الأرج المسكي في التاريخ المكي وتراجم الملوك والخلفاء

- علي بن عبد القادر الطبري المزيد...
405 /
5

مقدمة الناشر

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين، حمدا دائما أبدا، الذي علم الإنسان ما لم يعلم، و أقسم بالقلم فقال‏ ن، وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ ... و ذلك لعظم شأن العلم، و عظم مرتبته، و قد كان ذلك شأن دين الإسلام، إذ استفتح الوحى على نبي الإسلام محمد (صلى اللّه عليه و سلم) بقوله تعالى‏ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ..

لذا فالكتابة و القراءة و ما دوّن من كراريس و دفاتر هي ذخر و فخر لدين اللّه، و ميسم يوسم به ديننا، و ما جاءنا عن أسلافنا من كتب هى مشاعل نور، لذا تسارعت دور النّشر بكلّ طاقاتها و مالديها من قدرات علمية، و حضاريّة إلى إخراج مخطوطات تراثنا العظيم من دياجير الظّلام إلى ربوع النّور ليستهدى بها فى عصرنا الحاضر عصر العلم و الآفاق و النّشر و الإعلام حتّى لما هو خبيث خسيس، فحقيق بدور النّشر أن تبادر إلى إخراج نفيس العلم، و بثّه بين النّاس، و مخطوطاتنا هى ذاكرة أمتنا الحيّة، فهي حاوية لمجدها و تاريخها و مبادئ دينها و صفوة فكر علمائها، على مدار تاريخها التّالد الشامخ لذا خدمة المخطوطات تعدّ من الواجبات المقدّمة المقدّسة علينا، لذا تتشرّف مكتبة نزار مصطفى الباز بأن تساهم بيد بيضاء و جهد و ضاء فى إثراء المكتبة الإسلامية بإخراج هذا الكتاب القيم بهذه الحلة القشيبة و هو كتاب تاريخ مكة.

فنسأل اللّه العلي القدير أن يقبل هذا الجهد قبولا حسنا، و أن ينفع به المسلمين، و أن ينالنا الرّضا من الجميع، و أن يعيننا على تواصل إخراج المفيد للأمة الإسلاميّة خدمة لدين اللّه و للثقافة العربية جمعاء.

و اللّه و لي التوفيق و هو حسبنا و نعم الوكيل‏

الفقير إلى اللّه تعالى‏

نزار مصطفى الباز

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

الإهداء

إلى:

أبى و أمى‏

دوما أحتاج إليكما.

أشرف‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

تقديم‏

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف الخلق أجمعين سيدنا محمد و على آله و صحبه المكرمين.

أما بعد: لمكة المشرفة مكانة عظيمة لدى قلوب المسلمين جميعا، إذا هى قبلة الموحدين، و حرم اللّه، و موطن نبيه، و سكنى الصحابة الأولين، كما أن لمكة أهمية كبرى على خريطة الأحداث العربية، قبل الإسلام و بعده، و لا يخفى على الباحث أهمية دور مكة المشرفة فى التاريخ السياسى للأمة العربية، و التاريخ الثقافى للعالم الإسلامى من مبتداه إلى منتهاه.

فإذا كانت «القاهرة» و «دمشق» و غيرها من البلاد تمثل دورا على مسرح الأحداث العربية بالغ الأهمية، طوال فترة الخلافة الإسلامية و ما بعدها، بوصف هذاه البلدان من أهم العواصم الإسلامية التى طوت فى أكنافها و بين جوانحها ذكريات الأمة العربية، و تاريخها، و تقلبات شعوبها، و تطلعات ثقافتها، فإن مكة كانت دائما و دوما القلب النابض بين البلدان، و المعبر عن حاضرها التاريخى و الثقافى، فما من ملك أو سلطان إلا و اهتم بها، و ما من عالم إلا و قد شغف بها، و ما من موحّد إلا و اشتاق لمزارها أيا كان شأنه و موطنه.

فلم تكن- فحسب- قلب العالم الإسلامى و قبلته الدينية، بل كانت أيضا أهم العواصم الإسلامية التى حددت مسار الأحداث طوال فترة تاريخية- فترة الخلافة- فى حاجة لمن يحسن قراءتها و تفسير ما ينم عنه واقعها التاريخى و الاجتماعى. إذ كانت الوطن الأول الذى انطلقت منه الدعوة الإسلامية لتهيمن على الوقائع و الأحداث، و تصنع عالما كان له الأثر الكبير فى تغيير مسار الحياة الإنسانية بشكل عام، و الحياة العربية بشكل خاص، لا سيما أرض الجزيرة العربية و ما حولها. هذا بالإضافة إلى ما تحتله مكة فى قلوب المسلمين من إجلال و تعظيم.

لهذا فقد شغف بها كثير من العلماء و الأئمة، و تاقوا لأن يطوفوا بجبالها

10

و شعابها و دورها، فما وسعهم إلا أن كتبوا فى تاريخها، و حرمها، و كعبتها و كل ما اختصت به هذا البلدة المشرفة، فكتب الأزرقى «تاريخ مكة» و خط الفاسى ما يربو على العشرة من الكتب التى تتحدث عنها و عن تاريخها، فكتب «العقد الثمين فى أخبار البلد الأمين»، و «شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام» و غيرها من الكتب التى كان لها أثر كبير فى هذه الصدد. ثم أتحفتنا أسرة آل فهد بكثير من الكتب التى تردد صداها لدى من كتب بعدهم من العلماء و الأئمة، و امتد هذا الخيط عبر سنوات ليمسك به ابن الضياء المكى، ليفاجئنا بكتابه: «تاريخ مكة المشرفة المسجد الحرام و المدينة الشريفة و المسجد الشريف»، و يطلع علينا قطب الدين النهروانى بكتابه «الإعلام بأعلام بيت اللّه الحرام»، و أخيرا يكلل هذا الجهد المتواصل الشيخ العلامة على بن عبد القادر الطبرى، فيورث للمكتبة العربية مجموعة من المؤلفات حول مكة المشرفة، منها «الجواهر المنظمة بفضيلة الكعبة المعظمة»، و «الأقوال المعلمة فى وقوع الكعبة المعظمة» و غيرها، و أخيرا هذا الكتاب الذى بين يدى القارئ «الأرج المسكى فى التاريخ المكى و تراجم الملوك و الخلفاء»، و هو- بالحق- من أهم الكتب التى كتبت فى هذا المضمار، فجاء تتويجا لما قبله من جهد و إتماما و استلحاقا لما جدت به العصور و ما طرأ على مكة المشرفة من أحداث.

و نحن إذ نحاول أن نقدم للقارئ العربى هذا الكتاب، إنما هو حلقة فى مشروع كبير سمّى ب «موسوعة مكة المشرفة و المدنية المنورة»، و هو يهدف إلى محاولة كشف النقاب عن المؤلفات العربية التى ذخرت بها مكتبة التراث العربى لنقدمها بين يدى القارئ، ذلك تحت إشراف الأستاذ سعيد عبد الفتاح و بمشاركة أصدقائى: عادل عبد الحميد، و هشام عبد العزيز، و نادى رجب، راجين جميعا من اللّه أن يقبل منا هذا الجهد، و أن يغفر لنا ما قد أخطأناه أو نسيناه، فكان هذا الكتاب الذى يطبع للمرة الأولى خامس كتب الموسوعة، فنرجو أن يلقى من القارى‏ء القبول، و اللّه و لى التوفيق.

المحقق‏

أشرف أحمد الجمال‏

15 شعبان 1416 ه

6 يناير 1996 م‏

11

ترجمة المؤلف‏

- الحق أن الباحث العربى يعانى قليلا من ندرة المصادر و المراجع التى اهتمت بأعلام القرن الحادى عشر، و هو القرن الذى عاش فيه مؤلفنا، إلا أننا لم نعدم الحصول على معلومات حول المؤلف تمنحنا تصورا مكتملا عنه، خاصة و إن كان من اعتمدنا عليه فى ترجمته هو المؤلف نفسه؛ فهو- و لحسن الحظ- كان كثيرا ما يتطرق للكلام عن نفسه و عن أسرته.

* اسمه و نسبه:

هو على بن عبد القادر بن محمد بن يحيى بن مجد الدين الطبرى، الحسينى، الشافعى، المكى (ت 107 ه) يرجع نسبه إلى جماعة الطبريين، و هى من أقدم البيوت التى سكنت مكة، و اشتهرت هذه الجماعة بكثرة علمائها و أئمتها، فلم تخل الأسرة الطبرية فى عصر من العصور من عالم أو إمام أو فقيه أو خطيب مشهور،. و أول من قدم مكة من هذه الأسرة هو الشيخ: رضى الدين أبو بكر بن محمد بن إبراهيم بن أبى بكر بن على بن فارس الحسينى الطبرى، قيل: فى سنة سبعين و خمسمائة، و قيل: فى أول التى بعدها، و قد أنجب هذا الرجل سبعة أولاد فقهاء. قال عنهم الشيخ فخر الدين عمر بن فهد فى كتابه «البيتين فى تراجم الطبريين: «كانوا كلهم علماء مدرسين»، و سرد نسبهم إلى الحسين بن على بن أبى طالب (رضى اللّه عنه) فقال: «أبو بكر بن محمد بن إبراهيم بن أبى بكر بن على بن فارس بن يوسف بن إبراهيم بن محمد بن على بن عبد الواحد بن على بن الحسينى بن على بن أبى طالب، الحسينى، الطبرى».

- و قد كان مؤلفنا مؤرخا و إماما و فقيها و دارسا للحديث، قام فى حياته بخدمة التدريس و الإفتاء، فهو يقول: «فشرعت فى العلوم الشرعية و الأهم المقدم، ثم صرفت الهمة للقيام بخدمتى التدريس و الإفتاء، و الانتصاب لجواب من سأل أو استفتى».

12

و يقول متحدثا عن علاقته بمحمد أفندى نقيب السادة الأشراف بالديار الرومية: «كانت بينى و بينه مودة وافرة، و كان من أهل العلم و الذوق ...

إلخ، لأنه كان فى زمن الأفندى ميرزا مخدوم مجاورا بمكة مصاحبا لأعيانها، فاستصحب التاريخ المذكور معه- يقصد تاريخه- ليعرضه على حضرة سلطان الإسلام، و أخذه و بادر قبل سفره إلى الديار المصرية، فأرسل عرضا إلى باشا مصر المحروسة طالبا أن يجعل لى وظيفة تدريس الحديث بمكة، فوردت تذكرة باشوية بذلك أوائل ذى الحجة الحرام من سنة أربعين بعد الألف».

