خطرة الطيف رحلات في المغرب والأندلس‏

- محمد بن عبد الله بن الخطيب المزيد...
175 /
5

-

6

[تصدير]

" ... و أهل هذه البلدة ينسب إليهم نوك و غفلة علّتها، إن صدقت الأخبار، سلامة و سذاجة، فتعمر بملحهم الأسمار، و تتجمل بنوادر حكاياتهم الأخبار. فمنها أن ملك المغرب لما عجب من هذه المئذنة، استأذنوه في نقلها إلى بلده على سبيل الهدية، يجعلونها تحفة قدومه، و طرفة وفادته ..."

من نص الرحلة ص (125)

" ... و كان الانصراف عنها من الغد، و ما شينا أدواح الزيتون و الأشجار، تساوقها جريّات الأنهار، تتخللها أطلال الحلل و الديار نيّفا على شطر البريد لا تنال صفح ثراه الشمس و لا ترتاده الحرباء، تتجاوب أصوات الحمام المطوّق فوق غصونه.

و قد اقتطعت ذلك الجناب الخصيب أيدي الوحشة، و أخيفت من حلل غابة السابلة، و سكن ربوعه الآهلة البوم، فيالها من مدينة غزر ماؤها و صحّ هواؤها، و أينعت أرحاؤها، وضفى عليها من المحاسن رداؤها.".

من نص الرحلة ص (127)

7

استهلال‏

تهدف هذه السّلسلة بعث واحد من أعرق ألوان الكتابة في ثقافتنا العربية، من خلال تقديم كلاسيكيّات أدب الرّحلة، إلى جانب الكشف عن نصوص مجهولة لكتاب و رحّالة عرب و مسلمين جابوا العالم و دوّنوا يوميّاتهم و انطباعاتهم، و نقلوا صورا لما شاهدوه و خبروه في أقاليمه، قريبة و بعيدة، لا سيما في القرنين الماضيين اللذين شهدا ولادة الاهتمام بالتجربة الغربية لدى النّخب العربية المثقفة، و محاولة التعرّف على المجتمعات و النّاس في الغرب، و الواقع أنه لا يمكن عزل هذا الاهتمام العربي بالآخر عن ظاهرة الاستشراق و المستشرقين الذين ملأوا دروب الشّرق، و رسموا له صورا ستملأ مجلدات لا تحصى عددا، خصوصا في اللغات الإنكليزية و الفرنسية و الألمانية و الإيطالية، و ذلك من موقعهم القوي على خارطة العالم و العلم، و من منطلق المستأثر بالأشياء، و المتهي‏ء لترويج صور عن «شرق ألف ليلة و ليلة» تغذّي أذهان الغربيين و مخيّلاتهم، و تمهّد الرأي العام، تاليا، للغزو الفكري و العسكري لهذا الشرق. و لعل حملة نابليون على مصر، بكل تداعياتها العسكرية و الفكرية في ثقافتنا العربية، هي النموذج الأتمّ لذلك. فقد دخلت المطبعة العربية إلى مصر مقطورة وراء عربة المدفع الفرنسي لتؤسس للظاهرة الإستعمارية بوجهيها العسكري و الفكري.

8

على أن الظّاهرة الغربية في قراءة الآخر و تأويله، كانت دافعا و محرضا بالنسبة إلى النخب العربية المثقفة التي وجدت نفسها في مواجهة صور غربيّة لمجتمعاتها جديدة عليها، و هو ما استفز فيها العصب الحضاري، لتجد نفسها تملك، بدورها، الدوافع و الأسباب لتشدّ الرحال نحو الآخر، بحثا و استكشافا، و تعود و معها ما تنقله و تعرضه و تقوله في حضارته، و نمط عيشه و أوضاعه، ضاربة بذلك الأمثال للناس، و لينبعث في المجتمعات العربية، و للمرة الأولى، صراع فكري حاد تستقطب إليه القوى الحيّة في المجتمع بين مؤيد للغرب موال له و متحمّس لأفكاره و صياغاته، و بين معاد للغرب، رافض له، و مستعدّ لمقاتلته.

و إذا كان أدب الرحلة الغربي قد تمكن من تنميط الشرق و الشرقيين، عبر رسم صور دنيا لهم، بواسطة مخيّلة جائعة إلى السّحري و الأيروسيّ و العجائبيّ، فإن أدب الرحلة العربي إلى الغرب و العالم، كما سيتّضح من خلال نصوص هذه السلسلة، ركّز، أساسا، على تتبع ملامح النهضة العلميّة و الصناعيّة، و تطوّر العمران، و مظاهر العصرنة ممثلة في التطور الحادث في نمط العيش و البناء و الاجتماع و الحقوق. لقد انصرف الرّحالة العرب إلى تكحيل عيونهم بصور النهضة الحديثة في تلك المجتمعات، مدفوعين، غالبا، بشغف البحث عن الجديد، و بالرغبة العميقة الجارفة لا في الاستكشاف فقط، من باب الفضول المعرفي، و إنما، أساسا، من باب طلب العلم، و استلهام التجارب، و محاولة الأخذ بمعطيات التطور الحديث، و اقتفاء أثر الآخر للخروج من حالة الشّلل الحضاريّ التي وجد العرب أنفسهم فريسة لها. هنا، على هذا المنقلب، نجد أحد المصادر الأساسية المؤسّسة للنظرة الشرقية المندهشة بالغرب و حضارته، و هي نظرة المتطلّع إلى المدنيّة و حداثتها من موقعه الأدنى على هامش الحضارة

9

الحديثة، المتحسّر على ماضيه التليد، و التّائق إلى العودة إلى قلب الفاعلية الحضارية.

إن أحد أهداف هذه السّلسلة من كتب الرحلات العربية إلى العالم، هو الكشف عن طبيعة الوعي بالآخر الذي تشكّل عن طريق الرحلة، و الأفكار التي تسرّبت عبر سطور الرّحالة، و الانتباهات التي ميّزت نظرتهم إلى الدول و الناس و الأفكار. فأدب الرحلة، على هذا الصعيد، يشكّل ثروة معرفيّة كبيرة، و مخزنا للقصص و الظواهر و الأفكار، فضلا عن كونه مادة سرديّة مشوّقة تحتوي على الطريف و الغريب و المدهش مما التقطته عيون تتجوّل و أنفس تنفعل بما ترى، و وعي يلمّ بالأشياء و يحلّلها و يراقب الظواهر و يتفكّر بها.

أخيرا، لا بد من الإشارة إلى أن هذه السّلسة التي قد تبلغ المائة كتاب من شأنها أن تؤسس، و للمرة الأولى، لمكتبة عربية مستقلّة مؤلّفة من نصوص ثريّة تكشف عن همّة العربيّ في ارتياد الآفاق، و استعداده للمغامرة من باب نيل المعرفة مقرونة بالمتعة، و هي إلى هذا و ذاك تغطي المعمور في أربع جهات الأرض و في قارّاته الخمس، و تجمع إلى نشدان معرفة الآخر و عالمه، البحث عن مكونات الذات الحضارية للعرب و المسلمين من خلال تلك الرحلات التي قام بها الأدباء و المفكرون و المتصوفة و الحجاج و العلماء، و غيرهم من الرّحالة العرب في أرجاء ديارهم العربية و الإسلامية.

محمد أحمد خليفة السويدي‏

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

المقدّمة

يرجع اهتمامي بالمؤرخ الوزير الغرناطي لسان الدين بن الخطيب إلى سنة 1952 م عند ما كنت أعد رسالة الدكتوراه في جامعة مدريد بإسبانيا و موضوعها:

مملكة غرناطة في عهد السلطان محمد بن يوسف بن نصر (محمد الخامس الغني بالله) من القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي.

و كان من الطبيعي أن أهتم بشخصية لسان الدين بن الخطيب لأنه كان وزيرا لهذا السلطان محمد الخامس، بل كان وزيرا قبل ذلك لأبيه أبي الحجاج يوسف الأول.

و من ثمّ عكفت في بادئ الأمر على نشر و تحقيق رسائله التي بين أيدينا و التي تعبر عن مشاهداته أثناء رحلاته التي قام بها في بلاد المغرب و الأندلس في عهد هذين العاهلين من ملوك بني نصر أو بني الأحمر.

ثم واصلت بعد ذلك نشر و تحقيق بعض أعمال ابن الخطيب الأخرى مثل:

1- كتاب أعمال الأعلام فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام (القسم الثالث الخاص بتاريخ المغرب الكبير و صقلية). و ذلك بالاشتراك مع المرحوم محمد إبراهيم الكتاني.

(دار الكتاب، الدار البيضاء سنة 1964 م)

12

2- كتاب نفاضة الجراب في علالة الاغتراب (الجزء الثاني) في طبعتين! (دار الكتاب العربي بالقاهرة، دار النشر المغربية بالدار البيضاء)

هذا إلى جانب بعض المقالات التي تناولت فيها جوانب هامة من شخصية ابن الخطيب مثل:

- لسان الدين بن الخطيب و نزعاته الاقتصادية (مجلة لسان الدين الجزء التاسع و العاشر، سبتمبر- أكتوبر، تطوان سنة 1954)

- سياسة ابن الخطيب المغربية، مجلة البينة- الرباط- 1962

- لسان الدين بن الخطيب و كتاباته التاريخية- عالم الفكر، المجلد السادس عشر، العدد الثاني سنة 1985.

و لما كانت الطبعة الأولى لهذا الكتاب «مشاهدات لسان الدين بن الخطيب في بلاد المغرب و الأندلس» التي أصدرتها جامعة الإسكندرية في سنة 1958 م، قد نفدت منذ مدّة طويلة، فقد رحبت شاكرا بعرض الشاعر نوري الجرّاح (المشرف على مشروع ارتياد الآفاق) لإعادة نشر هذا الكتاب بعد تنقيح النسخة المطبوعة.

أسأل الله تعالى أن يتقبل هذا خالصا لوجهه الكريم‏

المحقق‏

أ. د. أحمد مختار العبادي‏

الإسكندرية مايو/ أيار 2002

13

مقدمة الطبعة الأولى‏

لسان الدين بن الخطيب (713- 776 ه، 1313- 1374 م) وزير ملوك بنى الأحمر بغرناطة، شخصية من أصحاب الثقافة الموسوعيّة المعروفة في ميادين العلم و السياسة. كتب حوله بحوث عديدة، كشفت النقاب عن بعض مواهب هذا العبقري الداهنة. و قد سبق لي أن أسهمت في هذا المضمار بمجهود متواضع‏ (1)، و ها أنذا أعاود الكرّة مرّة أخرى محاولا تناول هذه الشخصية العظيمة من زاوية أخرى، و هي دراسته كرحّالة عظيم، و ذلك على ضوء ما قدّمه لنا من أوصاف دقيقة، و مشاهدات صادقة، للبلاد الأندلسيّة و المغربيّة التي زارها بنفسه.

و الواقع أن الظروف العلميّة و السياسيّة التي تقلّب فيها ابن الخطيب، أتاحت له الفرصة في الطواف بأنحاء مملكة غرناطة و بلاد المغرب الأقصى.

فمن المعروف أنه في أثناء صباه تلقّى العلم على شيوخ تلك البلاد، و إن كانت هذه الفترة الأولى من حياته يكتنفها الغموض من حيث حركاته و سكناته. غير أن المصادر المعاصرة تشير إلى أسماء شيوخ له من كافّة أنحاء

____________

(1) انظر (مختار العبادي: لسان الدين بن الخطيب و نزعاته الاقتصادية- مجلة لسان الدين، الجزء التاسع و العاشر، سبتمبر- أكتوبر سنة 1954) و قد تفضل أستاذي المستشرق الإسباني الكبير غرسيه غومز، فترجم هذا المقال إلى اللغة الإسبانية في مجلة الأندلس، تحت عنوان:

( Los Moviles economicos en La vida de Ibn AL JATIB- Andalus 5591 Vol. xx fasc 1 )

14

المغرب و الأندلس، فليس بمستبعد أن يكون ابن الخطيب قد زار هذه البلاد في شبابه سعيا وراء العلم و الاتصال بعلماء عصره كما كان يفعل مواطنوه.

و كيفما كان الأمر، فالذي يعنينا هنا، أن ابن الخطيب حينما تولّى الوزارة، رافق سلطانه أبا الحجاج يوسف الأول في رحلته التفتيشية بمقاطعات غرناطة الشرقية عام 748 ه، كذلك زار ابن الخطيب بلاد المغرب الأقصى كسفير لسلطان غرناطة في عامي 749 و 755 ه (2) ثم التجأ إليها مرّة ثالثة عند ما نفي مع سلطانه المخلوع محمد بن يوسف بن نصر، الغني بالله، عام 760 ه.

و لقد استمرّت مدّة النفي ما يقرب من الثلاث سنوات عاد بعدها ابن الخطيب مع سلطانه إلى مقر حكمه مرّة أخرى.

على أن المهم هنا، هو أن ابن الخطيب طوال مدّة النفي هذه، لم يقبع في مدينة فاس عاصمة بني مرين كما فعل سلطانه و بقيّة الحاشية و اللاجئون‏

____________

(2) يجدر بنا أن نشير بصدد هذه السفارة الأخيرة، إلى أن سلطان المغرب أبا عنان فارس، دعا ابن الخطيب إلى حفل رياضي ليشاهد الحرب بين الثور و الأسد، على ما جرت به عادة الملوك. و قد وصف ابن الخطيب هذه المصارعة في إحاطته ج 2، ص 6، 7 (طبعة القاهرة 1319 ه) و قد أشار إلى أن هذا الصراع بين الوحشين قد انتهى بانتصار الثور و جرح الأسد.

عندئذ خرجت طائفة من الرجال المسلحين أخذوا يناوشون الأسد الجريح إلى أن قتلوه بعد أن أردى بعضهم.

