آكام المرجان في ذكر المدائن المشهورة في كل مكان‏

- إسحاق بن حسين المنجم المزيد...
144 /
5

مقدّمة التحقيق‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

منذ عشرينات هذا القرن، لا يزال كتاب (آكام المرجان) موضع بحث نظرا لما يحيط به و مؤلفه من غموض.

فالمؤلف إسحاق بن الحسين المنجم، شبه مجهول، لا يعرف عنه سوى اسمه.

إلّا أننا بالتأكيد نعرف أن المخطوط يماني، كتبه ناسخه «أحسن بن علي بن عبيد اللّه الأنسي الكوكباني»، مما «خدم به أمير المؤمنين القاسم بن الحسين» أحد أئمة اليمن، و الذي تولى السلطة منذ العام 1128 ه حتى وفاته في العام 1139 ه. و ذيّل المخطوط بإتمام نسخه في شهر شعبان 1129 ه. و قد قامت السيدة أنجيلا كوداتزي بوصف مخطوطة الأمبروزيانا، و قالت إنه يتألف من 33 ورقة بقياس 1، 20* 2، 15 سم في 12 سطرا لكل صفحة. و خالطت المخطوط بعض البقع في الورقتين 5- 6 و 30- 31، و هو

6

مكتوب بالخط النسخي اليمني، و يشوبه الكثير من الأخطاء، فيما كتب ظهر الورقة الأولى و وجه الورقة الثانية بخط ثلثي جميل‏ (1).

نشر الكتاب بجهود السيدة كوداتزي، إلّا أنه بقي كثير الأخطاء، سواء من كلمات غير منقوطة، أو من كلمات رسمت خطأ. غير أن الأخطاء الكبرى التي شابت هذا العمل، هي ما سقط من النسخ حتى ليبلغ فقرات أحيانا. أو سقوط التعريف بمدن و مقاطعات بكاملها. و قد حاولت بعملي استدراك ما سقط، و تقديم هذا المصنف بشكل يصحح معظم الأخطاء التي وردت فيه.

لقد قام جماعة من المستشرقين ببعض التحريات حول المؤلف، و منهم مينورسكي و أرمنياكوف و بروكلمان، دون الوصول إلى نتيجة حاسمة. و خلاصة هذه التحريات، أن المؤلف عاش في القرن الثالث للجهرة، و رأي آخر يقول إنه عاش في حدود 340 ه، و رأي ثالث أنه عاش في فترة لا تتعدى 454 ه، العام الذي أسست فيه مدينة مراكش، التي لم يرد ذكرها لديه. و هناك من قال بأن المؤلف أندلسي، بدليل‏

____________

(1) انظر مقدمة الكتاب بالإيطالية:

CODAZZI, Angela, Il Compendio geografica Arabo di ISHAQ

B. AL- HUSAYN

.

7

وجود صدى لهجة الأندلس في كتابه‏ (2). و يزيد الأمر إرباكا إغفاله للمؤلفين أو الرواة الذين أخذ عنهم، باستثناء ورود اسم قتيبة في حديثه عن إصفهان. و إذ توقعت أن يكون هناك خطأ في الاسم، فقد قمت بمراجعة ما كتبه ابن قتيبة في (الأخبار الطوال) عن فتوح المشرق، فلم أجد شيئا.

وعدت أستقرى‏ء المصادر الأندلسية، فألفيت ابن خلدون يصرّح بمصادره بأنه «يحاذي» في معلوماته الجغرافية «ما وقع في كتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق الذي ألفه العلوي الأندلسي المحمودي لملك صقلية من الافرنج و هو رجار [Roger] عندما كان نازلا عليه بصقلية بعد خروج صقلية من إمارة مالقة. و كان تأليفه للكتاب في منتصف المائة السادسة، و جمع له كتبا جمة للمسعودي و ابن خرداذبة و الحوقلي و القردي و ابن إسحاق المنجم و بطليموس و غيرهم» (3).

أما الإدريسي، المولود في مدينة سبتة في العام 493 ه فقد صرح في «نزهة المشتاق» بمصادره «بطلب ما في الكتب‏

____________

(2)

MINORSKY, V. The Kehazar`s and The Turk`s in the Akam

al- Mirjan, BSOS, 8391, PP. 141- 05

. بروكلمان، تاريخ الأدب العربي، 4: 235.

(3) مقدمة ابن خلدون، ط: دار الشعب: 50.

8

المؤلفة في هذا الفن من علم كذلك كله. مثل العجائب للمسعودي، و كتاب أبي نصر سعيد الجيهاني، و كتاب أبي القاسم محمد الحوقلي البغدادي، و كتاب جاناخ بن خاقان الكيماكي و كتاب موسى بن قاسم القردي، و كتاب أحمد بن يعقوب المعروف باليعقوبي و كتاب إسحاق بن الحسين المنجم، و كتاب بطليموس الإقلودي ...» (4).

و ينتمي كاتبنا إلى مدرسة الجغرافية الرياضية، التي أرسى قواعدها بطليموس. و تتلخص قواعد هذه المدرسة بتقسيم العالم إلى سبعة أقاليم، و اعتماد خطوط الطول و العرض لتحديد المدن و القرى. و أوضح إسحاق بن الحسين اعتماده «خط أول الأرض و هو خط المغرب، و خط الاستواء و هو خط وسط الأرض».

و مع أن «الآكام» تبدو كمعجم جغرافي، إلّا أن المؤلف اتبع نهجا خاصا مزج فيه بين تقديم أهمية المدينة و مدن الإقليم الواحد، متخليا عن مراعاة الأبجدية. فهو يعرض المدن الإسلامية المقدسة أولا، ثم يعود إلى بغداد «لأنها أصل المدائن»، ثم إلى سرّ من رأى، و هي العاصمة الثانية لبني العباس، ثم إلى الكوفة و البصرة و واسط، أوائل الأمصار التي‏

____________

(4) كرتشكوفسكي، تاريخ الأدب الجغرافي 1: 228- 9.

