نهر الذهب في تاريخ حلب‏ - ج2

- كامل بن حسين الحلبي الغزي المزيد...
518 /
5

[الجزء الثانى‏]

[مقدمة المؤلف‏]

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه و صلاة و سلاما على من اختاره من عباده و اصطفاه. أما بعد، فيقول العبد الفقير إلى رحمة ربه القدير كامل بن حسين بن محمد الغزي الحلبي عفا اللّه عنهم.

هذا هو الباب الأول في الكلام على ما في مدينة حلب من المباني الدينية و الآثار الخيرية و المعاهد العلمية و غيرها. و قد افتتحناه بالكلام على أسوار حلب و أبوابها لأنها مما يتوقف على معرفتها تعيين حدود كثير من المباني و العمائر. ثم أتبعنا ذلك بالكلام على قلعتها الداخلة في سورها للغرض المذكور. ثم بالكلام على محلات حلب الداخلة في سورها و الخارجة عنه مفردا لكل محلة منها فصلا على حدته، مرتبا إياها بالذكر كترتيبها في سجل الحكومة الذي كانت تؤخذ القرعة العسكرية على نسقه أيام حكومة الدولة العثمانية في حلب، مشيرا إلى المحلة الداخلة في السور بحرف (د) و إلى الخارجة عنه بحرف (خ) ثم أشير إلى عدد بيوتها، و بعد ذلك أرسم جدولا يعرف منه عدد سكانها ذكورا و إناثا مسلمين و غيرهم و طنيين و غرباء، ثم أذكر حدود المحلة و أتبعه بالكلام على ما فيها من المعابد و المعاهد العلمية و الخيرية قديما و حديثا، العامرة و المندرسة. و اعتناء ببعض الآثار العظيمة العامرة أذكر مساحته بالذراع المعماري المستعمل في مدينة حلب مشيرا إلى الذراع بحرف (ع) و إلى القيراط بحرف (ط). و احتفالا ببعض المباني الموقوفة الشهيرة أذكر لها خلاصة من كتاب وقفها لأنها لا تخلو عن فائدة و اللّه سبحانه ولي التوفيق.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

خلاصة ما قاله المتقدمون في أسوار مدينة حلب و أبوابها و قلعتها

أسوار حلب‏

قالوا: كان يضرب المثل بحصانة سور حلب و منعته، و كان قديما مؤلفا من ثلاثة أسوار مبنية بالحجارة من بناء الروم. و لما تشعثت بمحاصرة كسرى بعد استيلائه عليها رم ما تشعث من أسوارها و بني ما انهدم منها بالآجر الفارسي و ذلك فيما بين باب الجنان و باب أنطاكية و بقيت هكذا إلى أن ملكها المسلمون. فجدد فيها بنو أمية ثم بنو صالح عدة أبراج حينما كان بنو صالح ولاة عليها من قبل الخلفاء العباسيين و هم بنو صالح بن عبد الملك، ثم لما خربت بمحاصرة نيقفور ملك الروم سنة 351 ه (1) و عاد إليها سيف الدولة، جدد أسوارها سنة 353 ه و كان اسمه مكتوبا على بعض أبراجها ثم جدد فيها أبراجا أخرى ولده سعد الدولة و أتقن سورها سنة 367 ه، ثم جاءت دولة بني مرداس‏ (2) بنى فيها معز الدولة أبو علوان ثمال بن صالح بن مرداس أبراجا بعد سنة 420 ه و كذلك بنى فيها غيره من الملوك الذين جاؤوا بعده مثل آق سنقر و ولده عماد الدين زنكي.

و في سنة 553 ه شرع نور الدين محمود زنكي الأتابك بعمارة فصيل لأسوارها و هو حائط دون الحصن أو حائط قصير دون سور المدينة. و كان هذا الفصيل ممتدا من الباب‏

____________

(1) المقصود هنا نيقفور الثاني (فوكاس) إمبراطور الدولة البيزنطية الذي حكم ما بين عامي 963- 969 م و هو من أباطرة الأسرة المكدونية.

(2) أسس المرداسيون إمارة في حلب استمرت في الحكم زهاء أربع و خمسين سنة تقريبا.

8

الصغير (1) إلى باب العراق‏ (2)، و من قلعة الشريف‏ (3) إلى قنسرين ثم إلى باب أنطاكية، و من باب الجنان إلى باب النصر ثم إلى باب الأربعين‏ (4). و عمر أيضا أسوار باب العراق.

و لما ملك الظاهر غياث الدين غازي‏ حلب أمر بإنشاء سور من باب الجنان إلى برج الثعابين و فتح الباب المستجد و أمر بحفر الخنادق و ذلك في سنة 592 ه. و فيها أمر برفع الفصيل الذي بناه نور الدين و جدد السور القديم و الأبراج و جعلها على علو السور الأول و كتب على البرج اسم كل أمير أو كله بعمارته. و بنى أبراجا من باب الجنان إلى باب النصر. و بنى سورا من شرقي البلدة على دار العدل. و فتح له بابا من جهة القبلة و بابا من جهة الشرق و الشمال على حافة الخندق سمي الباب الصغير، و كان يخرج منه إذا ركب و بنى دار العدل لجلوسه العام فيما بين السورين الجديد الذي بناه إلى جانب الميدان و العتيق الذي فيه الباب الصغير و فيه الفصيل الذي كان بناه نور الدين. و كان الشروع في بناء الدار المذكورة سنة 585 اه و اهتم بتحرير خندق الروم و عرف بهم لأنهم حفروه لما نازلوا حلب أيام سيف الدولة و هو محيط بالمدينة من قلعة الشريف و ينعطف إلى باب القناة، ثم ينعطف غربا من شمالي الجبيلة حتى يتصل بخندق المدينة القديمة. فأمر الملك الظاهر برفع ترابه و إلقائه على شفيره مما يلي المدينة فعلا ذلك المكان و ارتفع و سفح إلى الخندق عمق و اتسع و قويت به المدينة و بني عليه سور من اللبن في أيام الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر.

ثم بعد سنة 620 ه بنى شهاب الدين طغرلبك الأتابك برجا عظيما فيما بين باب النصر و برج الثعابين مقابل أتانين الكلس و مقابر اليهود شمالي حلب. و أمر الأتابك طغرلبك بقطع الحوار من خندق الروم، فاتسع و عمق و زادت البلدة به حصانة.

و في سنة 642 ه جدد الملك الناصر يوسف بن الملك العزيز أبراجا في السور الممتد

____________

(1) باب مندثر الآن و يظن أنه كان يطل على خندق القلعة بالقرب من الحمّام الناصري المعروف باسم حمّام اللبابيدية.

أعيد إحياء هذا الحمام و هو يقدم خدماته اليوم لأهل حلب و ضيوفها.

(2) باب مندثر يعتقد أنه كان واقعا إلى الشمال من جامع الطواشي عند حمام الذهب إلى الغرب من سوق القصيلة.

(3) لا وجود لقلعة الشريف اليوم و قد ظل اسمها يطلق علي الحي الذي يقوم في مكانها، أما في الماضي فقد كان هناك قلعة تحمل هذا الاسم كان يقيم فيها نائب المدينة في حين كانت قلعة حلب (القلعة الكبيرة) مقرا لنائب القلعة.

(4) يعرف اليوم باسم «باب الجديد» كما عرف في فترة من الفترات بباب القناة.

9

من باب الجنان إلى باب قنسرين و ذلك من شمالي حلب إلى جنوبها و كانت هذه الأبراج عظيمة كل واحد منها يضاهي قلعة و عدتها نيف و عشرون برجا ارتفاع كل برج منها فوق أربعين ذراعا و سعته ما بين الأربعين إلى الخمسين. و كل برج له رواقات تستر المقاتل من حجارة المنجنيق و النشاب، و سفح من السور و الأبراج في الميل إلى الخندق فصار كله كالقلعة العظيمة و الذي دعاه إلى ذلك الخوف من رجوع التتار إلى حلب بعد أن نازلوها و رجعوا عنها خائبين و لما فرغ من تحصينها على ما ذكرناه بلغت أبراج السور و بدناته مائة و ثمانية و عشرين برجا و بدنة و محيطه خارجا عن دور القلعة ستة آلاف و ستمائة و خمسة و عشرين ذراعا.

فاستمرت حلب على هذه المنعة و الحصانة إلى أن عاودها التتار و دخلت تحت قبضة هولاكو سنة 658 ه فخرب أسوارها و أبراجها تخريبا فاحشا و دامت خرابا إلى سنة 693 ه و فيها اهتم الأمير سيف الدين كمشبغا الحموي بعمارتها و عمل لها أبوابا تغلق عليها و كان بين باب الجنان و باب النصر باب يقال له باب العبارة (1) فجدد بناءه و سماه باب الفرج. و كان بحلب قديما باب يقال له باب الفرج بالقرب من باب العافية لصيق قصر كان ينسب إليه فيما مضى خانقاه القصر، فخربه الملك الظاهر غازي.

ثم إن السور بقي مرمما إلى أن جاء تمرلنك‏ (2) فأخذ حلب و خربها و أحرقها و هدم أسوارها و نزح عنها فكان بعد ذلك كل من يجي‏ء إليها من النواب يأمر ببناء شي‏ء من السور على غير إحكام إلى أن تسلطن‏ الملك المؤيد شيخ‏ و جاء حلب في المرة الثالثة من قدماته إليها سنة 820 ه و فحص عن أمر السور القديم و ركب بنفسه و دار على الأسوار و أمر ببنائها على ما كانت عليه قديما من باب العراق إلى باب الأربعين بناء محكما، و أن يرمم السور البراني من جهة خندق الروم، فشرع في ذلك و أمر بجمع المال من حلب و غيرها فانهدمت مساجد و مدارس و أخذت أملاك كثيرة بغير حق و كانت مبنية على أماكن من السور القديم. و كان ابتداء العمارة من رأس قلعة الشريف من جهة الشرق آخذة إلى جهة الغرب. و وصل البناء إلى القرب من باب الجنان غربا و إلى تجاه حمام الجرن الأسود المعروف بحمام الذهب شرقا. و أسس الباب الذي كان أمر بعمله مكان باب العراق و بابا عن باب‏

____________

(1) و يعرف أيضا بباب الثعابين.

(2) المقصود «تيمور لنك».

10

الأربعين كما كان قديما. فلما وصل البناء إلى هذه الأماكن توفي الملك المؤيد شيخ. ثم في سنة 831 ه أمر السلطان الملك الأشرف برسباي‏ بعمارة الأسوار البرانية، و أن تبنى على خندق الروم و أبطل ما كان بني من جهة جامع الطواشي و حارة بزي و فك البناء من هنا و شرع بتكملته بعد أن بنى بحارة بزي عضادتي الباب الذي أمر بعمله.

أبواب مدينة حلب‏

قالوا: أولها مما يلي القبلة باب قنسرين. و سمي بذلك لأنه يخرج منه إلى قنسرين. و هو قديم و جدده سيف الدولة ثم الملك الناصر يوسف ابن الملك العزيز سنة 654 ه و نقل حجارته من الناعورة (1) شرقي حلب من برج كان بها من أبراج قصر مسلمة بن عبد الملك. و قد نقلت هذه الحجارة إلى القصر المذكور من باب الرقة و قبله من سور سرّ من رأى و قبله من سور عمورية، و لما بنى الملك الناصر باب قنسرين بنى عليه أبراجا عظيمة و مرافق للأجناد و طواحين و أفرانا و جبابا للزيت و صهاريج للماء حتى صار كالقلعة المستقلة، و كان يوجد قرب باب قنسرين بينه و بين برج الغنم مسجد يقال له مسجد النور، كان يتعبد فيه ابن أبي نمير الشهير الذي سنذكره في باب التراجم إن شاء اللّه تعالى، و يلي هذا الباب باب العراق لأنه يخرج منه إلى جهة العراق و جدده أبو علوان ثمال بن صالح المرداسي بعد سنة 420 ه، ثم في سنة 550 ه أنشأ نور الدين محمود زنكي بين يديه ميدانا طوله 520 ع و عرضه من القبلة 850 و من الشمال 150 و كان محل باب العراق في شمالي جامع الطواشي عند حمام الذهب غربي سوق القصيلة على قدر غلوة (2) منه و يليه باب دار العدل.

كان لا يركب منه أحد سوى الملك الظاهر غازي و هو الذي بناه. و يليه شرقا الباب الصغير و هو الباب الذي يخرج منه من تحت القلعة من جانب خندقها و خانقاه القصر إلى دار العدل و من خارجه البابان اللذان جددهما الملك الظاهر غازي في السور الذي جدده‏

____________

(1) الناعورة موضع بين حلب و بالس (مسكنة اليوم)، كان فيه قصر لمسلمة بن عبد الملك بني من الحجارة ماؤه من العيون، بينه و بين حلب ثمانية أميال، كما يورد ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان.

(2) الغلوة مقياس يعادل 145 خطوة تقريبا أو ثمن ميل. و ذكر علماء اللغة أن «الغلوة» قدر رمية سهم و تستعمل في سباق الخيل. و قيل قدر ثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة ذراع.

11

على دار العدل، أحدهما يدعى الباب الصغير أيضا يفتح على شفير الخندق و يخرج منه إلى الميدان المتقدم ذكره. و الآخر مغلق و يلي الباب الصغير الأول باب الأربعين و سمي بذلك لأنه خرج منه مرة أربعون ألفا من الجنود فلم يعودوا، و قيل عاد منهم واحد فرأته امرأة و هو داخل فقالت له دبيران جئت، فقال دبيران من لم يجي‏ء!! و قيل خرج منه أربعون محدثا أو شريفا. و كان داخل باب الأربعين خانقاه أنشأتها ضيفة خاتون بنت الملك العادل و هي تجاه مسجد الشيخ الحافظ عبد الرحمن الأستاذ. و هذه الأبواب الثلاثة و هي باب العراق و الباب الصغير و باب الأربعين كان الملك الظاهر غازي قد سفح بين يديها تلا من التراب الذي أخرجه من خندق الروم و سماه التواتير و هي تحيط بالبلدة من شرقي قلعة الشريف إلى باب القناة. و بنى عليها سورا و فتح فيه ثلاثة أبواب و لم يتم السور و لا الأبواب، فأتمها ولده الملك العزيز و سمى الباب القبلي منها باب المقام لأنه يخرج منه إلى المقام المنسوب لسيدنا الخليل (صلوات اللّه عليه) و عرف مدة بباب نفيس و هو رجل كان أسفاسلارا (1) و هي لفظة أعجمية معناها متولي الأمور.

و يلي هذا الباب شرقا باب النيرب لأنه يخرج منه إلى القرية المذكورة. و يليه باب القناة لأنها تعبر منه (و هو المعروف الآن بباب الحديد) و عرف أيضا بباب بانقوسا. و قد تجدد بين باب النيرب و باب القناة باب خندق بالوجه الذي كان يعرف بباب الأحمر. و يلي باب الأربعين من جهة الشمال باب اليهود (2)، و كان عليه بابان يخرج منهما إلى باشورة أي قطعة أرض ظاهر البلدة. ثم هدمه الملك الظاهر غازي و جعل عليه أربعة أبواب كل باب بدركاه، أي بدهليز، على حدته و أزج أي قبو واحد على أربعتها و بنى عليه أبراجا و نسف ما في ظاهره من التلال و الكناسات و بنى في محلها خانا تباع فيه غلات الحطب و سماه باب النصر. ثم يلي هذا الباب باب الفراديس و هو غربي البلدة أنشأه الملك الظاهر غازي و بنى عليه أبراجا عالية ثم سد بعد وفاته إلى أن فتحه ابن ابنه الملك الناصر. و يليه باب الفرج و فتحه الملك الظاهر غازي. و كان في محله باب يسمى باب العبارة أو باب الثعابين، و يليه باب الجنان لأنه يخرج منه إليها. و يليه باب أنطاكية لأنه يخرج منه إلى جهة أنطاكية و كان‏

____________

(1) الاسفهسلار: وظيفة من وظائف أرباب السيوف و عامة الجند و إلى صاحبها يرجع أمر الجند، و هي لفظة أعجمية يقابلها بالعربية «قائد جيوش».

