الحكايات في مخالفات المعتزلة من العدلية والفرق بينهم وبين الشيعة الإمامية

- الشيخ المفيد المزيد...
136 /
7

[مقدمة التحقيق‏]

تقديم:

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه، و الصلاة و السلام على سيّدنا رسول اللّه، و على الأئمة من آله حجج اللّه.

و بعد:

في عام (1408) طبع هذا الكتاب بتحقيقي في العدد السادس عشر من نشرة «تراثنا» الفصليّة، التي تصدرها مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، في مدينة قم المقدّسة.

و كنت قد اعتمدت في تحقيقه على ثلاث نسخ، و قدّمت له مقدّمة مسهبة احتوت على: دعوة لإحياء الذكرى الألفية لوفاة مؤلّفه الشيخ المفيد (رحمه اللّه) (413- 1413).

و احتوت على حديث عن أقسام التعاليم الإسلاميّة، و نشوء الفرق الكلاميّة، و الخلط بين المذاهب، و نبذة عن حياة الشيخ المفيد (قدّس اللّه سرّه)، و عن هذا الكتاب.

و لقد قيّض اللّه من حقّق الرغبة و لبّى الدعوة لإحياء الذكرى الألفيّة، فرغب إليّ في إعادة طبع هذا الكتاب، ضمن ما عزم على نشره من تراث الشيخ المفيد (رضوان اللّه عليه).

8

و لقد تمّ تصميم القائمين على هذا الأمر أن يعيد نشره ثانية، بصورة مستقلّة.

فقمت بقراءة ثانية للكتاب، مع اعتماد نسختين أخريين منه في العمل، و تقديم كلمة قصيرة عن موضوع الكتاب، و نسبته، و نسخه، و منهج العمل فيه.

آملا أن يجوز رضا المراجعين الفضلاء.

و للّه الحمد في الأولى و الآخرة، إنّه وليّ التوفيق، و هو نعم المولى، و نعم النصير.

و كتب السيّد محمّد رضا الحسينيّ في 25 رجب المرجّب 1412

9

المقدّمة

1- على الأعتاب‏

يعتبر القرن الرابع الهجريّ- عند بعض الدارسين حول التاريخ الإسلامي- عهدا مميّزا بأهميّة خاصّة من بين القرون التي سبقته و لحقته.

و ربما يكون بين أسباب ذلك أنّه القرن الذي سبقته ثلاثمائة عام، كانت كافية لأن ترسو فيها الأمّة على شاطئ الاستقرار و الأمان، في السياسة و القانون و العقيدة، بعد أن مرّت بالتجارب العديدة و اللازمة و المتفاوتة في أشكال الحكم و أنظمته، و في المدارس الفقهيّة و مناهجها، و في الآراء و العقائد و نظريّاتها، كما كان المفروض أن يتمّ الازدهار على كافّة الأصعدة، بعد أن جرّب كل أصحاب القدرات و المهارات المهنيّة و الصناعيّة و العمليّة حظوظهم، و حتّى بعد أن امتلأ أصحاب الشهوات و الأهواء من أمنيّاتهم و رغباتهم التي حصلوا عليها، بعد أن عانت الأمّة و عاشت كلّ الآلام و الآمال، و وقفت على كلّ التجارب، و حان لها أن تقترع على الشكل النهائيّ و الأفضل، و الذي يتمثل فيه «الحقّ الإسلاميّ» الذي تنتمي إليه الأمّة بكاملها، على اختلاف أهوائها و مذاهبها، و العنوان الكبير الذي لا يزال له الهيبة و الرسم، و الى ودّه و حبّه تتسابق كلّ الفئات، و كلّ يدّعي وصلا به، هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى: نجد في هذا القرن خاصّة، الزمان الذي تكاملت فيه مصادر المعرفة الإسلاميّة، و جمعت و ضبطت، بحيث لم‏

10

يشذّ عن حيطة الدارسين ما يعذرون بجهله.

و ملاحظة اخرى تعتبر هامّة: أنّ الثقافات غير الإسلاميّة، أصبحت تظهر نشاطا خاصّا بعد أن تمادى بالأمّة البعد عن التعاليم الإسلاميّة، فتردّت في مهاوي الفراغ العقائديّ، و الفساد الخلقي، و الضعف العسكريّ، فوجدت تلك الثقافات منافذ للتسلّل إلى المجتمع الإسلاميّ، مستغلّين ذلك، إلى جانب السماح الإسلاميّ المتبني لمبدأ «لا إكراه في الدين».

و لقد حاولت المذاهب و الفرق المختلفة من اتخاذ المواقع المحدّدة، للحفاظ على نفسها و على المنتمين إليها، فرسمت لأنفسها الحدود العقيديّة، حسب مناهجها الفكريّة، كما حصل للمذهب السنيّ على يد منظّره العقيديّ ابي الحسن عليّ بن إسماعيل الأشعري (ت 330) الذي حدّد معالم «العقيدة الأشعرية» في مؤلّفاته، فظلّت ملتزما بها، عند أهل السنّة حتّى اليوم!

و بالنسبة الى مذهب الشيعة، فإنّ هذا القرن كذلك كان مميّزا و مهمّا:

في بداياته واجهت الطائفة مسألة غيبة الإمام (عليه السلام) بشكل جديد، و هو أمر- و إن سبقت له أمثلة- إلّا أنّها في هذه المرّة كانت أدقّ، و أوسع مدى.

و في هذا الظرف بالخصوص كانت النصوص الشرعية المباشرة قد تكاملت، و لم يتوقّع بعد ذلك صدور نصّ جديد، بفرض الغيبة الكبرى للإمام (عليه السلام) الذي يعتبر مصدرا ممتدّا للتشريع.

11

و عندها أقدم واحد من كبار علماء الشيعة في ذلك العصر، بتجميع كافّة ما توفّر من النصوص المعتمدة، للمعرفة الإسلامية، و هو الإمام أبو جعفر الكلينيّ محمّد بن يعقوب الرازيّ (ت 329) الذي ألّف كتاب (الكافي) فاعتبر مجدّدا للإسلام في مطلع القرن الرابع الهجريّ، و كذلك عمد الاعلام من معاصريه بتأليف النصوص و تجميعها، لتكون نواة لاستنباط الأحكام، و التفريع على أساسها.

و من هذا ارتأينا في بعض بحوثنا أن يسمّى هذا العصر بعصر «تحديد النصوص».

و من ناحية سياسيّة: فإنّ هذا القرن شهد انفراجا امام الطائفة الشيعيّة ليظهروا قابليّاتهم على الساحة، فتمكّن العديد من أبنائها بجهودهم من الفوز بمواقع هامة، و الاحتواء على حقائب و زارية- باصطلاح عصرنا- أو تولّي إمارات البلدان الكبرى في الدولة العباسيّة، كما تغلّبت بعض الطوائف الشيعيّة على مقاطعات من الامبراطورية الإسلامية بالنضال و الحرب، كما كان بالنسبة إلى الزيديّة في اليمن، و الفاطميّين في المغرب.

و كان لهذا، و لوجود الأمراء الشيعة ضمن الدولة المتمثّلة في نظام الخلافة العباسيّة في بغداد- كالحمدانيين في الموصل و حلب الشهباء و البويهيّين في الريّ و فارس و أصبهان- أثره الفعّال في انعطاف السياسة الحكوميّة السنيّة- ظاهرا- تجاه الطائفة الشيعية و المذهب الشيعي، و اتّخاذ مواقف أكثر مرونة، أو ديمقراطيّة- إن صحّ التعبير-.

و تمكّن الشيعة في ظلّ هذه الظروف من التنفّس و التواجد في الساحة بحريّة، بالرغم من المشاغبات الطائفيّة التي كان يثيرها الجهلة

12

من العوامّ، او بتدخّل بعض المتعصّبين من علماء السوء أو المغفّلين، و حتّى بفعل الحكّام المنتهزين للفرص.

فكان على علماء المذهب أن يعلنوا عن مواقفهم الصريحة و المحدّدة تجاه المسائل المعروضة على الساحة، و يدافعوا بكلّ ما اوتوا من قوّة، كي يتمّوا الحجّة على من لا يعرف، و يدحروا اتهامات المغرضين، فكان أن انبرى أعلام الطائفة ببياناتهم و تأليفاتهم، بعرض تفاصيل العقائد الحقّة، و بصورتها المتكاملة و المتطوّرة، في هذا القرن.

و الذي تزعّم هذه الحركة الخطيرة و مع اتمّ الصلاحيّة و كلّ العزم و أشدّ القوّة، هو الشيخ الإمام أبو عبد اللّه المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان، البغداديّ، العكبريّ (ت 413)

لقد تمكّن هذا الشيخ العظيم من تحديد ما يجب اعتقاده للشيعة الإماميّة، مميّزا لعقائدهم الحقّة من بين مقالات الفرق الشيعيّة الأخرى.

