تاريخ ميورقة

- أبو المطرف أحمد بن عميرة المخزومي المزيد...
158 /
3

التقديم‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

من المعروف أن المخطوطات الإسلامية ببلاد الغرب الإسلامي قد ابتليت خلال تاريخها الطويل بآفة الضياع، و ذلك بسبب المحن العديدة التي ألمت بها، فقد أنتج أهل العلم بهذه البلاد عددا ضخما من التآليف المختلفة يصعب حصرها، إلا أن أغلبها قد ضاع أو صار في حكم المفقود، و لكن الأمل يبقى قائما في العثور على بعضها سيما في خزائن المخطوطات التي لم تفهرس بعد. و من المخطوطات التي حفظتها لنا خزانة آل بلّعمش هذا الأثر النفيس و النص الهام الذي أقدّمه للمهتمين بتراث الغرب الإسلامي و هو تاريخ ميورقة لابن عميرة المخزومي.

أولا: مؤلف الكتاب‏

لم يكن مؤلف هذا الكتاب نكرة في عصره، و لا رجلا مغمورا طاله النسيان، بل كان فقيها ذائع الصيت، أديبا طائر الذكر، معروفا لدى القاصي والداني. فهو أبو المطرّف أحمد بن عبد اللّه بن محمد بن الحسين بن عميرة المخزومي‏ (1)، الذي عاش بين سنتي 582- 658 ه/ 1186- 1260 م، أي ستة

____________

(1) ليس الهدف من هذه النبذة بسط القول عن حياة أبي المطرّف، و لكنني أقتصر على أهم ما لا بد منه، حسبما جرى به العمل عند جمهور الباحثين و المحققين في التعريف بمؤلف المخطوط.

و أحيل القارئ الكريم إلى الدراسة الوافية التي تناول فيها الدكتور محمد بن شريفة حياة ابن عميرة بالتفصيل و المصادر التي اعتمدها في بحثه، و قد نشرها المركز الجامعي للبحث العلمي بالمغرب سنة 1966 م.

4

و سبعين سنة هجرية (أربعة و سبعين سنة ميلادية). و يعتبر العصر الذي عاش فيه ابن عميرة من أحفل العصور بالأحداث التاريخية في الغرب الإسلامي عامة و الأندلس خاصة، و هي أحداث احتك و تأثر بها و شارك في صنعها.

و قد أجمع مترجموه على تحليته بالنسب المخزومي و منهم معاصره و ابن بلده ابن الأبّار حيث يقول:" و كان بجزيرة شقر بنو عميرة المخزوميون بيت شيخنا القاضي الكاتب أبي المطرف أبقاه اللّه" (1). و كانت ولادته في شهر رمضان بجزيرة شقر القريبة من شاطبة، بينها و بين بلنسية ثمانية عشر ميلا شرق الأندلس، و هي الجزيرة التي تحدث عنها الجغرافيون و المؤرخون الأندلسيون و غيرهم بكل إعجاب لجمال موقعها و سحر طبيعتها.

و أتيحت لابن عميرة الفرصة في هذا العمر الطويل ليصيب من العلم أوفر نصيب سمح به زمانه، و يمكن التمييز في حياته الدراسية بين ثلاث مراحل: الأولى تتميز بالإقبال على الثقافة الدينية بوجه عام، و الثانية تبرز فيها العناية بالثقافة العلمية العقلية، و الأخيرة يظهر فيها الجنوح نحو الثقافة الأدبية، و هو ما أجمله ابن عبد الملك في النص التالي:" و كان في بداية طلبه للعلم شديد العناية بشأن الرواية فأكثر من سماع الحديث و أخذه عن مشايخ أهله، ثم تفنن في العلوم و نظر في المعقولات و أصول الفقه، و مال إلى الآداب و برع فيها" (2).

و من شيوخه الأندلسيين الذين أخذ عنهم و تتلمذ لهم، الشيخ أبو الرّبيع سليمان بن موسى الكلاعي (565- 624 ه)، و هو من أكبر أساتذته‏

____________

(1) ابن الأبّار، المعجم في أصحاب القاضي الإمام أبي علي الصدفي، القاهرة: دار الكتاب العربي للطباعة و النشر، 1967، ص 168.

(2) ابن عبد الملك المراكشي أبو عبد اللّه محمد، الذيل و التكملة، تحقيق إحسان عباس، بيروت: دار الثقافة، 1973، ج 1، ص 152.

5

و أبعدهم أثرا في حياته، و الشيخ أبو الخطاب أحمد بن محمد بن واجب القيسي (537- 614 ه)، و الأستاذ أبو عبد اللّه محمد بن أيوب السرقسطي (530- 608 ه)، و الأستاذ ابن حوط اللّه الأنصاري (552- 621 ه)، و الشيخ أبو علي بن الشلوبين، و الشيخ ابن عات و غيرهم، و أجازه من المشارقة أبو الفتوح الحصري.

بعد أن فرغ ابن عميرة من حياة الدّرس و التحصيل العلمي و انتهى من التنقل بين شقر و بلنسية و شاطبة و دانية و مرسية و غيرها بحثا عن الشيوخ، رجع إلى بلنسية بقصد الاستقرار و الحصول على وظيفة تناسب ثقافته و طموحه،" ذلك أن ابن عميرة كان منذ البداية يسعى وراء خطة الكتابة لما كانت توفره لصاحبها من الثراء و النفوذ و الجاه و السلطان، و للمكانة الرفيعة التي كان يحظى بها الكاتب في المجتمع الأندلسي" (1).

استهل ابن عميرة حياته الإدارية بالكتابة عن والي بلنسية السيد أبي عبد اللّه محمد بن أبي حفص عمر بن عبد المؤمن في سنة 608 ه، و في سنة 617 ه انتقل إلى إشبيلية و كتب عن واليها الموحدي السيد أبي العلاء الكبير.

و في سنة 620 ه عاد إلى بلنسية و تولى خطة الكتابة عند الوالي السيد أبي زيد عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه محمد بن أبي حفص عمر بن عبد المؤمن، و ظل متوليا لها حتى سنة 626 ه و هي السنة التي ثار فيها الرئيس أبو جميل زيان ابن سعد بن مردنيش الجذامي على الوالي الموحدي و افتك منه بلنسية، و قد احتفظ الأمير الجديد بابن عميرة كاتبا عنده حتى سنة 628 ه تاريخ انتقاله إلى جزيرة شقر حيث اشتغل مؤقتا بالكتابة عن واليها أبي عبد اللّه بن مردنيش.

و فيما بين سنة 630 و سنة 633 ه اشتغل بوظيفة القضاء في مدينة شاطبة،

____________

(1) ابن شريفة محمد، أبو المطرف أحمد بن عميرة المخزومي حياته و آثاره، الرباط: منشورات المركز الجامعي للبحث العلمي، 1966، ص 85.

6

و فيما بين سنة 633 و سنة 636 ه كاتبا في مرسية، و منها توجه إلى غرناطة آخر مرحلة في طريقه إلى العدوة المغربية حيث ينتهي الفصل الأول من حياة ابن عميرة الإدارية في الأندلس‏ (1).

غادر ابن عميرة الأندلس و عبر البحر إلى المغرب يحدوه الأمل في الحصول على عمل في بلاط بني عبد المؤمن بمراكش بعد أن فقده في بلاده التي اضطربت أحوالها و سقط الكثير من قواعدها في يد النصارى. و كان حلوله بمدينة سبتة في أول سنة 637 ه حيث أقام زمنا يسيرا عند و اليها صديقه الرئيس أبي علي الحسن بن خلاص البلنسي. و في السنة نفسها ورد على الخليفة الموحدي الرشيد أبي محمد عبد الواحد بن أبي العلاء إدريس المأمون (630- 640 ه) و صحبه حين قفوله من مدينة سلا إلى حضرة مراكش‏ (2).

و استكتبه الرشيد مدة يسيرة، ثم صرفه عن الكتابة و قلّده قضاء مدينة هيلانة شرق مراكش، و قد تأثر ابن عميرة بهذا العزل عن خطة الكتابة و شكا ذلك إلى أصدقائه في رسائله الإخوانية و قصائده الشعرية التي تفيض بالحزن و الأسى و ندب الحظ. و يبدو أنه عبّر عن تبرّمه بهذا الإقليم لدى بعض حاشية السلطان فتوسطوا لديه عنده حتى نقله سنة 639 ه إلى قضاء الرباط و سلا، و أقام يتولّاه إلى أن توفي الرشيد و خلفه أخوه الخليفة الموحدي العاشر أبو الحسن السعيد (640- 646 ه) فأقرّه عليه مدة ثم نقله إلى قضاء مدينة مكناسة الزيتون.

و لما بايع أهل مكناسة الأمير أبا زكرياء الحفصي، كان القاضي أبو

____________

(1) ابن شريفة محمد، المرجع السابق، ص ص: 85- 115.

(2) ابن عبد الملك المراكشي، المصدر السابق، ج 1، ص 156.

7

المطرّف هو الذي كتب نص البيعة في 20 ربيع الأول 643 ه، و حين قام إليهم الخليفة السعيد بحنق عظيم بادروا بطلب العفو و اعتذروا عما بدر منهم و بايعوه من جديد و كتب نص البيعة ابن عبدون في ذي الحجة من نفس السنة (1). و كان ما أقدم عليه ابن عميرة من أخطر المواقف في حياته و ذلك بإسهامه في محاولة فصل مكناسة عن دولة الموحدين التي كانت في طريقها إلى الانهيار. و لما قتل الخليفة الموحدي السعيد في صفر سنة 646 ه، اغتنم ابن عميرة تلك الظروف و غادر مكناسة قاصدا مدينة سبتة، و في طريقه إليها سلبت منه ثروته في فتنة بني مرين الذين بسطوا نفوذهم على المغرب الشرقي و كانت الدولة الموحدية في ذلك الوقت عرضة لهجماتهم. و قد كتب إلى الشيخ أبي الحسن الرعيني يعلمه بهذه الحادثة و أن ماله المنهوب قد بلغ أربعة آلاف دينار و كان ورقا و عينا و حليا (2).

كان ابن عميرة كثير التطلع إلى إفريقية معمور القلب بسكناها مذ فارق جزيرة الأندلس، لذلك و بعد أن أقام فترة قصيرة في سبتة عند و اليها الرئيس الأندلسي ابن خلاص الذي اشتغل بالكتابة عنه فيما يبدو، ركب البحر متوجها إلى إفريقية حيث ينتهي الفصل الثاني من حياته الإدارية في المغرب.

و وصل مدينة بجاية في شهر جمادى سنة 646 ه و دخل على صاحبها الأمير أبي يحيى ابن الأمير أبي زكرياء الحفصي و كان صاحبها لأبيه. و أقام ابن عميرة في بجاية حوالي سنتين يعلّم و يدرّس، و كان الطلبة أثناء ذلك يقرأون عليه تنقيحات السهروردي في أصول الفقه التي لم يكن يتعرض لإقرائها إلا

____________

(1) ابن عذاري المراكشي، البيان المغرب (قسم الموحدين)، تحقيق ابراهيم الكتاني و آخرون، الدار البيضاء: دار الثقافة، 1985، ص 373.

(2) ابن عبد الملك المراكشي، المصدر السابق، ج 1، ص 179.

8

من له ذهن ثاقب‏ (1).

و قد أجاز ابن عميرة خلال إقامته ببجاية بعض طلبتها، كما استجاز لنفسه و ولديه على سبيل التبرك بعض علمائها، و شارك في المجالس العلمية التي كانت تنعقد بمنزل صديقه ابن محرز البلنسي شيخ الجماعة الأندلسية يومئذ، و كان يحضرها أقطاب الأندلسيين و في مقدمتهم ابن الأبار و ابن الجنان و ابن سيد الناس و غيرهم. و لم يتوقف ابن عميرة عن نشاطه الأدبي في هذه المدينة حيث كاتب العديد من أصدقائه‏ (2).

انتقل ابن عميرة من بجاية إلى مدينة تونس حيث مال إلى صحبة الصالحين بها و الزهاد أهل الخير برهة من الزمان، ثم نزع عن ذلك‏ (3). و قد تغلبت عليه رغبته في خدمة الملوك فقنع بوظيفة القضاء في الأقاليم، فتقلده في الأربس و في قسنطينة ثم في قابس حيث طالت مدته. و استدعاه الأمير الحفصي المستنصر بالله محمد بن أبي زكرياء (647- 675 ه) و صار من خواص الحاضرين بمجلس حضرته و من فقهاء دولته. و استطاع ابن عميرة أن ينعم في هذه الفترة الأخيرة من عمره بالحياة السعيدة التي كان ينشدها في ظل الأمير الحفصي، سيما و أن تونس كانت تعيش يومئذ عصرها الذهبي من مختلف الوجوه. و ظل ابن عميرة بالمنزلة الرفيعة من الدولة الحفصية و المكانة العالية عند أهل العلم و الأدب إلى حين وفاته بتونس في 20 من شهر ذي الحجة سنة 658 ه (4).

____________

(1) الغبريني أبو العباس، عنوان الدراية، تحقيق رابح بونار، الجزائر: الشركة الوطنية للنشر و التوزيع، 1981، ص 253.

(2) ابن شريفة محمد، المرجع السابق، ص 149.

(3) ابن عبد الملك المراكشي، المصدر السابق، ج 1، ص 179.

(4) ابن عبد الملك المراكشي، المصدر السابق، ج 1، ص 180.

9

و في ختام هذا التقديم الموجز لحياة ابن عميرة يجدر بنا أن نورد بعض الشهادات في حقه، فهذا معاصره و ابن بلده ابن الأبار قد حلّاه بالعبارات التالية:" فائدة هذه المائة و الواحد يفي بالفئة، الذي اعترف بإجادته الجميع، و اتصف بالإبداع فماذا يتصف به البديع، و معاذ اللّه أن أحابيه بالتقديم، لما له من حق التعليم، كيف و سبقه الأشهر، و نطقه الياقوت و الجوهر، تحلت به الصحائف و المهارق، و ما تخلت عنه المغارب و المشارق، فحسبي أن أجهد في أوصافه، ثم أشهد بعدم إنصافه، هذا على تناول الخصوص و العموم لذكره، و تناول المنثور و المنظوم على شكره" (1).

