المدينة المنورة بين الأدب والتاريخ‏

- عاصم حمدان المزيد...
142 /
7

تقديم‏

الدكتور عاصم حمدان علي حمدان‏

المدينة المنورة بين الأدب و التاريخ‏

8

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على من توارى جثمانه و ورى ثرى طيبة الطيبة سيدنا محمد (صلى اللّه عليه و سلم) و بارك على آله و صحبه و سائر الأنبياء و المرسلين.

جرت العادة في تقسيم الأطراف ذوات العلاقة في الأعمال التدوينية إلى 1- مؤلّف. 2- و مؤلّف. 3- قارى‏ء. بيد أن العمل الذي بين أيدينا يتميز بإضافة عنصر رابع لتصبح عناصره:

1- موضع. 2- موضع. 3- مؤلف. 4- قارى‏ء.

فالموضع هو المدينة المنورة.

و لم يكن ليتأتى للمدينة أن تحظى بما حظيت به لو لا أن اختارها اللّه عز و جل لتكون موضع الهجرة لنبيه (صلى اللّه عليه و سلم) لتستحيل حمّاها الموهنة إلى قوة متدفقة في شريان الكيان الإسلامي فتمتد اطناب دولته حتى غشيت جل أصقاع الكرة الأرضية و تصبح طيبة أول عاصمة للدولة الإسلامية.

و لن أستفيض في ذكر فضائل المدينة و مزاياها فالمرء يجل مكة و المدينة عن أن يمر بهما مر الكرام في التوطئة لمؤلف و قد أفردت لهما المتون الضخام و عم خبر فضلهما القاصي و الداني فهما العينان اللتان نظر بهما الإسلام إلى الدنيا و يشرئب إلى النظر إليهما كل مسلم. حتى غدا التأليف فيهما شرفا يغبط به من ناله و فضلا يتوق إليه من لم ينله.

و الموضوع يتمحور حول تاريخ و أدب المدينة المنورة خلال فترة زمنية امتدت من القرن الثاني عشر الهجري حتى العصر الحديث لتشمل حقبة منيت بالكثير من الحيف و الظلم خلال تاريخنا الأدبي في مجمله حتى وسمت جورا بعصر الجمود و الانحطاط عوضا عن العصر المملوكي و العثماني فجل نتاج هذه الفترة لا زال متواريا و مخطوطا كما أن الباحثين انصرفوا إلى العصور الأخرى و تنكبوا عن هذا العصر فكما أن الحكم على الشي‏ء جزء من تصوره فإن الحكم على هذا العصر مرتهن بإبراز نتاجه و تحقيق مخطوطاته و العكوف على موضوعاته و شخصياته دراسة و تحليلا ليتسنى إصدار الحكم له أو عليه.

و لقد وفق المؤلف في العزوف عن التوجه النمطي السائد في دراسة الأدب بأن‏

9

جنح عن المنحى الأفقي في الدراسة لتغطي مرحلة متعاصرة و ركز على التوجه العمودي في انتقاء التوجه العمودي للشخصيات و القضايا المتواشجة و المترابطة لتمتد حتى المرحلة المعاصرة كمسار متتابع يفضي بعضه إلى بعض و هو توجه يتوق بعض من الدارسين إلى تسويده و احتذائه.

أما المؤلف فهو خير من يتصدى لهذه المهمة على عسرها و صعوبتها فهو ابن المدينة مولدا و نشأة و ابن بجدتها في الأدب تخصصا و تمرسا و على الرغم من أنه أخذ بالمفهوم السائد في تعريف الأدب من لدن الجاحظ و امتدادا إلى ابن خلدون من أنه (الأخذ من كل علم بطرف) إلا أنه تعمق في كل علم امتدت له رؤاه و تطلعاته حتى بدا فيه خبيرا متمكنا يتضح في ذكاء التناول العصري و الأسلوب المتدفق في معالجة الشخصيات معالجة علمية موضوعية تقوم على العبارة الموجزة و الفكرة المكثفة مهتبلا فرصة الود و العلاقات الحميمة في الاستفادة من المصادر الشفهية قبيل تواريها عن عالم الشهود موثقا النصوص بأقوال أصحابها أو من عاصروهم و هو أمر لا يتأتى إلا لمن حباه اللّه خلق المؤلف في بناء جسور الود و دأبه في الانكباب على العلم احتسابا و قربى و هو بذلك يرود سبيلا بكرا يتيح للآخرين فرصة سلوكه و انتهاجه و يغرينا بمطالبته بالمزيد للكشف عن هذه الكنوز التي كنا نتوق إلى الاطلاع عليها و معرفتها.

و آصرة العلاقة التلازمية بين مكة و المدينة تفسر وشيجة الإخاء و الود التي ربطتني بأخي و صديقي و زميلي الدكتور عاصم و أقسرتني على الاستجابة لتفضله بطلب تدوين هذه المقدمة سائلا اللّه له التوفيق و العون في مستقبل أعماله و حياته و أن يجعلها في ميزان أعماله خالصة لوجهه الكريم.

و صلى اللّه و سلم و بارك على خير من احتضنته تربة طيبة الطيبة سيدنا محمد و على آله و أصحابه و سائر الأنبياء و المرسلين.

د. جميل محمود مغربي أستاذ مادة النقد بكلية الآداب بجامعة الملك عبد العزيز بجدة

10

تمهيد

لم تحظ مدينة كما حظيت مدينة الرسول- (صلى اللّه عليه و سلم)- بتوجيه العناية الى كتابة تاريخها و المتمثل في تدوين أخبار و سيرة رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)- و صحابته- (رضوان اللّه عليهم)- كما فعل عمر بن شبة النميري (173- 262 ه) في كتابه «أخبار المدينة النبوية»، و في الاعتناء كذلك بتتبع الآثار النبوية الصحيحة بين ربوعها الطيبة كما نجد ذلك عند الحافظ محمد بن محمود المعروف بابن النجار البغدادي (578- 641 ه) في كتابه «الدرة الثمينة في أخبار المدينة» و عند جمال الدين محمد ابن أحمد المطري (676- 741 ه) في كتابه «التعريف بما آنست الهجرة من معالم دار الهجرة». و عند زين الدين أبي بكر بن الحسين بن عمر المراغي (727/ 816 ه) في كتابه «تحقيق النّصرة بتلخيص معالم دار الهجرة».

كما نلاحظ أيضا اهتماما يبدو في الاهتمام بتاريخ رجالها كما هو عند عبد اللّه بن محمد بن فرحون (691- 669 ه) في كتابه المخطوط بمكتبة عارف حكمت بالمدينة و المعروف باسم «نصيحة المشاور و تعزية المجاور». و عند مؤرخ آخر هو محمد بن عبد الرحمن السخاوي (831- 902 ه) في كتابه «التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة» بأجزائه الثلاثة التي نشرها أسعد طرابزوني- (يرحمه اللّه)- أما العناية بتاريخها الأدبي فنجد نموذجا له عند الشيخ عمر بن عبد السلام الداغستاني المتوفى بعد سنة (1201 ه- 1776 م) الذي ألف كتابه «تحفة الدهر و نفحة الزهر في شعراء المدينة من أهل العصر» و هو كتاب هام يبرز مدى اهتمام مثقفي المدينة في فترة القرن الثاني عشر الهجري بفنون الشعر و النثر المختلفة، و تعاطيهم لتلك الفنون حسب المقاييس الأدبية لعصرهم، كما أن التأريخ لجوانب الحياة الاجتماعية فيها لم يخل هو الآخر من اهتمام خاص، كما يبرزه لنا جعفر ابن هاشم الحسينى من أدباء المدينة في القرن الثالث عشر الهجري في كتابه المخطوط «الأخبار الغريبة فيما وقع بطيبة الحبيبة».

* و لقد أخذت منذ زمن في تقصي هذه المصادر بجانبيها التاريخي و الأدبي- المخطوط منها و المطبوع- و دراستها دراسة أكاديمية، فرأيت أن أضم هذه الدراسات التي يجمعها نسق واحد في هذا الكتاب الذي آمل أن يجد فيه المهتمون بدراسة فكر و أدب و تاريخ هذه البقعة المطهرة شيئا مما يتطلعون إليه أو يوجهون إليه اهتماماتهم العلمية.

11

* و لعله من الواجب أن أتقدم- هنا- بالشكر الجزيل لصديقي الدكتور محمد يعقوب تركستاني- الأستاذ بالجامعة الإسلامية بالمدينة- على احتفائه ببعض هذه الدراسات و نشره لها في ملحقه العلمي المعروف بصحيفة المدينة المنورة، و شكرا آخر أسديه إلى زميلي الشاعر الدكتور جميل محمود مغربي الأستاذ بكلية الآداب بجامعة الملك عبد العزيز على تكرمه بقراءة أصول هذا الكتاب و اقتراحاته المفيدة حول النشر النهائي، و لعله من الواجب أيضا أن أخص بالشكر الصديق الدكتور يحيى محمود الساعاتي- رئيس تحرير مجلة عالم الكتب- الذي رحبت مجلته بنشر بحثي عن العالم أمين بن حسن الحلواني- (رحمه اللّه)- و الذي يدخل ضمن مواد هذا الكتاب.

و اللّه ولي التوفيق.

عاصم حمدان جدة: 24/ 8/ 411 ه

12

القسم الأول الدّراسات الفكرية و الأدبية

13

(1) شعراء المدينة المنورة و الشعر الملحمي في القرن الثاني عشر الهجري‏

** من الإنتاج الأدبي غير المنشور، في القرن الثاني عشر الهجري- الثامن عشر الميلادي. عدد من القصائد الطويلة الذي احتفظت لنا بتاريخ الحوادث الاجتماعية، التي شهدها مجتمع المدينة المنورة في تلك الآونة.

لقد استثارت الحوادث قرائح كثير من الشعراء في ذلك الحين: الذين استهلوا قصائدهم تلك بالإشارة إلى أسباب الحادثة الاجتماعية و تاريخها و يكون هذا التاريخ مفصلا- أحيانا- بذكر اليوم و الشهر و السنة، ثم التعرض إلى الجماعات التي شاركت في هذه الحادثة. و بشي‏ء من التفصيل عن سلوكهم و أخلاقياتهم، ثم تنتقل القصيدة للحديث عن تطور هذه الحادثة.

و الآثار الذي تركتها على البيئة المحلية، و على الأخص على إنسان تلك البيئة.

**** و لقد دفعت المعالم المتميزة لهذه القصائد ناقدا كالسيد «عبيد مدني»- (رحمه اللّه)- إلى إطلاق ملحمة 1 على بعض تلك القصائد، و لعله شي‏ء أساسي أن نعرض للتعريف الحقيقي لمصطلح «ملحمة» و بدايات استعماله في تاريخ الأدب العربي، و صلة هذا المصطلح نفسه بمفهوم الشعر الملحمي في ثقافات الأمم الأخرى.

** يذهب ابن منظور إلى تعريف الملحمة بأنها الحرب ذات القتل الشديد، و يضيف كذلك تعريفا آخر لها بأنها الوقعة العظيمة في الفتنة 2.

** و فسر الشريشى القول الوارد في المقامة الثالثة عشرة من مقامات الحريري، و المعروفة بالمقامة البغدادية «قد فتن كلامك فيكف إلحامك» أن إلحامك تعني نسجك الشعر. 3

14

** «د. ب. ماكدونالد» يعلق على جذور كلمة «ملحمة» و تطور معناها، كما يلي: «يحيط كثير من الغموض بالأصل الاشتقاقي لكلمة ملحمة، و تطور معناها، فالكلمة لم تظهر في القرآن الكريم، أو بالأصل الجذري للحم و لحوم، أي ذلك المتمثل في المعني المادي الخالص، علاوة على ذلك فالجذر- ل، ح، م- يكتسب- كما في الأصل اللغوي العبري للكلمة نفسها- معنيين قديمين، و لكنهما منفصلان، و هما: الطعام، و القتال، يضاف إلى ذلك فإن أصل الكلمة الدالة على الطعام في اللغة العبريةLehem هو: الخبز، و هو- في الوقت نفسه- يعد معنى مرادفا لكلمة- لحم- بالعربية.

و ربما ذلك يوحي بإمكانية انفصال المعنيين بعضهما عن بعض في الأصل السامي، أكثر مما يوحى بعملية الاستعارة أو الاقتباس.

و في العربية- قديما- تعطينا كلمة- ملحمة- معنى القتال الحاسم، الذي يقود إلى الهزيمة، أو المطاردة، التي تتسبب في إلحاق الذبح و القتال بالطرف الآخر».

كما ذكر «ماكدونالد»- أيضا- تعريف «ابن خلدون» للملحمة، و هو «كتب متعددة في الحوادث و التغييرات المتصلة بالأسر الحاكمة، و تكون صياغتها شعرا، أو نثرا، أو رجزا». 4

** و لكن هل يحق لنا أن نقارن القصائد الجاهلية القديمة، و المعروفة بالمعلقات، و التي تتعرض لحوادث تاريخية معينة معلقة زهير بن أبي سلمى و ما أجالته حول حرب داحس و الغبراء بملاحم «هومر»Homer الإغريقية:

الإلياذة(ILiad) ، و الأوديسةThe Odyssey ، أو الملاحم التاريخية الفارسية، كالشاهنامة للفردوسي؟

الناقد «مارون عبود» يرى أن قصة الإلياذة شديدة الشبه بقصة عنترة 5، بينما يعتقد د. س. مرجليوث أن حظ المعلقات من المعلومات التاريخية يكاد يكون ضئيلا.

