نهر الذهب في تاريخ حلب‏ - ج3

- كامل بن حسين الحلبي الغزي المزيد...
640 /
5

[الجزء الثالث‏]

كلمة لا بد منها

بهذا الجزء الثالث من «نهر الذهب» ينتهي الكتاب، و قد تأخر ظهوره قليلا بسبب عزم الناشر على طباعة الكتاب بطريقة التنضيد الضوئي بدلا من طريقة التصوير التي تبقي متن الكتاب كما كان عليه قبل سبعين سنة خلت. و هكذا قمت بتحقيق الجزء الأول و مراجعته و التعليق عليه. كما قام الدكتور شوقي شعث بمثل ذلك في الجزء الثاني، على ما تقتضيه الطرائق العلمية.

هذا، و قد تابعت العمل في هذا الجزء الثالث- الذي ينتهي به الكتاب- بالطريقة نفسها التي سرنا عليها في الجزءين السابقين، و حرصت على تقسيم المتن إلى فقرات رئيسية، و على الاهتمام بعلامات الترقيم في مواضعها المناسبة، لأن الكتاب أصلا يكاد يخلو منها.

و قد تكونت لديّ خلال ذلك جملة من الملاحظات المتعلقة بهذا الجزء خاصة. رأيت ذكرها ضروريا، و أنا أجملها فيما يلي:

1- يلاحظ القارئ ضخامة الجزء الثالث، بالقياس إلى سابقيه، و سبب ذلك أن المؤلف- (رحمه اللّه)- تحدث فيه عن تاريخ حلب و الحوادث التي طرأت فيها منذ الفتح الإسلامي، سنة سنة، على طريقة الطبري و ابن الأثير في تاريخيهما، حتى سنة 1338 ه، الموافقة لسنة 1920 م. زد على ذلك أنّ المؤلف استطرد كثيرا إلى ذكر حوادث لا تتصل بتاريخ حلب، مثل كلامه على الإنكشارية، و أسباب الزلازل، و الحرب العامة «الأولى»، و تاريخ بني عثمان، و الدولة الفرنسية. و كذلك إفاضته في الكلام على الحوادث التي عاصرها، أو كانت قريبة من عصره.

2- في هذا الجزء أغلاط مطبعية كثيرة، غير ما ذكره المؤلف في جدول إصلاح الغلط، المثبت في آخر الجزء. و بعضها كان ترخصا من المؤلف في الكتابة، و عدم الالتزام بطريقة واحدة في الرسم.

6

و قد صححت الأغلاط المطبعية و الإملائية كلها، و لكني لم أشر في الهوامش إلا إلى المهمّ منها. أما ما كان من أسلوب المؤلف في الكتابة، و من لغته و إنشائه، فقد أبقيته كما هو؛ لأن المؤلف أشرف على طباعة الكتاب بنفسه فهو بمنزلة النسخة الخطية الخاصة به.

و لذا علقت على تلك المواضع، أو أشرت إليها، لئلّا يظن القارئ أنها أغلاط مطبعية.

و لم أبدّل في النص أو أتصرف فيه إلا إذا كان شعرا مضطرب الوزن، أو كان نثرا منقولا، أصابه التحريف أو النقص في النقل، فعندئذ أقوّم الوزن أو أصلح التحريف و النقص بعد العودة إلى المصدر الأصلي، مع الإشارة إلى ذلك في الهوامش. و قد وضعت بين مربعين ما زدته من أجل تقويم النص و استقامة التركيب.

3- ينفرد هذا الجزء الثالث بأن المؤلف أثبت فيه بعض الحواشي، و هي قليلة، فذيلتها بكلمة «المؤلف» لئلا تختلط بغيرها مراعاة للأمانة العلمية.

4- لا يلتزم المؤلف برسم واحد معتمد لأعلام المدن و الأشخاص، أو للكلمات الأعجمية، فتقرأ في هذا الجزء مثلا: «الإنكشارية، و اليكجرية» و هما اسمان، أو لفظان، لمسمّى واحد، و كذلك بلدة «أدنة» التركية، ترد عنده بعدة أشكال أخرى:

«أذنة، آذنة، أطنة ...». و مثل ذلك: «الأرناووط، الأرناوود، الأرناود، الأرناوط» و «طولمبة، طلنبة» يعني المضخّة ... إلخ. و قد تركت ذلك كله على ما هو عليه و اكتفيت بالإشارة إليه هنا، بغية الاختصار، و إزالة لما قد يعتري القارئ من شكّ أو التباس، إزاء تعدد الصور في رسم الكلمة الواحدة.

5- بعض الكلمات الغريبة- و هي قليلة جدا- كانت تتكرر في صفحات هذا الجزء، فكنت أعيد شرحها ثانية باختصار بدلا من الإحالة على صفحة سابقة، خدمة للقارى‏ء المتعجّل.

تلك هي جملة الملاحظات التي بدت لي في هذا الجزء. و اللّه الهادي إلى سواء السبيل.

حلب 5/ 12/ 1991 محمود فاخوري‏

7

[مقدمة المؤلف‏]

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه الباقي و كل ما سواه فان، المحيط واسع عمله بما يكون، و ما قد كان، و الصلاة و السلام الأتمّان الأكملان على خيرة بني الإنسان و تابعيهم بإحسان، ما توالى الجديدان و تعاقب الحدثان.

و بعد، فيقول العبد الفقير إلى اللّه كامل بن حسين بن محمد بن مصطفى الغزّي البالي الحلبي: هذا هو الجزء الثالث من كتابي (نهر الذهب في تاريخ حلب) و هو الجزء الضّامّ بين دفتيه الباب الثاني المخصص بذكر ما طرأ في مدينة حلب و بعض أعمالها و ما نشأ فيهما من الحوادث و الكوارث التي هي تنقّل الدول و تبدّل الحكام و الحروب و الزلازل و الصواعق و الحرائق و الأوبئة و الطواعين و الفتن و القحط و الغلاء و المجاعات، و غير ذلك من الكوائن و النوازل المعدودة من غرائب الأمور و عجائب المقدور.

افتتحت هذا الباب بإجمال أشرت به إلى الأمم التي أوطنت حلب و أصقاعها، و الدول التي تولتها قبل الفتح الإسلامي. و أعقبته بإجمال آخر ألمعت به إلى الدول و الرجال الذين تولوا حلب و حكموا فيها بعد الفتح. ثم أتيت بفصل ذكرت فيه خلاصة من خبر فتحها عن يد المسلمين. ثم أفضت بذكر ما كان فيها و في بعض أعمالها من الحوادث في زمن كل دولة من الدول التي تولت أحكامها مرتبا إياها على السنين، بادئا بذكرها منذ سنة (16) ه منتهيا منها بالسنة التي يصدّ فيها القلم عن شوطه صادّ محكم و قضاء محتّم.

و كنت أعددت لهذا الباب مسودة يربو مجموعها على ألفي صحيفة، نحوت بها منحى الإسهاب و الإطناب، ثم عدلت عن هذا المنحى إلى سبيل الإيجاز و الاختصار إرضاء لأكثر الناس الذين تميل رغباتهم إلى الوجازة و تملّ من الإطناب و الإطالة. و من اللّه أستجدي الإمداد و أستهدي بنور هدايته إلى سنن الرشاد و السداد.

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

إجمال في ذكر الأمم التي أوطنت حلب و أصقاعها و الدول التي تولتهما قبل الفتح الإسلامي‏

أول من أوطن هذا الصقع الآراميون، أي بنو آرام بن سام، و هم الكلدان ثم السريان.

و في أثناء وجودهم في هذا الصقع كان فرار الخليل من النمرود فجاء إلى حلب و بقي فيها مدة ثم قصدت حلب إحدى طائفتي الحثيين، و هم من ولد حث بن كنعان، رابع أبناء حام، و كانوا يسكنون جبال أمانوس فتغلبوا على الآراميين و طردوهم من صقع حلب و أسسو في هذه النواحي مملكة قوية كادت تضاهي المملكة المصرية في وقتها.

و الحثيّون مختلف في جنسيتهم: فالجراكسة يزعمون أنهم هم الحثيّون، و بعضهم يرى أنهم هم اللاتين، و من الناس من يزعم أنهم عرق تاتاري. و اللّه أعلم.

امتدت سطوة الحثيين إلى جميع سوريا و الجزيرة و بلاد اليونان و آسيا الصغرى و بلاد إيطاليا و تغلبوا على مصر. و يقال إن الملوك الرعاة فيها كانوا منهم. ثم إن ملوك مصر تغلبوا على الحثّيين في هذه الجهات و ملكوها منهم، و هم تدمس الأول و تدمس الثاني، و ذلك قبل الهجرة المحمدية بنحو 3708 سنة، أو أقل بنحو 15 سنة. و من آثار أولئك المصريين في حلب الحجر الأسود المحرر بقلم الهيروكليف بجدار جامع القيقان الذي أشرنا إليه في الكلام على محلة العقبة في الجزء الثاني.

ثم إن الحثيين حاربوا المصريين و أخرجوهم من حلب و أصقاعها، فمشى عليهم تدمس الثالث و ملك منهم صقع حلب و غيرها من بلاد سوريا فصالحوه على ما ملكه من بلادهم.

و بقيت بأيديهم إلى أن نقضوا الصلح في أيام رعمسيس الثاني فقصدهم مع من اجتمع إليه من سكان سوريا و تألب عليه بقية ملوكها و حشدوا لقتاله جيشا جرارا كان منه مع ملك حلب فقط ثمانية عشر ألف مقاتل. و نشبت الحرب بين الفريقين قرب بحيرة قادس أو

10

قدس، و هي بحيرة حمص، فكان الظفر لرعمسيس، و تمزق جيش الحثيين و غرق الكثير من حاميته. و كان من جملة الغرقى ملك حلب غير أنه نشل من الماء و نكس فعاودته الحياة.

ثم وقع الصلح بين الأمتين و بقي صقع حلب في يد الحثيين إلى أن اكتسح خلفاء موسى أريحا و سبوا و أحرقوا و خربوا ثم فتحوا عمان فارتفعت العماليق إلى أرض سوريا و هي قنسرين و تغلبوا على مدينة حلب و اتخذوها حصنا لهم و ما برحوا منها حتى قصدهم إيواب ابن سيرويا وزير داود و أخذها منهم، و ذلك قبل الهجرة المحمدية بنحو 1665 أو أقل بنحو 42 سنة.

حكى بعض أحبار اليهود في كتاب له أنه وجد في قلعة حلب سنة 1220 ه حجر مكتوب فيه بالعبرانية ما ترجمته: (أنا إيواب بن سيرويا أخذت هذه القلعة).

لم تزل هذه الأصقاع تحت سلطة الفلسطينيين حتى أخرجهم منها ملوك بابل قبل الهجرة بنحو 1303 سنة. و على رأي فينكلار الألماني: بنحو 1476 سنة. و كانت هذه الأمة تعبد الأصنام و كان لهم في جبل سمعان صنم يعبدونه اسمه نبو (ذكرناه في الكلام على الملل و النحل في حلب و جهاتها قبل الفتح الإسلامي في الجزء الأول من المقدمة).

و قرأت في كتاب «بابيلونيا و شيريا» لمؤلفه فينكلار الألماني أشهر علماء التاريخ، و كتابه هذا مطبوع باللغة الألمانية سنة 1892 م، أنه في سنة 854 ق. م خرج سلمناصر من نينوى و سار إلى وادي البليخ و استولى على ملك شيخ جمو الذي قتله شعبه لضعفه.

و لما بلغ سلمناصر الفرات اجتازه على سفينة من الجلود و أتى الموضع المعروف باسم سور أو تيراسباط، و هو على ضفة الفرات، فعقد هناك جمعية دعا إليها جميع الملوك الذين يدفعون إليه الجزية، و هم سنكار و أمير قاركمش و قوندابيسبى، و أمير كمخ و أرامي و أمير غوزي و لاللي و أمير ملتينه، و خيماني أمير دولة كبر، و كلبرودا أمير باتين و كركم التي عاصمتها مركاسى (مرعش).

و بعد انقضاء هذه الجمعية فارق سلمناصر أو تيراسباط و قصد خلمن (حلب) و دخلها و قرب فيها الذبائح للوثن (رمن) و هو على رأي فينكلار معبود الحلبيين إذ ذاك.

ثم قال فينكلار: «قال بعض المؤرخين: كانت حلب في أيام الدولة البابلية مدينة تجارية حرة مستقلة، مستدلا على ذلك بعدم ورود ذكرها في الحروب التي نشبت بين‏

11

البابلية و بين دول سيريا و فلسطين، و إن سبب استقلالها هو خطورة موقعها الجغرافي المتوسط بين آسيا الكبرى و الصغرى فكانت مستقلة باتفاق سائر الدول.

و قال بعض المحققين: إن سوريا كانت في تلك الأيام ذات حضارة تفوق ما كانت عليه منها جميع المملكة الآشورية، مستدلا على ذلك بنقل الوثن (رمن) من سوريا إلى نينوى و عبادة أهلها إياه مع معبودهم الوطني. فلو لم تكن سوريا في ذلك الزمن أرقى من نينوى حضارة و مدينة و صناعة لما اختار أهل نينوى الوثن (رمن) و نقلوه إلى عاصمتهم و اتخذوه معبودا لهم مع وجود معبودهم. و استدل بعض علماء التاريخ من الآثار العاديات على أن الوثن (رمن) هذا كان آله العواصف في سوريا و أنه سنة 2000 ق. م بني له هيكل في نينوى». اه كلام فينكلار.

قلت: لم تزل حلب تحت سلطة البابليين حتى ملك الساسانيون في أيام الملك دارا «نينوى» و امتدت سطوتهم إلى سوريا و بقيت في أيديهم حتى أخذها منهم إسكندر المكدوني، و صارت حلب موطنا لليونانيين و أحسنوا إلى أهلها فتخلّقوا بأخلاقهم و اعتنى اليونانيون بسورية الشمالية و جددوا فيها عدة بلدان كأنطاكية و أفامية و السويدية. ثم إن سليقوس نيكادور أحد ملوك اليونانيين لما استولى على أنطاكية بعد 21 سنة من جلوسه قبل الهجرة بنحو 945 سنة- جدد بناء مقدار النصف المتهدم من حلب، و هو الذي بنى القلعة على التل المشهور بإبراهيم الخليل، و أمر اليهود بأن يترددوا للتجارة إلى هذه البلدة و يقيموا فيها و فرض عليهم بعض الضرائب، فاستوطنوها و كثر عددهم فيها حتى بلغت مساحة دورهم مقدار نصف ساعة طولا و كان لهم فيها عدة معابد.