(2) يعرف اليوم بباب النصر، و قد هدم قسم منه عند إقامة شارع جادة الخندق من مطلع هذا القرن.

12

خربه الملك الناصر ابن الملك العزيز سنة 653 ه و بنى عليه برجين عظيمين و عمل له دركاه أي دهليزا و له بابان. و يليه باب السعادة و يخرج منه إلى ميدان الحصى، أنشأه الملك الناصر سنة 645 ه و قد دثر بعد مدة. و يليه باب قنسرين، و كان بحلب قديما باب فوق الجسر المعقود على قويق في ظاهر باب أنطاكية من بناء سيما الطويل سماه باب السلامة خربته الروم سنة 351 ه.

الكلام على قلعة الشريف‏

قالوا: إن قلعة الشريف لم تكن قلعة، بل كان السور محيطا بالمدينة على ما هي عليه الآن و هي مبنية على الجبل الملاصق للمدينة من قبليها و سورها دائر مع سور المدينة. و كان الشريف أبو علي الحسن بن هبة اللّه الحسيني الهاشمي مقدم الأحداث بحلب و هو رئيس المدينة قد تمكن و قويت شوكته و سلم المدينة لأبي المكارم مسلم بن قريش، فلما قتل مسلم انفرد هو بولاية المدينة و سالم بن مالك العقيلي بالقلعة التي بحلب فبنى الشريف عند ذلك قلعته هذه سنة 478 ه خيفة على نفسه من أهل حلب لئلا يقتلوه. و اقتطعها من المدينة و بنى بينها و بين المدينة سورا و احتفر خندقا (لم يبق له الآن من أثر). و لما ملك شمس الملوك ألب أرسلان حلب جرى على قاعدة أبيه في أمر الإسماعيلية لأنه كان قد بنى لهم بحلب دار دعوة فطلبوا منه أن يعطيهم هذه القلعة فأجابهم إلى ذلك فقبّح عليه فعله القاضي أبو الحسن بن الخشاب فأخرجهم بعد أن قتل منهم ثلاثمائة إنسان و أسر مائتين و طيف برءوسهم في البلد و ذلك سنة 508 ه، ثم خرب السور بعد ذلك لما ملك حلب ايلغازي بن أرتق سنة 510 ه فعادت المدينة كما كانت.

13

فصل نذكر فيه خلاصة ما فهمناه من كلام المتقدمين و دلنا عليه الاستقصاء في أسوار حلب و أبوابها

الذي ظهر لنا من كلام المتقدمين و الفحص و التدقيق اللذين تكبدنا في إجرائهما مشقة عظيمة و نفقات طائلة، أن سور حلب كان في أيام سيف الدولة قبل استيلاء الروم عليها مبتدئا من باب قنسرين منعطفا من جانبه جنوبا راكبا على محل قلعة الشريف قدر غلوة.

ثم ينقطع و يبقى جبل القلعة المذكورة بلا سور لاستغنائه عنه. ثم في جهة شرقية على نحو النصف منه يرجع السور و يأخذ شمالا و يخرج من تجاه ساحة بزي و يمشي شمالا إلى الشرق قليلا حتى يصل إلى شمالي جامع الطواشي قرب حمام الذهب في غربي القصيلة على غلوة منها. و هناك يكون في السور باب العراق. ثم يأخذ منه مستقيما قليلا ثم ينحني حتى يأتي إلى قرب حمام الناصري المعروف في زماننا بحمام اللبابيدية في جنوبي القلعة على حافة خندقها و هناك يكون الباب الصغير ثم ينعطف السور شرقا و يقتطع جانبا من محلة ألتون بغا المعروفة الآن بالمزوق. ثم ينعطف شمالا و يقتطع جانبا من محلة الحموي و جانبا من محلة البياضة. ثم ينعطف و يسير غربا حتى يصل إلى تكية القرقلر (1) في شمالي القلعة و غربي دار الحكومة الحاجز بينهما زقاق يأخذ إلى العوينة. و هناك أي عند تكية القرقلر يكون باب الأربعين و من هناك ينعطف السور و يسير شمالا حتى يصل إلى أواخر خندق الروم من وراء عمارة عثمان باشا تقريبا فينعطف غربا قليلا و يكون فيه باب اليهود و منه يمشي قدر غلوة ثم يكون فيه باب العبارة و منه يمشي محدودبا حتى يكون غربي القلعة بميلة إلى الشمال فيكون فيه باب أنطاكية ثم يمشي منه محدودبا حتى يصل إلى باب قنسرين و عند باب أنطاكية يخرج منه‏

____________

(1) القرقلر: لفظة تركية تعني الأربعين.

14

سوران جنوبي و شمالي، يتكوّن بينهما زقاق يتصلان بجسر الدباغة (1) في ظاهر باب أنطاكية الحالي فيكون باب السلامة الذي بناه سيما الطويل و خربه الروم أيام استيلائهم على حلب. و هاك رسم السور و أسماء الأبواب على ما ذكرناه تقريبا:

ثم لما استولى الروم على حلب هدموا باب السلامة و أسواره. و بعد أن رجع سيف الدولة إلى حلب لم يعده بل رمم باب أنطاكية فقط. ثم لما عمر الشريف قلعته على الصفة المتقدم ذكرها فصلها عن المدينة فصارت هي و سور المدينة على هذه الصفة.

____________

(1) هذا الجسر مندثر الآن.

15

ثم إن ايلغازي بن أرتق خرب سور قلعة الشريف و جعلها داخل سور البلد فعادت كما كانت في أيام سيف الدولة. و لما كانت دولة نور الدين زنكي أمر بعمارة الفصيل من رأس قلعة الشريف إلى باب أنطاكية و من باب الجنان إلى باب الأربعين و من الباب الصغير إلى باب العراق (انظر الرسم الآتي).

و المفهوم من كلام المتقدمين أنه كان يوجد في أيام نور الدين باب يقال له باب الفرج لصيق القلعة و لا أعلم أي بقعة من السور تلاصق القلعة فيكون فيها الباب المذكور و لعل السور كان دائرا على القلعة أيضا من الباب الصغير إلى باب الأربعين و الباب المذكور في الوصل. و لما جاءت دولة الملك الظاهر غازي أمر برفع الفصيل المذكور و شرع ببناء سور

16

و أبواب من رأس قلعة الشريف مما يلي الشرق ليحيط به السور الداخلي القديم إلى قرب باب النصر و فتح في حضرة باب العراق ميدانا و عمر دار العدل أي دار الحكومة بين السور القديم و الجديد الذي صار الشروع به. فلم يتم السور و لا الأبواب المذكورة في أيامه و أتمها ابن ابنه الملك الناصر كما تقدم (انظر الرسم الآتي).

و كان لدار العدل بابان أحدهما من جهتها الجنوبية و يعرف بالباب الصغير و الآخر من شرقيها مغلق على الخندق الرومي و لما خربت أسوار حلب في أيام تمرلنك ثم عمرها الملك الأشرف برسباي أمر بتعمير السور البراني و أبطل منه باب الفراديس و باب السعادة و الميدان‏

17

لأنه صار معمورا و تغير موقع دار العدل و كانت في محلة الطونبغا (1) على ما هو مرسوم في المصور السابق و قد ترك الملك الأشرف السور الداخلي القديم متهدّما على ما كان عليه حفظا لما بني عليه من الدور و المساجد و غير هما. و كان قد دثر و لم يبق منه سوى رسوم خفية فصار السور البراني على هذه الصفة و هي الصفة الحاضرة تقريبا (ص 18).

____________

(1) الطونبغا: محلة قرب السرايا تعرف الآن ب «ساحة الملح» و ترد الكلمة أحيانا على شكل «الطنبغا»، و قد حملت المحلة هذا الاسم نسبة إلى آلتون بغا الصالحي نائب حلب ثم دمشق عام 723 ه، أما المعنى اللغوي للكلمة فهو الثور الذهبي. هذا ما يورده الأسدي في موسوعة حلب.

18

هيئة السور و الأبواب في هذا الوقت‏

و لنتكلم الآن على هيئة السور و الأبواب في سنة 1341 ه فنقول: الباب الأول‏ من جهة الجنوب هو باب قنسرين‏ و هو أعظم الأبواب و محله قديم قبل الإسلام يتألف من أربعة أبواب: باب يلي المدينة و باب يلي البرية و بابان بينهما. و هو لصيق قلعة الشريف. و لم يظهر لي من آثار أي ملك هو، و قرأت على أحد جدران باشورته الموجه جنوبا سطرا

19

صورته: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إلى آخر الآية. و في وسط هذا السطر دائرة كتب فيها (أبو النصر مولانا السلطان الملك المؤيد). قلت: و هذا الجدار لا تشابه عمارته الباب المذكور فلذا لم أجزم بأن الباب من آثار الملك المؤيد شيخ و كان مكتوبا على جدار الباشورة شرقا قبالة الباب الخارجي ما صورته:

(أمر بعمارته مولانا السلطان الملك المؤيد المنصور أبو النصر شيخ في شهور سنة 818 ه). و قد هدم هذا الجدار سنة 1303 ه و نقلت حجارته إلى الرباط العسكري المعروف بالشيخ براق‏ (1) و مكتوب على جدار الباشورة الموجه غربا لكن أول الكتابة من قفاه الموجه جنوبا: (أمر بعمارته مولانا السلطان الملك الأشرف قانصوه عز نصره و دام اقتداره بمحمد و آله. و ذلك بتاريخ شهر ربيع الآخر سنة سبع و تسعمائة).

ثم يأخذ السور من هناك غربا حتى يكون تجاه مقبرة الكليباني فيكون فيه برج متشعث له شباك مكتوب فوق نجفته: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ. و ليس بين هذا البرج و بين باب قنسرين سوى برج واحد متداع للخراب. ثم يمر السور من البرج المذكور حتى يكون تجاه أتانين الكلس في محلة الكلاسة التي كانت تعرف بالحاضر السليماني فينعطف شمالا و يمشي قدر غلوة فيكون فيه ثلمة تعرف بالخراق أظن أن في محلها أو فيما قاربه كان‏ باب السعادة. ثم يستمر السور حتى يصل إلى‏ باب أنطاكية شرقي جسر الدباغة بينهما مسافة غلوة و كان داخل هذا الباب مدرسة اسمها الزيدية و عرفت أيضا بالألواحية أنشأها إبراهيم بن إبراهيم المعروف بأخي زيد الكيال الحلبي انتهت عمارتها سنة 655 ه و درس فيها شمس الدين أحد بيت محيي الدين محمد ابن العجمي. و لما نزلها الألواحي الصوفي نسبت إليه و هي الآن داثرة لا أثر لها.

و هذا الباب مؤلف من بابين: واحد يلي المدينة و الآخر ظاهرها. و محله قديم قبل الإسلام مكتوب على نجفته ما معناه أن الذي جدده بعد دثوره المقر السيفي دقماق الناصري كافل المملكة الحلبية. مكتوب على جدار باشورته بقلم عريض: (بسم اللّه الرحمن الرحيم. أمر بعمارة هذا الباب و الأسوار بعد خرابها و دثورها و محو رسومها مولانا السلطان الأعظم مالك رقاب الأمم سيد سلاطين العرب و العجم سلطان البرين و خاقان البحرين و خادم الحرمين‏

____________

(1) و هي ثكنة هنانو اليوم و تسمى أحيانا بثكنة الشيخ يبرق لوجود ضريح له فيها.

20

الشريفين سلطان الإسلام و المسلمين ناظر الغزاة و المجاهدين العالم العادل الملك المؤيد المنصور خلد اللّه ملكه في كفالة المقر الأشرفي السيفي ...).

قلت: فالمفهوم من هذه الكتابة أن عمارة هذا الباب كانت في أيام الملك المؤيد شيخ لكن داخل الباب ليس من آثاره لعدم وجود الشبه بين البنائين الداخلي و الخارجي. ثم يمشي السور من هناك شمالا قليلا و يكون فيه برج بأعلاه رسم أسدين متقابلين و فيه كتابة تدل على أنه من بناء الملك المؤيد شيخ، ثم يستمر حتى يصل إلى باب الجنان و هو باب واحد ليس له دركاه‏ (1)، و رأيت في جدار جامع مجاور له عن جنوبه حجرة كتب فيها (جدد هذا البرج المبارك مولانا السلطان المالك الملك قانصوه الغوري عز نصره بتولي المقر السيفي برسباي الأشرفي نائب القلعة بحلب المحروسة سنة 920) و أظن أن هذا الجامع كان في الأصل داخل برج للسور. و في هذا الباب مشهد علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه رؤي هناك في المنام كما قال الهروي في كتابه الإشارات في الزيارات. و هذا الباب قد هدمته الحكومة سنة 1310 ه و وسعت به الطريق و لم يبق له أثر. ثم إن السور يمشي من هناك و يمر من تجاه خان دار كوره‏ (2) يتحدّب تارة و يتقعّر أخرى و يكون تحدبه إلى جهة المدينة و في‏ طرف‏ هذا التقعير يكون باب الفرج‏ و هو باب واحد ليس له دركاه مكتوب عليه:

(جدد هذا الباب المبارك في أيام مولانا السلطان الملك الأشرف المنصور الملك العزيز بولاية المقر السيفي الأشرفي نائب القلعة المنصورة بحلب المحروسة)، و مكتوب في جدار البرج المتصل بظاهره الموجه غربا ما صورته: (بسم اللّه الرحمن الرحيم. أمر بعمارته و عمارة ما تهدم في تاريخه من سور حلب مولانا السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباي عز نصره بتاريخ 873 ه).

ثم يأخذ السور من هناك مستمرا حتى يصل إلى تجاه مزار السهروردي المقتول في فم بوابة القصب فيكون فيه برج الثعابين. و قد هدمته الحكومة سنة 1303 ه و هدمت غيره من الأبرجة و نقلت حجارتها إلى الرباط العسكري و قد ظهر فيه مسجد انهدم معه و لم يبق لهما أثر. و ذكر مؤرخو حلب أن برج الثعابين هذا كان يوجد فيه طلسم يمنع من‏

____________

(1) دركاه فارسية تدل على صحن يتقدم البناء أو يتوسطه. شاعت هذه اللفظة في العمارة المملوكية، و تأتي أحيانا على شكل درفاعه.

(2) انظر «خانات حلب» لدعد حكيم و هو بحث جامعي قدم لنيل الإجازة في الآداب من جامعة دمشق.

21

تأثير لذع الحيات ثم يمشي السور شرقا مستقيما حتى يصل إلى باب النصر و هو باب قديم مشتمل على ثلاثة أبواب كل باب منها له دركاه أولها مما يلي البلد و آخرها مما يلي ظاهرها و ثالثها داخل البابين و قرب عضادة الباب الداخلي يوجد قطعة من الحجر كبيرة مبنية بالجدار على علو قامة فيها ثقوب يدخل الناس فيها أصابعهم لزوال ما فيها من عروق الملح على زعمهم، و يقولون إن تحت هذه الحجرة قبر نبي مع أن الكتابة التي كتبت عليها تدل على أن هذه الحجرة كانت موضوعة على قبر دفن فيه عروسان اسم الرجل أرتميس و اسم المرأة كاليكتي و الظاهر أنها مأخوذة من مقبرة و مبنية في محلها. و هذا الحجر ذكره الهروي في إشاراته و قال: إن الملل الثلاث يعتقدونه و يصبون عليه ماء الورد و الطيب. و في سنة 1303 ه هدمت الحكومة الباب الأول و وسعت به الجادة فبقي فيه الباب المتوسط و الذي يلي ظاهر البلد مكتوب على نجفته ما يفهم منه أنه من بناء الملك الظاهر غازي.

ثم يمشي السور من هناك منعطفا قليلا. ثم يستقيم و يسير حتى يصل إلى باب القناة المعروف بباب الحديد و عرف بباب بانقوسا أيضا غربي الجامع الكبير ببانقوسا على مرمى حجر منه و هو مؤلف من بابين بينهما دركاه و فوقهما حصن منيع مكتوب على يسرة الداخل إلى الباب ما صورته‏ (أمر بعمارة هذا الحصن المنيع الباب مولانا السلطان الملك قانصوه الغوري عز نصره بولاية مملوكه أبرك مقدم الألوف بالديار المصرية و شادّ الشرابات و الخانات الشريفة و نائب القلعة المنصورة بحلب المحروسة أعز اللّه أنصاره سنة 915 ه).

