تاريخ بخارا

- محمد بن جعفر النرشخي المزيد...
194 /
5

تقديم [من المترجمين‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

هذه أثارة من كتاب عربى قديم لم يصلنا بعد، وعّها لنا الفارسية فيما وعت من تراث عربى، رأينا أن ننقلها عن النص الفارسى إلى العربية كما نقلها المستشرقون من قبل إلى الفرنسية و الروسية.

و الأصل العربى كان يعرف بتاريخ بخارى، أو أخبار بخارى، ألفه أبو بكر محمد بن جعفر النرشخى‏ (1) و انتهى من تأليفه عام 322 ه (943 م) و قدمه إلى الأمير الحميد أبى محمد نوح بن نصر بن أحمد بن إسماعيل السامانى‏ (2). ثم قام أبو نصر أحمد بن نصر القباوى من بلدة قبا إحدى حواضر فرغانة بترجمته إلى الفارسية، و انتهى من هذه الترجمة سنة 522 ه (1128 م) بعد أن حذف منه ما رآه فضولا مملّا و زاد عليه ما ارتآه نافعا مفيدا من كتب أخرى، مثل كتاب خزائن العلوم لأبى الحسن عبد الرحمن بن محمد النيسابورى، و تاريخ بخارى لأبى عبد اللّه محمد بن أحمد البخارى الغنجارى، و لم تصلنا هذه الترجمة بعد. ثم لخص هذه الترجمة بالفارسية محمد بن زفر بن عمر، و أتم تلخيصها عام 574 ه (1178 م) و قدمه لحاكم بخارى برهان الدين عبد العزيز بن مازة. و قد زيد على هذا التلخيص أشياء بعد محمد بن زفر هذا، إذ نرى فيه ذكر أحداث وقعت بعد ذلك فى فترة امتدت إلى ظهور المغول، و فتح بخارى على يد چنكيز خان، كما نرى فيه ذكرا لمحمد

____________

(1) 286- 348 ه (899- 959 م) عاصر نشأة الأسرة السامانية و عاش إلى وفاة الأمير الحميد أبى محمد نوح بن نصر الذى قدم له الكتاب.

(2) ولى الإمارة فى أول شعبان سنة 331 ه (10 أبريل 943 م) و توفى فى ربيع الآخر سنة 343 ه (أغسطس 954 م).

6

خوارزمشاه و هذا الفاتح المغولى‏ (1).

و الترجمة التى نقدمها اليوم لقراء العربية هى ترجمة التلخيص الفارسى لكتاب تاريخ بخارى أو أخبار بخارى على هذه الصورة التى انتهت إلينا. و قد لقيت هذه الخلاصة التى وصلتنا تحت عنوان «تاريخ بخارى» اهتماما فى دوائر الاستشراق، فقام المستشرق شارل شيفر(Ch .Schefer) سنة 1892 م. (1310 ه) بطبعها مع مجموعة من النصوص التاريخية الفارسية عن آل سامان تخيرها من مصادر فارسية أخرى لارتباط تاريخ بخارى بتاريخ السامانيين، كما ترجم بعضها و علق عليها و نشرها بالفرنسية مع نصوص فارسية أخرى تحت عنوان‏Chrestomathie Persane ,Paris I 388 ` ` و فى عام 1897 م (1315 ه) ترجمها المستشرق الروسى ليكسهن(N .S .Lykoshin) إلى الروسية و طبعها فى طشقند تحت إشراف المستشرق المعروف بارتولد(W .Bartold) و استقى منها كثيرا من معلوماته فى كتابه «تركستان».

و اعتمدنا فى هذه الترجمة على نسخة شيفر مع مقابلتها بنسخة مدرس رضوى الأستاذ بجامعة طهران و قد رأينا بعد الفراغ من الترجمة أن نضيف إليها تعريب فصل من كتاب «تاريخ كزيده» الفارسى عن تاريخ السامانيين الذين اتخذوا من بخارى حاضرة لهم، إتماما للفائدة و ليلم القارئ بتاريخ موجز جامع لهذه الأسرة دون تشتيت لذهنه فى تتبع فصول هذا التاريخ مفرقة مع غيرها من الأحداث فى ثنايا الكتاب. و قمنا كذلك بتحقيق الأسماء و إضافة بعض الحواشى و التعليقات المناسبة.

و ترجع أهمية الكتاب إلى أنه يلقى ضوءا كاشفا على ماضى بلد كان قديما جزءا من أراضى تركستان و غدا بعد الفتح الإسلامى من أهم الحواضر الإسلامية، و خرج الكثير من العلماء و المحدثين و الفقهاء. و هو يقدم لنا معارف عن حاضرة

____________

(1) ولد چنكيز خان عام 549/ 550 ه (1154 م) و ولى أمر المغول عام 603 ه (1206 م) و توفى عام 624 ه (1226 م). و السلطان علاء الدين محمد بن تكش خوارزمشاه تولى السلطنة من 19 رمضان عام 596 ه (يولية 1200 م) إلى 617 ه (1220 م).

7

السامانيين قل أن نظفر بها فى مرجع آخر، فيتحدث عن بخارى قبل الإسلام و بعد الفتح من النواحى الجغرافية و الاقتصادية و التاريخية و الاجتماعية و السياسية و الثقافية، و يذكر من ولى قضاءها و حكامها و آثارها و منشآتها و أخبار فتحها و انتشار الإسلام فيها، و أمراء الأسرة السامانية الذين اتخذوها حاضرة لهم إلى آخر أيامهم.

و الكتاب مثل كثير من الكتب القديمة يخلط الحقائق التاريخية بالروايات الأسطورية و يروى أحاديث موضوعة عن بخارى و فضائلها.

فهو مثلا يذكر أن أول من بنى بخارى هو البطل الإيرانى سياوش بن الملك الأسطورى كيكاوس، حين ترك أباه مغاضبا و لجأ إلى أفراسياب ملك الترك. فأكرم وفادنه و زوجه من ابنته و أقطعه هذه الأرض التى تعرف اليوم ببخارى، فبنى بها مدينة، ثم انقلب أفراسياب عليه و قتله بسعى الوشاة، فألفت فى مقتله مراث ما يزال أهل بخارى إلى اليوم يرددونها.

و بخارى إقليم من خراسان يشمل عدة مدن أهمها بخارى العاصمة، و يذكر المؤلف أن الأرض التى أقيمت عليها بخارى كانت مناقع و غياضا و مروجا عامرة بحيوان الصيد، و قد تكونت من فيضانات نهر «ما صف» الذى عرف فيما بعد باسم نهر السّغد. فكان هذا النهر يفيض بذوبان الثلوج فى أعالى الجبال، و يجرف جريانه الطمى يملأ به الوهاد كما يتخلف عنه الماء الذى يكون المناقع، و بعد استواء هذه الأرض قصدها الناس من كل صوب لطيب هوائها و خصبها، و عمروها و أمرّوا عليهم أميرا.