يكن الصراع مع الوحوش قاصرا على المغرب، بل كان منتشرا أيضا في الأندلس و من العجيب أن ابن الخطيب في موضع آخر من كتاب الإحاطة (نسخة الاسكوريال لوحة 441) يشير إلى انتشار مصارعة الثيران بين عليّة القوم من أهل غرناطة. و هذا أقدم نص وجدناه عن هذه المصارعة المشهورة الآن في إسبانيا و أمريكا اللاتينية. و كانت الطريقة كما يصفها ابن الخطيب هي أن يطلق الثور (أو البقر الوحشي كما كان يسميه) ثم تطلق عليه كلاب اللان المتوحشة(Bulldogs) ، فتأخذ في نهش جسمه و أذنيه متعلقة بها كالأقراط. و هذا العمل التمهيدي كان الغرض منه هو الحد من قوة الوحش و تهذيب حركته، و هو ما يقوم مقامه اليوم عمل رماة السهام‏Banderilleros و طاعن الرمح‏Picador و ذلك تمهيدا للقاء المصارع.

و كان المصارع الغرناطي كما يصفه ابن الخطيب، فارسا مغوارا يصارع الثور و هو ممتط فرسه المدرب ثم يقتله في النهاية برمحه. و هذا النوع من المصارعة لا يزال موجودا إلى اليوم، و يسمّى الفارس المصارع باسم رخونيادورRejoneador نسبة إلى الرمح القصير الذي يستعمله في قتل الثور و اسمه رخون‏Rejon .

و تنبغي الإشارة إلى أن هذا النص العربي القديم لم يرد ذكره في الموسوعة الكبرى التي ألّفها خوسيه ماريا قوسيو عن الثيران. انظر(Jose maria Cossio :Los Toros ,3 Tomos)

15

السياسيون، بل عكف على زيارة البلاد المغربية لمشاهدة آثارها و لقاء العلماء و الصالحين فيها (3) و لقد سجّل ابن الخطيب كل ما رأته عيناه، و سمعته أذناه في جميع هذه الرحلات، فأعطانا بذلك مادّة خصبة يرجع إليها الفضل الأول في كل ما نعرفه عن حضارة الغرب الإسلامي في تلك الفترة.

و مشاهدات ابن الخطيب التي دوّنها، نشر بعضها نشرا جزئيا غير كامل بوساطة بعض المستشرقين، أما البعض الآخر فلم ينشر بعد و هو الذي يعنينا أمره في هذا الكلام. و لكن نظرا لأن المنشور من هذه الرسائل متفرّق في أماكن متعدّدة كما أنه ليس في متناول يد القرّاء و الباحثين لندرته و قدمه، فقد آثرت لتعميم الفائدة و توحيد الفكرة، إضافته إلى الرسائل الأخرى غير المنشورة، مع إبداء الملاحظات و التعليقات و الشروح اللازمة، على ضوء ما استجدّ من أبحاث في الفترة الطويلة التي تلت هذا النشر و التي تقدّر بنحو قرن من الزمان.

و لدينا الآن أربع رسائل كتبها ابن الخطيب في هذا المضمار، و هي:

1- خطرة الطيف في رحلة الشتاء و الصيف.

2- مفاخرات مالقه و سلا.

3- معيار الاختبار في ذكر المعاهد و الديار.

4- رحلته التي دوّنها في كتابه نفاضة الجراب في علالة الاغتراب.

و قد راعيت في ترتيب هذه الرحلات، التسلسل التاريخي و الزمني لها بقدر الإمكان.

أما بخصوص الرسالة الأولى و هي المقامة المسمّاة (خطرة الطيف في رحلة الشتاء و الصيف) فقد أورد خطأ كل من الغزيري و بروكلمان‏

____________

(3) انظر (المقري: نفح الطيب ج 5 ص 237- 238، طبعة محي الدين عبد الحميد).

16

و درنبورج، أن هذه الرحلة كانت في بلاد المغرب، غير أنه واضح من نص الرسالة أنها كانت رحلة رسميّة قام بها سلطان غرناطة، أمير المسلمين أبو الحجّاج يوسف بن نصر (733- 755 ه، 1333- 1354 م) و معه وزيره ابن الخطيب لتفقّد أحوال الثغور الشرقية لمملكة غرناطه.

و لقد نشر هذه الرحلة المستشرق الألماني ماركوس جوزيف مولر في كتابه المعروف باسم نخب من تاريخ المغرب العربي‏ (4).

غير أن مولر اعتمد فقط في هذا النشر على النسخة التي وردت ضمن كتاب (ريحانة الكتاب و نجعة المنتاب) (5) لابن الخطيب، و لكننا عثرنا على نسخة أخرى لهذه الرحلة في المخطوط رقم 470 بمكتبة الاسكوريال بإسبانيا. و هذا المخطوط عبارة عن مجموعة من الرسائل المختلفة لعدّة مؤلفين من بينها هذه الرحلة التي تقع في تسع عشرة ورقة من الحجم المتوسط (رقم 51 إلى 69) و كل ورقة تحتوي على خمسة عشر سطرا، و هي مكتوبة بالخط المغربي. و نظرا لوجود بعض الاختلافات بين النسختين، آثرنا نشرها من جديد و ذلك بعد المقابلة بين النصّين و التنبيه إلى الفروق بينهما معتمدين في ذلك على نسخة المخطوط رقم 470 كأصل نظرا لأن تاريخها يبدو أقدم من الأخرى و عباراتها أصح و فقراتها أكثر، و إن كان المقّري للأسف، لم يشر إليها إطلاقا بينما أشار إلى نسخة الريحانة في كتابه نفح الطيب‏ (6).

و قد رمزنا لهذه النسخة الأصلية بالحرف (أ) و لنسخة الريحانة بالحرف (ب).

و نص الرحلة يشير إلى خروج الركب السلطاني من العاصمة غرناطة في يوم الأحد 17 محرم عام 748 ه (1347 م) تتقدمه الألوية و البنود الحمراء شعار دولة بنى الأحمر. و يصل الركب إلى مدينة وادي آش أو وادي إيش‏Guadix

____________

(4)

Marcus Muller: Beitrage Zur Geschichte Der Westlichen 6681

(5) مخطوط بمكتبة الاسكوريال رقم 1825، و الرحلة تشغل فيه ثمان ورقات من الحجم الكبير (لوحة 220- 227)

(6) المقّري: نفح الطيب ج 9، ص 306

17

في شمال شرق غرناطه، و هناك يستقبلهم الأهالي استقبالا رائعا بملابسهم البيضاء و هو الزيّ التقليدي لأهل الأندلس عموما منذ أيام الأمويين.

ثم تواصل الرحلة سيرها شرقا مارّة ببعض المدن و الحصون الهامة مثل بسطه‏Baza و برشانه‏Purchena و يشير ابن الخطيب إلى أن هذه البلاد الشرقية كانت تعاني قحطا شديدا نتيجة لغارات الأعداء و سيول الأمطار التي اجتاحت أراضيها. و قد صور ابن الخطيب هذه الحالة في إطار مستملح طريف، و مثال ذلك وصفه للدجاجة التي أهداها لهم قاضي إحدى هذه المدن فيقول: (..

و تقدّم بها أعوانه يزفّونها كالعروس فوق الرؤوس ... قلت يا قوم، ظفرتم بقرّة العين، فقد ذبح لكم غراب البين ..).

ثم يواصل الركب السلطاني سيره إلى أن يبلغ أقصى الحدود الشرقيّة و هي مدينة بيره‏Vera ، (الثغر الأقصى، و محل الرباط الذي أجر ساكنه لا يحصى). و قد أشار ابن الخطيب إلى قلق سكان هذا الثغر، و ترقبهم لغارات الأعداء المفاجئة، كما أشار إلى صعوبة موقع المدينة و وعورة مسالكها و طرقها لدرجة أنهم اضطروا إلى اتخاذ دليل ماهر ليقودهم وسط الجبال و الوهاد إلى الطريق الصحيح.

ثم يعود المرتحلون أدراجهم عن طريق آخر مارّين بثغر المريةAlmeria و هنا يشير ابن الخطيب إلى استقبال رجال البحرية للسلطان بملابسهم الجميلة و أبواقهم و طبولهم، و إلى استعراض قطع الأسطول الغرناطي في الميناء.

كذلك يشير إلى استقبال رجال الجيش و كيف كانوا يحملون على أعناقهم قسي الفرنج. و في هذه العبارة الأخيرة دليل واضح على مدى تأثّر مملكة غرناطة بالنظم الحربيّة للبلاد المسيحية المجاورة مثل قشتاله و أراجون.

هذا و من المعروف أن مملكة غرناطه كانت تستورد أسلحة من فرنسا و لا سيّما من مدينة بوردو (برذيل) (7) لاستخدامها إلى جانب أسلحتها الخاصّة التي كانت تصنعها في مدينة المريه بالذّات.

____________

(7) راجع (المقّري: نفح الطيب ج 1، ص 188).

18

كذلك يشير ابن الخطيب إلى الجالية المسيحية المقيمة بثغر المريه، و كان أفرادها يشتغلون بالتجارة و الاستيراد و التصدير بطبيعة الحال، و من كلامه نلاحظ أنهم ساهموا في الترحيب بالسلطان بأن نشروا فوقه مظلّة كبيرة من الحرير لتحجب عنه أشعة الشمس.

ثم يتكلّم ابن الخطيب عن صعود السلطان إلى قلعة المدينة لتفقد حصونها الدفاعية، و مشاهدة آثار الأولين الذين ساهموا في تأسيسها و لا سيّما خيران العامري الصقلبي و المعتصم بن صمادح و هما من ملوك الطوائف الذين حكموا هذه المنطقة في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) (8).

ثم بعد ذلك يغادر السلطان و صحبه مدينة المريه مارّين ببعض المدن الهامّة مثل بجانه‏Pechina و مرشانه‏Marchena و فنيانه‏Finana و ينتهي بهم المطاف مرّة أخرى إلى مدينة وادي آش و منها إلى العاصمة غرناطه، مقر الحكم و السلطان.

و ينبغي أن نشير في هذا الصدد إلى عبارات أوردها ابن الخطيب في سياق النص تشير كلّها إلى خروج النساء في جماعات كبيرة و اختلاطهن بالرجال للمشاركة في استقبال السلطان، فمن ذلك مثلا قوله: (.. و اختلط النساء بالرجال، و التقى أرباب الحجا بربّات الحجال، فلم تفرّق بين السلاح و العيون الملاح، ولا بين حمر البنود و حمر الخدود).

و يبدو من هذا النص و أمثاله، أن نساء غرناطه كنّ أكثر تحررا من نساء العالم الإسلامي في ذلك الوقت. و لعلّ هذا ناتج من تأثير الجوار بالبلاد المسيحية المحيطة بهذه المملكة الصغيرة من كل جانب. و هناك شواهد أخرى كثيرة تؤيد هذا الكلام إلا أنها مع الأسف الشديد وردت فقط في المصادر

____________

(8) انظر

Antonio Prieto y Vives: Los Reyes De Taifas( Madrid 6291 )

انظر كذلك (مختار العبادي: الصقالبة في إسبانيا، لمحة عن أصلهم و نشأتهم و علاقتهم بحركة الشعوبية، مدريد 1903).

19

المسيحيّة وحدها (9). و هذا يجعلنا رغم قلّة المصادر العربية، لا نستطيع إبداء حكم صريح في هذا الموضوع.

و الرسالة الثانية التي ألّفها ابن الخطيب في هذا الموضوع أيضا، رسالته المعروفة باسم (مفاخرات مالقه و سلا) و هي كما يتضح من العنوان، مفاضلة بين المدينة الأندلسية و أختها المغربية في مختلف النواحي الاقتصادية و الجغرافية و الاجتماعية ... الخ.

و من العجيب أننا نلاحظ أن ابن الخطيب رغم حبّه لبلاد المغرب و لمدينة سلا بالذات التي لجأ إليها في أوقات محنته، إلا أن شعوره الوطني جعله يتغاضى عن كل هذه الاعتبارات و يتحيّز إلى المدينة الغرناطية مالقه، فيجعلها المفضّلة على طول الخط. و قد يرجع هذا الشعور إلى روح المنافسة التقليدية القديمة التي كانت سائدة بين الأندلسيين و المغاربة و التي تظهر أيضا بوضوح في رسالة الشقندي قبل قرن من الزمان‏ (10).

نشر رسالة ابن الخطيب العالم الألماني مولر السالف الذكر في نفس كتابه المذكور (11). ثم جاء المستشرق الهولندي دوزي‏DOzy ، فاختصر هذه الرسالة في المجلة الألمانيةZDMG (XXpU 616) كما استغل ألفاظها في معجمه المعروف‏Supplement aux Dictionnaires Arabes و جاء المستشرق الإسباني سيمونيت‏Simonet فاستعان بهذه الرسالة أيضا في مقالاته التي كتبها تحت عنوان)Malga Sarracenica أو مالقه العربية) التي نشرها في المجلة الغرناطية

____________

(9) انظر على سبيل المثال‏

Perez de hita: Guerras Civiles de Granada. I, P. LXXV 1( Prologo )Lafuente Alcantara: Historia de Granada III, p. 661- 761 Fernandez y Gonzalez: Mudejares de Castilla P. 922 1 Menendez Pidal: Poesia Juglaresca y Juglares) Coleccion Austral, n. 003 (

(10) راجع نص رسالة الشقندي في فضل الأندلس في (المقري: نفح الطيب ج 4 ص 177 و ما بعدها) راجع كذلك الترجمة الإسبانية لهذه الرسالة تحت عنوان‏

( Al- Saqundi, Elogio del ISlam Espanol) Risala fi fadl al Andalus )traduccion espanola por Emilio Garcia Gomez) Madrid 4391 (

(11) انظر.(M .G .Muller :Op .Cit .pp .1 ,31)

20

LA Estrella de Occidente )

نجمة الغرب) في أغسطس 1880. و لقد استفاد من هذه الأبحاث المؤرخ المالقي‏Robles Guillen جلين روبلس، عند ما كتب كتابه المعروف بمالقه المسلمةMalaga Musulmana .