9

شادها العرب. ثم ينتقل إلى جنوب شبه الجزيرة العربية فيذكر مدينة صنعاء «حرسها اللّه تعالى»، ثم عدن و عمان و سبأ و مأرب و حضرموت و سقطرة و البحرين و هجر ثم الطائف و اليمامة. ثم يتابع المؤلف توجهه نحو بلاد الشام، و منها إلى بلدان المشرق الإسلامي، إلى أذربيجان و همذان و نهاوند، ثم أصبهان و الري، حتى يبلغ كرمان و خوارزم و بلخ و بخارى و سمرقند.

و ما نلاحظه حول ما كتبه في هذا القسم من جغرافيته:

أ- إعجاب المؤلف بكل من بغداد و صنعاء. و هو في الأولى متأثر بما قرأه أو اقتبسه من مؤلفات الجغرافيين، حيث تبدو ملامح اليعقوبي و ابن رستة و ابن خرداذبة و ابن الفقيه و الإصطخري، حتى أن مقاطع بكاملها تتفق مع ما ورد في تلك المصادر. و في الثانية، يبدو ظاهر الولاء لموطنه، و إذا كان هناك افتراض أولي يقول بأصل المؤلف الأندلسي، فإن هذا لا يمنع تعاطفه مع اليمن، و هو كذلك يقدم معلومات مفصلة عن جنوبي شبه الجزيرة.

ب- في حديث المؤلف عن بلاد الشام، نراه يتحدث عن أنطاكية أثناء حديثه عن حلب. و مع ذلك فهو يعتبرها عاصمة للثغور الإسلامية، و هو ما كانت عليه أنطاكية قبل العام 358 ه/ 959 عام سقوطها بأيدي قادة الإمبراطور

10

نقفور فوكاس البيزنطي. و يتحدث في مكان آخر عن الحروب المتوالية بين العرب و البيزنطيين في (بلاد الشامات).

ج- إلى جانب ذلك، يقدم إسحاق بن الحسين معلومات جديدة لم يسبق أن عرضها غيره من قبل. فهو المصدر العربي الأول الذي ذكر نهر إيلي أثناء حديثه عن مدينة جرجان، و يكاد يكون الوحيد الذي أشار إلى أن خوارزم عرفت بالجرجانية. إلى هذا، يقدم مؤلفنا معلومات عن خراج بلدان المشرق، و أصول سكانها، و بعض صناعاتها التي اشتهرت بها، و ذلك بإيجاز تام، و هو هنا قريب من الجغرافية الاقتصادية.

في القسم الثاني من جغرافيته، ينتقل مؤلفنا إلى الحديث عن أقاليم إفريقيا. فيبدأ بالإسكندرية و دمياط و تنيس و مصر (القاهرة) ثم ينتقل إلى مدين و يعود إلى عين شمس و السويس (القلزم). ثم ينتقل إلى الشمال الإفريقي، فيبدأ بطرابلس ثم إلى سرت و أجدابية، ثم يعود إلى خليج العقبة (أيلة)، و ينتقل مجددا إلى إفريقية فيذكر القيروان ثم إلى تاهرت، و قبل أن يختم هذا القسم، يقف المؤلف معتذرا بأنه سوف يذكر المواضع على الجملة و العموم، طلبا للإيجاز و الاختصار. بعدها يتابع إلى بلاد البربر فيذكر تنس، ثم ينتقل‏

11

إلى قسطيلية، و فاس و قرطبة و مليلة و تلمسان و ناكور و سبته و طنجة و اغمات و سجلماسة «آخر بلاد البربر».

بعدها ينتقل المؤلف إلى بلاد السودان، و هو يقصد الزنج. فيذكر بعضا من الأراضي في الحبشة و مالي و النوبة.

و قبل أن ننتقل مع المؤلف إلى أوروبا، نتوقف لنسجل الملاحظات التالية:

أ- أن المدن أو الأماكن التي ذكرها المؤلف تتصف بأنها مدن عريقة في التاريخ، أو أن بعضها محطة تاريخية (الإسكندرية، مصر، مدين، قرطجنة، القيروان، تنيس).

ب- إن معظم الأماكن تتصف بأنها مواني بحرية و مراكز لنشاط التجارة البحرية، أو أنها محطات تجارية برية، و هو هنا يلامس الجغرافية التاريخية للعالم الإسلامي. و إذا كنا نلمس ورود هذا الأمر دون تصريح من المؤلف، فإن أبا عبيد البكري الأندلسي، كان واضحا في هذا الشأن.

ففي أحاديثه عن إفريقية الشمالية كان دائما يشير إلى المرافئ و ما يقابلها من مرافئ على شواطى‏ء الأندلس الشرقية و هو كان أيضا يصرّ على إبراز العلاقة الوطيدة بين مرافئ كل من الشاطئين.

12

ج- لم يتعرض المؤلف إلى ذكر القاهرة التي أسسها جوهر في العام 359 ه و التي انتقل إليها المعز الفاطمي في العام 362 ه، و هو حادث مهم دون شك، سواء على الصعيد السياسي، من وصول النفوذ الفاطمي إلى مصر و تهديده بلاد الشام، أو على الصعيد الفكري الذي قضى بإنشاء الجامع الأزهر، مركزا لتخريج الدعاة الفاطميين و نشر عقيدتهم.

ثم ينتقل المؤلف إلى الحديث عن الأندلس. و هنا نراه واسع المعرفة و دقيق الملاحظة. فهو يتحدث عن وحداتها الإدارية الساحلية، ثم ينتقل إلى الداخل، و يضع منطقة الثغو بما يقابلها من أسبانيا المسيحية. مشفوعة بعرض يضم معلومات تاريخية حول فتح الأندلس. و لكنه يستوقفنا بما قدمه من معلومات عن أوضاع معاصرة له.