و يحدثنا المؤلف عن بعض تقاليد بخارى قبل الإسلام، فيذكر مثلا أنه كانت تقام بها سوق لبيع الأصنام يقال لها «سوق ماخ» مرتين فى كل عام و لا تبقى قائمة فى كل مرة غير يوم واحد. ثم يحدثنا عن امرأة كانت تحكمهم استبدت بالملك دون ابنها الصغير «طغشادة» خمسة عشر عاما، و كان من عادتها أن تخرج كل يوم من الحصن راكبة جوادا ثم تتربع على تختها و بين يديها الغلمان و الخصيان، و قد فرضت على أهل الرساتيق أن يبعثوا إليها كل يوم بمائتى شاب من الدهاقين‏

8

و الأمراء، يتمنطقون بمناطق الذهب و يتقلدون السيوف، فإذا ما خرجت الخاتون قاموا صفين فى خدمتها و هى تنظر فى شئون الملك تأمر و تنهى و تخلع على من تشاء و تعاقب من تشاء، و تظل كذلك من الفجر حتى الضحى، ثم تركب عائدة إلى الحصن، و تأمر بمد الخوانات للحشم و الأتباع. فإذا ما أظل المساء خرجت ثانية و جلست على هذا النحو حتى الغروب، فتعود إلى حصنها و يعود هؤلاء إلى رساتيقهم ليحل غيرهم فى اليوم التالى مكانهم فى خدمتها.

و فى أيام هذه المرأة فتحت بخارى على يد عبد اللّه بن زياد من قبل معاوية، و قد دارت بينها و بينه حروب انتهت بالصلح على مال تؤديه، و كان ذلك فى آخر عام 53 ه و أول عام 54 ه (672- 673 م).

و لكن بخارى مع ذلك لم تسلس القياد للفاتحين، إذ كانت ممعنة فى الوثنية تظهر الإسلام و تسر البقاء على وثنيتها. و بعد حروب طويلة قاسى فيها المسلمون أهوالا تمكن قتيبة بن مسلم بعد غزوه لها للمرة الرابعة من إقرار الإسلام و بناء المسجد الجامع بها عام 64 ه (712 م).

و كانت بخارى تتمتع بثراء طائل و تقوم بها صناعات و تجارة زاهرة، و يتجلى لنا هذا فى مغانم المسلمين منها عند الفتح و ما كانوا يصالحون عليه أهلها من مال و خراج كان يؤدى فيما بعد على صورة منسوجات فاخرة تقدم لدار الخلافة. و يستخلص مما جاء فى دائرة المعارف الإسلامية (1) أن بخارى العاصمة مدينة كبيرة فى التركستان على المجرى الأدنى لنهر «زرافشان» و أن المدينة أنشئت قبل الإسلام بعدة قرون فى الموضع الذى توجد فيه بخارى الحالية.

و قد سمى الصينيون هذه المدينة منذ القرن الخامس الميلادى «نومى» و هو الاسم الذى يقابل الاسم القديم «نومجكات» (2) الذى كان معروفا أيضا فى العهد الإسلامى.

و اسم بخارى بالصينية «پوهو» و يقال إن كلمة بخارى تحوير لكلمة «بخر» و هى‏

____________

(1) طبع القاهرة ج 3 ص 401.

(2) فى معجم البلدان «بو مجكت».

9

بدورها تحوير تركى مغولى للكلمة السنسكريتية «قهارة» و معناها صومعة أو دير.

و يقال إنه كان للبوذيين معبد فى بخارى أو على مقربة منها فى بلخ أو سمرقند.

و كان أمراء بخارى قبل الإسلام يحملون لقب «بخار خدا» (1) و معناه أمير بخارى‏ (2). و لما فتحها العرب أقيم إلى جانب «بخار خدا» فى السنوات الأولى عامل عربى تابع لأمير خراسان الذى كان يقيم فى «مرو»، و إلى سنة 260 ه.

(874 م.) لم تكن بخارى تابعة للسامانيين، بل كان يحكمها عامل لبنى طاهر، و بعد سقوط دولة الطاهريين سنة 259 ه. (873 م) صار يعقوب بن الليث الصفار مدة أميرا على خراسان و من جملتها بخارى، فتوجه جماعة من العلماء و الأهالى إلى نصر بن أحمد السامانى الذى كان يحكم سمرقند، فولى أخاه الأصغر إسماعيل على بخارى، و بقيت بخارى منذ ذلك الوقت فى حوزة بنى سامان إلى أن دالت دولتهم سنة 389 ه. (998 م) على ما هو مفصل فى هذا الكتاب.

و قد تعرضت مدينة بخارى للغزو و التخريب مرات، و لكنها مع هذا كان يعاد بناؤها دائما فى مكانها الأول، و على تخطيطها السابق الذى أنشئت عليه فى القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى)، و قد أعان هذا على إمكان تحديد تخطيطها و ما جرى عليه من تطورات فى عصورها التاريخية. و قد ميز الجغرافيون العرب فى مدينة بخارى بين معالم ثلاثة:

1- القلعة و تسمى بالفارسية «كهندژ» أى الحصن القديم، و تكتب بالعربية «قهندز».

2- المدينة و تسمى بالفارسية «شهرستان» أو «شارستان».

3- الربض أو الضاحية القائمة بين المدينة القديمة و السور الذى بنى فى عهد المسلمين.

____________

(1) و قد ضبطت بعد ذلك فى الكتب الإسلامية «بخار خداة» و تكتب بالفارسية «بخار خدات» بالتاء المفتوحة.

(2) أو صاحب بخارى.

10

و كانت القلعة منذ أقدم عصورها قائمة فى المكان نفسه الذى توجد فيه الآن شرقى الموضع الذى يسمى- كما كان فى عهد السامانيين- «ريكستان»(Rigstan) ، و يبلغ محيط القلعة اليوم نحو كيلومتر و نصف، و تبلغ مساحتها ثلاثة و عشرين فدانا (1). و كان قصر «بخار خدا» يوجد داخل القلعة، و كان قائما على سبعة أعمدة من الحجارة تمثل الصورة الفلكية لبنات نعش، و عند مدخله لوحة من الحجر كتب عليها اسم بانيه. و كان شائعا بين الناس أنه ما من أمير فر من ذلك القصر أمام خصمه أو مات فيه قط، و إنما نزلت المنية بالأمراء جميعا خارج هذا القصر. و كانت القلعة خارج المدينة و يفصلها عنها فضاء مكشوف شرقى القلعة أقيم فيه المسجد الجامع منذ القرن الثانى للهجرة (الثامن الميلادى) و ظل به إلى القرن السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى)، أما المدينة أو الشهرستان فقد أمدنا النرشخى (فى هذا الكتاب) بمعلومات دقيقة عنها جعلت من الممكن دون شك أن يعين ما يقابل الشوارع التى ذكرها من شوارع المدينة الحالية.

و قد حدث فى العصر الإسلامى أن أصبحت المدينة أو الشهرستان و ضواحيها يحيط بها سور عام، و يقول النرشخى إن هذا حدث ابتداء من سنة 235 ه.