ثم يمشي السور من هناك منعطفا جنوبا و يسير حتى يصل إلى باب بالوج، و بالوج معمار رومي عمل فيه، و يعرف أيضا بباب الأحمر تحريف الحمر قرية في صحراء حلب من شرقيها. و هذا الباب لم يبق له أثر بل انهدم إلى الأرض و أخذت حجارته إلى الرباط العسكري سنة 1303 ه و كان مكتوبا عليه (أمر بعمارته مولانا السلطان الملك أبو النصر قانصوه الغوري عز نصره بتولي المقر السيفي أبرك و شادّ الشرابات و الخانات الشريفة الحلبية عز نصره سنة 920 ه)، ثم يمشي السور إلى أن يكون وراء جامع ألتون بغا المعروف بجامع ساحة الملح فيكون فيه حجر مكتوب فيها (بسم اللّه الرحمن الرحيم أمر بعمارة هذا السور مولانا السلطان الملك الناصر أبو السعادات محمد بن الملك‏

22

الأشرف قايتباي عز نصره المقر الكريم جان بلاط (1) كافل حلب المحروسة بتولي مصر باي‏ (2) السيفي نائب القلعة الحلبية بتاريخ جمادى الآخرة سنة 903 ه).

و قبل أن يصل السور إلى وراء الجامع المذكور بقليل يكون فيه برج مكتوب على حجر منه ما يفهم منه أنه مرمم في أيام السلطان قانصوه الغوري، ثم يسير السور من هناك حتى يصل إلى باب النيرب و هو باب واحد يلي ظاهر البلدة مكتوب في دائرة بأعلاه على الخارج منه‏ «خلد اللّه ملكه عز لمولانا السلطان الملك الأشرف برسباي عز قانصوه»، و مكتوب على جدار الباشورة الموجه شرقا «عز لمولانا الملك الأشرف برسباي عز نصره»، و مكتوب على حجر فوق نجفته‏ «بالسعد باب الملك حصنا شيدا في دولة السلطان محمود الأول 1158 ه» فالظاهر أن النجف فقط جدد في أيام السلطان محمود خان العثماني. ثم يمشي السور قليلا و ينعطف إلى الغرب و يكون فيه باب المقام. مكتوب في دائرة بجانبه‏ «عز لمولانا السلطان الملك الأشرف أبي النصر برسباي عز نصره» و كان ابتداء عمارة هذا الباب في أيام بر سباي المذكور و كملت عمارته في أيام الملك الأشرف أبي النصر قايتباي.

و مكتوب على سور هذا الباب الموجه جنوبا «أمر بتجديد هذا السور المبارك السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباي عز نصره سنة 870 ه» و مكتوب في دائرة بجانبه «عز لمولانا السلطان الملك الأشرف أبي النصر قايتباي عز نصره» و هذا الباب و أسواره متوهنة جدا. ثم يمشي السور منه غربا حتى يتصل بقلعة الشريف من شرقيها فينعطف عليها من نصف جهتها الشرقية و يأخذ إلى شماليها حتى يتصل ببرج باب قنسرين فلا يحيط السور بهذه القلعة إلا بنصف جهتها الغربية و نصف جهتها الشرقية مما يلي المدينة و ليس على النصف الباقي من الجهتين المذكورتين. و لا على جميع الجهة الجنوبية منها سور مطلقا لاستغناء الجهات المذكورة عنه بسبب ارتفاعها عن الخندق و استقامة جبلها.

إن جميع السور الدائر على مدينة حلب مبني فوقه دور يملكها الناس دثر منها جهات كثيرة و أعاد عمارتها أصحاب الدور بحجارة أصغر من الأولى و أكثر ما بقي فيه من الأبراج داخل في الدور المذكورة على أن معظمها قد تهدم و نقلت الحكومة حجارته إلى الرباط العسكري سنة 1303.

____________

(1) جان بلاط أو جانبلاط مملوك شركسي (جركسي) كان نائبا على حلب و توفي عام 906 ه.

(2) هو «مصرباي» السيفي الناصري كان نائبا على القلعة في الفترة ما بين 901 و 903 ه.

23

خندق البلدة

أما الخندق فقد ارتدم‏ (1) أكثره بالأتربة و بني في عدة بقاع منه عمائر و مبان و كان يوجد في بقاع أخرى منه بساتين تشرب من سرابات البلدة المنصبة إليه و ذلك فيما بين برج الثعابين إلى باب النصر. و كان الخندق ينقطع عند هذا الباب بجدار ثم يعود بستانا إلى قرب بانقوسا، فينقطع بخان يملكه بعض الناس، ثم يكون جادة قليلا، و يعود بستانا إلى وراء باب بالوج، و هناك ينقطع بالجادة، و بعدها يعود بورا مملوءا من الأتربة و الأقذار المنصبة إليه من البلد، يمر هكذا على باب المقام و باب قنسرين ثم يكون فيه بستان صغير.

ثم يصير بورا و يمر من تجاه حارة الكلاسة و يصير جادة مارة على باب انطاكية و باب الجنان و باب الفرج و بعده يكون فيه عدة خانات و بيوت حتى يصل إلى برج الثعابين.

و في سنة 1311 ه عزمت الحكومة على أن تجعل الخندق جادة عامة فقطعت منه جميع الأشجار و أزالت الموانع و طمت‏ (2) المنخفضات من أرضه و من ذلك الوقت بدأ الناس يبنون فيه العمائر الضخمة من بيوت و خانات و فنادق و غير ذلك حتى أصبحت المسافة الممتدة منه من عند السهروردي إلى باب القناة من أعمر جادات حلب.

ما قاله المتقدمون في قلعة حلب‏

قالوا كانت قلعة حلب عديمة النظير بالحصانة و المنعة. و أول من بناها ميخائيل و قيل سليكس نيكادور (3) أحد الملوك الرومانيين‏ (4) سنة 21 من جلوسه قبل المسيح (عليه السلام) بثلاثمائة و اثنتي عشرة سنة، و هذا الرجل يسمى في التواريخ الحلبية سلوقوس و هو الذي جدد بناء المدينة بعد خرابها بزلزال دهمها. و موضع القلعة على جبل مشرف على المدينة و عليها سور و يقال إن في أساسها ثمانية آلاف عمود. قلت: و هذا من قبيل الخرافة إلا أن‏

____________

(1) أي امتلأ بالبقايا و الأتربة و النفايات.

(2) طمّت أي ملأت الحفر بالتراب قصد التسوية.

(3) المقصود هنا: سلوقوس نيكاتور أي المنتصر، و هو الذي أسس الدولة السلوقية في سورية و قد اتخذت أنطاكية عاصمة لها، و استمرت منذ تأسيسها عام 312 ق. م حتى عام 64 ق. حين اغتصبت الرومان سورية.

(4) الأصح القول: أحد الملوك اليونان، حيث كان سلوقوس يونانيا و أحد قادة الإسكندر المكدوني. و يطلق على حضارة هذه الفترة الحضارة الهلنيسية أي الحضارة اليونانية الشرقية.

24

يكون المراد بها الأعمدة المغروسة في سفحها المفروش بالرخام تقوية للتراب و سندا للرخام المفروش و عددها لا يزيد على خمسمائة. و كان للقلعة بابان أحدهما من حديد دون الآخر و في وسطها بئر ينزل إليها بمائة و خمس و عشرين دركة (1) مهندمة تحت الأرض و قد جرفت جروفا و صيرت أزواجا ينفذ بعضها إلى بعض إلى الماء و كان فيها دير للنصارى و كان به امرأة قد سد عليها الباب منذ سبع عشرة سنة ثم ينحدر السور من جانبي هذه القلعة إلى البلد و قيل إنه لما فتح كسرى حلب و بنى سورها كما قدمناه بنى في القلعة مواضع، و لما فتح أبو عبيدة حلب كانت قلعتها مرممة بعد زلزلة أصابتها قبل الفتح فأخربت أسوار البلدة و قلعتها و لم يكن ترميمها محكما فنقض ذلك و بناه، و كذلك لبني أمية و لبني العباس فيها آثار (هي الآن غير معلومة).

و لما استولى نيقفور ملك الروم على حلب سنة 351 ه كما قدمناه امتنعت القلعة عليه و كان قد اعتصم بها جماعة من العلويين و الهاشميين فحمتهم و لم يكن لها يومئذ سور عامر إنما كانوا يتقون سهام العدو بالأكف و البراذع‏ (2).

ثم لما أقلع نيقفور اهتم الملوك بعمارتها و تحصينها فبنى سيف الدولة منها بعض أسوار ثم أكملها بعده ولده سعد الدولة و سكنها، ثم عصي فيها فتح القلعي على مولاه ابن مرتضى الدولة لؤلؤ و سلمها إلى نواب الحاكم فعصي فيها عزيز الدولة فاتك على الحاكم و قتل بالمركز و كان قصره الذي ينسب إليه خانقاه القصر متصلا بالقلعة و الحمام المعروف بحمام القصر إلى جانبه، فخرب القصر بعد ذلك تحصينا للقلعة و صار الخندق موضعه و كان هذا الحمام ديرا في أيام الظاهر غازي فهدمه و جعله مطبخا. و لما قتل عزيز الدولة صار الظاهر و ولده المستنصر يولّيان واليا بالقلعة و واليا بالمدينة. و كان بنو مرداس قد بنوا فيها دورا و جددوا أسوارا و سكنوها و من ذلك اليوم صارت محلا لسكنى الملوك، و لما وليها عماد الدين آق سنقر و ولده عماد الدين زنكي حصنوها و أثروا بها آثارا حسنة و بنى فيها طعتكين‏ برجا من قبليها و مخزنا للذخائر و كان اسمه مكتوبا عليه و بنى فيها نور الدين محمود زنكي أبنية كثيرة و عمل فيها ميدانا و خضّره بالحشيش فسمي الميدان الأخضر، و كذلك بنى بها ولده‏

____________

(1) المقصود هنا درجة من السلم.

(2) البراذع: جمع برذعة و هي الحلس يوضع على ظهر الدابة و تستعمل أحيانا باسم بردعة.

25

الملك الصالح باشورة (1) كانت قديمة فجددها و كتب اسمه عليها و لم تزل عمارته في ازدياد إلى أن ملكها الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن أيوب و أعطاها أخاه الملك العادل سيف الدين أبا بكر فبنى فيها برجا و دارا لولده فلك الدين، كانت تعرف به، و لما ملك الظاهر غازي حصنها و حسنها و بنى فيها مصنعا كبيرا للماء و مخازن للغلات و هدم الباشورة التي كانت في سفح تلك القلعة و بناها بالحجر الهرقلي و أعلى بابها و كان قريبا من الأرض متصلا بالباشورة فوقع في سنة 600 ه و قتل تحته خلق كثير و عمل لهذا الباب جسرا ممتدا منه إلى البلد و بنى على الباب برجين لم يبن مثلهما قط و عمل للقلعة خمس در كاوات بأزج‏ (2) معقودة و حنايا منضودة و جعل لها ثلاثة أغلاق من الحديد و أقام لكل باب منها أسباسلار و نقيبا و بنى فيها أماكن لجلوس الجند و رجال الدولة، و كان يعلق بها آلات الحرب.

و فتح في سور القلعة بابا يسمى باب الجبل شرقي باب القلعة، و عمل له دركاه لا يفتح إلا له إذا نزل إلى دار العدل و هذا الباب و ما قبله انتهت العمارة منهما سنة 611 ه و في سنة 616 ه في الرابع و العشرين من شهر رمضان مهدت أرض الخندق الملاصق للقلعة فوجدت فيه لبنة من الذهب الإبريز زنتها سبعة و تسعون رطلا حلبيا و الرطل سبعمائة و عشرون درهما و بنى الظاهر غازي في القلعة ساتورة (3) للماء بدرج إلى العين و بنى ممشى من شمالي القلعة إلى باب الأربعين و هو طريق بازج معقود لا تسلك إلا في الضرورة و كأنه باب السر و زاد في حفر الخندق و أجرى فيه الماء الكثير و خرق في شفيره مما يلي البلد مغاير أعدها لسكنى الأسارى في كل مغازة خمسون بيتا و أكثر و بنى في القلعة دارا تعرف بدار العز و كان في موضعها دار للملك العادل نور الدين تسمى دار الذهب و دارا تعرف بدار العواميد و دارا للملك رضوان حازت كل معنى غريب. و فيها يقول الرشيد عبد الرحمن بن النابلسي من قصيدة مدحه بها سنة 539 ه:

دار حكت دارين في طيب و لا* * * عطر بساحتها و لا عطّار

رفعت سماء عمادها فكأنها* * * قطب على فلك السعود يدار

____________

(1) الباشورة جمع بواشير و هي تصميم خاص بتحصين القلاع خاصة البوابات شاع استعمالها في العصرين الأتابكي الزنكي و الأيوبي ببلاد الشام.

(2) أزج جمعه آزج أو آزاج و يطلق على العقد و الطاق و القبو و القوس.

(3) الساتورة أو الصاطورة مخزن للماء و هو بقلعة حلب.

26

و زهت رياض نقوشها فبنفسج‏* * * غضّ و ورد يانع و بهار

و ضحت محاسنها ففي غسق الدجى‏* * * يبدو لصبح جبينها إسفار

فتقر عين الشمس أن يضحي لها* * * بفنائها مستوطن و قرار

صور ترى ليث العرين تجاهه‏* * * فيها و لا يخشى سطاه صوار

و موسدين على وسائد ملكهم‏* * * سكرا و لا خمر و لا خمّار

لا يأتلي شدو القبان رواجعا* * * فيه و لا نغم و لا أوتار

هذا يعانق عوده طربا و ذا* * * دأبا يقبل ثغره المزمار

و هي طويلة جدا فإنه خرج من هذا إلى ذكر البركة و الفوارة و الرخام ثم إلى مدح الملك الظاهر. قال ابن شداد: «فاقتصرت منها على هذا ليعلم حسن هذا الدار» و بنى حولها بيوتا و حجرا و حمامات و بستانا كبيرا في صدر إيوانها فيه أنواع الأزهار و الأشجار و بنى على بابها أزجا يسلك فيه إلى الدر كاوات التي قدمنا ذكرها و بنى على بابها أماكن للكتاب و كتاب الجيش.

و لما تزوج سنة 609 ه بضيفة خاتون ابنة عمه الملك العادل التي حكمت في حلب بعد وفاته، أسكنها الدار المذكورة فوقعت نار عقيب العرس فأحرقت جميع ما كان فيها من الفرش و المصاغ و ذلك في حادي عشر جمادى الأولى من السنة المذكورة ثم جدد عمارتها و سماها دار الشخوص لكثرة زخارفها و سعتها أربعون ذراعا في مثلها. و في أيام الملك العزيز ابنه سنة 622 ه وقع من القلعة عشرة أبراج مع بدناتها و كان النوء باردا و قدر ما وقع خمسمائة ذراع و هو المكان المجاور لدار العدل و وقع بعض الجسر الذي بناه أبوه فاهتم الأتابك طغرلبك بعمارتها و جمع الصناع و استشارهم فأشاروا بأن يبنى من أسفل الخندق على الجبل و يصعد بالبناء ليبقى البناء محكما فإنه متى لم يبن هكذا وقع ما يبنى عاجلا و إن قصدها عدو لم يمنعه. فرأى الأتابك أن ذلك محتاج إلى مال كثير و مدة طويلة فعدل عن هذا الرأي و قطع الأشجار من الزيتون و التوت و جعلها الأساس على التراب و بنى عليها. و لهذا لما نازلها التتار لم يتمكنوا من أخذها إلا من هذه الجهة لتمكن النقابين منها.

و في سنة 628 ه بنى فيها الملك العزيز دارا إلى جانب الزردخانه‏ (1) يستغرق وصفها

____________

(1) الزردخانه هو المكان المخصص لحفظ السلاح و العتاد الحربي و يطلق أحيانا على السلاح نفسه. و للكلمة معنى آخر و هو السجن المخصص للأمراء و أصحاب الرتب، و هي لفظة فارسية.