أما «جورج غريب» فيذهب «إلى أن في مطولات عمرو بن كلثوم و عنترة و الحارث بن حلزة من مميزات الملاحم ما ليس في غيرها» و لكنه يعود إلى القول بأنه «من الإنصاف اعتبار المطولات العربية من قبيل الفخر و الحماسة لا من قبيل الملاحم». 6

15

و لقد ناقش «سليمان البستاني» في مقدمة ترجمة إلياذة «هومر» قضية التقارب بين جاهلية العرب و جاهلية اليونان، إلا أنه خلص إلى أن «المشارقة لم ينظموا الملاحم بالمعنى الصحيح، فرغم ما توفر للأعراب من أدوات الفصاحة، فعدم التطلع إلى ما وراء الطبيعة وقف حاجزا دونهم و دون تحقيق هذا النوع من الأدب، بيد أننا- و نحن نلقي نظرة على بعض كتب الأدب بعامة، و جمهرة أشعار العرب بخاصة- نستطيع القول بشي‏ء من التوسع إنه كان للمشارقة، من جاهليين و مولدين، نوع من الملاحم القصيرة تناولوا فيها حوادث معينة» 7.

و لكن «د. س مرجليوث» في محاضرته الموسومة بعنوان: «الشعر أداة فكرية للتاريخ» أوضح أن هناك نوعا من المماثلة بين بعض الإنتاج الشعري، في مرحلة العصر الإسلامي، و بعض الأعمال الملحمية العالمية، مع الأخذ في الاعتبار أن هذا الانتاج العربي الشعري الذي يتوجه لتخليص الحوادث التاريخية، يظل مفتقدا لبعض السّمات الملحمية، كالحبكة أو العقدة و لهذا نجده يعقد مقارنة بين القصيدة التاريخية عند الشاعر العباسي عبد الله ابن المعتز «أرجوزة المعتضد» 8 و بين ملحمة الشاعر(Tasso) تاسو، و المعروفة باسم(jerusalem ,Delivered) «تحرير القدس» و التي تعرض فيها لحوادث الحملة الصليبية الأولى.

و يدّعى «مرجليوث» أن بناء القصيدة العربية هو أكثر ملاءمة لتعدد الموضوعات منه إلى الموضوع الواحد، كما هو ضروري في البناء الملحمي و لهذا فإن القصائد التاريخية الملحمية في الأدب العربي تمت صياغتها في بحر الرجز 9 لأنه الوحيد الذي يتلاءم مع هذا الفن الشعري.

** و سوف نتعرض بالتفصيل لرأي «مرجليوث» هذا الذي يتجنى فيه على القصيدة العربية، و ذلك ناشئ من عدم إحاطته بتاريخ الأدب العربي، و سوف تقدم الأمثلة الشعرية من إنتاج شعراء الجزيرة العربية في القرن الثاني عشر «الدليل الواضح على أن القصيدة العربية ذات البحر الشعري الطويل قادرة على استيعاب الموضوع الواحد ذي الصبغة الملحمية التاريخية، و أن هذه القصيدة- في الوقت نفسه- احتفظت بروائها الشعري، و صياغتها الفنية الجميلة.

***

16

الاحالات:

____________

(1) بحوث المؤتمر الأول للأدباء السعوديين، جدة، 1394 ه ص: 723- 740.

(2) جمال الدين محمد بن مكرم، ابن منظور: لسان العرب، (دار صادر، بيروت)، المجلد الثاني عشر، ص 537، مادة لحم.

(3) أبو العباس أحمد بن عبد المؤمن الشريشي: شرح مقامات الحريري، ط الأولى- دار الكتب العلمية، بيروت، 1399 ه- 1979 م.

(4) مادة ملحمة في «الموسوعة الإسلامية» الطبعة الإنجليزية الأولى ص 188، و مادة حماسة- أيضا- في الموسوعة نفسها، الطبعة الثانية.

(5) مارون عبود: أدب العرب، بيروت ط 3، 1398 ه، ص 78.

(6) جورج غريب، الشعر الملحمي، تاريخه و أعلامه، بيروت ط 3، ص 10.

(7) جورج غريب، سليمان البستاني في مقدمة الإلياذة، بيروت- بدون تاريخ- ص 57- 58.

(8) يصفه الدكتور طه حسين بالشعر التعليمي، تاريخ الأدب العربي، بيروت ط 2، 1976، ج 2، ص 399.

(9) ديفيد صمويل مرجليوث: محاضرات عن المؤرخين العرب «الطبعة الإنجليزية» كلكتا 1930، ص 80.

17

[ (2)- شعراء المدينة المنورة و الشعر الملحمي في القرن الثاني عشر الهجري‏]

** في الحلقة الماضية، التي خصصت لدراسة تحديد المصطلح الشعري «ملحمة» رأينا أن هناك نماذج من الشعر الجاهلي و الإسلامي، مما يمكن إدخاله ضمن دائرة الشعر الملحمي من منظور النقد العربي.

و لا بد من الإشارة إلى أن تجارب شعراء المدينة، في القرن الثاني عشر الهجري، في هذا العمل الشعري الخاص، إنما هي محاولة لإحيائه، و نفض الغبار عنه، و تكتسب المحاولة أهميتها أنها أتت في عصر من عصور الركود الفكري و الأدبي.

** و لكن السؤال الذي يمكن طرحه: هل كان هؤلاء الشعراء واعين بالفن، الذي توجهت ملكاتهم للإبداع فيه؟

لقد ورد لفظ «ملحمة» في مطولة من مطولات الشاعر السيد جعفر إبراهيم البيتي‏ 1 و جاءت اللفظة مقترنة باسم شاعر من أشهر شعراء العصر المملوكي، و هو شمس الدين بن دانيال‏ 2 (646- 710 ه) و البيت ورد عند الشاعر «البيتى» كما يلي:

حوادث ما رآها دانيال و لا* * * قصت «ملاحمه» شيئا يساويها

و اشتمال البيت على اسم هذا الشاعر- بعينه- فيه دلالة علي مصادر الثقافة الشعرية لشعراء تلك الفترة، و مدى تأثيرها في إنتاجهم الشعري، أ إن الشاعر كان واعيا بأنه يقوم بوصف حوادث ملحمية، و أن هذا الوصف كان نتيجة طبيعية لتفاعل الشاعر مع تلك الحوادث، التي شهدها مجتمع المدينة، في فترة القرن الثاني عشر الهجري، أو ما أسمته المصادر الشعرية «بالفتن» و هي تسمية لها دلالتها التاريخية إذا ما ربطنا بينها و بين الفتن، التي شهدها المجتمع المدني في العصر الإسلامي الأول.

و أشهر هذه الفتن ثلاث: وقعت الأولى منها سنة 1134 ه، و تسمى بفتنة «العهد»، و الثانية في سنة 1148 ه، و تسمى بفتنة «بشير أغا» الذي كان‏

18

حاكما من حكام المدينة في تلك الفترة، و الثالثة في سنة 1115 ه، و هي فتنة «عبد الرحمن أغا الكبير».

هذه الحوادث جميعها لم تتعرض لها- بالتفصيل- المصادر التاريخية و ربما كان ذلك راجعا إلى ضياع مؤلفات ذلك العصر، التي كانت تحتفظ بها بعض المكتبات الخاصة في المدينة. و لربما افتقدنا المؤرخ- نفسه- للظروف السيئة، التي كان يمر بها المجتمع- آنذاك- إلا أننا لم نفتقد الشاعر الذي عمل على تطويع القصيدة الشعرية لمقتضيات العصر، و يبتعد بها عن الموضوعات المبتذلة، التي كانت سمة من سمات بعض الإنتاج الشعري لفترة العصر العثماني، أو بعبارة أخرى: وجدت الملكة الشعرية القوية، فكانت عينا تسجل، و أذنا تسمع، و لسانا ينطق.

لقد كان السيد جعفر البيتي ذلك اللسان الذرب، الذي وصف تلك الفتن، فجاء وصفه مليئا بالصور الشعرية الرائعة، التي يمكننا من خلالها معرفة ما كان يزعج ذلك المجتمع الآمن، و يقض مضجعه.

** و قبل أن نختار ملحمة من ملاحم شاعرنا المذكور، لنتعرف من خلالها على الحالة السيئة، التي وصل إليها الوضع الاجتماعي في المدينة، و لندرسها دراسة تحليلية نتلمس من خلالها تلك الوسائل الفنية التي استخدمها الشاعر في عمله الشعري، و مدى نجاحه في هذا الجانب التطبيقي الهام، قبل أن نختار المثال الذي سوف نخضعه لهذه الدراسة، سوف نذكر نبذة موجزة عن جميع الملاحم، التي شكلت مصدرا رئيسيا لدراسة الجانبين التاريخي و الأدبي، في المدينة المنورة، في حقبة هامة من أحقاب تاريخنا العلمي و الثقافي في الجزيرة العربية.

الملحمة الأولى: التي أبدعها الشاعر «البيتي»، تحت تأثير أحداث فتنة 1134 ه- 1721 م، و تتكون هذه الملحمة من أربعة و تسعين بيتا، من بحر الكامل، و يفتتح الشاعر ملحمته هذه قائلا:

المجد تحت ظلال سمر الذبل‏* * * و ظبا القواضب و الجياد القفل‏

الموريات العاديات ضوابحا* * * الصامتات الزافرات الجفل‏

19

و الخوض في غمرات بطنان النوى‏* * * يوم التصادم في القتام المسبل‏

و تواتر العزمات في طلب العلا* * * و الفوز في أقصى فيافي الهوجل‏

و الفخر ما ترك الأعادي خشعا* * * رفل المحازم كالجياد العزل‏

بين القنا و ورود أحواض الردى‏* * * لقوا العلاقم في تراقي الحوصل‏

لا عاش من ترضى المذلة نفسه‏* * * طوعا، و عن شأو المفاخر يأتل‏

تعست حياة لا تشاب بعزة* * * غبراء بين مهابة و تذلل‏

العز أجمل ما اقتناه أولو النهى‏* * * و الذل بالأحرار ليس بمجمل‏ 3

الملحمة الثانية: التي أبدعها الشاعر «البيتى» تحت تأثير أحداث فتنة سنة 1148 ه- 1735 م، و تتكون من أربعة و ستين بيتا من بحر الطويل، و قد افتتحها الشاعر قائلا:

قفوا تنظروا آثار ما صنع الظلم‏* * * و جوسوا خلال الدار تنبيكم الأكم‏

قفوا بالرسوم الدارسات فربما* * * تحققتم منها و ما نطق الرسم‏

قفوا نشتكي ما قد أصاب فإنه‏* * * عظيم، و إن الأمر حادثه ضخم‏

على كل دعوى فى الظلامة حجة* * * يصدقها التحريف و الهدم و الردم‏

و منها أيضا:

سلوا فلسان الحال من كل مسلم‏* * * أصيب ببلوى، عنده خبر جم‏

20

سلوا عن حديث الابتلا من بلى به‏* * * و أولى بنعت السقم من مسه السقم‏

سلوا كل درب بالمدينة ما الذي‏* * * لقينا، فعند الدار من أهلها علم‏

سلوها عن الهتك الذي قد أصابها* * * قريبا، فمن لقياه في وجهها وشم‏ 4

الملحمة الثالثة التي أنشأها الشاعر تحت تأثير فتنة سنة 1155 ه- 1742 م، و تتكون من مائة و ثلاثة و ستين بيتا من بحر البسيط، و سوف نرجى‏ء الاستشهاد، أو الحديث عنها، لأنها الملحمة التي سوف نختارها كمثال لدراستنا الفنية عن قصيد الملحمة، و هذا موضوع الحلقة القادمة من هذه الدراسة- بتوفيق اللّه.

الاحالات:

____________

(1) السيد جعفر البيتي العلوي السقاف، ولد في المدينة سنة 1110 ه- 1598 م، من أشهر شعراء الجزيرة العربية في فترة القرن الثاني عشر الهجري، لا يزال ديوانه الشعري مخطوطا، و توجد منه نسخ في مكتبة عارف حكمت بالمدينة، و مكتبة المدينة العامة، و طوبقبو سراي باستانبول، و بمكتبة المرحوم السيد عبيد عبد اللّه مدني.

انظر ترجمته في «تحفة المحبين و الأصحاب في معرفة ما للمدنيين من أنساب «لعبد الرحمن الأنصاري، تحقيق محمد العروسي المطوي. تونس، 1390 ه- 1970 م، ص 71.

و في هدية العارفين، لإسماعيل البغدادي، استانبول 1951 م، ج 1، ص 256، و في الشعر الحديث في الحجاز لعبد الرحيم أبي بكر، القاهرة 1397 ه، ص 69- 74.

(2) انظر ترجمته في «فوات الوفيات» و الذيل عليه لابن شاكر الكتبي، تحقيق د. إحسان عباس، بيروت 1974 م، ج، ص: 330، و في «النجوم الزاهرة في ملوك مصر و القاهرة» ليوسف بن تغري بردي، (القاهرة) ج 6، ص: 215، و الأعلام، لخير الدين الزركلي، بيروت، 1376 ه، ج 6، ص: 54.

