رحلة أفوقاي الأندلسي‏

- أحمد بن قاسم الحجري المزيد...
188 /
5

[تصدير]

«... أنتم الأندلس فيكم عادة غير محمودة. قلت: ما هي؟ قال: إنكم لا تمشون إلا بعضكم مع بعض، و لا تعطون بناتكم للنصارى القدماء، و لا تتزوجون مع النصرانيات القدماء. قلت له لماذا نتزوج النصرانيات القدما و كان بمدينة انتقير (مدينة قريبة من مالقه) رجل من قرابتي عشق بنتا نصرانية، ففي اليوم الذي مشوا فيه بالعروسة إلى الكنيسة ليتم النكاح احتاج أن يلبس العروض الزرد المهند من تحت الحوايج، و أخذ عنده سيفا لأن قرابتها حلفوا أنهم يقتلونه في الطريق، و بعد أن تزوجها بسنين لم يدخل إليها أحد من قرابتها، بل يتمنون موته و موتها، و النكاح لا يكون ليتخذ به الإنسان أعداء بل أحبابا و قرابة.»

نص الرحلة ص 40

«و بعد أن جلست يوما قال لي: ماذا تعرف من الألسن، قلت له: العربية، و لسان إشبانية، و لسان أهل برتغال، و كلام الفرنج نفهمه و لكن ما نعرف نتكلم به. قال لي: فأنا نعرف كلام الفرنج، و نفهم كلام إشبانية و لا أعرف أتكلم به، و إلى هذا فأكلمك بالفرنج، و تكلمني بلسان أهل بلاد الأندلس العجمي، قلت: نعم، قال لي: ما السبب الذي ظهر لك حمل سلطان إشبانية على إخراج الأندلس من بلاده، قلت: اعلم أن الأندلس كانوا مسلمين في خفاء من النصارى، و لكن تارة يظهر عليهم الإسلام، و يحكمون فيهم، و لما تحقق منهم ذلك لم يأمن فيهم، و لا كان يحمل منهم أحدا إلى الحروب، و هي التي تفني كثيرا من الناس، و كان أيضا يمنعهم من ركوب البحر لئلا يهربوا إلى أهل ملتهم (...) و هذا الذي ظهر لي حمله على إخراجهم، لأنهم بطول الزمن يكثرون ..»

نص الرحلة ص 113

«... و بعد أن خرجوا أهل سلطنة بلنسية، فأمر بالخروج للذين كانوا بالأندلسية و غيرها من البلاد القريبة إليها أن يخرجوا. و بعد أن اكتروا السفن- و هم في واد إشبيلية- بعث السلطان أمرا عكس الأول، و قال: إن كل من اكترى سفينة ليمشي لبلاد المسلمين أن يأخذوا لهم كل من كان من أقل من سبع سنين من الأولاد و البنات، و أخرجوا كل من كان في عشرين سفينة. و أخذوا لأهل الحجر الأحمر نحو ألف من الأولاد. و كل من جاز على طنجة، و سبتة، فأخذوا لهم أولادهم مثل الآخرين.».

نص الرحلة ص 119

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

استهلال‏

تهدف هذه السّلسلة بعث واحد من أعرق ألوان الكتابة في ثقافتنا العربية، من خلال تقديم كلاسيكيّات أدب الرّحلة، إلى جانب الكشف عن نصوص مجهولة لكتاب و رحّالة عرب و مسلمين جابوا العالم و دوّنوا يوميّاتهم و انطباعاتهم، و نقلوا صورا لما شاهدوه و خبروه في أقاليمه، قريبة و بعيدة، لا سيما في القرنين الماضيين اللذين شهدا ولادة الاهتمام بالتجربة الغربية لدى النّخب العربية المثقفة، و محاولة التعرّف على المجتمعات و النّاس في الغرب، و الواقع أنه لا يمكن عزل هذا الاهتمام العربي بالآخر عن ظاهرة الاستشراق و المستشرقين الذين ملأوا دروب الشّرق، و رسموا له صورا ستملأ مجلدات لا تحصى عددا، خصوصا في اللغات الإنكليزية و الفرنسية و الألمانية و الإيطالية، و ذلك من موقعهم القوي على خارطة العالم و العلم، و من منطلق المستأثر بالأشياء، و المتهي‏ء لترويج صور عن «شرق ألف ليلة و ليلة» تغذّي أذهان الغربيين و مخيّلاتهم، و تمهّد الرأي العام، تاليا، للغزو الفكري و العسكري لهذا الشرق. و لعل حملة نابليون على مصر، بكل تداعياتها العسكرية و الفكرية في ثقافتنا العربية، هي النموذج الأتمّ لذلك.

فقد دخلت المطبعة العربية إلى مصر مقطورة وراء عربة المدفع الفرنسي‏

8

لتؤسس للظاهرة الاستعمارية بوجهيها العسكري و الفكري.

على أن الظّاهرة الغربية في قراءة الآخر و تأويله، كانت دافعا و محرضا بالنسبة إلى النخب العربية المثقفة التي وجدت نفسها في مواجهة صور غربيّة لمجتمعاتها جديدة عليها، و هو ما استفز فيها العصب الحضاري، لتجد نفسها تملك، بدورها، الدوافع و الأسباب لتشدّ الرحال نحو الآخر، بحثا و استكشافا، و تعود و معها ما تنقله و تعرضه و تقوله في حضارته، و نمط عيشه و أوضاعه، ضاربة بذلك الأمثال للناس، و لينبعث في المجتمعات العربية، و للمرة الأولى، صراع فكري حاد تستقطب إليه القوى الحيّة في المجتمع بين مؤيد للغرب موال له و متحمّس لأفكاره و صياغاته، و بين معاد للغرب، رافض له، و مستعدّ لمقاتلته.

و إذا كان أدب الرحلة الغربي قد تمكّن من تنميط الشرق و الشرقيين، عبر رسم صور دنيا لهم، بواسطة مخيّلة جائعة إلى السحري و الأيروسيّ و العجائبيّ، فإن أدب الرحلة العربي إلى الغرب و العالم، كما سيتّضح من خلال نصوص هذه السلسلة، ركّز، أساسا، على تتبع ملامح النهضة العلميّة و الصناعيّة، و تطوّر العمران، و مظاهر العصرنة ممثلة في التطور الحادث في نمط العيش و البناء و الاجتماع و الحقوق. لقد انصرف الرّحالة العرب إلى تكحيل عيونهم بصور النهضة الحديثة في تلك المجتمعات، مدفوعين، غالبا، بشغف البحث عن الجديد، و بالرغبة العميقة الجارفة لا في الاستكشاف فقط، من باب الفضول المعرفي، و إنما، أساسا، من باب طلب العلم، و استلهام التجارب، و محاولة الأخذ بمعطيات التطور الحديث، و اقتفاء أثر الآخر للخروج من حالة الشّلل الحضاريّ التي وجد العرب أنفسهم فريسة لها. هنا، على هذا المنقلب، نجد أحد المصادر الأساسية المؤسّسة للنظرة الشرقية المندهشة بالغرب و حضارته، و هي نظرة المتطلّع إلى المدنيّة و حداثتها

9

من موقعه الأدنى على هامش الحضارة الحديثة، المتحسّر على ماضيه التليد، و التّائق إلى العودة إلى قلب الفاعلية الحضارية.

إن أحد أهداف هذه السّلسلة من كتب الرحلات العربية إلى العالم، هو الكشف عن طبيعة الوعي بالآخر الذي تشكّل عن طريق الرحلة، و الأفكار التي تسرّبت عبر سطور الرّحالة، و الانتباهات التي ميّزت نظرتهم إلى الدول و الناس و الأفكار. فأدب الرحلة، على هذا الصعيد، يشكّل ثروة معرفيّة كبيرة، و مخزنا للقصص و الظواهر و الأفكار، فضلا عن كونه مادة سرديّة شاتقة تحتوي على الطريف و الغريب و المدهش مما التقطته عيون تتجوّل و أنفس تنفعل بما ترى، و وعي يلمّ بالأشياء و يحلّلها و يراقب الظواهر و يتفكّر بها.

أخيرا، لابد من الإشارة إلى أن هذه السلسة التي قد تبلغ المائة كتاب من شأنها أن تؤسس، و للمرة الأولى، لمكتبة عربية مستقلّة مؤلّفة من نصوص ثريّة تكشف عن همّة العربيّ في ارتياد الآفاق، و استعداده للمغامرة من باب نيل المعرفة مقرونة بالمتعة، و هي إلى هذا و ذاك تغطي المعمور في أربع جهات الأرض و في قارّاته الخمس، و تجمع إلى نشدان معرفة الآخر و عالمه، البحث عن مكونات الذات الحضارية للعرب و المسلمين من خلال تلك الرحلات التي قام بها الأدباء و المفكرون و المتصوفة و الحجاج و العلماء، و غيرهم من الرّحالة العرب في أرجاء ديارهم العربية و الإسلامية.

محمد أحمد السويدي‏

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

المقدمة

يعد كتاب ناصر الدين أهم مصدر تاريخي أندلسي كتب بعد صدور قرار الأندلسيين المتبقين بالأندلس، فصاحبه يتكلم و هو بمنأى عن محاكم التفتيش، يجادل المسيحيين و اليهود، و يستعرض من خلال ذلك ما فعله الإسبان بالمورسكيين، و ظروف انتقال هؤلاء إلى شمال إفريقيا (1).

و قد وصل المؤلف: أحمد بن قاسم الحجري (المدعو أفوقاي وBejarano ) إلى المغرب أواخر عهد المنصور الذهبي و اشتغل لديه بالترجمة، (1599/ 1007) كما قام بنفس المهمة لدى السلطان زيدان، و ابنيه عبد الملك و الوليد.

و أهم ما يمكن تسجيله من حياته:

- سفارته عن السلطان زيدان إلى كل من فرنسا و هولاندا (1613/ 1022- 1611/ 1020)، و هي السفارة التي فصلها في كتابه ناصر الدين.

- ذهابه إلى الحج عام 1046 ه/ 1636 م.

- توقفه بمصر (1046 ه/ 1637 م).

- رجوعه إلى تونس (1047 ه)، و تتمة ترجمة كتاب العز و المنافع (1048 ه/ 1638 م)، و نسخه كتاب ناصر الدين بخطه في تونس عام 1051 ه/

____________

(1) انظر في هذا الشأن: محمد رزوق، الأندلسيون و هجراتهم إلى المغرب خلال القرنين 16- 17.

12

1641، و تنقطع بعد ذلك أخباره فلا ندري سنة وفاته، و لا المكان الذي أقبر فيه.

أما أعماله المعروفة فسنستعرضها فيما يأتي:

* رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب‏ (2): ألفه بطلب من الشيخ علي الأجهوري ليثبت فيه مناظراته للمسيحيين و اليهود.

* ترجمة كتاب في المدفعية لإبراهيم غانم، و قد سماه: العز و الرفعة و المنافع، للمجاهدين في سبيل الله بالمدافع‏ (3).

* ترجمة الرسالة الزكوطية للإسرائيلي إبراهيم السلمنقي‏ (4).

و نصل الآن إلى العمل الذي نحن بصدده، و هو كتاب:

* ناصر الدين على القوم الكافرين:

نشير أولا إلى أن هذا الكتاب وضعه الشهاب الحجري كمختصر لكتابه السابق رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب بناء على طلب الشيخ علي الأجهوري بمصر سنة 1047 ه/ 1637 م، لكننا لا نملك حاليا هذه النسخة، و توجد بين أيدينا نسخة كان المؤلف قد أتمها بتونس سنة 1051 ه/ 1641 م، و هي بخط المؤلف، و توجد بدار الكتب بالقاهرة رقم 1634 ت، و هي بخط مغربي.

و هناك قطعة أخرى من كتاب ناصر الدين، توجد بالمكتبة الوطنية بباريس تحت رقم‏Arabe 4207 (5)، خالية من اسم الناسخ و تاريخ النسخ و مكانه. غير أن هناك‏

____________

(2) يعد هذا الكتاب في الوقت الحالي مفقودا، و قد وردت فقرات منه عند م. بن العياشي، زهر، ص.