و يتضح من ذلك أنه كان مقيما بمكة، و أنه تسلم وظيفة تدريس الحديث بها سنة 1040 ه، أى قبل وفاته بثلاثين سنة، و مما لا شك فيه أن كان لمؤلفنا مكانة عظيمة فى مكة، ذلك لشهرة أسرته و نجابة أفرادها علماء و أئمة و فقهاء و خطباء، أمثال: محب الدين الطبرى، و البهاء الطبرى، و الشيخ عبد القادر الطبرى- والده- الذى كان مصاحبا لوالى مكة فى عصره الحسن بن أبى نمى: «و قد كان الوالد مصاحبا لسيدنا الشريف الحسن ابن أبى نمى- (رحمه اللّه تعالى)- و كان ملازما لحضرته الشريفة فى الإقامة و السفر، و صنف كثيرا من الكتب باسم خزانته العالية».

- و لا شك أن لأسرة الطبرى أثر كبير فى ثقافة مؤلفنا، فهو مؤرخ، فقيه ناثر، خطيب، مشارك فى علوم أخرى، و ربما كان أكثر المؤثرين فى ثقافته الأصيلة هو والده الشيخ عبد القادر الطبرى (ت 1033 ه)، و يدلل على ذلك ما يطرحه المؤلف نفسه فى كتابه، و كثرة أخذه عن والده، و توافق الروح المنهجية و الثقافية لديهما، كما تأثر أيضا بجده الإمام محمد بن يحيى الطبرى (ت 1018 ه) فى الاهتمام بالعلوم الشرعية و الفقهية و الأخذ من منهل الثقافة العربية الأصيلة فى وقت كانت الثقافة العربية فيه على شفا جرف من الهاوية، و هو عصر الإمبراطورية العثمانية و هيمنتها على الشرق و الوطن العربى بأسره.

***

13

* مؤلفاته:

كان لمؤلفنا اهتمام كبير بتاريخ «مكة» المشرفة، بالإضافة إلى اهتمامه بعلوم أخرى، أهمها الفقه و الحديث، و قد ترك لنا الطبرى عدة مؤلفات تناولت موضوعات شتى، إلا أن أغلبها كان ينصب على تاريخ مكة، و ما تختص به هذه البلدة المشرفة. و من مؤلفاته:

1- «سيف الإمارة على مانع نصب الستارة». قال فى سبب تأليفه له:

«فاستفتى السيد محمد أفندى الحاضرين من العلماء فى نصب ساتر حول البيت- يقصد الكعبة- تكون الفعلة من خلفها عند البناء، فاختلفت آراء الحاضرين؛ فمن قائل بالاستحسان، و من قائل بعدمه، و كنت من المستحسنين لجعلها، و ألفت فى ذلك رسالة لطيفة سميتها: «سيف الإمارة على مانع نصب الستارة».

و قد ذكرها صاحب «معجم المؤلفين» (7/ 126) باسم: «شن الغارة على مانع نصب الستارة»، و كذلك صاحب «هدية العارفين» (5/ 759)، و «إيضاح المكنون» (3/ 57).

2- «شرح الصدور و تنوير القلوب فى الأعمال المكفرة للمتأخر و المتقدم من الذنوب»؛ و هى أرجوزة نحو أربعين بيتا.

3- «تحفة الكرام بأخبار عمارة السقف و الباب لبيت اللّه الحرام» يقول الطبرى: «و قد بينت فيها جواز قلع الباب- باب الكعبة- و لو للزينة، كما صرح به العلماء».

4- «الأقوال المعلمة فى وقوع الكعبة المعظمة».

5- «الجواهر المنظمة بفضيلة الكعبة المعظمة».

6- «رسالة فى بيان العمارة الواقعة بعد سقوط الكعبة».

7- «فوائد النيل بفضائل الخيل».

8- و أخيرا كتاب «الأرج المسكى فى التاريخ المكى و تراجم الملوك و الخلفاء».

و لنتركه بين يدى القارئ يقدم نفسه، و لا يسعنا إلا أن نقول: إنه بالفعل أهم الكتب التى تركها لنا علىّ بن عبد القادر الطبرى.

***

14

نسخ الكتاب الخطيّة

* النسخة الأولى:

هى نسخة تقع تحت رقم ميكرو فيلم (17877)، رمزها (2205 تاريخ تيمور). و هى نسخة مخطوطة بقلم معتاد، خطها غير واضح نسبيا، ذلك لما يعترى النسخة من ظلال قد يؤثر على قراءة النص أحيانا. و العناوين بهذه النسخة كبيرة و بمداد مختلف، و هى نسخة كاملة ليس بها نقص، إلا أنها مضطربة التنقيط، و ليس بها همز، كما تبدو باهتة بحيث يحتاج الناظر فيها إلى التدقيق لتفهم النص و قراءته، و هى تقع فى (89 ورقة)، و مسطرتها 31 سطرا، مقاس 27 13 سم، و عدد الكلمات فى كل سطر يتراوح ما بين 15: 16 سطرا.

و بأول هذه النسخة تجد مكتوبا:

كتاب الأرج المسكى فى التاريخ المكى‏

للعالم العلامة العمدة الفهامة

لمولانا و سيدنا الإمام على‏

ابن المرحوم شيخ الإسلام الحافظ

الإمام محيى الدين عبد القادر

إمام المقام الشافعى‏

الحسينى الطبرى‏

غفر اللّه له و لوالده‏

و مشايخه و المسلمين‏

آمين يا رب العالمين‏

آمين‏

و بأسفل قليلا تجد مكتوبا: صلى اللّه على سيدنا محمد و آله و أصحابه‏

15

أجمعين، ثم توجد ثمة أختام على يسار المكتوب، يبدو أنها أختام لبعض ملاك النسخة، و فوق الأختام بعض كلمات مشطوبة تماما بحيث يصعب قراءتها.

و بآخر هذه النسخة: «يسر اللّه تعالى كتابته، و صلى اللّه على سيدنا و مولانا محمد و على آله و صحبه و سلم، و الحمد للّه رب العالمين، و قد وقع الفراغ من نسخه يوم السبت المبارك بعد الظهر ثلاثة و عشرين فى جماد ثانى من شهور سنة ثلاث و ستين و مائة و ألف من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلوات و السلام، على يد أفقر العباد و أحوجهم إلى فضل ربه يوم المعاد عبده: صالح بن حسين الدعجى، غفر اللّه له و لوالديه، و لمن له حق عليه، و جميع المؤمنين و المؤمنات و المسلمين و المسلمات، الأحياء منهم و الأموات، إنك قريب مجيب الدعوات، آمين يا رب العالمين، آمين».

- و قد حصلنا من هذه النسخة على صورة و رقية من دار الكتب المصرية، و رمزنا لها بالرمز (أ)، و اعتبرناها أصلا فى النقل نظرا لقربها من عصر المؤلف، و لاكتمالها و قلة ساقطها.

* النسخة الثانية:

هى نسخة تقع فى 178 صفحة، تحت رقم ميكرو فيلم (10148)، محفوظة بدار الكتب المصرية. و هى مخطوطة بقلم معتاد، غير واضحة التنقيط، خالية من الهمز، و بها كثير من النقص، قد يصل لعدة فقرات، و أحيانا يتخللها صفحات بيضاء ليس بها إلا بعض أسطر غير واضحة، و العناوين بهذه النسخة كبيرة، و بمداد مختلف، بيد أن بها بعض العناوين المكتوبة بنفس مداد السطور، بحيث يصعب التفريق بينها و بين بقية السطور.

و هذه النسخة شديدة الشبه بالنسخة (أ)، مما يرجح أنها منقولة عنها، إلا أن بها فهرسا فى أولها ضمنه الناسخ فصول الكتاب و أبوابه، ليس له وجود فى النسخة (أ).

- و قد اكتمل النص أمامنا بما قلل احتياجنا إلى نسخ أخرى، و لم يجد ما يدعونا للمقابلة على أكثر من نسخة واحدة، لكى لا تكتظ الهوامش دون جدوى، خاصة و قد اطمأننا إلى صحة النص المنقول و ضبط سياقاته.

16

منهج التحقيق‏

- اعتمدنا على النسختين الخطيتين بدار الكتب المصرية- و قد أشرنا إليهما- و قد اعتبرنا النسخة (أ) أصلا لأنها تميزت عن النسخة (ج) باكتمال نصها و وضوح خطها، و قلة ساقطها.

و قد قمنا أولا بنسخ النص، و ضبطه، و تفقيره، و تنسيق فصوله و أبوابه، وصولا إلى إخراج النص كما أراد له مؤلفه، دون تدخل منا بحذف أو زيادة. و قد بذلنا فى ذلك جهدا خاصة مع ما يخيم على النسخة الوحيدة المكتملة من ظلال أدت إلى توقفنا أمام النص أكثر من مرة بالرغم من وجود نسخة أخرى يمكن قراءة الأصل فى ضوءها.

و بعد التأكد من صحة ضبط النص قمنا بتخريج الآيات القرآنية، و ضبط ما تناثر من الشعر فى ثنايا الكتاب، و تفسير بعض الكلمات اللغوية لإضاءة النص و التثبت من صحة هذه الكلمات فى مواضعها خاصة ما إذا كان اللفظ مهجورا أو قليل الاستعمال، ثم قمنا بتخريج بعض الأماكن التى شككنا فى صحة كتابتها، و تخريج الأعلام، و التعليق- فى الهامش- على بعض ما ورد فى الكتاب، و تفسير بعض الإشارات فى ضوء ما كتب بعض المؤلفين الآخرين.

ثم ألحقنا آخر الكتاب مجموعة من الفهارس التى تسهل تناول الكتاب و الاطلاع على مادته، و هى مرتبة على النحو التالى:

1- فهرس الآيات القرآنية.

2- فهرس الأحاديث النبوية.

3- فهرس الأشعار.

4- فهرس الأعلام.

17

5- فهرس البلدان و الأماكن و المواضع.

6- فهرس الأمم و القبائل و الأجناس و الفرق و المذاهب.

7- كشاف عام لأيام العرب، و الوقائع، و الحروب، و المواسم، و الأعياد.

8- فهرس الحيوانات و النباتات و المعادن و الآلات و غير ذلك.

9- فهرس الرتب و الوظائف و الألقاب.

10- فهرس الكتب التى وردت بمتن الكتاب.

11- فهرس المراجع التى أعانت على التحقيق.

12- فهرس المحتوى.