(849- 850 م). و فى القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) كان يوجد إلى جانب السور القديم سور جديد أوسع منه دائرة و كان لكل من السورين أحد عشر بابا، وضع العرب لكل منها اسما مثل باب سمرقند الذى ما يزال محتفظا باسمه إلى اليوم فى الجانب الشمالى، و قد أحصى الإصطخرى أبواب السورين حسب الترتيب الدقيق الذى كانت عليه مثل:

باب الميدان فى الجنوب الغربى و يسمى اليوم «قره كول»(Karakul) و درب إبرهيم أو باب إبرهيم و يسمى حاليّا باب الشيخ جدال، و هو شرقى الباب الأول مباشرة و هما فى السور الخارجى، ثم عاد فذكر الأبواب الداخلية فبدأ بباب سمرقند

____________

(1) هكذا و ردت فى دائرة المعارف الإسلامية، و هذه الوحدة المساحية غير معروفة فى تلك البلاد، و الوحدة المساحية المستعملة فى الأراضى الزراعية اليوم بإيران و أفغانستان «جريب».

11

فى الشمال إلى آخر تلك الأبواب الداخلية التى حدثنا عنها النرشخى (فى هذا الكتاب) و هو يتكلم عن الحريق الذى شب فى بخارى سنة 325 ه. (937 م).

و قد خربت بخارى على يد چنكيز خان عام 616 ه. (1220 م)، ثم أعيد بناؤها فى عهد خليفته أوكيدى خان‏ (1)، و فى سنة 636 ه. (1238 م) ثار الشعب ضد المغول و طبقة الملاك، و لكن هذه الثورة أخمدت. و فى اليوم السابع من رجب سنة 671 ه. (28؟؟؟ سنة 1273 م.) فتح مغول فارس بخارى و ظلوا يعملون فيها السلب و النهب سبعة أيام متواصلة، فدب فيها الخراب و تم تخريبها بعد ذلك بثلاثة أعوام على يدى الأميرين «چوبة» و «قان» و هما من الأتراك ال «چغتاى» و ظلت سبعة أعوام لا تدب فيها نسمة. و فى عام 682 ه. (1283 م) أعاد تعميرها الأمير «قيد و مسعود بك» و جلب إليها السكان. و فى رجب سنة 716 ه. (19 سبتمبر- 18 أكتوبر سنة 1316 م) أغار عليها مغول فارس مرة أخرى و أخرجوا أكثر أهلها و أسكنوهم إقليم جيحون مرغمين. و فى أواخر عام 905 ه. (صيف عام 1500 م.) فتح الأزابكة مدينة بخارى، و لكنهم احتفظوا بسمرقند عاصمة لهم. و قد أقام فى بخارى اثنان من أشهر أمراء بنى شيبان هما عبيد اللّه ابن محمود (918- 946 ه؛ 1512- 1539 م.) و عبد اللّه بن إسكندر (918- 964 ه./ 1512- 1557 م.) و أصبحت بخارى فى عهدهما مركزا للحياة السياسية و الروحية، و ظلت كذلك عاصمة فى عهد الأسرتين التاليتين «الجانية»(Djanides) و الإسترخانية(Ashitarkhanides) ، و فقدت سمرقند حاضرة الأوزبك كل ما كان لها من شأن تقريبا.

و منذ القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادى) توثقت الصلات بين‏

____________

(1) هو «أوقتاى خان» أو «أوكتاقا آن» الابن الثالث لچنكيز خان و ولى عهده، جلس على العرش بعد أبيه سنة 624 ه- (1226) م. و حكم تركستان و منغوليا (مغولستان) و القسم الشمالى من الصين و روسيا و بولندا و الحجر، و استولى على خراسان و كرمان و عراق للعجم و جميع مدن إيران و توفى بعد أن حكم خمسة عشر عاما سنة 639 ه. (1241 م.). و يسميه الصينيون «تاى چونغ»

[شمس الدين سامى: قاموس الأعلام ج 2 ص 1092]

12

دولة الأزابكة و قياصرة موسكو، فأصبحت بخارى بذلك معروفة فى روسيا و أوربا الغربية. و كان الروس فى القرنين السابع عشر و الثامن عشر الميلاديين يطلقون اسم بخارى على جميع التجار و المهاجرين من آسيا الوسطى، و أطلقت هذه التسمية كذلك على سكان التركستان الصينية الحالية التى كانوا يميزونها باسم بخارى الصغرى.

و كان عهد الخان عبد العزيز (1055- 1091 ه./ 1645- 1680 م.) آخر عهودها السعيدة فى نظر مؤرخى تلك البلاد الذين جاءوا بعد، و قد عجز خلفاؤه عن الاحتفاظ بوحدة الدولة، فاستقل أمراء الأزابكة بالحكم فى كثير من البقاع، و أصبح الخان المقيم فى بخارى لا يحكم إلا حيزا صغيرا من الدولة القديمة.

و فى سنة 1153 ه. (1740 م.) خضعت بخارى لحكم نادر شاه‏ (1) و لم تستعد استقلالها إلا بعد وفاته. و فى هذا العهد نفسه ظهرت فى بخارى أسرة «بنى منغيت» (2) إذ نادى الأتاليق محمد رحيم من أسرة منغيت بنفسه خانا سنة 1170 ه. (1756 م.) و أخذت بخارى بعد ذلك تسترد شيئا فشيئا شهرتها كمدينة الإسلام و الشريعة. و عند ما اعتلى الأمير مظفر الدين شاه العرش (1277- 1303 ه. (1860- 1885 م) تغلغل نفوذ الروس فى بلاد ما وراء النهر القديمة. و بعد أن هزم ذلك الأمير عدة مرات اضطر

____________

(1) نادر شاه أفشار: من ملوك إيران العظام و هو خراسانى الأصل و كان أبوه راعيا ولد سنة 1099 ه (1687 م) و اشتغل بالرعى و اشتهر بين أقرانه بالشجاعة فتزعمهم و أخذ يقطع الطرق، و قد بلغ أتباعه ستة آلاف فاستولى على خراسان، ثم استنجد به الشاه الصفوى طهماسپ الثانى عند ما هزم أمام الأفغان فذهب إليه فى إصفهان و رد عنه عاديتهم، و لقب نادر شاه بعد ذلك (طهماسب قلى خان) و أصبح وزيرا للشاه طهماسپ و تعقب الأفغان إلى قندهار و استولى عليها.

و فى سنة 1145 ه. (1732 م) خلع الشاه طهماسپ و أجلس ابنه الصغير و هو فى الشهر الثامن من عمره على عرش أبيه و عرف باسم الشاه عباس الثالث و استبد نادر بالحكم و بعد وفاة الشاه عباس جلس نادر على العرش سنة 1148 ه. (1735 م) و لقب بنادر شاه. و زادت فتوحاته فشملت أفغانستان و بلوچستان و الهند و استولى على دهلى و توفى سنة 1160 ه. (1747 م)، أثناء إخماده ثورة الأكراد بعد أن حكم عشرين عاما [قاموس الأعلام ج 6 ض 4541].

(2) إحدى قبائل الأوزبك فى التركستان و انتهى حكمها لبخارى سنة 1920 م. (1340 ه) فى عهد آخر أمرائها الأمير عالم خان حين هاجم الروس بخارى و اضطر للهجرة إلى أفغانستان سنة 1921 م.

(1340 ه) حيث توفى بكابل سنة 1944 م (1364 ه).

13

إلى التخلى عن مطالبه فى وادى نهر سيحون الذى استولى عليه الروس، كما تخلى لهم عن جزء كبير من أراضيه الشمالية سنة 1304 ه. (1886 م). أما العاصمة بخارى فلم يتعرض لها الروس إلى ذلك الوقت، و لكن بخارى اتسعت غربا عام 1290 ه. (1873 م). على حساب خيوة (1) التى فتحها الروس. و ظل هذا الأمير يحكم تحت نفوذ الروس.