105- 107. و عنه نقل مؤرخون لاحقون كالكانوني في الجواهر، 1: 87- 93، و ع. ابن إبراهيم، في الأعلام، 2: 273- 276.

(3) مخطوطاته متعددة، أحسنها مخطوط خ. ع. بالرباط رقم 87 ج، و تتميز عن غيرها بكونها تحتوي على خاتمة أورد فيها المعرب ترجمته.

(4) مخطوط الخزانة الحسنية بالرباط، عدد 1433، ضمن مجموع.

(5) كانت في الأصل ملكا للمستشرق الفرنسي جورج كولان‏Georges Colin ، قبل أن تنتقل إلى المكتبة الوطنية بباريس.

13

إشارة وردت في الصفحة 59 عند الحديث عن العالم المصري الشيخ علي الأجهوري:

«الشيخ الفاضل علي الأجهوري (رحمه الله) و رضي عنه»، مما يدل على أنها كتبت بعد وفاة العالم المصري المذكور (1066 ه/ 1655 م)، أي بعد نسخة القاهرة.

و تتكون هذه القطعة من 73 صفحة (من الباب العاشر (6) إلى الباب الثالث عشر)، كما أنها خالية من الملاحق التي أوردها الشهاب الحجري في آخر الكتاب.

و نثير الانتباه إلى ملاحظات أخرى حول هذه النسخة:

- النقص الكبير داخل الأبواب الموجودة، و قد أثبتنا ذلك في محله من التحقيق.

- هناك زيادات في هذه النسخة أشرنا إليها أيضا.

- هناك اختلافات يسيرة في بعض المواضع.

و بصفة عامة فإننا لم نستفد كثيرا من هذه القطعة.

و أخيرا نشير إلى رمزنا إلى هذه القطعة في التحقيق بحرف «ب».

منهجنا في التحقيق:

عندما نذكر بأن المخطوط كتب من طرف موريسكي فإننا يجب أن نضع في اعتبارنا تكوين هذا الأخير، فقد تعلم العربية سرا ببلد كان يتابع فيه من يوجد لديه أية وثيقة عربية، بل أي تصرف يمكن أن يفهم منه أنه عربي. و تبعا لذلك فإننا نجد المخطوط مليئا بالأخطاء اللغوية، و الألفاظ العامية (7)، و الصيغ المترجمة. هذا إلى الدرجة التي نجد فيها بعض الكلمات التي يخضعها للنظام الصوتي الإسباني فكلمة (حملة) مثلا تحولت إلى (هملى)، و (ماهية) إلى (مائية).

غير أننا نثير الانتباه إلى أن هذا النهج لا يقتصر على المخطوط الذي نحن بصدده،

____________

(6) في الحقيقة ليس هناك إلا جزء منه فقط.

(7) نذكر على سبيل المثال استعمال النون للمتكلم المفرد، نحو (نمشي) بالنسبة (لأمشي).

14

بل يوجد في أغلب المخطوطات الموريسكية الإلخميادية (8)، و قد حظيت هذه المخطوطات بدراسات عديدة (9). و انطلاقا من ذلك فإننا لم نشر إلى الأخطاء اللغوية (10)، و عوضا عن ذلك أشرنا إلى بعض الألفاظ التي قد تخفى عن ذهن القارئ، و هي إما ألفاظ عامية، أو مترجمة، أو ألفاظ أخضعها المؤلف للنظام الصوتي الإسباني. و على العموم فإن المخطوط يعطي صورة حية عن تطور اللغة العربية لدى المورسكيين بعد تجربتهم المريرة مع الإسبان.

د. محمد رزّوق أستاذ بكلية الآداب في جامعة بنمسيك- الدار البيضاء

____________

(8) انظر في هذا الصدد: الحسين بو زينب:

- تقييم للكتابات الأعجمية الموريسكية، مقال بمجلة دار النيابة، السنة 2، العدد السادس، ربيع 1985، طنجة، ص. 64- 71.

- اللغة المورسكية المسماة بالعجمية، ضمن أعمال البحث اللساني و السميائي، الدار البيضاء، 1981، ص. 107- 119.

- القيمة الحقيقية للرموز الخطية في الأدب الأعجمي، ضمن أعمال الآداب الإلخاميات- المورسكي، تونس، 1986، ص. 29- 37.

- الدين و اللغة من خلال المكتوبات العجمية المورسكية، بحث مقدم إلى المؤتمر العالمي الثاني للدراسات المورسكية، تونس، 1983، 13 صفحة.

(9) انظر:

- Actes du II symposium International du C. I. L. M. sur Religion, Identite et sources doc umentaires sur les morisques Andalous, 2 tomes, Tunis, 4891.- Actes de la Premiere table ronde du C. I. L. M. sur la litterature Aljamiodo- morisque, Tu- nis, 6891.- Les morisques et Leur temps, tabele rond international, Paris, 3891.

(10) لأن هذه الأخطاء ليست أخطاء عابرة، فهي تدخل في إطار نهجه العام في الكتابة، و من المعلوم أن هذا النهج هو وليد مؤثرات عدة ليصلنا في الأخير على الشكل الذي نراه به اليوم.

15

الصفحة الأولى من مخطوط باريس‏

16

الصفحة الأخيرة من مخطوط باريس‏

17

بسم الله الرحمن الرحيم

و صلى الله على سيدنا محمد و على آله و سلم تسليما كتاب ناصر الدين على القوم الكافرين و هو السيف الأشهر على كل من كفر تأليف الشيخ الفقير أحمد بن قاسم بن أحمد ابن الفقيه قاسم ابن الشيخ الحجري الأندلسي‏

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

ديباجة المؤلف‏

بسم الله الرحمان الرحيم و به نستعين

و صلى الله على سيدنا و مولانا محمد و ءاله و صحبه و سلم تسليما.

الحمد لله وحده و صلى الله على سيدنا محمد عبده و رسوله و رضي الله تعالى عن ءاله و أصحابه و عن التابعين له في دينه.

و بعد، فيقول العبد الفقير إلى الله تعالى- الراجي عفوه و غفرانه و رحمته، بشفاعة نبيه المذكور في كتبه، و أفضلها كلامه العزيز في قرءانه-:

أحمد بن قاسم بن أحمد ابن الفقيه قاسم بن الشيخ الحجري الأندلسي:

من نعم الله تعالى أن جعلني مسلما في بلاد الكفار منذ أعرف نفسي، ببركة الوالدين- رحمهما الله تعالى- ... (11) إرشادهما، و قد جعل الله في قلبي محبة للخروج [من بلا] (12) د الأندلس مهاجرا إلى الله تعالى و رسوله، و القدوم [ل] (13) بلاد المسلمين، و قضى الله تعالى الغرض و المراد، و بلغنا إلى‏

____________

(11) بياض بالأصل.

(12) بياض بالأصل، و ما بين المعقوفتين إضافة من المحقق.

(13) بياض بالأصل، و ما بين المعقوفتين إضافة من المحقق.

20

مدينة مراكش بالمغرب. و بعد ذلك باثنتي عشرة سنة فرج الله تعالى على الأندلس المسلمين الذين كانوا فيها تحت قهر النصا [رى و ظله‏] هم فأمر (14) عليهم سلطان البلاد المسمى بفلب الثالث من اسمه بالخروج جميعا من بلاده. و اتفق لكثير من المسلمين الأندلس عند خروجهم أن نهبهم في البحر النصارى و أكثرهم الفرنج البحرية الذين اكتروهم و دفعوا لهم أجرتهم على أن يبلغوهم في عافية و أمان إلى بلاد المسلمين، و خانوهم كل واحد من الرياس في سفينته. و بعد أخذ كل ما كان لهم أخرجوهم في بعض الجزر من بلاد المسلمين، و أربع من تلك السفن المنهوبة خرجت بالمغرب الأقصى، فأحسن المسلمون البربر بالأندلس، و جاءوا إلى مدينة مراكش، و هي دار سلاطين المغرب، و طلبوا من السلطان مولاي زيدان ابن السلطان مولاي أحمد ابن السلطان مولاي محمد الشيخ الشريف الحسني أن يأذن لهم في إرسال بعض من أصحابهم مع رجل [من‏] (15) الأندلس الذين كانوا قبلهم بتلك المدينة، و اتفق نظرهم أن نمشي بأصحابهم، و أعطانا للسلطان كتابه و ذهبنا إلى أسف: هي مدينة على البحر المحيط، و فيها ركبنا و بلغنا إلى بلاد الفرنج، و وقع لي كثير مع علمائهم من القسيسين و الرهبان و القضاة في شأن الأديان، و احتجت أقرا الإنجيل الذي بأيديهم الآن، و منه و من غيره من كتبهم وجدت ما نرد عليهم، و نبطل حججهم، و نصرني الله عليهم مرارا عديدة. و ذكرت بعد ذلك حين وليت إلى مراكش شيئا من الحكايات و المناظرات و الأجوبة مني إليهم لبعض الإخوان. و طلب مني غير واحد من علماء المسلمين أن أعمل تأليفا بذلك، و لم يتفق العمل، إلى أن أمرني شيخنا و بركتنا بمصر المحروسة بالله و هو العلامة الشهير علمه و ثناؤه في الأقطار و البلدان: الشيخ علي بن محمد المدعو زين ابن العلامة الشيخ عبد الرحمن بن الأجهوري المالكي ... (16) بأكثر مما طلبوا، و جعلت التأليف رحلة سميتها برحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب،

____________

(14) بياض بالأصل، و ما بين المعقوفتين إضافة من المحقق.

(15) بياض في الأصل، و الإضافة من المحقق.

(16) بياض في الأصل، و انظر ترجمة الشيخ عند: م. الإفراني، صفوة، 126؛ و م. القادري، نشر، 2:

80- 81، و م. المحبي، خلاصة الأثر، 3: 157.

21

و ذكرت فيها أولا بلاد الأندلس في أي موضع هي من معمور الدنيا و الأقطار المجاورة إليها، و العرض و الطول في صقعها و عرض ارتفاع القطب الشمالي عليها، و درج طولها من الدنيا الذي هو ابتداؤه من الجزر الخالدات المسماة الآن بقنارية. ثم ذكرت من سكنها من الأجناس القديمة قبل دخول المسلمين إليها و في أي سنة كان افتتاحها، و ما اتفق في أخذها. ثم ذكرت بعض الملوك الصالحين المجاهدين، و أيضا بعض رسائل لسان الدين بن الخطيب. ثم ذكرت الزمن الذي كانت بأيدي المسلمين إلى أن احتوت النصارى على جميعها. ثم ذكرت كيف كان حال المسلمين بين النصارى بعد أن أدخلوهم جميعا كرها منهم في دينهم، و كانوا يعبدون دينين: دين النصارى جهرا، و دين المسلمين في خفاء من الناس. و إذا ظهر على أحد شي‏ء من عمل المسلمين يحكمون فيهم الكفار الحكم القوي: يحرقون بعضهم، كما شاهدت حالهم أكثر من عشرين سنة قبل خروجي منها. و أيضا ذكرت ما اتفق لي بمدينة غرناطة مع القسيس الكبير (17) في قراءة الرق المكتوب بالعربية و العجمية، و فيها ذكر يوحنا الذي كتب ربع الإنجيل فيما يكون و يحدث في الدنيا إلى أن تفنى، و أيضا شيئا مما كان مكتوبا في الكتب التي وجدت تحت الأرض في تاريخ ألف و ثلاث سنين من الهجرة أو قريبا منها مكتوبة في ورق الانك‏ (18) بالعربية من عهد سيدنا عيسى (عليه السلام) أو قريبا منه. و ما اتفق لنا في الخروج من بين النصارى، و كيف لطف الله بنا و فكنا منهم سالمين بفضله. و ذكرنا أيضا الأسباب التي قال سلطان النصارى أنها حملته على إخراج المسلمين من بلاده، و أيضا ما رأيت في أسفاري، و رحلتي المشرقية و المغربية و الجوفية من ... (19)، و ما وقع من الكلام و المناظرات مع النصارى ... (20) و القسيسين و الرهبان و أكابرهم في أمور [الدين ب] بلادهم الفرنجة

____________

(17) يقصد دون بدرو دي كاستروDon Pedro de Castro أسقف غرناطة من 1589 إلى 1610. انظر:

D. Cabanelas, Ll Morisco granadino, pp. 31- 41.

(18) الانك: الرصاص ...