(3) الأخبار الغريبة في ذكر ما وقع بطيبة الحبيبة، للسيد جعفر بن حسين بن يحيى هاشم الحسينى المدني، (مخطوط) ص: 4، و هو الجزء الأول «دراسة و تحقيق» من رسالة تقدم بها الكاتب لجامعة مانشستر بالمملكة المتحدة لنيل درجة الدكتوراه في عام 1406 ه- 1986 م.

(4) المصدر السابق: ص 21.

21

[ (3)- شعراء المدينة المنورة و الشعر الملحمي في القرن الثاني عشر الهجري‏]

** أوردت- في الحلقة الثانية: من هذه الدراسة- نبذة موجزة عن جميع الملاحم الشعرية، التي شكلت مصدرا رئيسيا لدراسة الجانبين:

التاريخي، و الأدبي، في حقبة القرن الثاني عشر الهجري، و وعدت بدراسة تحليلية للملحمة الثالثة التي أنشأها الشاعر جعفر البيتي العلوي السقاف.

تحت تأثير أحداث فتنة سنة 1155 ه- 1742 م. و تتكون الملحمة من مائة و ثلاثة و ستين بيتا من بحر البسيط.

و سوف نوطى‏ء للدراسة التحليلية التي سوف تحاول الكشف عن الجوانب الفنية للملحمة- بنبذة قصيرة عن الوضع الإداري في المدينة، في تلك الفترة، و الذي كان سببا وراء نشوب نوع من الحروب الداخلية التي استطاع الشعراء أن يستوعبوا أحداثها استيعابا جيدا، مكنهم من الانتقال بها من مستوى الحدث التاريخي إلى مستوى العمل الفني، كما سوف نعرض لأجزاء معينة من الملحمة نفسها.

** يبدو- من خلال المقدمة التوضيحية،. التي كتبها مؤلف «الأخبار الغريبة فيما وقع بطيبة الحبيبة»، لقصيدة السيد «البيتي» المذكورة- وجود سلطتين رئيسيتين تتنازعان إدارة شؤون المدينة (في القرن الثاني عشر الهجري).

إحداهما؛ السلطة العسكرية بقيادة قائد عسكري يسمى «الأغا».

و تتبع هذا «الأغا» قوة عسكرية كان مقرها «القلعة» التي كانت تقوم في المنطقة التي تعرف باسم «باب الشامي».

أما السلطة الأخرى فهي السلطة المدنية، و كان يتولى شؤونها صاحب الوظيفة المعروفة باسم «مشيخة الحرم».

كما تشير المقدمة التوضيحية- نفسها- إلى حدوث مفاسد مالية من قبل بعض رجال القوة العسكرية. مما دفع بالسلطة المدنية أن تتدخل في البحث عن المشاكل المترتبة على مثل هذه المفاسد، مطالبة بإبعاد الشخصيات المتوسطة.

22

و كانت هذه المطالب سببا في نشوب القتال بين الفريقين، و توسعت دائرة هذا القتال لتشمل- في المرحلة الأولى- الأفراد العاديين في المجتمع، ثم- في مرحلة ثانية- قبيلة «حرب» التي تقطن بعض المناطق المحيطة بالمدينة، و قد اتخذت هذه القبيلة موقفا محددا من الطائفتين المتقاتلتين.

** لا بد أن يكون لمبدع القصيدة «السيد البيتي» موقف معين من الأحداث الدامية التي كان يشهدها مجتمعه، و تمتد آثارها- كما ذكرنا- إلى الأفراد الذين لا ينتمون إلى إحدى المجموعتين المتصارعتين.

و لعل الشاعر استطاع أن يقدم- مدفوعا بحبه لهذا المجتمع- صورة حية للحالة التي أصبحت عليها «المدينة» بعد أن شوهت وجهها تلك الحروب الدامية، و لهذا نجده يفتتح ملحمته بمقدمة يرثي بها أرض الهجرة و الايمان. و هي مقدمة تتكون من ثلاثة و عشرين بيتا، يقول الشاعر في هذه المقدمة الحزينة:

بكى على الدار لما غاب حاميها* * * و جر حكامها فيها أعاديها

بكى لطيبة إذ ضاعت رعيتها* * * و راعها بكلاب البر راعيها

بكى لمن هاجروا بالكرة و ارتحلوا* * * عنها، و كانوا قديما هاجروا فيها

واها لكربتها، واها لغربتها* * * واها لجائعها، واها لعاريها

واها لحالي لما قمت أنشدها* * * الدار أطبق إخراس على فيها

يا دمنة سلبت منها بشاشتها* * * و ألبست من ثياب المحل باقيها

وقفت فيها أعزيها لكربتها* * * اعجب على جلدي أني أعزيها

فمن معينى بأحزان يضاعفها* * * على؟ من لعيوني؟ من يواسيها؟

23

يا صاح ناد البواكي و ابك أنت معي‏* * * و لا تصبرن نفسي. لا تسليها

ما مثل طيبة، ما مثل الذي لقيت‏* * * من الأسى، فبمن ترجو تآسيها

حاشا لمختلف الأملاك من غير الد* * * نيا و ما صنعت فيها لياليها

بأبي الفداء لها من كل حادثة* * * لو كان ينفعها أني أفديها

و غاية الجهد أن أبكي لها أسفا* * * حتى تجف دموعي في مآقيها

كان التغزل في جيران ذي سلم‏* * * و اليوم قد كثرت فيها مراثيها

هي المدينة أمست بعد عزتها* * * كسيرة، غاب عنها اليوم حاميها

و يختتم الشاعر مقدمته الحزينة بهذا البيت:

أشد دار خرابا لا عمار له‏* * * دار أتى هدمها من كف بانيها

لقد أنشد «البيتي» قطعة شعرية تتردد- في مقاطعها- عبارات البكاء و الحزن، و كأنه يبحث- من خلال هذه العبارات- عن أجوبة لأسئلته الحائرة.

فهل كان الشاعر يطمح- من خلال هذه المقدمة البكائية- إلى إثارة انتباه السلطات العثمانية، التي كانت مشغولة بهمومها الخاصة عن مثل هذا الوضع السيى‏ء، الذي أصبح المجتمع المدني يعايشه طيلة قرن كامل من الزمن؟ أم أن الشاعر الذي كان يعرف- مسبقا- بموقف السلطات المحلية و غيرها، البعيد- كما يصوره الشاعر- عن أي سمة من سمات التعاطف و التجاوب مع آلام المواطن، الذي كان يصطلى- وحده- بآثار تلك المشاكل الاجتماعية، و التي عملت على إضعاف نفسيته، و أبعدته عن دائرة العمل و الانتاج.

فكان- عليه- أي على الشاعر- أن يبحث عن القارى‏ء، أو المستمع، خارج إطار السلطة، ذلك الفرد المسلم الذي كانت تفصله‏

24

المسافات عن هذه الأرض المقدسة، و لكنها تعيش في وجدانه، ذلك الوجدان، الذي تغذى بأحاديث المصطفى- (صلى اللّه عليه و سلم)- الداعية إلى احترام قدسيتها، و شد الرحال إلى مسجدها، و عدم التورط في إيذاء أهلها.

و لعل الشاعر نجح في إيصال صوته- عبر هذه القرون الطويلة- إلينا و تبقى مصداقية ما كان يريد أن يبلغه بصوته الشعري أمرا آخر يحتاج منا إلى البحث عن قرائن أخرى تؤيده أو تنقضه، و خصوصا أن الشاعر يشير- في ملحمته- إلى استخدام جماعات القتال للحرم النبوي الشريف، كمنطلق لهذه الحرب الآثمة التي يبدو أنها لم تحترم مقتضيات المكان و الزمان.

يقول الشاعر في ذلك:

لا جمعة، لا صلاة، لا أذان بها* * * إلا البنادق ترمى في نواحيها

فصاحت الناس شرع اللّه و ابتدروا* * * إلى الخصومة قاصيها و دانيها

و بادروا مجلس القاضي لينظر في‏* * * فصل القضا و لنار الحرب يطفيها

فصدر الحاكم الشرعي نحوهم‏* * * رسالته تقتضى الدعوة و تحويها

فلم يردوا خطابا عن رسالته‏* * * إلا الرصاص جوابا في حواشيها

و ترسوا مسجد الهادي، و ثار به‏* * * بين الفريقين حرب لست أحكيها

فيا لها زلة منهم و فاقرة* * * جاءت على رغم مفتيها و قاضيها

لقد طغى صوت الحرب على صوت العقل و الحكمة، فلم يستمع المحاربون إلى قول الشرع في القضايا، التي كانت سببا في ذلك القتال، الذي احتدم، و خلف وراءه دماء تراق، و نفوسا تتألم.

بل كان على المجتمع- أيضا- أن يقع تحت تأثير طائلة النزوات الشخصية المدفوعة بإغراءات السلطة، كان على الناس أن يتفرغوا لهذه‏

25

الحرب ستة أشهر أخرى، فلربما كان عند أمير الحاج الشامي، الذي تعود الناس فصله في القضايا المعضلة، حل شاف للمأساة، التي ظلوا يعانون منها ردحا من الزمن.

و عند ما ضاقت الحيلة بهم، لم يجدوا بدا من أن يقارنوا مأساتهم تلك بالمآسي الأخرى، التي شهدتها الأمة الإسلامية في تاريخها الطويل. و تلك المقارنة، التي يعقدها شاعرهم «البيتي» تعكس لنا دلالات عديدة منها؛ قدرة الشاعر على قراءة التراث قراءة واعية، و استخدامه له استخداما موفقا في الربط بينه و بين الحاضر المأساوي، الذي كان يعيشه إنسان تلك البيئة. في القرن الثاني عشر.

ثم نلمس- أيضا- أن الشاعر قصد من وراء هذا الربط بين الصور المتشابهة. في الماضي و الحاضر، تنبيه الدولة العثمانية إلى النتائج المترتبة على استمرار ذلك الصراع في مجتمع المدينة من حيث تأثيره- سلبيا- على مسيرة العثمانيين الذين وثقوا ارتباطهم- في بداية الأمر- بتعاليم الدين الإسلامي، و احترام مقدساته، و العطف على رعاياه.

** لقد قال لهم- أي للعثمانيين- ما سوف يسمعونه، بعد قرن من الزمن، في القرن الثالث عشر الهجري- من شاعر آخر من شعراء المدينة و هو «إبراهيم الأسكوبي» الذي نبه الدولة العثمانية إلى المخاطر العظيمة التي تحيط بها من جراء بعدها عن العقيدة الإسلامية، و ارتمائها في أحضان الغرب.

فماذا قال جعفر البيتي؟

يا للكبائر من أدعو فيسمعني‏* * * حتى أصرح عنها أو أكنيها

من للمدينة إن غصت بريقتها* * * و من يجيب نداها، من يلبيها؟

ما أفقر الصيد إلا بعد مسلمة* * * أعطت محاسنها الدنيا لماضيها

مصيبة عرضت للمسلمين غدت‏* * * عن «كربلاء» و «يوم الدار» تلهيها

عادت لنا سيرة التيمور في حلب‏* * * أيام صبيانها شابت نواصيها

26

و يومه و هو في بغداد يهتكها* * * و يوم جنكيز بالتاتار يرميها

و بخت نصر من قبل الذي ذكروا* * * في مصر و القدس تقريبا و تشبيها

و يوم تهماز ما أدراك ما صنعت‏* * * في شاه جهان الموالي مي مواليها

شأن عظيم مضى في الجور أعظمه‏* * * شأن المدينة من أيدي شوانيها

حوادث ما رآها «دانيال» و لا* * * قصت ملاحمه شيئا يساويها

يا شدة ليس إلا الله يكشفها* * * و غمة ليس إلا الله يجليها

أين الحجاز- و أين الروم تسمع لي‏* * * صوتي، إذا قمت من كربي أناديها؟

يا آل عثمان عين في ممالككم‏* * * مطروفة، لطمتها كف واليها

عين لدولتكم، عين لدينكم‏* * * قد كان لو لا دفاع الله يعميها

أمنتموها فضاعت عنده سفها* * * ويل الأمانة ممن لا يؤديها

نمتم و لا نوم عبود الذي ذكروا* * * عن المدينة، حتى قام ناعيها

أحوالنا علمتها الصين و اعجبا* * * من كان يمنعها عنكم و يثنيها

تالله لو كان هذا الدين مبدؤه‏* * * على التساهل و الإغفال تمويها

ما صدق الرسل في الدنيا مصدقها* * * و لا جبي ساحة الإفرنج جابيها

سلوا ففي كي قباد الفرس معتبر* * * يغني الملوك إذ شاءته تنبيها

27

و أين تلك من الدار التي شرفت‏* * * على الممالك إعظاما و تنزيها

ما أحوج الأرض للفتح الجديد فقد* * * عم البلا و طغى طوفان عاصيها

من باب مصر إلى بصرى إلى عدن‏* * * إلى العراق يمانيها و شاميها

و من سواكم و عين الناس ترقبكم‏* * * قد وجهوا لكم الآمال توجيها

بخدمة المصطفى أسلافكم شرفت‏* * * على الملوك، و هناها مهنيها

تميمة علقت في جيد دولتكم‏* * * تذب عنها أعاديها و تحميها

عضوا عليها و صونوها، فإن سقطت‏* * * تفزعت، و غدت لا شى‏ء يشفيها

و إن تروا حادثا في الدهر أو قلقا* * * من العدا فهو من عقبى تناسيها

لم يختم الشاعر قصيدته إلا بعد أن باح لنا بتلك الأحاسيس الرقيقة، التي تحملها نفسه عن البلد الذي أحب، و وضع- أمامنا- كل تصوراته لما يجب أن يكون عليه مسؤولية الحاكم من حيث التيقظ و القوة حتى لا تفقد الدولة هيبتها، و تصبح مطمعا لأعدائها الذين يتربصون بها، و هو ما حدث بعد أكثر من قرن من الزمن، عند ما تقاسم الإفرنج ميراث الدولة العثمانية، و كان ذلك نتيجة طبيعية للتساهل و التغافل، الذي صاحب امتداد الدولة في مناطق كثيرة و متباعدة.