و قد أقيمت الحدود لأول مرة بين بخارى و أفغانستان فى عهد الأمير عبد الأحد خان (1303- 1328 ه.- 1885- 1910 م.) و أصبحت مدينة «پنج» بمقتضى الأتفاق الذى عقد بين الروس و الإنجليز سنة 1303 ه. (1885 م.) الحد الفاصل بين بخارى و أفغانستان و تخلى الأمير بعد ذلك عن جزء من إقليم «درواز» للأفغان مقابل ضم إقليمى «روشن» و «شغنان» إليه. و فى هذا العهد نفسه نظمت العلاقات بين بخارى و روسيا و أصبحت إمارة بخارى منذ سنة 1305 ه. (1887 م) يخترقها خط حديدى روسى لا يمر بالبلدان الهامة بالإمارة و من بينها العاصمة بخارى.

و على بعد خمسة عشر كيلومترا من بخارى القديمة عاصمة الإمارة أقيم على الخط الحديدى بعض المنشآت الروسية و سميت بخارى الجديدة، و تعرف محطة السكة الحديد بها اليوم باسم «كاكان»(Kagan) ، و أصبحت بخارى الجديدة مقر المبعوث الروسى و ربطت بالعاصمة بخارى القديمة بخط حديدى أنشئ على نفقة أمير بخارى، و دخلت إمارة بخارى بأجمعها ضمن منطقة النفوذ الجمركى الروسى. و لم تتأثر حضارة بخارى على رغم ذلك بالحضارة الروسية إلا قليلا.

و قد ولى الأمير عالم خان بن الأمير السابق عبد الأحد خان الذى تلقى تعليمه فى روسيا فى مدرسة سانت بطرسبورغ الحربية إمارة بخارى منذ سنة 1328 ه.

(1910 م) و ظل أميرا لبخارى حتى عام 1340 ه. (1920 م) ثم استولى الروس بصفة نهائية على إمارة بخارى بما فى ذلك بخارى القديمة العاصمة، و أعلنت‏

____________

(1) هى خوارزم سابقا، و كانت تقوم بها إمارة إسلامية.

14

جمهورية بخارى. و فى عام 1343 ه. (1924 م) قسمت هذه الجمهورية بين جمهورية تاجيكستان و عاصمتها «دوشنبة» و جمهورية أوزبيكستان و عاصمتها «طشقند» و جمهورية تركمانستان و عاصمتها «عشقاباد» و هذه الجمهوريات الثلاث الآن من جمهوريات آسيا الوسطى السوفييتية، و مدينة بخارى إحدى المدن الهامة فى جمهورية أوزبيكستان.

و لكن بخارى على رغم هذه التقلبات و ما انتهت إليه اليوم ما تزال تحتفظ بكثير من المعالم الأثرية الإسلامية و ما يزال العالم شرقيه و غربيه يلهج باسمى علمين من أئمة علمائها هما:

أبو عبد اللّه محمد بن إسماعيل الجعفى المعروف بالإمام البخارى‏ (1) صاحب الجامع الصحيح المشهور بصحيح البخارى؛ و الشيخ الرئيس أبو على الحسين ابن عبد اللّه بن الحسين بن على بن سينا البخارى الفيلسوف الطبيب‏ (2).

*** المترجمان‏ دكتور أمين عبد المجيد بدوى نصر اللّه مبشر الطرازى القاهرة 1 جمادى الأولى 1385 ه/ 28 أغسطس 1965 م.

____________

(1) ولد سنة 194 ه./ 809 م. و توفى سنة 256 ه./ 869 م.

(2) ولد سنة 370 ه./ 980 م. و توفى سنة 428 ه./ 1036 م.

15

[مقدمة المؤلف‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ حمدا و ثناء للّه تعالى جل جلاله، خالق العالم و عالم السر و رازق الأحياء و مالك الأرض و السماء؛ و الصلاة و السلام على صفوة الآدميين و خاتم النبيين محمد المصطفى صلى اللّه عليه و آله و صحبه و أتباعه و أشياعه (رضوان اللّه عليهم أجمعين).

أما بعد- فيقول أبو نصر أحمد بن محمد بن نصر القباوى‏ (1): إن أبا بكر محمد بن جعفر النرشخى قد ألف كتابا باسم الأمير الحميد أبى محمد نوح بن نصر ابن أحمد بن إسماعيل السامانى (رحمه اللّه تعالى) فى ذكر بخارى و مناقبها و فضائلها و ما فيها و فى رساتيقها من مرافق و منافع و ما ينسب إليها، و فى ذكر الأحاديث التى رويت فى فضائل بخارى عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و الصحابة و التابعين و علماء الدين (رضوان اللّه عليهم أجمعين).

و كان تأليف هذا الكتاب باللغة العربية و بعبارات بليغة فى شهور سنة اثنتين و ثلاثين و ثلثمائة (943 م).

و لما كان أكثر الناس لا يرغب فى قراءة الكتب العربية، طلب منى الأصدقاء أن أقوم بترجمة الكتاب إلى الفارسية، فأجاب الفقير طلبهم و ترجمه فى جمادى الأولى سنة اثنتين و عشرين و خمسمائة (1128 م). و بما أن النسخة العربية قد احتوت أشياء غير جديرة بالذكر يزداد الطبع مللا بقراءتها، فقد حذفت تلك الأشياء، و اختصره أضعف العباد محمد بن زفر بن عمر فى شهور سنة أربع و سبعين و خمسمائة (1178 م) لمجلس صدر صدور الزمان العالى السيد الإمام الأجل الأعز

____________

(1) نسبة إلى «قبا» بضم القاف و هى مدينة فى فرغانة بالتركستان، و هى مسقط رأس الصوفى المعروف أبى إسحق إبرهيم القباوى و غيره من العلماء الأجلاء، و قد خرجت هذه المدينة فى فتنة المغول.

[شمس الدين سامى: قاموس الأعلام ج 5 ص 3593]

16

برهان الملة و الدين، سيف الإسلام و المسلمين، حسام الأئمة فى العالمين، سلطان الشريعة ظهر الخلافة إمام الحرمين مفتى الخافقين، كريم الطرفين ذى المناقب و المفاخر عبد العزيز بن الصدر الإمام الحميد برهان الدين عبد العزيز قدس اللّه أرواح السلف و بارك فى الخلف فى العز و العلى.

17

ذكر جماعة كانوا قضاة فى بخارى‏

كان منهم: سيبويه بن عبد العزيز البخارى النحوى. قال محمد بن أعين:

سمعت من عبد اللّه بن مبارك أن سيبويه تولى قضاء بخارى و لم يظلم مقدار درهمين، ثم استطرد قائلا: مقدار درهمين كثير، لم يظلم مثقال ذرة. ثم تولى القضاء مخلد ابن عمر سنين طويلة إلى أن استشهد آخر الأمر، و كذا أبو ديم حازم السدوسى الذى وصله فرمان القضاء من الخليفة، و عيسى بن موسى التيمى المعروف بغنجار (رحمه اللّه) ولى القضاء فلم يقبل، فقال له السلطان إن لم تل القضاء فاختر شخصا نوله، فلم يقبل هذا أيضا، فأمر السلطان، أن اذكروا أسماء أهل القضاء أمامه، ففعلوا كذلك، و حينما كانوا يذكرون اسم شخص أمامه كان يقول: ليس بأهل:

فلما ذكروا حسن بن عثمان الهمدانى سكت، فقالوا إن السكوت منه علامة الرضا، فولوا حسن بن عثمان القضاء و لم يكن فى عهده فى مدن خراسان‏ (1) أى شخص فى علمه و زهده.