و هو عند ابن عبد الملك:" علم الكتابة المشهور، و واحدها الذي عجزت عن ثانيه الدّهور، و لا سيما في مخاطبة الإخوان، هنالك استولى على أمد الإحسان، و له المطولات المنتخبة و القصار المقتضبة، و كان يملح كلامه نظما و نثرا بالإشارة إلى التاريخ و يودعه إلماعات بالمسائل العلمية منوعة المقصد ... و كان حسن الخلق و الخلق، جميل السعي للناس في أغراضهم، حسن المشاركة لهم في حوائجهم، متسرعا إلى بذل مجهوده فيما أمكن من قضائها بنفسه و جاهه" (2).

أما صاحب الإحاطة فقد قال في حقّه:" و على الجملة فذات أبي المطرف فيما ينزع إليه، ليست من ذوات الأمثال، فقد كان نسيج وحده إدراكا و تفننا، بصيرا بالعلوم، محدثا مكثرا، راوية ثبتا، سجرا في التاريخ و الأخبار، ديّانا مضطلعا بالأصلين، قائما على العربية و اللغة، كلامه كثير الحلاوة و الطلاوة، جمّ العيون غزير المعاني و المحاسن، وافد أرواح المعاني، شفاف‏

____________

(1) المقري أبو العباس أحمد، نفح الطيب، تحقيق إحسان عباس. بيروت: دار صادر، 1968، ج 1، ص 315.

(2) ابن عبد الملك المراكشي، المصدر السابق، ج 1، ص 152 و ص 179.

10

اللّفظ حرّ المعنى، ثاني بديع الزمان في شكوى الحرفة و سوء الحظ و رونق الكلام و لطف المأخذ، و تبريز النثر على النظم و القصور في السلطانيات" (1).

و جاء عنه في عنوان الدراية أنه:" الشيخ الفقيه، المجيد المجتهد، العالم الجليل الفاضل، المتقن المتفنن، أعلم العلماء، و تاج الأدباء، له أدب هو فيه فريد دهره، و سابق أهل عصره، وفاق الناس بلاغة، و أربى على من قبله" (2).

و قال فيه بعض علماء المغرب:" هو قدوة البلغاء، و عمدة العلماء، و صدر الجلة الفضلاء، و نكتة البلاغة التي قد أحرزها و أودعها، و شمسها التي أخفت ثواقب كواكبها حين أبدعها مبدع البدائع و التي لم يخض بها قبله إنسان، و لا ينطق عن تلاوتها لسان، إذ كان ينطق عن قريحة صحيحة، و روية بدرر العلم الفصيحة، ذللت له صعب الكلام، و صدقت رؤياه حين وضع سيد المرسلين في يديه الأقلام" (3).

تلك هي أبرز معالم سيرة أبي المطرف المخزومي الذي عاش حياة إدارية و علمية حافلة بالأعمال و زاخرة بالأحداث، حيث تقلّد مناصب سامية في دول مختلفة، و تنقل خلالها في كثير من بلدان الأندلس و المغرب و إفريقية، و عاصر أحداثا سياسية كبرى. و لكنها كانت حياة مضطربة متقلبة و هي ظاهرة عامة اتسمت بها حياته في كل أطوارها، شأنه في ذلك شأن الكثيرين من أبناء عصره و وطنه. و يبقى ذلك الأديب الطائر الذكر، المولع بالتاريخ و الأدب معروفا لدى القاصي والداني بأناقة أسلوبه المزخرف و غزارة لغته.

____________

(1) ابن الخطيب لسان الدين، الإحاطة في أخبار غرناطة. تقديم يوسف علي طويل. بيروت: دار الكتب العلمية، 2002، ج 1، ص 63.

(2) الغبريني، المصدر السابق، ص 250.

(3) المقري، نفح الطيب، ج 1، ص 313.

11

ثانيا: مؤلفات ابن عميرة

اشتهر ابن عميرة بثقافته الواسعة و المتنوعة، فقد كان كما وصفه صاحب تاريخ آداب العرب، خزانة من خزائن العلوم‏ (1)، و قد رأينا فيما سبق بعض الشهادات في حقه التي تثبت هذا الرأي. و كان متفننا في منقول و معقول تلك العلوم، مدققا في أصولها و فروعها محدثا مكثرا، راوية ثبتا، متبحرا في التاريخ و الأخبار، مضطلعا بالأصلين، قائما على العربية و اللغة، بارعا في الأدب و فنونه، مولعا بعلوم الفلسفة و المنطق و الفلك و الطب.

و كانت هذه الثقافة الدينية و العلمية العقلية و الأدبية الواسعة نتيجة حياة طلب و تحصيل طويلة، ناهيك عن تقلده المناصب السامية التي مكنته من استنساخ النوادر و دراستها، و اهتمامه بقراءة الجديد من إنتاج معاصريه المشارقة و المغاربة، فجاء إنتاجه العلمي ثمرة لتلك الثقافة التي ألّف في حقولها المعرفية مجموعة من التآليف و هي:

1- الرسائل: انتهت إلى ابن عميرة رئاسة صناعة الكتابة و الترسّل في عصره، و شهد له بالإمامة فيها فحول الكتّاب و المترسلين من معاصريه و من جاء بعدهم، فقد وصفه ابن سعيد بقوله:" هو الآن عظيم الأندلس في الكتابة و في فنون من العلوم" (2). و قد أنتج عددا هائلا من الرسائل الديوانية و الإخوانية، ساعدته في ذلك موهبته البلاغية و مقدرته الكتابية، إلى جانب اتخاذ الترسل حرفة، و شغله خطة الكتابة أكثر أوقات حياته لدى الكثير من الأمراء و الخلفاء. و كانت ظروف عمله من أكثرها استدعاء للمكاتبات‏

____________

(1) مصطفى صادق الرافعي، تاريخ آداب العرب. بيروت: دار الكتاب العربي، 1974، ج 3، ص 322.

(2) ابن سعيد المغربي، المغرب في حلى المغرب، تحقيق شوقي ضيف، القاهرة: دار المعارف، 1964، ج 2، ص 363.

12

و المراسلات بحكم ما ساد ذلك العصر من فتن و اضطرابات‏ (1).

و يبدو أن ابن عميرة لم يكن يهتم بجمع رسائله و تدوينها، رغم كثرة المعجبين بها و الراغبين فيها من أبناء عصره، و لعل ذلك كان بسبب نظرته المتواضعة إلى هذه الرسائل التي لم تكن تستحق التدوين و الطلب كما عبّر عن ذلك في بعضها، و إنما جمعها غيره من تلاميذه و من أتى بعدهم. و من هؤلاء صديقه الأديب البلنسي أبو جعفر العقيلي (ت 664 ه) الذي لازم ابن عميرة في إفريقية و جمع مجموعة من تلك الرسائل التي آلت إلى ابن عبد الملك المراكشي، و هي التي نجدها متفرقة في كتابه الذيل و التكملة في تراجم مختلفة.

كما وردت مجموعة من هذه الرسائل في الجزء الثالث من مجموع زواهر الفكر و جواهر الفقر لابن المرابط الذي خصّصه لمعاصريه من كتاب و شعراء الاندلس في القرن السابع الهجري. كما نجد طائفة أخرى من رسائل ابن عميرة في عنوان الدراية للغبريني، و في رحلة التجاني، و بيان ابن عذاري، و الروض المعطار للحميري، و صبح الأعشى للقلقشندي و غير ذلك من المصادر. أما المحاولة الجادة لجمع هذه الرسائل فتلك التي قام بها أبو عبد اللّه محمد بن هانئ السبتي (ت 733 ه) الذي دوّنها و رتبها في كتاب من سفرين و سمّاه:" بغية المستطرف و غنية المتطرف من كلام إمام الكتابة ابن عميرة أبي المطرّف" (2). و توجد منه نسختان مخطوطتان في الخزانة العامة بالرباط تحت رقم 232 ك و رقم 233 ك، و لدينا نسخة مصورة عن النسخة الأصلية الموجودة بزاوية تندوف.

____________

(1) ابن شريفة محمد، المرجع السابق، ص 254.

(2) ابن الخطيب، الإحاطة في أخبار غرناطة، ج 1، ص 65.

13

2- كتاب التنبيهات على ما في التبيان من التمويهات: و هو كتاب ألّفه في الردّ على" كتاب التبيان في علم البيان المطلع على إعجاز القرآن" من تأليف أحد معاصريه المشارقة و هو أبو محمد عبد الواحد بن عبد الكريم الزملكاني من أعلام البلاغة في القرن السابع الهجري و صاحب علم المعاني و البيان، و قد انتهى من تأليفه في شهر رمضان سنة 637 ه، و يعتبر كتاب التبيان من المصادر المعروفة في علم البلاغة إذ وجد طريقه إلى الغرب الإسلامي بزمن يسير بعد تأليفه، فانبرى ابن عميرة للردّ عليه.

و كتاب التنبيهات مخطوط يقع في 69 ورقة و هو مكتوب بخط مغربي و توجد نسخة منه بمكتبة الأسكوريال تحت رقم 967، و يبدو أنه كان بخزانة السعديين التي آل كثير من مجلداتها إلى خزانة الأسكوريال بعد حادثة القرصنة المعروفة. كما توجد نسخة أخرى منه بالخزانة العامة بالرباط و عليهما اعتمد الدكتور محمد بن شريفة في تحقيق هذا الكتاب و التقديم له، و تم طبعه بمطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء سنة 1991. و قد ألّفه ابن عميرة أثناء إقامته بتونس، و سلك فيه طريقة عرض كلام صاحب التبيان ملخصا ثم يردفه بالتعقيب و المناقشة التي انصبت على الجزئيات، و الكتاب لا يخلو من آرائه البلاغية مما يؤكد تنوع ثقافته وسعة اطلاعه.

3- تعقيب على كتاب المعالم للفخر الرّازي: و هو من مؤلفات ابن عميرة المفقودة اليوم، و قد ورد العنوان عند بعض الذين ترجموا له بصيغ مختلفة و لكنها ألفاظ متقاربة. فابن عبد الملك و ابن الخطيب يستعملان كلمة" تعقيب"، بينما يصفه ابن فرحون‏ (1) بأنه" ردّ"، أما الغبريني الذي جعله" تعليقا" فقد اطلع عليه و قال عنه:" و قد رأيت له تعليقا على كتاب المعالم في أصول‏

____________

(1) ابن فرحون المالكي، الديباج المذهب، تحقيق محمد الأحمدي أبو النور، القاهرة: دار التراث، 1972، ج 1، ص 207.

14

الفقه لا بأس به، و هو جواب لسؤال سائل، و هو مكمّل لعشرة أبواب حسبما سأل السائل" (1). و يدل هذا الكتاب على ولع ابن عميرة بالردّ على أعلام المشارقة من معاصريه، كما يؤكد إلمامه بالعلوم العقلية و الجدلية و تضلّعه فيها.

و كتاب المعالم الذي عقّب عليه ابن عميرة هو من تأليف الإمام فخر الدين محمد بن عمر الرّازي (ت 606 ه) صاحب التآليف العديدة في علم الكلام و الأصول و غيرهما، و كان إمام الدنيا في عصره كما يقول ابن الأثير (2).

و تمثل مؤلفاته مدرسة جديدة في الكلام و الأصول اتسمت بطرقها المقفلة و قوانينها المغلقة و تقسيماتها الكثيرة، و هي تختلف عن طريقة الأقدمين في الأصلين طريقة الغزالي و الجويني التي كان ينتمي إليها ابن عميرة فيما يبدو، سيما و أنه كان كثير العناية بكتاب المستصفى للغزالي.

4- اقتضاب من تاريخ المريدين: و هو ثاني كتاب في التاريخ ألّفه ابن عميرة بالإضافة إلى تاريخ ميورقة، و يعتبر من المؤلفات المفقودة اليوم. و قد ورد هذا العنوان عند ابن عبد الملك في الذيل‏ (3) و عند ابن الخطيب في الإحاطة (4)، أما المقري فقد ذكره في النفح قائلا:" و له اختصار نبيل من تاريخ ابن صاحب الصلاة" (5). و لسنا نعلم هل اطّلع المقري على هذا الكتاب كما اطلع على تاريخ ميورقة و نقل عنه أم لا، كما أننا نجهل الدافع الذي جعل ابن عميرة يقدم على اختصار تاريخ المريدين.

____________

(1) الغبريني، المصدر السابق، ص 253.

(2) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، بيروت: دار الكتاب العربي، 1983، ج 9، ص 302.

(3) ابن عبد الملك المراكشي، المصدر السابق، ج 1، ص 177.

(4) ابن الخطيب، الإحاطة، ج 1، ص 65.

(5) المقري، نفح الطيب، ج 1، ص 314.

15

أما الأصل المختصر فهو من تأليف أبي مروان عبد الملك بن محمد ابن أحمد الباجي المشهور بابن صاحب الصلاة (ت 577 ه) الذي ألّف كتابين في التاريخ: أولهما كتاب ثورة المريدين الذي اختصره ابن عميرة، و الثاني كتاب تاريخ المن بالإمامة الذي حقق السفر الثاني منه عبد الهادي التازي و نشرته دار الغرب الإسلامي، و هو الجزء الباقي من الكتاب. و قد أشار ابن صاحب الصلاة في هذا الجزء من المن إلى كتابه تاريخ المريدين في سبعة مواطن، في ستة منها أورده بعنوان تاريخ المريدين، و في الموطن السابع و الأخير ذكره بعنوان ثورة المريدين‏ (1). و بهذه التسمية الأخيرة أشار إليه ابن الأبار و نقل عنه في الحلة السيراء (2). و سمّاه ابن سعيد" تأريخ الدولة اللمتونية" في تذييله على رسالة ابن حزم‏ (3).

يتناول كتاب ثورة المريدين تاريخ المرابطين و قيام المريدين عليهم في غرب الأندلس سنة 539 ه. و كلمة المريدين هي الاسم الذي عرفت به الطائفة الدينية التي تزعمها أبو القاسم أحمد بن الحسين بن قسي الذي ادعى المهدوية، و كان أول الثائرين على المرابطين بالأندلس في وقت رسمه لأتباعه من هذه السّنة القارضة ملك اللمتونيين كما يقول ابن الأبار (4)، و كان شعار المريدين التهليل و التكبير. فهذه المرحلة القلقة المضطربة من تاريخ الأندلس هي التي عالجها ابن صاحب الصلاة في هذا الكتاب، و يبدو أنه كان ينوي الاقتصار على ثورة المريدين ثم وسع آفاقه إلى تدوين تاريخ شامل للدولة الموحدية فكتب عنها تاريخ المن بالإمامة.