أمّا الفرق غير الشيعيّة، فإنّ له معها مواقف حاسمة في مجالسه، و مناظراته، و بحوثه، و كتبه، حول المواضيع المطروحة على الساحة يومئذ، و هي معروفة من خلال قائمة مؤلّفاته و عناوين مناظراته.

و الحقّ أنّ الشيخ المفيد، قد استفاد من الأوضاع التي عاصرها، و التي كانت ملائمة الى حدّ ما، في المجالات السياسيّة و الاجتماعيّة و العلميّة، فائدة كبيرة و فخمة، و بجودة و دقّة فائقة حتّى اعتبر- بحقّ- مرسي قواعد المذهب، و مشيّد صرّح الدين و رافع أعلام الحقّ، و مناصر المؤمنين، فله على كلّ الطائفة «منّة» مدى القرون.

13

إنّه تمكّن- بقدرته الفائقة في العلم و البيان، و موقعه الرفيع بين أعلام الأمّة- من تشييد أصول المذهب، و الاستدلال على عقائده الحقّة بأقوى ما لدى المسلمين من أدلّة معتمده على مصادر المعرفة من قرآن، و حديث، و إجماع، و مناهج عقلية، و مسالك عرفيّة مسلمة، و على أسس علمية رصينة، بعد ان كانت قد غمرتها ترسّبات سياسات الخلافة الظالمة، و تعصّبات الطائفيّة الجاهلية، و تعدّيات الأعداء الحاقدين، فصمّت الآذان عن سماعها، و عمهت قلوب و عقول عن تعقّلها و الانتعاش بحقّها.

فكان الشيخ المفيد البطل الذي اقتحم أهوال الميدان، فأعلن عن حقّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) في الدين و معارفه، و في الدنيا و ولايتها، و في الآخرة و شفاعتها.

و لقد قام الشيخ بهذا كلّه، إلى جانب ما كان يتمتّع به من مرجعيّة عامّة في الأحكام، و موسوعيّة تامّة في العلوم، و بتدبير و حنكة، و إلى جانب ما كان يبذله من جهود جبّارة في تربية جيل من الأعلام، فكان العملاقان: السيّد المرتضى، و الشيخ الطوسيّ من تلامذة مدرسته العظيمة.

فلكلّ ذلك استحقّ بجدارة و سام «التجديد» في مطلع القرن الخامس، و أكرم به‏ (1).

____________

(1) للتوسّع، لاحظ الحضارة الاسلاميّة في القرن الرابع، لآدم متز، و أوائل المقالات، المقدّمة بقلم الزنجانيّ، و الكشكول للشيخ البحرانيّ (1/ 283) و مقدّمة شرح عقائد الصدوق، للسيّد الشهرستاني.

14

2- أقسام التعاليم الإسلاميّة

تنقسم تعاليم الإسلام إلى قسمين رئيسيّين:

الأول: الأحكام الشرعية المرتبطة بتحديد أفعال المكلّفين من عبادات و معاملات، و الحكم عليها بأحد الأحكام الخمسة.

الثاني: العقائد، و الالتزامات الفكريّة للإنسان المسلم.

و قد اختلفت الفرق و المذاهب الإسلامية في تحديد مصادر هذه التعاليم.

أمّا القسم الأوّل:

فقد قال قوم بأنّ مصدره هو خصوص الطرق المقرّرة من قبل الشارع نفسه، و لا يمكن أن يتدخّل العقل- بأي شكل- في تحديد التكليف الشرعي، و هؤلاء هم «المحدّثون».

و قال قوم بأنّ مصدره هو الطرق المقرّرة: إن وجدت، و إلّا فإنّ الدليل العقليّ يكشف عن وجود التزام شرعيّ على طبقه، و هم «المجتهدون».

و محلّ تفصيل هذين القولين، بما لهما من الخصوصيات، و المضاعفات، و اللوازم، هو علم أصول الفقه.

15

و أمّا القسم الثاني:

فقد تكفّل ببيان مسائله علم (الكلام) لكن المسلمين اختلفوا اختلافا كبيرا في تحديد مصدر أساسي لهذا العلم، بعد اتّفاقهم على أنّ مسائله جزء من أهمّ تعاليم الإسلام.

و بذلك يمكن القول بأنّ من المجمع عليه بين الأمّة وجود بذور علم الكلام مع بزوغ الإسلام و منذ بداية ظهوره، فإنّ من مهمّات المسائل الكلامية، هي مسألتا «التوحيد» و «النبوّة» و هما من المعتقدات التي أكّد عليها الإسلام منذ البداية.

فيتّضح خطأ من أخّر عهد نشوء علم الكلام إلى عهد متأخّر (2).

و إذا قارنا بين العلوم الإسلامية، وجدنا أنّ علم الكلام، أكثرها أهمّيّة من حيث ما يحتويه من بحوث عميقة ضرورية، كما هو أسبق رتبة من غيره، و أشرف موضوعا، لأنّه يبحث عن أساس ما على المسلم من التزامات فكرية و عقائد، من المبدأ، و المعاد، و ما بينهما، و على ذلك تبتني كلّ تصرفاته و شئون حياته الدنيويّة و الأخرويّة (3).

و بالرغم من اتّحاد المسلمين على عهد الرسالة في الالتزام بما يتعلّق بالقسمين من تعاليم الإسلام معا، فإنّ عنصرا جديدا طرأ بعد وفاة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فأدّى إلى حدوث خلاف بينهم، و هو «الخلافة» و سبّب البحث حولها انقسام الأمّة إلى فرقتين:

____________

(2) الرسائل العشر- للشيخ الطوسيّ-: المقدّمة(ص)116؛ و قارن: تاريخ المذاهب الإسلامية- لأبي زهرة-: 154.

(3) لاحظ: تلخيص المحصّل- للمحقّق الطوسيّ-: 1.

16

1- الفرقة الأولى: تقول بوجوب الإمامة على اللّه تعالى، كما هو الاعتقاد في النبوّة، و أنّ الإمام يتعيّن بتعيين اللّه تعالى، و هم «الشيعة».

و على رأيهم يكون بحث الإمامة، من صميم المباحث الكلامية.

2- الفرقة الثانية: تقول بأنّ الإمامة واجب تكليفي على الأمّة، فيجب على المسلمين كافّة تعيين واحد منهم لأن يلي أمر الأمّة، و هؤلاء هم «العامّة».

و على رأيهم يكون بحث الإمامة، من مباحث الأحكام الشرعية، و هذا النزاع مع أنّه لم يمسّ- ظاهرا- العقائد المشتركة التي كانت على عهد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و كان الإنسان بها مسلما إلّا أنّه أدّى إلى تصديع الحقّ الذي كانوا عليه في ذلك العهد، و سبّب بعد إحدى الفرقتين عن الأخرى، فوجود مدرستين منفصلتين، لكلّ منهما طريقتها الخاصّة في التدليل و التحليل، إلى حدّ دخل بحث الإمامة في صلب مباحث علم الكلام، بعد حين‏ (4).

و لئن كانت العقائد الإسلامية في بداية عصر الإسلام محدودة كمّا، و واضحة سهلة كيفا، لتحدّدها بالتوحيد و التنزيه، و إثبات الرسالة بالمعاجز المشهودة عينا، و الوعد و الوعيد، فإنّها كانت تعتمد على القرآن المجيد كنصّ ثابت، و على السنّة النبويّة كنصّ حيّ، فقد كانت بعيدة عن البحوث المعقّدة المطروحة على طاولة علم الكلام فيما بعده من الفترات، كما أنّ تلك البحوث لم تمسّ تلك الأصول الواضحة،

____________

(4) لاحظ: المقالات و الفرق- للأشعري القمّيّ-:(ص)2 و بعدها، و خاندان نوبختي:

5- 76، و قارن: تأريخ المذاهب الإسلامية- لأبي زهرة-: 20 و 25 و 88.

17

و لم تؤثّر عليها بشي‏ء (5).

و طرحت في العقود الأولى لتأريخ الإسلام، بحوث كلامية مستجدّة، كانت مسرحا للنزاعات الفكريّة بين المسلمين، أدّت بالتالي إلى تاسيس مدارس كلامية متعدّدة، و من أهمّ تلك البحوث:

1- الجبر و الاختيار، و ما يرتبط بمبحث العدل.

2- القضاء و القدر.

3- صفات اللّه تعالى، و ما يرتبط بمبحث التوحيد.

4- الإيمان، و الفسق، و ارتكاب المعاصي، و ما يرتبط بمبحث المعاد.

و غير ذلك ممّا لم يطرح من ذي قبل، أو كان مطروحا بشكل بدائيّ جدّا، من دون تفصيل.

و مع ذلك، فإنّ هذه البحوث- أيضا- لم تثر اختلافا يؤدّي إلى حدوث فرق مذهبيّة منفصلة، إلّا بعد فترة، و إن لم تتجاوز القرن الأول الهجري‏ (6) على الأكثر.