لم تزل حلب في حوزة اليونانيين إلى أن انتزعها منهم الرومان سنة 64 أو 65 ق. م، و ملكوا معها سوريا و أنطاكية و جعلوا حلب عاصمة ملكهم. و قبل الهجرة المحمدية بنحو 498 سنة أمر الإيمبراطور تريان اللاتيني بضرب السكة بحلب، و كان مرسوما على أحد جانبيها صورته و على الجانب الآخر كلمة (برويا). و قبل الهجرة بنحو 52 سنة حاربت الفرس الملك كيروليس الشرواني في أنطاكية و حلب و قنسرين و منبج و أحرقوا منبج و أنطاكية و قنسرين.

أما حلب فقد كان فيها من قبل الملك كيروليس بطريق يقال له موغان (و إليه تنسب‏

12

كنيسة موغان و حمام موغان في حلب) صالح الفرس على حلب بدراهم دفعها إليهم، ثم جدد الملك كيروليس ما تهدم من سورها وقت المحاربة و ذلك من باب الجنان إلى باب النصر، و كان بناؤه من القرميد الغليظ. و لم تزل بأيدي الرومان حتى فتحت تحت راية المسلمين في خلافة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه.

13

إجمال في ذكر الدول و الرجال الذين تولوا حلب بعد أن فتحها المسلمون‏

أول دولة حكمت حلب دولة عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء الراشدين، ثم بقية الراشدين ثم الدولة الأموية ثم المروانية ثم العباسية العراقية. ثم استقل بها أحمد بن طولون في سنة 264 و استمر بها هو و أعقابه من بعده إلى أن ضبطها منهم الأفشين. ثم عادت لبني طولون و كانوا هم و الأفشين يخطبون باسم خلفاء الدولة العباسية العراقية. و في سنة 286 عادت لحكم الدولة العباسية المذكورة. ثم في سنة 329 استولت عليها الدولة الإخشيدية فلم تطل مدتهم بها و انتقلت إلى الدولة الحمدانية سنة 333 ثم استولت عليها الدولة الإخشيدية مدة ثم عادت إلى سيف الدولة 336 و كانت الدولة الإخشيدية و الحمدانية يخطبان فيها بأسماء خلفاء الدولة العباسية العراقية.

و في أيام سيف الدولة استولى عليها الروم مدة قليلة ثم بارحوها و عاد إليها سيف الدولة.

ثم استولت عليها الدولة العلوية المصرية فلم تطل مدتها، و انتقلت منها إلى الدولة المرداسية سنة 414 و بعد مدة عادت لحكم الدولة العلوية المذكورة. ثم في سنة 433 عادت للمرداسيين. ثم في سنة 449 عادت للدولة العلوية. و في سنة 452 رجعت للمرداسيين و خطبوا فيها باسم خلفاء الدولة العلوية المصرية. ثم في سنة 462 صاروا يخطبون باسم خلفاء الدولة العباسية العراقية. و في سنة 473 دخلت تحت سلطة شرف الدولة مسلم بن قريش صاحب الموصل و في سنة 478 اقتتل مسلم المذكور مع سليمان بن قطلمش السلجوقي صاحب قونيه، فانكسر مسلم و قتل و انهزم عسكره.

و كان الشريف أبو علي الحسن بن هبة اللّه مقدم الأحداث في حلب و رئيسها، فانفرد بها. و كان سالم بن مالك العقيلي بقلعتها و هو ابن عم مسلم المذكور، و كان أخو مسلم إبراهيم بن قريش محبوسا فقصده بنو عقيل و أخرجوه و ملّكوه حلب.

14

ثم دخلت تحت سلطة السلجوقية و أقاموا فيها عاملا من قبلهم (أقسنقر) جدّ نور الدين محمود زنكي. و في سنة 490 كان و اليها رضوان بن تتش السلجوقي، فخطب للمستعلي بأمر اللّه العلوي المصري أربع جمع ثم أعاد الخطبة باسم الخلافة العباسية العراقية. و في سنة 511 دخلت في حوزة الدولة الأرتقية حكّام ماردين و هم من أتباع السلاجقة. ثم نزعت منهم إلى أقسنقر البرسقي صاحب الموصل سنة 515 و استناب بها ولده إلى سنة 522 و فيها استولت عليها الدولة الأتابكية الزنكية.

ثم في سنة 578 انتقلت إلى الدولة الأيوبية. ثم في سنة 657 استولى عليها التتر المنسوبون إلى جنكزخان ثم بارحوها. ثم عاودوها في سنة 658 ثم فارقوها. و دخلت بعدهم في دولة الأتراك مماليك الدولة الأيوبية. و في سنة 892 استولت عليها الدولة الجركسية مماليك دولة الأتراك، و استمر فيها إلى سنة 922 و فيها دخلت في المملكة العثمانية القائمة على أنقاض أحد فروع الدولة السلجوقية.

و في سنة 1014 عصي علي باشا الجانبولاد على الدولة العثمانية و استقل بحلب و غيرها سنتين ثم أخضعته الدولة و استردت ما كان استولى عليه من بلادها التي من جملتها حلب.

و في سنة 1235 استولى عليها أهلها مدة أشهر ثم رجعت لحكم الدولة، و في سنة 1248 استولى عليها مع غيرها إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا خديوي مصر، و استمرت بأيدي المصريين إلى سنة 1255 و فيها عادت إلى الدولة العثمانية مع بقية ما أخذته منها خديوية مصر. و في سنة 1266 استولى أهلها عليها عدة أيام ثم أعيدت إلى الدولة.

و في سنة 1337 خرجت من حكم الدولة العثمانية و دخلت تحت حكم الدولة العربية الفيصلية المسيطرة على سوريا. و بعد سنة انضمت إلى الوحدة السورية تحت الانتداب الفرنسي.

خبر فتح حلب عن يد المسلمين‏

فتحت حلب في خلافة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه سنة 15 من الهجرة النبوية أيام الخريف، سنة 633 ميلادية، عن يد خالد بن الوليد و أبي عبيدة رضي اللّه عنهما و كان فتحها صلحا و فتح قلعتها عنوة.

15

قال الواقدي ما ملخصه: بعد أن صالح أهل قنسرين أبا عبيدة و خالدا على مال معيّن و دخلا قنسرين و اختطّا بها مسجدا، بلغ ذلك أهل حلب فخافوا، و كان رئيسا عليهم «يوقنا» و «يوحنا» أخوان يسكنان القلعة، و كان أبوهما قبلهما يملك حلب إلى الفرات.

و كان هرقل ملك الروم يهابه لشجاعته و دهائه و قد انتزعه من رومية خوفا منه فجاء إلى العواصم و استخلص قلعة حلب لنفسه و حصّنها و سكنها. و كان ولده الصغير منزويا عن الرئاسة إلى الترهب، و لما بلغه خبر قدوم أبي عبيدة أشار على أخيه بالصلح فأبى إلا الحرب و سار بجيوشه الجرارة التي منها 12 ألف فارس إلى كفاح أبي عبيدة قبل أن يصل إلى حلب.

و كان أبو عبيدة بقنّسرين غير عالم بالحال قد جهز كعب بن ضمرة و معه ألف فارس و سيّره إلى حلب لفتحها. فسار كعب حتى إذا صار على نحو ستة أميال من حلب دهمه يوقنا و اشتعلت الحرب بينهما. و كان أبو عبيدة مشغولا مع مشايخ أهل حلب و رؤسائهم قدموا عليه إلى قنسرين يطلبون منه الصلح و الأمان بعد أن سار يوقنا لقتاله و سلكوا إلى قنّسرين غير الطريق الذي سلكه يوقنا. و لما صالحهم أبو عبيدة و أمّنهم رجعوا إلى حلب.

و قبل أن يصلوها فشا خبر صلحهم حتى بلغ يوقنا و هو يحارب كعبا، و كعب في غاية القلق الضجر، و قد تلف من عسكره زهاء مائتي رجل من أعيان الصحابة. فلما سمع يوقنا خبر الصلح اضطرب جيشه و ارتد على عقبه.

ثم إن أبا عبيدة لما أبطأ عليه خبر كعب نهض بعسكره يريد حلب و على المقدمة خالد ابن الوليد. فما كان غير قليل حتى أشرف على كعب و علم بما دهمه ثم ساروا جميعا إلى حلب فرأوا يوقنا و جنوده قد أحدقوا بأهل البلد يريدون قتلهم و هم يقولون: ويلكم صالحتم العرب و نصرتموهم علينا. ثم أدخل يوقنا عبيده على أهل البلد و جعلوا يقتلونهم على فرشهم و أبواب منازلهم. فنظر يوحنا من القلعة إلى البلد و رأى القتل في أهله فعارض أخاه يوقنا فلم يفعل، فأغلظ له الكلام فغضب عليه و قتله.

و كانت رايات المسلمين قد أشرفت عليهم و لما سمع خالد ضجيج أهل البلد و بكاءهم قال لأبي عبيدة: هلك أهل ذمتك. و حمل على جماعة يوقنا فلم ينج منهم سوى من لجأ إلى القلعة. و دخل المسلمون حلب من باب أنطاكية و حفّوا حولهم بالتراس داخل الباب و بنوا ذلك المكان مسجدا.

16

و كان يوقنا تحصن بالقلعة مع شرذمة من جنده و استعدوا للحصار و نصب المجانيق و نشر السلاح على الأسوار. ثم إن خالدا و أبا عبيدة سألا عن يوقنا فأخبرا بشأنه مع أخيه يوحنا و أنه قتله و ألقاه في رأس سوق الساعة (محلة سوق الضرب) فكفنه أبو عبيدة و صلى عليه و دفنه في مقام إبراهيم (مقبرة الصالحين).

ثم إن المسلمين جدّوا في حصار القلعة و شنّت غاراتهم في بقية البلاد إلى الفرات.

ثم زحفوا على القلعة فلم يفوزوا منها بطائل لحصانتها. و صادف الروم غرّة فهجموا على المسلمين و وضعوا السيف فيهم. ثم جدّ المسلمون في قتالهم فدحروا الروم و اقتطعوا منهم زهاء مائة رومي. ثم خرج علّاقة المسلمين إلى وادي بطنان ليأخذوا الميرة منه و قد صالحهم أهله فاختار يوقنا ألفا من فرسانه و سيّرهم في الليل فالتقوا بالمسلمين قرب الصبح و اقتتل الفريقان قتالا شديدا و قتل من المسلمين ثلاثون رجلا، كلهم من طيّئ و انهزم الباقون، و ملكت الروم أثقالهم و مواشيهم، ثم عقروا المواشي و كمنوا في الجبل خوفا من المسلمين و قد عزموا على الرجوع إلى القلعة ليلا.

و لما رجع المسلمون إلى أبي عبيدة و أخبروه بما جرى سيّر لقتال الروم الكامنين خالدا و معه بعض رجال صناديد، فسار إليهم و كمن لهم حتى خرجوا من مكمنهم في أوائل الليل فوثب خالد عليهم فدهشوا و ولّوا منهزمين. و غنم المسلمون جميع أثقالهم و رجعوا إلى أبي عبيدة و قد انتبه لمكايد الروم و سدّ عليهم المسالك حول القلعة حتى لو طار طائر لاقتنصوه.

و أقام القوم على ذلك مدة حتى ضجر أبو عبيدة و كتب إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يخبره الخبر و يستأذنه بالانصراف عن قلعة حلب لصعوبة مأخذها و قلة العسكر.

فبعث إليه عمر عصبة من حضرموت و أقاصي اليمن من همدان و مدان و سبأ و مأرب زهاء أربعمائة فارس و ثلاثمائة مطية مردوفين، و مائة و أربعين ماشيا. فأخذ لهم من مال الصدقات سبعين بعيرا ليتعقبوا عليها و كتب إليه ينهاه عن الانصراف عن القلعة أو تسلّم إليه، و أن يبث الخيل في السهل و الوعر و الضيق و السّعة و أكناف الجبال و الأودية، و يشنّ الغارات في حدود الغارات و يصالح من صالحه و يسالم من سالمه.

و كان من جملة هذه العصبة مولى من موالي بني طريف من ملوك كندة، يقال له‏

17

دامس، و يكنى أبا الأهوال، كان أسود بصاصا كالنخلة السّحوقة (1) إذا ركب الفرس العالي تخطّ رجلاه بالأرض. و كان شجاعا قويا ذا حيلة و براعة فطلب من أبي عبيدة أن يؤمّره على ثلاثين فارسا فأمّره. و قال له دامس: ترحل أنت بجيشك على فرسخ منا و تأمر جماعتك بقلة الحركة و الاستتار ما استطاعوا، و يكون لك رجال ثقات يتجسّسون عن أخبارنا، فإذا بشّروك بظهورنا على أعدائنا (2) فتلحق بنا إن شاء اللّه تعالى.

فأجابه أبو عبيدة إلى ما طلب و نهض لوقته بجيشه و سار مسافة فرسخ كأنه يريد الانصراف. و نهض دامس بجماعته حتى أتوا كهفا في الجبل و كمنوا فيه ففرح الروم و ظنوا أن المسلمين قد انصرفوا عن قتالهم و أرادوا أن ينزلوا من القلعة و يتبعوا المسلمين فنهاهم يوقنا. و لما كان الليل عمد دامس إلى جلد ماعز فألقاه على ظهره و أخرج كعكا يابسا و قال لأصحابه: اتبعوني. فسار نحو القلعة و أطار رجلين إلى أبي عبيدة ليبعث لهم الخيل عند طلوع الفجر. و صعد دامس و من معه إلى الجبل تحت الظلام يمشي على أربع، و كلما أحس بشي‏ء قرض في الكعك كأنه يقرض عظما، و أصحابه من ورائه يقفون أثره حتى لاصقوا السور، و كان الظلام شديدا، فأتى من السور مكانا قريبا قد نام حرسه و اختار سبعة من رجاله أقوياء و جلس القرفصاء و أمر أحدهم أن يجلس على منكبيه و يعتمد بقوّته على الجدار، ففعل و أمر الثاني أن يفعل مثله.

ثم لم يزل يصعد واحدا بعد واحد إلى أن صعد الثامن فأمر أن يستوي قائما ثم أمر الثاني من تحته واحدا بعد واحد إلى أن قام هو، فإذا الثامن قد وصل إلى شرفة السور فتعلق بها و استوى على السور، فوجد حارس ذلك المكان نائما ثملا، فرماه إلى أصحابه ثم أدلى عمامته لصاحبه و نشله إليه ثم حذف لهما دامس حبلا و جعلوا ينشلون بعضهم إلى أن تكاملوا على السور، و كان آخرهم دامس، فاستبقاهم مكانهم و قصد بابي القلعة فرأى الحرس سكارى نائمين، ففتح البابين و تركهما مردودين و عاد إلى أصحابه و قد قرب الفجر، فأقام خمسة منهم على الباب و أرسل واحدا يستعجل خالدا، و مشى بالباقين نحو دار يوقنا، فصاحوا، و جاءتهم الأبطال و صاح يوقنا بأصحابه فأتوا من كل جانب و قاتلوا قتالا شديدا فلم يفدهم ذلك شيئا و اشتبك الفريقان ببعضهما.

