر لمجوعتي أسماكا نادرة عملت على تجفيفها أورسمها لفائدة المكتب الملكي الذي أقوم بالرحلة لحسابه.

لقد حال رمضان دون حصولي على الحراسة الضرورية لسفري داخل الجزائر، و هذا ما جعلني الآن لا أستطيع الابتعاد كثيرا عن مكان إقامتي و إن كنت قد وضعت خططا لزيارة نواحي جبال الأطلس على أن يبقى بعض‏

____________

(1) المحلات جمع محلة، و هي حملات فصلية تتوجه فيها فرق الجند (اليولداش) و على رأسها الآغا من مدينة الجزائر و كذلك من مراكز المقاطعات (قسنطينة و معسكر و المدية) بقيادة البايات نحو المناطق الجبلية و السهبية بالداخل لاستخلاص الضرائب و جمع الرسوم و إيقاع العقاب بالعصاة و المتمردين. و هذه الحملات الفصلية عادة ما تخرج قبل نهاية فصل الربيع و مع حلول فصل الخريف، حيث يرتبط السكان بمواطنهم لرعي قطعانهم و جمع محاصيلهم. و يعرفنا صاحب الرحلة على واقع المحلة بإقليمي التيطري و قسنطينة لمصاحبته الجنود المشاركين فيها. أنظر ناصر الدين سعيدوني، النظام المالي ...، المصدر نفسه، ص ص. 98 و 122- 125.

52

مرافقي في مدينة الجزائر للعناية بالحيوانات التي جمعتها، و عند عودتي من سفري المأمول سوف أرسل لفخامتكم في أول فرصة تتاح لي تقريرا عن مهمتي يتضمن وصفا للحيوانات النادرة و الأشياء الجديرة بالملاحظة التي أصبحت بحوزتي.

53

الرسالة الثانية

الجزائر في أول جوان 1732.

سيدي،

إن رغبتكم في الحصول على حيوانات نادرة و خاصة منها التي لا زالت على قيد الحياة تتطلب السفر إلى الأقاليم الجنوبية لهذا البلد (أي مملكة الجزائر) لأنه بدون القيام بهذا السفر فإني سأضطر لانتظار الفرصة السانحة لمصادفة أشخاص يستطيعون تقديم المساعدة لي في ذلك، على أن السفر قد يتحقق فعلا في ظروف لم نكن ننتظرها، فكانت مناسبة سعيدة بالنسبة لي أن يقوم آغا الصبائحية الذي كنت قد عالجته بجولته الاعتيادية داخل البلاد لجمع الضرائب من الفلاحين من سكان الجبال و كذلك البدو الذين كانوا يمتنعون عن دفع الضريبة المتوجبة عليهم و لا يقدمونها إلا عندما يرغمون بالقوة على ذلك. و لهذا السبب يقوم ضباط مملكة الجزائر مع مجموعة قوية من الفرسان (تعرف بالمحلة) بالتنقل في بعض الأوقات من السنة، و خاصة مع بداية فصل الصيف قبل نضج المحاصيل، و قبل أن يتمكن هؤلاء السكان من الانتقال بخيامهم و مواشيهم نحو قمم الجبال ليكونوا بعيدين عن أيدي الأتراك، فكانت جولة الآغا لهذا الغرض الفرصة الكفيلة بتحقيق ما أطمح إليه، و بالفعل فقد تمكنت من الحصول على إذن الداي بمصاحبة المحلة، و قد زودني برسالة موجهة إلى كل الحكام الخاضعين لسلطته تطلب منهم أن يوفروا لي رفقة تقوم بحمايتي أثناء قيامي بأبحاثي.

54

[الخروج مع المحلة إلى سهل متيجة و البليدة]

لقد غادرت مدينة الجزائر في 22 أبريل (1732) مع بعض من رافقوني في رحلتي، و قد أرسل معي الداي دليلا و فارسا (صبائحي) ليكونا في صحبتي، و كانت خطتي في أول السفر أن أنتظر المحلة المصاحبة للآغا خارج مدينة الجزائر للانضمام إليها و السير معها، و قد أبقيت بعض المرافقين لي في رحلتي في مدينة الجزائر ليتمكنوا من تسجيل الملاحظات أثناء غيابي داخل الجزائر، و حتى يحافظوا على الأشياء التي تخص سيادتكم، و بذلك أصبحت الجماعة التي ترافقني في سفري تتكون من السيد إبربارخ(Eberbarch) و شولتز(Schulze) و ترو(Trau) و هوبستاني الأمير بكارلسروه(Karlsruhe) ، و الطبيب شاو(Dr .Shaw) كاهن القنصلية الإنكليزية الذي تحصل هو أيضا على رخصة السفر (1).

و في 23 أبريل قطعنا سهل متيجة الجميل و الذي يمتد من البحر و حتى سفوح الأطلس بعرض ثلاثين ميل إنكليزي‏ (2)، و هو أكبر سهل صادفني في‏

____________

(1) هو الطبيب شو(Dr .Shaw) الذي صاحب هابنسترايت في جولته مع جنود المحلة في مقاطعة التيطري، ولد بكندال‏(Kendel) بإنكلترا حوالي 1692، و توفي بأكسفورد سنة 1751. مكث في الجزائر اثني عشر سنة (1720- 1732)، و تولى مهمة كاهن للوكالة الإنكليزية بها(factorerie) ، و تجول في الولايات العثمانية، فتعرف على تونس و بلاد الشام و فلسطين و سواحل البحر الأحمر، قبل أن يستقر بإنكلترا عام 1742 و يصبح رئيس كلية بأكسفورد برونلي‏(Braunley) ، و عضو الجمعية الملكية بلندن. جمع العديد من الملاحظات و المعلومات القيمة عن أقاليم المغرب و المشرق العربيين، سجلها أثناء أسفاره العديدة و نشرها بعنوان:

رحلات أو ملاحظات تتعلق بأجزاء من شمال إفريقيا و المشرق، صدرت طبعتها الإنكليزية بأكسفورد سنة 1738، و ظهرت ترجمتها الفرنسية الأولى سنة 1743، قبل أن يختصرها و يعلق عليها ماك كارثي‏(Mac Carthy) سنة 1830. أنظر قائمة المراجع المعتمدة في التعليق المثبتة في آخر الكتاب.

(2) سهل متيجة من أهم السهول الساحلية بالبلاد الجزائرية، يتميز بعمق تربته و وفرة مياهه و انتشار بعض المستنقعات بوسطه، تحده جنوبا سلسلة جبال الأطلس البليدي و شمالا مرتفعات الساحل، و يعتبر الطريق الطبيعي بين بلاد القبائل الجبلية و حوض الشلف، يقدر طول هذا السهل بأكثر من مائة كيلومتر، أما عرضه فيبلغ في أقصى اتساعه 35 كلم.