و أخيرا جاء أستاذنا العالم الإسباني المعروف غرسيه غومزE .Garcia Gomez فترجم رسالة ابن الخطيب إلى اللغة الإسبانية و علّق عليها بمعلومات قيّمة (12) أفدت منها في معظم ما أوردته من حواشي و تعليقات على هذه الرسالة.

أما الرسالة الثالثة التي كتبها ابن الخطيب عن مشاهداته، فهي مقاماته المعروفة باسم (معيار الاختبار في ذكر أحوال المعاهد و الديار). و هي عبارة عن وصف لأهم مدن المغرب الأقصى، مع وصف 34 مدينة من مملكة غرناطه، و يتخلل هذا و ذاك ذكر محاسن و عيوب كل مدينة.

و قد نشر الجزء الخاص ببلاد غرناطه، المستشرق الإسباني فرنسسكو سيمونيت‏F Simonet في آخر كتابه المعروف باسم‏

de Granade,( Madrid Descripcion del Reino

(1860 أي وصف مملكة غرناطه، أما الجزء الخاص بمدن المغرب فقد نشره جوزيف مولر في كتابه السابق الذكر، مع إضافة تصويبات لأخطاء وقع فيها سيمونيت في الجزء الذي نشره‏ (13). هذا و لم يحدّد كل من الناشرين تاريخ تأليف هذا الكتاب، بينما يروي ابن الخطيب في كتاب آخر له، أن تدوين معيار الاختبار كان في أثناء المدّة التي قضاها في المنفى بمدينة سلا (760- 763 ه) (14).

الرحلة الأخيرة التي سجّلها ابن الخطيب لم تنشر بعد، و كانت في ربوع المغرب الأقصى في عهد دولة بني مرين. و ذلك، كما أشرنا من قبل، عند ما عزل سلطان غرناطه محمد الغني بالله بواسطة أخيه إسماعيل في عام‏

____________

(12) انظر

E. Garcia Gomez: El Parangon Entre Malaga y Sale, Al Andalus II, 4391, fasc. I ) (.

(13) انظر(M .J .Muller :Op .cit .pp .74 -89)

(14) انظر (ابن الخطيب: نفاضة الجراب في علالة الاغتراب لوحة 67)

21

760 ه، و اضطر إلى الفرار إلى المغرب صحبة وزيره ابن الخطيب و بعض أفراد حاشيته و مماليكه. و قد دوّن ابن الخطيب هذه الرحلة في كتابه المعروف باسم: (نفاضة الجراب في علالة الاغتراب) (15)

هذا الكتاب يعتبر من مؤلفات ابن الخطيب الجليلة، و قد نصّ على ذلك هو نفسه في متن هذا الكتاب‏ (16)، و في بعض مؤلفاته الأخرى‏ (17)، كما أشار بذلك أيضا بعض المؤرخين القدامى و المحدثين ممن سيأتي ذكرهم فيما بعد إن شاء الله. على أن ابن الخطيب لم يحدّد التاريخ الذي دوّن فيه كتابه هذا، و قد ورد في كتاب الإحاطة للمؤلف نفسه، عبارة (في آخر لوحة 500) (18) لا أشكّ أنها من وضع الناسخ، يقول فيها: (... من كتاب نفاضة الجراب لابن الخطيب المذكور (رحمه الله)، الذي ألّفه بالعدوة (أي عدوة المغرب) بعد صرفه عن الأندلس و استقراره بالعدوة بآخرة من عمره و قرب وفاته، و لذلك سمّاه نفاضة الجراب). و واضح من هذه العبارة أن ناسخ الإحاطة يريد أن يقول إن تأليف نفاضة الجراب حدث ببلاد المغرب في الفترة التي بين 773- 776 ه و هي الفترة الأخيرة من حياة ابن الخطيب التي انتهت بمقتله هناك. غير أن شواهد الأمور تدل دلالة قاطعة على أن تأليف هذا الكتاب كان في فترة أخرى متقدمة قضاها ابن الخطيب بالمغرب أيضا حينما نفي مع سلطانه المخلوع محمد الغني باللّه، و هي الفترة التي بين 760 إلى 763 ه. و الأدلة على ذلك كثيرة نكتفي منها بالآتي:

(أولا) جميع حوادث هذا الكتاب سواء أكانت تاريخيّة أو أدبيّة أو اجتماعيّة لا تتعدّى نطاق بلاد المغرب في هذه المدّة بالذّات، أو بعبارة

____________

(15) مخطوط بالاسكوريال رقم 1755

(16) نفاضة الجراب لوحة 159

(17) الإحاطة ج 1، ص 237- 239، ج 2، ص 216 (طبعة القاهرة 1319 ه)، الإحاطة نسخة الاسكوريال لوحات 346، 433، 500، انظر كذلك (اللمحة البدرية في الدولة النصرية ص 91).

(18) نسخة الاسكوريال رقم 1673

22

أخرى، هذا الكتاب يعدّ بمثابة مذكّرات شخصيّة للمؤلّف عن المدة التي قضاها منفيّا بدولة بني مرين قبل عودته ثانية إلى غرناطه لتسلّم مهام منصبه من جديد.

(ثانيا) ابن الخطيب في كتابه المعروف باسم (اللمحة البدرية في الدولة النصرية) يشير إلى أنه بدأ تدوين هذا الكتاب في منفاه بالمغرب و انتهى منه في أول عام 765 ه، ثم ينصح القارئ بالرجوع إلى كتابه (نفاضة الجراب) للاستزادة من التفاصيل و الأخبار (19) و هذا يدل على أن تأليف النفاضه كان قبل عام 765 ه أي خلال الفترة التي أشرنا إليها آنفا.

هذا عن تاريخ تأليف الكتاب أما عن عدد أجزائه، فابن الخطيب يشير في آخر النسخة التي لدينا، أن الكتاب يقع في ثلاثة أسفار (20) و لكنه يعود فيناقض نفسه في كتاب الإحاطة فيقول: (و نفاضة الجراب في أربعة أسفار جليلة) (21) و لقد أيّد هذا العدد الأخير من جاء بعده من المؤرخين سواء أكانوا قدامى أو محدثين نذكر منهم المقّري في كتابيه نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب‏ (22)، و أزهار الرياض في أخبار عياض‏ (23)، كذلك نذكر المستشرق الهولندي دوزي في كتابه عن بنى عباد ملوك إشبيلية (24) و كذلك العالم الإسباني بونس بويجس‏Pons Boigues في المعجم الذي أفرده للمؤرخين و الجغرافيين العرب في إسبانيا (25).

و كيفما كان الأمر في عدد أجزاء هذا الكتاب، فالمهم هنا أن ما وصلنا منه هو جزء واحد فقط و هو الجزء الثاني باعتراف المؤلّف نفسه في آخر

____________

(19) انظر (ابن الخطيب: اللمحة البدرية ص 91، 113، 119)

(20) نفاضة الجراب لوحة 159)

(21) الإحاطة في أخبار غرناطة لوحة 433 (نسخة الاسكوريال)

(22) الجزء التاسع ص 304

(23) الجزء الأول ص 189

(24) انظرR .Dozy :Loci de Abbadidis .Tome (III .P .761)

(25) راجع‏

Francisco Pons Boigues: Ensayo Bio. Bibliografico sobre Los Historiadores Y Geografos Arabigo. Espanoles P 343

23

كتابه إذ يقول: (انتهى، ويليه الجزء الثالث).

و الجزء الذي وصلنا نسخة وحيدة بمكتبة الاسكوريال تحت رقم 1755 و تقع في 159 ورقة من الحجم الكبير، كل ورقة تحتوي على تسعة عشر سطرا مكتوبة بخط مغربي لا يقرأ بسهولة.

و كان الراهب اللبناني الغزيري قد سبق أن أشار في فهرسه المكتوب باللاتينية عن الكتب العربية بالاسكوريال، إلى وجود الجزء الثالث من نفاضة الجراب تحت رقم 1811 (26).

و لقد تبعه في هذا الرأي العالم الإسباني بونس بويجس‏ (27) و المستشرق الألماني بروكلمان‏ (28) ثم جاء المستشرق الفرنسي ليفي بروفنسال في الجزء الخاص الذي أفرده لكتب التاريخ فقط بالاسكوريال مكملا في ذلك فهرسة درنبرج‏

Derenbourg

فقال: إن نسخة نفاضة الجراب التي تحمل رقم 1811 غير موجودة إطلاقا، و إن النسخة الموجودة من هذا الكتاب هي التي تحمل رقم 1755 فقط (29). ثم جاء الراهب الإسباني ملتشور انطونياMelchor Antuna الذي كان مديرا لمكتبة الاسكوريال ثم قتله الشيوعيون في الحرب الأهلية الإسبانية منذ عشرين سنة، فاستبعد فكرة الغزيري بخصوص الجزء الثالث و قال بأنه من المحتمل جدّا أن يكون هذا الجزء نسخة مكرّرة للجزء الثاني الموجود حاليا بالمكتبة، خصوصا و أن وصف الغزيري للنسختين كان واحدا تقريبا (30).

ثم يأتي المدير الحالي لمكتبة الاسكوريال و هو الأب موراتاP .N .Murata فيتكلّم عن هذه النسخة المفقودة التي تحمل رقم 1811، و ينفي وجودها نفيا باتا و يقول إن هذا الرقم لم يوجد بمكتبة الاسكوريال في يوم من الأيام بناء على‏

____________

(26) انظر:

Bibliotheca Arabico Hispana Escurialensis II. Matriti 0671- 0771. Casiri

(27) راجع‏(F .Pons Boigues :OP .Cit P 343

(28) انظر(Brock :Gesch der Arab Lit II P 262)

(29) راجع.

( Levi Provencal: Les Manuscrits Arabes de I Escurial. P 162 )

(30) انظر

( P. Melchor Antuna; El Poligrafo granadion Ibn al jatib. en la Real )Biblioteca del Escorial Imprenta del Real Monasterio 6291 (

وP .03 .13

24

الجرد الشامل الذي قام به لمختلف السجلات و المخطوطات‏ (31).

و أخيرا و ليس آخرا نذهب إلى دائرة المعارف الإسلامية، فنجد أنها لم تشر إلى كتاب نفاضة الجراب إطلاقا و ذلك في المقال الذي أفرده المستشرق زيبولدSeybold عن ابن الخطيب‏ (32).

و يبدو أن اختفاء هذا الكتاب قد حدث في الفترة التي تلت وفاة ابن الخطيب مباشرة. و لعلّ النكبة التي حلّت بهذا المؤرخ الكبير، لم تكتف بقتله و مصادرة أملاكه، بل امتدّت أيضا إلى مؤلّفاته ممّا دعا بعض الناس إلى إخفائها. و يدلنا على ذلك ما رواه أحد المؤرخين المعاصرين لابن الخطيب و هو الأمير العلامة أبو الوليد إسماعيل بن يوسف النصري المعروف بابن الأحمر (33) يقول:

(و نفاضة الجراب في أربعة اسفار، و هو من أحسن تآليفه، و لم أزل أكثر البحث في هذا التاريخ عنها فلم أقف على عين و لا أثر إلا عدّة أوراق متفرّقة. و قد كنت قبل هذا التاريخ رأيت بعضها (34).

و كيفما كان الأمر فالذي ألاحظه جيدا أن المؤرخين المتأخرين أمثال‏

____________

(31) هذه العبارة موجودة بخط يده باللغة الإسبانية على هامش مقال انطونيا السالف الذكر و في العدد المحفوظ بالمكتب نفسها

(32) انظر(Enc .Islam .Art .Ibn al .Khatib)

(33) هذا الأمير من سلالة بني الأحمر ملوك غرناطه. خدم في بلاط بني مرين بمراكش و توفي بفاس سنة 807 ه و قيل في سنة 810 ه كتب مؤلفات عديدة نذكر منها: 1- نثر الجمان في شعر من نظمني و إياه الزمان. 2- البقية و المدرك من شعر ابن زمرك. 3- روضة النسرين في ملوك بني مرين. أما عن الكتاب الأول فلا يزال مخطوطا و توجد منه نسخه بدار الكتب المصرية تحت رقم 1863- أدب. أما عن الكتاب الثاني، فلا أعلم عنه سوى ما رواه عنه المقّري في أزهار الرياض ج 2 ص 11- 12، أما عن الكتاب الثالث فقد نشره.

G. Marcais Gh Bouali: Rawdat En Nissin Paris 7191

ثم عثر ليفي بروفنسال على نسخ أخرى من هذا الكتاب الأخير. انظر

Levi Provencal: Deux nouvcau manuscrits de Rawdat an Nisrin d Ibn al Ahmar Journal; Asiatique Oct- Dec 3291

نشر كتاب روضة النسرين أخيرا عبد الوهاب بن منصور (الرباط، المطبعة الملكية 1962).

(34) المقّري: أزهار الرياض (ج 1، ص 189)

25

المقّري و ابن القاضي و السلاوي قد استفادوا من هذا الكتاب و نقلوا منه بعض أجزائه مع الإشارة إلى ذلك صراحة. و بمقابلة هذه الأجزاء المنقولة على نسخة نفاضة الجراب التي لدينا، لاحظنا أن جزءا كبيرا منها منقول منها حرفيّا (35)، أما الجزء الآخر فغير موجود أصلا مما يدل على أن هذا النقل قد جاء من بعض أجزاء الكتاب الأخرى التي تعدّ الآن في حكم المفقودة (36).

هذا و نلاحظ كذلك أن معظم ما نقله المؤرّخون المتأخرون من نفاضة الجراب التي لدينا كان مقصورا على بعض القصائد الشعرية و الرسائل الأدبيّة. أما النصوص التاريخية فلا زالت جديدة و في حاجة إلى نشر و دراسة و من ضمن هذه النصوص التاريخية القيّمة، وصف الرحلة التي قام بها المؤلّف في بعض نواحي المغرب الأقصى خلال فترة منفاه كما سبق أن أشرنا.