ثم عامر بن عمر بن عمران، ثم إسحق بن إبرهيم بن الخيطى و توفى بطوس بعد عزله فى ثمان و مائتين (823 م). ثم سعيد بن خلف البلخى الذى ولى القضاء فى سلخ جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة و مائتين (828 م) و قد مارس القضاء على وجه كان يضرب به المثل فى العدل و الإنصاف و الشفقة على خلق اللّه تعالى، و سنّ سننا حسنة منها: أنه وضع نظام عسس المياه، و تقسيم الماء فى بخارى بالعدل و الإنصاف حتى لا يجوز القوى على الضعيف.

____________

(1) خراسان- بضم الخاء، بلاد واسعة أول حدودها مما يلى العراق قصبة جوين و بيهق، و آخر حدودها مما يلى لهند طخارستان و غزنة و سجستان و كرمان، و ليس ذلك منها و إنما هو أطراف حدودها، و تشتمل على أمهات من البلاد منها: نيسابور و هراة و مرو و هى كانت قصبتها، و بلخ و طالقان و نسا و أبيورد و سرخس و ما يتخلل ذلك من المدن التى دون نهر جيحون. و قيل «خر» اسم الشمس بالفارسية الدرية و «أسان» كأنه أصل الشى‏ء و مكانه (أى بلاد الشمس).

(ياقوت: معجم البلدان ج 3 ص 411- 412)

18

و كذا عبد المجيد بن إبرهيم النرشخى (رحمه اللّه) الذى كان يعد من عباد اللّه الصالحين، و أحمد بن إبرهيم البركدى (رحمه اللّه) كان قاضيا فى عهد السلطان أحمد ابن إسماعيل السامانى و فقيها و زاهدا.

ثم أبو ذر محمد بن يوسف البخارى و كان من جملة أصحاب الإمام الشافعى (رحمه اللّه)، و كان ذا علم و زهد كما كان مقدما على علماء بخارى، و قد امتحنوه كثيرا عن طريق تقديم الرشوة له خفية و بكل الوسائل و لكنه لم ياوث نفسه بأى شى‏ء بل كان العدل و الإنصاف يزدادان كل يوم منه ظهورا، و عند ما بلغ الشيخوخة طلب إعفاءه من القضاء و ذهب إلى الحج و أدى الفريضة، ثم أقام فى العراق مدة يطلب علم حديث النبى (صلى اللّه عليه و سلم)، و تتلمذ ثم عاد إلى بخارى فاختار العزلة إلى نهاية حياته رحمة اللّه عليه.

و كذا أبو الفضل بن محمد بن أحمد المروزى السلمى الفقيه (رحمه اللّه)، و هو صاحب «المختصر الكافى» تولى القضاء فى بخارى سنوات طوالا فلم تؤخذ عليه ذرة عيب، و كان يعمم العدل و الإنصاف، فلم يكن له مثيل فى الدنيا فى العلم و الزهد فى زمانه و صار بعد ذلك وزيرا للسلطان و مات شهيدا رحمة اللّه عليه.

يقول مصنف هذا الكتاب: و لو ذكرنا جميع علماء بخارى لاحتجنا إلى دفاتر عديدة نملؤها، و هذه الفئة التى ذكرناها من العلماء هم هؤلاء الذين قال النبى (صلى اللّه عليه و سلم) فى حقهم «علماء أمتى كأنبياء بنى إسرائيل».

فصل: لم يورد محمد بن جعفر النرشخى هذا الفصل فى كتابه، و ذكر الإمام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد النيسابورى فى كتاب خزائن العلوم أن هذا الموضع المعروف اليوم ببخارى كان يتكون من بركة و مقصبة و غيضة و مرج و فى بعض أجزائه كان لا يجد أى حيوان مخاضة، لأن الثلوج كانت تذوب على الجبال بالولايات التى بناحية سمرقند (1) فيجتمع الماء هنالك. و بناحية سمرقند نهر عظيم يقال له نهر

____________

(1) سمرقند(Samarkand) و قد ورد اسمها فى بعض الكتب العربية «سمران» و هى من مدن تركستان المشبورة بآسيا الوسطى تقع على بعد سبعة كيلومترات جنوب نهر زرافشان. و هى قديمة العهد يقال-

19

«ماصف» يتجمع فيه ماء كثير، و هذا الماء الكثير يخد الأرض و يلفظ و حلا كثيرا يطم الحفر، و كان الماء يأتى بكثرة و يحمل الطمى إلى ناحيتى «بتك» و «فرب» ثم توقف ذلك الماء و قد طمر هذا الموضع الذى يقال له «بخارى» و تمهدت الأرض و أصبح ذلك النهر العظيم السغد (1) و هذا الموضع المطمور بخارى. و اجتمع الناس من كل صوب، و ازدهر ذلك المكان و أقبل الناس من ناحية التركستان‏ (2)، و كان بهذه الولاية كثير من الماء و الشجر و الصيد، فأعجب هؤلاء الناس بها و أقاموا فيها، و كانوا أول الأمر يعيشون و يقيمون فى الخيام و السرادقات، فتجمعوا و تكاثروا على‏

____________

- انها بنيت بمعرفة الإسكندر المقدونى و استولى عليها بعده ملوك الطوائف المقدونية ببلخ ثم الأشكانيون ثم السامانيون. و حاصرها سنة 55 ه (674 م) والى خراسان سعيد بن عثمان و فتحها قتيبة بن مسلم سنة 77 ه (696 م). و قد وصلت سمرقند إلى أعلى مدارج الإعمار و الازدهار فى عهد السامانيين و بقيت على هذه الحال فى عهد السلجوقيين و الخوارزمشاهية إلى أن دمرها چنكيز خان و عمرها تيمور لنك الذى اتخذها عاصمة لإمبراطوريته، و استولى عليها الأوزبك بعده و خربوها. و فى سنة 1868 ه، احتلها الروس و جعلوها عاصمة لولاية زرافشان، و فى الحال الحاضرة تعتبر سمرقند من أهم المدن التابعة لجمهورية أوزبكستان السوفيتية و أجملها، و فيها آثار إسلامية كثيرة من مساجد و مدارس و لا سيما قبر تيمور لنك.

[ش. سامى: قاموس الأعلام ج 4 ص 2626- 2628]

(1) السغد (الصغد): بضم أوله و سكون ثانيه و آخره دال مهملة- ناحية كثيرة المياه نضرة الأشجار متجاوبة الأطيار مونقة الرياض و الأزهار ملتفة الأغصان، خضرة الجنان تمتد مسيرة خمسة أيام لا تقع الشمس على كثير من أراضيها و لا تبين القرى من خلال أشجارها و فيها قرى كثيرة بين بخارى و سمرقند و قصبتها سمرقند و ربما قيلت بالصاد (الصغد) [معجم البلدان: ج 5 ص 86].