____________

(5) لاحظ: تأريخ المذاهب الإسلامية: 10 و 114.

(6) لاحظ: تأريخ المذاهب الإسلامية: 109 و 148.

18

3- نشوء الفرق الكلاميّة

و اختلف المسلمون في تحديد المصادر الأساسيّة للتعاليم الإسلاميّة في مجال العقائد، فكانوا فرقا ثلاثا:

1- فرقة تقول بأنّ المصدر الوحيد هو النصّ الشرعيّ، من الكتاب و السنّة، و أنّ المسائل الاعتقاديّة توقيفيّة، فلا يتجاوزون ما ورد في النصوص موضوعا، و تعبيرا، و لا يتصدّون لشرح ما ورد فيها أيضا، و لا لتوضيحه أو تأويله، و يلتزمون بعقد القلب على تلك الألفاظ بما لها من المعاني التي لم يفهموها و لم يدركوها (7).

2- و فرقة تقول بأنّ المصدر هو النصّ، لكنّ ما ورد فيه من ألفاظ و تعابير لا بدّ من حملها على ظواهرها المنقولة، لا المعقولة، و الالتزام بها على أساس التسليم بما ورد النصّ بتفسيره، و قد التزم بهذا من ليس له حظ من العلوم العقليّة، و هم «أصحاب الحديث» (8).

3- و فرقة تقول بأنّ طريق المعرفة بالعقائد الحقّة و المسائل الكلاميّة هو العقل، إذ به يعرف الحقّ، و يميّز عن الباطل، و لا منافاة بين الشرع و العقل في ذلك، فالنصّ إنّما يرشد إلى الحقّ الذي يدلّ‏

____________

(7) لاحظ: تأريخ المذاهب الإسلامية: 12- 213.

(8) تلبيس إبليس- لابن الجوزي-: 116.

19

عليه العقل، و لو ورد ما ظاهره مناف لما قرّره العقل، فلا بدّ من تأويل ذلك الظاهر إلى ما يوافق العقل و يدركه‏ (9).

فالفرقة الأولى: تسمّى من العامّة ب «السلفيّة» و هم «المقلّدة» من الشيعة.

و الفرقة الثانية: تسمّى من العامّة ب «الأشاعرة» و هم «الأخباريّة» من الشيعة.

و الفرقة الثالثة: تسمّى من العامّة ب «المعتزلة» و هم «الفقهاء» المجتهدون من الشيعة.

و يلاحظ في كلّ فرقة، شبه كبير بين شيعتها، و بين العامّة منها.

فالسلفيّة من العامّة، يشبهون في المحاولات الفكرية و الالتزامات العقائدية المقلّدة من الشيعة.

و الأشاعرة من العامّة- و هم أهل الحديث عندهم- يقربون في الطريقة و الأسلوب من الأخبارية الّذين هم أهل الحديث من الشيعة.

و المعتزلة من العامّة، تشبه طريقتهم في التفكير و الاستدلال طريقة الفقهاء المجتهدين من الشيعة.

و قد يتصوّر البعض أنّ الفرق بين شيعة كل فرقة و بين العامّة منها، هو مجرّد الاختلاف في الإمامة، و تعيين أشخاص الأئمّة، ذلك الخلاف الأول الذي أشرنا إليه.

____________

(9) تأريخ المذاهب الإسلامية: 148 و 149.

20

لكنّ الواقع أنّ الخلاف بين الشيعة و العامّة من كل فرقة واسع، مضافا على ذلك الخلاف في الإمامة و الإمام.

فالفرقة الأولى:

يعتمد العامّة منهم- و هم «السلفية» (10)- على ما جاء في الكتاب و السنّة من العقائد، و إذا تعذّر عليهم فهم شي‏ء من النصوص توقّفوا فيه، كما أنّهم يلتزمون بالنصوص حرفيا، فيكرّرون ألفاظها، و يفوّضون أمر واقعها إلى الشرع.

و كانوا يقفون من «علم الكلام» المصطلح، موقفا سلبيا، فكان مالك بن أنس يقول: «الكلام في الدين أكرهه، و لا أحبّ الكلام إلّا فيما تحته عمل ... أمّا الكلام في الدين و في اللّه تعالى فالكفّ أحبّ إليّ» (11).

و كان يقول زعيمهم أحمد بن حنبل: «لست صاحب كلام، و إنّما مذهبي الحديث» (12).

لكنّ الشيعة من هذه الفرقة، و هم «المقلّدة» (13) كانوا يأخذون العقائد من الكتاب و سنّة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، مع‏

____________

(10) لاحظ: تاريخ المذاهب الإسلامية: 212- 213.

(11) الاعتصام- للشاطبي-: 2/ 2- 334، و انظر: مناهج الاجتهاد في الإسلام: 624- 625.

(12) المنية و الأمل- المطبوع باسم «طبقات المعتزلة» لابن المرتضى-: 125، و انظر:

مناهج الاجتهاد في الإسلام: 7- 508، 679.

(13) لاحظ عن «المقلّدة»: الفصول المختارة: 8- 79، و تصحيح الاعتقاد- للمفيد-:

219، 220 طبعة النجف، و عدّة الأصول- للطوسيّ- 1/ 7- 348.

21

ما ورد عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) من الاستدلالات، و فيها الكثير ممّا لم ينله السلفية من العامّة لبعدهم عن الأئمّة (عليهم السلام).

لكنّ المقلّدة و السلفيّة يشتركون في أنّهم لا يحاولون الاستدلال على شي‏ء خارج عن النصّ، و لا يجتهدون في المزيد من البحث و الفكر فيما يرتبط بالعقائد.

و الفرقة الثانية:

فأهل الحديث من العامّة، هم «الأشاعرة» يلتزمون بالعقائد التي تدلّ عليها النصوص، و يفسّرونها حسب ما تدلّ عليها العبارات من الظواهر المفهومة لهم، و بما يدركونه من المحسوسات، حتى ما ورد فيها من أسماء الأعضاء المضافة إلى اسم اللّه، كاليد، و الرجل، و العين، و الوجه، و لم يلجئوا إلى تأويل ذلك عن ظاهره‏ (14) و لذلك يسمّون ب «المشبّهة».

و يختلف الأشاعرة عن السلفية في تجويز هؤلاء البحث في الكلام، و قد كان أبو الحسن الأشعري- و هو زعيم الأشاعرة و مؤسّس مذهبهم- من أوائل الرادّين على دعوة ابن حنبل رئيس السلفية في النهي عن الكلام، إذ تصدّى له في كتاب بعنوان «رسالة في استحسان الخوض في علم الكلام» قال فيه: «إنّ طائفة من الناس جعلوا الجهل رأس مالهم، و ثقل عليهم النظر و البحث عن الدين، و مالوا إلى التخفيف و التقليد، و طعنوا على من فتّش عن أصول الدين، و نسبوه إلى الضلال‏

____________

(14) تأريخ الفرق الإسلامية- للغرابي-: 297، و تاريخ المذاهب الإسلامية- لأبي زهرة-: 186.

22

و زعموا أنّ الكلام ... بدعة و ضلالة» ثم تصدّى لردّهم بقوّة (15)

أمّا أهل الحديث من الشيعة، و هم «الأخبارية» فيعتقدون بلزوم متابعة ما ورد في النصوص و الاعتماد عليها، لكنّهم يعتمدون على ما ورد في حديث أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) من تأويل و تفسير لتلك النصوص، كما يتّبعون ما ورد عنهم من الاستدلالات العقليّة، و لذلك فإنّهم يؤوّلون النصوص التي ظاهرها إثبات اليد و الوجه و العين للّه تعالى، و ينفون التشبيه، تبعا لأهل البيت (عليهم السلام)(16).

قال الشيخ الكركي (ت 1076)- و هو من الأخبارية المتأخّرين- عند البحث عن التقليد في أصول الدين: «و الحقّ أنّه لا مخلص من الحيرة إلّا التمسّك بكلام أئمّة الهدى (عليهم السلام)، إمّا من باب التسليم، لمن قلبه مطمئنّ بالإيمان؛ أو بجعل كلامهم أصلا تبنى عليه الأفكار الموصلة إلى الحقّ، و من تأمّل نهج البلاغة، و الصحيفة الكاملة، و أصول الكافي، و توحيد الصدوق، بعين البصيرة، ظهر له من أسرار التوحيد و المعارف الإلهية ما لا يحتاج معه إلى دليل، و أشرق قلبه من نور الهداية ما يستغني به عن تكلّف القال و القيل» (17).

و يشترك الأشاعرة من العامّة و الأخبارية من الشيعة، في رفض المحاولات العقليّة، و الاحتجاجات الخارجة عن النصّ.

____________

(15) وردت الرسالة كاملة في: مذاهب الإسلاميّين- للبدوي- 1/ 15- 26.

(16) انظر: مقدّمة «التوحيد» للصدوق:(ص)17، طبعة طهران.