____________

(35) الواقع أن ما نقله هؤلاء المؤرخون من نسخة نفاضة الجراب التي لدينا، كثير جدا خصوصا ما ورد منها في كتاب نفح الطيب للمقّري، بحيث يضيق المقام هنا عن حصرها. و لهذا آثرت أن أشير إلى ذلك في حينه عند نشر النص ذاته.

(36) أورد المقّري في نفحه (ج 8، ص 316- 319) وصفا قيما لمدينة مكناسة الزيتون مشيرا إلى أنه من كتاب نفاضة الجراب. غير أننا بعد مراجعة هذا النص على النسخة التي لدينا لم نجده مدرجا فيها. و في موضع آخر من نفح الطيب (ج 7، ص 271) تكلّم المقّري عن قاضي مدينة مكناسة أبو محمد عبد الخالق بن سعيد بن محمد، و قال إن ابن الخطيب ذكره في نفاضة الجراب، و قال إنه لقيه بمكناسة الزيتون عام 761 ه. و لكنّي بعد المراجعة أيضا لم أجد ذكرا لاسم هذا القاضي في النسخة التي معي. كذلك كان الحال بالنسبة لابن القاضي في كتاب جذوة الاقتباس فيمن حلّ من الأعلام بمدينة فاس حيث أورد في ص 78 ترجمة و شعرا للعالم المكناس أحمد بن محمد ابن إبراهيم الأوسي كما أورد في ص 111 ترجمة للفقيه الحسن بن عثمان التجاني و ذلك نقلا عن نفاضة الجراب، و لكنّني بعد البحث أيضا لم أجد هذه الترجمات و إلى جانب ذلك فهناك شعر كثير نظمه ابن الخطيب بمدينة فاس في ذلك الوقت و أورده المقّري في نفح الطيب نقلا عن نفاضة الجراب و لكنّني لم أجد له ذكرا في النسخة التي لدينا. انظر (نفح الطيب ج 8، ص 178، ج 10، ص 160- 161).

كل ما تقدم يتضح لي أن المقري نقل الكلام السابق الذكر من الجزء الأول (المفقود) من نفاضة الجراب حيث يصف ابن الخطيب بداية رحلته من العاصمة فاس ثم يتجه جنوبا إلى مدينة مكناسه عام 761 ه حيث يتصل بعلمائهما، ثم يواصل رحلته جنوبا إلى أن يصل إلى جبل هنتاته في إقليم أطلس و هو بداية الجزء الثاني الذي وصل إلينا.

26

و إني أقتصر الآن على نشر هذا النص فقط حرصا على وحدة الموضوع، راجيا أن أتمكن في المستقبل من نشر بقيّة النصوص على شكل دراسات تاريخية مستقلة، إن شاء الله.

أما بخصوص هذه الرحلة، فتجدر الإشارة هنا إلى أن ابن الخطيب كان يعتبر الكتاب كلّه رحلة بل إنه كان يسميه في بعض الأحيان كتاب الرحلة (37) و الواقع أن إطلاق كلمة رحلة على جميع أجزاء الكتاب فيه شي‏ء من المبالغة و التعميم لأن الكتاب، كما هو واضح من عنوانه (نفاضة الجراب)، عبارة عن خليط عجيب من النثر و الشعر و التاريخ. أما وصف الرحلة في حدّ ذاته فيقع في الواحد و عشرين ورقة الأولى من هذا المخطوط.

و يلاحظ من بداية هذا الوصف أن الرحلة ناقصة غير كاملة. إذ إنه يبدأ، و بدون مقدّمات، بالصعود إلى جبل هنتاته، و هو جبل ناء بمنطقة جبال أطلس. فلا شكّ أن بداية هذه الرحلة تقع في الجزء الأوّل المفقود من هذا الكتاب.

و مهما يكن من شي‏ء، فالنص الذي لدينا يبدأ كما قلنا بصعود ابن الخطيب إلى جبل هنتاته نسبة إلى قبيلة هنتاته (بكسر الهاء أو فتحها) التي كانت تسكنه، و هي فرع من قبائل مصموده الضاربة في غرب إقليم أطلس‏ (38).

و في هذا الجبل يصف ابن الخطيب المكان الذي توفي فيه السلطان المريني أبو الحسن علي، بعد أن ثار عليه ابنه أبو عنان فارس. كذلك يصف معيشة شيوخ قبيلة هنتاته و أنواع المآكل و المشارب التي قدّموها له، و هو وصف على جانب كبير من الأهمية.

____________

(37) ابن الخطيب: الإحاطة لوحة 346 (نسخة الاسكوريال)

(38) انظر

( J. Leon Africano: Descripcion de Africa P. 01, Tetuan 2591 )

27

و يواصل ابن الخطيب رحلته إلى مدينة أغمات، و هنا يتكلّم عن محاسن هذه المدينة و سذاجة أهلها و عن شخصياتها و آثارها. و من بين ما ذكره عن مسجدها و مئذنته المخروطية الشكل و هو نص عظيم الأهمية من الناحية المعمارية الأثرية. و قد زار ابن الخطيب في هذه المدينة قبر (39) الملك الشاعر المعتمد بن عباد ملك إشبيلية و أحد ملوك الطوائف الذي نفاه المرابطون إلى هذا المكان بعد أن استولوا على الأندلس في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي). و قد مدحه الخطيب بقصيدة جميلة نشرها و ترجمها المؤرخ الهولندي المعروف دوزي ضمن النصوص التي قدّمها عن أسرة بني عباد (40).

بعد ذلك يعود ابن الخطيب إلى مدينة سلا مارّا في طريقه بمدن مختلفة مثل دكاله و أزمور و آسفي و مراكش. فأخذ يصف هذه المدن و ما فيها من مساجد و مدارس و مكتبات و جبّانات، كما أشار إلى من اتصل به من علمائها و شيوخها. و أخيرا ينتهي به المطاف إلى مدينة سلا

Sale

على ساحل المحيط الأطلنطي بأقصى المغرب. و هناك استقرّ ابن الخطيب في ضاحيتها المعروفة باسم شاله‏Chella حيث الجبّانة الملكية لبني مرين‏ (41).

يقول المقّري في هذا الصدد: (و في شاله سلا رابط ابن الخطيب بجوار أضرحة ملوك بنى مرين سائلا لهم من المولى عزّ و جلّ الرحمة و الغفران) (42).

و لقد عاد عليه هذا العمل بخير جسيم، إذ تفضّل السلطان المريني أبو سالم فأمر بأن يصرف له من مجبي مدينة سلا مرتّب شهري له ولولده مبلغ خمسمائة دينار، و أن يعفى من كل مغرم أو ضريبة، و أن يرفع الاعتراض فيما يجلب له من الأدم و الأقوات على اختلافها من حيوان و سواه فيما يستفيد خدامه من عنب و قطن و فاكهة و خضر ... الخ‏ (43).

____________

(39) انظر

E Garcia Gomez. EL Supuesto Sepulcro de Mu tamid de Sevilla en Agmat: AL Andalus )XVIII. 3591 (

(40) انظر(R .Dozy Loci de Abbadidis T .II .PP 222 -322)

(41)

( Henri Basset et Levi Provencal: Ghella: Une necropole merenide P 751 Paris 2291 )

(42) المقري: نفح الطيب (ج 8، ص 322)

(43) المقري: نفح الطيب (ج 8، ص 117- 118)

28

و هكذا تنتهي رحلة ابن الخطيب، و نلاحظ أن أسلوبه الكتابي فيها، و في كتاب نفاضة الجراب بصفة عامّة، يختلف عن أسلوب رحلاته الأخرى، بمعنى أنه لم يتّخذ طابع فن المقامات المعروف بالسجع و التقفية، بل كان كلاما مرسلا جزلا في غالب الأحيان‏ (44) غير أن أسلوب ابن الخطيب، سواء في هذا أو ذاك، نراه بصفة عامّة بادي التكلّف، مليئا بالصنعة اللفظية و المحسنات البديعيّة التي كانت سائدة في العالم الإسلامي في ذلك الوقت.

هذا و قبل أن نختم الكلام في هذا الموضوع، ينبغي أن نشير إلى أن ابن الخطيب كان يزمع القيام برحلة إلى بلاد المشرق لتأدية فريضة الحج و الاتصال بالأوساط العلميّة فيها. غير أن أعباء منصبه- كما يقول هو- قد حالت دون تحقيق مآربه. إلا أن ابن الخطيب قد نفّس عن هذه الرغبة المكبوتة بأن أرسل ابنه أبا الحسن علي إلى المشرق ليأخذ العلم على علماء عصره هناك، كما أرسل كتبه‏ (45) و أمواله‏ (46) إلى القاهرة ليستفيد بها طلبة العلم هناك.

و بعد فمثل هذه الروح النشطة، و الحيويّة المتدفقة، ثم هذه الدقّة في الملاحظة التي امتازت بها جميع أوصافه و مشاهداته، تدلّ جميعا على أن ابن الخطيب رحّالة من الطراز الأول.

و لا يسعني في ختام هذه المقدمة إلا أن أوجّه خالص شكري إلى صديقي الأستاذ الدكتور عبد العزيز الأهواني، إذ تفضّل بمراجعة بعض نصوص هذا الكتاب مبديا من الملاحظات و النصائح ما دلّ على غزارة علمه و سموّ أخلاقه.

أحمد مختار العبادي‏

الإسكندرية يناير 1958

____________

(44) المقري: نفح الطيب (ج 8، ص 316)

(45) و مثال ذلك كتاب الإحاطة في أخبار غرناطة و كتاب روضة التعريف بالحب الشريف. و الأول لا زالت توجد منه نسخة برواق المغاربة بالأزهر و الثاني موجود بالمكتبة الظاهرية بدمشق راجع كذلك (المقّري: نفح الطيب ج 10، ص 164- 165)

(46) انظر (المقري: نفح الطيب ج 9، ص 311)

29

مسار الرحلة

الرسالة الأولى‏ خطرة الطيف في رحلة الشتاء و الصيف‏

* الخروج من غرناطة(Granada) يوم الأحد 17 محرم 748 ه 1347 م‏

* مدينة وادي آش(Guadix) في شمال شرق غرناطة

* بسطة:Baza

* برشانة:Purchena

* بيره:Vera

* ثغر المرية:Almeria

* بجانة:Pechina

* مرشانة:Merchena

* فنيانة:Finiana

* وادي آش:Guadix

* غرناطة:Granada

الرسالة الثانية مفاخرات مالقة وسلاEl Parangon Entre Malaga y Sale

* مفاضلة بين المدينتين.

30

الرسالة الثالثة الاختبار في أحوال المعاهد و الديار* وصف مدن المغرب الأقصى و 34 مدينة في مملكة غرناطة

الرسالة الرابعة نفاضة الجراب في علالة الاغتراب‏* جبل هنتاته‏Hintata mountain

* مدينة أغمات‏Agmet

* دكالةDokakla

* أزمّورAzammur

* آسفي‏Safi

* مراكش‏Marruecos

* سلاSale

31

الرسالة الأولى خطرة الطيف في رحلة الشتاء و الصيف‏

بسم الله الرحمن الرحيم‏

صلى الله على مولانا محمد و آله و صحبه‏

خطرة الطيف في رحلة الشتاء و الصيف‏

للكاتب و الأديب الناظم الناثر ذي الوزارتين‏

أبي عبد الله بن الخطيب‏

تغمّده الله برحمته بمنّه و كرمه‏ (47) (48)

(لوحة 51) نحمد الله حمد معترف بحقه، و نشكره على عوائد فضله و رفقه، الذي جعل لنا الأرض ذلولا نمشي في مناكبها، و نأكل من رزقه،

____________

(47) تتفق نسخة المخطوط رقم 470 التي رمزنا لها بحرف (أ) مع نسخة الريحانة (ب) في عباراتها و معانيها و روحها مما لا يثير شكّا في أن المؤلف واحد و هو ابن الخطيب كما نصّت على ذلك كلتا الرسالتين. على أننا نلاحظ اختلافا بين النسختين في بعض الألفاظ و العبارات، كما نلاحظ أن نسخة (أ) رغم كونها مجهولة الناسخ تحتوي على فقرات أكثر من نسخة (ب) و لهذا اتخذناها أصلا للنشر و إن كانت هي الأخرى لم تسلم من الألفاظ المحرّفة. هذا و قد بيّنا في الحواشي ما ورد في النسختين من فروقات و أخطاء

(48) هذا العنوان كما ورد في (ا) و هو أكمل و أوفى من (ب) حيث اقتصر على الصيغة التالية:

(و من ذلك المقامة المسماة بخطرة الطيف و رحلة الشتاء و الصيف) هذا و ينبغي أن نشير أن كلا من حاجي خليفة و بونس بويجس لم يشيرا إلى هذه الرسالة أصلا، كما لم يشر إليها ابن الخطيب نفسه ضمن مجموعة مؤلّفاته التي نصّ عليها في كتابيه الإحاطة، و نفاضة الجراب.

32

و نصلي على سيدنا و مولانا محمد خيرته من خلقه، و نستوهب للمقام المولوي اليوسفي النصري سعدا يتلألأ نور أفقه، و نصرا يتلى بغرب المعمور و شرقه.

(و نقول) (49).