____________

(1) ابن صاحب الصلاة، المن بالإمامة، تحقيق عبد الهادي التازي، بيروت: دار الغرب الإسلامي، ط 3، 1987، الصفحات: 68- 91- 92- 129- 284- 303- 321.

(2) ابن الأبار، الحلة السّيراء، تحقيق حسين مؤنس، القاهرة: دار المعارف، 1985، ج 2، ص 208.

(3) المقري، نفح الطيب، ج 3، ص 181.

(4) ابن الأبار، الحلة السيراء، ج 2، ص 198.

16

5- تاريخ ميورقة: موضوع هذه الدراسة و لنا إليه رجعة.

6- المواعظ: لقد ألحّ الأندلسيون خلال عصر المؤلف في معارضة الكتابة في الزهديات و المواعظ المشرقية و السّير على منوالها، و منها رسالة ملقى السبيل لأبي العلاء المعرّي التي عارضها أبو القاسم السهيلي و سمى معارضته:" حلية النبيل في معارضة ملقى السبيل"، و أبو العباس الغمّاز و سمى كتابه:" مفاوضة القلب العليل على طريقة أبي العلاء المعري في ملقى السبيل" (1). و أبو القاسم القرطبي و أبو الربيع الكلاعي و غيرهم.

و كان صاحبنا ابن عميرة من المساهمين في هذا الفن، و قد أشار إلى مواعظه ابن عبد الملك في موضعين من ترجمته، جاء في الأول:" و له فصول وعظية على طريقة الإمام أبي الفرج بن الجوزي" (2)، و قال في الثاني:" و له مجالس وعظية كان يصنعها للواعظ الفاضل الصالح أبي محمد بن علي بن أبي خرص (رحمه الله)" (3). و قد ساق ابن عبد الملك في الذيل أمثلة من تلك الفصول و المجالس، كما توجد أمثلة منها أيضا في رسائله، و لا يعلم إذا كانت تلك المواعظ قد جمعت و دونت في كتاب على غرار ما فعل ابن هانئ في الرسائل.

7- مؤلفات أخرى: يستفاد من المصادر التي ترجمت للمؤلف و في مقدمتها ابن عبد الملك و ابن الخطيب، أنه ترك آثارا و مؤلفات أخرى و لكنها لم تذكر عناوينها. فقد جاء في الذيل في معرض الكلام عن مؤلفات ابن عميرة عبارة" إلى غير ذلك من التعاليق" (4)، و في الإحاطة" إلى غير ذلك من‏

____________

(1) العبدري أبو عبد اللّه، رحلة العبدري، تحقيق محمد الفاسي، الرباط، 1968، ص 241.

(2) ابن عبد الملك المراكشي، الذيل و التكملة، ج 1، ص 169.

(3) المصدر نفسه، ج 1، ص 170.

(4) ابن عبد الملك المراكشي، الذيل و التكملة، ج 1، ص 177.

17

التعاليق و المقالات" (1). و هي من مؤلفاته المفقودة اليوم.

ثالثا: عنوان الكتاب‏

وردت الإشارة إلى هذا الكتاب عند ابن عبد الملك في الذيل على النحو التالي:" و له تأليف في كائنة ميورقة و تغلّب الروم عليها" (2)، و العبارة نفسها ذكرها ابن القاضي في جذوة الاقتباس‏ (3)، و سمّاه ابن فرحون في الديباج بالتسمية نفسها (4). أما طبعة دار المعارف القاهرية القديمة لإحاطة ابن الخطيب فقد ورد فيها على أنه تأليف في كائنة المرية، و هي طبعة تم الاعتماد في نشرها على المخطوط المحفوظ في جامع الزيتونة بتونس الذي ذكرت فيه العبارة سهوا أو خطأ من الناسخ‏ (5). و لكن بقية نسخ الإحاطة المخطوطة و الطبعات الجديدة تتفق في تسمية الكتاب مع ما ذهبت إليه المصادر السابقة من أنه تأليف في كائنة ميورقة و تغلب الروم عليها (6).

و الظاهر أن بعض المتأخرين الذين اعتمدوا طبعة القاهرة للإحاطة في ترجماتهم لابن عميرة، قد وقعوا في الخطأ نفسه حين أشاروا إلى الكتاب على أنه تأليف في كائنة المرية، و من هؤلاء المؤرخ ابن زيدان في الإتحاف‏ (7)، و الزركلي في الأعلام‏ (8)، و عمر رضا كحالة في معجم المؤلفين‏

____________

(1) ابن الخطيب، الإحاطة، ج 1، ص 65.

(2) ابن عبد الملك المراكشي، المصدر السابق، ج 1، ص 176.

(3) ابن القاضي، جذوة الاقتباس. الرباط: دار المنصور للطباعة و الوراقة، 1973، ج 1، ص 146.

(4) ابن فرحون، الديباج، ج 1، ص 207.

(5) ابن شريفة محمد، المرجع السابق، ص 287.

(6) ابن الخطيب، الإحاطة، ج 1، ص 65.

(7) ابن زيدان عبد الرحمن، إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس. الدار البيضاء، ط 2، 1990، ج 1، ص 301.

(8) الزركلي خير الدين، الأعلام. بيروت: دار العلم للملايين، 1995، ج 1، ص 159.

18

و غيرهم. أما المستشرق الإسباني جنثالث بالنثيا الذي جعله كتابا في فضائل ميورقة و تاريخها، فقد عاد في الصفحة ذاتها ليؤكد التسمية نفسها الواردة عند ابن عبد الملك و غيره‏ (1).

أما المقري فقد أشار إلى الكتاب في موضعين من موسوعته نفح الطيب، حيث يتفق مع المصادر السابقة في التسمية نفسها، و لكنه ينفرد في الموضع الثاني عن هذه المصادر حين يشير إليه على أنه" تاريخ ميورقة" و ينقل عنه‏ (2)، و هذه التسمية هي الموجودة في النسخة المعتمدة في التحقيق.

و هذا ما يدفعنا إلى التساؤل فيما إذا كانت هذه التسمية أو التي سبقتها هي العنوان الحقيقي للكتاب، و أيّهما كانت من وضع المؤلف. يبدو أن عبارة" تأليف في كائنة ميورقة و تغلب الروم عليها" التي ذكرها ابن عبد الملك و نقلها من جاء بعده هي تعبير و وصف للعنوان أكثر مما هي عنوان، و إن كانت تعبّر عن المحتوى الحقيقي للكتاب الذي يتناول كائنة (حادثة) سقوط جزيرة ميورقة و ليس تاريخها بالمفهوم الشامل حسبما يوحي به العنوان الثاني و هو" تاريخ ميورقة" المثبت في النسخة المخطوطة و المشار إليه في نفح الطيب.

أما عن علاقة المؤلف بالعنوان فإنني أشك أن يكون ابن عميرة قد وضع اسما للكتاب آية ذلك العبارة الواردة في مقدمة الكتاب التي تقول:

" هذا ذكر من خبر ميورقة و تغلّب الروم عليها، من حين أدارت الروم أمرها، و أرادت أسرها، إلى أن محقت حقها، و ملكت رقها، و أخرجت الإيمان من قلبها، و زجرت أغربتها لفل غربها"، و هي فقرة طويلة لا تصلح أن تكون‏

____________

(1) آنخل جنثالث بالنثيا، تاريخ الفكر الأندلسي، ترجمة حسين مؤنس، القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 1955، ص 305.

(2) المقري، نفح الطيب، ج 1، ص 314، و ج 4، ص 469.

19

عنوانا للكتاب، و أن سياق الكلام فيها يوحي بأن المؤلف لم يكن يقصد بها تسمية الكتاب، سيما و أن مؤلّفي تلك العصور غالبا ما كانوا يضعون عناوين مسجوعة لمؤلفاتهم و يشيرون إلى ذلك في المقدمة.

و عليه فإنه من الأرجح أن يكون عنوان" تاريخ ميورقة" الوارد في النسخة المخطوطة من وضع الناسخ، و أن هذا العنوان هو الذي عرف به الكتاب و تداوله الناس، في عصر المقري (أواخر القرن السادس عشر و أوائل السابع عشر الميلاديين)، و قد أبقيت على العنوان نفسه و به أقدّم الكتاب للقارئ الكريم و إلى كل مهتم بتراث الفردوس المفقود.

رابعا: الباعث على تأليف الكتاب‏

ذكر المؤلف في مقدمة الكتاب أن الباعث على تأليفه كان بطلب من أحد إخوانه من أهل جزيرة ميورقة. و كان هذا الرجل الذي لم يذكر ابن عميرة اسمه من أثرياء الجزيرة و أغنيائها و أصحاب الجاه فيها أي كان متربا كما قال المؤلف، ثم عاد تربا أي فقيرا قليل المال في ديار الغربة بعد سقوط ميورقة في يد النصارى. و كما أهمل المؤلف ذكر اسم هذا المترب، بخل علينا أيضا بتحديد المدينة أو البلد الذي لجأ إليه و صار فيه تربا.

بعد أن سقطت ميورقة و قواعد و حصون شرق الأندلس الأخرى على يد مملكة أراجون، هاجر الكثير من أبناء هذه الجهات ممن رفضوا العيش تحت حكم النصارى إلى مدن و حواضر بلاد المغرب و إفريقية. فاستقرت تلك الجماعات الأندلسية اللاجئة في سبتة و رباط الفتح و بجاية و تونس و غيرها من المدن التي زارها ابن عميرة و اشتغل في بعضها فسنحت له الفرصة أن يختلط بتلك الجماعات و يخدمها بقلمه و جاهه. لأنّ النكبة التي حلّت بهؤلاء قد أفقدتهم دورهم و أملاكهم و حملتهم على ترك أوطانهم، مما

20

دفع ابن عميرة إلى بذل مجهود دائم من أجل إيوائهم و توطينهم في مهاجرهم و مساعدة بعضهم في الحصول على مناصب عمل. و من الخدمات الجليلة التي أدّاها إلى مواطنيه من أهل شرق الأندلس استصداره ظهيرا من الخليفة الموحدي الرشيد يقضي بإسكان هؤلاء في مدينة رباط الفتح، و قد تولى بنفسه كتابة هذا الظهير في شهر شعبان سنة 637 ه أثناء توليه الكتابة عن الخليفة المذكور (1). و يجمل ابن عبد الملك هذه الخصلة البارزة من شيمه قائلا:" و كان حسن الخلق و الخلق، جميل السعي للناس في أغراضهم حسن المشاركة لهم في حوائجهم، متسرعا إلى بذل مجهوده فيما أمكن من قضائها بنفسه و جاهه" (2).

يتبين مما سبق أن استقرار العناصر المهاجرة و اللاجئة من شرق الأندلس لم يكن مقتصرا على مكان أو مدينة واحدة من بلاد العدوة، و لكنها توزعت على مجموعة من تلك المدن، و أن خدمة ابن عميرة بقلمه و جاهه لم تقتصر على جماعة دون أخرى من هؤلاء. فقد كان كثير التوصيات و الشفاعات في حقهم، فتجده يستوصي إما بعالم شريف، أو بشاعر مدين، أو بعزيز قوم ذل، أو برجل فقد ثروته و ماله، أو بمن نبا به الوطن و أنحى عليه الزمن. و كان ممن خدمهم المؤلف هذا الرجل الميورقي الذي استجاب لرغبته في تدوين خبر سقوط جزيرة ميورقة. ففي أي بلد من بلدان المغرب و إفريقية كانت الاستجابة لهذه الرغبة؟ هذا ما سنعود إليه في العنصر الموالي.

خامسا: تاريخ تأليف الكتاب‏

لم يقتصر المؤلف على إهمال ذكر المكان الذي استجاب فيه لتأليف‏

____________

(1) ابن شريفة محمد، المرجع السابق، ص 122.

(2) ابن عبد الملك المراكشي، المصدر السابق، ج 1، ص 179.

21

الكتاب، بل سكت عن تاريخ التأليف أيضا، و لم نجد من بين الذين ترجموا له من ملأ هذا الفراغ، لذلك فلسنا نعلم بالضبط متى ألّف ابن عميرة هذا الكتاب غير أننا متأكدون من أنه قد ألّفه خلال الفترة الممتدة ما بين سنة 627 ه تاريخ سقوط جزيرة ميورقة و سنة 658 ه تاريخ وفاته. و كما هو معلوم فإن هذه الحقبة الممتدة على ثلاثة عقود و هي المرحلة الأخيرة من حياة المؤلف، قد قضى العقد الأول منها (627- 637 ه) في شرق الأندلس متنقلا بين قواعده، و قضى العقد الثاني (637- 646 ه) في حواضر المغرب الأقصى، و أنهى العقد الأخير (646- 658 ه) في مدن إفريقية.

و إذا استثنينا الفترة التي قضاها المؤلف في شرق الأندلس على اعتبار أنها ليست بدار غربة بالنسبة للميورقي صاحب طلب التأليف، و إذا أخذنا في الحسبان عبارة المؤلف الواردة في مقدمة الكتاب التي تقول:" و أتيت بالأخبار عن ذلك الأمر الغريب، و أثبته في الزمن القريب"، فإنه من المحتمل أن يكون ابن عميرة قد وضع تأليفه في المغرب الأقصى و تحديدا أثناء توليه قضاء الرباط و سلا.