____________

(1) البصّاص: الذي ينظر بتحديق- و السّحوقة: العالية.

(2) أي بانتصارنا عليهم.

18

و بينما هم في هذه المعمعة إذ دخل عليهم خالد بن الوليد في جيشه و حينئذ طلبت الروم الأمان. و كان قد وصل أيضا أبو عبيدة فأمّنهم. و أسلم يوقنا و جماعة من ساداتهم فردّ عليهم أموالهم و أهاليهم و استبقى الفلاحين و أخذ عليهم العهود ألّا يكونوا إلا مثل أهل الصلح و الجزية و أخرجهم من القلعة و غنم المسلمون من القلعة ما لا يحصى. و أخذ الناس في حديث دامس و حيله و عجائبه و عالجوا جراحه الكثيرة حتى برئت. اه.

حوادث حلب أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب‏

و لما كان أبو عبيدة في حلب نقض أهل قنّسرين، فردّ إليهم السمط بن الأسود الكندي فحصرهم ثم فتحها فوجد فيها بقرا و غنما فقسم بعضها فيمن حضر، و جعل الباقي في المغنم. و كان في حاضر قنسرين قديما بنو طيّئ، نزلوه بعد حرب الفساد التي كانت بينهم حين نزل الجبليين من نزل منهم فلما ورد أبو عبيدة عليهم أسلم بعضهم و صولح كثير منهم على الجزية. ثم أسلموا بعد ذلك بسنين إلا من شذّ منهم.

حاضر حلب:

و كان بقرب مدينة حلب حاضر يجمع أصنافا من العرب، من تنوخ و غيرهم، فصالحهم أبو عبيدة على الجزية ثم أسلموا و جرت بينهم و بين أهل حلب حرب أجلاهم فيها أهل حلب فانتقلوا إلى قنّسرين.

قال البلاذري ما خلاصته: كان بقرب حلب حاضر يدعى حاضر حلب، يجمع أصنافا من العرب من تنوخ و غيرهم. جاء أبو عبيدة بعد فتح قنسرين فصالح أهله على الجزية ثم أسلموا بعد ذلك، و كانوا مقيمين و أعقابهم به إلى بعيد وفاة أمير المؤمنين الرشيد. ثم إن أهل ذلك الحضر حاربوا أهل مدينة حلب و أرادوا إخراجهم عنها فكتب الهاشميون من أهلها إلى جميع من حولهم من قبائل العرب يستنجدونهم، فسارعوا إلى إنجادهم و أجلوا أهل الحاضر عنه و أخربوه، و تفرق أهله في البلاد، و ذلك في فتنة الأمين بن الرشيد.

و قال ياقوت: و الذي شاهدناه من حاضر حلب أنها محلة كبيرة كالمحلة العظيمة بظاهر حلب بين بنائها و سور المدينة رمية سهم من جهة القبلة و الغرب، و يقال لها الحاضر السليمانية، و لا نعرف السليمانية، و أكثر سكانها تركمان مستعربة من أولاد الأجناد. و فيه‏

19

جامع حسن منفرد تقام فيه الخطبة و الجمعة و الأسواق الكثيرة من كل ما يطلب، و لها وال يستقلّ بها.

أول مدربة في الإسلام:

و في سنة 16 أدرب‏ (1) خالد و عياض بن غنم. و هي أول مدربة كانت في الإسلام.

تأمير خالد:

و رجع خالد من مدربته، و أتته الإمارة من عمر رضي اللّه عنه على قنسرين. فأقام خالد أميرا من تحت يده، أبا عبيدة، عليها إلى سنة 17.

عزل خالد بن الوليد عن قنّسرين:

في سنة 17 عزل خالد عن قنّسرين لأنه تدلّك بدرديّ‏ (2) الخمر و أسرف بإجازة الأشعث بن قيس.

أقول: أرى أن عزله كان من الخليفة سياسة، حينما رأى القلوب تميل إليه لشجاعته و درايته و سخائه فخشي أن يستولي على أهواء الناس فتميل قلوبهم لاستخلافه فيحدث ما لا تحمد عقباه.

على أن ما أراه كاد يكون صريحا في كلام أمير المؤمنين حيث قال له مستعطفا: «يا خالد إنك عليّ لكريم و أنت إليّ لحبيب». و كتب إلى الأمصار: «إني لم أعزل خالدا عن سخطة و لا خيانة، و لكن الناس فخّموه و فتنوا به فخفت أن يوكلوا إليه، فأحببت أن يعلموا أن اللّه هو الصانع و ألّا يكونوا بعرض فتنة». اه.

كيف يكون عزله مسببا عن التدلّك بالدّرديّ؟ و هو جائز شرعا، و عن توسعه بإجازة الأشعث، و أمير المؤمنين يعلم أن ذلك من ماله و أن خالدا في منزلة من العفاف تجعله بعيدا عن الغلول، و عزة نفسه و تمسّكه في دينه يأبيان عليه أن يكون غالّا.

____________

(1) أي دخل بلاد الروم فاتحا، و جاوز الدرب إليهم.

(2) الدّرديّ: ما يركد في أسفل الشراب و نحوه.

20

خبر من جلدوا في الخمر:

في سنة 18 كتب أبو عبيدة إلى عمر كتابا يذكر فيه أن نفرا من المسلمين أصابوا الشراب فأمر بجلدهم فلم يعودوا إلى شربه.

طاعون عمواس:

فيها كان طاعون عمواس بالشام مات فيه خمسة و عشرون ألف صحابي. و هو أول طاعون بالإسلام، و استقام شهرا. و لما بلغ عمر رضي اللّه عنه خبر هذا الطاعون خشي منه على أبي عبيدة فكتب إليه يستقدمه، فلم يرض أبو عبيدة أن يفوز بنفسه و يترك جنده عرضة للطاعون، و كتب إلى عمر بهذا المعنى، فكتب إليه عمر بأن يرفع المسلمين عن تلك الأراضي، فرفعهم منها.

ثم طعن‏ (1) رضي اللّه عنه و قد نزل الجابية و قبل أن يموت استخلف على الجيوش و العمال معاذ بن جبل فطعن ابنه عبد الرحمن و مات. ثم طعن معاذ براحته و مات. و كان أبو عبيدة قد استخلف على قنّسرين، حين طعن، عياضا (2) بن غنم، فأقره عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه.

خبر عام الرّمادة:

فيها أصاب الناس بالمدينة المنورة مجاعة عظيمة و قحط، و سفت الريح ترابا كالرماد و اشتد الجوع حتى آوت الوحوش إلى الإنس. فكتب عمر إلى العمال يستمدهم لأهل المدينة، فكان أول من قدم عليه أبو عبيدة بأربعة آلاف راحلة طعام فولّاه قسمتها فيمن حول المدينة، فقسمها و انصرف إلى عمله.

بقية الحوادث في أيام سيدنا عمر:

و في سنة 20 مات عياض بن غنم و استخلف عمر بن الخطاب بعده، على حمص و قنسرين، سعيد بن عامر بن جذيمة الجمحيّ، فمات فيها. و قيل مات سنة 19 و قيل‏

____________

(1) أي أصيب بالطاعون. و الضمير لأبي عبيدة.

(2) الصواب: «عياض» بغير تنوين، في مثل هذا التركيب.

21

سنة 21 و على كل فقد كان الأمير على دمشق و حوران و حمص و قنسرين و الجزيرة في سنة 21 عمير بن سعد بن عبيد الأنصاريّ، و كان الأمير فيها- على البلقاء و الأردن و فلسطين و السواحل و أنطاكية و معرّة مصرين- معاوية.

أيام عثمان رضي اللّه عنه‏

و في سنة 25 غزا معاوية الروم فبلغ عمورية فوجد الحصون بين أنطاكية و طرسوس خالية، فجعل عندها جماعة من أهل الشام و الجزيرة حتى انصرف. ثم غزا الصائفة يزيد ابن الحرّ العبسي و فعل فعل معاوية، و هدم الحصون إلى أنطاكية.

و في سنة 26 غزا معاوية قنّسرين، و كان عمير بن سعد قد طال مرضه فاستعفى عثمان فأعفاه و ضم حمص و قنّسرين إلى معاوية، فاجتمعت له في هذه السنة ولاية الشام كلها، فولّى معاوية على حمص عبد الرحمن بن خالد، و على قنّسرين حبيبا (1) بن مسلمة بن مالك الفهريّ.

أيام علي بن أبي طالب‏

و في سنة 36 فرّق علي رضي اللّه عنه عمّاله على الأمصار، فبعث سهلا بن حنيف على الشام و كان معاوية متغلبا عليه، فلما وصل إلى تبوك لقيته خيل فقالوا له: من أنت؟

قال: أنا أمير. قالوا له: على أي شي‏ء؟ قال: على الشام. قالوا: إن بعثك عثمان فحيّهلا بك‏ (2) و إن كان غيره فارجع. قال: أوما سمعتم بالذي كان؟ يعني استشهاد عثمان.

قالوا: بلى. فرجع إلى عليّ.

____________

(1) الصواب: «حبيب» بغير تنوين أيضا. و نكتفي بمثل هذه الإشارة هنا.

(2) اسم فعل أمر، للحث و الاستعجال.

22

حوادث أيام بني أمية

أيام معاوية

سنة 42 مات حبيب بن مسلمة الفهري بأرمينية، و كان أميرا عليها لمعاوية.

قلت: أظن أن معاوية استعمل حبيبا هذا على أرمينية في هذه السنة و ضم قنّسرين إلى حمص، و عاملها عبد الرحمن بن خالد. و هذا غير بعيد لأن الذي مصّر قنسرين يزيد ابن معاوية لا معاوية، إنما معاوية رتّب خراج قنسرين في هذه السنة أربعمائة ألف و خمسين ألف دينار، و رتّب حلب للخلفاء من بني أمية لمقامهم في الشام، و كون الولاة في أيامهم بمنزلة الشّرط لا يستقلّون بالأمور و الحروب، و ولاة الصوائف‏ (1) ترد كل عام إلى دابق، و أقام منهم جماعة بنواحي حلب، منهم سليمان بن عبد الملك أقام بدابق حتى مات.

تجنيد قنّسرين و تسمية حلب بالعاصمة:

حكى الطبري في تاريخه أن أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه لما عزم على فتح الشام سمّى لكل أمير أمّره على الجيوش كورة (2)، فسمّى لأبي عبيدة كورة حمص و ليزيد بن أبي سفيان كورة دمشق، و لشرحبيل بن حسنة كورة الأردن، و لعمرو بن العاص و علقمة ابن محمد كورة فلسطين. فدلّ هذا على أن الشام لما كان بأيدي الروم كان منقسما إلى هذه الكور الأربع، و كانت قنّسرين مضافة إلى كورة حمص. اه.

ثم لم تزل الشام كذلك حتى ولي الخلافة يزيد بن معاوية فجعلها خمسة أجناد: جند فلسطين، و جند الأردن، و جند دمشق، و جند قنّسرين.

____________

(1) جمع صائفة، و هي الغزوة في الصيف. و بها سمّيت غزوة الروم، لأنهم كانوا يغزون صيفا، اتّقاء البرد و الثلج.

(2) الكورة: البقعة التي تشتمل على عدة قرى. و يقابلها اليوم: (المحافظة).

23

قال ياقوت في معجمه: و سمي الجند جندا لأنه جمع كورة، و التجنيد التجميع، و قيل: سميت كل ناحية جندا لأنهم كانوا يقبضون فيه أعطياتهم، و كانت الجزيرة مع قنسرين جندا فأفردها عبد الملك و صارت الجزيرة جندا برأسه، و كان من جملة جند قنّسرين أنطاكية و منبج و توابعهما فلما استخلف الرشيد أفرد قنسرين بكورها فصيّرها جندا، و أفرد منبج و دلوك و رعبان و قورس و أنطاكية و تيزين، و ما بين ذلك من الحصون، فسمّاها العواصم لأن المسلمين كانوا يعتصمون بها من العدو إذا انصرفوا من غزوهم. و جعل مدينة العواصم منبج و أسكنها عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد اللّه بن عباس في سنة 173 فبنى فيها أبنية مشهورة، و ذكرها المتنبي في مدح سيف الدولة فقال:

لقد أوحشت أرض الشام طرّا (1)* * * سلبت ربوعها ثوب البهاء

تنفّس، و العواصم منك عشر* * * فيوجد (2) طيب ذلك في الهواء

قال ياقوت في موضع آخر: العاصم هو المانع، و منه قوله تعالى‏ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ‏ و هو صفة، فلذلك دخله الألف و اللام. و العواصم: حصون موانع، و ولاية تحيط بها بين حلب و أنطاكية، كان قد بناها قوم و اعتصموا بها من الأعداء، و أكثرها في الجبال. و ربما دخل في هذا ثغور المصيّصة و طرسوس و تلك النواحي. و زعم بعضهم أن حلب ليست منها، بدليل قولهم: قنّسرين و العواصم، و حلب من أعمال قنّسرين، و الشي‏ء لا يعطف على نفسه.

عمّال قنّسرين و حمص من سنة 45 إلى سنة 59:

و في سنة 45 توفي عبد الرحمن بن خالد عامل حمص و ما والاها، و كان أهل الشام قد مالوا إليه فدس إليه معاوية سما فمات.

قلت: و من هذه السنة إلى حدود سنة 86 لم أطلع على أسماء عمّال الخلفاء على قنّسرين و حمص، و لعل العمال عليهما في هذه المدة هم أمراء الصوائف و المشاتي، يخرجون إلى الروم و يرجعون إلى إحدى البلدتين بعد انقضاء غزوهم، فإن البلدتين من أعظم ثغور

____________

(1) كذا، و رواية الديوان «حتى» و ما في الديوان هو الصواب.

(2) في الديوان: «فيعرف». عشر: أي على مسافة عشر ليال. تنفّس: تتنفّس.

24

الروم، فلا يستبعد أن يكونا محل إقامة الأمراء المذكورين أيام تقاعدهم عن الغزوات، و أنهم كانوا يقومون بوظائف العمال في أثناء ذلك و يستخلفون إذا غزوا. و لما كان هذا من المحتمل عقلا أدرجت ضمن الحوادث أسماء الأمراء المذكورين في سني خروجهم إلى الغزوات إلى سنة 86 المذكورة. و على هذا المنوال رتبت ذكرهم في سنوية ولاية حلب المعروفة باسم السالنامة، فأقول:

في سنة 46 كان مشتى مالك بن عبد اللّه بأرض الروم و مثلها في سنة 47 و سنة 49 و لم يغز سنة 48 و في سنة 50 كانت غزوة بسر بن أرطاة و سفيان بن عوف الأزدي بأرض الروم. و في سنة 51 كان مشتى فضالة بن عبيد بأرض الروم، و غزوة بسر بن أرطاة الصائفة. و في سنة 52 كانت غزوة سفيان بن عوف الروم و شتّى بأرضهم و توفي بها، في قول، فاستخلف عبد اللّه بن سعد الفزاري. و قيل الذي شتّى بأرضهم هذه السنة بسر بن أرطاة و معه سفيان المذكور. و عزا الصائفة محمد بن عبد اللّه الثقفي.