و قد ألحقنا صورا و نماذج للمخطوطات التى اعتمدنا عليها؛ لنؤكد على صحة ما قدمناه حول الكتاب و طبيعته، كدليل و ثائقى بين يدى الباحثين، هذا و أرجو من اللّه أن يتقبل الجهد و أن يغفر لى ذلتى و خطأى.

«المحقق»

***

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

صور و نماذج لمخطوطات الكتاب‏

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

ورقة الغلاف فى النسخة (أ)

22

ورقة الغلاف فى النسخة (ج)

23

الصفحة (1) فى النسخة (ج)

24

الصفحة رقم (92) من النسخة (أ)

25

الصفحة رقم (114) فى النسخة (ج)

26

الصفحة الأخيرة فى النسخة (أ)

27

كتاب الأرج المسكى فى التاريخ المكى للعالم العلامة العمدة الفهامة لمولانا و سيدنا الإمام على ابن المرحوم شيخ الإسلام الحافظ الإمام محيى الدين عبد القادر إمام المقام الشافعى الحسينى الطبرى غفر اللّه له و لوالده و مشايخه و المسلمين آمين يا رب العالمين‏

آمين‏

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

بسم الله الرحمن الرحيم‏

مقدمة المؤلف‏

يا مغدق سحائب النعم على قلوب ساكنى حرمك المكى، و مضمخ‏ (1) نفوس عارفى حقوق الكرام بنشر عبيرها الذكى و أرجها المسكى، أحمدك أن أطلعت أهلة الأسرار (2) و الأخبار من أفق الأذهان الصافية، و ألهمت إظهار شموس مفاخر الأخيار أفكار أضحت فى روض الفخار أذبال‏ (3) أثواب مجدها الضافية، و وفقت لاجتناء ثمر أشجار التفريع و التأصيل من أنزلته رياض الفضائل الأريضة (4)، و جعلت له اليد الطولى و الباع الطويل فقام بدائم شكر جدة الفريضة، و أشكرك أن حفظت أحكام الشريعة المطهرة بنقل أئمتها و ثبت عدولها، و نشرت صحفها بأيدى الكرام البررة العارفين صحة نقولها، المستمسكين بحبل التثبت عن وقوع الزلل و الخطأ، المكثرين فى مدارج عوارف المعارف السعى و الخطى:

ليس التقى بمتق فى أهله‏* * * حتى يطيب شرابه و طعامه‏

و يطيب ما يحوى و تكتب كفّه‏* * * و يكون فى حسن الحديث كلامه‏

نطق النبى لنا من ربّه‏* * * فعلى النبى صلاته و سلامه‏

فألهمنا اللهم الوقوف على طرق أبواب المعرفة لنعلم كيفية الدخول، و اجعلنا ممن أحللته دار المقامة و سهلت له الوصول، و أشهد أن لا إله إلا اللّه؛

____________

(1) غير واضحة فى (أ).

(2) فى (ج): الأفيان.

(3) أذبال: تذبل: تلوى، و فى المشى تبختر و تعثر فيه، و فلان: ألقى ثيابه إلا واحدا.

(4) الأريضة: أرضت الأرض و الروضة أرضا: كثر نبتها، و حسن مرآها، و أرض فلان:

صار خيّرا، متواضعا، فهو أريض.

30

الذى حكم، و قضى، و قسم، و تفضل، و أنعم، و فاوت بين الخلق فى القسم؛ الملحق من تأخر بمن تقدم فى مراتب التفضيل، المتصلة نعمه التى لا يحدّها الإجمال، و لا يستغرقها التفصيل، فكم له من نعم فضلا علينا، و منن لا نستطيع عدها، يا رب أوزعنى أن (أشكر نعمك التى لا تحصى) (1) و أشهد أن سيدنا و مولانا محمدا عبده و رسوله المجتمع فيه ما تفرّق فى الأنبياء، و منه الحكمة و فصل الخطاب، المنزّل عليه القرآن العظيم المشتمل على الأحكام و القصص، و ما تضمنته كل صحيفة و كتاب، عذب ما فيه و طاب.

الرسول الذى أطلق فى ميدان الفصاحة جواده، و قصّ عليه من أنباء الرسل (عليهم السلام) ما يثبّت فؤاده، النبى محمد أفضل من تسند عنه الرواة و الحكماء، (صلى اللّه و سلم عليه و على آله) الذين نزل بفضلهم الأمين؛ المتقلد بجواهر مديحهم الحسن كل عقد ثمين:

إن عدّ أهل التقى كانوا أئمتهم‏* * * أو قيل: من خير أهل الأرض، قيل: هم‏

لا يستطيع جواد بعد (2) غايتهم‏* * * و لا يدانيهم قوم و إن كرموا

هم الليوث إذا ما رمت‏ (3) إنصافا* * * و الأسد أسد الشرى و الباس‏ (4) محتدم‏

و أصحابه المؤيدين بالحجج الباهرة ملته السمحة، و شرعة السالكين من وادى سننه إلى كل منتهج و شرعة:

هم الجبال فسل عنهم مصادمهم‏* * * ما ذا رأى‏ (5) منهم فى كل مصطدم‏

صلاة و سلاما دائمين ما رقمت أنامل الأفاضل مناقب الجهابذ (6)، و أبرزت أفكار الأماجد من أحاديث الأذهان ما يقوم به الحجة على كل مناظر و مناضل و منابذ (7).

____________

(1) ما بين القوسين سقط من (أ).

(2) غير واضحة فى (أ).

(3) غير واضحة فى (أ).

(4) الباس: هى البأس بتسهيل الهمز، و البأس هو: الشدة فى الحرب. و يعنى أيضا:

الحرب، و يعنى: العذاب الشديد. و فى المثل: «عسى الغوير أبؤسا» يضرب لكل شى‏ء يخاف منه الشر.

(5) سقطت من (ج).

(6) الجهابذ: جمع حهبذ أو جهباذ: و هو النافذ الخبير بغوامض الأمور.

(7) منابذ: نبذ نبذا و نبذانا: نبض، يقال: نبذ قلبه، و نبذ الشى‏ء: طرحه، و فى:

31

أما بعد: فإن العلوم بأسرها تلبس ثياب العظمة و الجلالة، و تفك خواطر ذوى التوفيق من قيود البطالة، و كلما زاد الناظر إمعانا فى حسن ثمارها الجنيه ازداد كمالا، و كلما خاض لجة (1) بحرها العذب ورد منهلا زلالا، إلا أنها كالبيت فلا يدخل إلا من بابه، فلا يصعد درجاته الرفيعة من عرض عن الجسر (2) بين يدى المشايخ و اعتمد على كتابه‏ (*)، فحقيق على من سلك الصراط المستقيم بنشر راية الحمد، و جدير من أحسن السباحة بإنالة المد (3)، و قد كنت منذ أزمان رهين‏ (4) غضين‏ (5) الشباب، و أطيرن‏ (6) بدر الفراغ من خلل السحاب؛ متطلعا إلى رقىّ مراتبها العلية، ملتفتا إلى تحصيلها على الأنماط الحسنة البهية، لا أنسين زمنا لدى مهذبا (7) و ظلال عيش كان عندى سجسج‏ (8)، فى نعمة لوصنتها (9) و أقمت فى أفيائها (10) فكأننى فى مسيح، فسلكت فى الطلب الطريق الأقوم، و صنت السمع عن الإصغاء للعذّال و اللوّم، فبدأت بما هو الأقدم؛ فشرعت فى العلوم الشرعية

____________

- التنزيل العزيز: «فنبذناه بالعراء و هو سقيم». و نابذه الحرب: جاهر بها. و فلانا:

فارقه عن خلاف و بغض.

(1) لجة: اللجة معظم البحر و تردد أمواجه، و يقال: فلان لجة واسعة: شبيه بالبحر، و لجة الأمر معظمه، و الجمع: لج، و لجج، و لجاج.

(2) الجسر: جسر جسورا و جسارة: شجع و جرؤ، و مضى و نفذ.

(*) نشير إلى ما يوحى به السياق هنا إلى أهمية الشفاهة كسمة من سمات الثقافة العربية، و الإيمان بها كواحدة من أهم وسائل التعلم.

(3) المد: المدّ: السيل، و كثرة الماء، و ارتفاع ماء البحر على الشاطئ.

(4) غير واضحة فى (أ).

(5) غضين: غضنت الناقة بولدها غضنا و غضانا: ألقته لغير تمام قبل أن ينبت شعرها و يستبين خلقه، فهو غضين، و غضن فلانا: حبسه. يقال: ما غضنك عناه: أى ما عاقك و حبسك عنا؟

(6) سقطت من (ج).

(7) غير واضحة فى (أ).

(8) سجسج: يقال يوم سجسج: أى لا جر فيه و لا برد، و هواء سجسج: معتدل طيب، و أرض سجسج: ليست بسهلة و لا صلبة، و الجمع: سجاسج.

(9) سقطت من (ج).

(10) أفيائها: جمع فيئ: و هو الظل بعد الزوال ينبسط شرقا، و هو أيضا: الغنيمة تنال للإفتاك.

32

و الأهم المقدم، ثم صرفت الهمة للقيام بخدمتى التدريس و الإفتاء، و الانتصاب لجواب من سأل أو استفتى.

و فى غضون هذه المدة صنفت كتبا عديدة، و جمعت فوائد فريدة، و منها هذا التاريخ الذى جمع فأوعى، و أقربه الناظر عينا، و شنف‏ (1) سمعا، المتضمن أخبار هذا البلد الأمين المشفع ذو الإنصاف الدعاء له بالتأمين؛ المسمى ب: «الأرج المسكى و التاريخ المكى» الحاوى بعضا مما ذكره المتقدمون باعتبار زمنهم السابق المتكفل بضبط ما وقع بعدهم فى الزمن اللاحق، و إنما و جهت العزم إلى تلقاء هذا المطلب، و وقفت رموز كنوز من يستطلع أو يتطلب، لما ذكره الأصوليون‏ (2)،- و عليهم الاعتماد- فى معرفة الناسخ و المنسوخ أن المعتمد فى ذلك النقل الصحيح و التاريخ دون الرأى و الاجتهاد، و اخترت أن يكون مرتبا على مقدمتين و ثمانية أبواب، فى كل باب من الأبواب الأربعة المتقدمة فصول تتضمن ما وضع لأجله الكتاب، إلا الباب الأول؛ ففيه فصلان، و على اللّه أتوكل و به المستعان:

المقدمة الأولى: فى فوائد علم التاريخ الفاضلة.

المقدمة الثانية: فى وقوع المفاضلة.