و قائلة صف لي فديتك رحلة* * * عنيت بها يا شقة القلب من بعد

فقلت خذيها من لسان بلاغة* * * كما نظّم الياقوت و الدّر في عقد

لما وقع العزم الذي وفّقه‏ (50) الله على مصالح هذه الجزيرة، و القصد المعرب عن كريم العقيدة و فضل السريرة، على تفقد بلادها و أقطارها، و تمهيد أوطانها، و تيسير أوطارها، رأى من قلّده الله أمورها، و وكل إلى حمايته ثغورها، مولانا و عصمة ديننا و دنيانا أمير المسلمين و ظلّ الله على العالمين أبو الحجّاج‏ (51) بن مولانا أمير المسلمين و كبير الملوك العادلين‏ (52) الصالحين أبي الوليد (53) إسماعيل بن‏ (54) مولانا الهمام الأعلى، الذي تروى مفاخره و تتلى، أبي سعيد (55) حفظ الله منه على الأيام بحر الندى، و بدر المنتدى، و سابق الفخر البعيد المدى‏ (56) و شمله برواق عصمته كلّما راح و اغتدى، أن يباشرها بنفسه، و يجعل آفاقها مطالع شمسه، نظرا للإسلام و قياما بحقّه، و عملا على ما يقرّبه ممّن استخلفه على خلقه، في وجهة خالفها الغمام المنسجم‏ (57)، و قصبة (58) قضى لها بالسعد من لا ينجم‏ (59)، فكان البروز إليها (60) يوم‏

____________

(49) زيادة عن (ب)

(50) في (ب) وقفه و المتن أصح‏

(51) سقط هذا الاسم في (أ)

(52) في (ب) المجاهدين.

(53) (أبي) ساقطة في (أ).

(54) في (ب) (ابن).

(55) في (أ)، سعيد بن نصر.

(56) ساقطة في (أ).

(57) في (ب) المثجم.

(58) كذا في (ا)، (ب) و قد كتبها مولر (و نصبه).

(59) كذا في (ا)، (ب) و كتبها مولر ينحجم.

(60) لها في (ا)

33

الأحد سابع عشر (شهر) (61) المحرم فاتح عام ثمانية و أربعين و سبعمائة.

خرجنا و صفحة الأفق بالغيم منتقبة (62) و أدمع السحب لوداعنا منسكبة نتبع من الراية الحمراء دليلا هاديا، (و تغترف من وجهتنا الجهادية سناء باديا) (63) و نثق بوعد الله سبحانه في قوله و لا يقطعون واديا. و سلكنا جادّة الماء المفروش نسرّح اللحاظ بين تلك العروش، و نبتذل‏ (64) ما نحلته عروش الربيع من تلك الفروش، و من له بالحضرة حرسها الله شوق حثيث، و هوى قديم و حديث، يكثر الالتفات، و يتذكّر لما فات و يبوح بشجنه، و ينشد مشيرا إلى سكنه.

يوم أزمعت عنك‏ (65) طي البعاد* * * وعدتني عن (الوداع)

(66) العوادي‏

قال صحبي و قد أطلت التفاتي‏* * * أي شي‏ء تركت قلت فؤادي‏

و ربما غلبته لواعج أشواقه، و شبّت زافراته عن أطواقه، فعبّر عن وجده، و خاطب (الحضرة) (67) معربا عن حسن عهده:

ألا عم صباحا أيها الربع و اسلم‏* * * و دم في جوار الله غير مذمم‏

و لا عدمت أرجاؤك النور إنها* * * مطالع أقماري و آفاق أنجم‏ (68)

إذا نسى الناس العهود و أغفلوا* * * فعهدك في قلبي و ذكرك في فم‏ (69)

و إني و إن أزمعت عنك لطية* * * و قوضت رحلي عنك دون تلوّم‏

فقلبي لك البيت العتيق مقامه‏* * * و شوقي إحرامي و دمعي زمزم‏

ثم استقلّت بنا الحمول، و كان بوادي فردس‏ (70) النزول، منزل خصيب‏

____________

(61) زياده عن (ا).

(62) في (ب) متنقبه.

(63) هذه العبارة لم ترد في (ب).

(64) وردت في النسختين و نبتدل و صحّتها كما في المتن.

(65) كذا في (ب) و في الأصل طوع.

(66) كذا في الأصل و في (ب) البعاد.

(67) في (ا) المعاهد.

(68) في (ب) انجمى.

(69) في (ب) في.

(70)RiO Fardes ، و قد وردت في (ب) (فرذس) و المتن أصح‏

34

و محل له (من) (71) الحسن نصيب. و لمّا ابتسم ثغر الصباح، و بشّرت بمقدمة نسمات الرياح، الغينا (72) عمل السرّاج إلى الاسراج، و شرعنا في السير الدائب، و صرفنا إلى وادي آش‏ (73) صروف الركائب. و اجتزنا بوادي حمّتها (74)، و قد متع النهار، و تأرجت الأزهار، فشاهدنا به معالم الأعلام، و حيّينا دار حمدة بالسلام، و تذاكرنا عمارة نواديها، و تناشدنا قولها في واديها:

أباح الشوق أسراري بوادي‏* * * له في الحسن آثار بوادي‏

فمن واد يطوف بكل روض‏* * * و من روض يطوف بكل وادي‏

و من بين الظباء مهاة رمل‏* * * سبت قلبي و قد ملكت فؤادي‏

لها لحظ ترقّده لأمر* * * و ذاك الأمر يمنعني رقادي‏

كأن البدر مات له شقيق‏* * * فمن حزن تسربل بالحداد (75)

و استقبلنا البلدة حرسها الله في تبريز سلب الأعياد احتفالها، و غصبها حسنها، و جمالها نادي بأهل المدينة، موعدكم يوم الزينة، فسمحت الحجال برباتها، و القلوب بحبّاتها، و المقاصر بحورها، و المنازل ببدورها. فرأينا تزاحم الكواكب بالمناكب و تدافع البدور بالصدور بيضاء كأسراب الحمائم،

ملتفعات بروضهن تلفع الأزهار بالكمائم‏ (76)، حتى (إذا) (77) قضى القوم من سلامهم على إمامهم فرضا، و استوفينا (78) أعيانهم تمييزا و عرضا،

____________

(71) في (ا) عن‏

(72) كذا في (ا، ب) و قد قرأها مولر القينا

(73) مدينة وادي آش أو وادي إيش و اسمها القديم‏Acci و تعرف اليوم باسم‏Guadix و تقع هذه المدينة على نهر فردس على مسافة 53 ك. م شمال شرق غرناطه. راجع (الحميري:

الروض المعطار ص 192- 193، نشر ليفي بروفنسال 1937) انظر كذلك 189.P )Seybold ,Enc ISl .II .

(74)Rio Alhama

(75) هذا البيت زيادة عن (ب)

(76) وردت هذه العبارة في (ب): متنقبات تنقب الأزهار بالكمايم.

(77) الزيادة عن (ب)

(78) في (1)، و استوفى.

35

خيّمنا ببعض (رباها (79) المطلة) (80)، و سرحنا العيون في تلك العمالة المغلة، و الزروع المستغلة، فحباها الله من بلدة (أنيقة) (81) الساحة، (رحبة المساحة) (82)، نهرها مطرد، و طائرها غرد، تبكي السحاب فيضحك نورها ويدندن النسيم فترقص‏ (83) حورها.

بلد أعارته الحمامة طوقها* * * و كساه حسن جناحه الطاووس‏ (84)

فكأنما الأنهار فيه مدامة* * * و كأن ساحات الديار كؤوس‏

معقلها بادي الجهامة (85)، تلوح عليه سمة الشهامة، نفقت سوق النفاق دهرا، و خطبها الملوك فلم ترض إلا النفوس مهرا، طالما تعرفت و تنكرت، و حجتها نعم الأيالة النصرية فأنكرت، و مسّها طائف من الشيطان ثم تذكرت، فالحمد لله الذي أن‏ (86) هداها بعد أن تبت يداها، فجفّ من فتنتها ما نبع، و انقادت إلى الحق و الحق أحق أن يتبع، و تنافس أهلها في البر الكفيل، و القرى الجميل‏ (87) فبتنا نثني على مكارمهم الوافية، و فواضلهم (الكافية) (88) و لم نحفل بقول (ابن) (89) أبي العافيه: (54)

إذا ما مررت بوادي الأشا* * * فقل رب من لدغة سلم‏

و كيف السلامة في منزل‏* * * فيه‏ (90) عصبة من بنى أرقم‏

و لمّا فاض نهر الصباح على البطاح و نادى منادي الصلاة على الفلاح،

____________

(79) كذا في (ب) و قد وردت في (1): ربما المطلت.

(80) كذا في (ب) و قد وردت في (1): ربما المطلت.

(81) كذا في (ب) و في (أ) أنيقيه.

(82) الزيادة عن (ب).

(83) في (ب) فيرقص.

(84) في (ب): و كساه ريش جناحه الطاووس.

(85) كذا في النسختين و قرأها مولر الجمامة.

(86) في (ب): الذي هداها.

(87) كذا في الأصل و في (ب) الحفيل و هي أحسن‏

(88) الزيادة عن (ب)

(89) الزيادة عن (ب)

(90) في (ب): به، و هي أصح لاستقامة الوزن معها.

36

قدمنا الرواحل‏ (91) لارتياد منزل، و قمنا (92) عن اتباع آثارها بمعزل نظرا للمدينة في مهمات الأمور. و كان اللحاق بغور (93)، من بعض تلك الثغور، أتيناها و النفوس مستبشرة، و القباب لأهلها منتظرة، فحمدنا الله على كمال العافية، و قلنا في غرض تجنيس القافية:

و لما اجتلينا من نجوم قبابنا* * * سنا كل خفاق الرواق بغور

زرينا على شهب السماء بشهبها* * * متى شئت يا زهر الثواقب غور (94)

أطلتنا بها ليلة شاتية، و الحفتنا أنواء الأرض مراثية (95) فلمّا شاب مفرق الليل، و شمّرت‏ (96) و الآفاق من بزّتها العبّاسيّة (97) فضول الذيل، بكرنا نغتم أيام التشريق، و ندوس بأرجلنا حيّات الطريق. و جزنا في كنف اليمن و القبول بحصن الببول‏ (98)، حسنة الدولة (اليوسفية) (99)، و إحدى اللطائف‏ (100) الخفية، تكفل الرفاق بمأمنها، و فضح سرية العدو في مكمنها من أبيض كالغارة (101) ضمن الفوز في تلك المفازة (102) فحيّيناه بأيمن طير و تمثلنا عنده‏ (103) بقول زهير:

و سكنتها حتى اذا هبّت الصبا* * * بنعمان لم تهتز في الأيك أغصان‏

و لم تك‏ (104) فيها مقلة تعرف الكرى‏* * * فإن‏ (105) زارها طيف مضى و هو غضبان‏

____________

(91) كذا في (ا) و في (ب) قمنا للرواحل‏

(92) في (ب) و أقمنا

(93)Gor

(94) في (ب) غورى.

(95) في (ب): و ألحقتنا أنواء الأرض مؤاتيه‏

(96) كذا في (ا، ب) و قرأها مولر و شهرت‏

(97) يقصد السواد شعار العباسيين‏

(98)Baul

(99) كذا في (ب) بينما وردت في (ا) التاسفيه و المتن أصح‏

(100) في (ا) الطائف‏

(101) في (ا) كالفاره‏

(102) في (ب) المغاره‏

(103) في (ا) عندها

(104) في (ب) يك‏

(105) في (ب) فلو

37

و كان ملقى الحران منابت الزعفران بسطة (106) حرسها الله، و ما بسطة محل خصيب، و بلدة لها من اسمها نصيب، بحر الطعام، و ينبوع العيون المتعدّدة بتعدّد أيام العام. و معدن ما زيّن للناس حبّه من الحرث و الأنعام.

يالها من عقيلة، صفحتها صقيلة، و خريدة، محاسنها فريدة، و عشيقة (نزعاتها) (107) رشيقة، لبست حلي‏ (108) الديباج الموشى، مفضّضة بلجين الضحى، مذهّبة بنضار العشا (109)، و سفرت عن المنظر البهي، و تبسّمت عن الشنب الشهي و تباهت بحصونها مباهاة الشجرة الشمّاء بغصونها، فوقع النفير و تسابق إلى لقائنا الجم الغفير، مثل الفرسان صفّا، و انتشر الرّجل جناحا ملتفّا (110)، و اختلط الولدان بالولائد، و التمائم بالقلائد في حفل سلب النهى‏ (111) و جمع البدر و السهى، و الضراغم و المها، و ألّف بين القاني و الفاقع، و سدّ بالمحاجر كوى البراقع، فلا أقسم بهذا البلد و حسن منظره الذي يشفى من الكمد لو نظر الشاعر إلى نوره المتألق لآثرها بقوله في صفة بلاد جلّق:

بلاد بها الحصباء در و تربها* * * عبير و أنفاس الرياح شمول‏

تسلسل منها ماؤها و هو مطلق‏* * * و صحّ نسيم الروض و هو عليل‏

رمت إلى غرض الفخر بالسهم المصيب، و أخذت من أقسام الفضل بأوفى نصيب، و كفاها بمسجد الجنّة دليلا على البركة، و بباب المسك عنوانا على الطيب يغمر من القرى موج كموج البحر. إلا أن الرياح لاعبتنا ملاعبة الصراع، و كدّرت القرى بالقراع، فلقينا من الريح ما يلقاه قلب المتيّم من التبريح، و كلّما شكت إليها المضارب شكوى الجريح، تركتها بين المائل و الطريح.

____________

(106) بسطة و هي مدينةBasti القديمة و تعرف اليوم باسم‏Baza و تقع في شمال شرق غرناطه بنحو 123 ك. م و يروي صاحب الروض المعطار ص 45 أن هذه المدينة كانت مشهوره بمنتجاتها الزراعية و لا سيما الزيتون، و بمنسوجاتها الحريرية و ينسب إليها الوطاء البسطي من الديباج الذي لا يعلم له نظير

(107) كذا في (ب) و في (ا) نزعتها

(108) في (ب) حلة

(109) العسي في (ا)

(110) في (ا) متلفا

(111) في (ا) النها.