(17) هداية الأبرار إلى طريق الأئمّة الأطهار: 1- 302.

23

و الفرقة الثالثة:

فالمعتمدون على العقل من العامّة، و هم «المعتزلة» يفترقون عن «الفقهاء» من الشيعة، في جهات عديدة كما سيأتي، و إن اشتركوا في اعتمادهم على العقل كمصدر للعقائد.

24

4- الخلط بين المذاهب‏

و التشابه الكبير بين الشيعة من كل فرقة و العامّة منها، أصبح منشأ لاتّهام كل منهما بالأخذ من الآخر، أو للخلط بين كل من المذهبين، أو نسبة آراء كل منهما إلى الآخر، باعتبار أنّ منهجهما الكلاميّ واحد، و يلتزمان في الفكر بمصدر واحد (18).

و على أساس من هذا الخلط، قد يسوّي البعض بين أهل الحديث من العامّة، و بين أهل الحديث من الشيعة، باعتبار اعتمادهم على الحديث مصدرا للمعتقدات الكلاميّة، غفلة عن الفوارق المهمّة الأخرى التي ذكرناها.

فإنّ أهل الحديث من العامّة، يرفضون التأويل في النصوص، بينما أهل الحديث من الشيعة يلتزمون بالتأويل بالمقدار الموجود في أحاديث أهل البيت (عليهم السلام).

و التزامهم بالتأويل- و لو بهذا المقدار منه- سبّب اتّهامهم بأنّهم من المعتزلة، لأنّ هؤلاء أيضا يلتزمون بتأويل الظواهر، غفلة عن أنّ المعتزلة، يختلفون عن أهل الحديث من الشيعة في جهات عديدة- بعد الإمامة- أهمّها اختلاف المنهج الفكري، حيث يعتمد أهل الحديث من‏

____________

(18) انظر: مقدّمة «أوائل المقالات»- بقلم الزنجانيّ- 12 طبعة النجف.

25

الشيعة على النصوص، بينما المعتزلة يلتزمون بالعقل مصدرا للفكر و العقيدة، كما ذكرنا.

و قد تكال هذه التهم عن علم بالواقع، و عمد للأمر، لغرض تشويه سمعة الفرقة المتّهمة، أو إثارة الفتن و الإحن بين المذاهب المختلفة.

و من ذلك الخلط بين المعتزلة و هم العامّة من الفرقة الثالثة، و بين الفقهاء و هم الشيعة.

فمن لم يحدّد المناهج الفكرية، و لم يقف على أصول الانقسامات المذهبية، قد يتّهم جمعا من المعتزلة بالتشيّع، لما يجد من وحدة المنهج و الفكر الكلامي بينهما، و اعتمادهما على العقل كمصدر للعقيدة (19).

و قد يتّهم التشيّع بالاعتزال، على ذلك الأساس نفسه.

و المعترضون المغرضون، لا يفرّقون بين التهمتين، تهمة الاعتزال بالتشيّع، أو تهمة التشيّع بالاعتزال، فأيّتهما حصلت تحقّق غرضهم، من ضرب الفريقين، لأنّهم يجدونهما- معا- معارضين لمنهجهم الكلامي، و ملتزماتهم الفكرية.

و هذا ما وقع- مع الأسف- في تأريخ الفكر الإسلامي، حيث عمد بعض الأشاعرة، إلى إلقاء تلك التهم، بغرض التشويش على سمعة المعتزلة تارة، و على سمعة الشيعة اخرى.

____________

(19) انظر: الملل و النحل- للشهرستاني- 1/ 85، و منهاج السنّة- لابن تيميّة الحنبلي- 1/ 31 طبعة بولاق.

26

مع أنّ الأشاعرة هم الّذين يشتركون مع المعتزلة في أصل المذهب، و هو الالتزام بمنهج الخلافة على طريقة العامّة، و بذلك يبتعدون عن التشيّع في أصل المعتقد.

و كذلك يتّهم بعض الشيعة من الأخباريّين، الفقهاء من الشيعة بالاعتزال، باعتبار اتّخاذهم كلّهم العقل مصدرا للفكر.

ناسين أن التشيّع يفترق عن الاعتزال في أصل الإمامة- قبل كل لقاء- كما يفترق عنه في كثير من المسائل الفكرية المهمّة.

و أنّ مجرّد التقاء التشيّع مع الاعتزال في بعض المواضع و النقاط، كالتوحيد، و العدل، ليس معناه اتّحادهما في كل شي‏ء، فضلا عن أن يكون التشيّع مأخوذا من الاعتزال، أو أن يكون الاعتزال مأخوذا من التشيّع!

و الغريب أنّ أشخاصا كبارا من متكلّمي الشيعة نسبوا إلى الاعتزال مثل الحسن بن موسى النوبختي (ت 300) (20)!

مع أنّه قد ألّف كتابا باسم «النقض على المنزلة بين المنزلتين» (21).

و المنزلة بين المنزلتين من أهم عناصر الفكر المعتزلي، و هو رابع الأصول الخمسة التي يبتني عليها الاعتزال‏ (22).

قال الشيخ المفيد: «المعتزلة لقب حدث لها عند القول بالمنزلة

____________

(20) لاحظ: طبقات المعتزلة- المنية و الأمل- لابن المرتضى.

(21) رجال النجاشيّ: 50، خاندان نوبختي: 131.

(22) انظر: مذاهب الإسلاميّين- للبدوي- 1/ 64- 69، و الشيعة بين الأشاعرة و المعتزلة: 126 و بعدها.

27

بين المنزلتين‏ (23) فمن وافق المعتزلة فيما تذهب إليه من المنزلة بين المنزلتين كان معتزليا على الحقيقة، و إن ضمّ إلى ذلك وفاقا لغيرهم من أهل الآراء (24).

و قد تصدّى جمع من متكلّمي الشيعة لردّ هذا الاتّهام و دفع تهمة أخذ مذهب الشيعة من المعتزلة، و بيّنوا الفرق بين المذهبين، و في مقدّمتهم الإمام الشيخ المفيد (ت 413) فقد أورد في كتبه المختلفة أبوابا ذكر فيها الفرق بين الشيعة و المعتزلة، و من ذلك ما ورد في كتابه «أوائل المقالات» بعنوان:

باب القول في الفرق بين الشيعة و المعتزلة فيما استحقّت به اسم الاعتزال‏ (25).

و باب في ما اتّفقت الإماميّة فيه على خلاف المعتزلة ممّا أجمعوا عليه من القول في الإمامة (26).

و قد ردّ الشيخ المفيد في كتب خاصّة على آراء المعتزلة و كبار أهل الاعتزال مثل كتاب «نفض فضيلة المعتزلة» (27).

و نقوضه على معتزلة البصرة:

كأبي بكر الأصمّ (ت 236) و أبي عليّ الجبائي (ت 303) و أبي‏

____________

(23) أوائل المقالات: 40 طبعة النجف.

(24) أوائل المقالات: 42.

(25) أوائل المقالات: 38.

(26) أوائل المقالات: 48.

(27) انظر عن هذا الكتاب، و ما يلي من النقوض على المعتزلة، الفصل الخاص بمؤلّفات الشيخ المفيد من كتاب «انديشه‏هاى كلامى شيخ مفيد»: 34- 66.

28

هاشم ابن الجبائي (ت 321) و أبي عبد اللّه البصري (ت 367).

و ردوده على معتزلة بغداد:

كجعفر بن حرب أبي الفضل الهمداني (ت 236) و أبي القاسم البلخيّ الكعبي (ت 319) و عليّ بن محمّد بن إبراهيم الخالدي أبي الطيّب (ت بعد 351).

و كتابنا هذا «الحكايات»- الذي نقدّم له- خاصّ لعرض عدد كبير من مخالفات المعتزلة، و الردّ عليها، و بيان آراء الشيعة فيها.

كما ردّ عليهم في أثناء كتبه الأخرى، فانظر «الإفصاح» في «عدّة رسائل»،(ص)68 و 70 و 73 و 77.

و الرسالة السارويّة، عدّة رسائل،(ص)230، المسألة (11).

و المسائل الصاغانية، عدّة رسائل،(ص)239.

و قد كتب من أئمّة الزيديّة عبد اللّه بن حمزة المنصور باللّه (ت 614) كتاب «الكاشفة للإشكال في الفرق بين التشيّع و الاعتزال» كما أورد ذلك السيّد مجد الدين المؤيّدي، في مقدّمة كتاب الشافي،(ص)9.

و «حكاية الأقوال العاصمة عن الاعتزال في بيان الفرق بين الشيعة و المعتزلة» في أربعة فصول، لأبي عبد اللّه حميدان بن يحيى القاسمي الحسني الزيدي، يوجد في دار الكتب المصرية، ضمن المجموعة 34، قسم النحل، [الذريعة 7/ 52].