(19) بياض في الأصل.

(20) بياض في الأص.

22

و بلاد فلنضس‏ (21)، و أيضا مع اليهود [و] (22) قرأت الرحلة المذكورة على الشيخ الفاضل المذكور [الذي أم] رني‏ (23) بمصر بعمل الكتاب. و لما رآني عازما على الرجوع [لبلا] د (24) المغرب التي جئنا منها لأداء الفرض، و زيارة [قبر أف] ضل من ظهر على وجه الأرض، و الوقت ضايق، كتبنا له منها نسخة، كما كان في غرضي. أمرني أن أختصر منها نبذة لطيفة، و نذكر ما وقع لي من الكلام في الدين مع النصارى.

و ها أنا أشرع بعون الله أكتب في هذه الورقات ما وقع لي من المناظرات و كل مسألة ألهمني الله تعالى بالجواب عليها في الحين على البديهة. و أذكر نصوصها من الكتب ببرهانها. و إن كان لي وقت قبل الرحيل من مصر نكتب من الرحلة أيضا ما وقع لي مع علماء اليهود بالبلاد المذكورة و بسببهم قرأت التوارية التي هي أربع و عشرون كتابا: الخمسة الأوائل في أمور دينهم، و الباقي من الكتب في التواريخ، وجدتها مترجمة من العبراني إلى العجمي الذي نعرفه، و زادني الله تعالى يقينا و محبة في دين الإسلام، و ذلك مما أنعم الله تعالى به علي، نسأله سبحانه- بجاه سيدنا محمد (صلى الله عليه و سلم)- أن يلطف بي في الدارين و أن يختم لي بالعبادة، و لمن يقرأ في هذا الكتاب أو يسمعه، و أن يخص من فضله من أمرني بكتبه بما يشاء من فضله من خيره و إحسانه، و أن ينصر جميع المسلمين على القوم الكافرين. و قد سميت الكتاب بناصر الدين على القوم الكافرين، و هو السيف الأشهر، على كل من كفر، و جعلته ثلاثة عشر بابا:

الباب الأول: في ذكر ما وقع لي بمدينة غرناطة مع القسيس الكبير في شأن الرق الذي وجد في الصومعة القديمة، و شي‏ء من الكتب التي وجدت في خندق الجنة بقرب مدينة غرناطة مكتوبة بالعربية في ورق من رصاص من الزمن القريب بعد سيدنا عيسى (عليه السلام).

____________

(21) (Flandes هولندا).

(22) بياض في الأصل، و الإضافة من المحقق.

(23) بياض في الأصل، و الإضافة من المحقق.

(24) بياض في الأصل، و الإضافة من المحقق.

23

الباب الثاني: في قدومنا إلى بلاد المسلمين، و ما اتفق لنا عند خروجنا من بين النصارى سالمين منهم بعد أن كنا في أيديهم متعرضين للهلاك بلطف من الله تعالى.

الباب الثالث: في بلوغنا إلى مدينة مراكش و ما كان السبب إلى أن مشيت إلى بلاد الفرنج بعد أن جئت ببلاد المسلمين باثنتي عشرة سنة.

الباب الرابع: في ركوبنا البحر المحيط و بلوغنا إلى فرنجة، إلى مدينة مرس البركة و تسمى عندهم بهبرد غرسي‏ (25)، ثم إلى مدينة روان‏ (26) و ما اتفق لنا فيها.

الباب الخامس: قدومنا إلى مدينة بريش‏ (27)، و هي دار سلطنة الفرنج، و ذكر حالها و عظمها، و ما اتفق لي مع بعض النصارى من المناظرات.

الباب السادس: في قدومنا بكتب السلطان إلى قاضي الأندلس و قاضي القضاة في مدينة برضيوش‏ (28)، و ذكر ما زاد كل واحد من البابا في دين النصارى، و ذكر الباب جوان الذي كان امرأة ففضحه الله بحضرة الناس‏ (29).

الباب السابع: في رجوعنا إلى بريش و ما اتفق لنا من المناظرات مع علماء النصارى في شأن الدين.

الباب الثامن: في قدومنا إلى أولونة (30) و ما اتفق لنا فيها.

الباب التاسع: في قدومنا إلى مدينة برضيوش و ما وقع لنا فيها من المناظرات مع النصارى القسيسين و الرهبان و القضاة، و قضاء شي‏ء من الغرض الذي مشيت بسببه.

____________

(25)Havre de grace .

(26)Rouen

(27)Paris

(28)Bordeaux .

(29) يقصد البابا.Juan VIII أما المرأة المقصودة فهي‏Alias Jilberta .

و انظر تفاصيل عن هذه النقطة عند:

L. Cardaillac, Morisques et Chretiens ..., pp. 981- 391.

(30)Olonne .

24

الباب العاشر: في مناظرات اليهود بفرنجة و فلنضس.

الباب الحادي عشر: في ذكر قدومنا إلى فلنضس و ما اتفق لنا فيها.

الباب الثاني عشر: فيما اتفق لنا في مصر مع راهب عالم كان بالغا في فنون العلم من علومهم.

الباب الثالث عشر: في ذكر ما أنعم الله تعالى به علي من فضله في بلاد الأندلس و غيرها.

25

مسار الرحلة

* وصول أفوقاي إلى المغرب (أي هروبه من البريجة إلى أزمور)، كان سنة 1007 ه- 1599 م.

* سفارته عن السلطان زيدان تمت بين 1020 ه- 1611 م و 1022 ه- 1613 م.

* لا يعين الرحالة مسار عودته لكنه يذكر في ثنايا الرحلة أحداثا وقعت له بعد رجوعه بمصر و تونس:

* توقف بمصر في طريقه إلى الحج سنة 1046 ه- 1637 م.

* عودته لتونس سنة 1051 ه- 1641، و في هذه السنة كتب مختصر الرحلة موضوع هذا الكتاب.

محطات الرحلة بالتتابع:

- غرناطة.

- إشبيلية.

- شنت مريا، شنتمرية، (Santa Maria).

- البريجة، (مدينة الجديدة الآن).

26

- أزمور.

- مراكش.

- آسفي.

- مرسى هبردي غرسي، مرسى البركة.

استغرقت الرحلة البحرية بين الميناءين، آسفي. و مرسى هبردي غرسي، مرسى البركة ثلاثين يوما

- بريش (باريس).

- برضيوش (بوردو).

- بريش (باريس).

- شاندينشي، (Saint Denis)

- أولونه.

- برضيوش (بوردو).

- طلوشة، (Toulouse).

- برضيوش (بوردو).

- بريش (باريس).

- روان.

- مرسى هبردي غرسي، مرسى البركة.

- فلنضس.

و ضمنها:

- أمستردام.

- ليدا. (Leyde).

- الهاية، لاهاي.

27

نصّ الرحلة

الباب الأول في ذكر ما وقع لي بمدينة غرناطة مع القسيس الكبير في شأن قراءة الرق الذي وجد في الصومعة، و أيضا بعض ما صح عندي من الكتب المكتوبة بالعربية في ورق الرصاص‏

و هذا الباب هو في الرحلة في الباب الثاني عشر منها.

اعلم- رحمك الله- أن في عام ست تسعين و تسع مائة (31) من الهجرة و من حساب النصارى عام ثمان و ثمانين و خمس مائة و ألف أمر القسيس الكبير (32) بمدينة غرناطة بهدم صومعة قديمة كانت في الجامع الكبير،

____________

(31) بالضبط في 19 ربيع الثاني من سنة 996 ه/ 18 مارس 1588.

انظر:D .Cabanelas ,Ll morisco granadino ,p .771 .

(32) يقصد أسقف غرناطةJean Menendez de Salvatierra .

و عند وفاته (سنة 1588) سيخلفه الأسقف‏Don Pedro Castro نوفمبر 1589) لمتابعة القضية.

28

و كانت تسمى من قديم الزمان تربّأنه‏ (33) قبل الإسلام، و ذلك بعد أن بنوا صومعة قريبا منها، عالية جدا. و لما أن هدموا القديمة وجدوا في حيطها صندوقا من حجر و في داخله صندوقا من رصاص، و فيه وجدوا رقا كبيرا مكتوبا بالعربية و العجمية المتصرفة في بلاد الأندلس، و نصف خمار الصالحة مريم- (عليها السلام)- أم سيدنا عيسى (عليه السلام)، و عظما من جسد أشطبان‏ (34) الصالح عندهم. فأما ما كان في الرق بالأعجمية فقرئ و ما كان بالعربية فنادوا الأكيحل الأندلسي، كان ترجمانا بالإجازة، و الشيخ الصالح الجبّس، و غيرهما من الأندلس الكبار السن الذين يعرفون القراءة العربية، و أمرهم القسيس بترجمة ما في الرق من العربي كل واحد وحده، و تارة يجمع بينهم، و لم يحيطوا بفهمه حقيقة- و القسيس الكبير تعلم يقرأ بالعربية-، و بعد أن وجدوا الرق بسبع سنين جاء رجل من مدينة جيان ببعض كتب بعثها له بعض الأسارى من بلاد المغرب فيها ذكر كنوز في بعض المواضع، فكان ذلك الرجل بقرب غرناطة على بعد ميل منها أو نحو ذلك، و كان الموضع يسمى بخندق الجنة، فحرك حجرا و وجد تحته غارا و في ركن الغار رمادا و رصاصا مكتوبا باللطين يقول فيه:

هذا الموضع أخرق فيه القسيس سسليوه‏ (35). و هذا سسليوه كان الذي كتب الرق، و ذلك أن النصارى كان عندهم في كتبهم خبر بموت سسليوه و أنه كان من تلميذ سيدنا عيسى (عليه السلام) و أنه قتل على دينه، و أنه من الشهداء عندهم، و لا علموا بموضعه. و من عادتهم أن كل من يقتل على دينه من القسيسين يثبتون اسمه مع الصالحين، و يذكرون موضعه الذي قتل فيه لتزوره الناس. فأمر القسيس الكبير بالدخول في الغار و ينظرون فيه و يفتشون لعلهم يجدون كتبه المذكورة في رومة في دار دينهم، و موضع الباب الذي هو كبير القسيسين و الرهبان و إمام جميعهم. و الخبر في‏

____________

(33)Torre turpiana .

(34) يقصدStefano .

انظر:

Clecia Sarenelli Cerqua, Al- Hagari in Andalusia in Studi Maghrebini III, Napoli,:

. 26،، 3، 1968

(35)San Cecilio .