38

و لمّا توسط الواقع، و التقمت‏ (112) أنجم الغرب‏ (113) المواقع، صدقتنا (114) الريح الكرّة، و جادتنا الغمائم‏ (115) كل عين ثرّة (116)، حتى جهلت الأوقات، و استراب الثقات، فتستر الفجر بنقابه، و انحجز (117) السرحان في غابه، و كان أداء الواجب بعد خروج الحاجب، و ارتحلنا (118) و قد أذن الله للسماء فأصحت، و للغيوم فتنحت‏ (119)، و للريح فلانت بعد ما ألحت، و ساعد التيسير، و كان على طريق قنالش‏ (120) المسير، كبرى بناتها و شبيهتها في جداولها و جنّاتها، ما شئت من أدواح توشّحت بالنّور و تتوجت و غدران زرع هبّت عليها الصبا فتموّجت، سفر بها الشقيق الأرجواني عن خدود الغواني، فأجلنا العيون في رياض، و تذكّرنا قول القاضي عياض:

انظر إلى الزرع و خاماته يحك* * * ي و قد ماس أمام الرياح‏

كتيبة خضراء مهزومة* * * شقائق النعمان فيها جراح‏

مثل أهلها فسلموا، و من عدم النزول بهم تألّموا. و أتينا فحص الأنصار فتجدّدت له ملابس المجادة، و تذكر عهود من حل به عند الفتح الأول من السادة، و لمّا خفقت به راية سعد بن عبادة (121) و لم تزل الركائب تفلي الفلاة فرى الأديم، و أهلة السنابك صيّرها السير كالعرجون القديم، حتى ألحفتنا شجرات المصنبر بشذاها المعنبر (122) و راقتنا بحسن ذلك المنظر سوار مصفوفة،

____________

(112) في (ا) و التقحت‏

(113) في (ب) العرب‏

(114) في (ب) صدقت‏

(115) في (ب) الغمام‏

(116) ثره أي الماء الغزير وردت في (ا) طره و في (ب) تره و لعلّ صحتها كما في المتن‏

(117) في (ب) و انحجر

(118) و قد ارتحلنا زيادة في (ا)

(119) في (ب) فشحت‏

(120) و هي الآن‏Canales انظر(Simonet :op .cit .p .431)

(121) سعد بن عبادة رئيس قبيلة الخزرج و زعيم الأنصار بالمدينة المنورة على عهد الرسول (صلعم) و صاحب سقيفة بني ساعده التي تمت فيها بيعة أبي بكر الصديق بالخلافة. و ينتمي إليه بنو الأحمر ملوك غرناطه.

(122) في (ب) العنبر

39

و أعلام خضر ملفوفة، و نخل يانعة البسوق، و عذاري كشفت‏ (123) حللها (124) الخضر عن السوق، كأنها شمّرت الأذيال‏ (125) لتعبر الوادي، على عادة نساء البوادي، ينساب بينها الزلال المروّق، و يغنّي فوقها الحمام المطوّق، فتهيج الجوي و تجدد عهود الهوى‏ (126)، صبّحتنا بها أصوات تلك القماري، و أذكرتنا قول ابن حصن الحجاري:

و ما راعني إلا ابن ورقاء هاتف‏* * * على قنن بين الجزيرة و النهر

أدار على الياقوت أجفان لؤلؤ* * * و صاغ على المرجان طوقا من التبر

حديد شبا المنقار داج كأنه‏* * * شبا قلم من فضة مد في حبري‏ (127)

توسد من عود (128) الأراك‏* * * و مال على طي الجناح مع الفجر (129)

و لما رأى دمعي مراقا أرابه‏* * * بكائي فاستولى على الغصن النضر

وحث‏ (130) جناحيه و صفّق طائرا* * * فطار بقلبي حيث طار و لا أدري‏

(مفستق طوق الأزودي كلكل‏* * * موشى الطلى إحدى القوادم و الظهر) (131)

و نزلنا بظاهر حصن شيرون‏ (132)، و قد ترعرع شباب اليوم، و طالبنا غريم الظهيرة بمنكسر فرض النوم، حصن أشم، و مناخ لا يذم. نزلنا الهضبة بإزائه، و غمرنا من برّه ما عجزنا عن جزائه، و عثرنا بين المضارب، ببعض العقارب، سود الرؤوس، متوّجة بأذنابها في شكل الطاووس، فتلقينا ذلك بسعة الصدر و قلنا العقرب من منازل البدر. و رحلنا بمثل تلك‏

____________

(123) في (ا) كسفت‏

(124) في (ا) حلاها

(125) في (ا) الأديال‏

(126) في (ب) النوى‏

(127) في (ب) تبر

(128) في (ب) فوق.

(129) في (ب) الصدر.

(130) في (ا) و حتى‏

(131) هذا البيت لم يرد في (ب)، و كلكل لعللها مكلل.

(132)Seron

40

الصورة، نلتحف ظلال وادي المنصورة (133)، سمر الأندية، و سلطان الأودية. يا لها من أرائك مهدّلة السجوف‏ (134)، و جنّات دانية القطوف، ينساب بينها للعذب الزلال، أرقم سريع الانسلال‏ (135)، و صارم‏ (136) يغمد في جفون الظلال، يتلاعب بين أيدينا شمالا و يمينا، فطورا عصباه ثعبانا، و آونة تنعطف‏ (137) صولجانا، و تارة تستدير أفلاكا، و ربّما نسجت منه أيدي الرياح شباكا (138)، و أم حسن فيه ذات لسن، تبعث بنغماتها لواعج الشجون‏ (139)، و تقيم دين ابنها (140) في الخلاعة و المجون. و سرنا و در الحصى بساط الأرجل ركابنا، و دنانير أبي الطيب تنثر فوق أثوابنا، ترقب نجوم القلاع و الحصون، من خلل سحاب الغصون. و النساء (141) إلى مشاهدة التبزير قد حفّت، و بشاطئ الوادي قد صفّت، قد أبرزن‏ (142) الثنايا (ببروق الثنايا) (143)، و سددن سهام المنايا، عن حواجب كالحنايا، يشغلن (58) الفتى‏ (144) عن شؤونه، و يسلبن الروض لين ... مونه، هذا (145) خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه.

و طالعنا برشانة (146) حرسها الله، فحيّتنا ببواكر الورد، و نضت عنّا برود

____________

(133) وادي المنصوره:Rio de Almanzor ,Guadalmanzor و يسميه العرب أيضا وادي بيره لأنه يصب مياهه في البحر المتوسط عند بلدة بيره‏Vera انظر

( Simonet: Descripcion del reino de Granada P. 111 )

(134) السحوف في (ا)

(135) الاشلال في (ا)

(136) و سارم في (ا)

(137) تتعطف في (ب)

(138) شياكا في (ب)

(139) الشؤون في (ب)

(140) ولدها في (ب)

(141) النسوان في (ب)

(142) احرن في (ب)

(143) الزيادة عن (ب)

(144) العتا في (ب)

(145) ساقطة في (ا)

(146) برشانةPurchena ، حصن هام في ولاية المرية و يقع على نهر المنصورة السالف الذكر. هذا و ينبغي الإشارة إلى وجود مكان آخر بهذا الاسم في ولاية جيّان راجع (الروض المعطار ص 52 حاشيه 1)

41

البرد، و شملتنا بالهواء المعتدل، و أظلتنا برواقها المنسدل. بلد أعيان و صدور، و مطلع نجوم و بدور، و قلعة سامية الجلال، مختّمة بالكواكب متوّجة بالهلال. حللناها في التبريز الحفيل، و المشهد الجامع بين الذرة (147) و الفيل، حشر أهلها بين دان و نازح، و مثل حاميتها من نابل و رامح، فكان ذلك المجتمع عيدا، و موسما سعيدا (148)، و بتنا في ليلة للأنس جامعة، و لداع السرور سامعة. حتى إذا الفجر تبلّج، و الصبح من باب المشرق تولّج، سرنا و توفيق الله قائد، و لنا من عنايته صلة و عائد، تتلقّى ركابنا الأفواج، و تحيّينا الهضاب و الفجاج إلى قتّوريه‏ (149)، (حرسها الله) (150)، فناهيك من مرحلة قصيرة كأيام الوصال، قريبة البكر من الآصال. كان المبيت بإزاء قلعتها السامية الارتفاع، الشهيرة الامتناع، و قد برز أهلها في العديد و العدّة، و الاحتفال الذي قدم به العهد على طول المدّة، صفوفا بتلك البقعة، خيلا و رجلا كشطرنج الرقعة، لم يتخلّف ولد عن والد، و ركب قاضيها ابن أبي خالد (151)، و قد شهرته النزعة الحجازية، و لبس من حسن الحجى زية (152)، و أرمى من البياض طيلسانا و صبغ لحيته بالحناء و الكتم، و لاث عمامته و اختتم، و البداوة تسمه على الخرطوم، و طبع الماء و الهواء يقوده قود الجمل المخطوم، فداعبته مداعبة الأديب للأديب، و خيّرته بين خصلتي الذيب، و قلت نظمت مقطوعتين إحداهما مدح و الأخرى قدح، فإن همت ديمتك و كرمت شيمتك فللذين أحسنوا الحسنى و إلا فالمثل الأدنى.

____________

(147) الدره في (1)

(148) هذه العبارة زيادة عن (ب)

(149) كذا، و ترد أيضا باسم قنتوريه و هو الأصح، و اسمها حالياCantoria ، و تقع في جنوب برشانه و على نهر المنصورة أيضا

(150) زيادة عن (ب)

(151) راجع ترجمته في (المقّري: نفح الطيب ج 3، ص 285- 278)

(152) في (ا، ب) و في مولر كتبت الحجازيه، غير أن المعنى يستقيم كما كتبناها في المتن على أساس كلمتين. و كما كتبها ابن الخطيب نفسه في موضع آخر. راجع (نفاضة الجراب ورقة 18)

42

فقال أنشدني لأرى على أي الأمرين أثب، و أفرق بين ما أجتني (و ما) (153) أجتنب، فقلت:

قالوا و قد عظمت مبرّة خالد* * * قاري الضيوف بطارف و بتالد

ماذا أتمتّ‏ (154) به فجئت بحجة* * * قطعت بكل مجادل و مجالد

إن يفترق نسب يؤلف‏ (155) بيننا* * * أدب أقمناه مقام الوالد

و أما الثانية فيكفي من البارق شعاعه، و حسبك من شر سماعه، و يسير (156) التنبيه كاف للنبيه. فقال: لست إلى قراي بذي حاجة، و إذا عزمت فأصالحك على دجاجة، فقلت: ضريبة غريبة، و مؤونة قريبة، عجّل و لا تؤجّل، و إن انصرم أمد النهار فأسجل. فلم يكن إلا كلا و لا، و أعوانه من القلعة تنحدر، و البشير منهم بقدومها يبتدر، يزفّونها كالعروس فوق الرؤوس، فمن قائل أمها البجابيّه، و قائل أخوها الخصي الموجه إلى الحضرة العليّه. و أدنوا مربطها من المضرب عند صلاة لمغرب، و الحفوا في السؤال و تشطّطوا في طلب النوال فقلت يا بني اللكيعة، و لو جئتم ببازي بماذا كنت أجازي، فانصرفوا و ما كادوا يفعلون، و أقبل بعضهم على بعض يتلاومون حتى إذا سلّت لذكاتها المدى، و بلغ من عمرها المدى، قلت: يا قوم، ظفرتم بقرّة العين، و ابشروا باقتراب اللقاء فقد ذبحت لكم غراب البين. و كانت البلاد الشرقيّة قد أخلفتها الغيوث وعدت عليها للعدو الليوث، فحيتنا على الشحط، و شكت إلى سعادة مقدّمنا معرّة القحط.

فظهرت مخيلة السعد، فأذن الله في إنجاز الوعد، و قرّبت غريم الغمائم‏ (157) في المقام أعوان الرعد، فاعترف (60) و سمح و انقاد لحكم القضاء بعد ما جمح. و لم يسلم‏ (158) بكيف و لا حتى، و قضاها

____________

(153) ما الثانية زيادة عن (ا)

(154) في (ب) تمت و هي أصح.

(155) في (ا) يألف.

(156) في (ب) و تيسير

(157) في (ب) الغمام.

(158) في (ب) و لم يلم‏

43

المدين‏ (159) في دفع شتّى. هذا و إن كان إنما و إن عزم، و أمده كاد أن ينصرم، فمنفعته بحول الله كبرى، و فيه مآرب أخرى. فتنفّس صدر الجو و زفر، و قطب وجهه بعد ما سفر، و سحّ‏ (160) الغمام و انسكب، و ارتكب‏ (161) من أمر الهنا (162) ما ارتكب فلم تجف له قطره، و لا خطرت بباله للصحو خطره، فسئمنا ذلك العارض الهطال‏ (163)، و سهرنا الليل و قد طال، و ما راعنا و الصبح قد نمّ من خلف الحجاب، و قضيّته قد انتقلت من السلب‏ (164) إلى الإيجاب، و الغمام لا يفتر انسكابه إلا السلطان قد ارتحل ركابه. فضربنا بالقباب وجه الصعيد، و استقبلنا طيّة الغرض البعيد، نهيم في ذلك الوادي، و نكرع من أطواقنا في غدران الغوادي و قد تهدّلت الفروع، و خضلت بالغيث تلك الزروع كأنما أخلفتها (165) الريح فترامت، و سقتها (166) كؤوس السحب حتى سكرت و نامت، و المذانب‏ (167) أمثال الصلال قد تفرّعت و كأنما رعناها (168) فانسابت أمامنا و أسرعت، و مخيلة الصحو لا تتوسم و الجو تستضحكه بشأننا فلا يتبسم. و مررنا بوادي المنصورة التي نسب الوادي إليها، و عرضت مراكب تيّاره بين يديها و أطلالها بالية. و بيوتها خاوية خالية، و مسجدها بادي الاستكانة خاضع للبلى على سمو المكانة، فعبرنا و اعتبرنا و أبصرنا فاستبصرنا (169) و قول أبي الطيّب‏ (170) قد تذكرنا (171):

____________

(159) في (ب) الدين‏

(160) في (ب) و هما

(161) في (ا) (وزفر و ارتكب) و هو تكرار لا مبرر له‏

(162) في (ا) المنا، و قرأها مولر من ايراطنا

(163) كذا في (ا، ب) و قرأها مولر المطل‏

(164) في (ب) النفي‏

(165) في (ا) أخافتها

(166) في (ا) و سقتنا

(167) كذا في (ب)، و وردت في (ا) المثاقب و المتن أصح‏

(168) كذا في (ا) وردت في (ب) و كأنما رعناه‏

(169) لعل صحتها و استبصرنا

(170) ساقطة في (ا)، و أبو الطيب هو الشاعر المتنبي.