الباب الأول: فى فضل الحرم، و فيه فصلان: الأول: فى فضائل الحرم، و الثانى: فيما اختص به من الفضائل.

الباب الثانى: فى فضائل مكة المشرفة، و فيه فصول: الأول: فى تحديدها، و الثانى: فى فضائلها، و الثالث: فى الأماكن المشهورة فيها، و الرابع: فى المساجد (3)، و الخامس: فى الأربطة و الزوايا، و السادس: فى المدارس‏

____________

(1) شنف: شنف له، أى: فطن له، و شنّف المرأة: اتخذ لها قرطا، و شنّف الأذان بكلامه: أى أمتعها به، و هو المقصود هاهنا.

(2) فى (أ): الأصوليين.

(3) و قد خالف المؤلف ترتيبه فى هذا الباب؛ حيث جمع فى كتابه- كما سيأتى- بين الفصلين الثالث و الرابع، و ضمهما فى فصل واحد، و بهذا سيكون عدد فصول هذا الباب تسعا لا عشرة.

33

و السبل و العيون و الآبار، و السابع: فى البرك المسبلة و الحمّامات و المياضئ و الشعوب و البساتين بها، و فى المواكب المكيّة، و الثامن: فى الغلاء و الوباء و السيول و الأمطار، و التاسع: فى الفتن الواقعة بها، و العاشر: فى قصة أصحاب الفيل.

الباب الثالث: و فيه فصول: الأول: فى فضائل الكعبة المشرفة، و الثانى:

فيمن اعتنى بتعظيم البيت من الخلفاء و الملوك و السلاطين، و الثالث: فى كسوة الكعبة و ذرعها.

الباب الرابع: فى المسجد الحرام، و فيه فصول: الأول: فيما كان عليه المسجد و ما زيد فيه و فيمن عمّره من الملوك، الثانى: فى الحجر و ما يتعلق به و المقامات الأربعة و ذرعها و كيفية صلاة الأئمة، و الثالث: فى ذرع المسجد الحرام و ما فيه من قباب و منائر و فى عدد أساطينه و أبوابه، و الرابع: فى أرباب الوظائف الدينية، و الخامس: فى قضاء مكة، و خطابة عرفة، و منصب الإفتاء، و القيام بشأن الأعيان، و السادس: فى قواعد ساداتنا الأشراف آل قتادة ولاة مكة المشرفة أدام اللّه لهم أنواع السعادة، و السابع: فى أوقات أهل الحرم المحمولة إليهم، و الثامن: فيمن يتعاطى خدمة تقسيمها لهم.

الباب الخامس: فى ذكر الخلفاء و الملوك مرتبين على حروف المعجم، و هو ترتيب لبعض من كتاب سيدى و شيخى السيد الوالد الإمام عبد القادر الطبرى- (رحمه اللّه)- المسمى ب: «نبات السلافة بمنشآت الخلافة».

الباب السادس: فى ولاة مكة فى الجاهلية.

الباب السابع: فى ولاة مكة فى الإسلام مرتبين على حروف المعجم.

الباب الثامن: فى خصوص ولاة مكة المشرفة ساداتنا الأشراف آل عبد مناف الصاعدين ذروة آل مولانا الشريف قتادة، أدام اللّه مجدهم الأثيل، و حفظ مقامهم الجليل، و أبقى لوجودهم إغداق سحائب النعم، و متّع ببقائهم الأنام، سيما سكان هذا الحرم الأمين المحترم.

- و هذا أوان الشروع فى المقصود، فنقول متوكلين على الملك المعبود:

34

المقدمة الأولى فى «علم التاريخ»

هو علم يعرف به أحوال قد مضت، و شئون قد خلت، و موضوعه أخبار السابقين من قصص و حوادث و مناقب، و ثمرته إعطاء كل ذى حق حقه، و تنزيل الناس على قدر منازلهم، و استرجاع النفوس و استكثارها من الأعمال الصالحة، و معرفة الناسخ و المنسوخ و المجروح و المعدّل من رواة الحديث، و التسلية (1) و التأسّى، و غير ذلك مما يغنى عنه واحد مما ذكرنا.

قال اللّه تعالى مخاطبا لنبيه (صلى اللّه عليه و سلم): «و كلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك» (2)، و كان (صلى اللّه عليه و سلم) يحدث عن بنى إسرائيل عامة.

قال العلامة أبو شامة (3): «و فى كتاب اللّه و سنة رسول اللّه من أخبار الأمم السالفة و أنبائهم ما يعتبر به ذوو البصائر».

و قال العلامة الصفدى: «التاريخ للزمان مرآة، و تراجم العلماء للمشاركة فى المشاهدة مرقاه، و أخبار ماضين لمن عاقر الهموم ملهاه؛ فلولا أحاديث أبقتها أوائلنا من الندى و الردى‏ (4) لم يعرف».

____________

(1) سقطت من (ج).

(2) الآية رقم 120 من سورة هود، مكية.

(3) أبو شامة: هو عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان بن أبى بكر بن عباس المقدسى، المعروف بأبى شامة المقدسى (شهاب الدين، أبو محمد، أبو القاسم)، محدث، حافظ، مؤرخ، مفسر، فقيه، أصولى، متكلم، نحوى. ولد بدمشق فى 23 ربيع الأول سنة 599 ه، و قتل بها فى 19 رمضان سنة 665 ه، و دفن بباب الفراديس. من مؤلفاته الكثيرة: كتاب «الروضتين من أخبار الدولتين النووية و الصلاحية»، «المقاصد السنية فى شرح الشيبانية» فى علم الكلام، «إبراز المعانى فى حرز الأمانى» فى القراءات، «المحقق فى علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول»، «نظم المفصل للزمخشرى» فى النحو.

معجم المؤلفين: 5/ 125، طبقات الحفاظ: 507.

(4) سقطت من (ج).

35

و قد أكثر العلماء من التصنيف فيه؛ كالإمام أبى بكر أحمد بن على الخطيب البغدادى‏ (1)؛ فله «تاريخ بغداد» قيل: إنه من أجل الكتب و أعودها فائدة، و كالإمام على بن السمعانى، و غيرهما، كالتاج السبكى، و ناهيك بطبقاته الكبرى فائدة.

و علم التاريخ قسم من علم المحاضرات، لا قسيم لها، و هو على أقسام شتى؛ فمنها: ترجمة الإنسان و ذكر نسبه، و ما له به تعلق.

و منها: ضبط الوقائع و الحوادث.

و أول القسمين صعب المرقى؛ إذ من تصدى له لا بد و أن يكون مفرغا نفسه من الشهوات، خاليا عن ربعة الكذب، ذا فكر سليم، و طبع مستقيم، ذا معرفة فى ترتيب الكلام و تهذيبه، و نقله غير معتمد على الأخبار السقيمة، و قد عقد الشيخ تاج الدين السبكى- (رحمه اللّه تعالى)- فى كتابه «الطبقات الكبرى» فائدة مهمة للمؤرخ، و لا علينا أن نورد جملة منها، فربما يعسر على من أراد الوقوف عليها مراجعتها، نقول: قال:

«فائدة فى المؤرخين نافعة جدا:

فإن أهل التاريخ ربما وضعوا من أناس و رفعوا أناسا من التعصب و الجهل، أو لمجرد اعتماد على نقل من لا يوثق به، أو غير ذلك من الأسباب.

و الجهل فى المؤرخين أكثر منه فى أهل الجرح و التعديل، و كذلك التعصب، قلّ إن رأيت تاريخا خاليا من ذلك، و أما تاريخ شيخنا الذهبى‏ (2)- غفر

____________

(1) أبو بكر أحمد بن على الخطيب البغدادى: هو أحمد بن على بن ثابت بن أحمد بن مهدى بن ثابت، المعروف بالخطيب البغدادى (أبو بكر)، محدث، مؤرخ، أصولى.

ولد سنة 392 ه بدرزنجان من قرى العراق، و نشأ فى بغداد، و رحل و سمع الحديث.

و توفى ببغداد سنة 463 ه. و من تصانيفه: «تاريخ بغداد»، «الكفاية فى معرفة علم الرواية»، «الفقيه و المتفقه»، «الجامع لآداب الراوى و السامع»، «شرف أصحاب الحديث». معجم المؤلفين: 2/ 3.

(2) الذهبى: هو محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد اللّه التركمانى الأصل، الفارقى، الدمشقى، الذهبى، الشافعى (أبو عبد اللّه، شمس الدين)، محدث، مؤرخ،-

36

اللّه له- فإنه- على حسنه و جمعه- مشحون بالتعصب المفرط- لا يؤاخذه اللّه- فلقد أكثر الوقيعة فى الذين هم أعنى‏ (1) الفقراء؛ الذين هم صفوة الخلق، و استطال بلسانه على كثير من أئمة الشافعيين و الحنفيين، و مال فأفرط على الأشاعرة، و مدح فزاد فى المجسمة، هذا و هو الحافظ المذرة و الإمام المبجل، فما ظنك بعوام‏ (2) المؤرخين».

- فالرأى عندنا أن لا يقبل مدح و لا ذم من المؤرخين، إلا بما اشترطه إمام الأئمة و حبر الأمة؛ و هو الشيخ الإمام الوالد (3)- (رحمه اللّه)- حيث قال و نقلته من خطه فى مجاميعه: «يشترط فى المؤرخ الصدق، و إذا نقل يعتمد اللفظ دون المعنى، و أن لا يكون ذلك الذى نقله أخذه فى المذاكرة و كتبه بعد ذلك، و أن يسمى المنقول عنه، فهذه شروط أربعة. و يشترط فيه- أيضا- لما يترجمه من عند نفسه، و لما عساه يطول فى التراجم من المنقول و يقصر، أن يكون عارفا بحال صاحب الترجمة علما و دينا و غيرهما من الصفات، و هذا عزيز جدا، و أن يكون حسن العبارة، عارفا بمدلولات الألفاظ، و أن يكون حسن التصوير حال ترجمته جميع حال ذلك الشخص، و يعبر عنه بعبارة لا تزيد و لا تنقص عنه، و أن لا يغلبه الهوى؛ فيخيّل له هواه الإطناب فى مدح من يحبه و التقصير فى غيره، بل إما أن يكون مجردا عن الهوى و هو

____________

- ولد بدمشق فى ربيع الأول سنة 673 ه، و سمع بها و بحلب و نابلس و مكة، و سمع منه خلق كثير. و توفى بدمشق فى 3 ذى القعدة سنة 748 ه، و دفن بمقبرة الباب الصغير. من تصانيفه الكثيرة: «تاريخ الإسلام»، «ميزان الاعتدال فى نقد الرجال»، «طبقات الحفاظ»، «المشتبه فى أسماء الرجال»، «تجريد الأصول فى أحاديث الرسول». معجم المؤلفين: 8/ 289، 290، الأعلام: 5/ 326، طبقات الحفاظ: 517.