29

ذلك أنه عندهم في كتبهم أن سسليوه القسيس الكبير ... (36) الأسكفة كان عنده أسرار و أمور ربانية من زمن سيدنا عيسى (عليه السلام) أو قريبا منه، و أنه أودعها مكتوبة في جبل يسمى بابلطان‏ (37)، و بحث واحد من الباب عن هذا الجبل و قيل له أنه بإيطاليا فأمر أن يحفر كله و يغربل ترابه في طلب الكتب و لم يجدوا شيئا. سمعت هذا الكلام بمدينة غرناطة من بعض الناس و لا تحققت حتى سألت عن ذلك القسيس بعد أن عرفته، و ذكر لي الحكاية كما سمعتها من غيره. و لما فتشوا في الغار وجدوا بعض الحجار معقودة فكسروها و وجدوا في قلب كل حجر كتابا و ورقة رصاصا (كذا) و كل ورقة قدر كف اليد أو أقل قليلا، و هي مكتوبة بالعربية فأمر القسيس الأندلس المذكورين، و هم: الاكيحل، و الفقيه الجبس- رحمهما الله- و غيرهما، بترجمة الكتب فوجد في أحدها ذكر الرق الذي كان بأيديهم قبل ذلك العهد بنحو السبع سنين فاشتد حرصهم على فهم ما في الرق. و واحد من القسيسين المقربين للقسيس الكبير كان يتعلم يقرأ العربية، و بسبب ذلك كان يلزم الحكيم محمد ابن أبي العاصي حفيد الشيخ الصالح الجبس المذكور أنه يترجم [الكتب‏] (38) و من أجل جده كان يقرأ بحضرة النصارى بالعربية. و الكتاب الذي كان يقرأ للقسيس يسمى بنزهة المشتاق في اختراع الآفاق‏ (39)، و كنت أحضر معهما، و لم نظهر للنصراني أنني نقرأ بالعربية لما كانوا يحكمون فيمن ظهر عليه ذلك، و بينما كان يقرأ في الكتاب كانا يتوقفان في بعض الكلمات و فهم معناها، فكنت أقول لهما لعله كذا فيجداه كذلك، و نظرني القسيس و قال: أنت تعرف تقرأ بالعربية، فلا تخف، لأن القسيس الأعظم يطلب على من يعرف شيئا من القراءة العربية لعله يبين شيئا مما ظهر مكتوبا بذلك اللسان و حملني إلى داره، و كان عنده كتب في كل فان و لسان، و أخرج لي كتابا

____________

(36) بياض في الأصل.

(37) انظر حول هذا الجبل:C .S .Cerqua ,op .cit .,pp .32 -42 .

(38) بياض بالأصل، و ما بين المعقوفتين إضافة من المحقق.

(39) من المعلوم أن هذا الكتاب للشريف الإدريسي و قد حرف الحجري كلمة (اختراق) إلى (اختراع) انظر عن هذا الكتاب: م. المنوني، المصادر العربية لتاريخ المغرب، 1: 44.

30

بالعربية فقرأتها و ترجمت له بعض الكلمات التي كان يتوقف فيها، ثم لقاني يوما آخر و قال لي: القسيس الكبير أمر أن تمشي معي إلى حضرته، قلت في نفسي:

كيف الخلاص و النصارى تقتل و تحرق كل من يجدون عنده كتابا عربيا و يعرفون أنه يقرأ بالعربية. و أما ما ذكر من المترجمين الأندلس فكانوا شيوخا، و يستعذرون بأنهم تعلموا القراءة العربية في صغرهم بقرب عهد الإسلام و أما الحكيم أبو العاصي كان يقرأ لأجل جده لأنه مترجم كما قلنا، و ماذا أقول أنا إذا سألني عن من علمني؟ و في الطريق كان يقول لي القسيس: قل للسيد العظيم: إن المترجمين ما عرفوا شيئا. قلت في نفسي: عكس هذا أقول، لأن أصحاب الدعاوى يفتضحون. و لما أن دخلنا إلى حضرته فأقبل علينا و قال لي: ذكر لي القسيس منضنض‏ (40) أنك تحسن القراءة العربية فقلت: ليس أنا من البالغين فيها. قال: أين تعلمت؟ قلت: أعلم أيّها السيد أنني أندلسي من الحجر الأحمر، و كلامنا فيه فهو بالعربية، ثم تعلمت نقرا بالعجمية، ثم مشيت إلى مذريل‏ (41) بلد السلطان فوجدت فيها رجلا طبيبا أندلسيا من بلاد بلنسيه اسمه فلان و علمني نقرا بالعربية، و جاني سهلا لكوني عربيا في الأصل. ثم قال لي: معلمك الطبيب؟ قلت: مات- (رحمه الله)- قبل هذا العهد بنحو السنتين أو ثلاثة، و كلما قلت له فيها سألني عن الطبيب أنه كان من بلاد بلنسية كذب، و لكن كانت القراءة بالعربية لأهل بلنسيه مباحة في غير دين الإسلام، و ممنوعة لسائر أهل بلاد الأندلس، و تسترت بالكذب من شرهم، و ذكر الغزالي- نفع الله به- في كتاب الإحيا: إن جاز عليك إنسان من أهل الخير، ثم جاء في طلبه رجل ظالم سائلا عنه ليضره فقل له: مشى من تلك النّحيّة بعكس ما تمشى منها، لينجو المطلوب من ظلم طالبه. و أن الكذب في مثل هنا جائز، بل مندوب إليه مع أن الإرشاد واجب، و ظهر لي أن للذي من عادته الصدق في كلامه إذا كذب فيما يجوز له الكذب مضطرا إلى ذلك أنه يقبل منه قوله و يصدق فيما يقوله.

____________

(40)Maldonado .

(41)Madrid .

31

ثم أمر القسيس باحضر الرق و كان في الطورة مكتوب بالعربية بحروف غير منقوطة: يا طالب اللغز اقرن و إن لم تقرن لم تحط بفهم الجفر، فسألني عن المعنى بالعجمية فذكرته له. قال لي: اتنا غدا، قلت: إن شاء الله، و لما أن جئت أعطاني الرق و قال لقسيس عالم شهير محمود عندهم اسمه رايه‏ (42): اقعد معه و اكتب ما يقوله لك. و كان في أعلاه مكتوب: «بسم الذات الكريمة الملتبيبة» فاحتجت كتاب في اللغة إلى فهم معنى (الملتبيبة) و أعطاني القسيس كتاب الجوهري في سفرين، و فهمت من الملتبيبة أنه مأخوذ من لب الشي‏ء معناه الذات الساذجة الخالصة لا مركبة و لا ممزوجة، ثم ذكر سيدنا عيسى (عليه السلام) ثم قال القسيس سسليوه عن نفسه أنه مشى في طلب العلم إلى مدينة أطيناش‏ (43) ببلاد اليونان حيث يقرأ العلم بكل لسان و أن بعد زمن مشى إلى زيارة بيت المقدس و أن الطريق بفساد الأزمنة و الرياح أصابه ما شاء الله من زيارته بداء مرض العينين حتى غشي البصر بالبياض، و أن الموكل ببيت المقدس أخرج إليه جفر الحوري يوحنا الذي كتب ربع الإنجيل، و قال له إن فيه سرا عظيما (44)، و استشفى به، و ارتد عليه بصره. ثم أخذ منه نسخة اليوناني و ترجمه باللسان المتصرف باشبانيه- العجمي- و هي بلاد الأندلس، و أدخله في جدول من تسع و أربعين بيتا و وضع في كل بيت حرفا من العجمي ثم وضع تحت الجدول شرحا بالعربية، و لما ترجمت العربي الذي ذكر أنه الشرح، فكنت آخذ من العجمي الذي هو المتن- و بالمغرب يسمى بالام- إلى أن أجد علامة الوقف، ثم آخذ من العربي و هو الشرح ما يناسبه، فجاء الكلام مطابق و مفهوما و هو كما ذكر في الطرة: «يا طالب اللغز اقرن» و الإقران لشيئين متباينين يجمعها. و أما ما ترجم به كل من سبقنا و كان فيهم أعلم مني فترجم الشرح وحده و لا فهم معناه، و ذكر لي أنه كان فيهم من قرا

____________

(42) يقصدLuis de Raya .

انظر عنه:

C. S. Cerqua," Al- Hayari in Andalusia" in Studi Maghrebini III, 3, Napoli, 8691, p.

. 17

(43)Athenes .

(44) كتب في الطرة: (و نصف خمار الصالحة مريم).

32

(المتلبيبة) بأن قال: «باسم الذات الكريمة المثلثة» و ذلك كذب لأن حروف (المثلثة) خمسة، و (المتلبيبة) سبعة. ففرح القسيس فرحا عظيما بما ترجمت و علم أنه الحق و أعطاني ثلاثمائة ريالا و أيضا كتابا بالإذن للترجمة من العربي إلى العجمي و بالعكس، و امتد الخبر عند النصارى حتى كانوا يشيرون إلي و يقولون: هذا هو الذي فهم الرق الذي وجد في الصومعة و قد مضت نحو العشر سنين بعد أن وجد، فأمرني القسيس الكبير أن أكتب نسخة من الرق، و بعثها للبابا بالمدينة رومة.

و بعض ما تضمن الجفر- قال في العجمي المكتوب في الرق شيئا مما يكون بعد كمال ست قرون من ميلاد عيسى (عليه السلام)، و قال في الشرح العربي القرن مائة سنة-:

من غمرات الشرقين أتى ملك جاني بالانشرار

على الوجود قايم بتمام القدر قد انتصار

يا مالكا دايما من هذا الأمر أين الفرار

***

و ملك يتحكم على الوجود كله إلى الغروب‏

و دين يتقدم على من قد أمله من العيوب‏

و السر يتفهم بما القدر أعطه على الذنو

فترجمت معنى هذه الأبيات.

و المفهوم منها عندهم:

أن الملك: هو النبي (صلى الله عليه و سلم) لأنهم يقولون أنه ولد لإحدى و عشرين سنة و ست مائة من ميلاد عيسى (عليه السلام)، و عند أنه ولد قبل ذلك (صلى الله عليه و سلم) في المائة الخامسة، و اشتهر دينه في السادسة، و قد رأيت نصبة ولادته معدلة في كتاب علي ابن أبي الرجال‏ (45)

____________

(45) هو أبو الحسن علي بن أبي الرجال الشيباني القيرواني.

كان حيا عام 454 ه/ 1062 م. صاحب كتاب البارع في أحكام النجوم.

انظر: م. العربي الخطابي، فهارس الخزانة الحسنية، 3: 437- 441.

33

بتاريخ ولادته (صلى الله عليه و سلم).

و في معنى الجاني: وقع الخلاف بين المترجمين، لأن الاسم له معنيان: فأما الشيخ الصالح الجبس و ما ترجمت أنا قلنا هو اسم فاعل من جنى، و هو ظاهر في القرآن العزيز قوله تعالى‏ «وَ جَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ» (46) و لما ترجمت (أن دينه يتقدم على من قد أمله من العيوب)، فقال القسيس كيف هذه الترجمة؟ قلت: أنت تعرف تقرا و أترجم لك كل كلمة وحدها حتى ما أصاب ما يقوله، و قد كره ذلك كثيرا، لأن الكفار هم الذين أملوه من العيوب و تقدم دين النبي (صلى الله عليه و سلم) و هو موافق الآية في القرآن العزيز، قوله تعالى: «أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ» (47) و هو معنى- و الله أعلم- أن دين النبي (صلى الله عليه و سلم) يتقدم على المشركين الذين أملوه من العيوب.

و كان في أسفل الرق مكتوب بالعربية أول ما صدر يوحنا في الإنجيل كتبه بطريسي‏ (48) قسيس خديم سسليوه، و قال إنه أمره أن يضعه في موضع خفي حتى يريد الله أن يظهره، و أنه وضع الصندوق في حيط الصومعة خوفا من السلطان نيرون.

و لما ترجمت ابتداء الإنجيل و ما ذكر فيما كتب قال لي القسيس: انظر هذه الكلمة، قال لها معنى غير هذا، قلت ليس لها إلا هذا المعنى، قال فاترك موضع الكلمة أبيضا لأنه مخالف للإنجيل الذي بأيدنا، قلت في نفسي: هذا الذي كتب في زمن سيدنا عيسى أو بإثره فهو عندي أصح من الذي عندهم الآن، و أيضا كان في الجفر مكتوب يقول:

«من أقصى المغرب على ماء البحر يأتي سريع القوام إلى بلاد النصارى و تصل الهملى‏ (49) إلى رومة». و ذكر مما ينزل بالنصارى من الشر و الخسران شيئا كثيرا. و قال عن ذلك و علامتها- أعني ما ينزل من البلاء و الغلب- إذا يأتي الوقت بالانفصال‏

____________

(46) سورة الرحمان، الآية 53.

(47) سورة التوبة، الآية 32.

(48)Patrizio .

(49) يقصد الحملة. و هذا كما هو واضح من تأثير النظام الصوفي الإسباني.