(2) التركستان‏(Turkestan) : اسم جامع لجميع بلاد الترك [معجم البلدان ج 2 ص 378]، و هى موطن الأتراك فى آسيا الوسطى و تمتد من بحر الخزر (بحر قزوين) غربا إلى حدود تبت و منغوليا شرقا و تشتمل على أقاليم ما وراء النهر و فرغانة و السغد و خوارزم و جزء من خراسان و هى أقاليم ذكرها الجغرافيون العرب و تحدثوا عنها كثيرا فى مؤلفاتهم، و كانت مسقط رأس فحول العلماء و الفقهاء و المحدثين و الفلاسفة بعد الإسلام.

يجرى فيها نهران عظيمان و هما نهر جيحون (آمو دريا-Oxus ) و نهر سيحون (سير دريا)، و تنقسم تركستان حاليا إلى قسمين: تركستان الشرقية أو للصينية(Sin -Kiang) و تركستان الغربية أو الروسية التى قسمت بعد استيلاء الروس عليها و بعد الثورة البلشفية إلى ست جمهوريات سوفيتية هى: قزاقستان، قرغزستان، أوزبكستان، تركمتستان، تاجيكستان و قره قالپاق. و أهالى تركستان مسلمون و قد دخلها بعد استيلاء الروس عليها بعض أقليات روسية، و يتكلم أهلها اللغتين الچغتائية (التركية القديمة) و الفارسية، و لهم تاريخ عريق و مجيد و لا سيما بعد الإسلام، و قد ساهم التركستانيون فى نشر الدعوة الإسلامية و دعم حضارتها و ثقافتها، كما ساهم علماؤهم الأجلاء فى بناء التراث الإسلامى المجيد.

20

مر العصور و بنوا العمائر و اختاروا من بينهم واحدا اسمه «أبروى» نصبوه أميرا عليهم. و لم تكن قامت بعد هذه المدينة، بل كانت هنالك بعض الرساتيق من جملتها «نور» و «خرقان رود» و «وردانة» و «تراوجه» و «سفنه» و «إيسوانه».

و كانت القرية الكبيرة التى يقيم فيها الأمير هى «بيكند» و المدينة «قلعة دبوسى» (1) و كانت تسمى المدينة. و بعد مدة كبر «أبروى» و سلك طريق الظلم فى هذه الولاية، فلم يستطع الناس الصبر طويلا و فر الدهاقين و الأغنياء منها إلى التركستان، حيث بنوا شبه مدينة سموها «حموكت» (2)، لأن فلاحا (دهقانا) عظيما اسمه «حموك» كان رئيس تلك الطائفة التى ذهبت إلى هنالك.

و «حموك» فى اللغة البخارية معناها جوهر، و «كت» معناها المدينة، أى «مدينة حموك». و فى اللغة البخارية يقال للشخص العظيم «حموك» (3). ثم أرسل الناس الذين بقوا فى بخارى رسولا إلى عظمائهم طالبين النجدة من جور «أبروى»، فتوجه هؤلاء العظماء و الفلاحون إلى ملك الترك و كان اسمه «قراجورين ترك» و يلقبونه «بياغو» لعظمته، و قد استنجدوا به، فأرسل «بياغو» ابنه «شير كشور» (4) مع جيش عظيم، فلما وصل إلى بخارى قبض على «أبروى» فى «بيكند» و قيده، ثم أمر فملأوا جوالا بالزنابير (5) و أدخلوا فيه «أبروى» حتى مات. و قد أعجب «شير كشور» بهذه الولاية فأرسل إلى أبيه كتابا يطلبها منه مستأذنا فى البقاء ببخارى، فجاء الرد (من بياغو): «قد منحتك تلك الولاية»، و أوفد «شير كشور» رسولا إلى حموكت لإعادة هؤلاء الذين هربوا من بخارى مع نسائهم و أطفالهم، ثم صدر مرسوم باعتبار كل عائد من «حموكت» من جملة الخواص، لأن كل من كان‏

____________

(1) اسم حصن فيما وراء النهر بين بخارى و سمرقند و اسم الشخص الذى بنى هذا الحصن دبوس.

Desm. V, I. p: 768

(2) فى نسخة مدرس رضوى طبع طهران: «بتركستان و طراز شهرى بنا كردند و آن شهر را خ خ حموكت نام كردند» أى: و بنوا بتركستان و طراز مدينة و سموا تلك المدينة حموكت.

(3) فى نسخة مدرس رضوى: «يعنى كوهريست فلان» أى فلان جوهر.

(4) «شير كشور» معناها أسد البلاد.

(5) «كبت سرخ» ص 6 نسخة مدرس رضوى.

21

غنيّا و دهقانا كبيرا كان قد فر، و بقى المعدمون و الفقراء، و عندما عاد هؤلاء القوم إلى بخارى دخل فى خدمتهم أولئك الفقراء، و كان بينهم دهقان عظيم يسمى «بخار خداة» لكونه ابن دهقان كان يملك أكثر الضياع، و كان أغلب هؤلاء الناس عبيده و خدامه.

و قد بنى «شير كشور» مدينة «بخارى» و قرى «مماستين» و «سقمتين» و «سمتين» و «فرب» (1) و حكم مدة عشرين سنة، و عند ما تولى بعده ملك آخر بنى «اسكجكت» (2) و «شرغ» و «رامتين» ثم قرية «فرخشى» (3)، و عند ما جى‏ء بابنة ملك الصين عروسا إلى بخارى، جاءوا فى جهازها بمعبد للأصنام من الصين و وضعوه برامتين.

و فى أيام خلافة أمير المؤمنين أبى بكر الصديق رضى اللّه عنه، سك النقد فى بخارى من الفضة الخالصة، و لم يكن بها من قبل نقود فضية و قد فتحت بخارى أيام معاوية على يد قتيبة بن مسلم؛ فولى «طغشادة» بخارى اثنين و ثلاثين عاما من قبل قتيبة بن مسلم، و لما قتله أبو مسلم فى سمرقند فى عهد نصر بن سيار أمير خراسان كان «طغشادة» قد حكم بعد قتيبة بن مسلم عشر سنوات (و قتله أبو مسلم (رحمه اللّه)) (4) ثم ملك بعده أخوه «سكان بن طغشادة» سبع سنوات و قتل فى قصر

____________

(1) جاء فى حاشية مدرس رضوى ص 7 ما خلاصته: أن هذا الاسم ورد بجميع النسخ على هذه الصورة «فرب» و جاء فى برهان قاطع أنه اسم نهر عظيم، و الظاهر أنه «فربر» أو «فربر» بفتح الفاء أو كسرها و فتح الراء و سكون الباء هو الصحيح، على ما ذكره السمعانى فى كتاب الأنساب، و ياقوت فى معجم البلدان (ح 6 ص 353) حيث قالا إن «فربر» مدينة صغيرة بين جيحون و بخارى على بعد فرسخ واحد من جيحون تعرف باسم «رباط طاهر بن على».