(1) أعنى: عنى عنا و عناء: تعب و أصابته مشقة، و عنى الرجل: وقع فى الأسر، فهو عان. و الجمع عناة.

(2) فى (ج): بأعوام.

(3) هو الشيخ الإمام عبد القادر بن محمد بن يحيى الطبرى، المكى، الحسينى، الشافعى- والد المؤلف- عالم، أديب، ناظم، ناثر، مشارك فى أنواع من العلوم. ولد بمكة فى 27 صفر 976 ه. و من مؤلفاته الكثيرة: «كشف الخافى من كتاب الكافى»، «عيون المسائل من أعيان الرسائل»، «أساطين الشعائر الإسلامية و فضائل السلاطين و المشاعر الحرمية».

توفى فى سنة 1033 ه. و دفن بالمعلاة بمكة المكرمة. انظر معجم المؤلفين: 6/ 303.

37

عزيز، و إما أن يكون عنده من العدل ما يقهر به هواه، و يسلك طريق الإنصاف فهذه أربعة شروط أخرى، و لك أن تتبعها (1) خمسة (2)؛ لأن حسن تصويره و علمه بها (3) يحصل معهما الاستحضار حين التصنيف، فيجعل حسن التصوير قائما على حسن التصور و العلم، فهى تسعة شروط فى المؤرخ، و أصعبها التأريخ على حال الشخص فى العلم؛ فإنه يحتاج إلى المشاركة فى علمه و الفرق عنه حتى يعرف مرتبته». انتهى.

ثم قال: «و الذى أفتى به: أنه لا يجوز الاعتماد على كلام شيخنا الذهبى فى ذم أشعرى و لا شكر حنبلى».

و الذى قاله فى الذهبى أقوله بنظره فى السخاوى سامحه اللّه تعالى، فلا يجوز اعتماد شى‏ء مما فى تاريخه: «الضوء اللامع»؛ فإنه بناه على اتباع الغرض و الهوى و استكمال النفس و حب الظهور؛ فيزيد و ينقص، و يقدم و يؤخر، باعتبار غرضه و هواه. و لقد كان السيوطى يسميه: الجراح. و من رأى ترجمته فى تاريخه المذكور للشيخ الريمى و القاضى زكريا و غيرهما من الأجلاء رأى العجب العجاب؛ فإنه ما زاد أن جعل الواحد منهم طويلب علم لا طالب، سامحه اللّه تعالى.

و من أحسن التواريخ الجامعة للتراجم تاريخ الشمس بن خلكان، و خليل ابن أيبك الصفدى، و غيرهما مما هو فى معناهما. و من أحسن تواريخ مكة المشرفة تاريخ القاضى أبى الطيب الفاسى‏ (4)، و حذا حذوه العلماء الأجلاء

____________

(1) غير واضحة فى (أ).

(2) غير واضحة فى (أ).

(3) سقطت من (أ).

(4) أبو الطيب الفاسى: هو محمد بن أحمد بن على بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد ابن أحمد بن على بن عبد الرحمن الفاسى، الحسينى، المكى، المالكى، و لقبه: تقى الدين الفاسى، و كنيته: أبو الطيب، و أبو العباس، و أبو عبد اللّه. كان إماما علامة، حافظا للأسماء و الكنى، ذا معرفة بالشيوخ، عالما بالفقه و أصوله. و هو صاحب سلسلة كتب تاريخ مكة، منها: «العقد الثمين»، «شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام»، «عجالة القرى فى تاريخ أم القرى»، «تحصيل المرام فى تاريخ البلد الحرام»، «تحفة الكرام بأخبار البلد الحرام» كان مولده بمكة سنة 775 ه. و عمى سنة 828 ه. و توفى سنة 832 ه. انظر: معجم-

38

السادة بنو فهد؛ فضبطوا، و حرروا، و أفادوا، و أعطوا كلاما يستحقه، ثم انقطعت من بعدهم سلسلة التاريخ المشتمل على التراجم، و تقاعست الهمم و ضعفت عن جميع ذلك، و ما قام بعدهم أحد بهذا الشأن إلا جماعة مخصوصين فى أمور مخصوصة؛ كالحرم و مكة و ما يتعلق بهما، أو تراجم جماعة مخصوصين، أو ضبط بعض الوقائع الخالية، و أنّى لعاقل أن يصدر نفسه لتاريخ عام مشتملة على تراجم أهل العصر، و قد عزّ الوقوف على مثل ذلك، فمن زعمه فقد باء بالبهتان و افتخر بالخسران، نعم يمكن إثبات تراجم بعض ما تقدم من الكتب المعتمدة المشهورة نسبتها إلى جامعيها، و قل من يحسن ضبط (1) هذا المعنى و الإتيان به على الوجه‏ (2) الحسن. الذى يظهر وجه الإصابة عما سواه‏ (3)، فلا تكتب بخطك غير شى‏ء يسرك فى القيامة أن تراه.

***

____________

- المؤلفين، الأعلام: 6/ 266، و مقدمة كتاب «شفاء الغرام» بتحقيقنا بالاشتراك ص 13، 14، 15، 16، معجم المؤلفين: 8/ 115.

(1) فى (أ): ضابط.

(2) غير واضحة فى (أ).

(3) غير واضحة فى (أ).

39

المقدمة الثانية «فى وقوع المفاضلة»

- فى وقوع المفاضلة بين الأشخاص مما لا ريب فيه: و قد تكون جهة التفضيل متعددة؛ فمن الجهات: التفضيل باعتبار الأمكنة؛ بمكة المشرفة شرفها اللّه تعالى؛ فولاتها أفضل الولاة، و من فاز بصفة حماها فقد حباه اللّه الفضل و أولاه.

فساداتنا آل عثمان و سادات مكة (1) لهم الشرف الأعلى و القدح المعلى و الفخر العظيم على سائر ملوك الدنيا بأسرها، و ما برح الملوك السابقون و اللاحقون يعلمون ما لهؤلاء السادة من المزية بخدمة هذه الكعبة المحمية.

و قد قال الشيخ قطب الدين الحنفى‏ (2)- (رحمه اللّه تعالى)- فى تاريخه «الإعلام»: إن سلطان الإسلام؛ مولانا السلطان سليم خان أول من ملك مصر من ساداتنا آل عثمان، أدام اللّه ملكهم على مر (3) الأزمان، و خل مجدهم الأثيل‏

و لكنما أسعى إلى مجد مؤثّل‏* * * و قد يدرك المجد المؤثّل أمثالى‏

(4) إلى انقضاء الدوران، لما أن وصل إلى الحرم‏ (5) و صلى الجمعة، و خطب بها الخطيب، فقال فى ترجمته: خادم الحرمين الشريفين، سجد للّه شكرا، و قال: الحمد للّه الذى يسّر لى أن صرت خادم الحرمين الشريفين، و أضمر فعلا جميلا و إحسانا جزيلا لأهل الحرمين، و خلع‏

____________

(1) غير واضحة فى (أ).

(2) قطب الدين الحنفى: هو محمد بن أحمد بن محمد بن محمود النهروانى، الهندى، المكى، الحنفى (قطب الدين) مؤرخ، فقيه، مفسر، عالم بالعربية. ولد سنة 917 ه، و توفى سنة 990 ه. و من مؤلفاته: «الإعلام بأعلام بيت اللّه الحرام»، «طبقات الحنفية».

معجم المؤلفين: 9/ 17.

(3) غير واضحة فى (أ).

(4) الأثيل: أثل أثولا: تأصل و قدم، يقال: شرف أثيل، أى: أصيل. قال امرؤ القيس:

و لكنما أسعى إلى مجد مؤثّل‏* * * و قد يدرك المجد المؤثّل أمثالى‏

(5) غير واضحة فى (أ).

40

على الخطيب خلع‏ (1) متعددة و هو على المنبر، و أحسن إليه إحسانا كثيرا بعد ذلك.

و سمعت من سيدى و شيخى الشيخ الإمام الوالد- (رحمه اللّه)- ناقلا عن الشيخ أحمد الخفاجى؛ خطيب المدينة المنورة، على مشرفها أفضل الصلاة و السلام: أنه لما كان بالديار الرومية خطب بجامع مولانا السلطان مراد (2) بن سليم خان- رحمهما اللّه تعالى- و كان السلطان حاضرا، فلما أن وصل فى ترجمته إلى قوله: خادم الحرمين الشريفين، تطاول السلطان و أظهر مزيد السرور و الفرح.

و ما برح ساداتنا آل عثمان- أدام اللّه دولتهم، و أيّد شوكتهم، و أبّد صولتهم- يعظمون ولاة مكة المشرفة السادة الأشراف، و يرسلون إليهم الناقات السلطانية و الخلع العثمانية، و يقبلون ما يرد من مكاتباتهم، و يقضون مصالحهم، و يعظمونهم التعظيم السديد، و يصرحون لهم: بأنكم عيننا الناظرة فى أمور الحرمين، و فى جميع المهمات المتعلقة بهذه الجهات الشريفة، عملا بقول جدهم النبى (صلى اللّه عليه و سلم): «إنى تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدى أبدا: كتاب اللّه و عترتى آل بيتى، إن اللطيف الخبير أنبأنى أنهما لن يفترقا حتى يردا علىّ الحوض».

فأثابهم اللّه على ذلك ثوابه الجزيل، و أدام‏ (3) مجدهم الأثيل.

***

____________

(1) خلع: جمع خلعة، و هى: ما تخلعه من الثياب و نحوها. و تعنى أيضا خيار المال.

(2) فى (أ): جراد بن سليم خان.

(3) غير واضحة فى (أ).

41

الباب الأول فى فضائل الحرم‏

و فيه فصلان:

الفصل الأول: فى فضائل الحرم.

الفصل الثانى: فيما اختص به من الفضائل.

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

الفصل الأول فى «فضائل الحرم»

لا يخفى أن الحرم محل عظيم القدر، و مكان جليل الخطر و الفخر، و أنه فاضل و غيره بالنسبة إليه المفضول؛ لما أفاض اللّه عليه من منهمر رحمته الباهرة للعقول، قال تبارك و تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَ يُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ‏ (1).

و قال تعالى: أَ وَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى‏ إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏ (2).