و هناك محاولات حديثة قيّمة للردّ على هذه التهمة، قام بها مؤلّفون معاصرون.

29

مثل ما جاد به العلّامة المحقّق المرحوم السيّد هاشم معروف الحسني العاملي الصوري في كتاب «الشيعة بين الأشاعرة و المعتزلة» المطبوع‏ (28).

و جعل مارتين مكدرموت من جامعة شيكاغو الأمريكية هدفه من كتابه «الآراء الكلامية للشيخ المفيد» التحقيق في أوجه الشبه و الاختلاف بين آراء الشيخ المفيد، و بين آراء المعتزلة (29).

____________

(28) انظر: خاصّة(ص)279- 251 و هي خلاصة الكتاب.

(29) انديشه‏هاى كلامى شيخ مفيد: 5.

30

5- موضوع الكتاب:

يتركّز البحث في الكتاب في الردّ على المعتزلة و تسفيه آرائهم الشاذّة عن جماعة المسلمين، و التي ينفردون بها عن جميع الأمّة، و يتصدّى للّذين يتّهمون الشيعة بالأخذ من المعتزلة، مع وجود البون الشاسع بين التشيّع و الاعتزال في أصول المنهج الكلاميّ الذي يتّبعه كلّ من المذهبين.

و مع أنّ المتعمّدين لإلقاء هذه التهم- و هم الأشاعرة- هم الّذين يشتركون مع المعتزلة في أصول المذهب الواحد، كالالتزام بمنهج الخلافة على طريقة العامّة، دون الإمامة بالنصّ.

و لو كان مجرّد الالتقاء بين المذهبين في شي‏ء من الآراء و الأفكار و النظريّات دليلا على أخذ أحدهما من الآخر، أو اتّحادهما في الفكر و النظر، لكان الأشاعرة هم الآخذون من المعتزلة، لاتّفاقهم في مسألة الخلافة، و أنّها من واجبات الأمّة، بينما هذا من أهمّ ما افترقت به العامّة عن المسلمين الشيعة.

و قد ركّز الشيخ المفيد في هذه (الحكايات) على أنّ المعتزلة بعيدون عن الشيعة في كثير من أصول معتقداتهم و فروع ملتزماتهم، و أنّ نسبة التشيّع إلى الاعتزال منشؤها الخطأ، و عدم المعرفة، أو قلّة الدين، و الغرض الحاقد.

31

و عرض كثيرا ممّا أجمعت عليه المعتزلة، ممّا لا تقرّه الشيعة.

ثمّ ذكر الجواب عن بعض التهم التي اشترك العامّة- معتزلة و أشاعرة- في توجيهها إلى التشيّع و الشيعة. و أثبت بالنصوص عراقة القدم الشيعيّة في الالتزام بالبحث العلميّ المعتمد على الفكر و النظر، في ظلّ التوجيهات الإسلاميّة المستلهمة من تعاليم النبيّ و الأئمّة (عليهم السلام)، و التي جاءت بها النصوص الحديثيّة المعتمدة، بعد القرآن الكريم الآمر بالتدبر و التفكّر، و النظر و البصر.

32

6- نسبة الكتاب إلى المفيد:

اتّفقت القرائن الخارجيّة و الداخليّة على نسبة هذا الكتاب إلى الشيخ المفيد (رحمه اللّه):

فمن الأولى:

- عدم نسبته، أو شي‏ء ممّا فيه إلى شخص آخر و لو السيّد المرتضى الذي ورد اسمه في صدر الكتاب، و هو الذي رواه، فلم ينسب- و لو احتمالا- إلّا إلى الشيخ.

- وضعه مع كتب الشيخ و آثاره في أكثر نسخه المتوفّرة، فتارة مع أوائل المقالات، و أخرى مع الفصول المختارة بعنوان (فصل من حكايات الشيخ المفيد) و أمّا النسخ المستقلّة فهي معنونة باسمه كلّها.

و من الثانية:

- وجود اسم الشيخ أو كنيته في بداية الكتاب و نهايته بعنوان صاحب الحكايات، و أنّها مسموعة منه و مرويّة بطريقة، و في أثناء الكتاب يكرّر السيّد المرتضى- الراوي لها- قوله: سمعت الشيخ، و: قلت له، و قال أبو عبد اللّه، ممّا لا ريب في إرادة المفيد منه.

- ثمّ إنّ جميع ما في الكتاب من آراء و نظريّات علميّة هو من آراء

33

الشيخ المعروفة، و لم تنقل عن غيره.

- و قد جاء في المتن ذكر كتابين للمؤلّف هما «الأركان في دعائم الدين» و «الكامل في علوم الدين» و هما مذكوران في فهرست كتب المفيد دون غيره.

- ابتداء الأحاديث الواردة في الكتاب بمشايخ المفيد المعروفين، و الروايات المذكورة منها ما لم ينقل إلّا بواسطة الشيخ المفيد.

- و أخيرا: فإنّ نفس هذا الكتاب و أسلوبه، ليس إلّا نفس المفيد و أسلوبه، و هو معروف لدى المتداولين لتراثه، و المأنوسين بأعماله.

و لكن يبدو وجود ما يعارض هذا الفرض:.

مثل: ابتداء الكتاب بذكر السيّد الشريف المرتضى و قوله:

سمعت الشيخ، و هو في مواضع عديدة يقول: قلت للشيخ، أو:

قال الشيخ، و يطرح الأسئلة، و ينقل الاعتراضات، و يستدعي الإجابة عليها من الشيخ.

و كلّ هذا يقتضي أن يكون العمل للسيّد، و إن كانت الإجابة للشيخ و من أقواله، و أفكاره و رواياته.

و مثل: وجود هذه الحكايات، و بعنوان (فصل من حكايات الشيخ المفيد) و برواية السيّد المرتضى، ملحقا بكتاب «الفصول المختارة» للسيّد.

و هذا يقتضي أن يكون فصل الحكايات، واحدا من الفصول الكثيرة التي اختارها السيّد الشريف و جمعها في ذلك الكتاب.

- و مثل: أنّ عنوان (الحكايات) لم يرد في قائمة مؤلّفات‏

34

الشيخ المفيد، لا عند القدماء، و لا عند المتأخّرين، سوى ما ذكره الشيخ الطهرانيّ في الذريعة (7/ 51 رقم 269) و الظاهر أنّه اعتمد على ما وجده في بعض النسخ المتأخّرة.

أقول: و لدفع هذه المعارضات، لا بدّ من التأمّل في أمور:

فأولا: إنّ المادّة العلميّة التي تشكّل قوام الكتاب، إنّما هي من عبارة الشيخ المفيد و إنشائه.

فلا يمكن أن ينسب الكتاب إلى غيره، بينما جميع محتواه من كلامه و فكره.

و ثانيا: إنّ الكتاب و إن ألحق بالفصول المختارة، في بعض نسخه، إلّا أنّه ملحق كذلك بكتاب أوائل المقالات، الذي يشبهه في موضوعه في نسخ أخرى، و هو موجود- مستقلا- في بعض النسخ أيضا.

و ثالثا: إنّ الشيخ ابن إدريس الحلّيّ، إنّما نقل من هذا الكتاب، روايات، في ما استطرفه في آخر السرائر، و عنون لمصدرها ب (العيون و المحاسن، للمفيد) و هذا يدلّ على كون (الحكايات) من (العيون و المحاسن) المعلوم النسبة إلى المفيد.

و ربّما يكون المرتضى هو الذي جمع فوائد الشيخ المفيد بعنوان (الفصول المختارة) و ألحق بها (الحكايات) كفصل منها، و إنّ كتاب (العيون و المحاسن) ليس إلّا هذه (الفصول ...) التي جمعها السيّد.

و بهذا يفسّر وجود آثار السيّد المرتضى بوضوح و وفرة في هذه‏

35

الفصول و هذه الحكايات، فهو الذي رواها و نقلها عن الشيخ، و هو الذي عرض عليه الأسئلة المختلفة، و دفع الشيخ إلى الإجابة عنها، و هو الذي طلب منه أن يثبت الروايات، و أخيرا فهو الذي جمع بين شتات هذه الأجوبة و المقالات و الحكايات و الروايات.

و من مجموع ما أوردنا ظهر لنا أنّ الأنسب في حلّ أمر نسبة الكتاب هو:

1- أنّ الكتاب ليس للمرتضى، قطعا، بل هو راويه.

2- أنّ الكتاب لم يكتبه الشيخ المفيد بيده و قلمه، و إنّما هو منقول عنه شفهيّا، و مرويّ عنه سماعا.

3- إذن: فالكتاب هو من إملاء الشيخ المفيد، و بيانه، أجاب فيه عن أسئلة عرضها عليه تلميذه السيّد المرتضى.

و من شأن الأمالي و الأجوبة، أن ينسب الكتاب الحاوي لها إلى الشيوخ المملين، أو العلماء المجيبين، لا إلى غيرهم من المستملين أو الكاتبين للأمالي، أو السائلين، أو الجامعين للأجوبة، إلّا باعتبارات أخر غير معتمدة علميّا في فنّ الفهرسة المنهجيّة.