و لم يفرغ السيد «البيتي» من ملحمته إلا بعد أن سكب بين سطورها نفسا شعريا جميلا، قوامه موهبة الشاعر القوية. و ثقافته التراثية الواسعة. و يأتي- في مقدمتها- العبارة اللغوية، التي وفّق في تطويعها لتكون وسيلة نطل- من خلالها- على أحداث التاريخ، دون أن نفقد استمتاعنا بروائها الشعري، و سوف نفرغ لدراسة ذلك في الحلقة القادمة- إن شاء اللّه- عند دراسة البناء الفني لقصيدة الملحمة.

28

(4) البناء الفني لقصيدة الملحمة (1)

** لقد استخدم الشاعر السيد البيتي عددا من الوسائل الفنية، في ملحمته التي استعرضنا- في الحلقة السابقة من هذه الدراسة- الأجزاء المكونة لبنائها: و هدفنا- هنا- هو الإشارة إلى تلك الوسائل، و مدى نجاحه في تطبيقها ضمن إطار عمله الفني.

عند ما نوجه اهتمامنا إلى الطريقة التي اهتدى إليها الشاعر في اختيار كلمات قصيدته، يجب أن نأخذ في اعتبارنا أنه- أي الشاعر- كان يسعى، من خلال ملكاته الشعرية، أن يبلغ مستوى معينا في تصوير حجم المشاكل المعقدة، التي كان يعاني منها مجتمع المدينة المنورة، في القرن الثاني عشر الهجري، و لهذا فهو- في البيت الأول من افتتاحية ملحمته- يشير إلى المدينة بكلمة «الدار» حيث يقول:

بكى على الدار لما غاب حاميها* * * و جرّ حكامها فيها أعاديها

مشبها البلدة بالدار، التي تستحق البكاء بسبب غياب صاحبها أو حاميها ثم نراه ينعتها- في البيت الثاني «بطيبة»- و هو اسم من أسمائها، الذي اكتسبته بعد هجرة الرسول- (صلى اللّه عليه و سلم)- إلى ربوعها، و حيث بدأت تتشكل ملامح تاريخها الإسلامي المتميز:

بكى لطيبة إذ ضاعت رعيتها* * * و راعها بكلاب البر راعيها

و كأنه من خلال هذا الاسم «طيبة» يرسم لنا صورة الأمن و السلام، الذي كانت تعيشه البلدة على مر العصور و الأزمان، أصبح- فجأة- معرضا للخطر و التغيير بسبب نوع غريب من الأعداء، و هو يلمح- فقط- إليهم دون تصريح بكلمة «راعيها» و قد أشرنا- في الحلقة السابقة- إلى أن مصدر السلطة في‏

29

المدينة كانت تشكله مجموعة الأغوات و الحامية العسكرية التركية: و هم من ينعتهم «بالأجانب» في موضع آخر من القصيدة، حيث يقول:

سوسوا البلاد بعين من نفوسكم‏* * * دعوا الأجانب، أعطوا القوس باريها

و كلمات راعي «ورعية» التي استعملها الشاعر- في البيت السابق- تشكل لنا- بصورة رمزية- صورة شعرية للسكان الآمنين، الذين وقعوا في شراك عدوين، أحدهما من الداخل، و الآخر من الخارج.

و عند ما نأتي إلى البيت السادس من مقدمة القصيدة، و الذي يقول فيه:

يا دمنة سلبت منها بشاشتها* * * و ألبست من ثياب المحل باقيها

نجد الشاعر يدعو مدينته باسم «دمنة» و الجملة التي عقبت كلمة «دمنة» توضح لماذا استعمل الشاعر هذه الكلمة الدالة على الأثر، لقد فقدت البلدة سمات فرحها أو سرورها، أو تم اغتصاب مظاهر الحياة فيها لتحل محلها صورة أخرى- كما عبر الشطر الثاني من البيت و هي صورة البؤس و الشقاء و الحرمان، و لقد كان لبناء الفعل للمجهول في قوله: «سلبت» و «ألبست»، دور في تكثيف الصورة الشعرية، و ما ترمز إليه من إيحاءات، كان يهدف الشاعر إلى التأثير بها في نفوس قارئيه عن الوضع السي‏ء للبلدة، بعيدا عن المباشرة و التقريرية.

(2)

** لقد كان «البيتي» واعيا بأهمية العبارة المجازية، و دورها في التأثير على نفس القارى‏ء، إلا أن نوعية هذه العبارة من حيث قوتها و أصالتها هي التي تجعلنا نصل إلى رأي في تحديد شاعرية المبدع. كما يعبر عن ذلك الناقد «هيربيرت رييد»(HERBERT READ) في مجموعة مقالاته النقدية المعروفة، و هذا يدفعنا إلى أن نقف عند الأسلوب الشعري الذي عمل الشاعر، من خلاله، على البرهنة على غفلة الحكام العثمانيين.

لقد نأى الشاعر عن المباشرة في خطابه الشعري لهؤلاء الحكام و اعتمد

30

على الصورة البلاغية، التي تكتفي بتصوير الأثر عن طريق ترك الحرية للقارى‏ء لاستنتاج الحقيقة، أو الحكم على القضية التي كان يسعى الشاعر- بوعيه العميق- أن يبرهن عليها، من خلال الصورة البسيطة المنتزعة من التجربة الإنسانية.

يقول الشاعر رامزا إلى تغاضي العثمانيين عن المفاسد، التي كانت تتعرض لها البلدة الطاهرة:

يا آل عثمان عين في ممالككم‏* * * مطروفة لطمتها كف واليها

(3)

** ينوع الشاعر في وسائله الفنية، التي أحكم من خلالها البناء الشعري لقصيدته فهو إضافة إلى وعيه بأهمية العبارة المجازية و البسيطة في الوقت نفسه، في رسم أبعاد الأجواء السياسية و الاجتماعية للمدينة في تلك الفترة، نجده- أيضا- لا يغفل عن الموروث الشعري، ذي الصلة الوثيقة بالتاريخ الإسلامي للبلدة، فهو يشير إليه عن طريق استعارة بعض عباراته أو تضمينها، و لكن هل هو التضمين غير الواعي؟ أو هي الاستعارة الزائفة التي لا تتعدى الصور و الأشكال؟

أعتقد أن الشاعر وفق إلى- حد ما- في أن يستفيد من بعض الأساليب الشعرية القديمة، و ذلك لوعيه المتمثل في حسن استخدامه لها. فلئن قال الشاعر «البوصيري» شعرا يتشوق فيه إلى ديار الإسلام، و يتغنى بربوعها في وقت كانت تنعم هذه الديار- فيه- بالسلام و الأمن:

أمن تذكر جيران بذي سلم‏* * * مزجت دمعا جرى من مقلة بدم‏

فإن الشعر في عهد «البيتي» يتوجه لرثاء المواطن، التي كانت تتجاوب بكل طمأنينة و سرور مع شعر المدح و الحنين.

يقول «البيتي» موضحا الفرق بين عصرين مختلفين من خلال الفرق بين نوعين متغايرين- أيضا- من الشعر، شعر قاله الأقدمون غزلا، و شعر يقوله شاعرنا رثاء:

31

كان التغزل في جيران ذي سلم‏* * * و اليوم قد كثرت فيها مراثيها

(4)

** و من وسائل الشاعر الفنية: سعيه في أن يتمثل بحوادث التاريخ، و هو تمثل يربط فيه الشاعر بين الوضع الذي آلت إليه البلدة في عصره، و بين الوضع الذي سبق أن مرت به في عصور سابقة، أو هو تمثل يحاول من خلاله- و بطريق غير مباشر- أن يعقد مقارنة بين الحكام، الذين يتغافلون- عن عمد أو غير عمد- عن مجريات الأحداث في المدينة، و ذلك التغافل الذي أقدم عليه حكام سابقون، مما تسبب في ضياع مقاليد الأمور من أيديهم، و هو نفس المسار الشعري الذي سلكه الشاعر من حيث بعده عن المباشرة في الصياغة الشعرية، أو في الربط بين الأمور و مجريات الأحداث، محبذا في ذلك الأساليب الأكثر قدرة في التأثير في القارى‏ء أو الشخص المسؤول على حد سواء.

و لا أظن أن الشاعر لجأ إلى ذلك خوفا و رهبة. و لكن أميل إلى أن وعيه و عمق ثقافته، دفعاه لأن يختار لعمله الشعري من الأساليب ما جعله متميزا عن كثير من الأعمال الشعرية، التي انتجها شعراء العصر العثماني.

يقول الشاعر في معرض تصويره للأهوال، التي شهدتها المدينة من خلال أحداث القرن الثاني عشر، و يقارنها في الوقت- نفسه- بتلك الأحداث التي جرت على أرض المدينة كيوم مقتل الخليفة «عثمان بن عفان» رضي اللّه عنه، في العصر الإسلامي الأول، و هو يوم الدار، أو في بلاد الإسلام الأخرى، كالقدس، و بغداد، و كربلاء، و حلب، و مصر:

مصيبة عرضت للمسلمين غدت‏* * * عن «كربلاء» و «يوم الدار» تلهيها

عادت لنا سيرة «التيمور» في حلب‏* * * أيام صبيانها شابت نواصيها

و يومه و هو في بغدد يهتكها* * * و يوم «جنكيز» بالتاتار يرميها

32

و بخت نصر من قبل الذي ذكروا* * * في مصر، و القدس، تقريبا و تشبيها

(5)

** إضافة إلى قدرة الشاعر على قراءة التاريخ الإسلامي قراءة واعية مكنته من استخدامه استخداما موفقا- فإنه عمل على تدعيم بناء ملحمته الشعرية- أيضا باستخدام المصطلحات الإسلامية الخاصة بأمثال: شرع اللّه، أصحاب بدر، الأنصار، أو ذكر بعض الأماكن، التي تثير شعورا دينيا خاصا عند القارى‏ء المسلم. كمنبر الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) و روضته الشريفة:

و أصبح الحرم العالي و روضته‏* * * كالجبخانة بالبارود يحشيها

كما أن الشاعر انطلاقا من ثقافته الدينية، عمل على تضمين قصيدته معاني بعض الآيات القرآنية، عند حديثه عن سمات أولئك المعتدين على حرمة المدينة و مسجدها:

و جاءهم كل من في قلبه مرض‏* * * يسعى بعلته معهم يداويها

و هو المعنى المستفاد من قوله تعالى: [فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً] 1

(6)

** و إذا كانت ثقافة الشاعر الدينية انعكست على أبيات هذه الملحمة الشعرية، فإن ثقافته بالأدب العربي، أو اللغة الفارسية، كانت واضحة- من خلال تضمينه لبعض الأمثال العربية و الفارسية- فعند ما أراد- مثلا- أن يصور غفلة الحكام العثمانيين، و تغاضيهم عن حماقات ولاتهم في الأرض المقدسة، نجد ذاكرته تلجأ إلى المثل العربي القائل: «نام نومة عبود أو «أنوم من عبود» و يضمنه قصيدته قائلا:

33

نمتم و لا نوم عبود الذي ذكروا* * * عن المدينة حتى قام ناعيها

و عند تعريضه بالفئة، التي عمل الشاعر- من خلال ملحمته- على نقد تصرفاتها السلبية تجاه المدينة، و مقارنتها بالفئة الناجية التي دافعت عن البقعة المقدسة، فإننا نجده يستعمل المثل الفارسي: «نمك حرام» أي:

الشخص الذي ليس جديرا بالمعاشرة، و المخالطة، و ليس مكانا للثقة و الاعتماد، و كان تضمينه لهذا المثل على النحو التالي:

هم المحامون دون الدار لا فئة* * * «نمك حرام» و تكفيها مخازيها

(7)

** بعد هذه الدراسة التي استعرضنا فيها مضامين العمل الشعري للسيد جعفر البيتي، و حللنا جوانب من البناء الفني لهذا العمل، مراعين أهميته ضمن إطار الأعمال الشعرية الأخرى، في فترة القرن الثاني عشر الهجري- الثامن عشر الميلادي، و كذلك صلته بالأعمال الأخرى، التي ربما شابهته في اتجاهاتها أو بنائها، سوف نبتدى‏ء بطرح السؤال الآتي:

هل إبداع السيد «البيتي» في ملحمته الأخيرة يدخل ضمن إطار الأعمال الشعرية الطويلة؟

إذا ما أخذنا في الاعتبار موضوع القصيدة كأساس في تحديد طول القصيدة، فإنه اعتمادا على رأي الناقد الخليل بن أحمد الفراهيدي، هناك عدد من الموضوعات التي تكون ملائمة لمعالجة شعرية طويلة، مثل موضوعات الترهيب و الترغيب، أو الموضوعات التي تستوعب فكرة حسم الخلافات الناشئة بين القبائل، مثل قصائد زهير بن أبي سلمى، و الحارث بن حلّزة.