فأثناء الحديث عن بلنسية قال إسحاق بن الحسين:

«و هي على قرب البحر، و قاعدتها اليوم: المرّية، و هي على البحر الشامي». ثم يذكر مدينة (ابراره؟؟) و يقول: «و قاعدتها اليوم دانية». و القسم الثاني من هذا الحديث يناقض القسم الأول فيه، فالمنحدر على الشاطئ الشرقي من الشمال إلى الجنوب يمر بدانية قبل أن يمرّ بالمريّة. و على أي حال، فلنتوقف عند المرّية لأنها ثابتة تاريخيا. فمن المعروف أن‏

13

مدينة بجانه كانت قاعدة إقليم بلنسية. و بجانة مدينة أنشأها جماعة من التجار و أهل البحر الأندلسيين الذين كانوا يعملون بين شواطى‏ء الأندلس و المغرب فرأوا أن نشاطهم بحاجة إلى الدعم و الحماية، و كونوا اتحادا من التجار ذكر منهم أبو عبيد:

الكركبي و أبا عائشة و الصقر و صهيب، و بنوا مدينة صغيرة إلى جانب تنس على شاطى‏ء الجزائر و سموها «تنس الحديثة» (5) في العام 262 ه/ 875. و بعد بضع سنوات نزلت جماعة من التجار في مرفأ و هران و جعلته ميناء بحريا هاما في العام 290/ 902، و نقلت هذه الجماعة نشاطها إلى الشاطئ المغربي، فأنشأت عدة موانئ، مثل بجاية، و بونة (عنابة) و مرسى الدجاج‏ (6). و عندما رغب التجار في نقل تجارتهم إلى وطنهم الأصلي في الأندلس، اختاروا الخليج الذي تقع عليه بلدة بجانة (7)، ثم عرف باسم المريّة.

لقد كانت هذه الناحية اقطاعا بيد جماعة من العرب اليمانية، تركته لهم إمارة قرطبة، على أن يقوموا بحماية السواحل من غزاة البحر، حتى عرفت باسم «أرش اليمن».

ثم حصل التجار على الحق بإنشاء مدينة مسوّرة. و بلغ ازدهار بجانة أوجه في عهد الناصر (توفي 355 ه/ 961). حيث‏

____________

(5) دائرة المعارف الإسلامية، بالعربية أو الأجنبية (بجانة، بلنسية، تنس).

(6) أبو عبيد البكري، المغرب 61، 62، 65، 81، 85.

(7) أبو عبيد البكري، المغرب 61، 62، 65، 81، 85.

14

أعجب بالمرية، فنقل إليها قاعدة الكورة في العام 344/ 955 و أنشأ فيها عمائر و منشآت كبيرة، حتى غدت من كبريات موانئ الأندلس.

و في حديث المؤلف عن مدن الثغر الأعلى المقابلة للبلاد المسيحية الأسبانية، فإنا لا نراه يلمح التغير السياسي الذي يمكن أن يكون طرأ عليها. فهو يعتبرها من بلاد المسلمين التي عليها مواجهة البلاد المسيحية. و يمكننا أن نقرر أن ذلك كان في أيام الحكم القوي، أي في عهد الناصر و خليفته الحكم الثاني. لقد امتد النفوذ الإسلامي إلى المناطق الجبلية التي كان المسيحيون قد تراجعوا إليها إبان الفتح، و هو ما يذكره المؤلف في ختام حديثه عند جزيرة الأندلس. و يعتبر عصر عبد الرحمن الناصر و ابنه الحكم الثاني العصر الذهبي للأندلس، حيث خضع مسيحيو إسبانيا، و أقاموا علاقات طيبة مع المسلمين، حتى باتت قرطبة مقصد الأسبان المسيحيين يطلبون تحكيمها في خلافاتهم. و بدا أن حركة إعادة الغزو المسيحي قد كبح جماحها إلى غير رجعة.

و تستوقفنا ملاحظة أخرى، و هي أن المؤلف لم يتحدث عن الزهراء بل هو لم يذكرها، و المعروف أن بناءها ابتدأ في العام 350 ه و انتهى في العام 365 ه، مما يحمل على الظن بأن المؤلف وضع مصنفه قبل إنشائها.

15

و بعد أن ينتهي المؤلف من شبه جزيرة الأندلس، ينتقل إلى ذكر البلاد المسيحية، بدليل أنه ترك الحديث عن آسيا الصغرى فيما سبق و جعله ضمن هذا القسم الأخير المخصص لأوروبا، ثم يلحق به بلاد الخزر و الشاش و الأتراك غير المسلمين.

و يبدأ ابن الحسين المنجم حديثه عن إيطاليا و فرنسا و بلاد الصقالبة (السلاف) و يعكس هنا القلق الذي ساد أوروبا مع غزوات النورمانديين و الهونغاريين. و معلوماته هنا وثيقة الصلة بمعلومات الجغرافيين المشرقيين، و يبدو ذلك واضحا في الاقتباس عن القسطنطينية، و هو أمر يدعو للخيبة. فبعد أن غاب عن حديثه اثر الفاطميين على التطورات السياسية في شمال إفريقية، نراه من جديد يهمل العلاقات الأندلسية البيزنطية التي نشطت في القرن الرابع للهجرة، اللهمّ إلّا ملامسة شبه خفية لطرف الموضوع. أثناء الحديث عن البيزنطيين فيقول: «و مملكتهم عظيمة، و هم أهل بأس و نجدة، و هم يحاربون الصقالبة و الإفرنج، و يحاربهم المسلمون أيضا في بلاد الشامات». أما في الحديث عن بلاد الخزر و البلغار فإنه يقدم معلومات جديدة إلى حدّ ما، حيث نراه أقرب إلى ما ذكره ابن فضلان في سفارته 309 ه.

و الآن، و في ضوء ما قدمناه من غياب بعض المدن الرئيسية عن هذا المعجم، من مراكش (454 ه) و القاهرة

16

(359 ه) و الزهراء (350- 365 ه)، نستطيع أن نقرر أن المؤلف وضع مصنفه قبل 350 ه، و بعد 344 ه، أي قبل بناء الزهراء و بعد اعتماد الناصر المريّة قاعدة للكورة.