36

7- نسخ الكتاب:

إنّ هذا الكتاب عني به النسّاخ، فمنهم من ألحقه بكتاب «الفصول المختارة» باعتباره فصلا منه، و على منهجه في التأليف، و البحث، و لعلّ المرتضى نفسه هو الذي وضعه هناك.

و منهم من ألحقه بكتاب «أوائل المقالات» لاتّحادهما موضوعا، و محتوى، فكلاهما يتصدّيان للمعتزلة، و يحتويان على بيان الفرق بين التشيّع و الاعتزال فكريّا و عقائديّا.

و منهم من جعله مستقلا، باعتبار اشتماله على حكايات تشكّل في نفسها وحدة متكاملة، فأفردها بالاستنساخ.

و هذا الهدف الأخير هو الذي بعثنا على إفراد الكتاب بالعناية و التحقيق و التوثيق، لكونه فريدا في بابه، و جديرا بكلّ رعاية و عناية.

و قد توفّرت لديّ نسخ كثيرة منه، إلّا أنّي اعتمدت بعضها، للاكتفاء بها في الوصول إلى الهدف، و تيسّر الوقوف عليها في مثل الظروف الراهنة، و هي:

1- النسخة المطبوعة (مط):

طبعت ملحقة بكتاب «الفصول المختارة من العيون‏

37

و المحاسن» المطبوع في النجف الأشرف، بالمطبعة الحيدريّة، سنة 1370 ه، و قد أعادته بالأفست مكتبة الداوري في قم سنة 1396 ه.

و يقع كتاب «الحكايات» في الصفحات (279- 289) منه، بعنوان «فصل من الحكايات».

و هي من أجود النسخ، و رمزنا إليها برمز «مط».

2- مخطوطة مجلس الشورى الإسلامي (مج):

نسخة منضمّة إلى «الفصول المختارة» و تليها رسالة الشيخ المفيد حول حديث «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث».

و هي محفوظة في مكتبة مجلس الشورى الإسلامي- في طهران، برقم (5392) و في هامش آخر صفحة منها: «بلغت المقابلة بعون اللّه».

و جاء في آخر الرسالة المذكورة:

اتّفق فراغه عصر يوم الخميس الحادي و العشرين من شهر جمادى ... سنة السادسة و العشرين بعد الألف على يد أقلّ عباد اللّه و أحوجهم إلى رحمة ربّه عيسى بن إبراهيم بن عبد اللّه لحسا منشأ و مولدا ....

و قد رمزنا إليها ب «مج».

38

3- مخطوطة السيّد النجوميّ (ن):

ملحقة بكتاب «أوائل المقالات» للشيخ المفيد.

و هو ضمن مجموعة في مكتبة السيّد الحجّة النجوميّ، في مدينة كرمانشاه (باختران) من محافظات الجمهورية الإسلامية.

و قد سمّاه مفهرسها باسم «الفرق بين الشيعة و المعتزلة، و الفصل بين العدليّة منهما» (1) كما ذكر بهذا الاسم كتاب في قائمة مؤلّفات المفيد (2).

و لكنّه ليس إلّا كتاب أوائل المقالات.

و قد رمزنا إليها ب (ن).

4- مخطوطة مكتبة الإمام الرضا (عليه السلام) (ضا):

ملحقة بكتاب (أوائل المقالات) أيضا، ضمن مجموع برقم (7454).

و في آخرها:

«تمت الحكايات عن الشيخ أبي عبد اللّه المفيد (قدّس اللّه روحه)، كتبه العبد الفقير عبد العزيز نجل المرحوم سعيد النجّار، في سنة الألف و المائتين و ثمانين‏

____________

(1) دليل المخطوطات، للسيّد أحمد الحسيني (ج 1(ص)261).

(2) أمالي المفيد: المقدّمة (ص 22).

39

من هجرة سيّد الأوّلين و الآخرين، و صلّى اللّه عليه و على أولاده الطاهرين.

و لقد فرغت من تنسيخ هذه النسخة الشريفة في خمس ليال بقين من شعبان سنة ألف و ثلاثمائة و اثنين و خمسين من الهجرة في مشهد مولاي أمير المؤمنين (عليه السلام)، و أنا العبد محمّد حسين بن زين العابدين الأروميه‏ئي عفا اللّه عن جرائمهما.

و قد رمزنا إليها ب «ضا».

5- مخطوطة السيّد الروضاتي (تي):

في مكتبة العلّامة الحجّة السيّد محمّد علي الروضاتي الأصفهاني دام علاه مجموعة قيّمة، بخطّ جدّه السيّد محمّد الأصفهاني الجهارسوقي، جاء في آخرها:

«تمّت الحكايات عن الشيخ أبي عبد اللّه المفيد (قدّس اللّه سرّه)، نقلا عن خطّ أحمد بن عبد العالي الميسيّ العاملي، و كتب العبد محمّد الموسويّ حامدا مصلّيا مسلّما مستغفرا.

و قد رمزنا إليها ب «تي».

و النسختان «مط» و «مج» متّفقتان في الأكثر، كما أنّ النسخ البواقي: «ن» و «ضا» و «تي» متّفقات كذلك، في إيراد النصّ.

40

8- العمل في الكتاب:

تحدّد عملنا في الكتاب بما يلي:

1- التحقيق:

اعتمادا على النسخ المذكورة، قمنا باستخلاص النصّ الموثوق به، على أساس التلفيق بينها.

و لم نهمل ما جاء في النسخ، إذا خالف ما اخترناه للمتن، لدقّة البحث، و احتمال احتوائها على معنى يختلّ النصّ بإهماله، أو ربّما يستفاد منها أمر، أو تصلح للقرينيّة على آخر.

و قد أضفت على النصّ ما وجدته ضروريّا واضعا له بين المعقوفين للتمييز.

2- التقطيع:

عمدنا إلى النصّ، فقسّمناه إلى عشر فقرات، تضمّ كلّ فقرة معلومات مترابطة، و حكاية لمطالب متكاملة.

و الهدف من ذلك تحديد ما عرض في الكتاب، كما أنّ فيه تسهيلا لضبط المعلومات و يسر المراجعة و الفهرسة.

41

3- التوثيق و التعضيد:

و قمنا بتوثيق ما جاء في النصّ من الآراء و العقائد، بالتوضيح و التخريج، كما أرجعنا إلى مزيد من المصادر تعضيدا لما جاء في النصّ.

و الهدف تقريب المسافة للمراجعين، تمهيدا لسبيل المقارنة و التوسّع، و اختصارا للوقت و الجهد.

و اللّه هو المسئول أن يبلغ بهذا العمل ما أمّلناه، و أن يسبغ علينا رضاه و رأفته و برّه، و أن يوفّقنا لخدمة الحقّ و أهله، و أن يصلح نيّاتنا و أعمالنا، و يجعلها في سبيله، و أن يتغمّدوا لدينا و أساتذتنا و مشايخنا بالرحمة و الرضوان، إنّه قريب مجيب.

و الحمد للّه ربّ العالمين.

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

[فصل في أمور اجتهد فيها المتكلمون‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

فصل من حكايات الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان‏ (1) قال السيد (2) الشريف أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي أيده الله‏ (3)

____________

(1) أضاف في «ضا» على العنوان: «عليه الرحمة و الرضوان».

(2) ما بين القوسين ورد في «ن» و «تي».

(3) ما بين القوسين ورد في «مط».

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

ثلاثة أشياء لا تعقل‏

سمعت الشيخ أبا عبد الله أدام الله عزه‏ (1) يقول ثلاثة أشياء لا تعقل و قد اجتهد المتكلمون في تحصيل معانيها من معتقديها (2) بكل حيلة فلم يظفروا منهم‏ (3) إلا بعبارات يتناقض المعنى فيها (4) على مفهوم الكلام اتحاد النصرانية (5)

____________

(1) ما بين القوسين من «مط».

(2) في «مط»: معتقدها.

(3) في «ضا»: منهما، و في «تي»: منها.

(4) في «مط»: تتناقض في المعنى.

(5) اتّحاد النصرانيّة:

هو قول النصارى باتّحاد الأقانيم الثلاثة: الأب، و الابن، و الروح القدس.

و قد اتّفقوا على هذا، و اختلفوا في كيفيّته: هل هو من جهة الذات؟ أو من جهة المشيئة؟

لاحظ بعض توجيهاته في تلبيس إبليس لابن الجوزيّ (ص 71) و مذاهب الإسلاميّين، للبدوي (1/ 6- 448).

و اقرأ الردّ عليهم في: الهدى إلى دين المصطفى (2/ 265 و 280 و 285- 288) و التوحيد و التثليث، كلاهما للبلاغيّ، و كشف المراد شرح تجريد الاعتقاد، للعلّامة (ص 3- 294) و شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبّار المعتزليّ (ص 5- 298)

46

و كسب النجارية (6) و أحوال البهشمية (7).