و مما يقوّي هذا الاحتمال أن الفترة التي قضاها المؤلف بالرباط كانت مليئة بالمكاتبات الإخوانية إلى أصدقائه في الأندلس و مراكش و سبتة، كما أشار هو نفسه إلى كثرة إنتاجه الأدبي في هذا العهد إذ يقول من رسالة بعث بها إلى ابن مفوز:" و الأشعار في هذا الوقت كثيرة، و الرسائل في كل فن شهيرة، و الوقت لا يسع تقييد ما أردت أن تقفوا عليه منها، و لعل ذلك يكون و الدار صقب، و المزار كتب". و قد بلغ من نشاطه الكتابي بالرباط أن استنفذ ما كان معه من ورق فكتب إلى صديقه ابن مفوز الشاطبي يرجوه أن يبعث إليه شيئا من هذا الورق المصنوع في شاطبة فيقول:" و الكاغد الذي وعدتم به بلغت منه حدّ الإفلاس، و تكفف من يضن به من الناس، فأحسنوا به العون،

22

و أمدّوا منه بما ترون" (1). تلك هي بعض العناصر الفرضية المتعلقة بمكان و تاريخ تأليف تاريخ ميورقة، فأرجو أن تكون صائبة أو يتاح لغيري تمحيصها.

سادسا: أسلوب الكتاب‏

يقول ابن عبد الملك في وصف تاريخ ميورقة:" إن أبا المطرّف نحا فيه منحى عماد الدين أبي عبد الله محمد بن محمد الأصبهاني في تأليفه الفتح القسي في الفتح القدسي" (2). و المعروف أن العماد الأصبهاني (519- 597 ه) (3)، كان في تاريخ الأدب أحد أركان و أعمدة الكتابة العربية البارزين و المسؤولين في الوقت نفسه عن قيود السجع و المحسنات البديعية التي قيدت النثر العربي بالتصنع عدة قرون، و له مؤلفات كثيرة في الأدب و التاريخ.

و قد أرّخ العماد في هذا الكتاب لفتوحات صلاح الدين الأيوبي ابتداء من حطّين و استرجاع بيت المقدس سنة 583 ه/ 1187 م حتى سنة 589 ه/ 1193 م تاريخ وفاة صلاح الدين، و الكتاب مطبوع عدة مرات أولها في ليدن سنة 1888 م.

و قد التزم العماد في الفتح القدسي أسلوب السجع و أكثر من المحسنات البديعية، و استطاع أن يروي أحداث التاريخ بهذا الأسلوب الذي تغلب عليه الزخرفة و التنميق. و ممن اعتمد على هذا الكتاب و نقل عنه المؤرخ و الفقيه المحدث أبو شامة شهاب الدين المقدسي (599- 665 ه) في كتابه الروضتين في أخبار الدولتين أي دولة نور الدين محمود بن زنكي و دولة صلاح الدين الأيوبي. و قد علق عليه في المقدمة قائلا:" و صنّف الإمام‏

____________

(1) ابن شريفة محمد، المرجع السابق، ص 128.

(2) ابن عبد الملك المراكشي، المصدر السابق، ج 1، ص 176.

(3) ابن خلكان، وفيات الأعيان، تحقيق إحسان عباس. بيروت: دار الثقافة، 1971، ج 5، ص 147- 153

23

العالم عماد الدين الكاتب أبو حامد الأصبهاني كتابين كلاهما مسجوع متقن بالألفاظ الفصيحة و المعاني الصحيحة، أحدهما الفتح القدسي و الثاني البرق الشامي، و هو فيهما طويل النفس في السجع و الوصف يمل الناظر فيه، و يذهل طالب معرفة الوقائع عما سبق من القول و ينسيه، فحذفت تلك الأسجاع إلا قليلا منها استحسنتها في مواضعها و لم تك خارجة عن الغرض المقصود من التعريف للحوادث و الوقائع" (1). هكذا استثقل المقدسي أسلوب العماد في كتابه و اعتبره مملا لمن يريد معرفة أحداث التاريخ و الاطلاع عليها، فاستطاع في مهارة بارعة أن يؤلف كتابه الروضتين الذي يتناول الفترة (540- 589 ه) بشكل متواز و ذلك عن طريق جمع مقتطفات حسنة الاختيار من مختلف المصادر المعاصرة في مقدمتها مؤلفات العماد.

و قد لقي كتاب الفتح القدسي إقبالا كبيرا ليس في الأوساط الأدبية المشرقية فحسب بل و في نظيرتها بالأندلس و المغرب أيضا. فقد اختصره ابن الأبار بكتاب سماه" الوشي القيسي في اختصار الفتح القسي" (2)، و شرحه أو اختصره في مجلد متوسط أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك ابن القطان (562- 628 ه) والد أبي محمد ابن القطان صاحب نظم الجمان، و أسماه" تقريب الفتح القسي" (3). أما صاحبنا ابن عميرة الذي كان مولعا بالرد على المشارقة من معاصريه و التعقب عليهم، فإنه لم يسلك ما سلكه ابن الأبار و ابن القطان في شرح الفتح القدسي و اختصاره و لكنه عارض هذا الكتاب على اختلاف في الموضوع، و لعله أراد أن يلفت الأنظار إلى شخصه بهذا التأليف، سيما و أنه قد ذكر الهدف من تأليفه حين قال في المقدمة:" و هو

____________

(1) المقدسي شهاب الدين، الروضتين في أخبار الدولتين. بيروت: دار الجيل، 1871، ج 1، ص 4.

(2) ابن عبد الملك المراكشي، المصدر السابق، ج 6، ص 258.

(3) ابن عبد الملك المراكشي، المصدر السابق، ج 8، القسم الأول، ص 167.

24

لأحد الرجلين متعلم لصياغة الكلام، و متألم من صناعة الأيام، هذا يتعوذ من سوء القدر، و ذاك يتعود صوغ الفقر و القوص على الدّرر، و قد يجتمع الأمران بواحد، فيحصل من الكلام على فائد، و من العلم بما جرى على شي‏ء زائد".

إن ابن عميرة و غيره من كتاب عصره يمثلون حلقة مهمة و مرحلة متميزة في سلسلة تطور النثر الفني في الأدب الأندلسي، و ينتمون إلى مدرسة لها طابعها الخاص، هي أشبه ما تكون بمدرسة القاضي الفاضل و العماد الأصبهاني المشرقية و الموازية لها تقريبا من الناحية الزمنية. ثم إن هذه المدرسة هي التي مهدت لظهور جيل من الكتاب عرفهم القرن الثامن الهجري فكانت قدوة مباشرة و نموذجا حيا لهم أمثال ابن الخطيب و الشريف الغرناطي و ابن شبرين و عبد المهيمن الحضرمي و غيرهم. و المعروف أن هذه المرحلة التي يمثلها ابن عميرة من مراحل النثر الأندلسي على عهد الموحدين قد اتسمت بالتكلف و الإسراف في الصنعة، و كانت المرحلة التي سبقتها على عهد ملوك الطوائف و المرابطين قد عرفت بصناعتها الدقيقة من سجع و جناس و طباق و غيرها من محسنات البديع و ألوان الزخرفة على نحو ما هو موجود في ذخيرة ابن بسام و قلائد و مطمح ابن خاقان.

و لا يختلف أسلوب ابن عميرة في كتاب تاريخ ميورقة عن أسلوبه في رسائله الديوانية و الإخوانية الضخمة التي اشتهر بها، و أن خصائص نثره هي الخصائص ذاتها التي عرفت في النثر الفني منذ القرن الرابع الهجري و ظلت تتطور و تتعقد بعد ذلك، و هي خصائص تقوم على السجع بألوانه، و الجناس بمختلف أشكاله، و ضروب المقابلة و الطباق مع متانة العبارة، و قوة البيان، و دقة الوصف. و من خصائص نثره أيضا الإكثار من التلميحات و الإشارات و التوريات و الاقتباسات و استعمال مختلف المصطلحات و الألفاظ الفقهية و المنطقية و غيرها من الألفاظ العلمية التي تتردد في كلامه. و كذلك توظيف‏

25

الأمثال العربية و الاستشهاد بها. و قد وضع ابن عميرة نظرية خاصة به في السجع أشار إليها في كتابه التنبيهات بقوله:" و قصر الأسجاع محتقر مخل، و طولها المتفاوت مرذول ممل، فتكون وسطا بين الإفراط و التفريط، و المساواة بينهما عدل لكن لا كل مساواة بحيث تخرج إلى الأوزان الشعرية" (1).

و على العموم فإن أثر ثقافة ابن عميرة الواسعة و المتنوعة في أسلوبه و كتابته الأدبية يبدو واضحا و المسحة العلمية عليه تظهر جلية، و هذا المعنى هو الذي نبّه إليه أحد المعجبين به و هو الغبريني حين قال:" و الناس يتداولون كتبه و يستحسنونه و يؤثرونه على كتب غيره و يفضلونه، و بالواجب علم اللّه أن يكون كذلك لسلوكه حسن منهجه الذي هو فيه أول سالك، و ما رأيت من الكتّاب ما أعجبني مثل كتب الفقيه أبي المطرف إلا كتب أبي جعفر بن عطية، و الكتّاب كثير، و كتب هذين الرجلين عندي مقدم على غيرهما، و الذي أوجب تقدم الفقيه أبي المطرّف في كتابته إنما هو أن الرجل من أهل العلم فكتابته علمية أدبية، و كتابة غيره مقتصرة على نوع من الأدب، و هذا المعنى هو الذي تميز به عمن عداه، و سبق به من سواه" (2).

سابعا: محتوى الكتاب‏

1. ميورقة قبل السقوط:

إن الكتاب لا يقدم لنا تاريخا شاملا و مفصلا لجزيرة ميورقة خلال عهودها الإسلامية المتعاقبة حسبما يوحي به العنوان، و لكنه يؤرخ للعهد الأخير منها (606- 628 ه/ 1209- 1230 م) و يعالج مرحلة السقوط النهائي‏

____________

(1) ابن شريفة محمد، المرجع السابق، ص 218.

(2) الغبريني، المصدر السابق، ص 251- 252.

26

لها على يد الإسبان مع التركيز على الأسباب و العوامل و أطوار السقوط، لذلك نجد في مصادر ترجمة المؤلف العبارة التالية:" و له تأليف في كائنة ميورقة و تغلب الروم عليها"، و الكائنة هي الحادثة، و هي عبارة بليغة تعبر عن المحتوى الحقيقي للكتاب، و قبل تحليل أحداث السقوط كما رواها المؤلف يجدر بنا أن نقدّم عرضا موجزا لتاريخ الجزيرة قبل أن تؤول إلى ما آلت إليه.

تقع ميورقة كبرى الجزائر الشرقية (جزر البليار) في البحر الزقاقي (المتوسط)، تسامتها من الجنوب مدينة بجاية في المغرب الأوسط، و من الشمال مدينة برشلونة في شرق الأندلس، و من الشرق إحدى جزيرتيها و هي منورقة، و غربيها جزيرة يابسة، و هي أم هاتين الجزيرتين و هما بنتاها، بينها و بين الأولى أربعون ميلا، و بينها و بين الثانية سبعون ميلا، و طولها من الغرب إلى الشرق سبعون ميلا، و عرضها من القبلة (الجنوب) إلى الجوف (الشمال) خمسون ميلا (1). و تبلغ مساحتها الإجمالية حوالي 3640 كم (2)، و عاصمتها مدينة ميورقة.

قام المسلمون بأول محاولة لغزو جزيرة ميورقة سنة 98 ه بقيادة عبد الله بن موسى بن نصير، و لم يستطيعوا بسط نفوذهم عليها في محاولات أخرى على عهد الدولة الأموية حتى سنة 290 ه/ 903 م تاريخ فتح الجزيرة بشكل نهائي و مستقر على يد عصام الخولاني زمن الأمير الأموي عبد الله بن محمد (275- 300 ه). و في ذلك يقول ابن خلدون:" كان فتح ميورقة سنة 290 ه على يد عصام الخولاني، و ذلك أنه خرج حاجا في سفينة اتخذها لنفسه، فعصفت بهم الريح فأرسوا بجزيرة ميورقة، و طال مقامهم هنالك، و اختبروا من أحوالهم ما أطمعهم في فتحها، فلما رجع بعد فرضه أخبر الأمير

____________

(1) الحميري محمد بن عبد المنعم، الروض المعطار في خبر الأقطار، تحقيق إحسان عباس. بيروت:

مكتبة لبنان، ط 2، 1984، ص 567.

27

بما رأى فيها، و كان من أهل الغناء عنده في مثلها، فبعث معه القطائع في البحر، و نفر الناس معه إلى الجهاد فحاصرها أياما، و فتحوها حصنا حصنا إلى أن كمل فتحها، و كتب عصام بالفتح إلى الأمير عبد الله فكتب له بولايتها فوليها عشر سنين" (1). ثم وليها بعد وفاته ابنه عبد الله حتى سنة 318 ه، و خلفه أحمد بن محمد بن إلياس، ثم تعاقب عليها موالي الأمويين حتى سنة 403 ه.

و في سنة 407 ه استبد بشؤونها مجاهد العامري أمير دانية و بكل الجزائر الشرقية، ثم خلفه عليها ابن أخيه عبد الله العامري سنة 413 ه، و في سنة 428 ه آل أمرها إلى الأغلب مولى مجاهد العامري و ظل على حكمها حتى سنة 458 ه، ثم خلفه عليها صهره سليمان بن مشكيان. و في سنة 463 ه تولى شؤونها عبد الله المرتضى أغلب، و في سنة 468 ه استقل بحكمها و بكل جزر البليار بعد سقوط مملكة دانية في يد المقتدر بن هود صاحب سرقسطة، و استمر على ولايتها حتى سنة 468 ه تاريخ وفاته، فتولى إمارتها الأمير مبشر ابن سليمان ناصر الدولة و ضبط شؤونها بحزم و كفاية إلى غاية سنة 509 ه (2).

و في هذا التاريخ تعرضت ميورقة للغزو النصراني الذي اتحدت فيه جمهوريتا بيزة و جنوة و إمارة برشلونة و هو أول غزو نصراني لها منذ فتحها (3).

و لكن سرعان ما استعادها المرابطون في أواخر السنة نفسها و عينوا عليها واليا جديدا من قبلهم، فأضحت بذلك الجزائر الشرقية جزءا من الدولة المرابطية الكبرى و دخلت في عهد جديد من تاريخها، سيما بعد تعيين محمد

____________

(1) ابن خلدون، كتاب العبر، بيروت: دار الكتب العلمية، ط 1، 1992، مج 4، ص 196.

(2) عصام سالم سيسالم، جزر الأندلس المنسية. بيروت: دار العلم للملايين، ط 1، 1984، ص 137 و ما بعدها.