أما المخطوط، فمن الثابت أنه يماني و لقد سبق أن أشرنا إلى العلاقة بين اليمانية و الأندلس، حيث نزل اليمانيون على شواطى‏ء الأندلس الشرقية، و قد أتيح لهم أن يكونوا في آن واحد مقاتلين و زراعا و تجارا. و ما يشوب المخطوط من بعض التشويش في المعلومات، فلا تقع مسئوليته على المؤلف. أما المعلومات المنسقة التي تتناول المشرق الإسلامي، فمردها إلى اعتماد المؤلف على الاقتباس من المؤلفات الجغرافية السابقة، فيما كانت معلوماته عن إفريقيا و شبه جزيرة الأندلس أكثر غزارة و تفصيلا، بالرغم من ميل المؤلف الواضح إلى الاختصار في مجمل عمله. و لذا، فنحن نميل إلى القول بأن إسحاق بن الحسين المنجم أندلسي الأصل،. أي أنه عاش في شبه الجزيرة الأندلسية أو في المستعمرات التجارية الأندلسية على الشواطى‏ء الإفريقية، و في احتمال أخير، قد يكون أحد اليمنيين الذين عاشوا في الأندلس ثم عادوا إلى اليمن، هذا مع وجود احتمال بأن يكون أحد اليمانيين قد قام بنقل هذا المخطوط إلى اليمن.

أخيرا، و في ختام هذه العجالة، أشير إلى أني لم أشأ تفصيل العلاقة بين إسحاق بن الحسين و من سبقه، أو بمن‏

17

لحقه، و قد أشرت في الهوامش إلى الأماكن التي يلتقي فيها معهم أو يقتبس منهم، أما من اقتبس منه فقد أشرنا في مطلع هذا البحث إلى الإدريسي و ابن خلدون، أما العلاقة بين مؤلفنا و أبي عبيد البكري، فموضعها في غير هذا المكان، و غير هذه المناسبة.

و اللّه ولي التوفيق‏

بيروت فهمي سعد

كانون الثاني/ يناير 1988

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

كتاب آكام المرجان في ذكر المدائن المشهورة في كل مكان تأليف الشيخ اسحاق بن الحسين المنجم اسكنه اللّه رياض الجنان بحق محمد و آله و صلى اللّه على النبي و آله‏

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

ذكر مدينة مكة المشرّفة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

قال اسحاق بن الحسين (رحمه اللّه‏ تعالى):

إنما ذكرنا مكة قبل البلاد، لأنها بيت اللّه الحرام، و أول بيت وضع في الأرض.

و بعدها عن خط أول الأرض، تسع و ستون درجة.

و الدرجة ستة و ثلاثون ميلا و ثلثا ميل، و كذا في كل درجة نذكرها في غيرها من المدائن. و كذلك‏ (1) إذا ذكرنا البعد من خط المغرب، فإنما نريد أول الأرض، و كذلك البعد عن خط الاستواء، إنما نريد البعد عن خط وسط الأرض، على الحقيقة، على جهة المعمور من الأرض، لأن المعمور من الأرض، قليل جدا.

و على ما ذكر من جهة أبعاد المدائن عن خط المغرب و خط الاستواء، يعرف بعضها من بعض، و ما بينهما من‏

____________

(1) كذا وردت، و هي زائدة.

26

المسافات، من جهة الحساب، و معرفة ذلك علم عظيم.

فبعد مكة عن خط المغرب سبع و ستون درجة، و ذلك من الأميال، أربعة آلاف و أربعمائة و اثنان و عشرون ميلا.

[و بعدها ثلاث و عشرون درجة و قيل: إحدى و عشرون‏] (2) عن خط الاستواء في جهة الشمال. و اكثر المدائن مما سنذكرها بعد ذلك، إنما هي [في‏] الجهة الشمالية، لأن المعمور من الأرض، إنما هو الربع الشمالي الذي يلي القطب الشمالي و بنات نعش.

و مكة في بطن واد (3) بين جبال و أودية.

و من جبالها العظام: أبو قبيس، و المحصّب، و ثبير.

و هي كانت دار آدم (عليه السلام). و لم يزل بها [الحجر الأسود] (4) حتى نزل الطوفان.

ثم أمر اللّه تعالى إبراهيم الخليل ببنائها.

و قد زاد في بنيان بيت الكعبة [ابو جعفر] المنصور (5)

____________

(2) هنا سقط من الأصل، و الاستدراك من معجم البلدان (مكة).

(3) في الأصل (وادي).

(4) الاستدراك من ابن رسته 25.

(5) المنصور العباسي، أبو جعفر، عبد اللّه بن محمد، ثاني خلفاء بني العباس، توفي 158 ه. و خلفه ابنه محمد المهدي، توفي 169 ه.

27

[و كان ابتداء عمله في المحرّم سنة سبع و ثلاثين و مائة، و الفراغ منه في ذي الحجة سنة أربعين. ثم وسعه ابنه المهدي في سنة] (6) أربع و ستين و مائة.

و طول المسجد اربعمائة ذراع، و عرضه ثلاثمائة (7).

و له ثلاثة و عشرون بابا.

و من الصفا إلى المروة، أربعمائة و أربعون ذراعا، و ارتفاع البيت، ثمانية و عشرون ذراعا (8).

و هي القبلة لجميع البلدان. فقبلة أهل الكوفة، و بغداد و ما

____________

(6) وردت في الأصل: (زاد في بنيان الكعبة المنصور اربع و ستين و مائة) و المنصور توفي 158 ه، و الاستدراك من العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين 1: 83، و انظر أيضا: تاريخ اليعقوبي 2: 369، و بلدان اليعقوبي 315، و الجوهر الثمين 1: 117، و تاريخ بغداد 2: 369، و المعارف 165.

(7) المقصود هنا ذراع اليد. و قد قاسه صاحب العقد الثمين 1: 85، فكان طوله من جدره الغربي إلى جدره الشرقي المقابل له، اربعمائة و سبعة أذرع. و كان عرضه من جدره الشامي إلى جدره اليماني ثلاثمائة ذراع و أربعة أذرع).

و انظر الأزرقي في تاريخ مكة 2: 81.

(8) في تاريخ الخميس 1: 119، سبعة و عشرون ذراعا و ربع الذراع، و في بلدان اليعقوبي 316 (ثماني و عشرون ذراعا).

28

كان معها، على خط واحد، الركن الشاميّ الذي بين الباب و الحجر.