و في سنة 53 كان مشتى عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفي بأرض الروم. و في 54 كان مشتى محمد بن مالك بأرض الروم و صائفة معن بن يزيد السّلمي. و في سنة 55 كان مشتى سعيد بن عوف، و قيل عمرو بن محرز، و قيل عبد اللّه بن قيس الفزاري، و قيل مالك بن عبد اللّه. و في سنة 56 كان مشتى جناد بن أبي أمية، و قيل عبد الرحمن ابن مسعود، و قيل عياض بن الحرث. و في سنة 57 كان مشتى عبد اللّه بن قيس. و في سنة 58 غزا الروم مالك بن عبد اللّه الخثعمي‏ (1) و في سنة 59 كان مشتى عمر بن مرّة الجهني.

أيام يزيد بن معاوية

وصول رأس الحسين رضي اللّه عنه إلى حلب:

و في سنة 61 قتل الحسين بن علي رضي اللّه عنهما بكربلاء، و احتزّ رأسه الشريف شمر بن ذي الجوشن، و سار به و بمن معه من آل الحسين إلى يزيد في دمشق، فمر بطريقه‏

____________

(1) في الأصل: «الخثعي» خطأ مطبعي.

25

على حلب و نزل به عند الجبل، غربيّ حلب، و وضعه على صخرة من صخراته فقطرت منه قطرة دم عمر على أثرها مشهد عرف بمشهد النقطة. و قد ألمعنا إلى ذلك في الكلام على المشهد في باب الآثار.

أيام معاوية بن يزيد بن معاوية، و مروان بن الحكم و عبد الملك بن مروان‏

غزوات بني أمية الروم و غير ذلك:

و في سنة 66 كان على الشام عبد عبد الملك بن مروان. و الظاهر أنه كان يقوم بإدارة البلاد الشامية بنفسه لضيق مملكته حينئذ، لوقوع أكثرها تحت يد المتغلبين. و في سنة 73 غزا الروم صائفة محمد بن مروان، و مثلها في سنة 74 و سنة 75 و 76 و 77 غزا الروم صائفة الوليد بن عبد الملك. و في سنة 78 أصاب أهل الشام طاعون شديد حتى كادوا يفنون فلم يغز تلك السنة أحد. قيل: و فيها أصاب الروم أهل أنطاكية و ظفروا بهم. و في سنة 81 سيّر عبد الملك بن مروان ابنه عبيد اللّه ففتح قاليقلا. و في سنة 82 غزا محمد ابن مروان أرمينية. و في سنة 85 غزا الروم مسلمة بن عبد الملك.

أيام الوليد بن عبد الملك‏

و في سنة 87 غزا مسلمة المذكور الروم و فتح عدة حصون، و قيل هشام بن عبد الملك. و في سنة 88 غزا مسلمة بن عبد الملك و العباس بن عبد الملك الروم و فتحوا الجزيرة و عدة حصون من عمورية، و غزا العباس الصائفة من ناحية البذندون. و في سنة 90 غزا مسلمة الروم و فتح الحصون الخمسة التي بسورية. قال ابن العديم ما ملخصه:

إن الوليد بن عبد الملك لما ولي الخلافة سنة 86 أبقى محمد بن مروان على ولايته حتى عزله سنة 90 بأخيه مسلمة، فدخل مسلمة حرّان. و كان محمد بن مروان يتعمم و بيده المرآة فبلغه الخبر أن مسلمة يخطب على المنبر فارتعد و سقطت المرآة من يده و قال: هكذا تقوم الساعة بغتة؟ فقام ابن محمد للسيف يثب على مسلمة فقال له أبوه: مه يا بني ولّاه أخوه و ولّاني أخي. و كان أكثر مقام مسلمة بالناعورة بنى فيها قصرا بالحجر الصّلد و حصنا

26

بقى منه برج إلى زماننا (زمان ابن العديم). قلت: ذكر ياقوت الناعورة فقال: الناعورة الدولاب، موضع بين حلب و بالس، فيه لمسلمة بن عبد الملك قصر من حجارة و ماؤه من العيون و بينه و بين حلب ثمانية أميال. اه.

و في سنة 91 غزا الصائفة عبد العزيز بن الوليد، و مقدّم الجيش مسلمة بن عبد الملك.

و في سنة 92 غزا مسلمة بن عبد الملك الروم و فتح ثلاثة حصون. و في سنة 93 غزاهم و فتح ماسيه و حصين الحديد و فيها كان الزلزال بالشام و دام أربعين يوما فخربت البلاد و كان معظم ذلك في أنطاكيّة. و في سنة 95 انتقضت قنّسرين، و كان العباس بن الوليد يغزو الروم، ففتح هرقلة و غيرها و عاد إلى قنسرين و فتحها.

أيام سليمان بن عبد الملك و عمر بن عبد العزيز

و في سنة 99 ولّى سليمان بن عبد الملك من قبله على الأحصّ هلالا بن عبد الأعلى ثم ولي عليها الوليد بن هشام المعيطي.

أيام يزيد بن عبد الملك و هشام أخيه‏

و في سنة 101 عزل الوليد هذا من قبل يزيد بن عبد الملك لأنه كان مرائيا، و ولّي على قنسرين الوليد بن القعقاع بن خليد العبسي. و قيل: الذي ولي العمل على قنسرين من قبل يزيد هو عبد الملك بن قعقاع بن خليد العبسي، و إليهم كان ينسب حيار بني عبس‏ (1)، و إلى أبيهم كانت تنسب «القعقاعية» قرية في بلد الغايا.

و في سنة 108 كان طاعون شديد بالشام. و في سنة 113 غزا معاوية بن هشام أرض الروم فرابط من ناحية مرعش ثم رجع. و في سنة 115 وقع طاعون بالشام و سرى إلى العراق و امتد إلى السنة بعدها. و في سنة 119 غزا الوليد بن القعقاع أرض الروم.

أيام الوليد بن يزيد بن عبد الملك‏

و في سنة 125 ولّى الوليد الخليفة على قنّسرين مكان الوليد بن القعقاع يزيد بن عمر

____________

(1) موضع بقنّسرين، و يسمى أيضا: حيار بني القعقاع.

27

ابن هبيرة لوحشة بين الوليد الخليفة و بين بني القعقاع. و بعد أن عزله الخليفة بعث به إلى يزيد بن عمر بن هبيرة المذكور فعذبه و أهله حتى مات.

أيام يزيد الناقص بن الوليد بن عبد الملك و إبراهيم المخلوع و مروان بن محمد

و في سنة 126 خرج يزيد الناقص على الوليد الخليفة، و وثب عليه فقتله و أخذ عامله في دمشق و سيّر أخاه مسرور بن الوليد إلى قنسرين. و قيل: سيّر أخاه بشر بن الوليد.

و في سنة 127 قبض مروان بن محمد بن الحكم، الخليفة، على مسرور بن الوليد والي قنسرين و على أخيه بشر و قتلهما بحلب، و ولي حلب و قنسرين عبد الملك بن الكوثر الغنوي.

و في سنة 128 خرج على مروان الخليفة: سليمان بن هشام بن عبد الملك، فأمسكه مروان بخساف‏ (1) و استباح عسكره، و فيها كان الحكم و عثمان ابنا الوليد بن يزيد محبوسين بقلعة قنّسرين، حبسهما أخوهما يزيد الناقص، فنهض إليهما عبد العزيز بن الحجاج و يزيد (2) ابن خالد القسري و قتلاهما و قتلا معهما يوسف بن عمر الثقفي، فقبض مروان على القاتلين المذكورين و صلبهما. و في سنة 130 غزا الصائفة الوليد بن هشام فنزل العمق و بنى حصن مرعش.

____________

(1) خساف: برّية بين مسكنة و حلب. و قيل: مفازة بين الحجاز و الشام. و الأول هو الصواب.

(2) في الأصل «بن» فصححناها كما يقتضي السياق.

28

حوادث أيام الخلفاء العباسيين‏

أيام عبد اللّه السفاح‏

في ربيع الآخر سنة 132 بويع أبو العباس السفاح، و اسمه عبد اللّه بن محمد بن علي.

فجهز عبد اللّه بن علي بن عبد اللّه بن العباس في جيش عظيم لقتال مروان بن محمد الخليفة الأموي، فالتقى معه بالزاب من أرض الموصل، فهزم مروان، و تبعه عبد اللّه بن علي حتى نزل بمنبج، فبعث إليه أهل حلب بالبيعة، و قلد عبد اللّه المذكور أخاه عبد الصمد حلب و قنسرين.

ثم سارا إلى حلب فبايعه أبو الورد مجزأة بن الكوثر بن زفر الكلابي، و كان من أصحاب مروان. ثم انصرف عبد اللّه من حلب و أرسل قائدا من قواده في مائة و خمسين فارسا إلى «الناعورة»، و كان بها مسلمة بن عبد الملك و كان معه أهله، فاستجار مسلمة بأبى الورد الكلابي فلم يلتفت إليه، و اغتاظ الكلابي و خرج من مزرعته «خساف» في عدّة من أهل بيته و خالف و بيّض (لبس البياض الذي هو شعار الأمويين) و قتل القائد و دعا أهل حلب و قنسرين لنقض البيعة العباسية فقصده من دمشق عبد الصمد في زهاء عشر (1) آلاف فارس، فقتل أبو الورد و انهزم أصحابه و أمّن عبد اللّه أهل حلب و قنّسرين فبايعوا و سوّدوا (لبسوا السواد الذي هو شعار العباسيين).

و في سنة 133 لبس الحمرة بحلب العباس بن محمد المعروف بالسفياني. و جده معاوية ابن أبي سفيان. فقصده من قبل السفاح العباسي عطاء العكي فانهزم السفياني و فتح العكي حلب عنوة و لم يبق فيها من الأمويين أحد. و في هذه السنة تغلّب عبد اللّه بن محمد بن علي على حلب و قنّسرين و ديار ربيعة و مضر و سائر الشام.

____________

(1) الصواب: عشرة.

29

أيام أبي جعفر المنصور

و في سنة 137 ولّى عبد اللّه على حلب أبا عبد اللّه زفر بن عاصم بن عبد اللّه بن يزيد الهلالي. و فيها سيّر المنصور أبا مسلم الخراساني لقتال عبد اللّه، فانتصر عليه أبو مسلم و كتب إليه المنصور بولاية الشام جميعه و حلب و قنسرين، و أن يقيم له نوابا في بلاده ففعل.

ثم استوحش المنصور من أبي مسلم فعزله و ولّى على حلب و قنسرين و حمص صالحا بن علي بن عبد اللّه بن العباس، فنزل حلب و ابتنى بها خارج باب النيرب قصرا بقرية بطياس، بالقرب من النيرب. قال ابن العديم: و آثاره باقية إلى الآن.

قلت: محل هذا القصر يعرف الآن بكرم القصر و هو بستان فستق مملوك لبعض الأهلين. اه.

قال ابن العديم: و معظم أولاد صالح بن علي ولدوا ببطياس. و قد ذكره البحتري و غيره في أشعارهم. قلت: تقدم فيما جاء بمدح حلب شي‏ء من ذلك. و في سنة 139 غزا صالح بن علي الصائفة مع ابنه الفضل بأهل الشام و هي أول صائفة في خلافة بني العباس، و غزا مع صالح أختاه أم عيسى و لبانة بنتا علي، و كانتا نذرتا إن زال ملك بني أمية أن تجاهدا (1) في سبيل اللّه.

و في سنة 141 خرج بحلب و حرّان قوم يقال لهم الراوندية، زعموا أنهم كالملائكة و صعدوا تلا بحلب و قد لبسوا الحرير فطاروا منه و كسروا و هلكوا. و فيها حج بالناس صالح ابن علي.

ضرب النقود في حلب:

و في سنة 146 ضرب صالح بحلب سكّة (2)، على أحد جانبيها: (ضرب هذا الفلس بمدينة حلب سنة 146) و على الجانب الآخر: (مما أمر به الأمير صالح بن علي أكرمه اللّه).

____________

(1) في الأصل: «يجاهدا» فصوّبناها بالتاء.

(2) يعني نقودا معدنية.

30

و في سنة 152 مات صالح و تولى مكانه حلب و قنسرين ابنه الفضل، و اختار العقبة فسكنها. و في سنة 154 ولّى المنصور على حلب و قنسرين موسى بن سليمان الخراساني.

و في سنة 157 ضرب السكة بقنسرين و على أحد جانبيها: (ضرب هذا الفلس بقنسرين سنة 157) و على الآخر: (مما أمر به الأمير موسى مولى أمير المؤمنين). و في سنة 162 خرج على‏ الخليفة المهدي‏ عبد السلام بن هاشم الخارجي فأرسل له المهدي جنودا كثيرة، فهرب منهم إلى قنسرين، فلحقوه و قتلوه فيها.

قدوم المهدي الخليفة إلى حلب‏

و في سنة 163 قدم الخليفة المهديّ إلى حلب عازما على الغزو، فتلقاه العباس بن محمد والي الجزيرة و أنزله في عمله. ثم وصل المهدي إلى حلب و نزل بقصر بطياس، و ولّى على حروب حلب و قنسرين و الجزيرة و خراجها و صلاتها عليا بن سليمان بن علي بن عبد اللّه ابن العباس، و ولّى حلب و الشام جميعه هارون، و أمر كاتبه يحيى بن خالد أن يتولى ذلك كله بتدبيره. ثم عرض المهدي العسكر بحلب و أغزى ابنه هارون الروم.

قتل الزنادقة في حلب، و وصول رأس المقنع إليها:

في هذه السنة جمع محتسب حلب عبد الجبار الزنادقة من الأطراف إلى المهدي فقتلهم و قطع كتبهم بالسكاكين. و وصل إليه و هو بحلب رأس المقنّع و كان زنديقا مبتدعا، ظهر في خراسان سنة 159 و استغوى جماعة و كثرت أتباعه و عاثوا في الأرض فسادا إلى أن هلك في هذه السنة، و هي سنة 169.

أيام الهادي و الرشيد

و في سنة 173 ولّى الرشيد حلب و قنّسرين عبد الملك بن صالح بن علي، فأقام بمنبج و ابتنى فيها قصرا لنفسه و بستانا إلى جانبه كان يعرف به. و قد سبق لنا في الكلام على منبج منادمة الرشيد مع عبد الملك حين زاره في قصره.

31

عمّال حلب من سنة 175 إلى سنة 193:

و في سنة 175 عزل الرشيد عبد الملك عن حلب و قنسرين و بعد سنة ولّى عليها سليمان ابن عيسى، ثم ولّى الشام جميعه موسى بن يحيى بن خالد. و في سنة 178 ولّى الرشيد الشام جميعه جعفر بن يحيى بن خالد، فتوجه إليه سنة 180 و استخلف عليه عيسى بن العكّي.