27

الإطناب، مساحتها ثلاثون ذراعا في مثلها، و في سنة 658 ه استولى التتار على القلعة و خربوا أسوارها و جميع أبنيتها و أخذوا ما كان فيها من الذخائر و الزرد و المجانيق. و لما هزمهم الملك المظفر قطن‏ (1) على عين جالوت عادوا إلى حلب ثانية في محرم سنة 659 ه رأوا في القلعة برجا حادثا للحمام فخربوه و خربوا القلعة خرابا فاحشا و أحرقوا المقامين‏ (2) إحراقا لا يمكن جبره و ذلك في الشهر المذكور، فاستمرت القلعة خرابا إلى أن جددت في أيام سلطنة الملك الأشرف خليل بن قلاوون ثم خربها تمرلنك و بقيت خرابا إلى أن جاء الأمير سيف الدين جكم نائبا إليها من قبل السلطان الملك الناصر فرج بن برقوق و ادعى السلطنة لنفسه و أمر ببناء القلعة و ألزم الناس العمل بالخندق و تحرير التراب منه وجد في ذلك حتى عمل بنفسه و استعمل وجوه الناس بحيث كان كبار الأمراء يحملون الأحجار على متونهم و خرب السور المعروف بالغربي على كتف الخندق شرقي باب القلعة و خرب مكتب السلطان حسن تجاه باب القلعة و كان شمالي حمام الناصري قنطرة كبيرة مبنية بالحجارة الهرقلية و جانبها الشمالي على كتف الخندق يقال لها باب القوس البراني و قنطرة أخرى غربي القنطرة الأولى يقال لها القوس الجواني فبنى حجارتهما في البرجين الذين استجدهما و بنى أسوار القلعة كما كانت و بنى البرجين الذين على باب القلعة الفوقاني و أمر ببناء القصر على سطح البرجين المذكورين و لم يسقفه و ذلك في سنة 809 ه.

فلما تسلطن الملك المؤيد شيخ و جاء إلى حلب أمر بتسقيفه و أن تقطع له الأخشاب من بلاد دمشق فقطعت و جي‏ء بها إلى حلب و هي غاية في الطول فسقف بعض القصر المذكور و صار قصرا عاليا مليحا جدا و يقال إنّ الأخشاب المذكورة أحضرها الأمير جكم من بلد بعلبك و لم يكن فيها كفاية (3)، فأحضر الملك المؤيد غيرها و بنى الأمير جكم البرجين الذين في سفح القلعة أحدهما مما يلي سوق الخيل قبلي القلعة و الآخر تجاه باب الأربعين شمالي القلعة. و كان لباب القلعة سلسلة تمنع الراكب من الدخول إليها و كان فيها كنيستان‏ (4) إحداهما كانت قبل أن تبنى مذبحا للخليل إبراهيم (عليه السلام) و كان به صخرة يجلس عليها

____________

(1) الصحيح و المشهور «قطز».

(2) المقصود هنا بالمقامين: المسجد الصغير (السفلي) و المسجد الكبير (العلوي) بقلعة حلب.

(3) أي إنها كانت قصيرة و لا يكفي طولها لسقف القصر.

(4) لم يثبت هذا علميا بعد.

28

لحلب المواشي‏ (1)، و هذه الكنيسة بنيت مسجدا جامعا في أيام بني مرداس كان يعرف بمقام إبراهيم و به تقام خطبة و سيأتي الكلام عليه، و في سنة 435 و قيل سنة 433 ظهر ببعلبك في حجر منقور رأس يحيى بن زكريا و كان من أمره ما حكيناه في الكلام على الحضرة النبوية في الجامع الأموي الكبير في حلب. و أما الكنيسة الأخرى فهي المقام الأسفل الذي كان يقيم به الخليل و به صخرة لطيفة تزار و يقال إنه كان يجلس عليها. و لم يثبت من أنشأ هذا المقام من ملوك الإسلام سوى أن الملك العادل نور الدين محمود هو الذي جدده أيضا و زخرفه و كان كثير التعبد فيه و بنى فيه صهريجا مرصوصا يملأ في كل سنة و وقف عليه وقفا. و كان بهذه القلعة جرس كالتنور العظيم معلق على برج من أبراجها من غربيها كان يحرك ثلاث مرات في أول الليل لانقطاع الرجل عن السعي و في منتصفه و وقت الفجر و كان تعليقه على القلعة سنة 496 و سببه أن الفرنج الصليبيين لما ملكوا انطاكية طغوا في بلاد حلب و عاثوا و أفسدوا فخافهم رضوان بن تاج الدولة تتش لعجزه عن دفعهم و اضطر إلى مصالحتهم فاقترحوا عليه أشياء كثيرة من جملتها أن يحمل إليهم في كل سنة قطيعة من مال و خيل و أن يعلق بقلعة حلب هذا الجرس و يضع صليبا على منارة الجامع الكبير فأجابهم إلى ذلك فأنكر عليه القاضي يحيى بن الخشاب و كان زمام البلد بيده، فراجع الفرنج في أمر الصليب فأذنوا له في وضعه على كنيسة هيلانة و بقي بها إلى أن جعلت جامعا كما نذكره، و أما الجرس فإنه لم يبرح معلقا على البرج المذكور إلى أن ورد حلب الشيخ الصالح أبو عبد اللّه ابن حسان المغربي فأنكره لما سمعه و وضع إصبعه في أذنه و قعد إلى الأرض و قال:

اللّه أكبر، و إذا بضجة عظيمة وقعت في البلدة و انجلت عن وقوع الجرس و كسره و ذلك في سنة 587 فجدد و علق فانقطع لوقته و انكسر. و كان هذا الرجل زاهدا فاضلا مقريا محدثا من أولياء اللّه، قدم حلب و نزل دار الضيافة بالقرب من القلعة و كان من المثريين ببلاد المغرب فتجرد و حج و قدم حلب و منها دخل جبل لبنان، قيل: و فيه كانت وفاته.

____________

(1) معلومة منقولة، و ليس لها سند تاريخي.

29

الكلام على تشخيص القلعة و ما آل إليه أمرها

اعلم أن موقع قلعة حلب في الحالة الحاضرة متوسط من البلد لكنها أقرب إلى الجهة الشرقية كثيرا و الشمالية قليلا. و هذا باعتبار سور البلدة، و أما باعتبار ما خرج عنه فميلها إلى الجهة الجنوبية أكثر، أي أن عمران البلد في الجهة الشمالية من القلعة يبلغ ضعفي عمرانها في الجهة الجنوبية منها. و هكذا يكون ميلها إلى الجهة الشرقية أي أن العمران في الجهة الغربية يبلغ ضعفي عمران الجهة الشرقية. ثم إن شكل جبل‏ (1) القلعة هرمي قد فرش سفحة بالبلاط (2) من بعض الجهة الشرقية. و معظم الجهة الغربية الشمالية. و قمته بسيطة قد دار عليها سور متشعث جدا محيطه ألف ذراع تقريبا فيه عدة أبراج و بدنات متقدمة عليه إلى سفح الجبل لم نذرعها في محيطه و ارتقاع الجبل من أرض الخندق إلى أسفل السور الدائر على قمته المذكورة خمسة و سبعون ذراعا تقريبا. و عرض الخندق الدائر على الجبل يبلغ نحو ثلاثين ذراعا و ينخفض عن أرض البلدة نحو عشرة أذرع و هو مردوم بالأتربة و لو لا ذلك لبلغ عمقه عشرين ذراعا و زيادة. و هذا الخندق يوجد في جهته التي تلي البلد عدة مغاير متهدمة و في بعضها سراديب تبعد نهايتها و أظنها هي المغاير التي نحتها الملك الظاهر كما قدمنا ذكره. و قد عهدنا أرض الخندق غديرا عظيما يجتمع من سرابات المحلات المجاورة له و كان ينبعث عن ذلك عفونات تضر بمناخ تلك الجهة. و حكى دارفيو في تذكرته‏ (3) أن الحكومة في زمانه كانت تطرح في تلك الغدران جثث القتلى فكان يزداد بها مناخ تلك الجهة فسادا. لكن هذا لم نعهده في زماننا، و لم تزل فيه الغدران المذكورة إلى حدود سنة 1300 ه.

____________

(1) المقصود هنا التل الذي تقوم فوقه القلعة.

(2) و هي التي نعرفها بالتحصينات المائله المبنية بالحجارة الملساء.

(3) المقصود هنا «الفارس دارفيو» الذي كتب مذكراته التي ضمت مشاهداته في البلاد التي زارها. عين قنصلا لفرنسا عام 1679 و ظل في وظيفته هذه حتى عام 1686 أي نحو سبع سنوات، و قد واجه صعوبات و مضايقات كثيرة من الجالية الإفرنسية بحلب.

30

و فيها اهتمت الحكومة بإزالتها فردمتها بالتراب و صرفت القاذورات إلى سراب عظيم عملته في الخندق المذكور و أنفذته من جانب باب الأربعين مارا من تجاه قسطل العوينة (1) إلى خندق البلدة. و يوجد على سفح هذا الجبل برجان عظيمان على نقطة متقابلة بهما سميت قلعة حلب ذات الجناحين، أحدهما في الجهة الشمالية تجاه باب الأربعين مكتوب عليه: جدّد هذا السور المبارك مولانا السلطان قانصوه الغوري عزّ نصره في أيام المقر الأشرفي الأمير السيفي عين مقدم الألوف بالديار المصرية سيباي الأشرفي نائب القلعة المنصورة بحلب المحروسة عز نصره سنة 915. و ثانيهما في الجهة الجنوبية تجاه سوق الخيل و حمام الناصري مكتوب عليه: أمر بعمارته مولانا السلطان الملك الأشرف أبو النصر قانصوه الغوري في أيام المقر السيفي سيباي الأشرفي نائب القلعة المنصورة بحلب المحروسة سنة 914 و أظن أنهما مبنيان على أثر البرجين اللذين جددهما الأمير جكم مساحة كل منهما تقريبا عشرون ذراعا عرضا و مثلها طولا و خمسة و عشرون ذراعا ارتفاعا. و له مدخل من جهته العليا مما يلي سور القلعة قد اشتمل على أربع طبقات، كل طبقة لها قبو معقود بالحجارة العظيمة له عدة كوات إلى جهة الخندق. و الطبقة السفلى من الجنوبي يهبط منها في سرداب ينتهي إلى حفير منقور بالحوار فيه ماء راكد يميل طعمه إلى الملوحة ثم يكون في طرفه سرداب ينتهي إلى فوهة في الجبل غربي باب القلعة بقليل. و هذا البرج و إن كان متهدما إلا أنه أجد عمرانا من البرج الشمالي. و الغالب على ظني أن مدخل كل واحد منهما كان متصلا بالقلعة بواسطة قبو خفي.

أما مدخل القلعة الآن فهو مؤلف من أربعة أبواب. أولها مما يلي البلد متوجه إلى الجنوب مرتفع عن سطح أرض البلد نحو عشرة أذرع يرقى إليه بدرج مسطح على قبو معقود بالحجارة على الخندق و حافته، و في انتهاء هذه المسافة ينقطع القبو المذكور فيكون فوقه جسر من خشب يؤدي إلى هذا الباب الذي هو الباب الأول. و له غلق من الحديد كبقية الأبواب بعده مكتوب على مصراعيه بالحديد النافر: (أمر بعمله مولانا الملك الظاهر غازي ابن يوسف سنة 608 و هذا الباب من آثار قانصوه الغوري بني بتولي مقدم الألوف بالديار المصرية و شاد الشرابخانات‏ (2) الشريفة و نائب القلعة)، و على هذا الباب برج عظيم لكنه‏

____________

(1) القسطل مندثر الآن.

(2) الشرابخانات مفردها الشراب خانه و هو بيت الشراب، فيه شتى أنواع الأشربه التي يحتاجها السلطان، و توجد به الأواني المصنوعة من الصيني الفاخر.

31

متوهن البناء. ثم تمر من هذا الباب صعدا و تمشي مسافة خمسين ذراعا على درج مكشوف مسطح في عرض عشرة أذرع محمول على قناطر معقودة فوق الخندق حتى تصل إلى الباب الثاني‏ (1) الذي قد رسم في قنطرته صورة أفعى عظيمة ذات رأسين و هو يتجه إلى الغرب عرضه ثلاثة أذرع و قيراطان و ارتفاعه 5 ع و 10 ط و لهذا الباب نجفتان فوق بعضهما و عضادتاه من آثار الملك الظاهر غازي مكتوب على إحدى النجفتين المذكورتين: (أمر بعمارته بعد دثوره السلطان الأعظم الملك الأشرف صلاح الدنيا و الدين خليل محي الدولة الشريفة العباسية ناصر الملة المحمدية عز نصره) و مكتوب على النجفة الأخرى (جددت بعد إهمال عمارتها و إشرافها على الدثور في أيام مولانا السلطان الملك الظاهر أبي سعيد برقوق أيد اللّه أنصاره بحوذة سريدار (2) دولته محمد ابن يوسف أرسلان نائب السلطان سنة 786 ه) و مكتوب على جدار متجه إلى الجنوب في جانب الباب‏ (بالإشارة العالية المولوية الأميرية الشمسية قراسنقر (3) الجوكندار (4) المنصوري الأشرفي كافل المملكة الحلبية أعز اللّه نصره). ثم تمر من هذا الباب إلى دركاه عظيم عرضه 11 ع و 19 ط عدا كثافة جداري الجهتين اللذين تبلغ كثافة الجدار الشرقي منهما 2 ع و 12 ط و كثافة الجدار الغربي الذي فيه الباب 3 ع و 18 ط و يدخل في هذه المساحة عرض عضادتي الباب و طول الدركاه المذكور 9 ع و 18 ط و هو يشتمل على أربعة أو اوين عرض كل واحد 3 ع و 16 ط و طوله 6 ع و 4 ط، و في آخر هذه الدركاه الباب الثالث موجه شرقا في عرض الثاني و ارتفاعه قد نقش على نجفته حفرا صورتا أسدين يتناطحان. و له غلق من حديد ثم تمر منه إلى دركاه فخم فيه عدة أو اوين ينعطف أربع عطفات في آخرها يكون مزار الخضر. ثم يكون الباب الرابع و يتجه إلى الجنوب و عرضه و ارتفاعه كبقية الأبواب، و على كل من عضادتيه صورة رأس و رقبة أسد مجسدة كأن أحدهما يضحك و الآخر يبكي. و لهذا الباب غلق من الحديد قد كتب في أعلاه بالحديد النافر (أمر بعمله مولانا الملك الظاهر غازي ابن يوسف سنة 606 ه) ثم تمر منه إلى دركاه آخر مستقيم ليس فيه عطفات‏

____________

(1) يعرف اليوم بباب الحيّات.

(2) سريدار أو السردار و هو القائد العام للجيش. و السردارية مركز القيادة العامة للجيش.

(3) قرا سنقر الجوكندار.

(4) الجوكندار هو حامل الجو كان للملك أو الأمير ليلعب بالكره، و الجو كان: عصا طويلة مدهونة طولها نحو أربعة أذرع توجد في رأسها خشبة مخروطة معكوفة (معقوفة) تضرب بها الكرة من فوق ظهر الفرس.

32

قد اشتمل على عدة أو اوين و مخادع عظيمة أحدها كان طاحونا يدور بالدواب و بقيتها كانت معدة لجلوس الجند و أصحاب الدولة. ثم تمر من هذا الدركاه إلى أن تخرج إلى سماوي القلعة فتمشي نحو خمسين ذراعا.