و قبلة أهل البصرة و ما حاذاها من المدائن، باب الكعبة.

و قبلة أهل اليمن، الركن اليماني.

و قبلة أهل الهند و السند، الحجر الأسود.

و قبلة أهل الشام، باب الكعبة.

و أهل الحجاز كذلك، إلّا أنه أحرف قليلا.

و أهل اليمن، يتوجهون بوجوههم على أهل أرمينية.

29

مدينة النبيّ، (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم‏)

و هي مهاجر (1) رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم‏)‏، و مكان مستقره. و فيها قبره (صلّى اللّه عليه و سلّم‏)، و قبور أصحابه.

و سمّاها طيبة، لأن من نحوها تجد رائحة الطيب من جهتها على أميال كثيرة.

و بعدها عن خط المغرب مائة و ستون درجة، و ذلك من الأميال [سبعة آلاف و خمسمائة و ستة و خمسون‏] (2) و بعدها عن خط الاستواء، خمس و عشرون درجة، و ذلك من الاميال، ألف و ستمائة و خمسون ميلا.

و المدينة في مستوى الأرض، شريفة تربتها جليلة.

و لها جبلان: أحدهما أحد، و الجبل الآخر رضوى.

____________

(1) في المطبوع: (مهاجرة)، و المهاجر: موضع المهاجرة.

(2) ساقطة من المطبوع، و استدركناها بناء لما قدمه من أن الدرجة تساوي 66 ميلا، و هو ما اعتمده في حساب موضع مكة، و ما اعتمده في بعد المدينة عن خط الاستواء.

30

و أهلها من المهاجرين و الأنصار و التابعين و قبائل العرب.

و لها أربعة أودية (3) يأتي ماؤها في وقت الأمطار، و أعظمها؛ وادي العقيق.

و اكثر أموالها النخل، و هي معاش أهلها (4).

و البحر العظيم على مسافة ثلاثة أيام [منها] (5).

و فيها مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم‏)، و منبره و قبره (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم‏).

و المسجد طوله ثلاثمائة ذراع، و عرضه مائتا ذراع‏ (6).

و أساطينه ثلاثمائة اسطوانة (7).

و اما المنبر الشريف، فزاد [فيه‏] معاوية بن أبي سفيان ست مراق‏ (8)، و هي الروضة، التي هي من رياض الجنة (9)، بين القبر و المنبر الرفيعين.

____________

(3) في المطبوع: أربعة أبواب. و التصويب من المصادر، و هو ما اقتضاه السياق.

(4) في المطبوع (كثر).

(5) المقصود به (المحيط الهندي).

(6) انظر تطور المسجد في تاريخ الخميس 1: 343، و في 348 آخر زيادة في المسجد تمت في عهد المأمون حتى بلغ ما ذكره كاتبنا.

(7) حول فضل الأساطين، انظر، وفاء الوفاء 1: 439.

(8) وفاء الوفا 1: 399.

(9) انظر خبر الروضة في وفاء الوفا 1: 429 و ما بعدها.

31

ذكر بيت المقدس ايلياء (1)

و هي من المدائن العظيمة القديمة، و بها قبور الأنبياء، (صلوات اللّه عليهم‏)، و آثارهم‏ (2).

و بعدها عن خط المغرب ست و خمسون درجة، و ذلك من الأميال ثلاثة آلاف و ستمائة و ستة و تسعون ميلا.

و بعدها عن خط الاستواء في جهة الشمال، اثنتان و ثلاثون درجة، و ذلك من الأميال، الفان و مائة و اثنا عشر ميلا.

و هي جليلة، و ماؤها من الأمطار. و خارجها بساتين و كروم و مزارع و أشجار و زيتون‏ (3).

و بها نخلة مريم التي ولدت عيسى [(عليه السلام)‏] تحتها (4).

و بها محراب داود (عليه السلام)(5).

____________

(1) أورد الأب الدومنكي فصلا قيما عن ايلياء في (بلدانية فلسطين).

(2) قارن: ابن حوقل في صورة الأرض 158.

(3) ابن حوقل 158.

(4) ابن حوقل 159، و يذكر النخلة في بيت لحم.

(5) ابن حوقل 158.

32

و بها الصخرة المعلقة.

و بها جبل عظيم، منه رفع عيسى [(عليه السلام)‏] إلى السماء.

و بها مسجد عظيم جدا، و هو أعظم مساجد الدنيا، و فيه باب الرحمة. و كل أمة تحج إليه و تعظمه، و فيه محاريب.

33

ذكر مدينة بغداد

و إنما رجعنا إلى ذكر مدينة بغداد، بعد تقديم ما وجب تقديمه، لأنها أصل المدائن، و أحسنها بنيانا، و أطيبها هواء.

و هي في وسط الإقليم الرابع، الذي هو أعز الأقاليم، و أهلها أعظم الناس في ضروب اللبّ و الفهم.

بناها أبو جعفر المنصور، من بني العباس، و ابتدأ بذلك في الأول، سنة إحدى و أربعين و مائة (1). و نقل إليها البناة و الحذّاق و الصنّاع من جميع البلدان، و جعلها مدورة، و وسّع رياضها (2) و أزقّتها.

و كان الذي تولى ذلك من أهل الحساب و المهندسين،

____________

(1) بدأ البناء ثم توقف بعد حركة عصيان علوي ضد أبي جعفر 145 ه، ثم استأنف العمل حتى نزلها 146 ه.

(2) في مخطوط الاصل (أرباضها) و انظر البلدان 241.

34

الحجاج بن أرطاة الحاسب‏ (3) و الطبري و إبراهيم الفزاري.

و لها دروب‏ (4) بأبواب، في دورها عشرون ذراعا.

و لها أربعة أبواب، ما بين كل باب خمسة آلاف ذراع:

باب الكوفة، و باب البصرة، و باب خراسان، و باب الشام.

و على كل باب تلبيس من الحديد، لا يغلقها إلّا جماعة من الرجال. و لكل باب منها دهليز، و على كل باب منها قبة عظيمة مزينة بالذهب.

و حول القصر دور الأولاد من بني العباس، و أهل الخدمة.