اعتمادا على هذا المقياس الخليلي، فإنه يمكننا إدخال قصيدة السيد البيتي ضمن الإطار الملحمي، لأن موضوعها يتناول أحداث التاريخ الاجتماعي للمدينة المنورة، في فترة القرن الثاني عشر الهجري، حيث حاول‏

34

الشاعر من خلال قصيدته أن ينبه السلطات المسؤولة في استانبول، أو الحجاز للقضاء على الخلافات الموجودة بين فصائل معينة في المجتمع و إعادة سمة الإسلام و الطمأنينة إلى المجتمع.

الناقد الإنجليزي(HERBERT READ) هيربيرت رييد، يعتبر المقياس الكيفي أساسا للتفريق بين القصيدة الطويلة، و القصيرة، التي غالبا ما تدعى غنائية(LYRIC) فهذه الأخيرة تجسم- من وجهة نظر الشاعر- موقفا عاطفيا فرديا أو بسيطا، قصيدة تعبر مباشرة عن إلهام أو حالة مستمرة، أما القصيدة الطويلة فهي التي يمكن أن تعبر عن فكرة واحدة غالبة تكون- في ذاتها- وحدة عاطفية. 2

و إذا ما أخذنا قصيدة السيد البيتي، التي نحن بصدد دراستها، نجد الشاعر قد خصصها لموضوع واحد، و هو طبيعة الخلاف في مجتمع المدينة خلال حقبة القرن الثاني عشر الهجري، و هذا الموضوع يكاد يسيطر على تطور القصيدة الطبيعي، من خلال مراحل الحدث، و لقد استطاعت القصيدة استيعاب هذه المراحل استيعابا جيدا.

و هذه المراحل التي يمكن ملاحظتها في البحث عن العوامل التي كانت خلف نشوب القتال بين الأطراف المتنازعة ثم ما كان من أمر المفاوضات بين هذه الأطراف، ثم تطور الأمر إلى القتال المفاجى‏ء أثناء الليل، ثم كيف تم الاتصال بين شيخ الحرم، و شيخ قبائل حرب، و الذي أدى إلى دخول هذه القبيلة الى المدينة لمساندة هذا الحاكم، الذي جعل من الحرم النبوي الشريف مركزا لقيادة الهجوم ضد أعدائه من الأطراف الأخرى.

و على الرغم من الموضوعات المتعددة التي عالجتها القصيدة إلا أنه من الواضح أن التجربة الشعرية، التي تنتظم أجواء القصيدة هي تجربة الغضب و اليأس، و هذا ما يجعلنا نصل إلى القول بأن قصيدة السيد البيتي هي قصيدة طويلة بالمعيار الشعري الحديث‏ 3.

في الحلقة الأولى من هذه الدراسة، التي خصصتها لمناقشة تعريف الملحمة بين الأدبين العربي و الأوروبي، رأينا أن المستشرق «د. س.

مرجليوث» يدعى أن القصائد التاريخية الملحمية في الأدب العربي تمت صياغتها في بحر الرجز، لأنه الوحيد الذي يتلاءم مع هذا الفن الشعري. 4

35

التحليل العروضي لقصيدة السيد البيتي يجعلنا نؤكد أن الشاعر نأى بقصيدته عن هذا البحر- أي: الرجز- و اختار بحرا شعريا آخر لصياغتها، و هو: البحر البسيط، و هو بحر يتسع- مثل الطويل- للحماسة و التشابيه و الاستعارات، و سرد الحوادث. 5

و لقد استطاع الشاعر البيتي بلوغ مستوى شعري جيد في وصف حوادث الحقبة التي عاشها، دون الهبوط إلى المستوى النظمي، الذي غالبا ما يصاحب مثل هذه التجارب.

لقد كان الجانب الموسيقي المتناغم هو الذي يلامس أذن القارى‏ء خلال قراءته لتفاصيل هذه الملحمة.

و فوق هذا فقد استطاع الشاعر أن يستخدم أدواته الفنية، بعيدا عن سمات الصنعة و التكلف، و كانت هذه الأدوات عاملا هاما تساعد القارى‏ء في التحليق في الأجواء التي أراد له الشاعر أن يرتفع إليها، و أن يتخيل- بكل بساطة و تلقائية- حوادث مضى عليها حوالي قرنين و نصف من الزمن. إلا أن الشاعر لم يسلم من الوقوع في بعض الأخطاء الفنية، و خصوصا من حيث انصياعه- أحيانا- للضغوط الاضطرارية، التي تشكلها القافية، و هو أمر غير مستبعد في قصيدة تتكون أبياتها من مائة و ثلاثة و ستين بيتا.

تظهر ملحمة السيد البيتي: كقصيدة بلغت مستوى جيدا من الصياغة اللغوية، و الخصائص التركيبية، و استطاعت أن تصور لنا بهذه المقدرات الفنية الحياة الإنسانية في صراعها الأبدي للحفاظ على القيم الأصيلة، في مجتمع تعرضت جوانب الحياة فيه لنوع من التصادم المنفعي أو الشخصي، و لكنه التصادم الذي يتبعه الاستقرار، و يتميز- بعد معركته- الجيد من الردى‏ء.

لكن بناء القصيدة الملحمي عند السيد البيتي لم ينتج عنه ظهور بطل متميز عن بقية الأبطال، من حيث قوته أو شجاعته، و ذلك من خلال الأحداث التي عرضتها القصيدة، و لعل ذلك ناتج من أن القصيدة كانت ترصد أحداثا واقعية، و ليست أحداثا متخيلة أو أسطورية و إذ كان تشكيل صورة بطل متميّز، 6 من خلال أحداث القصائد الملمحية في الآداب الأخرى، يعد أمرا أساسيا في بناء تلك الملاحم، و تميز ملامحها. إلا أن ذلك لا يمنع القول من‏

36

إن ملحمة «البيتي» تعتبر إضافة قوية و جادة في تاريخ قصيدة الملحمة من منظور النقد العربي.

لقد كانت محاولة موفقة من «البيتي» و غيره من شعراء المدينة المنورة، في القرن الثاني عشر، و هي أن يحاولوا نفض الغبار عن هذا النوع المتميز من الشعر.

و لا شك أن المحاولة تكتسب أهميتها- كما ذكرنا في الحلقة الثانية من هذه الدراسة- أنها أتت في عصر من العصور، التي اصطلح النقاد على تسميتها بعصور الركود الفكري و الأدبي، مع أنه لو توجهت المحاولات لدراسة أدب هذه الحقبة توجها جادا لتغيرت مفاهيم كثيرة لا تستند إلى أسس نقدية قوية، تحدد المسارات الأدبية و الاتجاهات الشعرية تحديدا واضحا و متميزا.

*** الاحالات:

____________

(1)

Herbert Read: Essays in Litorary Criticism 2 nd, ed London. 1591. P. 89

(2) سورة البقرة، الآية 10.

(3) الدكتور يوسف حسين بكار، بناء القصيدة في النقد العربي القديم، ط 3، بيروت 1403 ه، ص:

253- 254.

(4) ملحق التراث، العدد الحادي و العشرون، من السنة الحادية عشرة جريدة المدينة، الخميس 23 جمادى الآخرة، 1408 ه.

(5) جورج غريب، سليمان البستاني في مقدمة الإلياذة، بيروت، ص 34.

(6)C .M .Bowra .Herolc Poetry ,London 2591 -P .9

37

من معالم الفكر و الأدب في المدينة المنورة

لقد أعطت الهجرة النبوية للمدينة المنورة، و ما رافقها من احتضان أهلها للعقيدة الإسلامية، و تفانيهم في الدفاع عن الإسلام و نشر تعاليمه السامية في جميع أقطار الأراضي، أعطتها كل تلك المعطيات الحضارية و الخصائص الثقافية التي عرفت بها على مر العصور الإسلامية و حتى بعد أن فقدت المدينة البلد مركزها السياسي، حيث انتقل مركز الخلافة إلى دمشق أولا، ثم إلى بغداد ثانيا، فإنها لم تفقد ذلك الدور العلمي المتمثل في توجه أهل العلم و المعرفة إليها كلما احتاجوا إلى معرفة أوسع بالدين و صاحب الرسالة، و بالأحكام و الحديث و السنن و التفسير و أحاديث الدعوة الإسلامية الأولى و تفاصيل الهجرة و المغازى، هذا الجو العلمي هو الذي تأسست في رحابه مدرسة المدينة برعاية الصحابي الجليل عبد اللّه بن العباس- رضي اللّه عنهما- و كان من روادها أيضا بعض من أبناء الصحابة الذين تخصصوا في رواية التاريخ و المغازي و نذكر منهم: سعيد بن سعد بن عبادة الخزرجي، و سهل بن أبي خيثمة المدني الأنصاري و سعيد بن المسيب المخزومي، و أبان بن عثمان بن عفان، و عروة بن الزبير بن العوام، و قد تلا هذه المجموعة الأولى جيل ثان برز فيه عدة علماء منهم عبد اللّه بن أبي بكر بن (ابن حزم)، و عاصم بن عمرو بن قتادة، و أبو روح يزيد بن رومان الأسدي المدني، و أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسدي، و محمد بن مسلم بن شهاب الزهري‏ 1- رضي اللّه عنهم أجمعين.

و سنقف في دراستنا هذه وقفات عابرة عند بعض الشخصيات الفكرية و الأدبية التي اضطلعت بدور رائد في المجالات العلمية و الثقافية بدءا من القرن الحادي عشر الهجري فهي الفترة التي تحتاج إلى قدر كبير من البحث و الدراسة و التحليل لما أصابها من إغفال و لحق بها من نقص. و ما ذلك إلا لوقوعها في فترة ما يسمى بعصور الانحطاط الفكري، مع أن الشواهد التاريخية تثبت أن المدينة ممثلة في مسجدها النبوي الشريف ظلت تؤدي‏

38

دورا هاما في نشر العلم و الثقافة الإسلامية، و ليس أدل على ذلك من بروز عالم متمكن في علوم الشريعة الإسلامية و هو الشيخ إبراهيم بن حسن ابن شهاب الدين الكردي الكوراني (1025/ 1103 ه). الذي تتلمذ على أحد العلماء المجاورين بالمدينة و هو الشيخ أحمد القشاشي ثم درّس بالمسجد النبوي، و تلقى العلم عنه عدد كبير من أبناء الأمة الإسلامية، و ترك ثروة علمية تقدر بما يزيد على مائة كتاب كما يذكر المؤرخ المرادي. 2 إضافة إلى ذرية صالحة حملت العلم عنه، و كان منهم الشيخ محمد سعيد بن إبراهيم الكوراني‏ 3 (1134/ 1196 ه) و الشيخ محمد أبو الطاهر الكوراني‏ 4 (1085/ 1145 ه) و قد أخذ العلم عن هذا الأخير العلامة المجدد الشيخ ولي اللّه الدهلوي- صاحب: «حجة اللّه البالغة» الذي استقر بالمدينة في الفترة 1143/ 1145 ه، و كان ملازما طوال تلك الفترة للشيخ أبي الطاهر الكوراني. 5

كما حفل الحرم النبوي الشريف في القرن الثاني عشر الهجري بحلقاته العلمية المتعددة. و من هذه الحلقات ما كان مختصا بعلم اللغة و الأدب مثل حلقة الشيخ محمد بن محمد الطيب الفاسي الذي كان تلميذا من تلامذة الشيخ محمد أبي الطاهر الكوراني، و لقد كان الفاسي إماما في اللغة العربية في وقته، و محققا متضلعا في كثير من العلوم كما تدل على ذلك قائمة الكتب التي تنسب إليه. كشرحه على معجم القاموس، و شرح «نظم الفصيح» و شرح «كافية بن مالك» و شرح «شواهد الكشاف» للزمخشري. 6

كما حفل المسجد- في الفترة نفسها- بحلقات أخرى كانت مختصة بالحديث و علومه، و منها حلقة الشيخ محمد حياة السندي‏ 7 الذي تلقى علومه من مشائخ عدة يأتي في مقدمتهم الشيخ أبو الحسن بن عبد الهادي السندي‏ 8 و الشيخ محمد أبو الطاهر الكوراني، ثم تصدى للتدريس بعد وفاة شيخه السندي، و أثمرت هذه الدروس، عن تأليفه لكتب هامة منها شرح الترهيب و الترغيب، و مختصر الزواجر لابن حجر، و شرح الأربعين، و لعله من المفيد هنا أن ننقل عبارات الدكتور عبد اللّه العثيمين أستاذ التاريخ بجامعة الملك سعود بالرياض في كتابه (الشيخ محمد بن عبد الوهاب- حياته و فكره- عن الشيخ محمد حياة السندي)، أما محمد حياة السندي فكان حجة في الحديث و علومه صاحب مؤلفات مشهورة في هذا الحقل، و كان أستاذا لعدد

39

من الطلاب الذين أصبح بعضهم دعاة إصلاح أو شخصيات علمية مشهورة في مناطق إسلامية متعددة 9 و يؤكد الدكتور العثيمين أثر الشيخين محمد ابن حياة السندي، و الشيخ عبد اللّه بن سيف‏ 10 على الشيخ محمد بن عبد الوهاب- (رحمه اللّه)- لا بالنسبة لتحصيله العلمي فقط و إنما بالنسبة لاتجاهه الإصلاحي أيضا.