(171) قد زيادة عن (ب)

44

أين الذي الهرمان من بنيانه‏* * * ما قومه ما يومه ما المصرع‏

تتخلف الآثار عن أصحابها* * * حينا و يدركها الفناء (172) فتتبع‏

ثم بدّلنا (173) ذلك الوادي بالعراء، و استقبلنا أرضا شبيهة بالصحراء ملاعب للريح، و منابت للسدر (174) و الشيح، سحبت بها عين السحاب فضول‏ (175) الذيل، و طفف الغمام في الكيل، و غار النور، و فار التنّور، و فاضت السماء، و التقى الماء، فالركائب تسبح سبح الأساطيل، و الأرجل تزهق زهوق الأباطيل، و المبارك تعدي، و الأدلّة لا تهتدي، و اللباس قد غير الطين من شكله، و الإنسان قد رجع من الماء و الحمأ (176) إلى أصله.

و خيّمنا في بيره‏ (177)، حرسها الله بالثغر الأقصى و محل الرباط الذي أجر ساكنه لا يحصى. بلدة عدوّها متعقّب، و ساكنها خائف مترقّب، مسرحة بعير و مزرعة شعير، إذا شكرت الوابل، انبتت حبّها سبع سنابل، و نجادها بالهشيم قد شابت، و زروعها قد دعا بها الفصل فما ارتابت، و نداء و آتوا حقه يوم حصاده أجابت. أرحنا بها يوما صحا فيه الجو من سكرته، و أفاق من عمرته، فقيل للنفوس شأنك و دمائك‏ (178) و يا أرض ابلعي ماءك.

و تجلّت عقيلة الشمس معتذرة عن مغيبها مغتنمة غفلة رقيبها.

و رحلنا من الغد و شمل الأنواء غير مجتمع، و الجو قد أنصت كأنه يستمع، بعد أن تمخض‏ (179) الرأي‏ (180) عن زبدته، و استدعي من الأدلاء من‏

____________

(172) في (ب) البلى‏

(173) هذه الكلمة غير واضحة في النسختين، و كتبها مولر ثم بدا لنا و لعل صحتها كما في المتن‏

(174) السدر شجر النبق و جمعها سدور

(175) كذا في الأصل و قد وردت في (ب): سحبت علينا السحاب فصول‏

(176) الحمأ: الطين الأسود

(177) بيره،Vera ، بلدة حصينة مرتفعه، تشرف على ساحل البحر الأبيض المتوسط عند الحدود الشمالية الشرقية لمملكة غرناطه، و من المراسلات المتبادلة بين بعض ملوك غرناطة و ملوك الدول المجاورة، تفهم أن مدينة بيره كانت تعتبر أقصى حدود المسلمين في تلك المنطقة

(178) في (ب) و ذمائك، و هي أصح.

(179) في (ب) و تمحض‏

(180) كذا في (ا، ب) و قرأها مولر الرائب‏

45

وثق بنجدته، و كثر المستشار، و وقع على طريق قيشر (181) الاختيار، و انتدب من الفريق، إلى دلالة تلك الطريق، رجل ذو احتيال، يعرف بابن هلال، استقبل بنا شعبا مقفلا (182)، و مسلكا (61) مغفلا (183)، و سلّما حرج‏ (184) الدرج، سامي المنعرج، تزلق الذر (185) في حافاته، و تراع القلوب لتوقع‏ (186) آفاته، و يتمثّل الصراط عند صفاته. أو عار لا تتخلص‏ (187) منها الأوعال، و لا تغنى السنابك فيها و لا النعال. قطعنا بياض اليوم في تسنّم جبالها، و التخبط في حبالها، نهوي‏ (188) من شاهق إلى وهد، و نخوض‏ (189) كل مشقّة و جهد، كأننا في حلم محموم، أو أفكار مغموم (أو برشام نوم) (190).

و لما طال مرام العروج إلى جو السماء ذات البروج، قلت يا قوم انظروا لأنفسكم فيما أصبحتم فيه، و اعلموا أن دليلكم ابن هلال عزم على اللحاق بأبيه، ثم أخذنا في الانحدار بأسرع الابتدار نهوى من‏ (191) المرقب السامي الذرى و نهبط من الثريا إلى الثرى، و نتمثّل في ذلك المسلك الواعر، بقول الشاعر:

بطريق بيرة (192) أجبل و عقاب‏* * * لا يرتجي‏

(193) فيها النجاة عقاب‏

فكأنما الماشي عليها مذنب‏* * * و كأنما تلك العقاب عقاب‏

____________

(181) في (ا) قاشز

(182) كتبها مولر مقفلّا

(183) كتبها مولر مغفّلا

(184) في (ب) في حرج‏

(185) في (ا) الزر

(186) ساقطه في (ب)

(187) في (ب) يتخلص‏

(188) في (ب) تهوى‏

(189) في (ب) و نحوض‏

(190) وردت في (ب) أو برسام بوم، ولم ترد في (ا)، و لعلّها صحتها كما في المتن‏

(191) في (ب)، إلى‏

(192) في (ا) قاشر.

(193) في (ا) ترتجي‏

46

(حتى‏ (194) إذا استوينا على صفحة الأرض، و تذكّرنا بذلك الصراط يوم العرض، تخلّصنا من السبيل الوبيل، و انتقلنا الهمز إلى التسهيل، و نزلنا و الركائب قد كلّت، و المتاعب قد حلّت، فكانت مواقد النيران، بوادي العبران، بقعة جديبة المرعى، معدن لكل عقرب تدب و حيّة تسعى غير أن الله دفع مضرّتها، و كفى ببركة الأيالة اليوسفية معرّتها).

و لما أصبح استقبلنا الفحص الأفيح، بساط ممدود الصرح، يعجز عن وصفه لسان الشرح، طاردنا قنيصه‏ (195) على طول صحبته للأمان، من حوادث الزمان. فأثرنا (196) كل ذلق المسامع، ناء عن إدراك المطالع، كثير النفار (197)، مصطبر على سكنى القفار، يختال في الفروة اللدنة الحواشي، و ينتسب إلى الطائر و الماشي، فغلبناه‏ (198) (62) على نفسه، و سلّطنا عليه آفة من جنسه، و حللنا مقادة كل طويل الباع، رحب الذراع، بادي النحول، طالب بالدخول، كأنه لفرط النحول عاشق، أو نون أجادها ماشق، أو هلال سرار، أو قطعة سوار (199)، أو خبية (200) أسرار (201) رمينا (202) منه‏ (203) بأجله على عجله، و قطعنا به عن أمله، فأصبح رهين هوان مطرقا بأرجوان.

و وصلنا الخطا (204) بين مجاثم‏ (205) الأرانب، و أفاحيص القطا في فحص‏ (206)

____________

(194) هذه الفقرة التي بين القوسين لم ترد في (ب)

(195) في (ا) قبيصه‏

(196) في (ب) بأثرنا

(197) في (ا) النجار

(198) في (ا) تغلبناه‏

(199) ساقط في (ب)

(200) في (ب) حبيه‏

(201) في (ا) أسوار

(202) في (ب) رميناه‏

(203) كذا في النسختين و لعل صحتها أمنه‏

(204) في (ب) الحطا

(205) في (ب) حاتم‏

(206) في (ب) في سهل‏

47

يتلقّى الساير بترحيب واصل‏ (207) إلى اشكوذر (208) حللناها و النهار (209) غض الشبيبة، و الجو يختال من مذهب سناه في الحلي العجيبة.

و استقبلنا المريّة (210)، عصمها الله، في يوم سطعت أشعة سعده، و تكفل الدهر (211) بإنجاز وعده، مثل‏ (212) أهلها بجمعهم في صعيد سعيد (213)، و يدعوهم عيد عهدهم به بعيد، فلم يبق حجاب إلا رفع، و لا عذر إلا دفع، و لا فرد إلا شفع في يوم نادي بالجمهور إلى الموقف المشهور، و أذن الله لشهره بالظهور على ما تقدمه من الشهور، رمت البلدة فيه بأفلاذها و قذفت بثباتها و أفذاذها، و برز أهلها حتى غصّ بهم سهلها و قد أخذهم الترتيب، و نظمهم المصف العجيب، تقدمت مواكب‏ (214) الأشياخ الجلة، و الفقهاء الذين هم سرج الملّة، و خفقت أصناف البنود المطلّة، و اتسقت الجموع التي لا تؤتي بحول الله من القلّة، و تعدّدت بمناكب البدور أشكال الأهلّة، في جموع تسد مهبّات‏ (215) الصبا، و تكاثر رجل الدبا (216)، صفوفا كصفوف الشطرنج على أعناقهم قسي الفرنج، و قد نشروا البنود الشهيرة الألوان و استشعروا في يوم السلم شعار الحرب العوان، يتسابقون من الاحتفال إلى غايه، و يرجع كل منهم إلى شعار و إلى رايه، و قد أحسنوا

____________

(207) ساقطة في (ب)

(208) في (ا) اسكودار

(209) في (ب) و اليوم‏

(210) المرية،Almeria مدينة ساحلية بجنوب شرق الأندلس، بناها الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر (الثالث) و ذلك في عام 344 ه (955- 956 م انظر الروض المعطار ص 183- 184).

راجع كذلك ما كتبه زيبولدSeybold في دائرة المعارف الإسلامية عن تاريخ هذه المدينة أيام المسلمين‏Enc .Isl .I ,P ,713)

(211) في (ا) للظهر و في (ب) للدهر و لعلّ صحتها كما في المتن‏

(212) في (ا) أمثال‏

(213) في (ا) بعيد

(214) في (ب) تقدمها مراكب‏

(215) في (ب) مهاب‏

(216) في (ا) الربا

48

بالمشيخة الاقتداء، و رفعوا بالسلام النداء.

و امتاز خدام الأساطيل المنصورة في أحسن الصورة، بين أيديهم الطبول و الأبواق تروع أصواتها و تهول. و تأنق من تجار الروم من استخلص العدل هواه، و تساوى سره و نجواه، في طرق من البر ابتدعوها، و أبواب من الاحتفاء شرعوها، فرفعوا فوق الركاب المولوي على عمد السّاج، مظله من الديباج، كانت على قمر العلياء غمامه، و على زهر المجد كمامه، فراقتنا بحسن المعاني، و أذكرتنا قول أبي القاسم ابن هاني:

و على أمير المسلمين غمامه‏* * * نشأت تظلل وجهه‏ (217) تظليلا

نهضت بعب‏ء الدر ضوعف نسجه‏* * * و جرت عليه عسجدا محلولا

إلى غير ذلك من أروقة عقدوها، و كرامة أعدوها. و طلعت في سماء البحر أهلّة الشواني، كأنها حواجب الغواني، حالكة الأديم، متسربلة بالليل البهيم، تتزاحم‏ (218) و فودها على الشط، كما تتدخل النونات‏ (219) في الخط، فياله من منظر بديع الجمال، أخذ بعنان الكمال، بكر الزمان، و آية من آيات الرحمن، حتى إذا هالة القبة استدارت، و بالقمر السعد من وجه السلطان، أيّده الله، أنارت، مثلوا فسلموا، و طافوا بركن مقامه و استلموا، و أجهروا بالتلبية، و نظروا، من وجهه‏ (220) الجميل إلى سعد الأخبية، و تزاحم من النساء الأفواج، كما تتدافع الأمواج، فرفع الجناح، و خفض الجناح، و مهد لهنّ سبيل العطف، و شملهنّ كنف الإشفاق و اللطف. و لما أرحنا و استرحنا، و العيون في تلك البلدة سرّحنا، رأينا قيد البصر، و المحاسن التي ترمي اللسان‏ (221) بالحصر، حضرة يستقبل‏ (222) بها الملك، و مربع يلتقي به القطار و الفلك، رفعت راية الشرف القديم، و حازت على نظرائها مزية

____________

(217) في (ب) تاجه‏

(218) في (ا) تتزحم‏

(219) في (ا) النوقات‏

(220) في (ب) من وجه الجميل‏

(221) ساقطة في (ب)

(222) في (ب) يستقل‏

49

التقديم، ما شئت من ساحة طيبة الأديم، رحيبة كصدر الحليم، متناسبة الوضع بتقدير العزيز العليم، تبرّجت تبرّج العقيلة، و نظرت وجهها من البحر في المرآة الصقيلة.