و القصر في وسط المدينة، و إلى جانبه المسجد الأعظم.

و هي بين نهر الدجلة و الفرات، و كان بها في القديم ألف مسجد و عشرون ألف حمام‏ (5).

و بعدها عن خط المغرب سبعون درجة، و ذلك من الأميال أربعة آلاف و ستمائة و عشرون ميلا.

____________

(3) هنا ينقل عن البلدان. و قد أورد الاسم في المطبوع الحجاج بن يوسف نقلا عن اليعقوبي. و الحجاج بن أرطاة النخعي، فقيه كوفي التحق في خدمة بني أمية، ثم في خدمة بني العباس (تاريخ بغداد 8: 230).

(4) في المطبوع (درب).

(5) هذه رواية مبالغ فيها، ناقشها ابن الفقيه في كتاب (بغداد) ص 90 بتحقيق د. صالح أحمد العلي.

35

و بعدها عن خط الاستواء في الشمال ثلاث و ثلاثون درجة، و ذلك من الأميال، ألفان و مائة و ثمانية و سبعون ميلا.

و كان المنصور قد نقل إليها النخل و الأشجار، فأنبتت و نمت في مدة يسيرة، و ذلك لطيب مائها و اعتدال هوائها.

و كذلك نقل إليها الرخام و الأساطين و الصناع من كل بلد.

و أمر أهل الخدمة أن يقطع كل واحد منهم و يبني، فأقطعوا (6) و أكثروا البناء، و قامت في أقل مدة.

و بساتينها تسقى بماء الدجلة و الفرات في قنوات.

و كان سكنى المنصور قبل ذلك في مدينة الأنبار، التي‏ (7) نزلها السفاح، أول خلفاء بني العباس.

____________

(6) في المطبوع (فقطعوا).

(7) في المطبوع (ثم)، و من المعروف أن السفاح نزل قرب الأنبار أما المنصور فكان أقرب إلى الكوفة (هاشمية الأنبار و هاشمية الكوفة).

36

ذكر مدينة سرّ من رأى‏

و اما مدينة سرّ من رأى، فبناها المعتصم بن هارون الرشيد (1).

و كانت قبل ذلك صحراء، لا عمارة فيها. و كان بها في القديم دير للنصارى.

و كان سبب بنيانها، أن المعتصم كان كثيرا ما يتخذ الأتراك، فلما افضت‏ (2) اليه [الخلافة ألحّ في طلبهم. و كان أولئك الأتراك إذا ركبوا الدواب ركضوا، فيصدمون الناس، فيثب عليهم الغوغاء فيقتلون بعضا، و يضربون بعضا، و فثقل ذلك على المعتصم، و خرج من بغداد و طلب موضعا يحفر فيه نهرا، حتى وصل إلى القاطول. فابتدأ البناء و اقطع القواد و الكتاب و الناس، فبنوا على القاطول و دجلة.

____________

(1) المعتصم بالله: ثامن خلفاء بني العباس، مشهور بانصرافه إلى الحياة العسكرية و بأنه كان من أهم بنائي بني العباس.

(2) في المطبوع انفضت.

37

ثم صار إلى موضع سر من رأى، فاشترى الدير، و كتب في إشخاص الفعلة و البنائين و أهل المهن و سائر الصناعات.

ثم اقطع القطائع للقواد و الكتّاب و الناس، و أفرد قطائع الأتراك عن قطائع الناس جميعا.

و أمر ببناء المساجد و الأسواق. و اشترى للأتراك الجواري فزوجهّم منهن، و منعهم أن يتزوجوا و يصاهروا إلى أحد من المولّدين، و أجرى للجواري ارزاقا قائمة.

و لما فرغ من البناء حفر الأنهار من دجلة، و حمل النخل من بغداد و البصرة و سائر السواد و الجزيرة و الشام و سائر البلدان.

و بنى المعتصم العمارات قصورا، و صيّر في كل بستان قصرا، فيه مجالس و برك و ميادين.

و مات المعتصم بالله سنة سبع و عشرين و مائتين، و بنى فيها هارون الواثق بن المعتصم القصر الهاروني. و ولي المتوكل بن المعتصم فنزل الهاروني و انزل ابنه محمدا المنتصر بالجوسق، و أنزل ابنه إبراهيم المؤيد بالمطيرة، و أنزل ابنه المعتز ببلكوارا و بنى المتوكل الجعفرية، و المسجد الجامع‏] (3).

____________

(3) إلى هنا ساقط من الأصل، و استدركناه من كتاب البلدان 255.

38

[ذكر مدينة الكوفة] (1)

[هي في الإقليم الثالث.

و بعدها عن خط المغرب تسع و ستون درجة و نصف. و عن خط الاستواء إحدى و ثلاثون درجة و ثلثان. و هي على الفرات، و هواؤها صحيح و ماؤها عذب. و الكوفة مدينة العراق الكبرى، و قبة الإسلام، و دار هجرة المسلمين، و هي خطط لقبائل العرب.

و بالكوفة قبر أمير المؤمنين عليّ (صلوات اللّه عليه‏). مصّرها سعد بن أبي وقاص‏] (2) في خلافة ابن الخطاب و هي أول مدينة اختطها المسلمون بعد البصرة.

____________

(1) ساقطة من المطبوع، و هي فيه تتمة لما سقط من أخبار سرّ من رأى، و قد استدركناه من معجم البلدان (كوفة) و من صورة الأرض 215، و البلدان 309.

(2) إلى هنا ينتهي ما سقط من الأصل.

39

ذكر مدينة البصرة

و هي في الإقليم الرابع. و بعدها عن خط المغرب أربع و ستون درجة، و ذلك من الأميال، أربعة آلاف و ثمانمائة و أربعة و ثمانون ميلا.

و البصرة مدينة الدنيا، و قاعدة العراق، و موسم التجار.

مستطيلة طول فرسخين في عرض فرسخ.

اختطها، في خلافة عمر بن الخطاب، سنة أربع عشرة من الهجرة، عتبة بن غزوان‏ (1)، من المهاجرين الأول. و هو افتتح الأبلّة (2).