34

مدينة البحر يملكها الشرقي بلا محال، و لم يشك أحد من سمع ذلك أن الشرقي هو سلطان المشرق و أنه سلطان الترك نصره الله- قال لي القسيس: بأي مدينة تسمى بالعربية مدينة البحر؟ قلت: لا أدري، لكن يظهر لي أنها البندقية لأنها في البحر مبنية فأعطاني كتاب الجغرافية بالعربية و هو من الكتب التي تعمل النصارى بالقالب المسمى بنزهة المشتاق في اختراع الآفاق، و قال: انظر هل تجد هذا الاسم فيه، فقرأته كله فلم أجده، و بينما كنت أطالع إذ جاء بعض المسافرين من بلادي إلى مدينة غرناطة و علمت في أي موضع من الفنادق كانوا، فمشيت إليهم و الكتاب عندي، و بعد السلام و الكلام فتحت الكتاب فلما رأوه مكتوبا بالعربية دخلهم الخوف العظيم من النصارى و قلت لهم: لا تخافوا لأن النصارى يكرمونني و يعظموني على القراءة بالعربية. و كان أهل بلدي جميعا يظنون أن الحراقين من النصارى الذين كانوا يحكمون و يحرقون كل من عليه شي‏ء من الإسلام أو يقرأ كتب المسلمين يحكمون و من أجل ذلك الخوف العظيم كان الأندلس يخاف بعضهم من بعض و لا يتكلمون في أمور الدين إلّا مع من كان ذمّة، معناه: ذو ءامنة. و كثير منهم كانوا يخافون بعضهم من بعض و كان فيهم من يحب يتعلم شيئا من دين الله و لا يجدون من يعلمهم. و لما كنت عازما على الانتقال من تلك البلاد إلى بلاد المسلمين كنت أعلم جميع من أراد يتعلم من الأندلس في بلدي و غيرها من البلاد التي دخلتها. و لما رأى الأندلس الحالة التي كنت عليها كانوا يقولون فيما بينهم لابد لهذا من الوقوع في أيدي الحراقين. و بلغ الحال بي حتى إذا وقفت مع جماعة للكلام نرى كل واحد منهم ينسل حتى أبقى وحدي منفردا، و من أجل ذلك قصدتهم و فتحت الكتاب إليهم لنريهم ما أنعم الله تعالى علي به، إذ بدل لي الخوف بأمن، و العقوبة و الإهانة و الذل بعزة و كرامة:

و من تكن برسول الله نصرته* * * إن تلقاه الأسد في آجامها تجم‏ (50)

و أما ما ذكر في الرق أن علامة النحس الذي ينزل على النصارى يكون إذا أخذ

____________

(50) البيت رقم 135 من بردة البوصيري.

35

المشرقي مدينة البحر فكنت قد أظهرت نسخة من الرق المذكور لمولاي أحمد سلطان مراكش- (رحمه الله)-. قال واحد من قواده: لو كنت تبدل (القاف) (بفاء)، ليقول إن مدينة البحر يملكها الشريف، فيفرح بذلك السطان. قلت: لا أبدل شيئا- إن شاء الله-.

تنبيه: هذا الرق القديم كان من زمان سيدنا عيسى (عليه السلام) أو قريبا منه جدا، لأن سسليوه الذي كتبه و وضعه في الصومعة خوفا من السلطان نيرون كما قال هو فيه، لأنه كان يقتل النصارى، فوجدت تاريخ توليه للملك في سنة عشرين بعد سيدنا عيسى (عليه السلام) و أيضا كان كاتبا سسليوه هو و أخوه للكتب التي ظهرت تحت الأرض، و الحروف العربية التي كانت في ذلك الزمان حسبما كانت في الرق. فحرف القاف كان بنقطتين، و هذا برهان أن المشارقة في ذلك هم على العهد القديم بخلاف المغاربة إذ لا يجعلون القاف إلا نقطة واحدة. و مدينة البحر المذكورة رجوت- الله تعالى- أن تكون البندقية أو مالطة لأنها في البحر، و ليس على المسلمين أضر منها. و قال لي الحاج يوسف الحكيم الأندلسي أن نهاية المسلمين الذين هم فيها أسارى خمسة آلاف و خمسمائة، و منهم خمسون أندلسيا و الباقي ترك و أولاد عرب.

و كان في الرق أيضا يقول: من القبلة يخرج الحاكم العدل و لا يعود؛ انتهى.

انظر هل يدل على النبي (صلى الله عليه و سلم)، لأنه بعد افتتاح مكة المشرفة و هي القبلة، فبعد حجة الوداع خرج منها و لا عاد إليها.

و أما الكتب التي وجدت في الغار في خندق الجنة فكانت اثنين و عشرين كتابا، و الورق كما قلنا من الأسرب‏ (51)، و نادى القسيس الكبير الصياغ و المذوبين لعلهم يصنعون مثلها فلم يقدروا على ذلك بوجه و لا بحال و لا تدبير، و علموا بذلك أن الرصاص مزج معه معدن آخر و لا عرفوه، و في واحد من الكتب منها كتاب الحكم للصالحة مريم، كما نقل من نسخة الفقيه الاكيحل المترجم الأندلسي- (رحمه الله)-، و أيضا ذكر الكلام بنفسه قايد بمدينة مراكش يسمى بفارس ابن العلج، و كان من أهل الدين، و كان عنده الكلام محفوظا و مكتوبا.

____________

(51) كتب في الطرة: أعني رصاص.

36

قال: كنت أسيرا بمدينة غرناطة و نادوني إلى حضرة القسيس الكبير و أعطوني كتابا في ورق من رصاص من الكتب التي وجدت تحت الأرض، و قرأته و الذي قال لي كان مثل ما كان مكتوبا من كتاب الاكيحل، و قيل في الكتاب مائة حكمة و واحدة، و هذه الثالثة منها.

و هذه هي الحكمة: يأتي في الوجود من بعد روح الله يصوع، نور من الله اسمه الماحي المنور، و بالمعجم البارقليطاس‏ (52) خاتم المرسلين- تأييدا-، و خاتم الدين و نور الأنبياء، لا نور لهم دونه و لا لأحد من العالمين. فالذين آمنوا به من بعد يسعدون حق السعادة و ينورون حق التنوير المبين من الله، و من كفر به لاحظ له في الجنة، و لكن أكثر الناس كافرون؛ انتهى. و قد قال لي بتونس- حرسها الله- الفقير الإمام الفقيه محمد بن عبد الرفيع الأندلسي‏ (53): إن في الحكمة المذكورة سبعة أسماء من أسماء النبي (صلى الله عليه و سلم)، و هي:

- نور من الله.

- الماحي.

- المنور.

- البار قليطاس.

- خاتم المرسلين.

- خاتم الدين.

- نور الأنبياء.

و في كتاب آخر حكمة ذكرها لي الأكيحل- (رحمه الله تعالى) - تدل على القيامة، كأنه برهان عقلي، و هي هذه: إن مات الظالمون من غير حكم و عاش الصالحون من دون أجر فذلك دليل على يوم القيامة لأن الله حاكم عدل و لا يظلم في حكمه أحدا.

____________

(52)Parcleto

(53) محمد بن عبد الرفيع من الأندلسيين المستقرين بتونس، توفي سنة 1052 ه/ 1642 م. انظر ترجمته في خاتمة كتابه: الأنوار النبوية في آباء خير البرية.

مخطوط خ. ع. بالرباط، عدد ط 1238، ص. 319 و ما بعدها.

37

و أما الكتاب الذي يرجى فيه الخير حسبما قال في كتاب مواهب الثواب للصالحة مريم- (عليها السلام)-، و نضعه في آخر كتابنا هذا- إن شاء الله-، قالت: تكون الناس على دين واحد، و هو مكتوب كتاب حقيقة الإنجيل في سبع ورق من رصاص بحروف لم تعرف في زمننا. و أحضر للقسيس جميع حروف الهجاء التي هي الآن عند الناس في الدنيا، و تلك الحروف التي في الكتاب مختلفة لجميع الحروف. و أما المترجمون سموه بالكتاب الأبكم لعدم معرفة قراءته، و كان في أوله خاتم سليمان (عليه السلام) مكتوبا بالعربية، و ما عدا الخاتم مكتوبا بالحروف التي لم تقرأ إلى آخر الزمن في جزيرة السبر (54) في البحر الصغير بمشرق البندقية. و الجدول وضعته بمحاولة:

أما الذي في الجدول أعني في خطوط الخاتم بالعربية فهو هذا: لا إله إلّا الله يصوع روح الله.

____________

(54) يقصد جزيرة قبرص‏chypre .

38

1- حقيقة الإنجيل مقلوبة العلامة كبيرة القدر.

2- كليمة الجليل جليلة العظامة يسرا على يسر.

3- تهدي إلى السبيل لليمنى و الإقامة لتعظيم الأجر.

4- فهي للمقتبس من جمهر الكرامة أبها من الشمس.

5- فلاح للنفوس يسعد من أقامه بالروح و النفس.

6- تنجيه من النحوس في مشهد القيامة لحضرة القدس.

و أيضا يقرأ على أربعة أنواع مثل أن يبدى بالسطر الأول، ثم بالخامس، ثم بالثالث، ثم الرابع، ثم الثاني، ثم بالسادس. وجه آخر في القراءة: يقرأ السطر الأول ثم الثالث ثم الخامس ثم السادس ثم الخامس ثم الرابع.

وجه ثالث: يقرأ السطر الأول ثم الثالث ثم الخامس ثم الثاني ثم الرابع ثم السادس.

وجه رابع: يقرأ الأول ثم الثالث ثم الخامس ثم الثاني ثم الرابع ثم السادس، و هو من العجمي.

و قد قلت للقسيس نحب نطالع الكتاب الذي لم يقرأ المسمى بحقيقة الإنجيل لعلي نستخرج منه شيئا، قال لي: لم يبلغ الزمن الذي يقرأ فيه الكتاب. و علم ذلك من الكتاب المسمى بكتاب مواهب الثواب للصالحة مريم. و قد وجدت في تونس- حرسها الله- نسخة منه بالعربية و أخرى بالأعجمية أتى بالنسختين واحد من الأندلس الذي كان يترجم، و وجدت في الأعجمية الباطل و الكذب ما لا كان في النسخة العربية (55). و هذه عقيدة في توحد الله تعالى من واحد من الكتب المذكورة و هي من كتاب تصفيون ابن العطار في الذات الكريمة. قال: الدوام لا يزال هو في الله أول كل شي‏ء، الذي ليس لبدايته ابتداء و لا لفصيلته انقضا، لا يبلغ كنه‏

____________

(55) درس ميكيل دي ابالزاMikel de Lpalza هذه الأناجيل المكتوبة من طرف المورسكيين، و قد سماها «أناجيل مزورة»، و أكد أنها «حرفت» لكي تؤيد ما ذهب إليه المورسكيون فيما يتعلق بجدالهم للمسيحيين.

انظر مقاله:

Le Milieu Hispano- Moresque de l`Lvangile Islamisant de Barnabe( X V I- XVIIs ): in Islamo christiana, Rome, 2891, 8, pp. 061- 381.

39

صفاته الواصفون و لا يتفكرون في مائية (56) ذاته المفكرون. ليس أحد من العالمين رآه عين النظر. ملكه لا يزال لأنه إن زال ملكه ما كان الله. له جلالة لا تدرك لأنه إن أدركت كان نقصانا به. له عظمة لا تنفك لأنها إن انفكت عظمته أتاه النقصان، و ليس ذلك واسع فيه أبدا هو ذو العلم دون جهل، علم كل شي‏ء قبل كونه. هو ذو قوة دون نقصان. و هو ذو رحمة و فضل دون امتنان. هو ذو علم قسط لا يفنى أبدا.