(3) ابن الكردبوس، الاكتفاء في أخبار الخلفاء (قطعة تاريخ الأندلس)، تحقيق مختار العبادي، مدريد:

المعهد المصري للدراسات الإسلامية، 1971، ص 122 و ما بعدها.

28

ابن غانية المسوفي واليا عليها سنة 520 ه من قبل الأمير علي بن يوسف.

و استطال حكمه لتلك الجزائر زهاء ثلاثين عاما، أي إلى ما بعد سقوط المرابطين و زوال حكمهم نهائيا في المغرب و الأندلس سنة 543 ه. فعمل على توطيد سلطانه هناك و استقل بشؤونها و جعل منها ملجأ و مثوى للوافدين و الفارين من فلول المرابطين، كما اتخذ من جزر البليار حصنا منيعا لمواجهة الموحدين و الأساطيل الصليبية. و بعد وفاته سنة 550 ه خلفه على ولاية ميورقة و جزر البليار ابنه إسحاق بن محمد حتى سنة 580 ه، ثم وليها بعده ابنه الأمير علي بن إسحاق حتى سنة 600 ه تاريخ استيلاء الموحدين عليها.

و لكن هذا الأمير كان منشغلا خلال هذه الفترة بصراعه الدامي مع الموحدين في إفريقية، فأناب عنه في حكم ميورقة عمه الزبير ما بين 580- 584 ه، ثم أخاه عبد الله ما بين 584- 600 ه (1).

و كان الفتح الموحدي لجزيرة ميورقة ضربة شديدة لبني غانية، قضت نهائيا على سلطانهم في الجزائر الشرقية، و كان لهذا الفتح وقع عميق أيضا لدى الممالك النصرانية القريبة، سيما مملكة أراجون في شرق الأندلس، و هذا ما تشير إليه رسالة الفتح التي بعثها الخليفة الناصر من إنشاء كاتبه ابن عياش حين تقول:" و لأخذ ميورقة على صاحب أراغون و برشلونة أشدّ من رشق النبل، و أهول من وقع السّيف، و أوحش من القطع بحلول الممات" (2).

و كان أول الولاة الموحدين على ميورقة هو أبو محمد عبد الله بن طاع الله الكومي، ثم وليها السيد أبو زيد بن أبي يعقوب يوسف عم الخليفة الناصر،

____________

(1) عصام سيسالم، المرجع السابق، ص 268 و ما بعدها.

(2) ليفي بروفنسال، مجموع رسائل موحدية (الرسالة السادسة و الثلاثون)، باريس، 1942، ص 68.

29

فالسيد أبو عبد الله بن أبي حفص عمر بن عبد المؤمن‏ (1). و في سنة 606 ه وليها رابع و آخر الولاة الموحدين فهو الذي أخذها منه النصارى و به استهل ابن عميرة الحديث في الكتاب.

2. والي ميورقة أبي يحيى التنملّي:

فبعد الحمدلة و التصلية و ذكر الهدف من وضع الكتاب و الباعث على تأليفه، شرع المؤلف في الكلام عن والي ميورقة و جزر البليار، مشيرا إلى مكانته في الدولة الموحدية و نهوضه بأعبائها و تأخيره عن الوزارة، ثم تعيينه واليا على بلنسية فترة يسيرة، انتقل بعدها إلى ولاية ميورقة سنة 606 ه حيث استمرت ولايته أكثر من عشرين سنة. تلك هي إشارة المؤلف باقتضاب عن حياة هذا الوالي قبل توليه ميورقة، و هي تحتاج إلى مزيد من التوضيح اعتمادا على مصادر أخرى.

إن الاسم الكامل لهذا الوالي هو أبو يحيى محمد بن أبي الحسن علي ابن أبي عمران موسى التنملي، و كانت تربطه قرابة ببني عبد المؤمن، لأن الخليفة الموحدي الأول عبد المؤمن بن علي أيام كان بتينملّل رفقة المهدي ابن تومرت تزوج امرأة حرّة اسمها زينب و هي بنت أبي عمران موسى الضرير جد الوالي المذكور، و كان موسى الضرير هذا من شيوخ تينملّل و أعيانهم من ضيعة يقال لها أنسا. و كان عبد المؤمن يستخلفه على مراكش إذا خرج عنها، و كانت مصاهرته إياه برأي ابن تومرت. و قد خلف موسى الضرير من الولد الذكور ثلاثة هم إبراهيم و محمد و علي والد والي ميورقة، و بنات منهن زينب المذكورة التي أنجبت للخليفة عبد المؤمن ولدين و هما أبو يعقوب يوسف الخليفة من بعده و أخوه أبو حفص عمر و كانا من نبهاء أولاده و نجبائهم‏

____________

(1) ابن خلدون، كتاب العبر، مج 6، ص 292.

30

و ذوي الرأي و الغناء منهم‏ (1).

و في عهد الخليفة الموحدي الرابع أبي عبد اللّه محمد الناصر (595- 610 ه) تولى أبو يحيى التنملي الوزارة بعد كل من أبي زيد عبد الرحمن بن يوجان، و أخي الخليفة الناصر إبراهيم بن يعقوب المنصور. و في ذلك يقول صاحب المعجب:" ثم عزل أبو عبد الله الناصر أخاه إبراهيم و ولى بعده أبا عبد الله محمد بن علي بن أبي عمران الضرير جد يوسف بن عبد المؤمن لأمه، و كناه أبا يحيى. فكان هذا الوزير من أحسن الوزراء سيرة و سريرة، و كان يحضه على فعل الخير بجهده، و نشر العدل حسب طاقته، و الإحسان إلى الرعية و الأجناد، رأى الناس في أيام وزارته من الخصب وسعة الأرزاق و كثرة العطاء مثل الذي رأوا في أيام أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن أو قريبا منه.

ثم عزله و ولى بعده أبا سعيد عثمان بن عبد الله بن إبراهيم بن جامع" (2).

يستفاد من نص المراكشي الذي يتحدث فيه عن أبي يحيى التنملي حديث العارف به أن كنيته الحقيقية كانت أبا عبد الله، و هو المشهور لمن كان اسمه محمد، و لكن الخليفة الناصر هو الذي أطلق عليه كنية أبي يحيى. كما شهد له المراكشي بحسن السيرة و العدل بين الناس و غيرها من الخلال التي يؤكدها ابن عميرة حين يتناول حكمه لجزيرة ميورقة. و لكن صاحب النص بخل علينا بذكر تاريخ تولية أبي يحيى منصب الوزارة و عزله عنه.

و هو التاريخ الذي أشار إليه ابن عذاري بقوله:" و في سنة 605 ه قدّم الناصر بعض الولاة على أعماله و أخر آخرين عن أشغاله، فأخّر أبا يحيى بن أبي الحسن بن أبي عمران عن الوزارة و ألزمه في داره، و قدّم للوزارة أبا سعيد

____________

(1) المراكشي عبد الواحد، المعجب في تلخيص أخبار المغرب، تقديم العريان و العلمي، الدار البيضاء: دار الكتب، 1978، ص 345.

(2) المراكشي عبد الواحد، المصدر السابق، ص 441.

31

ابن أبي إسحاق بن جامع، و بعد أيام من ترتيب ما رتب لخدمته و وزرائه جدّد نظره في أمور البلاد و ما يجب لها من التفقد بالصلاح و السداد ... فأنهض أبا يحيى إلى بلنسية وثقف أشغالها و أصلح أحوالها" (1).

كان الخليفة الناصر كثير التغيير و التبديل للولاة و رجال الدولة، عاكفا على معالجة الشؤون الإدارية و النظر في أعمال الولايات، و منها هذه الحركة التي أجراها سنة 605 ه و مسّت أبا يحيى التنملي حين أخّره عن الوزارة و ألزمه أن يبقى في داره، و لم تخبرنا المصادر عن سبب ذلك التأخير. و لكن بعد مدة يسيرة و في نفس السنة عيّن الخليفة الناصر أبا يحيى التنملي واليا على بلنسية، ثم نقله في السنة الموالية إلى ولاية ميورقة.

بقيت الإشارة إلى صفة ذميمة تتعلق بشخص الوالي أبي يحيى التنملي و هي صفة البخل، فعلى الرغم مما اشتهر به من عدل و حسن السيرة أيام تقلده منصب الوزارة، و كذلك خلال توليه جزر البليار مدة طويلة، إلا أنه لم يستطع التخلص من هذه الصفة و مفارقة هذه الشهوة التي لازمته حتى وفاته. و هذا ما أجمله ابن سعيد في العبارة التالية:" و كان بخيلا غير حسن التدبير سامحه الله" (2). و ذكرها ابن عميرة في أكثر من موضع من هذا الكتاب، فقد نعته بأنه كان منهوما لا يشبع من المال، و انه كان كثير الازدياد من الدنيا و حطامها و الانقياد من الأطماع في خطامها. و أن هذا المال الجمّ الذي جمعه لم يخرجه في وجه من وجوه البرّ و الإثم، مصداق ذلك الخطة التي عرضت عليه أثناء الحصار للدفاع عن المدينة فرفضها بدافع البخل و خشية الإنفاق.

____________

(1) ابن عذاري المراكشي، المصدر السابق، ص 253.

(2) ابن سعيد المغربي، المصدر السابق، ج 2، ص 467.

32

3. بوادر العدوان الصليبي على ميورقة:

و مما يؤسف له أن ابن عميرة قد قفز في حديثه عن جزيرة ميورقة من سنة 606 ه تاريخ تولية أبي يحيى التنملي عليها إلى سنة 623 ه تاريخ بداية التحرشات النصرانية على جزر البليار، فحرمنا بذلك من توضيح الأحداث الداخلية و تطوراتها التي عرفتها ميورقة خلال هذه الفترة، و اكتفى بالقول إن الجزيرة قد نعمت بالعدل في عهد أبي يحيى. و إذا كان المؤلف قد أهمل الكلام عن الفترة المشار إليها لأن هدفه من الكتاب كان التأريخ لسقوط الجزيرة، فإننا نضيف عاملا آخر و هو بقاء ميورقة و جزر البليار بمعزل عن مملكة قطلونية و أرغون بمأمن من عدوان أساطيلها خلال تلك الفترة التي كانت تعيش فيها هذه المملكة حربا أهلية بين المتنافسين على العرش بعد مقتل بيدرو الثاني سنة 610 ه/ 1213 م، فنعمت ميورقة بالأمن و لم تتعرض لأي خطر خارجي.

إن الحرب الأهلية التي نشبت في مملكة قطلونية و أرغون بعد مقتل ملكها بيدرو الثاني كانت بين ولده الوحيد خايمي الأول أو جاقمه كما يسميه ابن عميرة و بين عمّيه فرناندو و سانشو المطالبين بالعرش. كما أعلن الكثير من الأشراف استقلالهم و أخذوا يحاربون بعضهم بعضا و عمت الفوضى، و استطاع أنصار الملك خايمي أن ينتزعوه من وصيّه أستاذ الدّاوية، و كان قد بلغ التاسعة من عمره، و احتدم الصراع عندئذ بين حزب خايمي و بين خصومه.

و بعد أعوام من النزاع و الحروب استطاع الملك خايمي أن ينتصر على خصومه و ينتزع عرشه نهائيا سنة 624 ه/ 1227 م‏ (1). و أخذ الملك الشاب‏

____________

(1) أشباخ يوسف، تاريخ الأندلس في عهد المرابطين و الموحدين، ترجمة محمد عبد اللّه عنان،

33

منذ ذلك الوقت يتطلع إلى الاستيلاء على جزر البليار، و اقتطاع ما يمكن اقتطاعه من الأراضي الإسلامية في شرق الأندلس.

و في صائفة سنة 623 ه/ 1226 م ظهرت بوادر العدوان الصليبي على جزر البليار الموحدية، و ذلك أن والي ميورقة أبا يحيى التنملي لما احتاج للأخشاب لبناء سفن جديدة تحسبا للأخطار المحتملة، أرسل طريدة بحرية لجلب تلك الأخشاب من جزيرة يابسة بحراسة قطعة حربية، فعلم بعض التجار النصارى بالخبر و أرسلوا إلى أمير طرطوشة يعلمونه بذلك، فقام على الفور بإرسال حملة بحرية تمكنت من أسر الطريدة البحرية بحمولتها من الخشب. و نجا الغراب (القطعة الحربية) من قبضة النصارى و عاد إلى ميورقة فأخبر الوالي بما حدث، فثارت ثائرته و قام بردّ فعل سريع حيث جهّز حملة بحرية إلى شواطئ مملكة قطلونية و أرغون، و كانت نتيجة هذه الحملة الخاطفة الاستيلاء على بعض الأجفان الرومية و أسر رجل نصراني مشهور بالثروة و اليسار.

و في أواخر ذي الحجة من السنة المذكورة وصلت الأنباء إلى والي ميورقة أن مسطحا من برشلونة ظهر على جزيرة يابسة، و أن مركبا من طرطوشة انضم إليه، فجهّز حملة بحرية و اسند قيادتها لأحد بنيه و أمره بالتوجه لردّ العدو. و خرج أسطول ميورقة حتى نزل مرسى يابسة فوجد مركبا لأهل جنوة فأخذه و سار حتى أشرف على مسطح برشلونة فقاتله و ظهر عليه المسلمون و لكنه اهتبل فرصة انشغالهم عنه فأفلت من قبضتهم، فمالوا إلى مركب طرطوشة و استولوا على ما فيه، و كان فيه أربعة من أثرياء جنوة و من أهل الثروة و اليسار فيها. و عاد قائد الأسطول إلى ميورقة بعد هذه‏

____________

- القاهرة: مكتبة الخانجي، ط 2، 1996، ج 2، ص 165 و ما بعدها.

34

الحملة البحرية الناجحة و هو يظن أنه غالب الملوك، و لم يكن يدري أنه بعمله هذا قد فتح جبهة خطيرة مع النصارى.