و يكون على يسارك باب المقام الأسفل‏ (1) موجه شرقا. و هذا الباب مركب من ثلاث أحجار سود عضادتين و نجف مكتوب عليه‏ (أمر بعمارته الملك الصالح نور الدين أبو الفتح إسماعيل بن محمود زنكي بن أقسنقر ناصر أمير المؤمنين بتولي العبد شاد بخت في سنة 575) فتنزل إلى هذا الباب بثلاث دركات و تدخل منه إلى صحن الجامع السماوي الذي طوله 15 ع و 20 ط و عرضه 13 ع و 4 ط و هذه المساحة لم يدخل فيها كثافة الجدران و قد اشتمل هذا الصحن على دركة في الجهة الشمالية دخلت في ذرعه و في وسطه بئر ماؤها من المطر أظنها هي البئر التي احتفرها الملك العادل نور الدين، عمقها من فم خرزتها إلى قعرها 19 ع و 12 ط، و في غربي هذا الصحن ثلاث حجرات، و هو مفروش بالحجارة السود و الصفر و فيه أيضا من جانب جدار القبلية بئر مطبقة فوقها في جدار القبلية حجرة كانت البكرة تعلق بها مكتوب في صدرها قوله تعالى: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ .. إلى آخر الآية. و مكتوب على جانبها: (وقف الفقير إلى رحمة اللّه شادبخت الملكي العادلي على المسجد المقام بالقلعة المنصورة القرية المعروفة ببنيابل‏ (2) وقفا محتسبا مؤبدا) ثم تدخل إلى القبلية و سقفها قبو في وسطه قبة عالية و في و جهتها الموجهة شرقا حجرة صغيرة في جهتها الجنوبية خزانة في أسفلها جرن مربع عمقه تسعة قراريط في مثلها و ثخانته قيراطان تقريبا يقولون إن إبراهيم (صلوات اللّه عليه) كان يحلب فيه بقره، و أنه إذا بيت فيه شي‏ء من المأكولات كاللوز و الفستق ثم أكلته مرضع در لبنها و تشتمل هذه القبلية أيضا على سدة تجاه محرابها طرفها الشمالي محمول على الجدار الشمالي من القبلية فوق بابها و طرفاها الجنوبيان محمولان على عمودين من الحجر الغربي و هو مرمر معرق بسواد كأنه الحجر المعروف باليشم‏ (3) و محراب هذه القبلية تجاه بابها و هو ملبس بخشب فيه بدائع‏

____________

(1) المقصود هنا المسجد الصغير السفلي.

(2) قد تكون قرية بنابل (بنيابل) و هي قرية من قرى محافظة إدلب اليوم، بها شاهدة قبر على شكل عمود كتلك الموجودة في بلدة سرمدا.

(3) اليشم نوع من الحجر يسمى في بعض الأحيان «حجر الغلبة» يكون أحيانا شفافا و أحيانا أخرى معتما.

33

النقوش و قد كتب في حوافي هذا التخشيب بالقلم الكوفي المزهر البسملة و آية الكرسي‏ (1) أما طول القبلية مع حجرة الجرن فهو ستة عشر ذراعا و تسعة قراريط عدا كثافة جدار الجهتين و عرضها من وسط المحراب إلى صفحة الباب مما يلي الصحن تسعة أذرع و ثمانية قراريط و يدخل في هذه المساحة ثخانة جداري الجهتين و مكتوب في حجرة مربعة مرصوفة في جدار القبلية غربي بابها مما يلي الصحن‏ (بسم اللّه الرحمن الرحيم أمر بإنشاء هذا المسجد المقام الملك العادل نور الدين الفقير إلى رحمة اللّه أبو القاسم محمود بن زنكي بن آق سنقر غفر اللّه له و لوالديه و أحسن ختامه سنة 562)، و مكتوب على حجرة مربعة في جدار القبلية من شرقي بابها مما يلي الصحن أيضا (وقف العبد الفقير إلى اللّه تعالى شيخ الإسلام زين الدين محمد بن الشحنة الحنفي عامله اللّه بلطفه نصف فدان بقرية أورم الكبرى‏ (2) من جبل سمعان على فرش و تنوير و مصالح مقام الخليل بقلعة حلب في جمادى الأولى سنة 811) و كان لهذا الجامع إمام راتبه الشهري مائة قرش يأخذها من إدارة الأوقاف بحلب، ثم قطع الراتب و عطلت الشعائر و كان يقام فيه خطبة ثم نقل المنبر إلى رباط الشيخ براق و بطلت منه الخطبة و الصلاة و أغلق بابه، تخرج من هذا الجامع و تتوجه شمالا و تمشي حتى تصل إلى قرب حافة القلعة فيكون باب المقام الأعلى موجها إلى الشرق أيضا مكتوب على نجفته‏ (بسم اللّه الرحمن الرحيم أمر بعمله مولانا السلطان الملك الظاهر العالم العادل المجاهد المؤيد المظفر المنصور غياث الدنيا و الدين أبو المظفر الغازي ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب خلد اللّه ملكه سنة 610 ه)، و مكتوب على جانب الباب من جنوب‏ (أدام اللّه العز و البقاء لمولانا السلطان الملك الظاهر أبي سعيد خوشقدم عن نصره برسم الأمير الكبير المخدومي العزيزي تغري بردي الظاهري نائب القلعة بحلب عز نصره بأن لا يسكن أحد بهذا الجامع و لا يستعمله لغير الصلاة و لا يجدد خلافه و يعين على مخالفته إلخ سنة 871).

و صحن هذا المقام مربع يبلغ نحو ثلاثين ذراعا في مثلها قد دار عليه ثلاثة أروقة من الجهات الثلاث في الشمالي منها أربع حجرات. و سعة قبليته يشاكل سعة قبلية المقام الأسفل‏

____________

(1) لم يعد المحراب في مكانه و أغلب الظن أنه نقل إلى خارج البلاد عن طريق أحد ضباط سلطة الانتداب الإفرنسي، أما صورته فمنشورة في كتاب هرتزفيلد حول النقوش.

(2) أورم الكبرى قرية تبعد عن حلب نحو 20 كم تقريبا، و هناك قرية أخرى تحمل اسم أورم الصغرى تتبع محافظة حلب أيضا، و ثالثة تحمل اسم أورم الجوز بمحافظة إدلب تقع على الطريق العام بعد بلدة أريحا.

34

و سقفها مثلها إلا أن القبة خربة و فيه محراب إلى جانبه الشرقي خزانة مستورة بقماش أخضر أظن أن فيها كان الجرن المشتمل على رأس يحيى (عليه السلام) أو الجرن الذي كانوا يقولون إن إبراهيم (عليه السلام) كان يحلب فيه مواشيه و في آخر الجهة الشمالية من الجامع من جهة الشرق منارة مربعة الشكل محيطها مما يلي بابها ثلاثة و عشرون ذراعا و عشرون قيراطا و ارتفاعها من سطح الجامع إلى موقف المؤذن ثمانية و عشرون ذراعا و اثنا عشر قيراطا و عدد مراقيها ثمانون و هي متشعثة و ليس فيها ما يدل على تعيين بانيها و يظهر أن ثلثها الأسفل أقدم من بقيتها ثم أن هذا الجامع مهجور الآن مشرف على الخراب‏ (1).

و إذا خرجت من بابه و توجهت شمالا إلى الشرق وجدت عمارة ممتدة من الغرب إلى الشرق في شمالي القلعة مطلة على البرج الشمالي الكائن تجاه باب الأربعين طولها 76 ع و 10 ط و عرضها 18 ع و 12 ط و هذه العمارة تعرف باسم قاوش‏ (2) يسكنها الجند، و كانت عمارتها سنة 1267 و قد تهدم بعضها و في شمالي هذه العمارة طنف واسع عهدنا أنه كان يقف فيه الجوق الموسيقي صباح مساء و يعزف بآلته الموسيقية ثم انقطع عمله و نقل إلى الثكنة العسكرية المعروفة بقشلة الشيخ براق و ذلك في أيام الدولة العثمانية، و في هذا الطنف من جبهته المتجهة إلى الشمال كتابة كوفية بالرخام الأسود هي‏ (أمر بعمارته مولانا السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباي عز نصره سنة 877)، و في الطرف الشرقي من العمارة المذكورة تكون الساتورة الحلوة المتجه باب بيتها إلى الجنوب يجري إليها الماء من قناة حلب من شمالي القلعة من قرب باب الأربعين تجاه المدرسة الإسماعيلية (3) بكيزان تحت الأرض تمر من المحل المذكور إلى الخندق حتى تكون تحت البرج الشمالي فينصب الماء من الكيزان إلى مجرى واسع ينتهي بالساتورة و هي قد اشتملت على أواوين عظيمة و مخازن للماء ربما يبلغ عرض أحدها عشرين ذراعا و ارتفاعه عشرة أذرع و طوله خمسين ذراعا أما عمقها من سطح أرض بيتها إلى وجه الماء فهو 65 ع و عرض فمها 2 ع و 3 ط و طوله 3 ع و 4 قد عقد على بيتها قبو محكم سنة 1061 كان يستخرج منها الماء بواسطة

____________

(1) قامت مديرية الآثار مؤخرا بترميم الجامع و إعادته إلى ما كان عليه سابقا إلا أن الصلاة لا تقام فيه الآن.

(2) المقصود هنا البناء المعروف بالثكنة المصرية، و قد قامت مديرية الآثار مؤخرا بترميمها، و حولت قسما منها ليكون مقصفا، أما القسم الآخر فحولته إلى متحف للقلعة يجري إعداده الآن.

(3) تقع بمحلة الفرافرة بالقرب من دار البلدية القديمة و هي مدرسة لطيفة بناها إسماعيل بن محمد الانطرمه لي عام 1255 ه والي حلب من قبل إبراهيم باشا.

35

دولاب يدور بدابة قد لف عليه حبل طويل له رأسان في كل واحد منهما دلو فإذا أدارته الدابة هبط دلو و صعد آخر. و لها وقف عظيم يصرف على ما تحتاجه. و في شرقي بيتها دركاه يهبط منه إلى الماء بدرج حلزوني يدور على نفسه و المشهور أنها من آثار المرحوم السلطان سليم خان الأول و أنه كان لا يوجد قبلها في القلعة مستقى للماء سوى الساطورة المالحة الآتي ذكرها و الذي أراه أن هذه الساطورة قديمة من آثار الملك الظاهر غازي و أن السلطان سليم رمها و وقف عليها. اه.

ثم إنك إذا خرجت من بيت هذه الساطورة و توجهت شرقا إلى الشمال مقدار غلوة رأيت رحى تدور بالهواء لكنها معطلة و هي من آثار المرحوم إبراهيم باشا المصري، تحت هذه الرحى دار صغيرة يسكنها بعض ضباط القلعة، أما قصر الملك الظاهر فهو فوق الباب الثاني و ما بعده من أبواب القلعة المتقدم ذكرها و فيه آثار لقايتباي و قانصوه الغوري و بعض غرف هذا القصر كان في أيام الدولة العثمانية يستعمل مخزنا للبارود و الأسلحة القديمة و كان على جانبيه خشبتان طويلتان قدر ركزتا عموديا على رأس كل واحدة منهما حربة عريضة من الفولاذ حادة الرأس يقال لها جاذبة الصاعقة إذا سقطت في قربهما انجذبت إلى أحدهما و مشت منها على تيل بأسفل الحربة متصل بإطار حديدي مدفون في الأرض و بذلك يسلم مخزن البارود من خطر الصاعقة.

إن القصر المذكور مشرف الآن على الخراب‏ (1) ليس له سقف و الدخول إليه خطر قد كتب على بابه مما يلي سماويه شعر:

لصاحب هذا القصر عزّ و دولة* * * و كلّ الورى في حسنه يتعجب‏

بنى في زمان العدل بالجود و التقى‏* * * محاسنه فاقت جميع الغرائب‏

و لهذا القصر كوة عظيمة مطلة على جنوبي المدينة فيها مشبك من النحاس الأصفر طاقاته مسدسة الشكل بديعة الصنعة عديمة النظير و هو من آثار قايتباي أحدثه سنة 880، و في هذه الأيام اقتطع من أسفله قطعة فشاه منظره و لهذا القصر من ظاهره طراز مكتوب عليه بقلم عريض‏ (أمر بعمارته بعد إهماله و إشرافه على الدثور في أيام مولانا السلطان الأعظم‏

____________

(1) في هذا إشارة إلى «قاعة العرش» بالقلعة الحلبية الكبيرة. قامت مديرية الآثار بترميمها و كسوتها بالخشب المزخرف الجميل و هي مفتوحة اليوم للزيارة.

36

الملك الأشرف صلاح الدنيا و الدين ناصر الإسلام و المسلمين عماد الدولة ركن الملة مجير الأمة ظهير الخلافة نصير الإمامة سيد الملوك و السلاطين سلطان جيوش الموحدين ناصر الحق بالبراهين محي العدل في العالمين) (1) و لم أتمكن من قراءة البقية و تحت هذا القصر أماكن و أبراج كثيرة يطول الكلام عليها. و في جانبه من أعلاه آثار أبنية ذات طبقات متعددة.

و مما يوجد في القلعة من الآثار القديمة باب صغير مغلق لا يفتح أبدا في سورها الدائر عليها من شمالها وراء البرج الشمالي أمام باب الأربعين. و أظنه هو الباب الذي كان يعرف قديما بباب السر. و يتصل به سرداب تبعد نهايته و يوجد أيضا بها بئر تعرف الآن بالساتورة المالحة قرب المقام الأسفل في جنوبه و عمقها من وجه الأرض إلى سطح الماء 60 ع و 12 ط و من سطح الماء إلى قعرها 39 ع و عرض فمها و طوله كعرض فم الساتورة الحلوة و طوله و هي الآن معطلة و ماؤها ملح و يقال إن لها دركا شبيها بدرك الساتورة الحلوة المتقدم ذكرها.

و يوجد في وسط القلعة بميلة إلى الشرق و الشمال مكان ينزل إليه بسرداب عظيم له درج منهدم تحت الأرض يبلغ 50 درجة سعة هذا المكان يبلغ 30 ع في مثلها و سقفه قبو محمول على أربع عضادات كل واحدة منها تضاهي منارة و يذكر أنه كان كنيسة (2).

و يوجد في القلعة أيضا أثر حمّام و آثار عدة مساجد فقد كان فيها عشرة مساجد منها مسجد النور أظن أن موقعه كان على سورها من جهة الجنوب على يمين الداخل إليها من بابها الحالي و يوجد فيها أثر فرن و آثار نحو مائة دار، و كان أسلافنا يحكون لنا أنها كانت مزدحمة بالمباني التي يسكنها الموظفون بها و بمحافظة البلد و استمرت هكذا دهرا طويلا إلى أن كانت زلزلة سنة 1237 فهدمت أكثر ما فيها من الدور و نزل أكثر سكانها إلى البلدة ثم لما انقرض و جاق اليكيجرية (3) سنة 1241 نزل منها من بقي من أهلها إلى البلد و عوض عنهم جنود نظامية و لم يبق من سكانها القدماء سوى جماعة من الأسرة المتولية على وقف الساتورة الحلوة

____________

(1) لا تزال هذه الكتابة محفوظة و هي موجودة حول البرج الرئيس من الخارج.

(2) أكبر الظن أنه كان مستودعا للغلال و قد قامت مديرية الآثار و المتاحف بترميم سلمه.

(3) فرقة عسكرية تعرف بالإنكشارية، أسدت للدولة العثمانية خدمات عسكرية جليلة إلا أنها ما لبثت أن أصبحت عبئا عليها فعمدت إلى حلها.

37

المعروفة بأسرة دوزدار، لهم دار تجاهها يستخرجون منها الماء لسقاية عساكر المدفعية الذين هم بضعة أشخاص ثم إن إدارة الأوقاف قطعت معاش هذه الأسرة فنزلوا من القلعة و خرب دولاب الساتورة و في أيام النفير العام هدمت دار تلك الأسرة و أخذت أخشابها و زال الانتفاع منها.

و كان يوجد في القلعة عدة مدافع تستعمل في الأعياد و الاحتفالات السلطانية يطلق منها واحد و عشرون مدفعا في إثبات شهر رمضان و العيدين و في ظهر اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول و في كل وقت من الأوقات الخمسة في العيدين. و يطلق فيها أكثر من ذلك أو أقل في استقبال كبار الموظفين و الحفلات الرسمية.

و في سنة 1307 قام أهل المحلات التي تجاور القلعة و التمسوا من الحكومة إبطال إطلاق المدافع عنها لأنها و هنت أبنيتهم برجيجها فأجابتهم الحكومة إلى ذلك و صارت تطلق المدافع في رباط الشيخ براق لكن ما زال يوجد في القلعة عدة مدافع قديمة (1) و مقدار عظيم من الكرات و البارود و أسلحة الدول الماضية و أحيانا تطلق منها مدافع رمضان و غيرها. و ما زالت الحالة على ذلك حتى الآن.