ليس له احتياج لأحد من العالمين ليزداد سلطانه. و ليس دونهم له نقصان في ذاته و لا في ملكه. و كل ما خلق خلقه من رحمته دون احتياج. الموجودات كون و هو المكون، لو أمر الدنيا بالغراق بمن عليها لدامت في غرق ما دام ملكه و لا يزال و لا تصيب مستقرا لها في موضع. هو خلق كل شي‏ء و ليس بمخلوق. هو موانس و ليس موانسا له. هو ذو علم ما دون احتياج من غير. هو ذو رحمة ما دون نقصان. هو أول كل شي‏ء، ليس قبله شي‏ء، و بعد كل شي‏ء ليس بعده شي‏ء. إله ليس شي‏ء مثله.

ليس هو كم و لا عدد و لا فصل و لا فوق و لا تحت و لا وهم و لا خيال و لا كلام و لا لغة و لا صنع مثل خيالنا، هو فوق العقول ليس يوصف. له الجلال و الكمال. و ذلك هو في وحدانيته، لا يفهم الله إلا الله. له العظمة و العبادة و الشكر على كل شي‏ء.

و الإيمان ما دون ذلك خسران؛ انتهى.

و كان في الكتاب هذه الحروف و الخواتم:

لله‏ (57)

____________

(56) يقصد ماهية.

(57) كتب في الطرة: الله أعلم أن الميم تدل على سيدنا محمد (صلى الله عليه و سلم)، و النقط الأربعة على حروف رسول إذ هي أربعة.

40

هذا تصفيون بن العطار كان من أصحاب سسليوه، و كانوا كما قلنا على أثر سيدنا عيسى (عليه السلام)، و يظهر من كلامه فيما تقدم أنه برء من الشرك الذي تعتقده النصارى في هذا الزمن، لأنهم يصدرون في ذكر الألوهية عن التثليث. و أيضا سسليوه ما قال في أول كتابه إلا باسم (كذا) الذات الكريمة الملتبيبة. و الآن يقولون: بسم الأب و الا بن و الروح القدس إله واحد، تعالى عن قولهم علوا كبيرا.

و لما أردت القدوم إلى مدينة إشبيلية لنمشي إلى بلاد المسلمين مشيت إلى القسيس و قلت له: إني عزمت على القدوم إلى بلدي، و إن أبي كتب لي أن نمشي إليه و أن طاعة الوالدين واجبة، قال لي في بعض المسائل هي واجبة و في بعضها لا تجب، قلت لا بد لي من القدوم، و طلبت منه أن يكون سندا للأندلس لأنهم ذلال عند النصارى القدما، قال لي: اعلم أنني من جانبهم في كل زمن، و حين قاموا على السلطان كنت أنا قاض القضاة بهذه المدينة، و جاء إليها السلطان و قبض من أعين الأندلس بهذه المدينة مائة و أربعين رجلا و قتلهم، كل ذلك ليأخذ أموالهم، و كان الحق أن يتركهم لأنهم ما كانوا من القوام. و أصحاب المال و النعمة لا يسعون إلا في أمور العافية لينعموا فيما عندهم بخلاف غيرهم، و لكن أنتم الأندلس فيكم عادة غير محمودة، قلت: ما هي؟ قال: أنكم لا تمشون إلا بعضكم مع بعض، و لا تعطون بناتكم للنصارى القدما، و لا تتزوجون مع النصرانيات القدما. قلت له لماذا نتزوج النصرانيات القدما و كان بمدينة انتقير (58) رجلا من قرابتي عشق بنتا نصرانية، ففي اليوم الذي مشوا فيه بالعروسة إلى الكنيسة ليتم النكاح احتاج يلبس العروض الزرد المهند من تحت الحوايج، و أخذ عنده سيفا لأن قرابتها حلفوا أنهم يقتلونه في الطريق، و بعد أن تزوجها بسنين لم يدخل إليها أحد من قرابتها، بل يتمنون موته و موتها، و النكاح لا يكون ليتخذ به الإنسان أعداء بل أحبابا و قرابة. قال لي: و الله إنك قلت الحق و تودعنا بالخير، و ذهبت، و ما ذكرت له عن الأندلسي و النصرانية كان صحيحا، و أسلمت على يده، و حسن إسلامها غاية الحسن، و أسلمت على يديها أمها عجوزة.

____________

(58)Antequera إحدى مدن الأندلس القديمة، تبعد عن مالقة بحوالي 60 كلم.

انظر عنها: ياقوت الحموي، معجم البلدان، 3: 259؛ و ابن الخطيب، معيار الاختيار، 197.

41

الباب الثاني في قدومنا إلى بلاد المسلمين و ما اتفق لنا عند خروجنا من النصارى‏

اعلم- رحمك الله تعالى- أن البلاد التي على حاشية أبحر من بلاد الأندلس، و أيضا فيما لهم في بلاد المسلمين، أن النصارى فيها من الحرص و البحث في من يرد عليها من الغربا شيئا كثيرا. كل ذلك لئلا يذهب أحد أو يجوز عليهم إلى بلاد المسلمين، و همني الأمر كثيرا في كيفية الخروج من بينهم، و ركبت البحر في بلد يسمى شنت مريا (59)، و كان لي صاحب من بلدي من أهل الخير و الدين و مشى معي مهاجرا إلى الله و بلاد الإسلام و سبل نفسه و أهل القارب لا يشكون فينا بأننا منهم، فقطعنا البحر في يومين و نزلنا في بلد يسمى بالبريجة (60) هو للنصارى و ليس بينه و بين مدينة مراكش إلا نحو الثلاثة أيام للماشي المتوسط، و تعجب من المنع الذي في بنيان سورها، هو أساسه على حجر صلد، و سقفه ثلاثة عشر ذراعا و لا يبالي بكور المدافع من إتقانه و غلظه، حتى شاهدت ثلاثة من الفرسان بخيلهم يدفعون خيلهم جملة على السور و لا يخافون الوقوع منه، و لما أن دخلنا سألنا القبطان:

ما سبب قدومكم؟ قلت له: وقع لنا شي‏ء من التغيير مع أناس ببلاد الأندلس و جئنا إلى حرمتكم، قال: مرحبا بكم، قلت أحب منك أن تأذن لنا في رجوعنا إلى بلادنا مهما أردنا، قال: أذنت لكما و نزلنا عندهم و اشتريت حصانا من أحسن الخيل، و صرت من فرسانهم، و كنت أحب أشتري آخر لصاحبي و لم يتيسر. و تلك البريجة في ركن من الأرض و البحر داير بها من الجانبين، و لا يخرج أحد من البلد حتى تتقدم الفرسان، و يقتسمون، و يجوزون من البحر إلى البحر من الجانب الآخر البساتين مع البريجة، و ليس لأحد من النصارى أن يجوز الحد الذي تكون فيه‏

____________

(59) يقصد ميناءSanta Maria .

(60) يقصد الجديدة، و كانت آنذاك تحت حكم البرتغاليين.

42

الفرسان بحساب النوبة للحرس و لما رأيت ذلك قلنا نخرج من البريجة و نجلس بين البساتين و نستخفي فيه إلى الليل، و نذهب إلى مدينة أزمور- هي للمسلمين- على ثلاثة فراسخ من البريجة، و قلت لصاحبي إذا قدر الله علينا أن النصارى يتصلون بنا فواحد منا يستعمل نفسه أن الجن أصرعه و يخرج من فمه بحديد شيئا من الدم لعلنا ننجو- إن شاء الله- بذلك الكيد.

فخرجنا إلى بين البساتين و اختفينا هناك ثم أن صاحبي مشى إلى بستان قريب من الموضع الذي كنا فيه و بقي هنالك إلى قبل غروب الشمس بقليل، و أنا في أشد تغيير، و الفرسان تأتي إلى البلد، ثم جاء صاحبي، قلت له: ما السبب حتى قعدت إلى هذه الساعة؟ قال: كنت أتكلم مع صاحب بستان حتى عزم على الخروج منه، جئت من عنده، فبينما كنت بالغيظ أدبر كيف العمل إذ سمعت البواب يزمور مزمارا له ينادي الناس قبل سد الباب، فاشتغلت أقرأ سورة (يس) و (الزمر) في زيادة. قلت لصاحبي: هذا الزّمر هو علينا، قال لي: اعمل حيلة الاصراع، لأن الناس جاءت إلينا قلت له: لا أعمل ذلك مما كان عندي من الغيظ و التغيير عليه، قال: أنا أعمل، قلت: افعل و أنا أتكلم عليك معهم. فأخرج شيئا من الدم، ورمى بنفسه في الأرض، فخرجت إلى جهة الرجال و أنا أشير إليهم أن يأتوا إلي، فلما وصلوا قالوا:

ما السبب في جلوسكم إلى هذه الساعة و البواب ينادي عليكم، أما تخاف من المسلمين أن يأخذوكم أسارى؟ قلت في نفسي: ما نفتش إلا هم، قلت لهم: بعثت صاحبي يشتري خيارا، و لما تعطل جئت في طلبه حتى وجدته في هذه الحالة، ما استطعت حمله وحدي لأنه يضطرب في الأرض، فوصلوا إلى ناحيته و رأوه بالدم في وجهه و عنقه و هو يضطرب بيديه، قالوا: هذا يموت. و كان من الذين جاءوا صاحب البستان الذي كان معه صاحبي في الكلام، و وصل الخبر للقبطان بأمرنا، و ظنوا و قالوا: إننا هاربون إلى المسلمين، و أمر أن ينظروا هل الحصان في الدار؟ قالوا: هو فيه و حوائجهم أيضا، قال: لو كان يهربان لم يتركا الحصان، و هذا أمر نزل بهما، و التمت جميع الناس بحضرة القبطان، و الرجال الذين كانوا عندنا قالوا: إن هذا يموت، و اتفقوا أن يمشي واحد منهم ينادي القسيس ليثبته و يستقرره من الذنوب ليمشي مغفورا منه إلى الجنة، فمشى واحد و أعلم القبطان بالأمر، فجاء القسيس و هو على‏

43

بعد منه يثبته، قلت للقسيس: أظن أنه مصروع من الجن فاقرأ عليه أول ما ذكر يوحنا من الإنجيل ليذهب عنه الجن، فقرأ عليه من الإنجيل، و ذهب الجن و الشيطان، و ظهرت للقراءة البركة و البرهان، و شهرت هنالك ولاية القسيس، و ضحك منه الجن مع إبليس، و برأ المريض في الحين، و أخذه اثنان منهم كل واحد من تحت أبطه، و صار يمشي معهم حتى صعد على حايط نار و هما معه، فأطرح نفسه على واحد منهما عند هبوطه منه حتى كاد أن يوقعه.