4. الاستعداد للحرب:

يقول المؤلف إن نصارى مملكة قطلونية و أرغون قد ثارت ثائرتهم بعد هذه الاشتباكات البحرية الأولى مع المسلمين، فأخذوا يحرّضون ملكهم خايمي الأول على غزو جزر البليار، و يغيرون صدره على الإسلام و المسلمين، و يذكّرونه بما فعله بهم ابن غانية المرابطي. و لما رأى حماسهم الشديد، أراد أن يقيم الحجة على والي ميورقة فبعث إليه بأحد رجاله يطلب منه ردّ المركب و المال و الأسارى و يعرض عليه الصلح و الهدنة. و لكن الوالي ركب رأسه و استخف بما عرضه عليه الملك خايمي و تطاول عليه و عامله بكل صلف و احتقار. و عاد الرسول إلى ملكه فأخبره بما سمع و رأى و نقل إليه تهديدات الوالي الموحدي و تحدّيه للنصارى.

إن الملك خايمي الأول الذي كان قد نجح آنذاك في إخماد الحرب الأهلية التي عصفت بمملكته طيلة خمسة عشر عاما، قد وجد الظروف مواتية لخوض معركته الحاسمة ضد ميورقة، فالوالي المسلم قد رفض عروضه، و إن هذه الحرب سوف تشغل نبلاء مملكته عن المنازعات الداخلية، و ترضي في الوقت نفسه تجار قطلونية الذين كانوا يتطلعون دوما إلى توسيع نطاق تجارتهم و ضمان سلامة سفنهم المهددة من قبل أساطيل جزر البليار، لذلك عقد مجلسه النيابي في برشلونة في شهر صفر 626 ه/ 1229 م، و اقترح عليه القيام بحملة عسكرية ضد ميورقة، فوافق أعضاء المجلس بالإجماع على هذا الاقتراح و تحمسوا له.

و بعد حصوله على موافقة المجلس النيابي (الكورتيس) شرع الملك‏

35

خايمي في إعداد العدة، و يقول المؤلف بهذا الصدد أنه أمر جنوده بإحضار الدروع و الترسة و الجياد و الحراب العظيمة النصل و غيرها من لوازم الحرب و عتادها، كما أمر أهل سواحل قطلونية بإنشاء السفن اللازمة لذلك. فجمع من الفرسان ألفا و خمس مائة فارس، و من المشاة عشرين ألف راجل، و من رجال البحرية و عسكر الماء ستة عشر ألفا. و أمر أن تحشد هذه القوات في مرفأ مدينة سالو القريب من طركونة على ساحل قطلونية ابتداء من شهر جمادى الأولى 626 ه/ 1229 م استعدادا للإبحار باتجاه جزر البليار.

هذا و لم تكن هذه الاستعدادات على الجبهة النصرانية في مملكة قطلونية و أرغون بخافية على والي الجزائر الشرقية أبي يحيى التنملي، فقد كان على علم بذلك، و قام بدوره بالاستعداد لمواجهة هذا العدوان المرتقب، و شرع في شهر ربيع الأول سنة 626 ه في حشد قواته العسكرية، فجمع أكثر من ألفي فارس و من المشاة حوالي ثمانية عشر ألفا. و استدعى أهل البادية و أمرهم بنقل الأطعمة سريعا، و ضبط المراسي بالرجال، و بث العيون في كل مكان تحسبا لأي طارئ.

5. تصدع الجبهة الداخلية الميورقية عشية العدوان الصليبي:

بعد هذه الاستعدادات اللازمة للحرب و حشد القوات و دعم الأساطيل التي قام بها الطرفان الإسلامي و المسيحي، و في وقت كانت فيه الجبهة الداخلية في ميورقة أشد ما تكون إلى التماسك و توحيد الكلمة لمواجهة العدو، فإن العكس هو الذي حصل، إذ انقسمت هذه الجبهة و سادها الخلاف و ظهر طرفان متنازعان متخاصمان يتعلق الأمر بالوالي أبي يحيى التنملي و قومه من جهة و أجناد الأندلس من جهة أخرى. تلك هي صورة الوضع الداخلي في ميورقة عشية العدوان الصليبي عليها كما يقدمه لنا ابن عميرة و يجعله من أهم العوامل و أبرز الأسباب التي عجلت بسقوط الجزيرة.

36

يذكر المؤلف أن أكثر مدة الوالي أبي يحيى التنملي أثناء حكمه لميورقة و جزر البليار كانت نافعة و أمور رعيته مرعية و سياسته سديدة مرضية، إلى أن خلع قومه من الأندلس فأوى إليه طرداء منهم آواهم و تأثر لحالهم، فكان هؤلاء بدأة الشر الذي باض و فرّخ. فقد أشاروا عليه بالاحتراس و حملوه على إساءة الظن بالناس و طلبوا منه أن يمكّنهم من الجماعة الأندلسية من أهل ميورقة لينتقموا منهم ثأرا لما حل بهم في الأندلس من طرد و خلع. و ظلوا يغرونه بهم ظلما، و يغيرون صدره عليهم، و يدفعونه إلى أعمال الجور حتى أفسدوا أمره، فساءت الأحوال، و أطلت الفتنة برأسها، و انضم كل ذي حي إلى حيه، و أصبح كل طرف يتوجس خيفة من الطرف الآخر، إلى أن وصلت الأمور إلى حدّ التآمر و التصفية الجسدية كما سنبينه في حينه، بعد أن نوضح موضوع خلع قوم الوالي من الأندلس الذي أشار إليه المؤلف إشارة عابرة.

من المعلوم أنه في منتصف شهر صفر سنة 609 ه/ جويلية 1212 م قد حلت بالمسلمين في الأندلس نكبة مروّعة و هزيمة كبيرة في معركة العقاب على يد قوات الممالك الإسبانية المسيحية و حلفائها من أهل الصليب الذين حشدتهم البابوية. و كانت خسائرهم فادحة جدا، و هلك معظم الجيش الموحدي، و لم ينج الخليفة الموحدي الناصر مع عدد قليل من حرسه إلا بأعجوبة. و خلفت هذه الهزيمة في النفوس آثارا لا تمحى، و استقر في معظمها شعور بأن الأمر قد ضاع و لا سبيل إلى تلافيه. و في أيام المستنصر خامس الخلفاء الموحدين (610- 620 ه) تلاشت بقية الأمل في الموحدين، فقد نجم لهم بنو مرين و بدأوا معهم صراع المصير في المغرب، و كان عليهم أن يتجرعوا نفس الكأس التي جرّعوها للمرابطين من قبل‏ (1).

____________

(1) ابن الأبار، الحلة السيراء، ج 1، ص: 22.

37

و لم يعودوا بيتا متحدا تجمعه رابطة واحدة و لكنهم تحولوا إلى أمراء و أشياخ استأثر كل منهم بقاعدة من قواعد الملك الموحدي أو بوظيفة من وظائفه الرئيسية، و ظهرت آفة الصراع و التطاحن على عرش الخلافة الموحدية، و أصبح كل واحد منهم يمني نفسه به و يتمنى في ذات الوقت فساد الأمر على من تولاه. فبعد الخليفة المستنصر قام بالأمر أبو محمد عبد الواحد و لكن سرعان ما خرج عليه الخليفة العادل و بويع بالخلافة، ثم قام أبو العلى إدريس المأمون بالأندلس و خرج على أخيه العادل أيضا و كان ذلك ما بين (620- 624 ه).

إن انتثار الخلافة الموحدية و تصدع أركانها كان له أبلغ الأثر في العدوة الأندلسية التي أصبحت مكشوفة للعدو و لا يدفع عنها أحد. و أخذ ذلك الصراع الطويل بين الإسلام و النصرانية حول مصير الأندلس يتحدد بصورة حاسمة، إذ سار التقدم النصراني في ذلك الوقت ابتداء من العقد الثالث من القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي في ثلاث مناطق:

الأولى وجهتها غرب الأندلس و يسيطر على مصيرها ملك ليون ألفونسو التاسع، و الثانية وجهتها وسط الأندلس و يسيطر على مصيرها ملك قشتالة فرناندو الثالث بينما اختص ملك قطلونية و أراجون بمصير الوجهة الثالثة و هي شرق الأندلس. و رغم ما كان يسود هذه الممالك من خلاف و ما يقع بينها من حروب إلا أنها كانت تنبذ ذلك و تقف صفا واحدا إذا تعلق الأمر بحرب مع المسلمين.

و في تلك الآونة التي انشغل فيها البلاط الموحدي بالمغرب بخلافاته و حروبه الأهلية، و تخاذل السادة و الحكام الموحدون عن تأدية واجبهم الأول في شبه الجزيرة الأندلسية التي سرى إليها دبيب التفكك، و تطلعت اسبانيا النصرانية إلى السيطرة على ذلك التراث المنهار، اهتزت الأندلس لهذه‏

38

الأحداث و التطورات الخطيرة و اضطرمت فيها سلسلة جديدة من الثورات القومية على غرار ما حدث في أواخر العهد المرابطي، و رغم ما كان يسود هذه الثورات و الحركات من تنافس و خصام إلا أنها كانت تجمع بينها غاية تحرير الأندلس من الموحدين و التصدي للعدوان الصليبي.

و كان أهل شرق الأندلس، الذين اشتهروا بنزعتهم الانفصالية في تاريخ الأندلس منذ الخلافة الأموية، أول من جاهر بالخروج على الموحدين و الثورة ضدهم. فظهر بينهم زعيم من بيت عريق في الزعامة و الرياسة و هو الأمير أبو عبد الله محمد بن يوسف بن هود الجذامي سليل بني هود ملوك سرقسطة أيام الطوائف الأولى، و كان ظهوره في مدينة مرسية حيث اتخذها قاعدة لإمارته التي استمرت من سنة 625 ه إلى سنة 635 ه. و قد رأى فيه الأندلسيون يومئذ الرجل الذي كانوا ينتظرونه لجمع كلمتهم و الدفاع عن بيضتهم و مصداق ذلك شعر من مدحه من الشعراء كابن مرج الكحل و غيره.

و جاء عنه في أعمال الأعلام أنه" كان شجاعا، كريما حييّا وفيا، متوكّلا عليه، سليم الصدر، قليل المبالاة بالأمور، محدودا لم ينصر به جيش، و لا وفق له رأي لغلبة الخفة عليه و استعجاله الحركات و نشاطه إلى لقاء الأعداء من غير كمال و استعداد" (1). و لعل استخفاف ابن هود بالأمور و استعجاله في لقاء العدو هو الذي دفع ابن سعيد إلى الحكم عليه بأنه" كان عاميا جاهلا، مشؤوما على الأندلس، كأنما كان عقوبة لأهلها، فيه زويت محاسنها و طوي بساطها، و نثر سلكها" (2).

و يضيف ابن الخطيب أن ابن هود ملك مرسية و قرطبة و إشبيلية

____________

(1) ابن الخطيب لسان الدين، أعمال الأعلام، تحقيق ليفي بروفنسال. بيروت: دار المكشوف، 1956، ج 2، ص 278.

(2) ابن سعيد المغربي، المصدر السابق، ج 2، ص: 251.

39

و غرناطة و مالقة و المرية و غيرها، بحال اجتماع و افتراق، و انتزاء من أهلها عليه و شقاق. و تلقب بالألقاب السلطانية كأمير المسلمين و المتوكل على الله و معز الدين، و دعا للخلافة العباسية استرضاء للعامة، فبعث إليه الخليفة العباسي بالخلع و المراسيم و سماه مجاهد الدين‏ (1).

و كان ابن هود حين شعر بقوة جمعه و أتباعه في أول أمره زحف على مدينة مرسية و طرد أميرها الموحدي الذي كان يدّعيها لنفسه و هو السيد أبو العباس بن أبي عمران موسى بن يوسف بن عبد المؤمن و ذلك في شهر رجب سنة 625 ه/ 1228 م. و على إثر ذلك خرج إلى لقائه والي بلنسية السيد أبو زيد عبد الرحمن بن أبي عبد الله محمد بن أبي حفص بن عبد المؤمن فهزمه ابن هود و استولى على محلته و لكنه لم يحاول دخول بلنسية و عاد على مرسية. و لما ازدادت قوته و كثر أتباعه جدّ في محاربة الموحدين و أعلن أنه سوف يحرر الأندلس من سلطانهم.

هذا و قد أجمل ابن عذاري محاربة ابن هود للموحدين في الأندلس و مطاردته إياهم في النص التالي:" و أول من طاع لابن هود من بلاد الأندلس أهل مرسية فخرج إليه المأمون في سنة 625 ه كما تقدم فقابله و قاتله فوقعت الهزيمة على ابن هود، و بعد انصراف المأمون عنه إلى إشبيلية قام بدعوته ابن الرّميمي بمدينة المرية ثم طاعت له غرناطة و مالقة فضعف المأمون عن مصادمته لما كان قد أهمّه من أمر الموحدين بمراكش. فلما استقر المأمون بمراكش و اشتغل فيها بما اشتغل، اتقد نار الفتنة بالأندلس و اشتعل، و طاعت لابن هود أكثر بلادها و رؤسائها و أنجادها و خلعوا طاعة الموحدين عنها، و قتلوهم في كل بلد منه، و أجلوهم و استأصلوهم إلا من ستره الله منهم‏

____________

(1) ابن الخطيب، المصدر السابق، ص 277 و ما بعدها.

40

و أخفاه في ذلك الوقت عنهم". (1) هكذا كانت نهاية الموحدين في الأندلس على يد ابن هود و أمثاله من ثوار الأندلس من جهة و على يد النصارى من جهة أخرى.

و قد دفعت هذه الأحداث أغلب الموحدين إلى ترك الأندلس و الهجرة إلى العدوة المغربية، بينما فضل البعض منهم الارتداد عن دينه و الارتماء في أحضان النصارى كما فعل السيد عبد الله البيّاسي صاحب جيّان، و السيد أبو زيد صاحب بلنسية الذي لجأ إلى ملك أرغون. في حين لجأت مجموعة منهم إلى جزيرة ميورقة حيث آواها الوالي أبو يحيى التنملي و قرّبها، فكانت السبب في إثار الفتنة بين أهل الجزيرة و انقسام جبهتها الداخلية غداة العدوان النصراني عليها. هذا ما تقوله رواية ابن عميرة و يؤكده نص ابن المستوفي الذي يقول:" لما استولى ابن هود على الأندلس، خاف صاحب ميورقة أبو يحيى على ميورقة من أجنادها، و كانوا في الأندلس فقتل منهم خلقا و هرب من هرب إلى الجبال و الحصون و خلت المدينة من كثير من أهلها، فنزل عليها البرشنوني (خايمي الأول) و حاصرها في شوال 626 ه" (2).