بعض ما مدحت به هذه القلعة

قال ابن بطوطة في رحلته تحفة النظار في غرائب الأمصار و عجائب الأسفار في أثناء كلامه على حلب:

«و قلعة حلب و بداخلها جبان ينبع منهما الماء فلا تخاف الظمأ و يطيف بها سور. و عليها خندق عظيم ينبع منه الماء و سورها متداني الأبراج قد انتظمت بها المعالي العجيبة المفتحة الطيقان و كل برج منها مسكون و الطعام لا يتغير بهذه القلعة على طول العهد و بها مشهد يقصده بعض الناس يقال إن الخليل كان يتعبد به و هذه القلعة تشبه قلعة رحبة مالك ابن طوق‏ (2) التي على الفرات بين الشام و العراق و لما قصد قازان طاغية التتار مدينة حلب حاصر هذه القلعة أياما ثم نكص عنها خائبا».

____________

(1) لم يبق منها اليوم أي أثر.

(2) لا تزال قلعة رحبة مالك بن طوق قائمة بالقرب من بلدة الميادين بمحافظة دير الزور، و قد قامت مؤخرا مديرية الآثار بترميم بعض أجزاء هذه القلعة، كما قامت مشاركة مع المعهد الإفرنسي للدراسات العربية بدمشق بإجراء بعض التنقيبات الأثرية.

38

قال ابن جزي و في هذه القلعة يقول الخالدي شاعر سيف الدولة:

و خرقاء قد قامت على من يرومها* * * بمرقبها العالي و جانبها الصعب‏

يجرّ عليها الجوّ جيب غمامه‏* * * و يلبسها عقدا بأنجمه الشّهب‏

إذا ما سرى برق بدت من خلاله‏* * * كما لاحت العذراء من خلل السّحب‏

فكم من جنود قد أماتت بغصّة* * * و ذي سطوات قد أبانت على عقب‏

و فيها يقول أيضا و هو من بديع النظام:

و قلعة عانق العنقاء سافلها* * * و جاز منطقة الجوزاء عاليها

لا تعرف القطر إذ كان الغمام لها* * * أرضا و توطى‏ء قطريه مواشيها

إذا الغمامة راحت غاص ساكنها* * * حياضها قبل أن تهمي عواليها

يعدّ من أنجم الأفلاك مرقبها* * * لو أنه كان يجري في مجاريها

ردّت مكائد أقوام مكائدها* * * و نفرت لدواهيهم دواهيها

و فيها يقول جمال الدين علي بن أبي المنصور:

كادت لبون سموّها و علوها* * * تستوقف الفلك المحيط الدائرا

وردت قواطنها المجرة منهلا* * * و رعت سوابقها النجوم زواهرا

و يظلّ صرف الدهر منها خائفا* * * و جلا فما يمسي لديها حاضرا

تنبيه: الحارة هي المحلة التي دنت منازلها من بعضها. و الخطّة بالكسر: الأرض تنزلها و لم ينزلها نازل قبلك و يقال خطّ بدون هاء. و تطلق أيضا على الطريق و على الحارات التي هي داخل المدينة. اه.

39

حارة الجلوم الكبرى (د) عدد بيوتها 477 (1)

الذكور/ الإناث/ المجموع/ الأقوام 1445/ 1511/ 2956/ المسلمون 6/ 10/ 16/ الروم/ الكاثوليك 21/ 14/ 35/ الأرمن الكاثوليك 45/ 20/ 65/ الأرمن 15/ 26/ 41/ اللاتين 7/ 2/ 9/ الكلدان 20/ 17/ 37/ السريان 19/ 15/ 34/ الموارنة 250/ 100/ 350/ الأجانب 1828/ 1715/ 3543/ الجمع‏

حارة الجلوم الصغرى (د) عدد بيوتها 164

الذكور الإناث المجموع الأقوام 631 696 1327 المسلمون‏

____________

(1) تغيرت هذه الإحصاءات كثيرا في عدد البيوت و توزع السكان حسب الدين أو المذهب و لم تعد مفيدة إلا للدلالة على الزمن التي أجريت فيه.

40

و قد يطلق على الأولى الجلوم البرانية و على الثانية الجلوم الجوانية، قيل إن لفظ جلوم محرفة عن سلوم، حدهما جنوبا الخندق و تمامه حارة باب قنسرين و غربا الخندق المعروف باسم بوابة مالطة و شمالا العقبة إلى خان أبرك المعروف بخان القصابية، ثم سوق القطن القديم، ثم الجامع الأموي الكبير، ثم سوق الصاغة المعروف أيضا بسوق العقادين شرقي الجامع الكبير الجاري بأوقافه ثم بسوق الحراج المعروف أيضا بالبالستان ثم بخان الجوره وراء سوق الدهشة و شرقا خان خيري بك و سوق الضرب و سوق الفرايين و جامع محمد باشا توقه كين المعروف بجامع العادلية و الجلوم الصغرى هي التي تلي سور البلدة تقريبا ثم إن هاتين المحلتين مشهورتان بجودة المناخ و لا سيما البرانية منهما و ماؤهما النبع في عمق سبعة باعات‏ (1) إلى عشرة تقريبا و ماء القناة يصعد فيهما إلى نحو أربعة أذرع على وجه الأرض تبعا لتمديد كيزانها و في الإمكان أن يصعد فيهما نحو رمحين لانخفاضهما عن أرض القناة الأصلية.

آثار الجلوم الصغرى‏

جامع أبي يحيى الكواكبي، يظهر أنه جامع قديم و أنه اشتهر باسمه الحالي نسبة إلى (محمد بن إبراهيم بن يحيى الكواكبي) لأنه وسعه و أقام فيه أذكاره فلما مات دفن فيه و بنى عليه (سيباي بن عبد اللّه الجركسي) قبة من ماله. و هو جامع فسيح له قبلية متوسط تقام فيه الصلوات و الجمعة و له منارة فوق بابه و في غربيه قبة أبي يحيى المذكور مكتوب في الجدار الكائن فوق رأس الضريح:

و ليس عجيبا أن تيسّر أمرنا* * * بحضرة هذا القطب حاوي المناقب‏

وليّ تولاه الإله بلطفه‏* * * و وليّ فأولاه صنوف المواهب‏

و ما مات حتى صار قطبا مقرّبا* * * و نال من الغفران أعلى المراتب‏

هدينا إلى هذا المقام بطيبه‏* * * كما يهتدي الحادي بنور الكواكب‏

و في صحن المسجد في جهته الغربية عدة قبور لبني الكواكبي و في شرقيه حوض يجري‏

____________

(1) باعات مفردها باع و هي وحدة قياس طولي، و هي عربية مأخوذة عن الفارسية و هي قدر مد اليدين، و حبال الجب (البئر) في حلب تباع بالباعات.

41

إليه الماء من قناة حلب. و لهذا المسجد وقف قديم هو الآن ثلاثة حوانيت في سويقة علي و له مخصصات من وقفي (حسن أفندي) ابن أحمد أفندي الكواكبي و والده المذكور و يوجد على يسرة الداخل للجامع حجرة لتعليم الأطفال و في جانبها صهريج سبيل يجري إليه الماء من قناة حلب عمرته هبة اللّه بنت «حسن أفندي المذكور» و هي أم «حسن بك بن مصطفى بك» و في جانب المسجد من شرقيه مدرسة تعرف بمدرسة الكواكبي يصعد إليها بدريجات و هي عامرة مشتملة على قبلية و حجرتين و على حوض ينزل إليه بدركات في غربي صحنها و هي معطلة لا تقام فيها صلاة و لا يقرأ درس و يوجد في هذه المحلة أيضا مسجد يقال له مسجد أبي النور (1) في محلة الدحدالة في بوابة الشيخ عمر الطرابيشي تقام فيه الأوقات الجهرية فقط و فيها أيضا سبيل غربي جامع أبي يحيى ينسب إلى زهير آغا و فيها كرخانتان إحداهما في بوابة الصياحة شرقي مدرسة الكواكبي المتقدم ذكرها، و هذه الكرخانة كانت إحدى دور بني الكواكبي و ثانيهما في البرج، و الكرخانة: مكان تطبع فيه المناديل الحلبية و تعرف بالبصمه خانه أيضا.

آثار الجلوم الكبرى‏

جامع البهرامية

أنشأه «بهرام باشا» ابن مصطفى باشا ابن عبد المعين قال في كتاب وقفه ما ملخصه إنه وقف جميع المكان المعروف به الكائن بمحلة الجلوم بحلب المشتمل على أربعة جدران محيطة به مبنية بالحجارة النحيت و على صحن مفروش بالبلاط الأصفر طوله من القبلة إلى الشمال 19 ع و عرضه 50 ع و به حوض ماء كبير مبني بالرخام الأصفر بشباك من الحديد و أنابيب من النحاس الأصفر يعلوه قبة معقودة بالقرميد برفرف من الدف و الخشب برسم المتوضئين و غيرهم يصل إليه الماء من قناة حلب في كيزان من الفخار ببطن الأرض بحق معلوم على الدوام و الاستمرار و بالوعة واصلة إلى الهارب الكبير و جب ماء معين و يشتمل على قبلية كبيرة مفروشة بالبلاط بقبة محمولة على ثمان قناطر من الحجر النحيت تحتها اثنا عشر إيوانا صغيرا بأربعة عشر شباكا من الحديد مشرفات على جنينة مختصة به ذات أشجار

____________

(1) و يسمى أيضا بمسجد أبي يحيى أو مسجد الزيتونة.

42

متنوعة و فيها أي في القبلية حجرتان إحداهما على يمين الداخل برسم وضع البسط و الطنافس و الأخرى برسم وضع القناديل و باقي لوازم التنوير و بصدرها إيوان معقود بخمس قناطر صغار على عواميد من الرخام بصدره محراب مبني بأنواع الرخام الملون. و على يمينه منبر مبني بالرخام الأبيض و جوانبه بالفصوص الملونة و تجاه المحراب سدة برسم المؤذنين على عواميد من الرخام يصعد منها بدرج إلى إيوان شمالي فوقاني برسم المصلين. و يشتمل أي صحن الجامع على رواق قبلي بجانبه الشرقي إيوان في صدره محراب و شباكان من الحديد مطلان على الجنينة المذكورة و يدخل منه إلى حجرة برسم المجاورين و يصعد منه بدرج من الحجر إلى إيوان معلق شرقي مطل على القبلية المذكورة و بجانبه الغربي إيوان آخر بصدره محراب و شباكان من الحديد مطلان على الجنينة و يصعد منه في درج من الحجارة إلى إيوان آخر معلق مطل على القبلية و بجانب هذا الإيوان منارة عالية مختصة بهذا الجامع حده قبلة مستشفى نور الدين الشهيد و تمامه بدار المرعشي القلعي و شرقا طريق سالك و إليه الباب الشرقي و شمالا سوق الواقف و إليه الباب الشمالي و غربا زقاق نافذ يعرف بزقاق السودان.

و يشتمل الجامع أيضا على مطهرة مفروشة بالبلاط ملاصقة لمطهرة المدرسة المقدمية بالمحلة المذكورة محتوية على خمس أخلية و حوض للماء العذب يجري دائما محدودة قبلة بالمقدمية المذكورة و شرقا بزقاق السودان و شمالا بخان الجورة المعروف حينئذ بخان بني الحلفاء و غربا بمطهرة المدرسة المذكورة.

أوقافها

وقف الواقف سوقا ملاصقا لباب جامعه الشمالي يتألف من سبعة عشر حانوتا في صفين قبلي و شمالي و فيه سبيل ماء و فوق السوق قبة و يدخل من الصف الشمالي إلى سوق آخر يشتمل على ثمانية عشر حانوتا في أربعة صفوف و بمعبره على يمين الداخل ثلاثة حوانيت و على يسرته ثلاثة أخرى و يصعد من جانبه الشمالي في درج إلى قاسارية مبنية على ظهره مشتملة على خمس و ثلاثين حجرة حد السوق الأول قبلة الجامع الموقوف عليه و شرقا الطريق و شمالا السوق الثاني المذكور و غربا الزقاق السالك إلى حمام الخواجه الملطي، و حد السوق الثاني قبلة السوق الأول و شرقا المسجد العمري و السبيل المتقدم ذكره، و شمالا الطريق و غربا زقاق المصبغة و الحمام المذكورين و وقف المكتب الكائن عند باب الجامع الغربي و جميع‏

43

بيت القهوة في السوق المذكور و حماما يعرف به في المحلة الجديدة ظاهر باب النصر و قاسارية راكبة على الحمام المذكور، و طاحونا على نهر قويق قرب خانطومان ثلاثة أحجار و طاحونا على نهر ناحية جلاب في قضاء الرها ثلاثة أحجار و إصطبلا و حماما يعرف بالحمام الجديدة و بيت قهوة و دكانين متلاصقات في مصر القاهرة في سوق السباهي قرب جامع السلطان حسن و هما مشهورتان بالواقف و ستة قراريط التي هي ربع أشجار الزيتون في قرية دمرة (1) التابعة إلى غزة هاشم قبلة أرض كشف، و شرقا أرض المحربة و شمالا أرض المسجد و غربا أرض الكشف و اثنى عشر قيراطا من أشجار البستان بظاهر غزة من الجهة الشمالية و تعرف ببستان شعبان قبلة و شرقا الطريق و شمالا الحاكورة و بستان قلفان و غربا بستان النحل و اثنى عشر قيراطا من أشجار الزيتون في أرض قرية دمرة.

شروطه‏

شرط أن يؤدب في المكتب الأطفال و الصبيان و يعلم فيه الأيتام و يكون لكل واحد منهم قميص و عراقية في كل سنة و أن يصرف بعد تعمير الجامع و المكتب و الطهارة و الوقف في كل يوم 8 عثمانيات إسلامبولية فضية إلى خطيب حنفي بجامعه و 10 إلى إمام حنفي و شافعي لكل منهما 5 و 16 لأربعة مؤذنين لكل منهم 4 و 5 لعارف بالميقات و الأنغام يكون رئيسا على المؤذنين و 9 لستة قراء يقرءون ستة أعشار من القرآن في السدة قبل صلاة الجمعة و 2 لحافظ يكون رئيسا عليهم و واحد و نصف لصيت يقرأ بعدهم نعتا نبويا قبل الشروع في الخطبة و واحد و نصف لآخر مادحا و واصفا في المحفل نهار الجمعة على عادة أمثاله و 30 لثلاثين حافظا يختمون مجتمعين ختما بجامعه بعد صلاة الصبح و 2 لحافظ يقرأ سورة يس بعد صلاة الفجر و سورة الملك بعد الظهر و سورة عم بعد العصر و 5 لكاتب أمين و أربعة لجاب و 3 لبواب بجامعه و 8 لفراشين و قيمين و 2 لمنقط يتفقد أحوال الموظفين و يحفظ الربعة و يبخر في كل يوم جمعة بنوع من الطيب و 1 لقنوي يسوق الماء إلى الجامع كل يوم و واحد و نصف لبستاني يباشر خدمة جنينة الجامع و 2 لمباشر عمل الوقف و 3 لمعلم أطفال في المكتب المذكور و 2 لخادم الطهارة و 1 لقنوي يسوق الماء كل يوم إلى الحمام المتقدم ذكره و يصرف في كل سنة 2134 عثمانيا لقراءة المولد النبوي‏

____________

(1) قرية دمرة من القرى العامرة في قضاء غزّة و هي اليوم مغتصبة من قبل العدو الصهيوني كغيرها من أرض فلسطين.