و ركب السلطان أيّده الله ثالث يوم وروده إلى مشاهدة قلعتها الشّمّاء، المتعلّقة بعنان السماء، فقدح سكانها زناد البارق المتألّق، و تلعب صبيانها (223) على جناح الطائر المحلّق، و على سموّ مكانها و جلالة شأنها، فدولابها (224) شجى المزمار (225)، و مياهها في انهمار، و خزائنها (226) تستغرق‏ (227) طول‏ (228) الأعمار، و عددها كفيلة لحماية الذمار، فعوّذناها من كل خطب فادح، و حيّينا بها بهو خيران‏

الخير قد أوفى بعهدك خيران‏* * * و بشراك قد آواك عزّ و سلطان‏

(229) و قصر ابن صمادح‏ (230) و نظرنا إلى تلك الآثار

____________

(223) في (ب) صبيتها

(224) كذا في النسختين و قرأها مولر قد ولا بها

(225) في (ب) المضمار

(226) في (ا) و جزانيها

(227) في (ب) نستغرق‏

(228) في (ب) بطوال‏

(229) خيران الصقلبي الخصي العامري، كان في الأصل مملوكا للمنصور ابن أبي عامر دكتاتور إسبانيا أيام الخليفة هشام الثاني المؤيد، ثم تدرّج في الرقي حتى صار رئيسا لحزب الصقالبة في أواخر أيام الخلافة الأموية بقرطبة. ثم تمكن خيران من الاستقلال بولاية المرية عام 403 ه سنة 1012 م و صار يدعى بالخليفة و بالفتى الكبير. و تنسب لخيران أعمال معمارية كثيرة و لا تزال آثارها باقية إلى اليوم في المريه، و من أهمها بقايا القصر و القلعة المسمّاة بالقصبة. و قد مدحه الشاعر الأندلسي ابن درّاج القسطلي بالقصيدة التي مطلعها:

الخير قد أوفى بعهدك خيران‏* * * و بشراك قد آواك عزّ و سلطان‏

و توفي خيران عام 419 ه سنة 1028 م‏

انظر (أحمد مختار العبادي: الصقالبة في إسبانيا، لمحة عن أصلهم و نشأتهم و علاقتهم بحركة الشعوبية. مدريد 1953)

(230) ملوك بني صمادح حكموا المرية في فترة ملوك الطوائف (من عام 1041- 1091 م) و أهم ملوك هذه الأسرة المعتصم بالله محمد بن معين بن صمادح التجيبي (1041- 1091 م) و كان رجلا محبّا للعلوم و الآداب و بلاطه حافلا بالشعراء و الكتّاب أمثال ابن الحداد الوادي آشي و ابن شرف البرجي، بل كان أولاده ينظمون الشعر أيضا و نذكر منهم ابنه رفيع الدولة و أبنته الأميرة أم الكرام. و عندما غزا المرابطون البر بر مملكته كان المعتصم بن صمادح على فراش الموت، فقال عبارته المشهورة:

50

الكبار، و المشاهدة (231) التي تغني عن الأخبار، أشرقت العدو بريقه، و سطت بفريقه، و أخذت عليه فيها يد الله ثنايا طريقه، و خصّ المولى أيّده الله قائدها بتشريفه‏ (232) و ترفيعه، و تناول بيده الكريمة من صنيعه، في مجلس احتفى‏ (233) و احتفل، و في حلل الكمال رفل، و أخذت مجالسها الخاصة و الكبراء (234) و أنشد الشعراء (235)، فكان‏ (236) مقاما جليلا و على الهمم العربيّة و الشيم الملوكية دليلا.

و كان الرحيل عن تلك المدينة لا عن ملال، و لا عن‏ (237) ذم‏ (238) خلال، و لكن مقام بلغ أمدا (239)، و رحلة انتهت إلى مدى‏ (240).

أقمنا بها يوما و يوما و ثالثا* * * و يوم‏ (241) له يوم الترحل خامس‏

فيالها من خمسة علّقها الدهر تميمة على نحره، و أثبتها معوذة في قرآن فخره. كانت لياليها معطّرة النواسم، و أيامها كأيام المواسم.

و ثنينا الأعنّة إلى الإياب، و صرفنا إلى أوطاننا صدور الركاب، فكم من قلب لرحيلنا وجب، لما استقل و وجب، و دمع لوداعنا عظم انسكابه، لما رمت للبين ركابه، و صبر أصبح من قبيل‏ (242) المحال عند زمّ الرحال، و إلف أنشد بلسان النطق و الحال:

____________

- إله إلا الله، نغّص علينا كل شي‏ء حتى الموت! (ابن بسّام: الذخيرة ج 2، ق 1، ص 236) انظر كذلك‏

( Antonio Prietoy Vives: Los Reyes de Taifas Madrid 6291

(231) في (ب) و المشاهد

(232) في (ا) بتسريفه‏

(233) في (ا) احتفا

(234) في (ب) و الكبرى و في (ا) الكبرا و لعلّه يريد الكبراء

(235) في (ا) و أنشدت الشعرا

(236) في (ب) و كان‏

(237) ساقطة في (ب)

(238) في (ا) دم‏

(239) في (ب) أمد

(240) في (ب) أمد

(241) لعلّ صحّتها و يوما

(242) في (ا) قبيح‏

51

و مضى و خلّف في فؤادي لوعة* * * تركته موقوتا على أوجاعه‏

لم استتم سلامه لقدومه‏ (243)* * * حتى ابتدأت عناقه لوداعه‏

و انصرفنا (244) و عروشها تتعلق بأذيالنا، و مخاضات‏ (245) واديها تعترض صدور رجالنا (246)، و رياحها تدافعنا (247) عن المسير و معالمها تقنع من إلمامنا ولو باليسير.

و استقبلنا وادي بجّانه‏ (248) و ما أدراك ما هو، النهر السيّال، و الغصن الميّاد الميّال، و الأفياء و الظلال.

المسك ما فتّ في جنباته، و السندس ما حاكته يد جناته، نعمة واسعة، و ماجدة جامعة أزرت بالغوطتين زياتينه و أعنابه و سخرت بشعب بوان شعائبه بحيث لا تبدو (249) للشمس آيات‏ (250) و لا تتأتى للحرباء حيّات‏ (251). و الريح تلوى أعطاف غصون البان على أرداف الكتان‏ (252)، و تجاذب عرايش‏ (253) الخمائل، فضول‏ (254) الغلائل، إلى مرشانة (255) و هي الكوكب الأعلى، و الأشهب المحلّى، و الصباح إذا تجلّى، و العروس على المنصّة تجلى، و بها حلّت‏

____________

(243) ورد في (ا)، لم يستتم عناقه لقدومه، و يبدو أن ما ورد في نسخة (ب) أحسن‏

(244) في (ا) و سرنا

(245) في (ب) و مخاضة

(246) رحالنا

(247) في (ب) تتدافع‏

(248) بجانه،Pechina قرية ساحلية في شمال المريه بنحو 10 ك. م انظر ما كتبه عنها ليفي بروفنسال في‏Enc .Isl .III P .9011 راجع كذلك (الروضا لمعطار ص 37- 39).

(249) في (ا) تبدوا

(250) في (ب) ايّاة و هي أصح، أي النور.

(251) في (ب) حياة، و هي أصح.

(252) في (ب) الكثبان‏

(253) في (ب) عن أنس‏

(254) في (ب) فصول‏

(255)Marchena مرشانة أو مرسانه، حصن حصين في مقاطعة المرية، و هناك حصن آخر بهذا الاسم في مقاطعة اشبيلية جنوب شرق قرمونه. انظر (الروض المعطار ص 218 حاشية 3)

52

الغيوم سموطها (256)، و مدّت عناكب‏ (257) السحاب خيوطها (258)، فبتنا و عيون المزن باكية، و المنازل من توقع فراقنا (259) شاكية (و استقبلنا (260) الوادي نجعله دليل تلك الطريق، و نتبعه‏ (261) في السعة و الضيق، فكم مخاضة منه عبرنا، و على مشقّتها (262) صبرنا، حتى قطرت الأذيال و الأردان، و شكت أذى الماء الأبدان، و توفرت ذو الضجر، لملازمة الماء و الحجر، و نسينا بمعاناته ألم البعاد، و ذكرنا ببرده و إعادته مثلهم في الحديث المعاد، اللهم غفرا فضله مديد، و منظرا في الحسن فريد، و قد راق شأنه، و تصاف على الشط سكانه، فرأينا الحور تحت سماط الحور، و النور فوق بساط النور.

و لما كان عمر اليوم ينتصف، و قد بلونا من بعد المشقة ما لا نصف، و تخلّصنا من ذاك الكمد، شارفنا دار عبلة (263) العلياء في السند). و استقبلنا عبلة و لورسانة (264)، و أنخنا الركائب‏ (265) بطاهر (266) فنيانة (267)، بقعة حظها من النعم موفور، و بلدة طيّبة و ربّ غفور، حللناها و منادى‏ (268) العجماء يعرب، و الشمس يراودها المغرب، و قد عظم (أثر) (269) الهياط و المياط،

____________

(256) في (ا) سمرطها

(257) بياض في (ب)

(258) في (ا) خيرطها

(259) في (ا) فراقبا

(260) هذه الفقرة الكبيرة التي بين الأقواس لم ترد في (ب)

(261) كتبت و نبتعه و لعلّ صحتها و نتبعه كما في المتن‏

(262) كتبت (و على مسقتها) و لعلّ صحتها كما ورد في المتن‏

(263) عبلةAbla ، و اسمها القديم‏Alba و حرّفها العرب إلى عبلة و يحيط بهذا المكان حتى وادي آش جبال تعرف بالسندSened و تقع عبلة في جنوب شرق فنيانة. راجع‏F .Simonet :Op .cit .P .16 ,001)

(264)Abrucena

(265) في (ا) الركاب‏

(266) في (ا) بظهر

(267) فنيانةFinana و تعرف بالحصن و تقع في مقاطعة المرية على مسافة 30 ك. م جنوب شرق وادي آش. انظر (الروض المعطار ص 172 حاشية 2)

(268) في (ب) و منافي‏

(269) ساقطة في (ا)

53

وسطا (270) الكلال بالنشاط. و بتنا و الشيح وسائد مضاجعنا، و شكوى التعب حلم هاجعنا.

و استقبلنا المنهج‏ (271) الأمثل‏ (272)، و السهل الذي يضرب به المثل، بساط ممدود، و من البحور (273) الأرضيّة (274) معدود، و لم يكن إلا كخطفة بارق، أو خلسة سارق، حتى تقلّص الظل و طوى منشوره طي السجل.

و استقبلنا مدينة وادي آش حرسها الله، و قد راجعت الالتفات، و استدركت ما فات، فتجلّت المخدّرات، و قذفت بمن‏ (275) اشتملت عليه الجدرات، و تنافس أهلها في العدّة و العديد، و اتخاذ شكك‏ (276) الحديد، فضاق رحب المجال، و اختلط النساء بالرجال، و التف أرباب الحجا بربات الحجال، فلم نفرق‏ (277) بين السلاح و العيون الملاح، و لا بين حمر البنود (278) و حمر الخدود، و بتنا بإزائها و نعم الله كافله، و نفوسنا في حلل السرور رافلة. حتى إذا ظلّ الليل‏ (279) تقلّص، و حمام الصبح من مخالب غرابه‏ (280) قد (281) تخلّص، سرنا (282) و عناية الله ضافية، و نعمه وافية.

فنزلنا بوادي فردس‏ (283)، منازلنا المعتادة، و قلنا رجع الحديث إلى قتادة، و بها تلاحقت وفود التهاني، و سفرت وجوه الأماني. نزلنا منه بالمروج‏

____________

(270) في (ا) وسط

(271) في (ب) النهج‏

(272) في (ب) الأشل‏

(273) في (ب) البحار

(274) في (ا) الأريض‏

(275) في (ب) من‏

(276) في (ا) سكك‏

(277) في (ا) يفرق‏

(278) في (ب) و من حمر الحدود

(279) في (ا) اليوم‏

(280) في (ا) غروبه‏

(281) زيادة عن (ب)

(282) في (ا) و سرنا

(283)Rio Fardes ، في (ب) فرذش‏

54

فتفتحت بها أزهار القباب البيض في بساطها (284) العريض، و خطرت ببالي مقطوعة في مخاطبة المولى أنجح الله عمله و يسّر من فضله أمله، أثبتّها على حكم الاستعجال. و أوصفت‏ (285) على بيوتها خيل‏ (286) الارتجال:

إذا سرت سار النور حيث تعوج‏* * * كأنك بدر و البلاد بروج‏

لك الله من بدر على أفق العلا* * * يلوح و بحر بالنوال يموج‏

تفقدت أحوال الثغور بنية* * * لها نحو أبواب القبول‏ (287) عروج‏

و سكنتها بالقرب منك و لم تزل‏* * * تهيم هوى من قبله و تهيج‏

مررت على وعد من الغيث بينها* * * فمنظرها بعد العبوس بهيج‏

فكم قلعة قد كلّل النور تاجها* * * ورف عليها (288) للنبات نسيج‏

ولا نجد إلا روضة و حديقة* * * و لا غور إلا جدول و خليج‏

أ يوسف دم للدين تحمى ذماره‏* * * إذا كان للخطب الأبيّ ولوج‏

بفتية صدق إن دجا ليل حادث‏* * * فهم سرج آفاقهن سروج‏

بقيت قرير العين ما ذرّ شارق‏ (289)* * * و ما طاف بالبيت العتيق حجيج‏

و بتنا نتعلّق بأنفاس‏ (290) الحضرة العاطرة، و نستظلّ بسمائها الماطرة، و نعلن بالاستبشار (291)، و نحن إلى الأهل حنين العشار:

و أبرح‏ (292) ما يكون الشوق يوما* * * إذا دنت الديار من الديار

فلمّا تبسّم زنجي الليل عن ثغر الفجر، و شبّ وليد الصبح‏ (293) عن عقد الحجر، و لحظتنا ذكاء بطرفها الأرمد، و قد بقي‏ (294) الليل فيه بقيّة

____________

(284) في (ب) بساطه‏

(285) في (ب) و أوجفت، لعلها أوضعت أي أسرعت فالوضع نوع من المشي السريع.

(286) في (ا) نجيل‏

(287) في (ب) لها أسباب السماء عروج‏

(288) في (ا) دوف عليه‏

(289) في (ا): بقيت فريد العين مادر شارق‏

(290) في (ب) بأنوار

(291) في (ب) الاستبشار

(292) في (ب) و أقرب.

(293) في (ب) الصباح‏

(294) في (ب) ترك‏