و سبب حرمته: أن آدم استوحش حين أهبط إلى الأرض، فبعث اللّه تعالى الملائكة لحراسته، فوقفت فى مواضع أنصاب الحرم من كل جانب، فجعل ما بين آدم و موقف الملائكة حرما.

و قد اختلف فى أن إبراهيم- على نبينا، و عليه، و على جميع الأنبياء أفضل الصلاة و السلام- هو المبتدأ لسؤال تحريمه، و أنه كان حرما قبل ذلك، فظهرت الحرمة بدعائه كل وارد. و الثانى المرجح؛ لحديث ابن عباس و أبى هريرة و ابن شريح بن عمرو الخزاعى، و حديث ابن عباس و أبى هريرة مشهور و حديث ابن شريح قوله: «كنا مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حين افتتح مكة، فلما كان الغد من الفتح عدت خزاعة على رجل من هذيل‏ (3) فقتلوه و هو مشرك، فقام رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فينا خطيبا؛ فقال: أيها الناس: إن اللّه قد حرّم مكة يوم خلق السموات و الأرض، فهى حرام من حرام إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن باللّه و اليوم الآخر أن يسفك فيها دما، و لا يعضد (4)

____________

(1) الآية رقم 67 من سورة العنكبوت، مكية.

(2) الآية رقم 57 من سورة القصص، مكية.

(3) فى هامش النسخة (أ): بكر.

(4) يعضد: عضده عضدا: أصاب عضده، و عضد الشجرة و نحوها: قطعها بالمعضد، و ضربها فنثر ورقها.

44

فيها شجرا، لم تحلل لأحد كان قبلى، و لا تحل لأحد يكون بعدى، و لم تحلل لى إلا هذه الساعة غصبا على أهلها، ألا ثم قد رجعت كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فمن قال: إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قاتل فيها، فقولوا: إن اللّه قد أحلها لرسوله و لم يحلها لكم، يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل، فقد كثر القتل و ارتفع، لقد قتلتم قتيلا لأدينه، فمن قتل بعد مقامى هذا فأهله بخير النظيرين: إن شاءوا فدم قاتله، و إن شاءوا فعقله، ثم ودى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ذلك الرجل الذى قتلته خزاعة».

و احتج الأول بظاهر الآية؛ و هى: وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ‏ (1). و بحديث عبد اللّه بن زيد بن عاصم‏ (2) «أن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «إن إبراهيم حرم مكة و أنا حرمت المدينة».

و أجيب عن الآية: فإن إبراهيم إنما سأل اللّه تعالى أن يجعل ذلك البلد الحرام آمنا من الجدب و القحط، و أن يرزق أهله من الثمرات.

و عن جابر بن عبد اللّه‏ (3) (رضى اللّه عنه) عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «لما عقر ثمود الناقة و أخذتهم الصيحة لم يبق تحت أديم‏ (4) السماء منهم أحد (5)

____________

(1) الآية رقم 126 من سورة البقرة، مدنية.

(2) فى (أ): زيد بن عبد اللّه بن عاصم، و الصحيح كما أثبتناه فى المتن، و هو: عبد اللّه ابن زيد بن عاصم بن كعب البخارى الأنصارى؛ صحابى، من أهل المدينة، كان شجاعا.

شهد بدرا. و قتل مسيلمة الكذاب يوم اليمامة. له 48 حديثا. و قتل فى وقعة الحرة سنة 63 ه الأعلام: 4/ 84.

(3) جابر بن عبد اللّه: هو جابر بن عبد اللّه الأنصارى، صاحب النبى (صلى اللّه عليه و سلم)، شهد ليلة العقبة مع أبيه، و شهد غزوة الأحزاب. و عاش أربعا و ستين سنة، و روى علما كثيرا. و روى عنه: «كنت منيح أصحابى يوم بدر»، و هذا خطأ، لأن أهل السيرة مجمعون على أنه لم يشهد بدرا، ذهب بصره آخر حياته، و توفى بالمدينة سنة 78 ه. المعارف: 307، دول الإسلام: 1/ 56.

(4) أديم: أديم كل شى‏ء: ظاهره، يقال: أديم الأرض، و أديم الليل: ظلمته، و أديم النهار: بياضه، و يقال: ليس تحت أديم السماء أكرم منه.

(5) فى (أ): أحدا.

45

إلا أهلكه اللّه، إلا رجلا واحدا كان فى حرم اللّه تعالى فمنعه الحرم، فقالوا:

من هذا يا رسول اللّه؟ فقال: أبو رغال أبو ثقيف، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه».

و فى حديث عبد اللّه بن عمر (رضى اللّه عنه): «أن أبا ثقيف امرؤ من ثمود منزله بحراء».

و عن أبى هريرة (رضى اللّه عنه) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لما فتح مكة: «لا ينفّر صيدها، و لا يختلى شوكها، و لا تحل ساقطتها إلا لمنشد».

فقال له العباس‏ (1) (رضى اللّه عنه): إلا الأذخر، فاجعله لقبورنا و بيوتنا. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «إلا الأذخر».

و بهذا الحديث و غيره كحديث: «إن هذا البلد حرمه اللّه، لا يلتقط لقطته إلا من عرفها» أخذ علماؤنا عدم حل لقطة الحرم إلا لمعرف. و المعنى على الدوام و الاستمرار، و إلا فسائر البلاد كذلك. و يلزم اللاقط الإقامة لتعريفها أو دفعها للحاكم الشرعى، و السر (2) فى ذلك أن اللّه تعالى جعل هذا الحرم مثابة للناس و أمنا يعودون إليه، فربما يعود مالكها أو نائبه.

***

الفصل [الثاني في مزايا الحرم‏]

- ذكر العلماء- رحمهم اللّه تعالى للحرم الشريف مزايا لا يحصيها العد و لا يستقصيها الحد:

منها: تضاعف الصلوات الخمس.

و منها: تضاعف [الأجر فيها] (3).

و منها: تضاعف السيئة عند جماعة من العلماء.

و منها: أن الإنسان يؤاخذ بالهم بالسيئة و إن لم يفعلها.

____________

(1) فى (أ): فقال رسول اللّه العباسى.

(2) فى (أ): السير.

(3) ما بين المعقوفتين غير واضح فى (أ).

46

و منها: عدم كراهة صلاة النافلة التى لا سبب لها فى الأوقات الخمسة عندنا.

و منها: أن صلاة العيد توقع بالمسجد الحرام لا فى الصحراء.

و منها: وجوب قصد الكعبة فى كل سنة على طائفة من الناس لإقامة شعيرة الحج.

و منها: أن لا يدخل إلا بإحرام، على تفصيل فى المسألة.

و منها: عدم جواز إحرام المقيم بمكة من خارجها عندنا.

و منها: أن أهل الحرم و من هم على مرحلتين من الحرم لا ذم عليهم فى التمتع و لا فى القران.

و منها: كراهة إقام الحد فيه؛ أى حد القتل عندنا، و قال أبو حنيفة (1) (رضى اللّه عنه): لا يقتل فى الحرم حتى يخرج إلى الحل باختياره، و لكن لا يجالس، و لا يكلم، و لا يوعظ و يذكر حتى يخرج.

و قال أبو يوسف‏ (2): يخرج إلى الحل مضطرا.

____________

(1) أبو حنيفة: هو أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطة. ولد حوالى سنة 80 ه بالكوفة. و كان جده زوطة قد أتى من فارس إلى الكوفة عبدا و أعتقه سيده، و كان من قبيلة تيم اللّه، أما والد ثابت فقد ولد حرا فى هذه القبيلة. و لقد وفق أبو حنيفة إلى سماع عدد كبير من كبار التابعين و التعلم على أيديهن بالكوفة، و من شيوخه: أبو عمرو الشعبى، و عطاء بن أبى رباح، و حماد بن بى‏سليمان. و من تلاميذه: أبو يوسف، و زفر بن الهذيل و محمد بن الحسن الشيبانى. و لقد سجن فى آخر حياته ببغداد. و توفى بها سنة 150 ه.

تاريخ التراث العربى: 1/ 31، طبقات الحفاظ: 73.

(2) أبو يوسف: هو أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الكوفى، من سلالة سعد ابن حبته الصحابى، ولد سنة 113 ه بالكوفة. قرأ على هشام بن عروة و أبى إسحاق الشيبانى و سليمان التيمى و محمد بن إسحاق، و كان شيوخه فى الفقه محمد بن عبد الرحمن ابن أبى ليلى و أبا حنيفة، و قد تولى منصب القضاء ببغداد فى عهد الخليفة الهادى. و كان فى مذهبه الفقهى يعترف بمبدأ الرأى. و قد توفى سنة 182 ه ببغداد. تاريخ التراث العربى:

1/ 49، 50، معجم المؤلفين: 13/ 240.

47

و منها: أن كل واد فى الحرم فهو يسيل فى الحل، و لا يسيل واد من الحل فى الحرم، إلا فى موضع واحد: عند التنعيم؛ عند بيوت نفار. ذكره الأزرقى‏ (1) و اعترضوه بما يقتضيه كلام الفاكهى‏ (2)؛ من أن سيل الحل يدخل إلى الحرم من عدة مواضع، إلا أن سليمان بن خليل ذكره بصيغة التمريض.

- و لبعض الملاحدة شبهة فى كون الحرم آمنا بوقوع الفتن فيه مرارا؛ كفتنة القرامطة و نحوها، و قد تصدى لردها جماعة من العلماء- رحمهم اللّه- كالبدر الدمامينى و غيره، و أحسن الأجوبة عنها ما ذكره شيخى و سيدى الوالد- (رحمه اللّه تعالى)-؛ فإنه قال بعد أن ذكر أجوبتهم:

«الذى يظهر و يتحرر عندى: أن البيت و مكة و الحرم وصفه تارة بالحرمة و تارة بالأمن فى الآيات و الأحاديث، و كل من الوصفين المذكورين يكون مرة بالنسبة لذاتها و أخرى بالنسبة لما حل فيها، فالحرمة الذاتية و الأمن الذاتى لا زمان لها منذ خلق اللّه السموات و الأرض، لا ينفكان عنها، إلى أن يطويها اللّه تعالى عند قيام الساعة، أما الحرمة فظاهرة؛ فإنها حكم أثبته اللّه لها، و يستحيل رفع أحد له و نزعه عنها، و أما الأمن فكذلك؛ إذ هو مضى كأمنة اللّه عليها، و حفظها به عن الانتقامات الإلهية التى لا يستطيع مخلوق أن يأتى‏

____________

(1) الأزرقى: هو أبو الوليد محمد بن عبد اللّه بن أحمد بن الوليد بن عقبة بن الأزرق.