و قال الشيخ‏ (8) و من ارتاب بما ذكرناه في هذا الباب فليتوصل إلى إيراد

____________

(6) كسب النجّاريّة:

النجّارية: هم أتباع الحسين بن محمّد النجّار (ت 230) فرقة من المعتزلة، و يقال لهم «الحسينيّة» أيضا.

و الكسب عندهم ما التزموه عند قولهم بأنّ اللّه تعالى هو خالق أفعال العباد كلّها، و أثبتوا للعبد تأثيرا في الفعل بقدرة حادثة، سمّوه «كسبا».

و قرّر بعض الأشاعرة- أيضا- هذه الفكرة، مثل: أبي الحسن الأشعريّ، و أبي بكر الباقلّاني.

كما ردّها غير النجاريّة من المعتزلة، كالقاضي عبد الجبّار.

انظر احتمالات الكسب، و الردّ عليها في: نهج الحقّ و كشف الصدق، للعلّامة (ص 125- 129) و كشف المراد، له (ص 308).

و راجع: الشيعة بين الأشاعرة و المعتزلة (ص 206) و مذاهب الإسلاميّين (ج 1(ص)616- 618) و في (ص 456- 462) جاء ردّ القاضي عبد الجبّار عليهم.

و اقرأ عن النجّارية و آرائها: الملل و النحل، للشهرستاني (1/ 88- 89).

(7) أحوال البهشميّة:

البهشميّة: فرقة من المعتزلة، منسوبة إلى أبي هاشم، عبد السلام بن محمّد الجبّائي (ولد 247 و مات 321) و ترجم له الخطيب في تاريخ بغداد (11/ 55) رقم 5735 و ابن خلّكان في وفياته (3/ 183) رقم 383.

و اقرأ عن مذهبه: الملل و النحل (1/ 78).

و سيتحدّث الشيخ المفيد عن فكرة «الأحوال» في الفقرة التالية [2] فلاحظ مصادر البحث عنها هناك.

(8) كلمة «الشيخ» من: «مط» و «مج».

47

معنى في واحد (9) منها معقول أو (10) الفرق بينها في التناقض و الفساد ليعلم‏ (11) أن خلاف ما حكمنا به هو الصواب و هيهات‏

____________

(9) في «مط»: معنى واحد.

(10) في «مط»: و (بدل: أو) و في «ن»: إذا، و في «تي»: أو للفرق.

(11) في «ن»: و ليعلم.

48

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

49

مفاسد القول بالحال‏

و سمعته يقول القول بالأحوال‏ (1) يتضمن من فحش الخطإ و التناقض ما لا يخفى على ذي حجا فمن ذلك أن الحال في اللغة هي ما حال الشي‏ء فيها

____________

(1) الأحوال:

هي ما التزمه أبو هاشم من أنّ: صفات البارئ- جلّ و علا- ليست هي الذات، و لا أشياء تقوم بالذات، بل هي غير الذات منفصلة عنها، و سمّاها «أحوالا» واحدها: «الحال».

و قالت الشيعة الإماميّة: إنّ صفات البارئ هي معان معقولة فقط، و ليس لها مصداق غير الذات الإلهيّة الواحدة، و لم يتصوّروا للأحوال المذكورة معنى، لاحظ «أوائل المقالات» للشيخ المفيد (ص 61).

كما أنّ الأشاعرة لم يوافقوا على الأحوال، بل التزموا بالصفات باعتبارها أمورا منفصلة عن الذات قائمة بها، فلذا سمّوا بالصفاتيّة، لاحظ التعليقة التالية برقم (36) في هذه الفقرة.

و للتفصيل عن الأحوال، و الردّ عليها، لاحظ: كشف المراد، المقصد (1) الفصل (1) المسألة (12) في نفي الحال (ص 35- 37)؛ و المسألة (13) (ص 37- 39) و المقصد (3) الفصل (2) المسألة (19) (ص 296). و الملل و النحل (1/ 82- 83). و مذاهب الإسلاميّين (1/ 342- 364).

و قد قال الجويني المعروف بإمام الحرمين- و هو من كبار الأشاعرة- بفكرة الأحوال، و هو أوّل أشعريّ يقول بها؛ انظر مذاهب الإسلاميّين (1/ 730- 732).

50

عن معنى كان عليه إما موجود أو معقول لا نعرف‏ (2) الحال في حقيقة اللسان إلا ما ذكرناه و من ادعى غيره كان كمن ادعى في التحول و التغير خلاف معقولهما.

و من زعم أن الله تعالى يحول‏ (3) عن صفاته و يتغير في نفسه فقد كفر به كفرا ظاهرا (4) تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

ثم العجب ممن ينكر على المشبهة (5) قولهم‏ (6) إن لله تعالى‏ (7) علما به كان عالما و قدرة بها كان قادرا (8) و يزعم أن ذلك شرك ممن يعتقده و هو يزعم أن لله عز و جل‏ (9) حالا بها كان عالما (10) و بها فارق من ليس بعالم و أن له حالا بها كان‏ (11) قادرا و بها فارق من ليس بقادر و كذلك القول في حي و سميع‏

____________

(2) كذا في «ن» و في غيره: لا يعرف.

(3) في «مج»: تحوّل.

(4) في «مط»: فقد كفر بربّه ظاهرا.

(5) المشبّهة:

السلفيّة من العامّة الّذين يجعلون للّه أعضاء مثل: الوجه و اليد و الرجل، استنادا إلى ما جاء في ظاهر النصوص، و قد أثبتنا كلماتهم و الردّ عليها في بحث مستقلّ، و لاحظ ما يأتي في التعليقة رقم (36) في هذه الفقرة.

(6) ما بين القوسين من: «مط» و «مج».

(7) في «ن» و «ضا» و «تي»: عزّ و جلّ، بدل «تعالى».

(8) و هذه عقيدة الصفاتية، و سيأتي ذكرهم في التعليقة رقم (36).

(9) في «مج»: جلّ اسمه.

(10) في «مط» و «مج»: كان بها عالما.

(11) في «مط»: كان بها.

51

و بصير و يدعي مع ذلك أنه موحد.

كيف‏ (12) لا يشعر بموضع مناقضته‏ (13).

هذا و قد نطق القرآن بأن لله علما فقال عز اسمه‏ (14) أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ‏ و ما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى‏ وَ لا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ‏ و لا يُحِيطُونَ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ.

و أطلق المسلمون القول بأن لله سبحانه قدرة (15).

و لم يأت القرآن بأن لله‏ (16) حالا و لا أطلق ذلك أحد من أهل العلم و الإسلام بل أجمعوا على تخطئة من تلفظ بذلك في الله سبحانه و لم يسمع من أحد من أهل القبلة حتى أحدثه أبو هاشم و تابعه‏ (17) عليه نفر من أهل الاعتزال خالفوا به الجميع على ما ذكرناه.

____________

(12) في «ن» و «ضا»: بحيث، بدل «كيف».

(13) كذا في «مج» و في النسخ: مناقضة.

(14) في «ن» و «ضا»: جلّ اسمه.

(15) في «ن»: أطلق المسلمون أنّ للّه قدرة.

(16) في «مط» و «مج»: بأنّ له تعالى.

(17) كذا الصواب، و في النسخ: (تبعه) و في «تي»: أتبعه.

52

هذا و صاحب هذه‏ (18) المقالة يزعم أن هذه‏ (19) الأحوال مختلفة و لو لا اختلافها لما (20) ختلفت الصفات و لا تباينت في معانيها المعقولات.

فإن قيل له أ فهذه‏ (21) الأحوال هي الله تعالى‏ (22) أم غير الله قال لا أقول إنها هي الله‏ (23) و لا هي غيره و القول بأحد هذين المعنيين محال.

و هو مع هذا جهل المشبهة (24) في قولهم أن صفات الله لا هي الله و لا هي غير الله و تعجب منهم و نسبهم‏ (25) بذلك إلى الجنون و الهذيان.

و إذا احتفل‏ (26) في الفرق بين الأمرين قال إنما جهلت المجبرة في نفيهم أن تكون الصفات هي الله و غير الله‏ (27) لأنهم يثبتونها

____________

(18) كلمة «هذه» لم ترد في «مط».

(19) كلمة «هذه» هنا من «مط».

(20) كذا في «تي» و في النسخ: ما.

(21) في «ن» و «ضا» و «تي»: هذه.

(22) كلمة «تعالى» من «مط».

(23) في «مط»: لا أقول: «إنّها هي هو».

(24) في «مط»: المعتزلة و المجبرة، و في «مج»: المعتزلة، و عن نسخة أخرى بدلها: المجبرة، لكن الصواب ما اثبتناه، لأنّ القول المذكور إنّما هو للمشبّهة الحشويّة،، فلاحظ التعليقة (5) من هذه الفقرة.