و من علماء المدينة في هذه الحقبة المؤرخ عبد الرحمن بن عبد الكريم الأنصاري (1124/ 1197 ه) الذي تلقى علومه في مدرسة الحديث التي نشأت في المدينة خلال القرن الثاني عشر الهجري، حيث نعرف من ترجمته أنه تلقى العلم على الشيخ أبي الطاهر الكوراني، و أبي الطيب السندي، و محمد بن الطيب الفاسي.

ينعته المرادي في كتابه «سلك الدرر» بمؤرخ المدينة في عصره‏ 11 كما يذكر عمر الداغستاني و هو معاصر له بالمدينة، أنه ألّف تاريخا جمع فيه بيوتات أهل المدينة 12 و عبارة المرادي على قصرها تحمل دلالة واضحة على أهمية كتاب الأنصاري المسمى «تحفة المحبين و الأصحاب في معرفة ما للمدنيين من أنساب» فهو كما ذكر محقق الكتاب الأستاذ محمد العروسي المطوي ليس مجرد كتاب أنساب فقط كما يدل عليه عنوانه بل هو بالاضافة إلى ذلك يصور مجتمع المدينة في القرن الثاني عشر من مختلف أوضاعه السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية مما يمكن الدارس و بخاصة الاجتماعي من تلمس العناصر و المعطيات للدراسة و التحليل و الإنتاج‏ 13.

لم يذكر الأنصاري سببا لتأليف كتابه التحفة إلا أنه يشير عند ترجمته لآل الأنصاري إلى أن المؤرخ السخاوي أهمل كثيرا في كتابيه «التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة» و «الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع» من فروع هذا المجموع- أي آل الأنصاري- و ذلك من قلة العلم بأصولهم و عدم تفصيلهم‏ 14، و لعل هذا ما حدا بالأنصاري أن يؤلف كتابه هذا و كتابا آخرا في تاريخ أنساب أهل المدينة لا نعرف عنه إلا اسمه و هو «نشر كمائم الأزهار المستطابة في نشر تراجم أنصار طابة». 15

و الأنصاري من خلال الترجمة التي كتبها لنفسه يبدو أنه أحد أولئك العلماء الذين تجولوا في بعض البلاد العربية و الإسلامية، يحدوهم في ذلك الرغبة في طلب العلم و الاستزادة من معطيات المعرفة، فهو يسافر إلى بلاد

40

اليمن سنة 1172 ه، و يسدون وقائع رحلته في كتابه المعروف باسم «قرة العيون في الرحلة إلى اليمن الميمون» كما يشير إلى اهتمامه بالأدب و الشعر خاصة، و ذلك عند ذكره للزيارة التي قام بها لإمام اليمن «المهدي العباسي» حيث مدحه بقصيدة بائية في سبعين بيتا 16، و هذا يؤكد ما نذهب إليه من احتكاك علماء الحرمين الشريفين- في تلك الفترة- و اتصالهم بنظرائهم في البلاد العربية و الإسلامية و هو اتصال كانت له ثمراته المباركة و آثاره الحسنة.

و كتاب الأنصاري- التحفة- يعتبر دليلا واقعيا على خطأ الرأي الذي ذهب إليه بعض الباحثين و خصوصا المستشرق «فرانز روزنتال» 17 من أن كتابة تاريخ المدينة المنورة لم تحظ بالجانب السيري، و يعتبر مؤلف الأنصاري حلقة في سلسلة من الكتب التي عنيت بتدوين تراجم رجال البلدة الطاهرة، بدءا من القرن الثامن الهجري، و كان من أهمها كتاب ابن فرحون‏ 18 المعروف باسم «نصيحة المشاور و تعزية المجاور» 19 و كتاب «الأعلام فيمن دخل المدينة من الأعلام» للمطري‏ 20 ثم تبع هذين المؤلفين المؤرخ السخاوي‏ 21 فألف كتابه «التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة» 22 و عني فيه بتراجم رجال المدينة منذ عهد الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) حتى عهد المؤلف و هو القرن التاسع الهجري.

و ممن برز في المدينة من العلماء، في حقبة القرن الثاني عشر، محمد ابن زين العابدين بن عبد اللّه بن عبد الكريم الخليفتي‏ 23 و عالمنا هذا كما يذكر المرادي‏ 24 تلقى علومه الدينية على يد عدد من مشائخ العصر الأجلاء كالشيخ محمد حياة السندي، و السيد إبراهيم أسعد و بعد أن تكونت مقومات شخصيته العلمية أخذ في تدريس العلوم مما هيأ له بعد فترة من المراس و الدربة أن يتولى وظيفة الخطابة و الإمامة كما تولى منصب الإفتاء في المدينة.

أما من حيث إنتاج الخليفتي العلمي فنجد مصدرا ككتاب تراجم أعيان المدينة، يذكر أنه كان ناظما و ناثرا 25 أما البغدادي‏ 26 فإنه الوحيد بين المصادر التي ترجمت له نجده ينفرد بذكر مؤلفه في تاريخ المدينة، و لا نجد ذكرا لهذا الكتاب عند معاصره عبد الرحمن الأنصاري و هو أمر غريب، فلقد عني الأخير بتدوين معظم الآثار العلمية التي دونها أصحابها إبان القرن‏

41

الثاني عشر الهجري.

أما كتابه في تاريخ المدينة فهو «نتيجة الفكر في خبر مدينة سيد البشر» و هو كتاب لا يزال مخطوطا اطلعت على نسخة منه في مكتبة فضيلة الشيخ جعفر فقيه- أمد اللّه في عمره- و في مقدمة هذه النسخة نجد المؤلف يذكر أنه وضع مؤلفه استجابة لرغبة قاضي المدينة و ابن قاضي البلد الحرام محمد أمين أفندي ابن المرحوم صالح أفندي، الذي طلب منه أن يجمع له نبذة عن محاسن المدينة الزاهرة، و آثارها الفائقة، فكان هذا الكتاب الذي رتبه على خمسة أبواب و خاتمة:

* الباب الأول: في فضل المدينة.

* الثاني: في فضل مسجدها الأنور و روضتها الشريفة.

* الثالث: في من يزار بها من الصحابة الأخيار.

* الرابع: في مشاهدها و مآثرها.

* الخامس: في فضل المجاورة بها.

و إذا كان الجانب التاريخي للمدينة قد حظى باهتمام بعض من علمائها و أدبائها. فإن الأدب و فنونه لم يهمل هو الآخر، حيث نجد الأديب عمر بن عبد السلام الداغستاني‏ 27 يتصدى لهذه المهمة فيؤلف كتابه «تحفة الدهر و نفحة الزهر في أعيان المدينة من أهل العصر». 28

قسم المؤلف كتابه «تحفة الدهر» إلى أربعة فصول:

* الفصل الأول: في السادة و الأشراف.

* الفصل الثاني: في العلماء الطيبيو الأوصاف.

* الفصل الثالث: في العلماء الكرام.

* الفصل الرابع: في الأدباء الفخام.

** و يبدو أن القاعدة التي اتبعها المؤلف في تجزئته لكتابه تستند إلى النظام الاجتماعي السائد في تلك الفترة أكثر من استنادها على مقاييس أدبية متعددة، كما أننا نلاحظ عدم قدرته على توضيح الأسس التي انطلق منها في التمييز بين أدباء الفصلين الثاني و الثالث و كان بالإمكان أن يخصهم بفصل واحد ما داموا جميعا- حسب عبارته- من طائفة العلماء. و لربما كان‏

42

المؤلف في تقسيمه لفصول الكتاب مدفوعا بالرغبة في اتباع من سبقه من المؤلفين، كابن معصوم‏ 29 في كتابه «السلافة» مع أن الأسس الأدبية التي انطلق منهما ابن معصوم في ترتيبه لأجزاء كتابه تختلف عن تلك التي نجدها عند الداغستاني في كتابه «التحفة».

أشار المؤلف في مقدمة كتابه «التحفة» إلى تدهور حال الأدب في عصره، و لربما كان الأولى أن نثبت من هذه المقدمة، ما يكون دليلا عل تنبه الداغستاني لهذه القضية التي لم يشغل المؤلفون- حينئذ بمناقشتها.

يقول المؤلف:

مضى الزمن الذي قد كان فيه‏* * * لأهل الشّعر عزّ و ارتفاع‏

فإن الشّعر في ذا العصر علم‏* * * قليل الحظ، ملفوظ مضاع‏

*** و لئن هجر الأدب مليا، و أصبح نسيا منسيا، فإن لزنده و ريا يلتمع سقطه، و لمزنه دقا يستدر نقطه، و المرتدي بفاخر مطارفه بين الأخوان و الإقران، يشار إلى مجده و بيانه بالسلام و البنان، خصوصا أن نظم في سلك التحايف زبرجده، و سلك في قالب الظرايف عسجده. 30

** و يرى الدكتور عبد الرحمن الشامخ أنه على الرغم مما في إشارة الداغستاني هذه من تنبيه الى طبيعة الذوق الأدبي من صحة و سلامة إلا أن شكاته لم تكن الا استجابة لروح الحنين إلى الماضي، لما يتضمنه كتابه من نصوص مفتقرة إلى الروح الأدبية و الموهبة الفنية. 31

و لئن أظهر المؤلف قدرة أدبية في تدوين الإنتاج الفني لأدباء المدينة في فترة القرن الثاني عشر. فإنه استطاع- أيضا- أن يدلل على ثقافته بما عقده من مقارنات بين هذا الإنتاج و ما يماثله من ناحية المعنى من إنتاج بعض شعراء العصر العباسي كأبي نواس و البحتري، و بعض شعراء العصر المملوكي مثل مجير الدين بن تميم، و صفي الدين الحلي و جمال الدين بن نباتة، و هذه الدراسة التي توصل إليها الداغستاني هي مما يزيد في أهمية

43

الكتاب من حيث اعتباره مصدرا رئيسيا للبحث في النواحي الفنية للشعر في تلك الفترة الزمنية، و التي يجب أن يحظى باهتمامات النقاد و دراساتهم العلمية.

و إذا كان بعض الشعراء عبر عن بعض المشاكل الاجتماعية التي تعرضت لها المدينة إبان تلك الحقبة كما رأينا في الأبيات السابقة، فإن البعض الآخر حاول أن يبث همومه الخاصة من خلال الشعر على أن هذه الشكوى الذاتية كانت مرتبطة في النهاية بما يعانيه المجتمع بأكمله من مشاكل و حوادث.

يقول الشاعر يوسف الأنصاري‏ 32 عند ما أجبر على الخروج من المدينة تحت تأثير بعض الحوادث الخاصة:

تصبّر فعمر النّائبات قصير* * * و مثلي على سير الزمان يسير

يقيني يقيني ما أظن من الردى‏* * * و يمنعني كيد العدى و يجير

و نفسي إن جاشت أقول لها اصبري‏* * * فلست بنفسي إن عراك ضجور

و كوني على حكم القضا مطمئنة* * * فليس سوى ما قد قضاه يصير

و ما محن الأيام إلا سحابة* * * بإبان صيف ساعة و تغور

فما تغلبن إلا ضعيفا يقينه‏* * * و يغلبها ثبت الفؤاد صبور

و تكشف أبيات الشاعر الأنصاري‏ 33 عن ثقافته التراثية المتمكنة فهو مجيد في اقتباس الأمثال و الأبيات الشعرية و تضمينها، حتى يكسب ذلك قصيدته قدرا كبيرا من الإجادة و القوة، فمن الأبيات التي ضمنها بعض الأمثال العربية السائرة قوله:

فشنشنة من أخزم قد عرفتها* * * و طبعا فإني للطباع غيور

44

و قوله أيضا:

و من جرب الأمر المجرب نادما* * * كما الكسعي ذي القوس و هو شهير

* و من اقتباساته الشعرية قوله:

فلو لا فراق السهم للقوس لم يصب‏* * * و لو لا انصلات السيف ليس يضير

و هذا البيت السابق هو صياغة أخرى لبيت الإمام محمد بن إدريس الشافعي- (رحمه اللّه):

و الأسد لو لا فراق الأرض ما افترست‏* * * و السهم لو لا فراق القوس لم يصب‏

* أما البيت الذي يقول فيه:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا* * * أنيس و لم يسمر هناك سمير

فهو يذكرنا ببيت مضاض بن عمرو الجرهمي القائل:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا* * * أنيس و لم يسمر بمكة سامر

45

الاحالات‏

____________

(1) لمزيد من التفصيل عن مدرسة المدينة انظر: شاكر مصطفى، التاريخ العربي و المؤرخون ط 3، بيروت، 1983، ج 1، ص 149- 168.