و في سنة 182 ولّى الرشيد حلب و قنسرين إسماعيل بن صالح بن علي، و أقطعه الحوانيت التي بباب أنطاكية إلى رأس الدلبة و كانت له، ثم عزله و ولى مكانه عبد الملك بن صالح.

و في سنة 187 بلغه عنه أنه يحدث نفسه بالخلافة فعزله و ولى على حلب و قنسرين ابنه القاسم ابن الرشيد.

و في سنة 188 رابط القاسم بن الرشيد بدابق. و في سنة 190 خرج الروم إلى عين زربة و الكنيسة السوداء و أغاروا، فاستنقذ أهل المصّيصة ما كان معهم من الغنيمة. و في سنة 193 ولى الرشيد على حلب و قنسرين من قبل ابنه القاسم: خزيمة بن خازم، و فيها جعل الأمين مع أخيه القاسم قحافة بن أبي يزيد، و ولى خزيمة بن خازم الجزيرة.

حوادث أيام الأمين في حلب‏

و في سنة 194 عزل الأمين أخاه القاسم عن حلب و قنسرين و العواصم و سائر الأعمال و ولاها خزيمة بن خازم. ثم في سنة 196 عزله و ولى عليها عبد الملك بن صالح بن علي ثالثة. و في ذي القعدة سنة 196 مات عبد الملك بن صالح بالرقة.

حوادث أيام المأمون في حلب‏

و في سنة 197 ولّى المأمون خزيمة بن خازم حلب و قنسرين، و قيل الوليد بن طريف.

ثم ورقة بن عبد الملك ثم يزيد بن يزيد. و في سنة 198 ولى المأمون حلب و الشام جميعه طاهر بن الحسين. و في سنة 206 ولى المأمون مصر و الشام جميعه عبد اللّه بن طاهر.

و في سنة 213 ولى المأمون حلب و قنسرين و العواصم و الثغور ابنه العباس و أمر له بخمسمائة ألف درهم. و في سنة 214 ولى المأمون حلب و قنسرين و بقية ما كان بيد ولده اسحاق‏

32

ابن إبراهيم بن مصعب بن زريق، نيابة عن ولده العباس. ثم عزله في هذه السنة و ولى ورقة الطريفي نيابة عن ولده العباس.

قدوم المأمون إلى حلب:

و في سنة 215 قدم المأمون حلب للغزاة و نزل بدابق و ولى حلب عيسى بن علي بن صالح نيابة عن ابنه العباس، و ولى قضاء حلب عبيد بن جنّاد بن أعين مولى بني كلاب بعد أن امتنع عبيد عن القضاء و هدده المأمون. و في سنة 218 أناب المأمون عن ابنه العباس عبيد اللّه بن عبد العزيز بن الفضل بن صالح صاحب قصر بطياس.

حوادث أيام المعتصم بحلب‏

و في سنة 223 كان المعتصم عائدا من غزاة الروم فقبض على العباس لما بلغه من عزمه على مخالفته. ثم استطعم العباس فأطعم طعاما كثيرا و حبس عنه الماء و أدرج في مسح فمات في منبج و دفن بها، و ولى المعتصم حلب و قنّسرين حربهما و ضياعهما، عبيد اللّه بن عبد العزيز. و في سنة 225 ولى المعتصم الشام جميعه و الجزيرة و مصر أشناس التركي، و كان نائب أشناس على حلب و قنسرين عبيد اللّه بن عبد العزيز.

و في سنة 230 مات أشناس و ولي حلب و قنسرين عبيد اللّه بن عبد العزيز. و بعده ولي عليهما و على العواصم في هذه السنة عبيد اللّه محمد بن صالح بن عبد اللّه بن صالح، فكانت سيرته غير محمودة و كان أحمر أشقر فلقب بالسمّاقة لشدة حمرته. و يقال إنه أول من أظهر البرطيل بالشام و أوقع عليه هذا الاسم، و كان يعرف بالرشوة يعطى على غير إكراه، و كان صموتا لا يسمع له كلام إلا بالأمر و النهي.

حوادث حلب أيام الواثق‏

و في سنة 231 ولّى الواثق على الثغور و العواصم و أعمالها أحمد بن سعد بن مسلم ابن قتيبه و أمره بحضور الفداء مع خاقان و ميخائيل صاحب الروم فأمضى الفداء في هذه‏

33

السنة ثم غزا شاتيا، فأصاب الناس شدة فوجد الواثق عليه‏ (1) و عزله، و ولى على ما ذكر نصر بن حمزة الخزاعي.

حوادث حلب أيام المتوكل‏

و في سنة 232 ولى المتوكل حلب و قنسرين و العواصم «الشارباميان» أحد قواد المتوكل، و كان الوالي على جند قنّسرين، من قبل الشارباميان، علي بن إسماعيل بن صالح ابن علي فكانت أيامه حسنة. ثم ولى الشارباميان مكانه عيسى بن عبيد اللّه بن عبد العزيز ابن الفضل. و في سنة 235 ولّى المتوكل علي مظالم جند قنسرين و العواصم و النظر في أمور العمال طاهرا بن محمد بن إسماعيل بن صالح. و لما وافاه مرسوم الخليفة بالتولية كان في مرضه الذي مات فيه فولّى على قنسرين و العواصم و الثغور و ديار ربيعة و مضر و الموصل، و غير ذلك، ابنه المنتصر بن المتوكل، فكانت الولاة تأتي من قبله و فيها أمر المتوكل أن يكتب إلى الآفاق بأن يؤمر أهل الذمة باستعمال الغيار (2).

حادث غريب:

و في سنة 242 وقع طائر أبيض دون الرّخمة على دلبة (3) بحلب لسبع مضين من رمضان، فصاح: يا معشر الناس، اللّه اللّه، أربعين مرة. ثم طار و عاد من الغد و صاح أربعين صوتا. فكتب صاحب البريد بذلك محضرا و أشهد فيه خمسمائة إنسان سمعوه. قال ابن العديم بعد أن حكى هذه الحادثة: و لا يبعد عندي أن تكون الدّلبة هي التي ينسب إليها رأس الدّلبة. قلت: كان محلها سوق الحمام.

و سمع في هذه السنة أصوات هائلة من السماء و تزلزلت نيسابور و تقلعت جبال من أصولها و نبع الماء من تحتها و وصلت الزلزلة إلى الشام و الثغور.

____________

(1) أي غضب عليه.

(2) لباس خاصّ بهم. و يختلف من عصر إلى آخر. انظر، مثلا، ما ذكره المؤلف في حوادث سنتي 700 ه و 1229 ه عن ذلك.

(3) الرّخمة: نوع من الطيور غزير الريش ذو منقار طويل، و له جناح طويل مدبّب يبلغ طوله نحو نصف متر، و مخالبه متوسطة الطول. و الدلب: شجر عظيم الورق لا زهر له و لا ثمر.

34

و في سنة 245 كثرت الزلازل في الدنيا و تهدم من أنطاكية كثير من الدور و أبراج السور.

ولاة حلب أيام المنتصر و المستعين و المعتز

و في سنة 247 ولّى المنتصر الثغر الشامي و صيفا التركي. و في سنة 250 مات و صيف المذكور، و ولّى المستعين حلب و قنسرين موسى بن بغا. و في سنة 251 ولّى حلب و العواصم أبا تمام ميمون بن سليمان صدقة بن عبد الملك بن صالح. و فيها بويع المعتز بالله و امتنع عليه أهل حلب و أقاموا على الوفاء للمستعين فحاصرهم أحمد المولد فلم يجيبوا ثم أجابوا و بايعوا للمعتز.

و في سنة 252 ولّى أحمد المولد على جند حلب و قنسرين و العواصم صالحا بن عبيد اللّه. و جده صاحب قصر بطياس. و في سنة 253 ولي حلب و قنسرين و العواصم أبو تمام ميمون بن سليمان ثانية. و في سنة 254 مات أبو تمام المذكور بالرقة و ولى صالح بن وصيف، أحد قواد المعتز، على عمله أبا الساج ديوداد في ربيعها الأول. و في سنة 255 تغلب أحمد بن عيسى بن شيخ علي الشامات.

أول العمال الأتراك في الشام:

و في سنة 256 مات أحمد المذكور و ولي الشام أحمد بن طولون مع أنطاكية و طرسوس و غيرهما من البلاد.

عمّال حلب أيام المعتمد

و في سنة 258 عقد المعتمد لأخيه أبي أحمد، الملقب بالموفّق، على حلب و قنسرين و العواصم، فاستناب فيها «سيما الطويل»، أحد قواد بني العباس و مواليهم، فابتنى بظاهر حلب عند باب أنطاكية دارا حسنة لها بستان كان يعرف ببستان الدار، و بهذه الدار سميت محلة باب أنطاكية «الدارين» تثنية دار، إحداهما هذه، و الثانية دار بناها قبله محمد بن عبد الملك بن صالح. و إحدى الدارين تعرف بالسليمانية على حافة نهر قويق، و حاضر السليمانية يعرف بها و هو حاضر حلب.

35

و جدد سيما الطويل الجسر الذي على نهر قويق قريبا من داره و ركّب عليه بابا أخذه من قصر بعض الهاشميين بني صالح بحلب، يقال له قصر البنات، و به كان يعرف بدرب البنات، و القصر يعرف بأمّ ولد اسمها «بنات» كانت لعبد الرحمن بن عبد الملك الهاشمي.

و سمى «سيما» باب الجسر المذكور باب السلامة. و في سيما الطويل يقول البحتري شعرا:

فردّت إلى سيما الطويل أمورنا* * * و سيما الرضى في كل أمر نحاوله‏

(1)

حوادث أيام بني طولون:

و في سنة 264 عصى أحمد بن طولون على مولاه أبي أحمد الموفق و أظهر خلعه و نزل إلى الشام، فجفل‏ (2) منه سيما الطويل إلى أنطاكية فنزل عليها ابن طولون و حاصرها و فتحها عنوة و قتل «سيما»، و استولى على حلب و الشام. و في سنة 265 توجه أحمد ابن طولون إلى مصر و ولّى على حلب مملوكه لؤلؤا.

سنة 267 خبر الزلزلة:

فيها كانت زلزلة عظيمة بالشام و مصر و الجزيرة و أفريقيا و الأندلس، و كان قبلها هدّة عظيمة قوية. و في سنة 268 خرج بكّار الصالحي، من ولد عبد الملك بن صالح، بين حلب و سلمية، و دعا لأبى أحمد الموفق، فوجه إليه لؤلؤ قائدا يقال له يوذر فأخفق سعيه.

ثم ظفر لؤلؤ ببكّار و قبض عليه سنة 268.

عصيان لؤلؤ على مولاه:

فيها عصى لؤلؤ على مولاه أحمد بن طولون، و كاتب أبا أحمد الموفق بالمسير إليه و قطع الدعاء لمولاه في مدنه جميعها: حلب و قنسرين و حمص و ديار مضر، و وافقه أهل الثغور على ذلك و أخرجوا نواب مولاه منها. فوافاه مولاه من مصر سنة 269 في مئة ألف و قبض‏

____________

(1) سيما، في الشطر الثاني: العلامة. و الرواية: «يحاوله» بدل «نحاوله». و انظر زبدة الحلب لابن العديم 1/ 77 و ديوان البحتري 3/ 1685.

(2) أي ارتحل هاربا.

36

على حرمه و باع ولده، و كان لؤلؤ هرب إلى أبى أحمد الموفق.

قصد ابن طولون الثغور و موته:

في سنة 270 قصد ابن طولون الثغور فأغلقها أهلها في وجهه فعاد إلى أنطاكية و مرض.

و ولى حلب عبد اللّه بن الفتح ثم شخص إلى مصر و مات بها. ثم ولّى ابنه أبو الجيش، خمارويه، أبا موسى محمد بن العباس الكلابي. ثم كاتب خمارويه أبا أحمد الموفق بأن يقره على حلب و مصر و سائر البلاد التي كانت في يد أبيه، و يدعى له على المنابر، فلم يجبه الموفق إلى ما طلب، فاستوحش خمارويه و ولّى حلب القائد أحمد بن دوغباش عامل الرقة.

و في هذه السنة تواقع إسحاق بن كنداج عامل الموصل و الجزيرة للخليفة مع ابن دوغباش عامل حلب لخمارويه.

سنة 271 اتفاق إسحاق مع محمد بن ديوداد بن أبي الساج المعروف بالأفشين:

فيها طمع المذكوران في الشام، فسارا إليها باتفاق مع الموفق و ملكا دمشق. و ولى الموفق ابن ديوداد حلب و أعمالها. ثم قدم أحمد بن الموفق إلى حلب بجيشه الجرار فدخلها في ربيع الآخر منها، ثم سار إلى قنسرين و هي لأخي الفصيص التنوخي، و حاضر طيئ لطيئ، و عليها سور و قلعة. ثم سار إلى شيزر فكسر العسكر المقيم بها. ثم تواقع مع خمارويه على الطواحين قرب بلد الرملة، فكانت الغلبة أولا لابن الموفق، ثم انعكس الحال و كسر و تفرقت عساكره، و خرج عليه ابن ديوداد قبل وقعة الطواحين و جاء إلى حلب و استولى عليها و معه إسحاق بن كنداج.

و في سنة 273 نزل خمارويه إلى حلب و صالحه ابن ديوداد و دعا له على المنابر و حمل خمارويه لوجوه أصحاب ابن ديوداد مائتي ألف دينار، و لكاتبه نيفا و عشرين ألف دينار، ثم راسل خمارويه أبا أحمد الموفق فأجابه و أقره على ما بيده. و في سنة 275 صعد خمارويه من الشام إلى مصر فعاد ابن ديوداد إلى فساده، فقصده خمارويه فهرب منه و عبر الفرات و خمارويه في طلبه، فهرب إلى الموفق بن المتوكل، فأحسن إليه. و في سنة 276 ولى خمارويه حلب غلام أبيه طغج بن جفّ، والد الإخشيد.

37

عود حلب إلى العباسين و حوادثهم فيها [أيام المعتضد] (1)

و في سنة 286 قلّد المعتضد حلب و قنسرين ولده أبا محمد علي، و ولى أبو محمد بن المعتضد من قبله على حلب ابنه الحسن بن محمد المعروف بكوره الخراساني، و إليه تنسب دار كوره داخل باب الجنان بحلب و الحمام المجاورة لها، و كانت خربت و لم يبق منها أثر.

و كان كاتب محمد بن المعتضد يومئذ الحسين بن عمرو النصراني فقلده النظر في هذه النواحي.

و في سنة 287 خرج وصيف خادم الأفشين على الخليفة المعتضد فضم المعتضد الثغور إلى «كوره» و كان قد أسر وصيفا المذكور و أتى به إلى حلب فأقام بها يومين، و وجد في بستان من بساتينها مالا أقرّ به وصيف أنه كان دفنه بذلك البستان أيام مولاه الأفشين، و قدره ستة و خمسون ألف دينار، فحمل إلى المعتضد.