44

في الليلة الثانية عشرة من شهر ربيع الأول بالجامع المذكور بحيث يطبخ للمحاضرين و يطعمون و ثمن 275 رطلا زيتا لتنوير الجامع داخلا و خارجا و تنوير الطهارة و ثمن 80 رطلا زيتا و شمعتين و زنهما 30 رطلا خاصة لرمضان و ثمن شمع عسلي صغار لتنوير الجامع في الشهر المذكور و 120 عثمانيا ثمن قناديل و 200 ثمن صابون و قطن للقناديل و 100 ثمن بخور يحرق بالجامع ثم ما فضل عن هذا كله يصرف لأولاده للذكر مثل حظ الأنثيين ثم إلى أولادهم و أولاد أولادهم إلخ و أن تكون التولية لنفسه و بعده فللأرشد فالأرشد من ذكور أولاده و أولاد أولاده إلخ فإذا انقرضوا فللأرشد فالأرشد من ذكور عتقائه فإذا انقرضوا فللأصلح من عتقاء والده مصطفى باشا المتوظفين في حلب ثم للأصلح من عتقاء أخيه رضوان باشا و بانقراضهم فللحاكم الشرعي بحلب أن ينصب بمعرفة أصحاب الوظائف متوليا مستقيما و على المتولي أن يرى حساب الموظفين في رأس كل عام و يعزل كل من يلزم عزله و ينصب في محله و لا يكون أمر محاسبة وقفه لغير المتولي من القضاة و الحكام و لا يعطي أحدا شيئا من زيادة الوقف على سبيل الترقي عما يعين له و أن ينصح المقصر في خدمته ثلاث مرات و يعزله في الثالثة إذا لم يرتدع و شرط لنفسه الزيادة و النقص و المنع و الإدخال و أن لا يؤجر وقفه من ذي شوكة، و أنه إذا توفي بحلب يدفن بحضرة الشباك الأول من الجانب الشرقي بجامعه و أن يكون مدفن أخيه بجانبه. كتبت هذه الوقفية بتاريخ 20 ربيع الأول سنة 919 قلت إن الأوقاف التي وقفها على هذا الجامع في مصر و غزة منقطعة عن وقفه الآن و لا نعلم لأي جهة تجبى و قد حدث في الجامع بعض تغيرات منها المنارة فإنها انهدمت و جددت سنة 1111 كما تدل عليه أبيات منقوشة على بابها قد اشتمل كل شطر منها على تاريخ و هي (ليحيى الحلبي العقاد) مذكورة في ترجمته و مطلعها:

قامت فصادمها السحاب بمرّه‏* * * و سمت بقدّ قدّ كل مشاد

و هذه المنارة مدورة الشكل على نسق منارات جوامع الروم و يبلغ ارتفاعها عن سطح صحن الجامع 45 ع تقريبا و منها قبة القبلية فإنها انهدمت و أعيدت قبة صغيرة مشادة على عضادتين، و منها الحوض في صحن الجامع فإنه في حدود سنة 1300 هدم و أعيد حوضا مكشوفا مربعا يبلغ 11 ع في مثلها في عمق ذراع تقريبا، و منها انسداد بابه الغربي و تعطيله لتعطيل الجادة التي تجاهه و منها تعمير بيت القهوة في الجانب الغربي من الحمام الكائن بالمحلة الجديدة في علوه و عدة دكاكين في أسفله ألحقت بالوقف المذكور سنة 1308 و من الأوقاف‏

45

المشروطة لهذا الجامع بعد انقراض ذرية الواقف وقف السيد قاسم فنصه و هو وقف حافل تاريخه سنة 1231 و له آخر شرطه على الفقراء بعد انقراض ذريته تاريخه سنة 1226.

المدرسة الأحمدية (1)

هذه المدرسة في زقاق بني الجلبي و كان هذا الزقاق يعرف بدرب السبيعي نسبة إلى الحسن بن أحمد بن صالح الحافظ الهمذاني السبيعي الحلبي من أولاد أبي إسحاق السبيعي و أبو إسحاق له ترجمة في كلام الذهبي و غيره و كان حافظا متقنا رحالا عالي الرواية خبيرا بالرجال و العلل فيه تشيّع يسير توفي سنة 371.

أما واقف المدرسة المذكورة فهو (أحمد أفندي ابن طه أفندي ابن مصطفى أفندي) كان بنى مدفنا في هذه المحلة تجاه باب البهرامية الشرقي لوالده و دفن فيه، ثم بنى عمارة ملاصقة للمدفن المذكور مشتملة على سماوي فيه تربة و قبور مرخمة أعدها الواقف لنفسه و لأولاده و بجانب الباب حجرة لسكنى الخادم و البواب و يدخل من هذا السماوي إلى مدفن والده المذكور و إلى ساحة سماوية أخرى مرخمة بالرخام الأصفر بجوانبها الأربع رواقات بأعمدة من الرخام فالجانب الجنوبي الموجه شمالا به رواق ثلاث قباب راكبات على قناطر و عواميد من الرخام يدخل منه إلى مكان لطيف مبني بالنحيت و هو مسقوف بقبة من النحيت، هو مسجد و مدرسة تدرس فيه أنواع العلوم كل يوم في صدره محراب من الرخام الأصفر فيه شباكان مطلان على الرواق المذكور و يدخل من المسجد المذكور لحجرة كبيرة معدة لوضع الكتب لها شباكان مطلان على الرواق المذكور و شباكان على المدفن المتقدم ذكره و يلاصق المسجد المذكور حجرة جدرانها و سقفها نحيت و بهذا الرواق تسع حجرات أخرى و مطبخ للطعام يطبخ فيه من شاء من المجاورين و يغسلون ثيابهم و فيها أيضا جب ماء معين في الحائط الشمالي و قسطل و مطهرتان و بوسط هذه الساحة حوض ماء بجانبه صهريج نافذ مجراه إلى السبيل الآتي ذكره الملاصق هذه المدرسة من طرف الشمال يجري الماء للقسطل و الحوض و الصهريجين من قناة حلب بحق شرعي و في شرقي الرواق القبلي درج مقبو بالحجارة يصعد منه إلى أسطحة الأماكن المذكورة و بنى الواقف السبيل الملاصق مدرسته من جهة الشمال في وسط السوق و جعله بباب و شباك كبير له صهريج نافذ مجراه‏

____________

(1) المدرسة الأحمدية بناء جميل من العهد العثماني، تعود إلى القرن السابع عشر.

46

إلى سبيل المدرسة كما قدمناه، و في الشباك المذكور جرنان من الرخام الأصفر يوضع فيهما الماء من الصهريج، و أباحه لشرب الناس كافة بالأواني في أي وقت أرادوا، و نقله المحدود جميع ذلك مع مدفن والده قبلة بداره التي هي من جملة الوقف و شرقا بالقاسرية الموقوفة أيضا و شمالا بظهر دكاكين السوق الجاري بعضها بالوقف و إليه باب السبيل المذكور و شباكه و غربا بالإصطبل الجاري بالوقف و تمامه بالطريق و إليه باب المدفن و المدرسة.

أوقافها

وقف لها دارا بهذه المحلة كانت تعرف بدار السيد سعدي لصيق المدرسة و المدفن، و هي حرم و منزول، محدودة من الجهات الثلاث بدور الواقف و مدرسته و من الجهة الغربية بالطريق و أربع دور ملاصقة، الدار الأولى محدودة قبلة بدار الأوطه و تمامه مخزن كان يعرف بدار السيد لطفي و شرقا بزقاق حمام عتاب‏ (1) و شمالا بفرن السيد حسن الحموي و تمامه بدار الواقف و غربا بطريق سالك و قاسارية (2) لصيق المدرسة من شرقيها و أربع دكاكين ملاصقات مدرسته من شماليها في سوق الهوى على صف سبيله و بيت قهوة تجاهها هي القهوة الجديدة و اصطبلا ملاصقا المدرسة من غربيها فوقه ثلاث حجرات من شمالي مدرسته و دارا في هذه المحلة شمالي حمام عتاب غربي الطريق جنوبي دار الوقف و قاسارية فوق اصطبلين و دكاكين تابعات خان أبرك‏ (3) بمحلة جب أسد اللّه تجاه الخان و فرنا في هذه المحلة غربي اقميم حمام الخواجه و دارا تتصل به و خانا شرقي المدرسة الجاولية (4) و دكاكين بزابوق البالستان المعروف إذ ذاك بسوق القصبجية و ثلاث دكاكين في سوق القاوجية (5) شمالي ظهر سوق الذراع و دكانا بسوق الباطية و أخرى بسوق البالستان بظهر سوق الصاغة و فرنا بمحلة شاهين بك قرب قسطل العوينة (6) و دارا متصلة بالفرن المذكور من شماليه و قاسرية

____________

(1) حمام عتّاب من أوقاف بني الحسبي بالقرب من خان الشيباني.

(2) قاسارية أو قاسرية و هي الخان الكبير الذي يشغله جماعة من التجار.

(3) خان أبرك يسمى أحيانا خان القصابية لأنه يقع في سوق القصابيه بناه الأمير أبرك عام 916 ه و هو اليوم بمحلة جب أسد اللّه.

(4) تقع هذه المدرسة في محلة وراء الجامع بناها محمود بن عفيف الدين عام 566 ه، و رممتها دائرة الأوقاف بعد خراب عام 1300 ه.

(5) سوق القاوجية ربما كان السوق الذي يعرف بسوق البلستان.

(6) قسطل العوينة مندثر الآن.

47

في المشاطية قرب خان البصل و بيت قهوة في هذه المحلة في الصف القبلي من سوقها و غربي القاسارية المذكورة و تمامه دكاكين وقف جامع المشاطية و تسعة قراريط و ثلاثة أخماس القيراط من قاسارية الزكي إنشاء والد الواقف خارج باب النصر تجاه الزكي شمالي خان عصيص‏ (1) و مطهرات الجامع و قبلي زاوية البعاج‏ (2) و دكانا بالزقاق المبلط تجاه قسطل ابشير باشا و أربعة عشر قيراطا و أجزاء من قاسارية الشيخ طه خارج باب النصر بمحلة الصليبه شرقي قاسارية عمر أفندي و خمس دكاكين تحتها و دكانا باتصالها من طرف الشمال شمالي فرن عمر أفندي و بيت قهوة في ساحة الجديدة تجاه خان ابشير باشا غربي دكاكين وقف مسجد عمر أفندي و قاسارية السيسي قرب القهوة المذكورة و دكان بيطار في الساحة المذكورة و أخرى تعلوها و ثلثي بستان الشيخ طه بخط النصيبي ملاصقا جسر المعزي و البستان الجديد خارج باب أنطاكية لصيق الدباغة في شماليها و شمالي خان العفص و غربيه و غربي حمام الويوضي‏ (3) وقف إبراهيم خان و قبليها و بستان الكهف بخط النصيبي و بستان الكادك قرب جسر الأنصاري شمالي طاحون الجور باجي و المرجه و قبلي طاحون العزيز و هو طاحون مغلطاي و مصبنة في إدلب الصغرى فيها قدران و ثلاثون جبا و مصنع و ثلاثة مباسط شرقي حمام عمر بك.

شروطه المتعلقة بمدرسته‏

شرط بعد التعمير و الترميم أن يدفع كل يوم من العثمانيات الفضية، المساوي كل مائة و عشرين منها قرشا واحدا، أربعون لمدرس بمدرسته عالم بالمعقول و المنقول من صلحاء أكراد ما وراء الموصل من صنجق كوي أو من صنجق بابا أو من صوران أو من غيرهم من تلك الديار و يقرأ الاثنين و الخميس تفسيرا و في بقية الأيام إلا يوم الجمعة ما اختاره من العلوم لإفادة المجاورين بمدرسته و غيرها و إن لم يوجد في حلب من يستحق أن يكون مدرسا فينيب المتولي عنه أحد علماء البلدة إلى أن يوجد من علماء الأكراد من يستحقها و 4 عثمانيات للمدرس ليقرأ الدلائل عند قبر والده يوم الجمعة و 10 لأرشد ذريته ليقرأ

____________

(1) خان عصيص: يعتقد أنه خان القصابية و قد سمي بخان عصيص لأن تاجرا يهوديا اسمه توفيق عصيص كان يشغله.

(2) زاوية البعاج و كانت تعرف بالزاوية الوفائية تقع في محلة باب النصر بحارة الطبلة في شارع الزكي و هي بحالة جيدة كما يقول طلس (الآثار الإسلامية 244).

(3) حمام الويوضي و يقع في محلة باب أنطاكية.

48

الحديث في مدرسته يوم الجمعة و الثلاثاء و له أن يستنيب إن لم يكن أهلا و 10 لحنفي يقرأ في مدرسته يوم الأربعاء و الأحد و 4 لثلاثة معيدين، و لكل مدرس أن يختار له معيدا و شرط أن لا يكون المجاورون في حجر مدرسته العشر من الجهات التي اشترط أن يكون المدرس منها و متى تزوج المجاور سقط حقه و كذا لو صدر منه ما يخالف الشرع و الشروط و لم يزدجر فيخرجه المدرس بإذن المتولي و لكل مجاور في اليوم 8 عثمانيات و عليه أن يحضر الدروس المذكورة و يقرأ كل يوم في المدفن و المدرسة جزءا من القرآن العظيم.

و شرط أن يدفع كل يوم أيضا 60 عثمانيا لعشرين قارئا يقرءون كل يوم عشرين جزءا في المدفن و المدرسة و إذا تخلف أحدهم و لو يوما يقرأ عنه أحد ملازمي المدرسة أو أحد مجاوريها و يقبض معلوم ذلك اليوم و الناظر على المجاورين و القراء هو المدرس و أن يدفع يوميا 20 عثمانيا لكناس المدرسة داخلا و خارجا و خادم سبيله و 20 لبواب و شعال و خادم التربة لتوزيع الربعة على القراء و حفظها و فتح باب المدفن لمن أراد الزيارة و لقارى‏ء الدلائل و 4 لقنوي المدرسة و السبيل و 80 لكاتب في وقفه و 20 للجابي و أن يشتري في كل شهر أربعة أرطال زيتا لثلاثة قناديل في المسجد و المدرسة توقد مساء و صباحا و قنديل في مدفن والده طول الليل و آخر في المطهرة و أن يدفع كل يوم 4 لشراء القناديل و لوازمها و المكانس و الأباريق و يؤخذ من غلة الوقف القدر الكافي للصهريج و السبيل و لوازمها و شرط لنفسه الإدخال و الإخراج و الزيادة و النقصان دون غيره و أن يختص توجيه الوظائف بالمتولي و أن يكون للمكتبة التي وقفها حافظ أمين يفتح باب المكتبة يوم الأحد و الاثنين و الأربعاء و الخميس لمراجعة طلاب العلم بحيث لا يخرج كتاب خارج المدرسة مطلقا و من أراد استكتاب شي‏ء فله ذلك في المكتبة و للمجاورين أن يأخذوا منها إلى حجرهم بكفالة المدرس و يومية هذا الأمين 20 عثمانيا حررت في 25 رمضان سنة 1166.

أقول ما كتبناه في هذه المدرسة حتى الآن هو خلاصة الوقفية الأولى. و هناك وقفية ثانية وقف فيها خان العبسي الكائن في قرب خان البرغل في سوق النحاسين تجاه جامع العادلية و بعض عقارات في انطاكية و غير ذلك و شرط فيه بعض الشروط و أما الوقفية الثالثة فخلاصتها أنه وقف فيها في محلة الجلوم دكانا في سوق الهواء و دارين و فرنا و دكانا في المصابن تجاه خان الزيت و في القصيلة دكانا و بيت قهوة الدرج و مدارا و في شاهين بيك أربع دكاكين‏

49

و عدسة و في داخل باب النصر دكانا شمالي مسجد المضماري‏ (1) و في بانقوسا أربع دكاكين و في شمالي الشميصاتيه قرب قسطل العقرب مدارا و مصبغة الريش في محلة عنتر بقسطل الزيتون و قاسارية في الألماجي و دكانا في المرعشلي و مخزنا لصيق أوج خان في غربيه و سبع دكاكين في محلة الأكراد و دكانا في قسطل الحرامي و دكانين في بندرة البيطار و مصبغة في زقاق الغوري من حساب جسر الكعكه و دارين بساحة الجمال من حساب جسر الكعكه أيضا و أربع دكاكين متلاصقات تجاه جامع الزكي بالصف الشرقي قرب سبيل محرم و أربع أخرى تجاه باب النصر و الخندق و بيت قهوة خارج باب النصر شرقي الخندق و دكانا تجاه القهوة المذكورة و دكانين متلاصقتين في بوابة أم بطرس بالزقاق المبلط و دكانا هناك من حساب الشمالي و دارا هناك من حساب زقاق العطوي و دارا للروباص‏ (2) في العطوي الكبير شمالي جنينة ابن قمر و بعض قاسارية في الصليبة من زقاق توما و ثلاث دكاكين متلاصقات تحت مساكن القاسارية و ست دكاكين علوية و سفلية في ساحة الجديدة و أربع دكاكين متلاصقات في الصف الشمالي من عبد الحي و دكانا على صفها و مصبغة حرير و عدسة و خمس دكاكين علوية و سفلية في الزقاق المذكور و حماما في قرية بابلي‏ (3) و بستان الطلق قربها و غير ذلك من الأراضي و البساتين في ناحية بعادين‏ (4) و قد شرط في هذه الوقفية أن يزاد في كل يوم 60 عثمانيا للمتولي و 20 لمدرس التفسير و المواد و 6 لمدرس الحديث و 6 لمدرس الفقه.