و دخلنا البلد و جميع الناس مع القبطان و حكوا له كل ما طرأ، و أن المريض بعد أن كان يموت برأ ببركة ما قرأ عليه القسيس، و مشينا إلى الدار و جاء من أكابرهم ينصحونني أن لا نتركه يركب الحصان، و لا يطلع على السور لئلا يصرعه الجن، ثم جاء الطبيب و كانت له صنايع غير الطب كثيرة، فكان يصقل السكاكين، و يركب الرماح، و أظنه يحلق، و بيطار الخيل، فقال الحكيم: ما هذا الذي أصابه فحكينا له، و بقي متحيرا ماذا يأمرنا به من العمل للعليل، اجعل عليه حوايج لعله يعرق، فشكرته على حكمته و وضعنا الحوايج عليه، فلما أن ذهبوا جميعا لم يسمع المريض أحد أخرج رأسه من تحت الحوائج و قال: كيف حالنا يا سيدي؟ قلت له: غط رأسك ما عندنا إلا الخير، إن شاء الله، و ذهب النوم عنا في الليلة كلها و يوم أخر تبين لنا أن الله تعالى لطف بنا، و بقي المريض سالما و نحن ندبر كيف العمل لنقضي الغرض حتى نخرج من بين الكفار. قلنا: لو كان واحد منا وحده كان يمكن الهروب و الخروج بأن يخفي و يهرب و الحال الاثنين صعب، و كانت سفينة عازمة على الرجوع إلى بلاد الأندلس، قلنا نرمي القرعة من يرجع منا في السفينة، فرميناها وجات في، و كانت الناس تتكلم بنا تقول: إني كنا نريد الهروب إلى بلاد المسلمين. فمشيت إلى القبطان و قلت له: أحب أرجع إلى بلاد الأندلس في هذه السفينة، و إذا استغرضت شيئا من تلك البلاد فأعطني زماما به أبعثه إليك، قال: و صاحبك يمشي معك:

قلت له: أراد القعود هنا و أنت ترد بالك عليه، لأنه غريب. فخرجت عشية و أوجدت ما يحتاج من الطعام في السفر، فوجدت بقرب باب قاربا صغيرا، فقال: أركب، فأعطيته الطعام و الحوايج و قلت له: إذا خرج التاجر الذي كان يمشي من البريجة نركب القارب الصغير ليبلغنا إلى السفينة الكبيرة، فجلسنا هنالك ندعو الله تعالى أن‏

44

يتعطل التاجر حتى ينسد الباب، ثم قالوا لصاحبي: ادخل عند سد الباب، قلت لهم: دعوه معي حتى يخرج التاجر، قالوا: نعم، يقعد، فأظلم الليل إلى أن صلنا العشاء الآخرة، ثم دعونا الله أن يرشدنا و يسترنا من أعدائنا. قلنا: هذا وقت الخير فنذهب- إن شاء الله- إلى أزمور، قلت لصاحبي: ما ظهر لك أن نصنع في ذهابنا، قال: كيف ما ظهر لك، قلت له: يا صاحبي، الطريق القريب هو من هنا إلى أزمور، قلت: و من الممكن أنا إذا شرعنا في الطريق ربما يخرج التاجر الذي هو يمشي في السفينة، و إذا طلبوا علينا لم يجدونا، و يتبعونا كما هي من عادتهم و يدركوننا بالخيل، قال: كيف العمل؟ قلت: هذا طريق أزمور هو هذا الشمالي على حاشية البحر، قال: نعم، قلت: نمشوا على حاشية البحر اليمنى إلى غد- إن شاء الله تعالى- نمشو إلى أزمور على بركة الله، فمشينا، و بعد ساعة أو أقل سمعنا مكحلة لعلي نفيق من النوم إن كنا نائمين، فمشينا الليل كله في بلاد الأسد إلى انشقاق الفجر أخلوا المدفع الكبير و هي علامة عندهم إذا أدخلوا ذلك أنه لا يتخلف أحد عن الخروج من البلاد. و علمنا أنهم ما خرجوا إلا في طلبنا، فاتفق أن ندخلا في وسط شجرة كبيرة و نجلس هنالك إلى الليل و كنا نسمع حس البارود الكثير ثم يئسوا منا و ولوا خائبين، و سبب رجوعهم أن قائد أزمور لما سمع حس المدفع الكبير عند الصبح علم أن أحدا من النصارى هرب من عندهم فأمر في الحين الفكاك أن يمشي إلى البريجة ليتكلم مع القبطان في شأن أسير كان عنده، و يأتي بالخبر، فلما مشي التقى بالنصارى في الفحص. و سأله ترجمان القبطان عن نصرانيين هل رآهما؟ قال له:

نعم، هما عندنا من الصبح. فلما بلغ الخبر للقبطان و هو مع جنده، فكان يقبض بيده شعر لحيته، و ينتفها و يرمي في الأرض، و الفكاك قال لهم ذلك لييأسوا و يرجعوا فقنطوا، و ولوا خائبين. و نحن جلسنا بين الأشجار إلى الليل و كان الحر الشديد، و نحن بالعطش سائرين فوجدنا عينا من ماء عذب فشربنا، و بتنا إلى الصبح، و كنا سرنا في الليل كثيرا قبل وجود الماء. و بعد ذلك بزمن التقينا بمراكش برجل من أولاد الولي سيدي علي بن أبي القاسم‏ (61)، و سألنا عن حالنا و هروبنا من البريجة إلى‏

____________

(61) انظر ترجمته عند م. بن عسكر. دوحة، 10- 102.

45

جهة طيط- هو بلد خال كان للمسلمين- و ذكرنا له عين الماء الذي وجدناه في الليل، فقال للناس الحاضرين: تلك البلاد نعرفها كلها و ليس فيها ماء على وجه الأرض إلا في الآبار الغارقة. و بعد أن تنعمنا بالماء و صلينا الصبح مشينا في طلب أزمور و بسبب السحب لم نر الشمس حتى كانت في وسط السماء، ثم سرنا نطلب على الما و نجد آبار غارقة يابسة، ثم استظللنا بشجرة كبيرة بعد العصر، و سمعنا حس البحر، و لينا إليه لعلنا نجد ماء فلم نجد شيئا في حاشية البحر للشرب. ثم مشينا على طريق و كنت أظن أنه ماش إلى أزمور. فبعد نصف الليل بلغنا إلى بساتين البريجة، ثم جزنا و تركناها من ورائنا، و سرنا من البريجة. ثم صعدنا على جبل و رأينا المسلمين يحصدون الزرع و لما قربنا منهم جاءوا إلينا بأسلحتهم و خيلهم، فلما وصلوا إلينا قلنا لهم: نحن مسلمون، فأمسكوا عن الحرب، و فرحوا بنا فرحا عظيما، و أعطونا الخبز و الطعام الذي لم نره من يوم الجمعة قبل الزوال إلى يوم الاثنين عند الضحى. ثم بلغنا إلى أزمور فأقبل علينا قائدها و بحثنا كثيرا في أمور دين المسلمين، و قال لي:

أتكتب بالعربية في هذه الورقة؟ قلت له: ما أكتب؟ قال: الذي تحب، فكتبت ما ألهمني الله تعالى، و شكرته على قضاء الحاجة و خلاصنا من الكفار، و دعوت بالخير للقائد محمد بن إبراهيم السفياني على ما أحسن إلينا، و قبض الورقة، و أظن أنه بعثها للسلطان مولاي أحمد- (رحمه الله)-، و كتب له و أمره أن يمشي بحضرته في عيد الأضحى، و أن يحملنا معه، فلما أن بلغنا في دكالة إلى سوق كبير أمر القائد بخديمه أن يركب معي إلى السوق، فلما أن دخلنا فيه جاء المسلمون يسألون الخديم عني، قال لهم، هو مسلم، فجاءوني من كل جانب و هم يقولون لي: شهد! شهد! و أنا ساكت حتى ألحوا علي و كثروا في ذلك، قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله. قالوا: و الله إنه قالها خير منا، ثم مشوا و أتوني بتمر و غير ذلك مما كانوا يبيعونه و فضة دراهم. قلت لهم: لا أطلب منكم شيئا من ذلك، فلما ولينا عند القايد قال لي: ما ظهر لك؟ قلت: الحمد لله إذ لم نر عدوا في هذه الناس، لأن في بلاد النصارى لم نر فيها في الأسواق إلا أعداء لنا يمنعونا من الشهادتين جهرا، و المسلمون يحرضونني عليها و فرحوا جميعا حين سمعوا مني ذلك.

و قد شبهت ما أصابنا من خوف النصارى و ما رأينا من التعب في الطريق إلى أهوال‏

46

يوم القيامة، و وصولنا إلى المسلمين للدخول في الجنة، نسأل الله العظيم أن لا يحرمنا منها و جميع المسلمين أجمعين ببركة سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة و التسليم.

47

الباب الثالث في بلوغنا إلى مدينة مراكش و ما كان السبب حتى مشيت إلى بلاد الفرنج‏

و لما أن بلغنا إلى محلة السلطان مولانا أحمد ابن مولاي محمد الشيخ الشريف الحسني و كان يقرب المدينة بنحو الستة أميال بسبب الوباء العظيم الذي نزل بتلك البلاد، و كان عيد الأضحى في اليوم الآتي من بلوغنا، و خرج السلطان في جنود- لم نظن ذلك-، و عجبني حال الرماة فحزامهم هو أفضل و أحسن و أزين من حزام النصارى بكثير. و أما العرب الذين جاءوا و حضروا مع قوادهم، فكانوا تسعا و عشرين ألف فارس و كذا مائة ما عدا السبيجية، و فرسان المدينة، و الفرادة، و الجند كثير.

و بعد ذلك دخلنا مراكش، هي مدينة كبيرة، و فواكهها كثيرة، و عنبها ليس في الدنيا مثله. عرضها إحدى و ثلاثون درجة و نصف. و طولها تسع دراج، لأنها قريبة من الجزر الخالدات المسماة الآن بقنارية، و منها ابتدأ الطول و بعد أن دخل السلطان من المحلة و كان ذلك عام سبع و ألف، و أنعم علينا، و أذن لنا في الدخول إلى حضرته في يوم الديوان، و لما ابتدأت بالكلام الذي اخترته أن أقوله بحضرته العالية بصوت جهير سكت جميع الناس الحاضرون كأنها خطبة. ففرح السلطان و قال كيف يكون ببلاد الأندلس من يقول بالعربية مثل هذا الكلام، لأنه كلام الفقها، و فرح بذلك كافة الأندلس القدما، و رأينا العافية و الرخا في تلك البلاد إلى أن مات مولاي أحمد- (رحمه الله)- في مولد النبي (صلى الله عليه و سلم) من سنة اثنتي عشرة و ألف. و قامت القوام و الهرج في المغرب كله، ثم ثبت في المملكة مولانا زيدان ابن السلطان مولاي أحمد- رحمهما الله تعالى- و في أيامه أمر السلطان النصراني ببلاد إشبانية- أعني بلاد الأندلس- المسم بفلب الثالث- من اسمه- بإخراج جميع المسلمين من بلاده، و ابتداء ذلك كان لسنة ثمان عشرة و ألف. و آخر من خرج منهم كان عام عشرين و ألف. و كان الأندلس يقطعون البحر في سفن النصارى بالكراء، و دخل كثير منهم في سفن الفرنج و نهبوهم في البحر. و جاء إلى مراكش أندلس منهوبون من الفرنج من‏

48

أربع سفن. و بعث رجل أندلسي من بلاد فرنجة بطلب منهم وكالة ليطلب الشرع عنهم ببلاد الفرنج و اتفق نظرهم أنهم يبعثون خمسة رجالا من المنهوبين و يمشي بهم واحد من الأندلس الذين سبقوهم بالخروج، و اتفقوا أنني نمشي بهم و أعطاني السلطان كتابه، و ركبنا البحر المحيط بمدينة أسف.