____________

(1) هو عتبة بن غزوان بن جابر بن وهيب بن نسيب، أحد بني مازن بن منصور بن عكرمة حليف بني نوفل بن عبد مناف، و كان من المهاجرين الأولين.

(2) الأبلة: مدينة، قاعدة تجارية بحرية على الخليج العربي، وصفها الدمشقي بانها خطة كبيرة ذات ابنية و قصور مشرفة، و بأنها احدى جنات الدنيا (نخبة الدهر 97، 98، 223). و الأبلة، تعريب لاسمها اليوناني‏APologos (بلدان الخلافة الشرقية. 68).

40

و منها في ناحية الشمال، نهر يأتي من البطيحة، على مسافة ثلاثة فراسخ. و هو عذب الماء (3).

و مدينتا (4) الكوفة و البصرة على خط واحد، و بينهما بحر من مسيرة سبعة أيام. و في نصف المسافة منها مدينة واسط.

____________

(3) انظر، بلدان الخلافة الشرقية 70 و ما بعدها. و يذكر اليعقوبي أنه نهر ابن عمر. (البلدان 323).

(4) في المطبوع (و مدينة).

41

ذكر مدينة واسط

و هي في الإقليم الرابع.

و بعدها عن خط الاستواء، كمثل بعد مدينتي‏ (1) البصرة و الكوفة. و بعدها عن خط المغرب، إحدى و سبعون درجة، و ذلك من الأميال، أربعة آلاف و ستمائة و ستة و ثلاثون ميلا.

و إنما سميت واسط، لأنها وسط بين الكوفة و البصرة.

[و هي‏] ليست قديمة، بناها الحجاج بن يوسف، عامل عبد الملك بن مروان‏ (2).

و كان سبب بنائها، أن عبد الملك أرسل جنودا من أهل‏

____________

(1) في المطبوع (كمثل بعد ما بين مدينة البصرة و الكوفة).

و ما أورده خطأ بهذه الصيغة. فهو لم يذكر بعد البصرة عن خط الاستواء، و ما نقلناه عن الكوفة أنها تبعد 32 درجة عن الاستواء، و يذكر ياقوت أن واسط تبعد 32 درجة عن خط الاستواء. و هذا يجعل التصحيح ضروريا.

(2) بنيت 84 ه.

42

الشام إلى الحجاج بن يوسف، ليكونوا عونا له على الحروب، فضاقت منهم أهل العراق، لأنهم كانوا ينزلون عليهم في الدور، و يتطاولون إلى نسائهم فشكوا ذلك إلى عبد الملك بن مروان، فأمر الحجاج أن يبني لأهل الشام مدينة ينقلهم إليها.

43

ذكر مدينة عبّادان‏

في الأهواز. و هي في الإقليم الرابع‏ (1).

و بعدها عن خط المغرب، خمس و سبعون درجة، و ذلك من الأميال أربعة آلاف و تسعمائة و خمسون ميلا.

و بعدها عن خط الاستواء، إحدى و ثلاثون درجة، و ذلك من الأميال، ألفان و مائتان و ستة و ثلاثون ميلا.

و هي على ساحل بحر العراق، متصلة بالبحر العظيم الأخضر و هي عامرة بأهلها، و بها المرابطون و الزهاد (2).

و بها تعمل الحصر العبّادانية (3). و بقربها يقع الفرات في البحر الاعظم.

____________

(1) في معجم ياقوت: (في الاقليم الثالث).

(2) يذكر ياقوت في (عبّادان) بعض اوائل من رابط فيها، و العبادان:

الكثير العبادة في لغة البصرة. و ينسبها في قول آخر إلى عباد بن الحصين الحبطي.

(3) يذكر المقدسي شهرة عبّادان بصناعة الحصر، بسبب كثرة نبات الحلفاء في الجزيرة.

44

ذكر مدينة سيراف‏

و هي في الإقليم الثالث.

و بعدها عن خط المغرب، تسع و سبعون درجة، و ذلك من الأميال [خمسة] آلاف و مائتين و أربعة و عشرون ميلا (1).

و هي على ساحل بحر العراق، من كور فارس.

و هي مدينة جليلة، طيبة البقعة، ينزلها الولاة. و لها سعة في دورها، و بساتين عجيبة، فيها الرياحين و ضروب الأشجار (2).

و يشرب أهلها من عيون تأتي من جبل‏ (3).

و اكثر أهلها عجم أشراف من الفرس.

افتتح كورها عبد اللّه‏ (4) بن عامر بن كريز، في خلافة عثمان بن عفان.

____________

(1) حسب القاعدة التي اعتمدها المؤلف، فإن الرقم الصحيح (و أربعة عشر ميلا).

(2) صورة الأرض 248، معجم البلدان (سيراف).

(3) صورة الأرض 248، معجم البلدان (سيراف).

(4) في الأصل (عبد الملك). و عبد اللّه أحد مشاهير الفاتحين العرب، توفي 59 ه.

45

ذكر مدينة صنعاء

حرسها اللّه تعالى.

و هي مدينة باليمن، و قاعدتها، و ليس فيها أعظم منها.

و هي جبلية برية، معتدلة الهواء، طيبة الماء (1)، تثمر عندهم الأشجار، فيدركون الزرع في العام مرتين‏ (2)، لأن لهم شتاءين و صيفين، و ذلك [شأن‏] كل بلد بعدها عن خط الاستواء أقل من أربع عشرة درجة، و هي في الإقليم الأول.

و دورها مدهّنة بالأحمر و الأخضر، و بسطها مفروشة، لانتظار الأمطار في أوقات معلومة لا تختلف. [فهم‏] يمطرون شهرا واحدا في الصيف، و شهرا في الشتاء (3)، و اكثر ما

____________

(1) ابن رسته، الاعلاق النفيسة، 109.

(2) المكان نفسه.

(3) في الاعلاق (و من الخريف، تمام أربعة أشهر).

46

يكون بالعشيّ، فهم يستعجلون بالانصراف إلى منازلهم، و يخرج السيل جميع ما فيها من الأوساخ، لأنها مفروشة، و يأتي إلى مزارعهم في قنوات‏ (4).