حوادث أيام المكتفي‏

و في سنة 289 صرف المكتفي الخليفة الحسن بن كوره عن ولاية حلب و ولى عليها أحمد بن سهل النوتجاني، و ذلك في جمادى الآخرة منها. ثم في سنة 290 صرفه عنها و ولّى مكانه أبا الأغر خليفة بن المبارك السلمي، و وجّهه لمحاربة القرمطيّ‏ (2) صاحب الخال، فإنه كان قد عاث في البلاد و غلب على حمص و حماة و معرة النعمان و سلمية و قتل أهلها و سبى النساء و الأطفال. فقدم أبو الأغر حلب في عشرة آلاف فارس، و أنفذ القرمطيّ سرية إلى حلب فخرج إليها أبو الأغر، إلى وادي بطنان، فكبسه غلام القرمطي و قتل عامة أصحابه، و سلم أبو الأغر في ألف رجل و لجأ إلى قرية من قرى حلب. و أقام القرامطة كالمحاصرين لحلب.

فلما كان يوم الجمعة سلخ‏ (3) رمضان سنة 290 تسرع أهل حلب للخروج للقاء

____________

(1) ما بين مربعين زيادة منا للتوضيح.

(2) بكسر القاف و الميم، كما يضبطها المؤرخون و النّسابون. أما اللغويون فيجعلونها بفتح القاف و الميم.

(3) السّلخ: آخر الشهر.

38

القرامطة فمنعوا، و كسروا قفل الباب و خرجوا، و وقعت الحرب بين الفريقين و نصر اللّه الحلبيين و أعانهم أبو الأغر، فقتل من القرامطة خلق كثير و عاد الحلبيون يوم عيد الفطر.

و في سنة 290 ولى المكتفي حلب عيسى غلام النوشري، و في آخر هذه السنة توجه عيسى إلى مصر لمحاربة الطولونية و استخلف على حلب ولده. و لما رجع إلى حلب صرفه المكتفي منها إلى مصر و ولى حلب أبا الحسن ذكاء بن عبد اللّه الأعور سنة 292 و كان كريما يهب و يعطي، و إليه كانت تنسب دار ذكاء، و إلى جانبها دار حاجبه فيروز، انهدمت و صارت تلا نسفه الملك الظاهر و ظهر في بقايا من الذخائر كالزئبق و غيره، و كان موضع سوق الصاغة، و كان وزير ذكاء و كاتبه أبا الحسن محمد بن عمر بن يحيى النّفري، و إليه كانت تنسب حمّام النّفري، و داره هي المدرسة النفرية.

حوادث أيام المقتدر

و في سنة 295 عاثت بنو تميم في بلد حلب و أفسدوا فسادا عظيما و حاصروا ذكاء في حلب، فكتب المقتدر الخليفة إلى الحسين بن حمدان في إنجاد ذكاء في حلب، و كان ابن حمدان بالرحبة فسار إلى بني تميم و لقي منهم جماعة بخناصرة و أوقع بهم و أسر بعضهم، و انصرف و لم يجتمع بذكاء. و في سنة 302 ولى المقتدر الشام و مصر مؤنسا الخادم نيابة عن ابنه أبي العباس بن المقتدر، فاستناب مؤنس الخادم عنه في حلب أبا العباس أحمد بن كيغلغ في هذه السنة، و هو الذي مدحه المتنبي بقوله (كم قتيل كما قتلت شهيد) (1).

و كان أحمد المذكور أديبا ظريفا. و من شعره قوله:

قلت له و الجفون قرحى‏* * * قد أقرح الدمع ما يليها:

ما لي في لوعتي شبيه‏* * * قال: و أبصرت لي شبيها؟

ثم ولّى مؤنس الخادم على حلب في هذه السنة أبا قابوس محمودا بن جك الخراساني، و كان جبارا عنيدا منحرفا عن أهل البيت. و في سنة 312 عزل مؤنس الخادم أبا قابوس، و ولى مكانه وصيفا البكتمري الخادم. و في سنة 316 عزل وصيفا و ولّى مكانه هلالا ابن بدر أبا الفتح غلام المعتضد.

____________

(1) في الأصل: «شهيدا» خطأ. و هو نعت لقتيل. و تمام البيت: «لبياض الطّلى و ورد الخدود». و الطّلى:

الأعناق.

39

و في سنة 317 عزل هلالا و ولى مكانه وصيفا، ثانية، فمات في حلب يوم الثلاثاء ثامن ذي الحجة منها، و كان كاتبه عبد اللّه والد أبي العباس أحمد بن عبد اللّه الشاعر المعروف بابن الكاتب. و في سنة 318 ولى على حلب الأمير أحمد بن كيغلغ ثانية. و في سنة 319 ولّى على حلب غلام مؤنس الخادم، و هو طريف بن عبد اللّه السبكري الخادم، و كان شهما كريما حاصر بعض حصون اللاذقية و قهر أهلها و أحضرهم معه إلى حلب مكرمين، و أضيفت إليه حمص مع حلب.

حوادث أيام القاهر

و في سنة 321 قبض الخليفة القاهر مولاه مؤنس الخادم، و ولى حلب و دمشق بشرى الخادم، فأقر بشرى طريفا على عمله و سار إلى حمص لقتال ابن طغج فكسر بشرى و أسر و خنق، و وصل الأمير ابن كيغلغ إلى حلب و اتفق مع محمد بن طغج.

حوادث أيام الراضي الخليفة

و في سنة 324 قلّد الراضي حلب و أعمالها بدرا الخرشني، فبلغ خبره طريفا و كانت حلب و أعمالها بيده فأنفذ صاحبا له إلى ابن مقلة ليتوسل له بتجديد العهد و بذل له عشرين ألف دينار، و كان الخرشني وصل إلى حلب فدافعه طريف رجاء أن يقضي أربه، فزحف الخرشني على طريف في أرض حلب فانهزم طريف. و تسلّم حلب الخرشني فأقام بها مدة ثم طلبه الخليفة فسار إليه و استناب طريفا و قلده حلب و أعمالها. و في أواخر هذه السنة قلد الراضي أبا بكر الإخشيد محمدا بن طغج مصر و أعمالها مضافا إلى ما بيده من الشام.

و في سنة 325 استناب الإخشيد بحلب أبا العباس أحمد بن سعيد بن العباس الكلابي، و فيها وردت بنو كلاب من نجد و أغاروا على المعرة و أسروا واليها و أكثر جنوده، فخرج إليهم أبو العباس والي حلب و خلص منهم والي المعرة.

و في سنة 327 دخل حلب واليا عليها أبو بكر محمد بن رائق، و قيل كان دخوله إليها سنة 328 و لما وصل إليها استناب بها خاصة محمد بن يزداذ و سار لقتال الإخشيد، فهزم الإخشيد و سلّم دمشق إلى ابنه مزاحم. ثم جرى بين أبي بكر و بين الإخشيد وقعة ثانية

40

في «الحفار» أسر فيها مزاحم، فرجع ابن رائق و خلّص ولده فقتل أخو الإخشيد فكفنه ابن رائق و وضعه في تابوت و بعث به إلى الإخشيد أخيه مع ابنه مزاحم الذي كان مأسورا و قال: ما أردت قتل هذا، و هذا ولدي لتقيده‏ (1) به. فأحسن الإخشيد إلى محمد المذكور ورده على أبيه.

حوادث أيام المتقي‏

استيلاء الدولة الإخشيدية على حلب و حوادثهم فيها:

و في سنة 329 سيّر الإخشيد كافورا من مصر و معه عسكر ضخم، و في مقدمته أبو المظفر مساور بن محمد الرومي. فوصل إلى حلب هو و كافور و التقيا مع محمد بن يزداذ والي حلب من قبل رائق، فكسراه و أسراه و أخذا منه حلب، و تولاها مساور بن محمد الرومي ممدوح المتنبي بقوله:

أ مساور أم قرن شمس هذا* * * أم ليث غاب يقدم الأستاذا (2)

يريد بالاستاذ كافورا. و إلى كسرة بن يزداذ أشار بقوله:

هبك ابن يزداذ حطمت و صحبه‏* * * أ ترى الورى أضحوا بني يزداذا

(3)

و مساور هذا هو صاحب الدار التي كانت تعرف بدار ابن الرومي بالزجّاجين بحلب، و تعرف أيضا بدار مستفاد، و هي شرقي المدرسة العمادية التي جددها سليمان بن عبد الجبار بن أرتق، و تنسب إلى بني العجمي.

ثم إن الإخشيد اتفق مع ابن رائق على أن يبقي بيد ابن رائق حمص و حلب و يحمل إلى الإخشيد مالا معلوما و يزوجه ابنته. و في سنة 330 قتل أبو بكر بن رائق المذكور، و كان شهما مقداما سخيا لكنه عظيم الكبر مستبد برأيه غير موفق للصواب، و كان نائبه بحلب أحمد بن علي بن مقاتل و معه مزاحم بن رائق.

____________

(1) من القود، أي لتقتله به. و القود: القصاص. يقال: أقاد القاتل بالقتيل: قتله به قودا.

(2) قرن الشمس: أول ما يبدو منها. يقدم: يتقدم.

(3) ابن: مفعول حطمت. هبك: احسب نفسك.

41

حوادث أيام المتّقي و ابتداء أمر بني حمدان في حلب:

و لما قتل ابن رائق، كان أمير الأمراء، عند المتّقي الخليفة العباسي، ناصر الدولة بن حمدان، أخو سيف الدولة، فقلد ناصر الدولة ديار مضر عليا بن خلف و أنفذ معه عسكرا و كتب إلى يانس المؤنسي أن يعاضده و كان واليا على ديار مضر من قبل ناصر الدولة.

فسارا إلى أحمد بن مقاتل و مزاحم و انتصرا عليهما في وادي بطنان و ملكا منهما حلب.

ثم إن عليا بن خلف سار إلى الإخشيد و صار وزيرا عنده، ثم عتا عليه فاعتقله الإخشيد و مات في حبسه. و بقي يانس واليا على حلب سنة 331 و اتفق مع الإخشيد و دعا له على المنابر. و في هذه السنة في ربيع الآخر منها وصل الروم إلى قرب حلب و نهبوا و خربوا البلاد و سبوا خمسة عشر (1) ألف نسمة.

سنة 332 و ابتداء أمر بني حمدان في حلب و أعمالها:

و في هذه السنة تقرر بين «تورون» أحد قواد الخليفة و بين ناصر الدولة بن حمدان أن يكون للأول أعمال البصرة و ما إليها، و للثاني الموصل و أعمال الشام. فاستعمل ناصر الدولة على طريق الفرات و ديار مضر، و جند قنسرين و العواصم و حمص، أبا بكر محمدا ابن علي بن مقاتل ثم استبدله بابن عمه أبي عبد اللّه الحسين بن سعيد بن حمدان. فأقبل هذا من الموصل و مرّ في طريقه على الرّقّة، فمنعه أهلها فقاتلهم و ظفر بهم و أحرق بعض البلدة و أسر أميرها محمد بن حبيب البلزمي. ثم سار إلى حلب، و كان فيها يانس المونسي و أحمد بن العباس الكلابي من قبل الإخشيد، فهربا إلى حمص. و استولى أبو عبد اللّه على هذه البلاد و أقام في حلب و وافاه الإخشيد أبو بكر محمد بن طغج فأجفل عنه أبو عبد اللّه إلى الرّقة لضعفه عن لقائه.

____________

(1) كذا وردت أولا في متن الكتاب في طبعة المؤلف نفسه، أي «خمسة عشر» و هو الصواب. لكن المؤلف صححها في جدول إصلاح الغلط- في آخر الجزء- إلى «خمس عشرة» و لا وجه لهذا التصحيح، لأن المعدود- و هو الألف- مذكر. فأبقينا ما هو الصواب.

42

حوادث أيام المتّقي بالله و المستكفي‏ (1) بالله سنة 333

و لما وصل أبو عبد اللّه إلى الرقة وجد فيها الخليفة المتقي بالله فلم يأذن لأبي عبد اللّه بالدخول إليها، و استدعى المتّقي الإخشيد، فأتى إليه و أكرمه، كما أن الإخشيد برّه، و وصله، ثم كتب الخليفة له عهدا على الشام و مصر على أن يكون له و لابنه أبي القاسم أنوجور إلى ثلاثين سنة. و عاد الإخشيد إلى حلب.

استيلاء سيف الدولة على حلب‏

و فيها (2) سار الإخشيد إلى مصر، و ولّى حلب أبا الفتح عثمان بن سعيد الكلابي.

فحسده إخوته الكلابيون و استدعوا سيف الدولة عليا بن حمدان ليولّوه على حلب. فقدم إليها سيف الدولة برضاء أخيه ناصر الدولة و قد عرف اختلاف الكلابيين و ضعف أبي الفتح عن لقائه، فاستولى على حلب و هو الاستيلاء الأول في هذه السنة، و لم ير كيدا من الكلابيين و لا من غيرهم. و لما دخل إلى حلب عزل قاضيها ابن ماثل و ولّى مكانه ابن الهيثم الرقّي، و كان ظالما يأخذ تركة من مات إلى سيف الدولة.

غزو سيف الدولة أرض الروم:

فيها غزا سيف الدولة أرض الروم فهتك بلد الصفصاف و عرسوس، و غنم و عاد.

قصد جيوش الإخشيد حلب و استيلاؤه عليها:

و ما كاد سيف الدولة يستقر في حلب بعد عوده من غزو أرض الروم حتى بلغه زحف جيوش الإخشيد على حلب مع قائده و خادمه كافور و يانس المونسي، فبدرهما سيف الدولة و هما في الرّستن و أوقع بهما و بعساكرهما، و أسر منهم أربعة آلاف و غنم جميع ما معهما.

ثم أطلق الأسرى و توجه إلى دمشق، ثم خرج منها إلى الأعراب، و لما عاد إليها منعه أهلها

____________

(1) في الأصل: «المتكفي» تحريف و خطأ.

(2) أي في سنة 333 ه.

43

فبلغ الإخشيد ذلك فقصده فخام‏ (1) سيف الدولة عن لقائه لقلة عسكره، لأن أكثرهم استأمن إلى الإخشيد. ثم تواقعا بأرض قنسرين فدارت الدائرة على سيف الدولة و ولّى منهزما إلى الرقة، و دخل الإخشيد حلب و عاث أصحابه في نواحيها و قطعوا أشجارها الكثيرة و بالغوا بإيذاء الناس لميلهم إلى سيف الدولة.

سنة 334 عود سيف الدولة إلى حلب و هو الاستيلاء الثاني:

ثم في ربيع الأول من هذه السنة تقرر الصلح بين الأميرين على أن تكون حلب و حمص و أنطاكية لسيف الدولة، و دمشق للإخشيد، على أن يدفع عنها إلى سيف الدولة إتاوة سنوية (2).