و لما اشتد الخلاف بين طائفة الوالي و بين أجناد ميورقة الأندلسيين و خشي كل طرف على نفسه من غدر الطرف الآخر، اجتمع هؤلاء الأجناد إلى قائدهم، الذي بخل علينا ابن عميرة بذكر اسمه، و راحوا يحذرونه من الغوائل و يخوفونه أشد تخويف و يحرّضونه على التآمر ضد الوالي و التخلص منه. و رغم تردد القائد و رفض الفكرة في أول الأمر إلا أن الأجناد أقنعوه و أتوه على الأمر بدلائل فاستجاب لهم، و اتفقوا على المؤامرة و على أن يكون قتل الوالي في صلاة التراويح أي في شهر رمضان 626 ه/ أوت 1229 م.

____________

(1) ابن عذاري المصدر السابق، ص 288.

(2) ابن المستوفي، نباهة البلد الخامل بمن ورده من الأماثل، ج 1، ص: 430.

41

و لكن الوالي اكتشف خيوط المؤامرة فخشي القائد على نفسه وفرّ في عدد قليل من أصحابه إلى البادية مستجيرا، و لم يتمكن من الوصول إليها إذ أدركه قوم الوالي قريبا منها فقتلوه مع ذلك العدد القليل من أصحابه. ثم أمر أبو يحيى التنملي بالقبض على جماعة من أجناد ميورقة ممن اتهموا بالتآمر عليه فأودعوا السجن، ثم لم يلبثوا أن سلبت منهم الأموال و قطعت رؤوسهم.

و أثناء ذلك كانت أخبار العدو تزيد، فرأى الوالي أن يستطلع تلك الأخبار، فجهّز قطعة حربية و أرسلها للقيام بتلك المهمة، و لكن الرياح عصفت عليها و رمت بها إلى بنشكلّة إحدى ثغور شرق الأندلس، حيث وقعت في أيدي النصارى فأضرموا فيها النار. و في أثرها أرسل الوالي قطعة ثانية، و خرجت تستوضح الأنباء حتى انتهت إلى وادي كونة قرب ثغر بنشكلّة فأسرت من النصارى تسعة رهط و اقتادتهم إلى ميورقة فسئلوا عن استعدادات العدو فقالوا إنه قد تكامل للنهوض و إنّه على و شك الإبحار إلى الجزيرة. ثم عزز الوالي بقطعة ثالثة لاستجلاء الخبر، و لكن الريح رمت بها إلى جزيرة سردانية فأغارت في سهلها و أسرت خمسة من أهلها. و لما استنطقهم الوالي أخبره بعضهم أن أهل أرغون قد أجّلوا غزوهم لميورقة إلى فصل الربيع بدل الشتاء، فاستحسن هذه التوسعة و صدق هؤلاء الرهط، و أذّن في الناس أن العدو غير قادم و سمح لأهل البادية الذين كان قد استدعاهم من قبل بالعودة إلى مواطنهم و ترك المدينة. فكان ذلك غاية في القصور و سوء التدبير.

و لمّا خلا للوالي الجو، و رجع أهل البادية إلى منازلهم، و اطمأن إلى ما أخبره به أسرى سردانية، عاد إلى تأجيج الأحقاد ضد أجناد ميورقة و الانتقام منهم، فأمر صاحب شرطته أن يأتيه بأربعة من كبرائها فضرب أعناقهم و طرحهم بالعراء. و كان اثنان منهم ابني خالة و خالهما أبو حفص عمر ابن شيري الذي سيقود ذيول المقاومة الإسلامية في الجزيرة بعد سقوط

42

ميورقة. و أمام هذه التصرفات الحمقاء للوالي اضطر الكثير من وجوه المدينة و أعيانها إلى الفرار منها و اللجوء إلى البادية و الاجتماع بابن شيري خال القتيلين و إخباره بما نزل و تحريضه على طلب الثأر.

و لم يكتف أبو يحيى التنملي بتلك الأعمال الشنيعة التي ارتكبها في حق أجناد و أعيان ميورقة، في وقت كانت حاجة الجبهة الداخلية إلى التماسك و التلاحم شديدة و ماسّة لمواجهة العدو، بل أصبح يوم الجمعة منتصف شوال 626 ه و الناس من خوفه في أهوال، فأمر صاحب شرطته أن يأتيه بخمسين من أهل الوجاهة و النعمة، فانقض عليهم و أحضرهم بين يديه.

و بينما هؤلاء سكارى من الذعر، و عيونهم شاخصة و النوادب عليهم قائمة، و هم ينتظرون لحظة فراق الدنيا بقطع رؤوسهم، و إذا بفارس على هيئته النذير دخل على الوالي، و أخبره بأن أساطيل الملك خايمي صاحب قطلونية و أرغون قد أقبلت، و أنه عدّ فوق الأربعين من القلوع.

و قبل أن ينتهي من كلامه إذا بفارس آخر أقبل من الجهة الأخرى لجزيرة ميورقة فأخبر الوالي بأن أسطول العدو قد ظهر، و أنه عدّ فوق السبعين شراعا، و لما صحّ عنده الأمر سمح لهؤلاء المحتجزين عنده بالصفح و العفو و أعلمهم بخبر العدو و أمرهم بالتجهز، و خرجوا إلى دورهم كأنما قد نشروا من قبورهم. و في اليوم الموالي و هو يوم السبت جاء من أكد للوالي الخبر و أخبره أن أسطول العدو يتكون من مائة و خمسين قطعة حربية و أنه يقصد مرسى شنت بوصة (سانتا بونزا) الواقع إلى الجنوب الغربي من مدينة ميورقة بحوالي عشرة أميال (ستة عشر كلم).

6. الصدام المسلح و فرض الحصار على مدينة ميورقة:

و لما أيقن الوالي أن العدو أصبح قاب قوسين أو أدنى من المدينة

43

أخرج جماعة من أهلها لسدّ الثغور القريبة منها، و أسند قيادتها لبعض قومه الذين انهمكوا في اللهو و المعاقرة و أهملوا شأن العدو، و لم يأخذ بمشورة الجماعة حين نصحتهم بالرباط في مرسى شنت بوصة و حمايتها تحسبا لنزول العدو فيه، و ذهبوا إلى حدّ اتهامها بالخيانة. و في صباح يوم الإثنين 18 شوال 626 ه/ 10 سبتمبر 1229 م نزلت القوة الفرعية الصليبية في المرسى المذكور بقيادة نونيو سانشيز أمير روسيون و غيره، و قوامها حوالي خمسمائة فارس و عشرة آلاف راجل و كان يحمل رايتها البحّار القطلاني برناردو ريوديما.

و تقدمت إليها القوة الإسلامية فوقع أول صدام مسلح بين الطرفين استمر طيلة ذلك اليوم، و أفضى إلى انهزام المسلمين و انسحابهم من المعركة في المساء. فكانت هذه الهزيمة أول البلايا، و فاتحة الرزايا، و عنوان الشر النازل، و ابتداء المرض القاتل كما يقول المؤلف.

و في الوقت الذي كانت فيه معركة شنت بوصة على أشدّها، كان الملك خايمي الأول يقود القوة الرئيسية إلى بورتوبي الواقعة إلى الجنوب الغربي من مدينة ميورقة بحوالي خمسة كيلو مترات فنزل هناك في صباح يوم الثلاثاء 19 شوال أي بعد عودة فلول المسلمين المنهزمة في المعركة السالفة الذكر إلى مدينة ميورقة. و لما كانت التجربة الأولى في لقاء العدو قاسية، طلب أهل ميورقة من واليهم أن يتأنى قليلا، و لا يتسرع في خوض معركة أخرى قبل أن يعيد ترتيب الصفوف و يمحي آثار الهزيمة. و لكن الوالي ركب رأسه و تصلّب في مناجزة القوات الصليبية و مشى على غير نظام و لا ترتيب يقود قرابة ألفي فارس و أكثر من عشرين ألف راجل.

و قبل خوض المعركة الحاسمة أشار أهل الرأي على الوالي أبي يحيى التنملي بأن يبني أمر الحرب على رأس الجبلين الصغيرين المطلّين على‏

44

بورتوبي و هما مرج سرقسطة و مرج الملك‏ (1)، أو العقبة كما يسميها ابن عميرة، و لكن الوالي رفض هذا الرأي و أصرّ على النزول. و نشبت المعركة بين الجانبين في السفوح الغربية لتلك العقبة (الجبلين الصغيرين)، و دارت رحاها بكل شراسة و استبسل فيها الطرفان، و كان أمير طرطوشة من كبار المتحمسين لهذه المعركة فاستظهر لها بالعدة و القوة و أنذر أنه سوف يموت في جزيرة ميورقة و أنها ستكون من نصيب الصليب، و لم يكن المسلمون أقل حماسة من أعدائهم حيث أبدوا شجاعة كبيرة في القتال.

و بينما الحرب على أشدّها و ريح انتصار المسلمين فيها كادت أن تهبّ، إذا برجل من قوم الوالي جاء إليه و قال إن النصارى قد احتدم ثأرهم و إنهم يسعون للسيطرة على مرتفعات بورتوبي، التي كان الوالي قد رفض أن يبني عليها أمر الحرب حسب الخطة المعروضة عليه من قبل، و خوّفه من عاقبة احتلال العدو لتلك المرتفعات و ما يترتب عنها من انقلاب ميزان الحرب لغير صالحهم، فراطن قومه أن يصعدوا إليها و يستتروا بها. و لما شرعوا في الصعود إليها و الاعتصام بها ظن غالبية المسلمين أن الهزيمة قد حلّت بهم فولوا مدبرين وفرّ معظمهم إلى المدينة و لحقهم العدو، و تحول الانتصار إلى انكسار و الإقدام إلى إدبار. و لم يكن ذلك مردّه إلى قلّة عدد و عدّة المسلمين و لكن بسبب سوء تدبير الوالي و استعجاله و تصدع جبهته الداخلية.

و ارتحلت القوات الصليبية بعد معركة بورتوبي نحو مدينة ميورقة و شرعت في فرض الحصار عليها برّا و بحرا في أواخر شهر شوال، و أخذت في إنزال الآلات الحربية و نصبت حول أسوار المدينة الأبراج الخشبية التي‏

____________

(1) ميجيل الكوبير، الإسلام في ميورقة، ص 57.

45

أقيمت عليها المجانيق، و ضربت الأخبية وأرست سفن أسطولها في البحر و جعلتها قبالتها، و قد أتمّت ذلك بسرعة فائقة. ثم أخذ الغزاة في دكّ أسوار المدينة و أبراجها بالمجانيق و القذائف المحرقة، و كانت القوات الإسلامية تتسلل إليهم بين الحين و الآخر و تقاتلهم و تشتبك معهم دون وهن و لا يأس.

و لما رأى هؤلاء الغزاة أن ضرب المجانيق لم يحقق الهدف المطلوب رغم ما أحدثه من أثر في أسوار المدينة، و أن عزائم المسلمين لم تفتر في المقاومة، لجأوا إلى حفر الخنادق شمال شرق المدينة و غربها للوصول إلى المياه الجوفية و محاولة تدمير أسس الأسوار بغية الولوج إلى الميدان الرئيسي، و لكن المحاولة باءت بالفشل.

و لما رأى أهل البادية في الجزيرة ما حلّ بميورقة من حصار و خناق شديد فرضه عليها العدو الصليبي، أخذتهم الغيرة على مدينتهم و دفعتهم الحمية للدفاع عن الإسلام و المسلمين، فاستجمعوا عدّتهم و عددهم و تجهّزوا للقتال. و قبل الخروج للعدو أرسلوا إلى الوالي أبي يحيى التنملي أن يبعث إليهم رجلا يأتمرون بأوامره و يكونون طوعه، فندب لهم واحدا من قومه معروفا بالجبن ليس أهلا لقيادة الجيش و هو الذي كان قد أشار على الوالي في معركة بورتوبي بالصعود إلى المرتفعات فوقعت الهزيمة بسبب ذلك. و ما أن رأى جموع الروم حتى هاج به الجبن و الخور ففرّ لا يلوي على شي‏ء و كان السبب في تفريق جموع أهل البادية الذين لم ييأسوا و أعادوا على الوالي رغبتهم تلك و اقترحوا عليه أن يبعث إليهم أحد أبنائه. و لكن الوالي الذي اشتهر بسوء التدبير أصرّ على أن يرسل إليهم الرجل نفسه رغم تشاؤمهم به و كرههم له، فجرّ عليهم ذيل الويل بفراره مرّة أخرى أمام العدو الذي أحدث في أهل البادية مقتلة كبيرة و أمطر عليهم من البلاء سحبا غزيرة.

و لم تعدم جزيرة ميورقة وجود خونة باعوا شرفهم و ارتموا في‏

46

أحضان العدو النصراني مرتدين عن دينهم مفارقين لأمتهم، و من هؤلاء أحد عمّال الجزيرة و هو ابن عبّاد الذي أقبل على الملك خايمي عارضا عليه ما يريد من خدمة مقابل أن يؤمّره على الجزيرة. و قبل الملك العرض و أحسن وفادته و أحاطه بكل رعاية و تكريم، فخرج الخائن ابن العباد إلى البادية ينشر روح الهزيمة بين أهلها و يثبط عزائمهم، و نجح في إقناع الكثير منهم باعتناق النصرانية و مصالحة الروم، كما ظل يزود المعسكر المسيحي بالمؤن و الأغذية طوال فترة الحصار. فجاءت هذه الخيانة ضربة قاصمة لوالي ميورقة و من معه داخل الأسوار المحاصرة، و نفسا قويا للملك خايمي الذي أتاحت له الفرصة في إطالة عمر الحصار بما ضمنه له الخائن ابن عباد من ميرة لمعسكره و علف لحيواناته.

و لما ضاقت الأحوال بأهل المدينة و اشتدت عليهم وطأة الحصار، أداروا الرأي بينهم و رأوا أن يبعثوا إلى أهل البادية و قائدهم الخائن ابن عبّاد جماعة منهم تعظهم و تنشدهم الله و الإسلام، و تحثهم على ترك التعاون مع النصارى و موالاتهم. و خرجت الجماعة يرأسها خطيب المدينة فلقيت في طريقها من أيأسها مما فيه طمعت و همّت بالانصراف، ثم بدا لها أن تقيم الحجة على هؤلاء الخونة فواصلت طريقها حتى انتهت إليهم. و كان أهل البادية قد صالحوا الروم على شروطها و أرادوا توثيق هذا العقد، و طلبوا من الجماعة التي جاءت تمنعهم ذلك أن تحضر معهم هذا الصلح ليكون عقده أوثق و أصح.