(25) كذا في «ضا» و «تي» و في النسخ: و يعجب منهم و ينسبهم.

(26) كذا في «مط» و «مج» و في «ضا» و «تي»: احتيل، و الكلمة مهملة في «ن».

(27) ما بين القوسين من «مط» و في «مج»: أو غيره اللّه.

53

معاني‏ (28) موجودات و أنا لا أثبت الأحوال معاني موجودات.

و لو علم أنه ازداد مناقضة (29) في ما رام به الفرق و خرج عن المعقول‏ (30) لاستحيا من ذلك لأن القوم لما (31) أثبتوا الأوصاف التي تختص بالموجود لمعان أوجبوا وجودها على تحقيق الكلام لإستحالة إيجاب الصفة المختصة بالموجود (32) بالمعدوم الذي ليس له وجود لما يدخل في ذلك من الخلل و الفساد.

و هذا الرجل لم‏ (33) يتأمل ما اجتناه‏ (34) فأثبت من الصفات ما لا يصح تعلقه بالمعدوم بحال و زعم أنه لا وجود لها و لا عدم.

فصارت مناقضته بذلك‏ (35) من جهتين تنضاف إلى مناقضته في الإنكار على أصحاب الصفات‏ (36) على‏

____________

(28) في «ضا»: معا في.

(29) كذا في «ن» و «تي» و نسخة من «مج» و في نسخة أخرى من «مج»: قد أراد مناقضة، و في «مط»: أنّه قد زاد مناقضته، و في «ضا»: أنّه أراد مناقضته.

(30) في «مج»: العقل، و في «تي»: العقول.

(31) في «مط» و نسخة من «مج»: إنّما، يدل «لما».

(32) ما بين القوسين لم يرد في «ن»، و في «مج» المخصّصة، بدل «المختصّة».

(33) في «مط»: لا.

(34) كذا في «مط» و في النسخ: أجبناه، و في «مج»: ما اجتباه.

(35) كذا في «مط» و في «تي»: لذلك، و في «مج و ن و ضا»: مناقضة.

(36) أصحاب الصفات:

هم الصفاتيّة القائلون بأن للّه تعالى أعضاء هي صفات أزليّة، و هي صفات خبريّة.

و لمّا كانت المعتزلة ينفون الصفات- بهذا المعنى- سمّوهم «معطّلة» و لمّا كان سلف العامّة-

54

ما ذكرناه و (37) حكيناه.

على أن من مذهبه و مذهب أبيه‏ (38) أن حد الشي‏ء على‏ (39) ما صح‏

____________

- يثبتونها سمّوهم «صفاتيّة».

و قد بالغ بعض السلفية في إثبات الصفات إلى حدّ التشبيه بصفات المحدثات- كما يقول الشهرستاني- انحاز أبو الحسن الأشعريّ إلى هذه الطائفة، فأيّد مقالتهم بمناهج كلاميّة، و صار ذلك مذهبا لأهل السنّة، و انتقلت سمة «الصفاتية» إلى «الأشعريّة».

و لمّا كانت المشبّهة و الكرّاميّة من مثبتي الصفات عدّوهم فرقتين من جملة الصفاتيّة؛ لاحظ الملل و النحل (1/ 92- 93) و (94- 95).

و للتفصيل عن القول بالصفات و أنّها قائمة بالذات، راجع مذاهب الإسلاميّين (1/ 545- 548).

و هذا القول يعارض القول بالأحوال. كما عرفنا في التعليقة (1) من هذه الفقرة.

و ردّ العلّامة الحلّي على الصفاتيّة في نهج الحقّ (ص 64- 65).

و قد ردّ ابن حزم على أهل الصفات ردّا حازما، فقال: هذا كفر مجرّد، و نصرانيّة محضة، مع أنّها دعوى ساقطة بلا دليل أصلا، و ما قال بهذا- قطّ- من أهل الإسلام قبل هذه الفرقة المحدثة بعد الثلاث مائة عام [يعني على يد أبي الحسن الأشعري، مؤسّس الأشعريّة] فهو خروج عن الإسلام، و ترك للإجماع المتّفق.

ثمّ قال: و ما كنّا نصدّق أنّ من ينتمي إلى الإسلام يأتي بهذا، لو لا أن شاهدناهم و ناظرناهم و رأينا ذلك صراحا في كتبهم، ككتاب السمناني قاضي الموصل في عصرنا هذا، و هو من أكابرهم، و في كتاب المجالس للأشعري، و كتب أخرى؛ لاحظ الفصل لابن حزم (2/ 135).

و انظر رأي الشيعة الإماميّة في الصفات، في أوائل المقالات (ص 55- 56).

(37) ما بين القوسين لم يرد في «ضا» و «ن» و فيهما: على ما حكينا.

(38) الجبائي، أبو أبي هاشم:

محمّد بن عبد الوهّاب، أبو عليّ، الجبّائي (ولد 235 و مات 295) و هو صاحب مذهب- «الجبّائيّة» من المعتزلة، ترجمة في وفيات الأعيان (4/ 7- 269) رقم (207).

و اقرأ عن مذهبه و آثاره: الملل و النحل (1/ 78) و مذاهب الإسلاميّين (1/ 280).

(39) كلمة «على» لم ترد في «مط» و لا «مج».

55

العلم به و الخبر عنه‏ (40).

و هو يزعم أن الأحوال معلومة له‏ (41) و هو دائما (42) يخبر عنها و يدعو إلى اعتقاد القول بصحتها ثم لا يثبتها أشياء.

و هذا مما لا يكاد علم‏ (43) المناقضة فيه يخفى على إنسان قد سمع بشي‏ء من النظر و الحجاج‏ (44).

و أظن أن‏ (45) الذي أحوجه إلى هذه المناقضة ما سطره المتكلمون و اتفقوا على صوابه من أن الشي‏ء لا يخلو من الوجود أو (46) العدم فكره أن يثبت الحال شيئا (47) فتكون موجودة أو معدومة و متى كانت موجودة لزمه على أصله و أصولنا جميعا أنها لا تخلو من القدم‏ (48) و الحدوث.

____________

(40) حدّ «الشي‏ء»:

نقل هذا الحدّ عن الجبّائي، في مقالات الإسلاميّين للأشعريّ (2/ 181) و ذكره الجرجانيّ- تعريفا لغويا- في التعريفات (57).

و اقرأ عن رأي الجبّائي في «الشي‏ء» في مذاهب الإسلاميّين (1/ 309 و 323).

(41) كذا في «مج» و في النسخ: للّه، بدل «له».

(42) في «ن» و «ضا» و «تي»: ذاتيّ، بدل «دائما» و لعله: دائميّ.

(43) في «مج» يتيسّر علم، و في «ن، ضا، تي»: على، بدل (علم).

(44) في «ن» و «ضا»: سمع من النظر و الحجاج شيئا، و في «تي»: و المحاج شيئا.

(45) كلمة «أنّ» من «مط» و «مج».

(46) في «مط» و «مج»: و، بدل «أو».

(47) كذا في «ن» و في «مط»: شيئا ما، و في «ضا»: أن يثبت شيئا، و في «مج» و «تي»: و كره.

(48) في «ضا» و «تي»: العدم، بدل «القدم».

56

و ليس يمكنه الإخبار عنها بالقدم فيخرج‏ (49) بذلك عن التوحيد و يصير به أسوأ حالا من أصحاب الصفات.

و لا يستجيز القول بأنها محدثة و هي التي بها لم يزل القديم تعالى‏ (50) مستحقا للصفات فيكون بذلك مناقضا.

و إن قال إنها شي‏ء معدوم دخل عليه من المناقضة مثل الذي ذكرناه.

فأنكر لذلك أن تكون الحال شيئا.

و هو لو شعر بما قد جناه‏ (51) على نفسه بنفي الشيئية (52) عنها مع اعتقاده العلم بها و صحة الخبر عنها و إيجابه كون القديم تعالى‏ (53) فيما لم يزل مستحقا لصفات‏ (54) أوجبتها أحوال ليست بشي‏ء و لا موجودة و لا معدومة و لا قديمة و لا محدثة (55) لما رغب في هذا المقال و لانتقل عنه إلى الحق و الصواب‏ (56)

____________

(49) في «تي» لتخرج.

(50) كلمة «تعالى» من «مط» و «مج».

(51) في «ن» و «تي»: خبأه.

(52) في «مج» و «تي»: التشبيه.

(53) كلمة «تعالى» من «مط» و «مج».

(54) في «ن» و «تي» و «ضا»: للصفات، و أضاف في «ضا»: أوجبها أحوالا.

(55) لاحظ شبه هذا الكلام في الملل و النحل (1/ 82)

(56) كذا في «مط» و «مج» و في النسخ: و الصفات، اقرأ عن الحقّ في الصفات، أوائل المقالات (55- 56)