استيلاء سيف الدولة على دمشق:

ثم إن سيف الدولة اغتنم فرصة خلوّ دمشق من الحامية، لانسحاب جيوش كافور و أنوجور منها إلى مصر لكفاح المغربي الذي استولى عليها. فتوجه سيف الدولة إلى دمشق و استولى عليها. ثم تبين فيها لأهلها أمارات الطمع فكاتبوا كافورا فحضر إليهم و معه أنوجور ابن الإخشيد.

سنة 335 حرب سيف الدولة مع كافور:

فتحارب في هذه السنة سيف الدولة في أكسال مع كافور، فانكسر سيف الدولة و ولّى منهزما إلى حمص، فحشد و عاد إلى مرج عذراء و تواقع فيه مع كافور فانكسر أيضا و انهزم إلى الرقة. و دخل كافور إلى حلب و ولّى عليها يانس المونسي.

الفداء بالثغور بين المسلمين و الروم:

فيها كان الفداء بين المسلمين و الروم على يد عامل سيف الدولة في الثغور، و كان عدد الأسرى 2480 و فضل للروم على المسلمين 230 أسيرا، فوفّاهم سيف الدولة من ماله.

____________

(1) خام عن القتال: جبن و تراجع.

(2) الإتاوة: الجزية و نحوها.

44

سنة 336:

و في شهر ربيع الآخر من هذه السنة أقبل سيف الدولة إلى حلب و كبس يانس المونسي فانهزم إلى سرمين. فأرسل سيف الدولة إليه من يتعقبه فانهزم وحده إلى أخيه بميّافارقين.

ثم تجدد الصلح بين سيف الدولة و ابن الإخشيد على الصفة التي كانت بينه و بين الإخشيد دون الإتاوة السنوية. و استقر سيف الدولة بحلب، و هو الاستيلاء الثالث، و عمر داره في أرض الحلبة و أجرى إليها الماء من قويق.

و فيها كان الغلاء بالشام و أكلت الحمير و الهررة و الصبيان، و مات خلق كثير.

سنة 337 غزو سيف الدولة الروم و انكساره و غير ذلك:

فيها غزا سيف الدولة الروم فانكسر، و أخذ الروم مرعش و أوقعوا بأهل طرسوس.

و فيها ملك سيف الدولة حصن برزيه. و في ذلك يقول أبو الطيب «وفاؤكما كالرّبع أشجاه طاسمه» (1). و فيها استنقذ سيف الدولة أبا وائل تغلب بن داود بن حمدان لما أسره الخارجي الذي نجم في شعبان هذه السنة. و في ذلك يقول أبو الطيب «إلام طماعية العاذل» (2).

سنة 339 غزو سيف الدولة الروم:

فيها غزا سيف الدولة الروم و أوغل و فتح حصونا كثيرة و سبى و غنم. ثم أخذ الروم عليه المضايق فهلك من كان معه، و نجا سيف الدولة في عدد يسير.

سنة 340 موت يماك التركي:

فيها مات يماك التركي مملوك سيف الدولة و كان مقدم مماليكه، و كانوا أربعة آلاف مملوك شراء ماله. و رثاه أبو الطيب بقوله «لا يحزن اللّه الأمير فإنني» (3).

____________

(1) تمامه: «بأن تسعدا، و الدمع أشفاه ساجمه».

(2) شطره الثاني: و لا رأي في الحب للعاقل.

(3) عجز البيت: «لآخذ من حالاته بنصيب».

45

سنة 341 قصد الروم مدينة سروج:

فيها قصد الروم مدينة سروج و سبوا و غنموا و خربوا مساجدها و انصرفوا. فتبعهم سيف الدولة و ظفر بهم و بنى مرعش. و في ذلك يقول أبو الطيب «فديناك من ربع و إن زدتنا كربا» (1).

مدّ نهر قويق:

و في شتاء هذه السنة مدّ نهر قويق حتى أحاط بدار سيف الدولة، و دورها سبعة آلاف ذراع، و سماها السيفية. فخرج أبو الطيب من عنده فبلغ الماء إلى صدر فرسه فقال في ذلك الأرجوزة التي مطلعها: «حجّب ذا البحر بحار دونه» (2).

سنة 342 خروج سيف الدولة إلى ديار مضر و إيقاعه بالدمستق، و أسره ابنه:

في حاشية من ديوان للمتنبي مخطوط، محفوظ عندي، ما صورته: «فيها رحل سيف الدولة من حلب إلى ديار مضر لاضطراب البلاد بها. فنزل حرّان فأخذ رهائن بني عقيل و قشير و عجلان، و حدث له بها رأي في الغزو فعبر الفرات إلى دلوك، إلى قنطرة صنجة، إلى درب القلّة، فشنّ الغارة على أرض عرقة و ملطية، و عاد ليعبر الفرات من درب موازد فوجد العدو قد ضبطه عليه فرجع، و تبعه العدو فعطف عليه فقتل كثير من الأرمن. و رجع إلى ملطية و عبر قباقب، و هو نهر، حتى ورد المخاض على الفرات تحت حصن يعرف بالمنشار، فعبر إلى نهر هنريط و سمنين، و نزل بحصن الران، و رحل إلى سميساط فورد عليه بها من خبّره أن العدو في بلد المسلمين. فأسرع إلى دلوك و عبرها، فأدركه راجعا على جيحان فهزمه و أسر قسطنطين بن الدمستق، و جرح الدمستق في وجهه. و كان الإيقاع به يوم الاثنين لعشر خلون من ربيع الأول. فقال أبو الطيب يصف ما كان في جمادى الآخرة من هذه السنة «لياليّ بعد الظاعنين شكول» (3).

____________

(1) تمامه: «فإنك كنت الشرق للشمس و الغرباء».

(2) في الأصل: «بحارا» و التصويب من الديوان. و تمام البيت: «يذمّها الناس و يحمدونه».

(3) شكول: أي يشبه بعضها بعضا. و عجز البيت: «طوال، و ليل العاشقين طويل».

46

سنة 343 سير سيف الدولة إلى الحدث و إيقاعه بجيوش الدّمستق:

و في الحاشية المذكورة ما صورته:

«في هذه السنة سار سيف الدولة نحو حصن الحدث لبنائها، و كان أهلها أسلموها بالأمان إلى الدمستق سنة 337 فنزلها سيف الدولة يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة من سنة 343 و بدأ في يومه فخطّ الأساس و حفر أوله بيده ابتغاء ما عند اللّه تعالى.

فلما كان يوم الجمعة نازله ابن النقاس، دمستق النصرانية، في نحو خمسين ألف فارس و راجل من جموع الروم و الأرمن و الروس و البلغر و الصقلب و الخزرية. و وقعت المصادمة يوم الاثنين انسلاخ جمادى الآخرة من أول النهار إلى وقت العصر، و إن سيف الدولة حمل عليه بنفسه في نحو خمسمائة من غلمانه و أصناف رجاله فقصد موكبه و هزمه و ظفر به و قتل نحو ثلاثة آلاف رجل من مقاتلته و أسر خلقا من استخلاديّته و أراخيته، فقتل أكثرهم و استبقى البعض، و أسر نوذس الأعور بطريق سمنذوا و القنذوا، و هو صهر الدمستق على ابنته، و أسر ابن بنت الدمستق، و أقام على الحدث إلى أن بناها و وضع آخر شرافة منها بيده في يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب. فقال أبو الطيب في ذلك و أنشده إياها بعد الوقعة بالحدث: «على قدر أهل العزم تأتي العزائم».

أقول: هذه النبذة ساقها العكبري في شرح هذه القصيدة مع تصرف قليل ببعض ألفاظها. و قد غلط ابن الأثير فذكر أسر ابن الدمستق في هذه الواقعة. و لعل الذي أوقعه بهذا الوهم قول المتنبي في هذه القصيدة:

و قد فجعته بابنه و ابن صهره‏* * * و بالصهر حملات الأمير الغواشم‏

على أن الفجع بابنه في هذا البيت لا يستلزم حصوله في هذه الوقعة، إنما هو إخبار عنه في الوقعة الأولى.

و قد غلط بعض المؤرخين في هاتين الوقعتين غلطتين، إحداهما: توهّمه أنهما وقعة واحدة، و ثانيهما: فهمه من عبارة العكبري أنها أفادت أن ابن الدمستق أسر في هذه الوقعة.

مع أن عبارة العكبري لا يستفاد منها أنه أسر و لا قتل في هذه الوقعة كما يظهر ذلك بداهة

47

لمن قرأها. على أن ذكر أسره في قصيدة المتنبي التي أنشدها في الوقعة الأولى صريح حيث يقول:

على قلب قسطنطين منه تعجّب‏* * * و إن كان في ساقيه منه كبول‏ (1)

إيقاع سيف الدولة ببني كلاب:

و فيها أحدث بنو كلاب حدثا بنواحي بالس‏ (2)، و سار سيف الدولة خلفهم فأدركهم بعد ليال على بعد 120 ميلا من حلب، فأوقع بهم ليلا فقتل و ملك الحريم و أبقى و أحسن. فقال أبو الطيب «بغيرك راعيا عبث الذئاب‏ (3)».

سنة 344 ورود رسول ملك الروم:

في محرّم هذه السنة ورد على سيف الدولة فرسان طرسوس و أذنة و المصيصة و معهم رسول ملك الروم في طلب الهدنة و الفداء، فقال أبو الطيب «أراع كذا كلّ الأنام همام» (4).

خروج سيف الدولة إلى الأعراب و إيقاعه بهم:

في الحاشية المذكورة ما خلاصته:

في هذه السنة تجمعت عامر بن صعصعة و عقيل و قشير و العجلان، أولاد كعب بن ربيعة بن عامر، بمروج سلمية و كلاب بن ربيعة و من ضامّها، بماء يقال له الزرقاء بين خناصرة و سورية، و تشاكوا بما لحقهم من سيف الدولة و تضافروا على حربه و كانوا في كثرة من عددهم و عددهم، و قد زين لهم ذلك قواد من كعب كانوا في عسكر سيف الدولة، فركضوا على أعماله فقتلوا صاحبه بناحية زعرايا يعرف بالمربوع من بني تغلب‏

____________

(1) من قصيدته «ليالىّ بعد الظاعنين شكول». قسطنطين: ابن الدمستق. و الكبول: القيود الضخمة، مفردها:

كبل.

(2) هي اليوم مدينة مسكنة.

(3) تمام البيت: «و غيرك صارما ثلم الضّراب». الضراب: المضاربة.

(4) تمام البيت: «و سحّ له رسل الملوك غمام». راع: خوّف، و الاستفهام للتعجب. كذا: أي روعا كهذا الرّوع.

سحّ الماء: صبّه. يعني تتابعت رسل الروم إلى سيف الدولة كأنها مطر يصبه الغمام.

48

و قتلوا الصباح بن عمارة والي قنّسرين.

ثم إن سيف الدولة اشتغل عن النهوض إليهم بوفود طرسوس فتمادت أيام مسيره و زاد ذلك في طمع البوادي. ثم قدّم مقدّمة إلى قنّسرين في يوم السبت لليلة خلت من صفر هذه السنة. فأقامت المقدمة أحد عشر يوما أملا أن ترعوي البادية فلم يرتدعوا. فبرز سيف الدولة إلى ضيعة يقال لها الراموسة على ميلين من حلب في يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من صفر، و سار عنها في يوم الأربعاء فنزل تل ماسح و راح منه فاجتاز بمياه الحيار فطواها و تلقته مشيخة من بني كلاب و غيرهم فطرحوا نفوسهم بين يديه و سألوه قبول تسليمهم إليه.

و قصد سلمية فلما كان سحر يوم الجمعة لأربع عشرة خلت من صفر تجمعت الأعراب، كعب و من ضامّها من اليمن، في عدّتها و عدّتها، و حبسوا ظعنهم بماء يقال له حيران، على نحو مرحلة من سلمية، و بعضهم بماء يقال له القرقلس وراءه. و وافت خيولهم مشرفة على عسكر سيف الدولة من كل ناحية. فركب لهم و وقع الطراد فلم يمض إلا ساعات حتى ركب أكتافهم و ولّوا و استحر القتل و الأسر بآل المهيا و وجوه عقيل و قوادها، و أسر خويلد بن عوسجة بن منصور بن المهيا، و شداد النعمي، وجه بني نعمة. فأطلق جمعهم منّا عليهم مع عدد كبير و أسروا و أطلقوا، و قتل من جمعهم نيّفا و خمسين رجلا، و أخذ منهم نحو مائتي فرس، و دروع من كان عليها.

و رحل سيف الدولة ضحوة نهار الجمعة متبعا لهم فأسرعوا لترحيل بيوتهم فوافى ماء حيران بعد الظهر فوجد آثار جفلتهم، و سار إلى ماء القرقلس و أمر بالنزول عليه. ثم عنّ له رأي في اتّباعهم فرحل لوقته إلى ماء الغنثر يوم السبت النصف من صفر، و تسع بقين من حزيران، و قدّم خيلا فلحقت ما لهم و حازته، فنزل على الغنثر قبل نصف الليل و قد امتلأت الأرض من الأغنام و الجمال و الهوادج و الرحال، و قد تفرقت خيولهم و اشتبهت عليهم الطرق، فوقع أصحابه على عدة منهم فقتلوهم. و سار وقت السحر إلى تدمر فنزل ماء الجباه على سبعة و عشرين ميلا من الغنثر، و تفرقت خيله في طلب الفلول فساقت الماشية و قتلت عدّة، و سار سيف الدولة من تدمر نحو السماوة فقتل و أسر و صفح عما ملكه من الحريم، ثم رجع من السماوة شفقة عليهم من الاستئصال لأن الكثير منهم يموتون عطشا وجوعا. و قد قصد فريق منهم جهة القلمون مما يلي دمشق. ثم عاد سيف الدولة إلى‏

49

معسكره و مر بطريقه على جماعة من تلك الجموع أسروا و عجزوا عن الهرب فبرّهم و زوّدهم. و أقام بتدمر يومين و بثّ الخيل ليتعرف أخبارهم فظفرت خيوله بمال منقطع و أقوام فصفح عنهم و رحل نحو أركة ثم نحو السخنة ثم نحو عرض و الرصافة و الرقة فتلقاه أهلها. ثم نحو حلب فوصل إليها يوم الجمعة لست خلون من شهر ربيع الأول من هذه السنة فقال أبو الطيب يمدحه و يذكر ما جرى: «تذكّرت ما بين العذيب و بارق» (1).