و حاول وفد المدينة إقناع أهل البادية بكل السبل للتخلي عن هذا الصلح لتعارضه مع الإسلام و ما يجره على المسلمين من ويل و لكن دون جدوى، بل إن أعضاء الوفد سيقوا بالقوة إلى الملك خايمي الأول على يد أهل البادية الذين أخبروه بأن البلد في حكمهم. و بعد حبسهم و إذلالهم أمرهم‏

47

الملك بأن يفاوضوا والي ميورقة المحاصرة و أهلها على الاستسلام، و لكنهم فشلوا بعد عدّة محاولات بسبب إصرار الوالي على المقاومة و رفض الاستسلام. فاشتد غضب الملك خايمي على الخطيب و جماعته و اتهمهم بالتواطؤ مع أهل المدينة فأعادهم إلى السجن ثم صاروا في حكم الرقّ.

و بعد فشل الخطيب و جماعته في إقناع أمير البليار بالاستسلام، أرسل إليه الملك خايمي عمّ والده الكونت نونة لمفاوضته على تسليم المدينة و لكن الأمير المسلم رفض الصفقة و قرر المقاومة و انقطعت المفاوضات و عاد القتال من جديد بين الطرفين بشكل أعنف، حيث أضرم النصارى النار تحت سور المدينة فسقط و معه ثلاثة من الأبراج الغربية في الثالث عشر من شهر محرّم سنة 627 ه. و تمكنت القوات الإسلامية من مجابهتهم بقوة وردّتهم على أعقابهم و أعادت بناء ما تهدم و لكن إلى حين، لأن الحصار اشتدّ و طالت أيامه و كثف العدو هجماته على المدينة، و باءت الخطط المعروضة على الوالي في الدفاع بالفشل بسبب بخله و سوء تدبيره، و ازدادت الأوضاع سوءا وأضحت ميورقة قاب قوسين أو أدنى من السقوط.

7. سقوط مدينة ميورقة:

و لما رأى أبو حفص عمر بن شيري، الذي كان الوالي قد قتل ابني أختيه ضمن كبراء المدينة الأربعة، أن أمر العدو قد استشرى و أن خناقه على المدينة قد اشتد أكثر، خرج إلى البادية يستنجد أهلها و يسعى في إفساد ما كان بينهم و بين النصارى من وصلة و هدنة، فجمعهم و وعظهم و أيقظ فيهم الغيرة على الإسلام و المسلمين و ألهب حماسهم فأجابوه لما دعاهم و خرقوا الهدنة مع العدو و قتلوا منه من كان بين أظهرهم.

و في يوم الجمعة 11 صفر سنة 627 ه/ 28 ديسمبر 1229 م اجتمع‏

48

النصارى بقيادة ملكهم خايمي الأول و قرروا اقتحام مدينة ميورقة لأن ظروف الحصار لم تعد في صالحهم، فقد توجّسوا خيفة من أهل البادية الذين نقضوا الصلح معهم، و ازدادت الأحوال الجوية في فصل الشتاء سوءا حيث اشتد البرد و هاج البحر، و لم يأمنوا ردّ فعل قوي من طرف أهل الجزيرة المحاصرين الذين كان بإمكانهم استغلال الظروف المذكورة لصالحهم و فك الحصار المضروب عليهم.

و في صباح اليوم الموالي أمر الملك خايمي بالهجوم العام و الشامل على المدينة التي تمّ اقتحامها من الثغرات المفتوحة في الأسوار، و انهالت عليها جموع العدو التي ألهب حماسها الأساقفة و رجال الدين، و كان يوما عصيبا على مسلمي ميورقة و أذكر بهوله هول يوم القيامة كما وصفه المؤلف.

و تواصل القتال طوال يومي الأحد و الإثنين 13 و 14 صفر 627 ه بكل شراسة و عنف و تكدّست أكوام من الجثث على معابر الثغرات و أزقة المدينة نتيجة للمقاومة العنيفة، و كان والي ميورقة يقود القتال بنفسه و يحث جنوده على الثبات، و لكن حدّة الهجوم الشديدة و خيانة المرتد ابن عبّاد الذي أطلع العدو على ثغرات المدينة و طرقها، لم تجد معها بسالة المدافعين، و سقطت المدينة بعد قرابة أربعة شهور من الحصار، حيث تسلّمها الملك خايمي يوم الثلاثاء 15 صفر 627 ه/ 1 يناير 1230 م، و أباحها لغزاته ينهبون و يقتلون. و قد بلغ عدد قتلى مسلمي مدينة ميورقة أربعة و عشرين ألفا و هي مجزرة رهيبة ارتكبها نصارى قطلونية و أراغون في حق هؤلاء بكل قسوة و وحشية.

و وقع أبو يحيى التنملي والي ميورقة و جزر البليار في قبضة العدو الذي سجنه و عذبه عذابا شديدا و عاش خمسة و أربعين يوما في النكال الشديد و الهول المذيب للحديد، حيث طلب منه الكشف عن الكنوز و الأموال التي كانت عنده، كما أحضروا أحد بنيه بين يديه و قتلوه تنكيلا

49

و إرغاما له. و لكنه صبر صبرا جميلا و لم يحصل منه العدو على ما أراد و مات تحت العذاب. و أما أهل ميورقة الذين نجوا من القتل فأغلبهم وقع في الأسر و بيع في سوق الهوان و فرّ بعضهم إلى جبال الجزيرة و التحقوا بابن شيري.

و أترك القارئ الكريم يطّلع بنفسه و بأسلوب المؤلف البليغ المؤثر على تلك المشاهد المفجعة و الجرائم البشعة التي اقترفها النصارى في حق مسلمي ميورقة قتلا و أسرا و سبيا و قهرا.

و لم تتوقف المقاومة الإسلامية ضد الغزاة النصارى في الجزيرة بعد سقوط ميورقة العاصمة، بل تواصلت في الجبال بزعامة القائد أبي حفص عمر بن شيري الذي اتخذ من معقل بلانسة الجبلي في شمال الجزيرة إمارة صغيرة لمواجهة العدو. و التحق به الناجون من مذابح النصارى فبلغ تعداد قواته حوالي ستة عشر ألف مقاتل، و قام بتنظيم شؤون إمارته و عين الولاة و القادة و القضاة. و كان يشرف على شؤون القضاء في إمارة بلانسة الجبلية القاضي أبو علي عمر بن أحمد العمري الذي قال عنه ابن عبد الملك:" و هو من صرحاء ولد عمر بن الخطاب، كان حافظا اشتهر باستظهار الموطأ و الذكر لمسائل الرأي و سرد أقوال الفقهاء، و استقضي بالجبل بعد انحياز الفلّ الميورقيين إليه إثر تغلب الروم على ميورقة و أعمالها، توفي بحصن بلانسة سنة 628 ه" (1). كما انضوى إلى هذا الجبل الفقيه أبو العباس أحمد بن المواق الذي كان فقيها حافظا عاقدا للشروط ماهرا في المعرفة (2).

و تمكن ابن شيري من إلحاق خسائر فادحة في صفوف القوات الصليبية التي كان يباغتها في هجمات ليلية متلاحقة و يعود إلى معقله دون أن‏

____________

(1) ابن عبد الملك المراكشي، المصدر السابق، ج 5، ص 442.

(2) ابن عبد الملك المراكشي، المصدر السابق، ج 1، ص 345.

50

تتعرض له تلك القوات في الشعاب الجبلية الوعرة. و استمرت المقاومة بعد سقوط مدينة ميورقة أكثر من سنة. و رغم النجاح الذي حققته إلا أنها كانت تفتقر إلى مزيد من الدعم و هو ما لم تتمكن من الحصول عليه سيما بعد قطع النصارى لخط الإمداد الذي كان يتزود عبره الثوار من جزيرة منورقة.

و ازدادت الأحوال سوءا و اشتد الجوع بهؤلاء المقاومين حتى دفعهم إلى أكل جثث قتلى النصارى حسب المؤلف، و ثبت ابن شيري في أغلب الوقائع مع أصحابه إلى أن جاءته الشهادة في آخرها حيث استشهد في ضحى يوم الجمعة عاشر ربيع الثاني من سنة 628 ه/ 1231 م، و اختل الأمر بعد وفاته و تفرق أتباعه فمات أغلبهم، و أما الحصون الثلاثة الأخيرة فقد امتنع أصحابها مدة ثم صالحوا الروم على مغادرة الجزيرة في شهر شعبان من السنة نفسها، و باستخلاص هذه المعاقل الثلاثة خلصت الجزيرة لأهل التثليث.

و في مطلع شهر شعبان 629 ه/ أوائل جويلية 1232 م و بعد القضاء النهائي على كل معاقل و حصون المقاومة الإسلامية في جزيرة ميورقة، أصدر الملك خايمي الأول كتابا بتقسيم أراضي الجزيرة إلى إقطاعات له و لكبار قادة حملته الصليبية. و يتألف هذا الكتاب، المعروف بالمخطوط اللاتيني العربي حول تقسيم جزيرة ميورقة، من جزئين: أحدهما باللغة اللاتينية و الآخر باللغة العربية. و قد نشر المؤرخ الميورقي الأستاذ خايمي بوسكيتس موليت النص اللاتيني في مجلة جمعية القديس رايموند لوليو للدراسات الأثرية في بالما سنة 1953 م، و نشر النص العربي ضمن مجموعة من الدراسات بمناسبة تكريم الأستاذ ملياس فاليكروسا في برشلونة سنة 1954 م، ثم جمع كلا النصين في كتاب واحد و كتب تعليقا عليهما بالإسبانية (1).

____________

(1) صحيفة المعهد المصري للدراسات الإسلامية، مج 4، ص 218.

51

و النصان يكمل أحدهما الآخر و يتناول كلاهما تقسيم جزيرة ميورقة بعد انتزاعها من حكم المسلمين، و من الأرجح أن يكون النص العربي قد كتب قبل اللاتيني و أن الأخير ترجم عنه. و للنص العربي قيمة كبرى في توضيح عمارة ميورقة وقت استيلاء النصارى عليها و ما كان فيها من مزارع و أرض و ديار عامرة و غير ذلك، و كذلك الأعلام الجغرافية العربية الواردة في النص التي ما زال الكثير منها باق إلى اليوم. كما وردت في النص ألفاظ ميورقية خاصة مثل الرّحل و الحوز و الزوج و غيرها (1).

تلك هي رواية ابن عميرة المخزومي التي ساقها عن سقوط جزيرة ميورقة بأسلوب بياني مسجوع، و حاولت هذه الدراسة شرح و تحليل بعض جوانبها و تفسير الغامض منها قدر الإمكان، و هي رواية رجل عاصر تلك الكارثة و استقى أحداثها ممن عايشوا أطوارها و رووا تفاصيلها. لذلك فليست الرواية المسيحية بأكثر غنى و ثراء من نص ابن عميرة في هذا الباب فضلا عما يشوبها من تحريف و تناقض و تعصب و تحيز مما يجعلها غير جديرة بالثقة و الاعتماد.

ثامنا: المخطوط و طريقة التحقيق‏

ترددت طويلا قبل الإقدام على تحقيق هذا المخطوط، لأن التحقيق على أصل وحيد تجربة قاسية حافلة بالمصاعب. و لكني، نظرا لأهمية الكتاب و قيمته التاريخية و الأدبية العظيمة و ما يضمّه من معلومات لا نجدها في أصل آخر، مضيت أبحث عن أصول أخرى، فاتصلت بالقائمين على أقسام‏

____________

(1) المرجع نفسه، ص 219. و عن النص العربي كاملا انظر الملحق الثاني من كتاب جزر الأندلس المنسية، مرجع سابق، ص 615 و ما بعدها.

52

المخطوطات داخل الجزائر و خارجها في المشرق و المغرب راجيا البحث عن نسخ أخرى، فتفضلوا بالبحث و الاستقصاء و لكن دون جدوى. و كانت الحصيلة من كل الجهد الذي بذل في هذا الشأن هو الظفر بنسخة مصورة عن النسخة الأصلية الموجودة بخزانة زاوية سيدي بلعمش بمدينة تندوف التي زودني بها مشكورا الأخ الفاضل أمانة الله صاحب الخزانة، فلم يبق إلا الاعتماد على هذا الأصل الوحيد لأن إخراج الكتاب إلى النور أجدى من الانتظار زمانا قد يطول.

و يعود اتصالي بالمخطوط إلى صائفة سنة 2001 م عند ما وقع بين يدي قرص مضغوط يحتوي على مجموعة من المخطوطات المصورة من خزانة زاوية سيدي بلعمش، كان مركز جمعة الماجد للثقافة و التراث بدبي قد قام بتصويرها و وضعها في أقراص مضغوطة خلال جولته التي قام بها إلى دور و خزائن المخطوطات بالجزائر في السنة نفسها. و لما فتحت القرص و اطلعت على عناوين الكتب لفت انتباهي مخطوط بعنوان تاريخ ميورقة لابن عميرة المخزومي فرأيته جديرا بالاهتمام و شرعت في قراءة محتواه. فتبين لي بعد القراءة الأولية أن العنوان لا يتناسب مع مجموع المخطوط الذي يتألف من 126 ورقة حسب البطاقة الفنية التي وضعها مفهرس مركز جمعة الماجد، لأن الذي يناسب العنوان هو 26 ورقة الأولى من المخطوط، أما المائة الأخرى فهي تعالج موضوعا آخر و هو رسائل ابن عميرة. و لعل السّهو الذي وقع فيه المفهرس يعود إلى خلط بعض الأوراق داخل المخطوط، و منها الورقة الأخيرة من تاريخ ميورقة الواردة في نهايتها عبارة نسخ و قوبل من خط مؤلفه التي وضعت في آخر المخطوط، سيما و أن المجموع المخطوط قد نسخته يد واحدة.

و قد استعصت علي قراءة بعض الكلمات و العبارات غير الواضحة في‏