(2) نص عبارة نسخة شيفر: «بعد از آن پادشاه ديكر كه شد اسكجكت نام، شرغ و رامتين بنا كرد» و معناها: و لما تولى بعده ملك آخر أسمه اسكجكت، بنى شرغ و رامتين. و عبارة مدرس رضوى التى قمنا بترجمتها أصح لأن اسكجكت إحدى قرى بخارى.

(3) فرخشى (فرخش)(Fara Khschi) (ديمزون)

فرخشا- بفتح أوله و ثانيه و سكون الخاء المعجمة و الشين و ألف مقصورة، من قرى بخارى‏

[ياقوت: معجم البلدان ج 6 ص 355]

فرخشى منسوب إلى «افرخش» بفتح الألف و سكون الفاء و فتح الراء و سكون الخاء المعجمة ثم الشين، مخففة فرخش، من قرى بخارى على بعد أربعة فراسخ [السمعانى: الأنساب‏].

(4) هذه العبارة التى بين قوسين (...) مكررة فى الأصل و كررنا ترجمتها كذلك.

22

«فرخشى» على أثر ثورة بأمر الخليفة و ذلك فى شهر رمضان حينما كان مشغولا بقراءة القرآن، و دفن أيضا فى ذلك القصر و تولى بعده أخوه «بنيات بن طغشادة» الملك سبع سنوات و قتل بأمر الخليفة فى قصر «فرخشى» و سنذكر سبب ذلك بعد هذا، و ظلت بخاى بعده فى قبضة أبناء «طغشادة» و خدامه و أحفاده إلى عهد الأمير إسماعيل السامانى حيث خرج الملك من يد أبناء «بخار خداة» و سيأتى ذكره فيما بعد.

23

ذكر سيدة (خاتون) كانت ملكة بخارى و أولادها الذين تولوا الملك بعدها

يقول محمد بن جعفر: عند ما مات «بيدون بخار خداة (1)» ترك طفلا رضيعا اسمه «طغشادة»، فجلست على العرش هذه الخاتون (السيدة) التى كانت أم الطفل و مكثت فى الحكم خمس عشرة سنة. و أخذ العرب يقصدون بخارى فى عهدها، فكانت الخاتون فى كل مرة تعقد الصلح معهم و تعطيهم المال.

و يقال إنه لم يكن فى عصر من العصور من هو أصوب رأيا منها، فكانت تحكم بصائب الرأى و ينقاد لها الناس. و كان من عادتها أن تخرج كل يوم من حصن بخارى على ظهر جوادها و تقف على باب «ريكستان» و قد سمى هذا الباب بباب العلافين (دروازه علف فروشان) حيث كانت تجلس على تخت و أمامها الغلمان و الخصيان و الأشراف و الحشم.

و كانت قد فرضت على أهل الرستاق أن يجى‏ء لخدمتها مائتا شاب من الدهاقين و الأمراء متمنطقين بمناطق ذهبية و يحملون السيوف و يقفون من بعيد، و عند خروج الخاتون كانوا يحيونها و يقفون فى صفين و هى تنظر فى أمور المملكة و تأمر و تنهى و تخلع على من تريد و تعاقب من تريد و تظل هكذا من الصباح إلى الضحى ثم تعود إلى الحصن و ترسل الموائد و تطعم جميع الخدم و الحشم.

و عند ما يأتى المساء كانت تخرج على هذه الصورة و تجلس على التخت و قد اصطف أمامها الدهاقين و الأمراء فى صفين للتحية، و ذلك إلى غروب الشمس و حينئذ تقوم و تركب و تذهب إلى القصر، و يذهب هؤلاء إلى موطنهم فى الرستاق.

و فى اليوم التالى يأتى قوم آخرون للخدمة بنفس الطريقة و هكذا دواليك حتى تأتى‏

____________

(1) بخار خداة: لقب ملوك بخارى.

24

النوبة على هؤلاء القوم (ثانية)، و كان يتحتم على كل منهم أن يجى‏ء فى العام أربعة أيام على هذا المنوال.

فلما توفيت هذه الخاتون كان ابنها «طغشادة» قد كبر و استأهل الملك بينما كان الكل يطمع فى هذا الملك.

و قد كان ثمة وزير أصله من التركستان يسمى «وردان خداة» و كانت له إمرة «وردانة» و قد خاض معه قتيبة (1) حروبا كثيرة إلى أن مات «وردان خداة» هذا، و استولى قتيبة على بخارى بعد أن أخرج «وردان خداة» مرارا من هذه الولاية حتى هرب إلى التركستان. فأعطى قتيبة بخارى لطغشادة ثانية و أجلسه على العرش و صفا له الملك و كف عنه أيدى جميع أعدائه.

و كان «طغشادة» قد أسلم على يد قتيبة و ظل يحكم بخارى طيلة حياة قتيبة، كما بقى ملك بخارى فى يده بعد قتيبة فى عهد نصر بن سيار. فملك بخارى اثنين و ثلاثين عاما، و أنجب طغشادة و هو فى الإسلام ولدا أسماه قتيبة محبة فى قتيبة بن مسلم، فأجلس قتيبة هذا على عرش والده و بقى على الإسلام مدة إلى أن ارتد فى زمان أبى مسلم (رحمه اللّه)، فعلم أبو مسلم بذلك و قتله و أهلك أخاه كذلك مع أهله، و بعد ذلك صار «بنيات بن طغشادة» ملكا على بخارى و كان قد ولد فى الإسلام و ظل عليه مدة. فلما ظهر «المقنع» و ظهرت فتنة المبيّضة أى ذوى الأردية البيضاء (سپيدجا مكان) فى رستاق بخارى مال إليهم «بنيات» و أعامهم حتى طالت أيديهم و تغلبوا، فأخبر صاحب البريد الخليفة، و كان الخليفة إذ ذاك «المهدى». و لما فرغ المهدى من أمر المقنع و المبيضة أرسل الفرسان، و كان بنيات جالسا فى قصر «فرخشى» يحتسى الشراب فى المجلس و ينظر من الشرفة، فرأى الفرسان قادمين من بعيد، فأدرك بالفراسة على الفور أنهم من قبل الخليفة، و بينا كان يتدبر الأمر إذ بهم و صلوا و سلوا السيوف دون أن يتكلموا و ضربوا رأسه و ذلك‏

____________

(1) أى القائد العربى الأمير قتيبة بن مسلم الباهلى، استشهد سنة 96 ه (714 م)، انظر تعليقنا عليه بصفحة 69 حاشية 1.

25

فى عام مائة و ستة و ستين من الهجرة 782 م و فر قومه كلهم و عاد هؤلاء الفرسان أجمعين.

و عند ما قتل أبو مسلم‏ (1) قتيبة بن طغشادة بسبب ارتداده عن الإسلام و قتل كذلك أخاه و أهل بيته، أعطى ضياعه و مستغلاته لبنيات بن طغشادة الذى ظلت معه حتى عصر الأمير إسماعيل السامانى.

فلما ارتد بنيات و قتل، ظلت تلك الضياع فى يد أولاد بخار خداة. و كان آخر من خرجت من يده هذه الأملاك‏ (2) هو أبو إسحق إبرهيم بن خالد بن بنيات.

و كان إبرهيم يقيم فى بخارى و الأملاك فى يده و يرسل كل عام بالخراج و الغلات من ناحية ما وراء النهر (3) إلى أخيه نصر ليبعث بها إلى أمير المؤمنين المقتدر (4).