(2) محمد خليل المرادي: سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر، مصر، 1301 ه، ج 1، ص 5- 6.

(3) المؤلف مجهول: تراجم أعيان المدينة المنورة في القرن الثاني عشر الهجري- تحقيق الدكتور محمد التونجي، جدة 1404 ه- ص 106.

(4) عبد الرحمن الأنصاري: تحفة المحبين و الأصحاب فيما للمدنيين من أنساب تحقيق محمد العروسي المطوي، تونس 1390 ه- ص 459.

(5)

A. H. Jones, art,-( Kuranl )Encyclopaedla of lslsam, Leden 4591, Vol. VP. 34.

(6) تراجم أعيان المدينة ص 57- 58.

(7) توفى بالمدينة في 26 صفر سنة 1163 ه- انظر: تراجم أعيان المدينة ص 68.

(8) توفى بالمدينة في 22 شوال سنة 1138 ه، انظر: المصدر السابق ص 60.

(9) الدكتور عبد اللّه العثيمين الشيخ محمد بن عبد الوهاب- حياته و فكره- دار العلوم، الرياض ص 31- 32.

(10) الشيخ عبد اللّه بن إبراهيم بن سيف بن عبد اللّه الشمري العالم المشهور في المدينة النبوية، انتقل أبوه إبراهيم بن سيف بن عبد اللّه الشمري، من بلدة المجمعة بعد أن قام على بيته و جعل بعضه مسجدا، و هو المعروف اليوم بمسجد إبراهيم في بلدة المجمعة و سكن في المدينة المنورة.

انظر: إبراهيم بن صالح بن عيسى- تاريخ بعض الحوادث الواقعة في نجد منشورات دار اليمامة، الرياض، ص 34.

(11) سلك الدرر. ج 2 ص 303.

(12) عمر بن عبد السلام الداغستاني تحفة الدهر و نفحة الزهر في شعراء المدينة من أهل العصر «مخطوط» ص 61.

(13) تحفة المحبين و الأصحاب، المقدمة «و».

(14) المصدر السابق ص 14.

(15) المصدر السابق ص 8.

(16) المصدر السابق ص 28.

(17)

F. Rosental Ahistory of Muslim Historiography, Leiden, 2591, P. 241

(18) عبد اللّه محمد بن فرحون اليعمري المالكي ولد سنة 693 ه و كانت وفاته سنة 769 ه- انظر:

شهاب الدين أحمد بن محمد بن حجر العسقلاني «الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة» «تحقيق محمد جاد الحق» ط 2، 1385 ه، ج 2. ص 40.

(19) توجد نسخة خطية من هذا الكتاب في مكتبة عارف حكمت بالمدينة.

(20) عفيف الدين عبد الله بن محمد بن أحمد المطرى المتوفى سنة 765 ه ديسمبر 1363 م انظر:

فرانز روزنتال «علم التاريخ عند المسلمين»- ترجمة الدكتور أحمد صالح العلي، بغداد 1963 م، ص 556.

46

____________

(21) محمد بن عبد الرحمن بن محمد السخاوي: ولد في القاهرة سنة 831 ه 1427 م و توفى بالمدينة المنورة 902 ه- 1497 م- انظر المصدر السابق ص 371 ه.

(22) التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة، نشر في القاهرة سنة 1376 ه بتقديم الدكتور طه حسين، و عناية المرحوم أسعد طرابزوني ثم في طبعة ثانية سنة 1399 ه- 1979 م.

(23) نسبة إلى الخليفة، و أول من قدم منهم المدينة المنورة سنة 990 ه الشيخ عبد الوهاب الخليفتي العباسي- انظر: تحفة المحبين ص 201.

(24) سلك الدرر، ج 4 ص 60.

(25) تراجم أعيان المدينة ص 76.

(26) إسماعيل باشا البغدادي- ايضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون طبعة استنبول، 1366 ه- 1947 م ص 623.

(27) عمر بن عبد السلام الداغستاني الأنصاري المتوفى بعد عام 1201 ه 1786 م انظر ترجمته في تحفة المحبين للأنصاري ص 299- 231، و المنهل عدد أبريل 1969 م. ص 252 مقالة الشيخ محمد سعيد دفتردار عن آل الداغستاني و حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر لعبد الرزاق البيطار ط، مجمع اللغة العربية بدمشق 1961 م ص 1115- 1129.

(28) يذكر المرحوم الأستاذ محمد سعيد دفتردار في مقالته بمجلة المنهل أنه كانت توجد من هذا الكتاب نسخة تامة في مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت و لكنها مفقودة الآن و توجد منه نسخة في مكتبة آل هاشم، و مكتبة السيد عبيد مدني- (رحمه اللّه)- و توجد في مكتبة ال الداغستاني نسخة مخرومة.

(29) علي بن أحمد بن محمد بن معصوم الحسينى الحسنى المعروف بعلي خان الشهير بابن معصوم «1052/ 1119 ه» من كتبه «سلافة العصر في محاسن أهل العصر» انظر: الأعلام للزركلي ج 4 ص 258- 259.

(30) مخطوطة تحفة الدهر للداغستاني ص 2.

(31) الدكتور محمد عبد الرحمن الشامخ- النثر الأدبي في المملكة العربية السعودية. 1900/ 1945، الرياض 1395 ه- 1975 م 36- 37.

(32) يوسف بن عبد الكريم الأنصاري ولد بالمدينة سنة 1121 ه أخذ عن والده و الشيخ محمد بن الطيب و الشيخ أبي الطاهر الكوراني و الشيخ أبي الطيب السندي توفى مقتولا سنة 1177 ه بعد رحلة طويلة بدأها ببغداد و أنهارها، و أنهاها بمكة المكرمة- انظر تراجم أعيان المدينة ص 52- تحفة المحبين ص 23- 25.

(33) جعفر بن حسين بن يحيى هاشم المدني الأخبار الغريبة في ذكر ما وقع بطيبة الحبيبة- مخطوط، ص 72.

47

أمين الحلواني و مخطوطات مكتبة بريل‏

نشر البحث بمجلة عالم الكتب الفصلية، المجلد العاشر، العدد الثالث، محرم 1410 ه- أغسطس 1989 م‏*- ص 398- 407.

48

تنقل مصادر تاريخية و أدبية مختلفة أن مكتبة «بريل» في مدينة «ليدن» بهولندا، اشترت في عام 1883 م أكثر من 600 مخطوطة من العالم العربي المسلم «أمين بن حسن المدني‏ 1 فمن هذه الشخصية التي قامت بنقل هذه المخطوطات إلى ذلك البلد الأوروبي؟ و ما هي العوامل التي دفعتها للقيام بمثل هذا العمل؟ و ما قيمة هذه المخطوطات العلمية التي تم شراؤها من قبل هذه المكتبة التي اشتهرت بقسمها العربي المختص و نشر الكتب و المخطوطات العربية منذ عام 1883 م؟.

شخصية أمين بن حسن الحلواني المدني‏

يشير مؤرخ المدينة المنورة في القرن الثاني عشر «عبد الرحمن الأنصاري» إلى هجرة أسرة تدعى بأسرة «الحلواني» من «الهند» إلى «المدينة» في تلك الحقبة التاريخية، حيث قدم الشيخ «محمد أمين الهندي الكشميري الحلواني» سنة 1140 ه، و يصفه الأنصارى قائلا: «و كان رجلا، كاملا، عاقلا، صاحب ثروة» 2

و لا أعلم إذا ما كانت الشخصية التي نحن بصددها تنتمي إلى هذه الأسرة أم لا؟ كما أنه ليس من دليل يؤكد أو ينفي انتماءه إلى الأسرة التي تحمل الاسم نفسه في الوقت الحاضر، و التي ما زال عدد من أفرادها يعيش في المدينة المنورة.

أما «أمين الحلواني» فلا نجد خيرا من «محب الدين الخطيب»- (رحمه اللّه)- ليحدثنا عنه و عن اتجاهه العلمي و إنتاجه الأدبي حديثا مفصلا في تحقيقه للكتاب الذي اختصره «الحلواني» و هو «مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داود» 3 لعثمان بن سند البصري الوائلي‏ 4، يقول «الخطيب» في حديثه عن «الحلواني»: (عالم من أهل المدينة، كان والده من أعيانها و أفاضلها حتى أن «الشريف عبد اللّه بن عون» 5 أمير مكة، أوفده في سنة 1279 ه إلى أمير نجد «فيصل بن تركي» 6، لينصح له بإعادة الخراج‏

49

المرتب عليه للدولة العثمانية. فنجح الشيخ «حسن الحلواني» في مهمته، و كان موضع التجلة و الإكرام من أمير نجد، و قد نشأ الشيخ أمين في طلب العلم، و اقتناء المصنفات الجيدة، و لا سيما المخطوطة، و قام بالتدريس في الحرم النبوي الشريف‏ 7، و لعل عبارة وردت في الكتاب الذي اختصره «مطالع السعود» تدل على طلبه للعلم في الجامع الأزهر بمصر 8- (رحمه اللّه)- و دوّن ذلك قائلا:

«و أما الشيخ عبد الرحمن المذكور فقد أدركته في الجامع الأزهر، يدرس مذهب الحنابلة، و كان شيخ رواق الحنابلة سنة 1273 ه و توفى سنة 1274 ه و كان عالما، فقيها، ذا سمت حسن يظهر عليه التقوى و الصلاح» 9، و لا يستبعد تأثر الشيخ الحلواني بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية بعد التقائه بابنه الشيخ عبد الرحمن- (رحمهما اللّه)- لما يعكسه اسم أحد مؤلفاته الذي ظهر في سنة 1312 ه تحت عنوان «السيول المغرقة على الصواعق المحرقة».

و يذكر الخطيب أن الكتاب رد على السيد أحمد سعد المدني‏ 10 من المنتمين الى طريقة الشيخ أبي الهدى الصيادي‏ 11، لكن الشيخ أمين حلواني لم يصرح في هذا الرد باسمه و انتحل اسما مستعارا هو «عبد الباسط المنوفي» 12.

انتاج الحلواني العلمي و الأدبي:

لقد اشتهر الحلواني باختصاره لكتاب «مطالع السعود» الذي يشتمل على أخبار بغداد من سنة 1811- 1242 ه/ 1774- 1826 م‏ 13 و قد نشره الحلواني في بومباي بالهند سنة 1304/ 1886 14، ثم أعاد نشره محب الدين الخطيب في القاهرة سنة 1371 ه/ 1953 م‏ 15 و قد اشتملت مقدمة الكتاب على ترجمة «لعثمان بن سند البصري» قام بكتابتها «محمد بهجة الأثري» و ترجمة «لأمين الحلواني» ملقيا الضوء على مشاركته العلمية في جوانب متعددة من تراثنا الإسلامي و العربي، و يظهر أن «الحلواني» اهتم بتاريخ «ابن سند» هذا فاستنسخ عدة نسخ منه، كالنسخة التي توجد في المكتبة العباسية بالبصرة، التي فرغ منها في «قصبة الزبير» آخر ذي الحجة 1266 ه في 277 صفحة، و نسخة ثالثة بمكتبة المرحوم «إبراهيم‏

50

الدروبي»، و جميع هذه النسخ بخط الحلواني. 16

و للحلواني كتاب ينقد فيه مؤلفات «جورجي زيدان» 17 التاريخية ظهر في الهند سنة 1307 ه/ 1889 م، تحت عنوان «نشر الهذيان من تاريخ جورجي زيدان» 18، و لقد رد «زيدان» على كتاب «الحلواني» هذا برسالة سماها «رد رنان على نبش الهذيان»، و طبعت سنة 1309 ه 1891 م‏ 19، كما قام الحلواني بطبع ديوان «لزوم ما لا يلزم» «لأحمد بن عبد اللّه بن سليمان التنوخى المعرى» في الهند سنة ن 1303 ه/ 1885 م.