و زاد لكل مجاور في اليوم مائة و ثمانين درهما خبزا و عثمانيين و شرط عليهم أن يقرءوا سورة الكهف جهرا في مدفن والده بعد صلاة الجمعة و يعقبوها بتلاوة كلمة التوحيد سبعين ألف مرة و يهدون ثواب ذلك على الصيغة المعلومة. فجملة ما لكل مجاور يوميا عدا الخبز عشرة عثمانيات و شرط أن يدفع في كل يوم من العثمانيات 42 لأربعة عشر قارئا يقرأ كل واحد منهم جزءا في المدفن المذكور و من يتخلف منهم يقرأ جزءه أحد ملازمي الحجرات و يأخذ يوميته و أن يدفع في كل يوم 4 عثمانيات لرجل يتلو دلائل الخيرات يوم الجمعة في‏

____________

(1) هو مسجد قديم صغير لا يعرف له وقف.

(2) الروباص يطلق على الفضة الخالصة عيار 100، و الألتنجي يسحب منها خيوط الفضة، كما يطلق على نوع من النبات تنقع جذوره و يشرب ماؤه.

(3) من قرى حلب و هي إلى الشمال منها و يكتبها بعضهم أحيانا «بابلا» و تسمى اليوم «باب اللّه».

(4) بعادين من قرى حلب تشتهر بحجارتها التي تسمى الحجارة البعادينية.

50

المدفن المذكور عند قبر والدة ابنه و أن يدفع في كل سنة اثنا عشر قرشا لخادم المصنع الذي أنشأه ولده محمد أفندي بالقرب من قرية الأنصاري من طرف القبلة و أن يصرف على هذا المصنع من غلة الوقف ما يحتاجه من التعمير و الترميم و أن يدفع يوميا 5 عثمانيات للمؤذن في مدرسته و جامعه في الأوقات الخمسة و 5 لقيم ثان في مدرسته و 10 لمعاين ثان على مرمات وقفه و جباية ما كان منها في إدلب و انطاكية و غيرهما و زاد للقنوي ثلاثة عثمانيات و عين له في اليوم أربعة عثمانيات بمقابلة سوق الماء إلى القسطل الملاصق دار عمر أفندي في الجلوم الكبرى الذي أنشأته جدة الواقف الست منور بنت صالح أفندي الحكيم السلطاني سابقا فتكون جملة يومية القنوي 12 عثمانيا و زاد لكاتب الوقف المعين في الوقفية الأولى 10 و لحافظ الكتب 20 و شرط أن يدفع يوميا (6) لدرويشين في التكية المولاوية يقرءان فيها كل يوم جزئين و أن يدفع في كل سنة عشرة قروش للقارى‏ء سحرا في الجامع الكبير الأموي بحلب و أن يدفع يوميا 4 لموقت الجامع المذكور على أن يقرأ في كل يوم جزءا و ستون قرشا سنويا للشيخ محمد المواهبي شيخ الطريق القادري بحلب أحد خلفاء الشيخ قاسم الخاني و لخلفائه من بعده يصرف هذا المبلغ في طعام المختلين في زاوية الصالحية و غيرها على أن يتلو هو و تلامذته في سحر كل يوم من أيام الخلوة سبعين ألف مرة كلمة التوحيد و يقرءون بعد الظهر ختمة.

و على هذا المنوال يدفع سنويا أربعة و عشرون قرشا لشيخ تكية النسيمي أبي الصفا يصرف في كل سنة مائة قرش ليلة عاشوراء و المولد و المعراج و النصف من شعبان فيطبخ في كل ليلة منها الحبوب المعروف بالدبس و الهريسة باللحم و غيرهما و يطعم سكان المدرسة و أهل وظائفها و يفرق على الفقراء و أن يدفع في كل سنة أربعون ذهبا ذر محبوبا المقدر كل واحد منها بمائة و عشرة قروش (في ذلك الزمن) يدفع منها أربعة ذهبات لكل واحد من فاتح الكعبة و مؤذن الفجر على سطح زمزم و خدمة مقام إبراهيم (عليه السلام) و خدمة مكان ولادة نبينا (عليه السلام) و خدمة بئر زمزم و عشرة ذهبات لمؤذني الحرم المكي بينهم بالسوية و عشرة لخدمة الحرم كذلك و أن يدفع في كل سنة أربعون ذهبا أخرى للمدينة المنورة يدفع منها عشرة لكل من المؤذنين في الحرم و خدامه و خدام المرقد الشريف و خدام الحضرة الشريفة العبيد المعروفين بأهل الصفة فترسل هذه الذهبات و التي قبلها مع الصر الذي عينه ولده الأكبر محمد أفندي و توزع على أهلها بمعرفة قاضي مكة و المدينة و أن يدفع في كل سنة

51

عشرين ذهبا لعالم يقرأ الحديث بمدينة القدس الشريف في مسجدها الأقصى في الصخرة في رجب و شعبان و رمضان و يقرأ في بقية الأيام ما تيسر من الكتب و أن يدفع في كل سنة عشرون ذهبا لجميع خدام الأنبياء بمقام إبراهيم (عليه السلام) و يتلون في الأشهر الثلاثة المذكورة القرآن و يدفع في كل سنة ثلاثون ذهبا لمؤذني الحرم و خدمة البيت و توزع عليهم بمعرفة حاكم الشرع بمكة بشرط أن يقرأ كل مؤذن منهم بعد الأذان الفاتحة و المعوذتين و ثلاثون ذهبا لمؤذني الحرم النبوي على الشرط المذكور و ستة ذهبات لمؤذني مسجد القدس و سبعة لخدمة الصخرة و سبعة لخدمة المسجد على الشرط المذكور أيضا.

و على أن يتلو بالاجتماع خدمة المسجد الأقصى و الصخرة سبعين ألف مرة كلمة التوحيد في كل ليلة من عاشوراء و المولد و المعراج و النصف من شعبان و ليالي الأفراد من العشر الأخير من رمضان و أن يدفع خمسة و عشرون قرشا سنويا لشيخ الأخلاصية في التكية الكائنة بمحلة البياضة ليصرفها على طعام المختلين في الخلوة الأربعينية و يتلو هو و مريدوه سحر كل ليلة من الخلوة سبعين ألف مرة كلمة التوحيد و على هذا المنوال يدفع سنويا ثمانية و أربعون قرشا لشيخ تكية القرقلار (1) قرب دار الواقف و ثلاثون قرشا لشيخ تكية أبي بكر خارج حلب و ثلاثون لشيخ تكية الكاشنية (2) في حلب و خمسة و عشرون قرشا لشيخ زاوية الهلالية بالجلوم و أربعة و عشرون لشيخ تكية العقيلية بالمحبي و مثلها لشيخ تكية براق بمحلة الشيخ براق المدفون تجاهها الشيخ المذكور و ستة قروش لمؤذن الصوم في منارة الجامع الكبير المعروف بالريّس و ستة قروش للمؤذن الأول في المنارة المذكورة و اثنان و سبعون قرشا للاثني عشر مؤذنا بالمنارة المذكورة و مثلها لمدرس على كرسي بالجامع الكبير يعلم الناس أحكام الفطرة و الأضحية على المذهب الشافعي و الحنفي في يوم التروية و آخر يوم من رمضان و خمسة و أربعون قرشا لخمسة يقرأ كل واحد منهم جزءا بعد صلاة الظهر تجاه مرقد زكريا (عليه السلام) و أربعة و عشرون قرشا لقارى‏ء سورة الكهف و دلائل الخيرات و شوارق الأنوار بعد صلاة الجمعة في سراي سكنى الواقف بمحلة الجبيلة و بعد موت الواقف يقرأ ذلك في مدفن والده طه أفندي لصيق مدرسة الواقف و أن يدفع في كل سنة ستة قروش لقارى‏ء أمة خير

____________

(1) القارقلار أو القرقلر و هي تكية بمحلة الفرافره و هي تكية حسنة البناء و سميت كذلك لأنها مقر الأربعين وليّا.

(2) الكلشنية (تكية).

52

الأنام في الجامع الكبير في رمضان تحريرا في خامس ذي الحجة عام ثمانية و سبعين و مائة و ألف.

أقول: ضاع كثير من هذه الأوقاف و معظم الوظائف الخيرية التي اشترطها الواقف خارج مدرسته معطلة لا تصل إلى أهلها غير أن المدرسة و الجامع و ما يتعلق بهما جارية شروطهما على أحسن ما يرام.

مكتوب على باب المدفن الذي يلي الزقاق: (أنشأ هذه العمارة المباركة مسجدا و مدرسة و تربة عمدة الموالي العظام جناب السيد أحمد أفندي ابن العارف بالله الشيخ السيد طه أفندي الشهير بطه زاده) و على باب مدفن والده:

(تغمد اللّه طاها* * *. برحمة لا تناهى.

فقد سما باجتهاد* * *. و طال عزا و جاها

و مذ قضى حل أرخ‏* * *. بجنة الخلد طاها)

سنة 1136 و على باب المدرسة:

مدرسة للمذهب النعماني‏* * * و مسجد لطاعة الرحمن‏

يقرا بها التفسير و الحديث و ال* * * آلات مع عقائد الأيمان‏

أنشأها صدر الموالي أحمد* * * هو ابن طه عارف الزمان‏

و في جواره أشاد تربة* * * بشرى صلاح الحال للجيران‏

فإنه يجزى على أعماله‏* * * منازل الرضوان في الجنان‏

أوقفها للاشتغال أرخوا* * * بالفقه و الحديث و القران‏

سنة 1165 و على باب القبلية:

قد بنى أحمد بن طه محلا* * * لدروس المنطوق و المفهوم‏

و بنور التوفيق قد تم أرخ‏* * * مسجد شاد للتقى و الدين‏

سنة 1165

53

البيمارستان النوري‏ (1)

هو لصيق البهرامية من جنوبيها الشرقي بناه نور الدين (محمود) بن زنكي و قد تقدم إلى الأطباء أن يختاروا من حلب أصح بقعة هواء فذبحوا خروفا و قطعوه أربعة أرباع و علقوها بأربعة أرباع المدينة ليلا فلما أصبحوا وجدوا أحسنها رائحة ما علق منها في هذا الربع فبنوا البيمارستان فيه مكتوب على نجفة بابه أنه عمره نور الدين بتولي ابن أبي الصعاليك و كان فيه قاعة للنساء مكتوب عليها (عمر هذا المكان في دولة السلطان صلاح الدين يوسف ابن العزيز محمد بتولي أبي المعالي محمد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم بن العجمي الشافعي في شهر رمضان سنة 655)، و على إيوان فيه أنه عمر في أيام الأشرف شعبان و أن هذا الإيوان و قاعة النساء الصيفية أنشأهما سبط ابن السفاح. و على الشباك الذي على بابه أنه أحدث سنة 840 على يد الحاج محمد المارستاني.

و كانت قاعة المنسهلين سماوية فسقفها القاضي شهاب الدين بن الزهدي. وقف نور الدين على هذا البيمارستان قرية معرايا و نصف مزرعة وادي العسل من جبل سمعان و خمسة أفدنة من مزرعة كفرنايا و ثلث مزرعة الخالدي و طاحونها من المطخ و ثمن طاحون عريبه ظاهر باب الجنان و ثمانية أفدان من مزرعة أبي مدايا من عزاز و خمسة أفدان من مزرعة الحميره من المطخ و اثني عشر فدانا من مزرعة الفرذل من المعرة و ثلث قرية بيت راعل من الغربيات و عشر دكاكين بسوق الهواء منها ثلاثة بتمامها و الباقي شركة الجامع الكبير و أحكارا ظاهر باب أنطاكية و باب الفرج و باب الجنان.

نقل ابن حجر بعض كلمات في تقريظ هذا البيمارستان لعلاء الدين أبي الحسن علي الحنبلي فأحببت نقلها و هي (و صفت مشارب الضعفاء بعد الكدر و سقاهم ربهم شرابا طهورا، و تلي لمن سعى لهم في ذلك و جزى بالخيرات: إنّ هذا كان لكم جزاء و كان سعيكم مشكورا. و دار شراب العافية على تلك الحضرة بالطاس و الكاس. و حصل لهم البرء من تلك البراني التي يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس. و دبت الصحة

____________

(1) البيمارستان النوري خراب اليوم لم يبق منه إلا واجهته. و تقوم مديرة الآثار اليوم بدراسته من أجل ترميمه يعتبر البيمارستان من أقدم البيمارستانات في العالم العربي و الإسلامي كما تعتبر واجهته من أجمل الواجهات المعمارية في العالم الإسلامي.

54

في مفاصل ضعفائهم و قيل لهم جوزيتم بما صبرتم. و امتدت مقاصيرها و فتحت أبوابها و قال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم).

أقول: هذا البيمارستان في أيامنا معطل مائل للخراب بل داخله خراب قد صارت حجراته تلالا و لم يبق منها إلّا بعض حجر متشعثة متوهنة يسكنها بعض العبيد العتقاء و قد استولى بعض الناس على قطعة عظيمة من جهتهه الجنوبية و أدخلها في العمارة المعروفة بالباكية (1) و قد ضاعت أوقافه و دخل بعضها في أوقاف الجامع الكبير.

مكتوب على بابه (بسم اللّه الرحمن الرحيم أمر بعمله المولى الملك المالك العادل المجاهد المرابط الأعز الكامل صلاح الدنيا و الدين قسيم الدولة رضي الخلافة تاج الملوك و السلاطين ناصر الحق بالبراهين محيي العدل في العالمين قامع الملحدين قاتل الكفرة و المشركين أبو القاسم محمود بن زنكي بن آق سنقر ناصر أمير المؤمنين أدام اللّه دولته بمحمد النبي و اله بتولي العبد الفقير إلى رحمة مولاه عتبة بن أسعد بن الموصلي).

تنبيه: كان بحلب بيمارستان آخر قديم معروف ببني الدقاق ثم دخل في دار سودون الدوادار التي كانت غربي الحلاوية و كان يسكنها أركان الدولة، و كان على باب الجامع الكبير الشمالي بيمارستان له بوابة عظيمة ينسب لابن خرخان و هو معطل يسكنه بعض الفقراء و كان قرب البيمارستان النوري خانقاه أنشأتها الصاحبة فاطمة خاتون بنت الملك العادل المتوفاة سنة 656 قد كتب عليها (وقفت هذه الخانقاه فاطمة بنت الكامل محمد بن العادل بن أبي بكر بن أيوب على الفقيرات المقيمات بها و إظهار الصلوات الخمس و المبيت فيها) و وقفت عليها كفر تعال من جبل سمعان.

مسجد الشيخ عبد اللّه‏

محله البيمارستان النوري المتقدم ذكره طرفه الشرقي معلق على جدار ملاصق جدار دار كانت لبني طه زاده و هي الآن جارية بتصرف بيت صولا أحد و جهاء الطليان المسيحيين و الطرف الغربي معلق على جدار عمارة المار كوبلي المعروفة بالباكية و ذكره في كنوز الذهب‏

____________

(1) ربما يعني البائكة و هي المخزن الكبير و تعني معماريا مجموعة من الأعمدة على خط مستقيم موصولة بأقواس من أعلاها لتحمل السقف.