مسير سيف الدولة إلى الدّمستق في حصن الحدث:

في جمادى الأولى من هذه السنة نهض سيف الدولة إلى الثغر لما ورد عليه من الدمستق و جيوش النصرانية قد نزلوا على حصن الحدث و نصبوا عليه مكايد، و قد أنجدهم ملكهم بأصناف العسكر من البلغر و الروس و الصقلب في عدد و عدد، فسار سيف الدولة من حلب فلما قرب من الحدث رحل العدو إلى حصن رعبان. و خرج أهل الحدث و أخذوا آلة سلاح العدو و أعدّوه في حصنهم، و عاد سيف الدولة إلى حلب فقال أبو الطيب «ذي المعالي فليعلون من تعالى» (2).

أقول: ذكر العكبري أن هذه الحادثة كانت في سنة 340 و هو غلط و الصواب أنها كانت في هذه السنة و هي سنة 344.

سنة 345 غزو سيف الدولة الروم:

في الحاشية المذكورة ما خلاصته:

أن سيف الدولة غزا من حلب و معه أبو الطيب، و قد أعدّ الآلات لعبور أرسناس، فاجتاز بحصن الران ثم اجتاز بحيرة سمنين ثم بهنريط. و عبرت الروم و الأرمن أرسناس و هو عظيم الجرية و البرد، فسبح الخيل حتى عبرته خلفهم إلى تل بطريق و هو مدينة لهم، فغرق جماعته و أحرق تل بطريق و قتل من وجد فيها. و أقام أياما و عقد بها سمريّات‏ (3) ليعبر السبي‏

____________

(1) عجزه: «مجرّ عوالينا، و مجرى السّوابق». العذيب و بارق: موضعان بظاهر الكوفة. و العوالي: الرماح.

و السوابق: الخيل.

(2) في الأصل: «المعال» بدل «المعالي» خطأ- و تمام البيت: «هكذا هكذا و إلّا فلالا».

(3) كذا في الأصل، و الذي في المعاجم اللغوية: «السّميريّات» و هي ضرب من السفن، مفردها «سميريّة» بصيغة التصغير.

50

فيها ثم أقفل، فاعترضه البطريق في الدرب بالجيش، و ارتفع في ذلك الوقت سحاب عظيم و جاء مطر جود (1)، و وقع القتال تحت المطر و مع البطريق نحو ثلاثة آلاف قوس، فابتلّت أوتار القسيّ فلم تنفع فانهزم أصحابه. ثم انهزم بعد أن قاتل و أبلى، و علقت به الخيل فجعل يحمي نفسه حتى سلم.

و اتصل بسيف الدولة خبر يانس، سبط الدمستق شمشقيق البطريق، في متابعته الغارة على أطراف ديار بكر و تقديره أنه آمن ببعد سيف الدولة. فسار سيف الدولة في يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من محرّم سنة 345 و لما وصل إلى حرّان لقيته وجوه بني نمير لائذين به و سألوه العفو عن كل شي‏ء كان أنكره عليهم، فأجابهم إلى ذلك و تنكّب طرق الجادة و أخذ على حصن الران إلى حصن الحمة إلى حصن بارقبين، و جميعها له و في يده، و دخل منه غازيا في يوم السبت لأربع بقين منه. و قد كان البطريق و من تجمع إليه من البطارقة ورد الدرب للغارة على بلد آمد، فلما أشرف سيف الدولة ولّوا منهزمين و نزل سيف الدولة بشاطئ بحيرة سميساط و خيوله تركض و تأسر و تحرق و تسبي.

ثم سرى في يوم الأحد بغلامين من غلمانه إلى شط أرسناس و سار في أثرهما فنزل ضيعة تعرف بأنحى في لحف‏ (2) حصن زياد. و عادت سريته غانمة سالمة. و بكّر فسار إلى شط أرسناس فنزل على حصن أشوان بإزاء مدينة يقال لها الأشكونية و هي مسكن البطريق و كان أخذ معه سفنا مخلّعة و أطوافا، فلما خيّم بشاطئ النهر يوم الاثنين لليلتين بقيتا من المحرم عبر بعض خيوله سابحة إلى ناحية الأشكونية فسبت و غنمت، و ابتدأ بعمل السفن و الأطواف ففرغ من عدّة منها في بقية يومه و باكر تعبير (3) الرجال فيها في يوم الخميس، فقصد مدينة تل البطريق فأحرقها و انكفأ إلى أخرى يقال لها أسفوان فألحقها بأختها، و شنّ الغارات في تلك الأطراف، و بلغ ذلك من الروم مبلغا عظيما و عاد إلى سواده و عسكره ظافرا غانما، و رحل يوم السبت لثلاث خلون من صفر فقصد بلدا يقال لها هورى فأحرقه و ما اجتاز به من بلاد الروم و سبى و قتل.

____________

(1) أي غزير.

(2) اللّحف: أصل الحصن و الجبل و نحوهما.

(3) أي جعلهم يعبرون الماء.

51

و رحل في يوم الأحد فنازل حصنا يقال له دارم و فيه مقاتلة للروم من يوم الثلاثاء إلى يوم الخميس حتى قارب فتحه، فبلغه تجمّع الروم في عددهم و مددهم و أخذهم الدروب و تقديرهم اعتراضه في يوم الجمعة فنزل منزلا ببطن سمنين بعد عبره عقبة هاموته و بكر في يوم السبت لعشر خلون من صفر قافلا إلى الدرب المعروف بدرب باقسايا. فلما توسط و ظهرت قوافل أعدائه أنفذ إليهم من ناوشهم فاستظهر عليهم ثم كرّوا و صبروا. و أمر سيف الدولة بضرب خيمة بموضعه و صعد إلى جموعهم و هم عند أنفسهم مستظهرون في مواضعهم فخمل عليهم فولوا و وضع السيف فيهم فقتل فيما قتل أربعة آلاف رجل، منهم ابن بلنطس البطريق، و ابن فشير فارس النصرانية، و زروان مرح قلزور و أرجوزان و عدد يطول ذكرهم و غنم الرجال ما يفوق الإحصاء من الدوابّ و البغال و الحلي و الديباج. و سار طالبا لفلّهم‏ (1) في طبراش و صعوده و هبوطه و احتاج في بعضه إلى الترجل و المشي. و كان انصرافه عن الفل بعد العصر، و سار نحو آمد فدخلها في آخر نهار يوم الأحد لعشر خلون من صفر سنة 345 فأنشده أبو الطيب في آمد قصيدته التي مطلعها «الرأي قبل شجاعة الشجعان» (2).

سنة 347 الزيادة في الأذان:

قال المقريزي في الخطط المصرية: أول من أذّن بالليل: «محمّد و عليّ خير البشر»:

الحسين، المعروف بأمير أشكنبة، و يقال أسكنبة، و هو اسم أعجمي معناه الكرش، و هو ابن علي بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب. و كان أول تأذينه بذلك في حلب أيام سيف الدولة سنة 347 و لم يزل الأذان بحلب يزاد فيه: «حيّ على خير العمل، و محمد و عليّ خير البشر» إلى أيام نور الدين محمود زنكي. فلما فتح المدرسة الكبيرة المعروفة بالحلوية استدعى أبا الحسن عليا بن الحسن بن محمد البلخي إليها فجاءه و معه جماعة من الفقهاء و ألقى بها الدروس، فلما سمع الأذان أمر الفقهاء أن يصعدوا المنارة وقت الأذان، و قال لهم: مروهم أن يؤذّنوا الأذان الشرعي، و من امتنع منهم كبّوه على رأسه. ففعلوا ما أمرهم به و بطلت هذه الزيادة.

____________

(1) الفلّ: جماعة المهزومين، و الجمع: فلول.

(2) تمامه: «هو أول و هي المحلّ الثاني».

52

قلت: سيأتي ذكر هذا في حوادث سنة 543 و ذكر ابن الوردي حادثة ابتداء الزيادة في الأذان سنة 369 أيام سعد الدولة أبي المعالي شريف بن سيف الدولة، لا في أيام أبيه، كما ذكره المقريزي، فليحرر.

أما زيادة الصلاة و السلام عقيب كل أذان فقد التزمت في حلب سنة 792 قال أبو ذر في تاريخه، في ترجمة الملك الظاهر برقوق الجهاركسي: و في أيامه سنة 792 أحدثوا في حلب السلام على النبي (عليه السلام) عقيب كل أذان، و يقال إن ذلك عن أمره، و كان هذا قد أحدث في العام الأول. ثم قال: و أخبرني والدي أنهم كانوا يصلون على آدم عقيب الأذان، و سببه أن شخصا زعم أنه رأى في منامه آدم، فقال له: أنا أبو كم و لا تذكروني و لا تصلّون عليّ. فأخبر بذلك الحاكم فأمر بالصلاة عليه. اه.

سنة 348 غزو الروم طرسوس و الرّها:

في هذه السنة غزت الروم طرسوس و الرّها فقتلوا و سبوا و عادوا سالمين.

سنة 349 غزو سيف الدولة الروم:

فيها غزا سيف الدولة الروم فأبلى فيهم و فتح عدة حصون و سبى و أسر و غنم و بلغ خرشنة. ثم إن الروم أخذوا عليه المضايق و استردوا جميع ما معه و وضعوا السيف في أصحابه، و تخلص هو في ثلاثمائة رجل بعد جهد و مشقة. و في ذلك يقول المتنبي «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع» (1).

الجليد و البرد:

و فيها جاء الجليد و البرد حتى جمد الفرات و القدور على النار، و يبس الزيتون في المعرة و كفر طاب. و في سنة 350 خرج كمين من الروم على قفل‏ (2) بين أنطاكية و طرسوس فأخذ الرجال و قتل كثيرا منهم، و كان معهم صاحب أنطاكية فتخلص منهم.

____________

(1) عجزه: «إن قاتلوا جبنوا، أو حدّثوا شجعوا».

(2) القفل: العائدون إلى وطنهم. و قد تكون بمعنى «القافلة».

53

سنة 351 استيلاء الروم على عين زربة:

فيها زحف الدمستق بجيوشه الجرارة على مدينة عين زربة، و تسلّمها من أهلها بعد أن أمّنهم، ثم غدر بهم فقتل الرجال و النساء و الصبيان و مات كثير من أهلها في الطرقات، و نهب الروم جميع أموالهم و استولوا على أربعة و خمسين حصنا. ثم انصرف الدمستق على أن يعود بعد عيده، و خلّف جيشه بقيسارية. و كان ابن الزيات صاحب طرسوس خرج في أربعة آلاف طرسوسي، فقتل الدمستق أكثرهم و قتل أخا ابن الزيات.

فعاد ابن الزيات لطرسوس و كان قطع بها الخطبة لسيف الدولة فأعادها أهل البلد له و راسلوه و علم ابن الزيات بذلك و اشتد عليه هذا الأمر، فصعد إلى روشن‏ (1) في داره و ألقى منه نفسه إلى النهر تحته و غرق. و راسل أهل بغراص الدمستق و بذلوا له مائة ألف درهم فأقرهم و ترك معارضتهم.

و في هذه السنة أعاد سيف الدولة بناء عين زربة. و فيها بعد أن انصرف الدمستق إلى بلاده و قضى صومه و عيده بها، خرج إلى قيسارية جريدة و لم يعلم به سيف الدولة.

استيلاء الدمستق على حلب:

فتوجه الدمستق إلى حلب و كبسها، و قد أعجل الأمر سيف الدولة عن الجمع و الاحتشاد فخرج إليه بمن معه فقاتله و لم يكن له به قبل لقلة عسكره، فقتل أكثرهم و قتل جميع أولاد داود بن حمدان، و انهزم سيف الدولة في نفر يسير، و ظفر الدمستق بدار سيف الدولة المعروفة بالدارين‏ (2) خارج حلب، فوجد فيها لسيف الدولة ثلاثمائة بدرة (3) دراهم، و أخذ له ألفا و أربعمائة بغل، و سلاحا لا يحصى، و خرب الدار و ملك الحاضر و حاصر المدينة فقاتله أهلها من ثلمة من السور ثلمها الروم، فقتل من الروم خلق كثير و في الليل عمر الحلبيون هذه الثلمة فتأخر الروم إلى جبل الجوشن‏ (4).

ثم إن رجال الشرطة قصدوا منازل التجار لينهبوها فلحق الناس أموالهم ليمنعوها و خلا

____________

(1) الرّوشن: الشرفة «البلكون».

(2) يعرف هذا المكان باسم «ربض الدارين»، و كان أمام باب أنطاكية، على نهر قويق.

(3) البدرة: كيس فيه ألف، أو عشرة آلاف، درهم.

(4) هو الجبل الذي يقوم عليه حيّ الأنصاري (أو سيف الدولة) اليوم.

54

السور منهم، فاغتنم الروم الفرصة و تسوروا و نزلوا و فتحوا الأبواب و دخلوا البلد بالسيف يقتلون من وجدوا حتى ضجروا و تعبوا. و كان في حلب ألف و أربعمائة أسير رومي، فخلصوهم و جمعوا السلاح و سبوا بضعة عشر ألف صبي و صبية و أخذوا من الأموال ما قدروا على حمله و أحرقوا المساجد و الجامع الأعظم و احترق معه مكتبته التي كانت تشتمل على عشرة آلاف مجلد في فنون شتى. و كانت عدة عسكره في هذه الواقعة مائتي ألف رجل، منهم ثلاثون ألف مدرّع و ثلاثون ألفا للهدم و إصلاح الطرقات و تنحية الثلوج عنها، و أربعة آلاف بغل تحمل الحسك‏ (1) من الحديد.

و لما دخل الروم البلد قصد الناس القلعة فمن دخلها نجا بنفسه. و أقام الدمستق تسعة أيام و أراد الانصراف عن حلب، ثم بدا له أن ينزل على القلعة فأنفذ ابن أخت الملك و كان معه، و بقي الدمستق بعسكره على باب البلد، فتقدم المذكور و معه سيفه و ترسه و تبعه الروم. و لما قرب من باب القلعة ألقي عليه حجر فسقط و رمي بخشب فقتل، فأخذه أصحابه و عادوا إلى الدمستق فلما رآه قتيلا قتل جميع من كان معه من أسرى المسلمين و كانوا ألفا و مائتي أسير، و عاد إلى بلاده و لم يعترض لسواد حلب، و أمر أهله بالزراعة و العمارة ليعود إليه في العام الثاني.

و في هذه السنة أسرت الروم أبا فراس الحمداني من منبج، و كان متقلدا لها.

امتناع أهل حران على عاملها:

و في سنة 352 امتنع أهل حرّان على صاحبها هبة اللّه بن ناصر الدولة الحمداني، و كان متقلدا لها و لغيرها من ديار مضر من قبل عمه سيف الدولة، فعسفهم و ظلمهم. و كان هبة اللّه عند عمه بحلب حين قيامهم على نوابه، فسار إليهم سيف الدولة و ابن أخيه و حصروهم و اقتتلوا أكثر من شهرين. ثم لما رأى سيف الدولة شدة الأمر أجابهم إلى ما طلبوا و دخل هبة اللّه البلد.

____________

(1) الحسك: حبل فيه شوك من الحديد، يلقى حول العسكر، فإذا جاءت خيل العدو نشب الشوك في حوافرها.