و يظهر أن «الحلواني» قام بكتابة ترجمة عن حياة «أبي العلاء و بعض الشروح و التعليقات على عمله الأدبي المعروف «باللزوميات» 20 كما ألف رسالة صغيرة في علم الفلاحة التي دعاها «جني النحلة في كيفية غرس النخلة» و يظن «الخطيب» أن «الحلواني» ألف هذه الرسالة في مصر سنة 1301 ه/ 1883 م، ليرشد المشتغلين فيها بالزراعة إلى تجارب أهل المدينة التي اقتبسوها من أهل القصيم في نجد، مثل بريدة و عنيزة و الرس، و القائمين على تربيتها و رعايتها 21، و لعل حياة الحلواني في المدينة اتصلت بشي‏ء من أحوال الزراعة فحمد الجاسر يحدثنا أن الحلواني كان يسكن في المدينة في دار مطلة على الحديقة العينية. 22

صلة الحلواني بمحمد محمود التركزي الشنقيطي: 23

يذكر محب الدين الخطيب أن العامل وراء نزوح الحلواني من المدينة هو تأليفه في سنة 1292 ه/ 1875 م، لرسالة ينكر فيها صحة المخلفات النبوية التي كانت الدولة العثمانية تتقرب إلى العامة بدعوى الحيازة لها و الاحتفال بها في مواكب دورية أو غير دورية، و على أثر ذلك قام الحلواني برحلة إلى مصر و بعض بلاد الشرق العربي، و في مصر اتصل بالعلامة التركزي الشنقيطي، فأخذ عنه و استفاد منه‏ 24 إلا أن نصوصا أخرى تثبت أن علاقته العلمية بالشنقيطي تمت قبل هذا الوقت، و يبدو أن الحلواني لم يغادر المدينة قبل نهاية 1299 ه/ 1881 م، و هي السنة التي استنسخ فيها نسخة من شعر أبي المحجن باسره «رواية أبي يوسف يعقوب السكيت، ثم أبي سعيد السكري، و أبي الحسن الطوسي، حيث كتبها الحلواني في المدينة المنورة في الثالث من ذى القعدة سنة 1299 ه، و علق الحلواني في نهاية

51

هذه النسخة أنه نقلها من نسخة «بخط أديب زمانه وحيد عصره الشيخ محمد محمود التلاميد الشنقيطي، و هو نقل من خط ياقوت و لفظه .....» 25

و يذكر «الجاسر» نصا آخر يؤكد هذه العلاقة التي تمت في المدينة المنورة بين «الحلواني» و «الشنقيطي» في سنة 1299 ه، و قد نقل الجاسر هذا النص من طرة المخطوطة رقم 22 ش «تاريخ» من كتاب «عمود النسب» الموجودة بدار الكتب المصرية، و هو بخط الحلواني الذي أثبت قراءته للكتاب على الشنقيطي قائلا:

«قرأت هذا الكتاب (عمود النسب) للفهامة أحمد البدوي قراءة ضبط و تحرير، دراية و رواية، فأوضحت مشكله و أعربت مغفله، و بينت مبهمه، و فصلت مجمعه، على شيخنا و أستاذنا علامة فن اللغة و الأنساب، و فهامة علم سيرة النبي و الأصحاب، إمام المؤرخين بلا مدافع، سيدنا النسابة الشيخ محمد محمود الشنقيطي العشمي- أمتع اللّه بحياته- في مجالس منها في روضة النبي- (صلى اللّه عليه و سلم)- و منها في داري المطلة على الحديقة العينية و آخر مجلس و به تم الكتاب في بيته- حرسه اللّه- في حارة الأغوات بقرب منهل العين الزرقاء».

و في ظني أن هذه النسخة غدت من النسخ التي يعول عليها، و يرجع في المعضلات إليها. و كتبه الفقير إليه تعالى أمين بن حسن الحلواني المدني خادم العلم بالروضة المطهرة، في غرة رجب سنة تسع و تسعين بعد المائتين و الألف من هجرة سيد المرسلين (صلى اللّه عليه و سلم). 26

و قبل أن نتحدث عن رحلة الحلواني إلى البلاد الأوروبية، فإنه من الضروري أن نتحدث عن رحلة التركزي إلى هذه البلاد، ما دمنا بصدد الحديث عن العلاقة العلمية التي ربطت بين هاتين الشخصيتين، التي تركت بصماتها الواضحة على ما أبدعاه من إنتاج و ما أدياه من جهد.

رحلة التركزي:

يذكر «التركزي»:- نفسه- أن ملك السويد و النرويج «أسكار الثاني» أرسل إلى السلطان «عبد الحميد الثاني» 27 عام 1306 ه 1888 م. مبديا رغبته في أن يقوم الشيخ التركزي الشنقيطي بحضور مؤتمر المستشرقين‏

52

الثامن المنعقد في مدينة استكهولم‏ 28، و لقد قام سفير السويد بمصر في ذلك الوقت «الكونت كارلودي لندبرج» 29، بالإشراف على متطلبات الرحلة، حيث اشترط الشنقيطي عدة شروط قبل القيام برحلته منها أن يكون توجهه بصفة ترفع شأن الإسلام و أهله، بأن ينتخب ثلاثة أو أربعة من أهل العلم بالعربية، و يستصحب مؤذنا و طهاة مسلمين. كما طلب السفير المذكور أن يقوم الشنقيطي بإنشاء قصيدة على أسلوب شعر العرب السابقين، لا على أسلوب شعر الشعراء في تلك الحقبة».

و لقد قام الشنقيطي بإنشاء القصيدة المطلوبة، و لكنه لم يحضر المؤتمر 30 لعدم تنفيذ المسئولين في الدولة العثمانية* * * في ذلك الوقت- مقترحاته التي اشترطها عليهم قبل القيام بالرحلة نفسها.

لقد قاربت القصيدة التي أنشأها شاعرنا لإلقائها في ذلك المؤتمر الاستشراقي حوالي مائتي بيت من الشعر الرصين، و افتتحها كما يفتتح شعراء العرب القدامى قصائدهم قائلا: 31

ألا طرقت مي فتى مطلع النجم‏* * * غريبا عن الأوطان في أمم العجم‏

منافيّة زارت على شحط دارها* * * خدبّا، مذبّا، عن قريش و عن دعمي‏

فتاة ضياء الشمس ضوء جبينها* * * حصان، رزان، عبلة، بضّة الجسم‏

إذا غاب عنها البعل حينا تحدرت‏* * * و يرضيه نيل اللثم إن آب و الشم‏

تصافحه عند اللّقى بأنامل‏* * * سباط البنان لا غلاظ و لا كزم‏

و يذكر بعد مأثرة هذا الملك الأوروبي في تبنيه لمثل هذا المؤتمر العلمي:

مآدب كل الناس للطعم وحده‏* * * و مأدبتا «أسكار» للعلم و الطّعم‏

53

دعا دعوة للعلم عمت و خصصت‏* * * فأضحى بها «أسكار» يعلو على النّجم‏

دعا الجفلى كل الأنام معمما* * * و بالنقرى كنت المخصص بالاسم‏

عن العرب العرباء آتيك نائبا* * * و عن أمة الإسلام في العلم و الفهم‏

و في اللغة الفصحى القريشية التي‏* * * بها أثبت القرآن في الصحف بالرسم‏

و لم أعتمد إلا على الله وحده‏* * * و أبرأ ممن خاض في الغيب بالرجم‏

و يشير إلى رحلته الطويلة مع العلم و مذاهبه قائلا:

و لمّا علمت ما علمت بغربنا* * * ترحلت نحو الشرق بالحزم و العزم‏

و لم يثن عزمي نهي حسناء غادة* * * شبيهة جمل، بل بثينة، بل نعم‏

و لم يعم قلبي حبّ عذراء كاعب‏* * * و حب العذارى قد يصمّ و قد يعمي‏

رحلت لجمع العلم و الكتب ذاهبا* * * إلى الله، أبغي بسطة العلم في جسمي‏

و يعرج في قصيدته هذه أيضا على ذكر العلاقة العلمية التي تربط بينه و بين «محمد عبده» 32.

تذكرت من يبكي علي فلم أجد* * * سوى كتب تختان بعدي أو علمي‏

و غير الفتى المفتي محمد عبده‏* * * الصديق الصدوق الصادق الود و الكلم‏

و لعله من المناسب بعد إيرادنا لمقتطفات من قصيدته التي أنشأها لهذا المؤتمر أن نورد شيئا من قصيدته التي أنشأها أثناء رحلته التي قام بها لبلاد الأندلس سنة 1304 ه/ 1886 م، للاطلاع على الكتب و المخطوطات‏

54

العربية، و فيها يجسد الشاعر تأسيه و حزنه على الوضع الذي آلت إليه هذه الجزيرة الإسلامية، و ما تحتويه من آثار و نفائس علمية:

لكتب أندلس، ويل لأندلس‏* * * و علم أندلس من بعد ما اندرسا

جزيرة العلم و الإسلام، قبل و قد* * * هدت قواعده بالكفر فارتكسا

وجدت كتبا بها غرا محجلة* * * منها الحديث، و منها الرث قد درسا

لكنها في حصون الروم محصنة* * * فنفعها عن مراد الواقف احتبسا

أمسى حديثا معادا أهل أندلس‏* * * و أعظما رقما كانت هي الرؤسا

علما و حلما و أخلاقا مهذبة* * * و دين صدق متينا قيما أسسا

و نجدة لم تكن لغيرهم ورثت‏* * * من «طارق» مذ أذل الكفر [فانخنسا]

و لم يدع ليث كفر شامخا شمما* * * في الغيل يزأر إلا اصطاد و افترسا

و ألبس العرب العرباء قاطبة* * * بفتحها ثوب عن قبل ما لبسا

أعدها جنة للمسلمين زهت‏* * * و أثمرت من ثمار الدين ما غرسا

و مذ قرون مضت بالذل أربعة* * * تمكن الكفر فيها وحده ورسا

و افتر للشرك منها الثغر مبتسما* * * من بعد ما افتر للتوحيد فانعكسا

فأحصنت فرجها بالكفر مكرهة* * * و ألبست حلية من حلية و كسا

و أصبحت من حلي الإسلام قد عطلت‏* * * و الدين منقرض، و النور قد طمسا

55

صارت جوامعها بعد الصلاة بها* * * على الأذى و الخنا موقوفة حبسا

رأيت فيه مصلى المسلمين به‏* * * للكافرين غدا إذ جده تعسا

رأيت فيه مقام المؤذنين به‏* * * معطلا من أذان الله مبتئسا

و لا أذان به يدعو العباد إلى‏* * * عبادة الله إلا اللغو و الجرسا

و لا صلاة به للناس جامعة* * * إلا المكاء و إلا نقس من نقسا

فكادت النفس مني غيرة و جوى‏* * * تفيظ من جمعه الأنجاس و الدنسا

و الناصر الله أن ييئس فنصرته‏* * * تجي‏ء مستيئسا من بعد ما يئسا 33

رحلة الحلواني:

يذكر محب الدين الخطيب أن الحلواني ذهب إلى «ليدن» و امستردام في سنة 1301 ه/ 1883 م، بمجموعة من المخطوطات العربية كان اقتناها في السنين السالفة، فابتاعتها منه مكتبة ليدن الغنية بنفائس مخطوطاتها العربية، «و لمخطوطات الحلواني هذه فهرس خاص وضعه المستشرقون و وصفوا فيه مفرداتها» 34.

فهرس مخطوطات مكتبة الحلواني:

تحتوي مكتبة جون رايلاندز بجامعة مانشستر بالمملكة المتحدة

( The John Rylands University Library of Manchester

على نسخه‏ 35 من هذا الفهرس الذي وضعه المستشرق السويدي «كارلو لاندبرج(Car lolandberg) و يحمل اسم «فهرس مخطوطات عربية مأخوذة من مكتبة خاصة بالمدينة»- ليدن، بريل، 1883 م.

Uataloggue de Manscripts Arabes Provenant D Une Bigliotheque IE A eevrip* * * Medina Leide- J. Brill 3881

56

و يقع الفهرس في 183 صفحة باللغة الفرنسية 36، إلا أن أسماء الكتب التي تضمنها الفهرس و عددها (664) كتابا ذكرت باللغة العربية و في نهايته ذكر واضعه أنه انتهى من عمله في ليدن 20 سبتمبر 1883 م.

مقدمة الفهرس:

لقد ابتدأ «لاندبرج» هذه المقدمة بالحديث عن علاقته بالحلواني، و عن الظروف التي دفعته لبيع المخطوطات النادرة التي كانت في حوزته فيقول:

«لقد تركت صديقي العالم الجدير جدا بالتقدير الشيخ أمين المدني في القاهرة أثناء شهر فبراير. مغادرا إلى منطقة البدو في غرب دمشق، و لم يكن حينئذ لديه الرغبة في بيع مكتبته، و لكنني رأيته بعد ذلك في أمستردام، عاقدا العزم على بيع كتبه التجارية بعد أن تعرضت استثماراته المالية لمضاربة فاشلة، كان خلفها شخص غير أمين، التقى به «الحلواني» في مصر أثناء إقامته بها.

لقد أخذت مؤسسة «بريل» المبادرة و اشترت ما عرضه «الحلواني» من كتب، و طلبت مني إعداد فهرس لها في مدة أقصاها شهران من الزمن، إلا أنني رفضت في البداية هذا الطلب من المؤسسة بسبب عامل الوقت الذي حددته لإنجاز هذا العمل، و لكن عرفاني بجميل المؤسسة المتمثل في نشرها لمؤلفاتي. إضافة إلى توسلها الدائم للقيام بالعمل، دفعاني لأخذ المبادرة في تنفيذه، لقد استغرق عمل هذا الفهرس أقل من شهر، و هذا ما يحملني تقديم العذر عن احتمال ما قد يوجد فيه من أخطاء، فإن السرعة في إنجازه هي العامل الرئيسي وراء ذلك.

ثم ينتقل بعد ذلك «لاندبرج» للحديث عن هذه المخطوطات التي دخلت في حيازة مؤسسة «بريل».

تمثل أهمية هذه المجموعة التي تزيد على 600 مخطوطة في احتوائها على مؤلفات فريدة من نوعها و غير معروفة حتى في الشرق نفسه، فأهمية المجموعة لا تنبثق فقط من ناحية حب الاستطلاع فقط، و لكن من الناحية العلمية أيضا، سوف يستغرب أحدنا من وجود سلسلة محترمة من المؤلفات اليمنية في الناحيتين، التاريخية و الأدبية لبلد لا يعرف عنه إلا القليل. فقبل عشر سنوات من الآن «زمن وضع هذا الفهرس 1883 م» كان اليمن يعيش‏