يرجع أقدم كتاب وصل عن مكة إليه، كان محدثا. روى عن ابن سعد و أحمد بن حنبل و غيرهما، و قد استقى كثيرا من المعلومات عن تلاميذ عبد اللّه بن عباس. و من مصادره:

وهب بن منبه و ابن إسحاق و كتاب «أخبار مكة» للواقدى، و كتاب عثمان بن عمرو بن ساج القرشى. و لأبى الوليد ترجمات عديدة، إلا أن كثيرا من الاختلاف يدور حول اسمه و تاريخ وفاته و أصل جده عقبة بن الأزرق، و لقد توفى أبو الوليد على أكثر الآراء صحة بعد سنة 244 ه. انظر مقدمة كتاب «تاريخ مكة» للأزرقى، بتحقيقنا بالاشتراك، و انظر تاريخ التراث العربى: 1/ 553.

(2) الفاكهى: هو محمد بن إسحاق بن العباس الفاكهى، المكى (أبو عبد اللّه) مؤرخ.

توفى فى حدود سنة 272 ه. من آثاره: «تاريخ مكة»، و قد أفاد منه ابن حجر فى الإصابة. تاريخ التراث العربى: 1/ 557، معجم المؤلفين:/ 409.

48

بمثله؛ كالخسف و الزلزال، فهذه الحرمة الذاتية و الأمن الذاتى لا ينقضان و لا يرفعان عن البيت الحرام و مكة و حرمها بوجه من الوجوه، و هو ما تضمنه قوله تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ‏ (1).

و قوله تعالى حكاية عن إبراهيم الخليل (عليه الصلاة و السلام): رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ‏ (2).

و قوله تعالى: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها (3).

و قوله تعالى: وَ هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ‏ (4).

و قوله تعالى: أَ وَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً (5).

و قوله تعالى: وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً (6).

و أما الحرمة و الأمن بالنسبة لما حل فيها؛ المتضمن لها قوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً (7).

و قوله تعالى: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَ آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ‏ (8).

و قول النبى (صلى اللّه عليه و سلم): «من مات بمكة أو فى طريق مكة بعثه اللّه من الآمنين».

و ما روى: «إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) سأل اللّه عزّ و جلّ: ما لأهل البقيع الغرقد؟ فقال: لهم الجنة، فقال: يا رب ما لأهل المعلاة؟ فقال: يا محمد سألتنى عن جوارك فلا تسألنى عن جوارى».

____________

(1) الآية رقم 97 من سورة المائدة، مدنية.

(2) الآية رقم 37 من سورة إبراهيم، مكية.

(3) الآية رقم 91 من سورة النمل، مكية.

(4) الآية رقم 3 من سورة التين، مكية.

(5) الآية رقم 57 من سورة القصص، مكية.

(6) الآية رقم 126 من سورة البقرة، مدنية.

(7) الآية رقم 112 من سورة النحل، مكية.

(8) الآية رقم 3، 4 من سورة قريش، مكية.

49

و ما نقله القاضى عياض‏ (1): «أن من حج ثلاثا حرم اللّه شعره و بشره على النار»، فهما بالنسبة إلى جناب الحق لا زمان لهم أيضا، لا يقدر أحد على إزالتهما عنهم؛ و ذلك لنسبتهم إلى جوار اللّه، و كونهم أهل اللّه و خاصته، و كونهم آمنين من تعذيبه إياهم بالجوع و الخوف، و فتنة الدجال، و الخسف بهم و إرسال الصواعق و الطاعون عليهم لاستئصالهم، و تسليط المشركين عليهم بالقتل و الأسر و الاسترقاق، و بالنسبة إلى ما يمكن أن يكون لإخوانهم من المسلمين فيه صنع؛ كالقتل و النحر و النهب و نحو ذلك. كذلك يكون غالبا، فإن وقع خلافه كما فى قصة ابن الزبير و نحوها، فهو كالفرد النادر الذى لا ينبنى عليه كلام، و لا ينقض به أمر الحرمة و الأمن، و مع ذلك تزداد حرمتهم و أمنهم بمضاعفة الثواب على صبرهم عند اللّه تعالى، و ينتقم اللّه تعالى لهم بتأثيم من أذاهم و بعقابه، فهم محترمون آمنون على كلتا الحالتين، و إن توهم زوال حرمتهم و أمنهم بذلك ظاهرا، فهم محترمون آمنون باطنا».

***

فصل [في حدود الحرم‏]

- حرم مكة: هو المحيط بها الطائف بجوانبها، له حكمها فى التشريف و التعظيم مما ذكرنا سابقا. و يروى أن الأصل فى ذلك: أن آدم (صلى اللّه على نبينا محمد و عليه و على سائر الأنبياء و سلم) استوحشت نفسه من‏

____________

(1) القاضى عياض: هو عياض بن موسى بن عياض بن عمرو بن موسى بن عياض اليحصبى، السبتى، المالكى، و يعرف بالقاضى عياض (أبو الفضل). محدث، حافظ، مؤرخ، ناقد، مفسر، فقيه، أصولى، عالم بالنحو و اللغة و كلام العرب و أنسابهم، شاعر. خطيب. أصله من الأندلس، و تحول جده إلى فاس، ثم سكن مدينة سبته، و ولد القاضى بها سنة 496 ه، و تولى القضاء بغرناطة، و توفى بمراكش فى جمادى الآخرة سنة 544 ه. و من تصانيفه: «الشفا بتعريف حقوق المصطفى»، «الإلماع فى أصول الرواية و السماع»، «مشارق الأنوار على صحاح الآثار»، «العيون الستة فى أخبار سبته»، «التنبيهات المستنبطة فى شرح مشكلات المدونة» فى فروع الفقه المالكى. معجم المؤلفين:

8/ 16.

50

الشياطين، فاستعاذ باللّه تعالى، فأرسل اللّه تعالى ملائكة حفوا بمكة من كل جانب، فكان الحرم من حيث وقفت الملائكة.

و يروى أنه لما بلغ إبراهيم و إسماعيل فى بناء الكعبة إلى موضع الحجر الأسود، جاء به جبريل (صلى اللّه عليه و سلم) من الجنة، فوضعه إبراهيم (صلى اللّه عليه و سلم) فى موضعه، فأنار شرقا و غربا، و يمينا و شمالا، فكان الحرم من حيث انتهى النور.

و يروى أنه لما هبط آدم تلهف على ما فاته من‏ (1) الطواف بالعرش مع الملائكة، فأهبط اللّه إليه البيت ياقوتة حمراء تلتهب التهابا، و له بابان:

شرقى و غربى، و هو مرصع بكواكب بيض من ياقوت الجنة، فلما استقر البيت فى الأرض أضاء نوره ما بين المشرق و المغرب، ففزع لذلك الجن و الشياطين، و رقوا فى الجو ينظرون من أمر ذلك النور، فلما رأوه من مكة أقبلوا يريدون الاقتراب إليه، فأرسل اللّه تعالى إليه الملائكة، فقاموا حول الحرم فى مكان الأعلام اليوم، فمنعتهم، فمن ثم ابتدئ اسم الحرم‏ (*).

و له علامات مبنية؛ و هى أنصاب فى جميع جوانبه، خلا جهة جدة و جهة الجعرانة، فإنه ليس فيهما أنصاب. و أول من نصب ذلك الخليل إبراهيم- على نبينا و عليه و على بقية الأنبياء أفضل الصلاة و السلام- ذلك بدلالة جبريل ((عليه السلام))، ثم نصبها إسماعيل بن إبراهيم، ثم قصى بن كلاب.

و قيل: إن عدنان بن أد أول من وضع أنصاب الحرم؛ حين خاف أن يندرس‏ (2) الحرم.

و نصبتها قريش بعد أن نزعوها؛ و النبى (صلى اللّه عليه و سلم) بمكة قبل هجرته، و أمر

____________

(1) سقطت من (ج).

(*) و قد أضاف تقى الدين الفاسى سببا آخر لتحريم الحرم، و هو ما تضمنته روايته:

«و قيل: لأن اللّه سبحانه حين قال للسموات و الأرض: ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ، لم يجبه بهذه المقالة فى الأرض إلا أرض الحرم، و لذلك حرمها». و قد ذكر السهيلى هذا القول، و ذكر أبو الوليد الأزرقى ما يشهد للقولين الأولين.

(2) يندرس: درس درسا و دروسا: عفا و ذهب أثره، و تقادم عهده.

51

النبى (صلى اللّه عليه و سلم) عام الفتح تميم بن أسد (1) فجددها، ثم عمر بن الخطاب (رضى اللّه عنه) بعث أربعة نفر لتجديدها فجددوها؛ و هم: مخرمة بن نوفل‏ (2)، و سعيد بن يربوع، و حويطب بن عبد العزى‏ (3)، و أزهر بن عبد اللّه، ثم عثمان، ثم معاوية (رضى اللّه عنهما)، ثم عبد الملك بن مروان، ثم المهدى العباسى، ثم أمر الراضى العباسى بعمارة العلمين الكبيرين اللذين هما حد الحرم من جهة التنعيم فى سنة خمس و عشرين و ثلثمائة، ثم أمر المظفر صاحب «إربل» (4) بعمارة العلمين اللذين هما حد الحرم من جهة عرفة فى سنة ست عشر و ثلثمائة، ثم الملك المظفر (5) صاحب اليمن فى سنة ثلاث و ثمانين و ستمائة، ثم سلطان الإسلام مولانا السلطان أحمد خان بن محمد (رحمهما اللّه تعالى)، و ذلك على يد حسن باشا المعمار؛ فى حدود سنة ثلاث و عشرين بعد الألف.

____________

(1) سقطت من (ج).

(2) مخرمة بن نوفل: هو أبو صفوان مخرمة بن نوفل بن أهيب الزهرى القرشى. ولد قبل الهجرة بستين عاما تقريبا، و أسلم بعد فتح مكة، و كان يعد من كبار التابعين و رواة الشعر من بين المخضرمين. كلفه عمر بن الخطاب (رضى اللّه عنه) أن يسهم مع عالمين آخرين فى إعداد ثبت بأنساب العرب. و كان من بين من وضعوا أحجار حدود المنطقة الحرام فى مكة. و كف بصره فى عهد عثمان، و توفى سنة 54 ه. تاريخ التراث العربى: 1/ 418

(3) فى (أ): حويطب بن عبد العزيز، و الصحيح ابن عبد العزى؛ و هو: حويطب بن عبد العزى بن أبى قيس، أحد أربعة قرشيين كانوا علماء بالنسب و الشعر و الأخبار، أسلم بعد فتح مكة، و اشترك فى غزوة حنين و الطائف، ثم انتقل إلى مكة حيث توفى هناك سنة 53 ه- كما يقال- عن مائة و عشرين عاما. و كان أحد من وضعوا أحجار حدود المنطقة الحرام. تاريخ التراث العربى: 1/ 421.