و لها سور و شارع على واد. في جامعها قبر نبيّ من الأنبياء (5).

و عندهم فواكه كثيرة. و عندهم تعمل الثياب الرفيعة، و الآنية العجيبة. و هم صنّاع الفصوص، و ثقب اللؤلؤ (6).

و يجتمعون في المسجد لقراءة العلوم و الكتاب العزيز، نفع اللّه به، آمين.

____________

(4) في الأصل (من) و تصويبه من الاعلاق النفيسة.

(5) في الاعلاق (و أن في موضع المحراب قبر نبي ...).

(6) ابن رستة 112.

47

ذكر مدينة عدن‏

و هي في الإقليم الأول.

و بعدها عن خط المغرب، خمس و ستون درجة، و ذلك من الأميال، ثمانمائة و عشرون ميلا.

و لها صيفان و شتاءان. و هي شديدة الحر، لمسامتة الشمس رؤوسهم مرتين في العام. و ذلك [شأن‏] جميع البلدان التي‏ (1) في الإقليم الأول‏ (2).

و عدن على ساحل البحر الأعظم. و فيها صيادون، و يخرجون الجوهر من البحر.

و فيها برك و أنهار.

و أهلها يشبهون العرب.

و لا يدخل إليها إلّا من جانب واحد (3).

____________

(1) في المطبوع (الذي).

(2) ابن الفقيه، مختصر البلدان 24.

(3) الاصطخري 25.

48

و هي كبيرة معمورة. و ليس فيها أشجار و لا زرع. و معاشهم من السمك‏ (4).

و بها تعمل الثياب الرفيعة (5)، و الآنية العجيبة.

____________

(4) مختصر البلدان 36.

(5) صورة الأرض 44.

49

مدينة عمان‏

و هي في الإقليم الثاني.

و بعدها عن خط المغرب أربع و ثمانون درجة، و ذلك من الأميال خمسة آلاف و خمسماية و أربعون ميلا.

و بعدها عن خط الاستواء، ثلاثون درجة، و ذلك من الأميال ألف و سبعمائة و ثمانون ميلا.

و هي على ساحل البحر (1). و هي حصينة لها أبواب حديد.

و بها مياه جارية، و أسواق عامرة، و بساتين و نخيل و موز و سائر الفواكه‏ (2)، و فيها الحنطة و الشعير و الأرز.

و بلادها عظيمة، ثمانون فرسخا في مثلها (3)، سهول‏

____________

(1) ابن حوقل 45.

(2) الإصطخري 25.

(3) قدر مساحتها بثلاثمائة فرسخ، كل من الاصطخري 25، و ابن حوقل 44.

50

و جبال. و بها قصب السّكر.

و في رؤوس أهلها الجمم‏ (4)، و في رؤوس الأشراف القلانس.

____________

(4) الجمم: مفردها جمة. الشعر الكثيف المتدلي على الكتفين.

51

مدينة سبأ

و هي في الإقليم الثاني.

و بعدها عن خط المغرب، خمس و ستون درجة، و ذلك من الأميال، أربعة آلاف و مائتان و تسعون ميلا.

و بعدها عن خط الاستواء، سبع عشرة درجة، و ذلك من الأميال، ألف و ثمانون ميلا.

و بها معادن الذهب‏ (1). و هي مدينة بلقيس، و بها كان عرشها (2)، و آثارها باقية من الأساطين التي كانت عليها، حتى اقتطعت في زمان سليمان بن داود (عليهما السلام).

و بقربها مدينة مأرب، و كانت كثيرة النعم و الأشجار، و كانت المرأة تخرج بمكتلها (3) على رأسها، و مغزلها بيدها،

____________

(1) ابن رسته 113.

(2) ابن رسته 114.

(3) المكتل: شبه الزنبيل يسع خمسة عشر صاعا.

52

فتمشي بين الأشجار، و هي متصلة ممدودة، فلا ترجع إلّا و قد امتلأ [المكتل‏] من الفواكه ساقطة دون قطف و لا جنى‏ (4).

و كفروا، فأرسل اللّه عليهم سيل العرم، فكان يهدم السدّ ليلا، ما كانوا يصلحونه نهارا (5). و هي التي ذكرها اللّه في كتابه العزيز: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ‏ (6).

____________

(4) ابن رسته 114.

(5) في الاعلاق (فبعث اللّه عزّ و جل الفأر على ذلك السد ..).

(6) سورة سبأ، آية 15.

53

حضر موت‏

و هي في الإقليم الأول.

و بعدها عن خط المغرب، إحدى و سبعون درجة، و ذلك من الأميال، أربعة آلاف و ستمائة و ثمانون.

و بعدها عن خط الاستواء، اثنتا عشرة درجة، و ذلك من الأميال، سبعمائة (1) و اثنان و تسعون ميلا.

و هي من بلاد اليمن. و بلاد حضر موت كثيرة متصلة، ذات نخيل و أشجار و مزارع.

و أهلها قبائل كثيرة، و هم يحكمون بأحكام أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب، و فاطمة بنت رسول اللّه (عليهما السلام)، و يقولون: في كل ملة، لا حكم إلّا حكم اللّه و رسوله‏ (2).

و بين عدن و حضر موت قفار و جبال عظام، و لها أشجار،

____________

(1) في المطبوع (سبعة مائة).

(2) اظن أن هنا سقطا و خلطا بين الخوارج و العلوية.

54

و بها قردة يصبرون بالكروم و الأشجار (3)، و هم يصيدونها بالكلاب. و اكثر أشجارهم النخل.

و الشب يصير نهرا من عيون تجري، فتجمد و تصير حجارة (4).

و بقرب عمان مدينة اسقطرى و بها العنبر السقطري‏ (5).

و أهل اليمن قوم ذوو فطنة و عقل. قال اللّه عزّ و جلّ: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ‏ (6).

____________

(3) صورة الأرض 45، و لكنه لم يذكر طريقه صيد القردة.

(4) ابن الفقيه 46.

(5) صفة جزيرة العرب 69، جغرافية ابن سعيد 102، و هي معروفة بسقطرة.

(6) سورة البقرة، الآية 199.