49

الباب الرابع في قدومنا إلى بلاد الفرنج‏

و لما أن دخلنا البحر سافرنا إلى أن تركنا بلاد المغرب عن يميننا، ثم عبرنا في البحر المحيط إلى جهة القطب الشمالي، و تركنا أيضا بلاد الأندلس عن يميننا، و بلغنا إلى بلاد الفرنج إلى مرسى هبردي غرسي- معنى ذلك الاسم مرسى البركة- بعد ثلاثين يوما من خروجنا، و بتنا في السفينة بنية الخروج في البر في غد، و تلك الليلة على طولها نرى في النوم أني كنت نتلوا سورة (الإخلاص)، و بعد أن نزلنا في البربان لي أن قراة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ كان لي تثبيتا على التوحيد، و الأمر من الله تعالى به إذ كنا نازلين ببلاد الشرك، ثم مشينا إلى مدينة روان، و جاء إلينا تاجر كنت عرفته في مراكش اسمه فرط، و لطول مكثه ببلاد المسلمين كان يعرف العربية غاية، و بدا يتكلم في دين المسلمين، و يشكر دينه. و قال: المسلمون في دينهم مباح الزنا و السرقة، قلت: هذا باطل، قال: بل صحيح لأني سمعت علماءكم يقولون أن بعضا سأل نبيكم، قال: المومن يزني؟ قال له: يزني، قال: و المومن يسرق؟ قال: يسرق، قال أيضا: المومن يكذب؟ قال له: المومن ما يكذب. قلت له: المومن الذي ما يكذب فلا يسرق و لا يزني، و كيف تقول ذلك و عندنا أن من سرق ما يساوي ربع دينار تقطع يده شرعا، و إذا زنا المحصن يرجم إلى أن يموت. ثم زاد في مدح دينه إلى أن قال: سيدنا عيسى (عليه السلام) كان ابن الله، و ابن إنسان، و أنه مات ليخلص الذنب الأول عن سيدنا آدم (عليه السلام)، قلت: أقول لك في الجواب شعرا نسبه بعض للقاضي عياض، و هو هذا:

عجبا للنصارى في نبيهم* * * و إلى أي والد نسبوه‏

أسلموه إلى اليهود و قالوا-- إنهم بعد صلبه قتلوه‏

50

فإذا كان ما يقولون حقا-- فاسألوهم أين كان أبوه؟

فإذا كان راضيا لأذاهم* * * فاشكروهم لأجل ما عذبوه‏

و إذا كان ساخطا لأذاهم* * * فاعبدوهم لأنهم غلبوه‏ (62)

فبهت التاجر و لم يعرف ما يقوله:

و كان قد ذكر لي رجل من علماء النصارى في مدينة مراكش، و كان راهبا ثم أسلم، و سمي برمضان، ثم مشى إلى بلاد السودان، و مات بها- و الله أعلم-، و قال لي: إن السلطان مولاي أحمد- (رحمه الله تعالى)- أمر بإحضاره بين يديه بعد أن علم أنه من علماء النصارى، فقال له: ماذا تقولون في سيدنا عيسى (عليه السلام)؟ قال: إنه أحد الثلاثة في الألوهية أو كما قال: و إنه مات ليخلص العالم من الذنب الأول الذي عمله أبونا آدم. قال له السلطان: أنا أضرب لك مثلا حتى ترى الغلط الذي أنتم عليه، فقدر أنني أمرت أن من يدخل في هذا البستان الذي بدارنا السعيدة نقتله، و اتفق أن واحدا ممن علم بالمنع دخل البستان و عصاني، فلما صح ذلك عندي أمرت الخدام أن يأتوني بابني، فلما أحضروه قلت لهم: اقتلوه لأجل دخول فلان في الجنان الذي نهيت عن الدخول فيه. قال للراهب: هذه مسألتكم على زعمكم أن عيسى هو ابن الله و قتل، و هل يقول عاقل بمثل هذا القول؟ فخرس الراهب و بهت، و لم يجد ما يجاوب به، قلت للراهب: هذا الكلام لم يبق لكم ما تقولون، قال لي الراهب: بقي لي جواب، قلت له: ماذا هو؟ قال لي: بعد أن مشيت إلى الدار أصبته، و ذكره لي، و كان كلاما ليس فيه ما يقال و لا ما يكتب، فما بعد الحق إلا الضلال. و قد وقع لي كلام في مدينة روان مع قاضي القضاة بعد أن زرته، و كان يعرف اللسان العجمي الأندلسي، فسألني عن مسألة في ديننا لأنهم كانوا مختلفين‏

____________

(62) بالمخطوط في الأبيات الثلاثة الأولى فإن بدل فإذا المثبتة إقامة للوزن.

51

(كذا) فيها أعني أصحاب الباب و كان القاضي على مذهبه و بين النصارى الذين يكفرون به، و بكل ما يقول ما عدا التثليث، لأنهم متفقون فيه. و ذلك أنه قال لي:

إذا مات المرء هل تصل إليه حسنة من عند غيره؟ فقلت له: قال نبينا (صلى الله عليه و سلم) «إذا مات المرء انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به الناس، أو ولد صالح يدعو له» (63)، ففرح و انشرح لأنه موافق لاعتقادهم، و الذين يكفرون بالباب من النصارى يقولون: إنه لا يصل للميت دعا و لا صدقة و لا شي‏ء من الدنيا بعد موته.

ثم قال لي القاضي: أنتم التركيون تصنعون فعلا قبيحا بقتلكم جميع أولاد السلاطين إلا واحدا أو اثنين، قلت ذلك لصلاح المسلمين، لأن كل من هو ابن سلطان يحب مملكة أبيه، فإذا أصاب ... (64) و المملكة عظيمة و منيعة، فيقوم معه كثير و تكون بسبب ذلك تفريق الكلمة، و تكون الفتنة، و قد يشاهد في النحل أمر عجيب، و هو أنه إذا أفرخ و كثر فتخرج النحل من الجبح، و تدخل في جبح آخر فارغا، و عندهم فيها بين النحل سلالة سلاطين ليكون سلطانها، و تقتل جميع من هو من ذلك الجنس، و هذا مشاهد يعلم ذلك كل من يخالط النحل، و هذا إلهام رباني.

ففرح القاضي و أظهر صحبة و مودة، و نفعني نفعا جيدا في الأحكام.

____________

(63) أخرجه مسلم في الصحيح، 5، 73، عن أبي هريرة.

(64) كلمة لم نهتد إلى قراءتها.

52

الباب الخامس في قدومنا إلى بريش‏

هي دار سلطنة الفرنج، و بينها و بين مدينة روان نحو الثلاثة أيام، و طولها خمسة آلاف و خمسمائة خطوة و عرضها أربعة آلاف و خمسمائة خطوة، و بيوتها عالية ... (65) و أكثر و أقل، و كلها عامرة بالناس، و ديار الأكابر مبنية بالحجر المنجور إلا أنه بطول الزمن يسود لون الحجر، و تقول النصارى أن أعظم مدن الدنيا القسطنطينية، ثم مدينة بريش، ثم مدينة اشبونة (66) ببلاد الأندلس. و كان من حقهم أن يذكرا مصر إلا أنهم يقولون لها القاهرة الكبيرة. و إذا جمعنا مع مصر مصر العتيق و بولاق وقاية باي‏ (67) لم ندر من هي أعظم بريش أو مصر بما ذكرنا. و قد رفعنا أمرنا الذي جئنا بسببه إلى تلك البلاد إلى الديوان السلطاني و أعطوا كتب السلطان للقضاة الذين ذكرنا لهم، و أيضا لقاضي الأندلس، و ذلك أن في ديوانهم وجهوا قاضيا منهم إليهم، و يقضي بينهم، و يأخذ خمس المال للأغنيا من الواردين على بلاد الفرنج و يقيم بذلك فقرأوهم، و لا صح عند سلطان اسطنبول بخروج الأندلس الذين يسمونهم ببلاد بالترك بمدجنين كتب كتابه السني إلى سلطان فرنجة بالوصية عليهم، و نفع ذلك الكتاب الأندلس نفعا عظيما- تقبل الله منه و جعله في أعلى عليين‏

____________

(65) بياض بالأصل.

(66)Lisbonne بالبرتغال.

(67) نسبة إلى السلطان قايت باي بنى عدة منشآت بالقاهرة، و تعد الأستاذة سيركا أنه لم يوجد حي بهذا الاسم بها، و أنه من المحتمل أن يقصد المنطقة التي تركزت فيها المنشآت العمرانية لهذا السلطان.

انظر:

C. S. Cerqua." un voyageur Arabo- Andalou au Caire- au XVIIe siecle international sur l`histoire du caire, p. 601, note 01.

53

ببركة سيدنا محمد سيد الأولين و الآخرين-. و لما أعطوني كتب السلطان قلت لبعض من كان يعتقدوني منهم أن يترجم لي الكتب، و بعد الكلام الذي من عادتهم يصدرونه قالوا للقضاة. نأمركم أن تقفوا مع حامل هذا الذي يتكلم على الأندلس لأن السيد الكبير كتب لنا في شأنهم. و هذا الاسم لا يسمون به أحدا من ملوك الدنيا و ذلك ببركة الإسلام إذ هو أعظم سلاطينها. و التقيت في تلك المدينة برجل من علمائهم كان يقرأ بالعربية، و بعض النصارى يقرأون عليه، كان يسمى بأبرت، و قال لي: أنا أخدمك فيما تحتاجني لأكلم لك من كبراء الناس، و غير ذلك، و ما نحب منك إلا نقرأ عليك في الكتب التي عندي بالعربية، و تبين لي فيها شي‏ء مما فيها، قلت له: ائتني بها، و من جملة الكتب جاء بالكتاب العزيز، فسألته أين اتصلت بهذا القرآن، قال: كنت بمدينة مراكش، و هنا لك تعلمت نقرأ بالعربية، و كان جلوسي هنا لك على أمر سلطان فرنجة لنعلمه بحروف الزمر كلما نعلم أنه يقع السلطان مراكش في ديوانه و حركاته، فتغيرت حين رأيت كتاب الله تعالى بيد كافر نجس، ثم ساق قانون ابن سينا في الطب، و كتاب أقليدس في الهندسة و كتبا في النحو مثل الأجرومية، و الكافية، و كتاب بالعربية فيه مناظرات بين مسلم و نصراني و في الأديان، و غير ذلك من الكتب. و كنا نبتدي بالكلام في العلم ثم تقع المنازعة بيننا على الأديان. و قرأت يوما في القرآن الذي كان له و وجدت بالفرنج مكتوبا بطرة الكتاب: من هنا أخذ المسلمون إباحة اللواط، قلت له: من قال لك أنه مباح عندنا؟

قال ظاهر من هذه الآية: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ‏ (68). قلت:

نحن عندنا أن اللواط أشد ذنبا من الزنا لأنه إذا زنا محصن يرجم إلى أن يموت، و إذا كان غير محصن يجلد مائة جلدة و يغرب عن بلده و يسجن فيه عاما، و إذا فعل قوم لوط كان محصنا أو غير محصن يموت مرجوما شرعا، و كيف تفسر أنت في القرآن و المفسرون له يحتاجون علوما شتى و أن لا تعلم لغة العربية و لا النحو، فضلا عن غير ذلك. قلت له امح الذي كتبت! و أبى أن يمحو ما في الطرة، و كان هو ذكر أن في كنيسة كذا فيها كتب بالعربية، قلت له: أحب أطالعها، و مشينا فوجدنا قبة كبيرة،

____________

(68) البقرة: 223.

54

و الكتب صفوفا على ألواح و كراسي، و كل كتاب في أسفله حلقتين حديد، و سلسلة حديد تجوز على جميع الكتب، كل ذلك لئلا تذهب و تسرق. و كانت في كل لغة، ففتشنا حتى وجدنا كتابا عربيا و فتحناه لنقرأ فيه، و الموضع الذي وجدت كان تفسير الآية التي ذكرت أنه في الطرة عليها و هي: «نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ...» و ذلك من غير قصد مني للآية، إذ هداية من الله سبحانه و برهان لما قلت للنصراني. و من جملة ما ذكر في تفسير الآية أبيات شعر فأخذت القلم، و كتبت و النصراني حاضر، و هذا الذي كتبت من الكتاب، و نظرت أوله لنذكر مؤلفه، و خصت ورق في أوله، و هذا هو الشعر، و لكن إصلاح فيه الشيخ العلامة الأجهوري عند قراءتي الكتاب عليه:

حبذا من وهب النسا الصالحات‏

هن للنسل و هن للدين ثبات‏

يهب الله لمن يشاء النساء الخيرات‏

إنما الأرحام لنا محترثات‏

فعلينا بالزرع فيها و على الله النبات‏ (69)

و لم يسعني الحال أن نتم القراءة على معنى ما بقي.

و قال النصراني: ما هذا الذي كتبت؟ قلت: شي‏ء من تفسير الآية التي كتبت أنت عليها في الطرة بإباحة النكاح في الدبر. و قلت له معنى الشعر بالأعجمية، قلت له قول الله تبارك و تعالى‏ «نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ»، قال: نعم، قلت له: هل رأيت أو سمعت أن أحدا يحرث في حجر؟ قال: لا، قلت لم يحرث أحد إلا في موضع النبات أو الزرع، و النسا هن حرث الرجال في محال النبات كانت بوجهها إليه أو بظهرها. و حينئذ أخذ القلم و محا ما كان كتبه في ... (70) الآية. و قال الشيخ الأجهوري عن سيدنا مالك أن بعضا نسب إليه أنه قال بجواز النكاح في الدبر، فقال لهم أم أنتم قوم عرب، هل يكون الحرث في غير موضع الزرع!

____________

(69) واضح أن هذا كلام غير موزون.

(70) بياض بالأصل.