(4) إربل: مدينة كبيرة تعد من أعمال الموصل. طولها تسع و ستون درجة و نصف، و عرضها خمس و ثلاثون درجة و نصف و ثلث، و هى بين الزابين. معجم البلدان: 1/ 678.

(5) الملك المظفر: هو يوسف بن عمر بن على بن يوسف الغسانى، اليمنى (الملك المظفر) ثانى ملوك الدولة الرسولية فى اليمن و قاعدتها صنعاء. ولد بمكة سنة 619 ه، و ولى بعد مقتل أبيه سنة 647 ه بصنعاء، و أحسن صيانة الملك و سياسته، و قامت فى أيامه فتن و حروب فخرج منها ظافرا، و طالت مدة حكمه، و توفى بقلعة «تعز» سنة 694 ه، و له كتب منها: «اللمعة الكافية فى الأدوية الشافية»، «المعتمد فى الأدوية المفردة». معجم المؤلفين: 13/ 320، الأعلام: 8/ 224.

52

و قد حرر التقى‏ (1) فى «شفاء الغرام» (2) ذلك بالأميال؛ بعد أن حكى الخلاف فى كل جهة، ثم حررها بالذرع، لكنه لم يعتبره إلا على القول بأن الميل: ثلاثة آلاف ذراع و خمسمائة ذراع، فلهذا قال: «و هو الذى ينبغى أن يعتبر فى حدود الحرم؛ لكونه- غالبا- أقرب إلى موافقة ما هو مشهور فى قدرها، فإنها إذا اعتبرت على القول بأن مقدار الميل: ألف ذراع و خمسمائة ذراع، فهو الذى يزيد مقدارها على ما هو مشهور فيها نحو نصف ذلك، و اعتبار ذلك على هذا القول مشكل‏ (3) جدا؛ لكثرة الزيادة و كثرة النقص، على أن اعتبار ذلك على القول بأن الميل: ثلاثة آلاف ذراع و خمسمائة، لا يخلو من إشكال، إلا أن الأمر فيه قريب لتأتىّ الجواب عنه، و يتأكد اعتبار ذلك على هذا القول؛ فهو أولى لكونه أصح الأقاويل فى مقدار الميل على ما ذكره ابن عبد البر (4)، و اللّه أعلم». انتهى.

فقوله: لكونه أصح الأقاويل إلى آخره، فيه ما فيه؛ فقد قال الشيخ عبد ابن حجر المكى‏ (5)- (رحمه اللّه تعالى)- بعد أن ذكر أن الفرسخ: ثلاثة أميال، و الميل: أربعة آلاف خطوة، و الخطوة: ثلاثة أقدام. كذا قالوه هنا.

____________

(1) التقى: هو تقى الدين الفاسى: سبقت الإشارة إليه.

(2) هو كتاب «شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام» من أهم الكتب التى ألّفت عن مكة و تاريخها. و من أكثر المصادر التى اعتمد عليها من كتب فى هذا الموضوع بعد الفاسى، ثانى كتب موسوعة مكة و المدينة، بتحقيقنا بالاشتراك.

(3) فى (أ): من كل.

(4) ابن عبد البر، هو: يوسف بن عبد اللّه بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمرى، الأندلسى، القرطبى، المالكى؛ (أبو عمر). محدث، حافظ، مؤرخ، عارف بالرجال و الأنساب، مقرئ، فقيه، نحوى. ولد بقرطبة فى رجب سنة 368 ه، و روى عن خلف ابن القاسم، و سعيد بن نصر، و عبد اللّه بن أسد، و غيرهم. و جال فى غرب الأندلس، و سكن دانية و بلنسية و شاطبة، و تولى قضاء الأشبون و سنترين، و توفى فى شاطبة فى شرق الأندلس سلخ ربيع الآخر سنة 463 ه. و من تصانيفه: «الاستيعاب فى معرفة الصحاب»، «تجريد التمهيد لما فى الموطا من المعانى و الأسانيد»، «جامع بيان العلم و فضله»، «القصد و الأمم فى التعريف بأصول أنساب العرب و العجم»، «الاكتفاء فى قراءة نافع و أبى عمرو».

معجم المؤلفين: 13/ 315.

(5) سقطت من (ج).

53

و اعترض بأن الذى صححه ابن عبد البر: ثلاثة آلاف و خمسمائة، «و هو الموافق لما ذكروه فى تحديد ما بين مكة و منى، و هى و مزدلفة، و هى و عرفة، و مكة و التنعيم، و المدينة و قباء، واحد بالأميال». انتهى.

و يردّ بأن الظاهر أنهم فى تلك المسافات قلدوا المحددين لها من غير اختبارها لبعدها عن ديارهم، على أن بعض المحددين اختلفوا فى ذلك و غيره اختلافا كثيرا؛ كما بيّنه فى حاشية إيضاح المصنف، و حينئذ فلا يعارض ذلك ما حددوه هنا و اختبروه. انتهى.

و الذى أفتى عليه السيد على السمهودى- رحمة اللّه عليه- ترجيح ما قاله ابن عبد البر فى الميل، و عليه فالمسافة إلى التنعيم من عتبة باب الشبيكة إلى الأعلام التى هناك: عشرة آلاف‏ (1) ذراع و ثمانمائة ذراع و اثنا عشرة ذراعا، فتزيد على الثلاثة الأميال بثلثمائة ذراع و اثنى عشر ذراعا. و من باب الشبيكة إلى باب المسجد المعروف بباب العمرة: ألف و ستمائة ذراع و ثمانية أذرع.

و التنعيم: هو الذى عنده المساجد المعروفة ب: مساجد عائشة (رضى اللّه تعالى عنها)؛ سمى بذلك لأن على يمينه جبلا يقال له: نعيم، و عن شماله جبل يقال له: ناعم، و الوادى: نعمان.

قال الفاكهى‏ (2): (زعم بعض) (3) المكيين أن الحزب الأدنى من الحرم هو الذى اعتمرت منه عائشة أم المؤمنين. و نقل ذلك عن ابن جريج‏ (4) و زعم بعضهم أن المسجد الأقصى على الأكمة (5) الحمراء.

____________

(1) فى (أ): عشرة أميال آلاف.

(2) سبقت الإشارة إليه.

(3) ما بين القوسين سقط من (أ).

(4) ابن جريج: هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموى، المكى (أبو الوليد، أبو خالد) محدث، حافظ، فقيه، مفسر، رومى الأصل. ولد بمكة سنة 80 ه، و قدم العراق، و حدّث بالبصرة و أكثروا عنه. و هو أول من صنف التصانيف فى العلم بمكة. قال الذهبى: كان ثبتا عالما، لكنه يدلس. توفى سنة 150 ه. من آثاره: «السنن»، «مناسك الحج»، «تفسير القرآن». معجم المؤلفين: 6/ 183، المعارف: 488، الأعلام:

4/ 160.

(5) الأكمة: التل، و الجمع أكم، و إكام، و آكام.

54

قال الشيخ الجد المحب الطبرى‏ (1): «و هو الأظهر؛ فإنه قد نقل بالتواتر عندهم: أن عبد اللّه بن الزبير (2) أحرم منها (3)، و الظاهر أنه لما أحرم من ذلك المكان اتباعا لذلك الأمر، و قد كان ذلك الموضع مندثرا، و لم يبق منه إلا أحجار بعضها فوق بعض، إلى أن جاء سيل فأظهر أنصابا مكتوبة بخط (4) قديم كان، ثم تاريخ بنائه سنة ثلثمائة، فبنى، و حفرت بئره و كانت قد انهدمت؛ و ذلك فى عام أربعة و أربعين و ستمائة، و تم البناء و حفرت البئر فى عام خمسة و أربعين». انتهى.

قلت: و الذى هناك الآن مسجد واحد معروف مشهور، يصلى فيه المحرمون ركعتى الإحرام. و المسافة من جهة اليمن من جدار باب المسجد المعروف بباب إبراهيم إلى علامة حد الحرم فى تلك الجهة: أربع و عشرون ألف ذراع و خمسمائة ذراع و تسعة أذرع- بتقديم التاء- و نحو نصف ذراع؛ فتزيد على سبعة أميال- بتقديم السين- تسعة أذرع و نحو نصف ذراع فقط.

و المسافة من جهة طريق العراق من عتبة باب المعلاة إلى العلمين اللذين هما

____________

(1) المحب الطبرى: هو أحمد بن عبد اللّه بن محمد بن أبى بكر بن محمد بن إبراهيم الطبرى، المكى، الشافعى، (محب الدين، أبو العباس، شيخ الحرم) فقيه، محدث مشارك فى بعض العلوم. ولد بمكة سنة 615 ه على أصح الآراء، و توفى بها فى جمادى الآخرة سنة 694 ه. سمع من جماعة و تفقه، درّس، و أفتى، و صنّف. و من تصانيفه:

«الرياض النضرة فى فضائل العشرة»، «غاية الإحكام لأحاديث الأحكام»، «شرح التنبيه للشيرازى»، «السمط الثمين فى مناقب أمهات المؤمنين»، «تقريب المرام فى غريب القاسم ابن سلام» فى غريب الحديث. معجم المؤلفين: 1/ 298، الأعلام: 5/ 324، طبقات الشافعية: 5/ 8، طبقات الحفاظ: 510.

(2) عبد اللّه بن الزبير: هو عبد اللّه بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسيد بن عبد العزى، كان يكنى: أبا بكر، و أبا خبيب، ولد بعد الهجرة، و هو أول مولود ولد بالمدينة فى الإسلام. بنى الكعبة و جعل لها بابين، و طلب الخلافة فظفر بالعراق و مصر و اليمن و الحجاز، فمكث كذلك تسع سنين، فصار إليه الحجاج بن يوسف الثقفى فحاصره بمكة، ثم أصابته رمية فمات منها، فقتل فى سنة 63 ه، و هو ابن ثلاث و ستين سنة، و صلب حيث أصيب. المعارف: 224، 225، صفة الصفوة: 322.

(3) غير واضحة فى (أ).

(4) غير واضحة فى (أ).