____________

(1) هو أبو مسلم (عبد اللّه بن مسلم) الخراسانى (108- 137 ه./ 726- 755 م.) من أعظم دعاة العباسية و قادتهم، اختلف فى نسبه و أصله و حقيقته، و يبدو أنه كان مولى فارسيا (خراسانيا). أدخله فى خدمته الإمام إبرهيم بن محمد بن على العباسى و كناه بأبى مسلم و ندبه للدعوة للعباسيين فى خراسان، فأظهر قدرة فائقة و استغل تذمر الموالى و انقسام العرب القبلى و منازعاتهم و انتشار العقائد المتطرفة، فجمع جمهورا كبيرا من خراسان و بلاد ما وراء النهر و استولى على مرو سنة 747 م. (130 ه) و على نيسابور فى السنة التالية و دخل الكوفة سنة 749 م (132 ه) حيث بويع السفاح خليفة سنة 750 م.

(133 ه.) و عظم مركز أبى مسلم بنجاحه، فرأى فيه المنصور العباسى خطرا عليه فقتله سنة 755 م.

(137 ه.). [قاموس الأعلام، و الموسوعة العربية الميسرة]

(2) وردت بالنص كلمة «مملكت» بمعنى الأملاك و الملك بكسر الميم كما يستفاد من السياق.

(3) ماوراء النهر (- پاردريا(Par -Daria) ، ترانسوكسيانا(Trans Oxiane) اسم أطلق على الولايات الواقعة شمال مجرى نهر جيحون‏(Oxus) و تشتمل على السغد (الصغد) و فرغانة و الشاش (چاچ) و أشر و سنة و غيرها من الولايات و المدن و هى جزء من التركستان الغربية يضم جمهورية أوزبيكستان و جمهورية تاجيكستان الحالية و قد وصفها الجغرافيون العرب بالجمال و خصوبة الأراضى و قال بعضهم إنها جنة اللّه على الأرض، كما أشادوا بكرم أهلها و خدماتهم التى قدموها للإسلام و العلم. يقول ياقوت فى معجم البلدان ج 7 ص 370- 373 فى تحديد موقعها «يراد به ماوراء نهر جيحون بخراسان، فما كان فى شرقيه يقال له بلاد الهياطلة و فى الإسلام سموه ماوراء النهر، و ما كان غربيه فهو خراسان و خوارزم.

و قد تم فتح ماوراء النهر على يد العرب فى القرن الأول الهجرى، فأسلم أهلها عن يقين و إيمان ثم جاهدوا فى سبيل اللّه و الدين و قدم علماؤهم خدمات علمية جليلة.

(4) المقتدر باللّه جعفر بن المعتضد بن الموفق بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد- الخليفة الثامن عشر من خلفاء العباسيين (282- 320 ه./ 895- 932 م).

26

و قد انتزع الأمير إسماعيل السامانى هذه الضياع و المستغلات من يده لأن أحمد بن محمد الليث الذى كان صاحب الشرطة قال ذات يوم للأمير:

أيها الأمير- ممن آلت هذه الضياع بهذا الحسن و كثرة الغلات إلى أبى إسحق؟

فقال الأمير إسماعيل السامانى: إن هذه الضياع ليست ملكه بل هى أملاك سلطانية. فقال أحمد بن محمد الليث: إنها أملاكهم و لكن الخليفة انتزعها من أيديهم بسبب ردة أبيهم و صيرها ملك بيت المال، ثم عاد فأعطاها له على سبيل الأجر و الجامكية و هو لا يقوم بالخدمة كما يجب و يرى هذه الضياع ملكا له.

و بينما كانوا فى هذا الحديث إذ دخل أبو إسحق بن إبرهيم، فقال له الأمير إسماعيل السامانى: يا أبا إسحق- ما مقدار ما يعود عليك كل عام من الغلة من هذه الضياع؟. فقال أبو إسحق: تغل كل عام عشرين ألف درهم بعد كثير من التعب و التكلف. فأمر الأمير إسماعيل أحمد بن محمد الليث قائلا: خذ هذا الموضع و قل لأبى الحسن العارض أن يعطيه كل عام عشرين ألف درهم. و بهذا خرجت هذه الضياع من يده و لم تعد إليه.

و قد توفى أبو إسحق سنة إحدى و ثلثمائة (923 م) و بقى أولاده فى قريتى «سفنة» و «سيونج».

27

ذكر بخارى و ملحقاتها

ذكر أبو الحسن النيسابورى فى كتابه «خزائن العلوم» أن مدينة بخارى من جملة مدن خراسان‏ (1)، و لو أن نهر جيحون‏ (2) يقع بينهما. و «كرمينة» (3) من رساتيق بخارى و ماؤها من ماء بخارى و خراجها من خراج بخارى و لها رستاق على حدة، و بها مسجد جامع، و قد كان فيها أدباء و شعراء كثيرون، و قد سميت «كرمينة» قديما ب «بادية خردك» و من بخارى إلى كرمينة أربعة عشر فرسخا.

و «نور» مكان عظيم و فيها مسجد جامع و أربطة كثيرة، و يذهب إليها كل عام أهل بخارى و الأماكن الأخرى للزيارة.

و يغالى أهل بخارى فى هذا الأمر فيرون أن من يذهب لزيارة «نور» تكون له فضيلة الحج، و حينما يعود يزينون له المدينة بالأقواس لعودته من ذلك المكان المبارك.

و تسمى «نور» هذه فى الولايات الأخرى بنور بخارى و قد دفن فيها كثير من التابعين، رضى اللّه عنهم أجمعين إلى يوم الدين.

ثم «طوايسة» (4) و اسمها «أرقود» و كان بها قوم منعمون مترفون، و فى بيت كل منهم طاووس أو طاووسان من باب الترف، و لم يكن العرب قد رأوا الطاووس‏

____________

(1) انظر حاشية ص 17.

(2) جيحون: بالفتح و هو اسم أعجمى ... و قال حمزة أصل اسم جيحون بالفارسية حرون و هو اسم وادى خراسان على وسط مدينة يقال لها «جيهان» فنسبه الناس إليها و قالوا «جيحون» على عادتهم فى قلب الألفاظ [ياقوت: معجم البلدان ج 3 ص 187- 188]. و عرف نهر جيحون باسم‏(Oxus) أوكسوس لدى الفرنجة كما يسمى الآن «آمودريا» أى نهر آمو.

(3) كرمينية: بالفتح ثم السكون و كسر الميم و ياء مثناه من تحت ساكنه و نون مكسورة و ياء أخرى مفتوحة خفيفة- و هى بلدة من نواحى الصغد كثيرة الأشجار و الثمار بين سمرقند و بخارى، بينها و بين بخارى ثمانية عشر فرسخا. [ياقوت: معجم البلدان ج 7 ص 245]

(4) فى نسخة مدرس رضوى (طوايس) و ذكر فى حاشيتها أن ياقوت و السمعانى كلاهما ضبطاها (طواويس) جمع طاوس طبق القاعدة العربية. [انظر معجم البلدان ج 6 ص 66].

28

قبل ذلك، فلما رأوا هنالك طواويس كثيرة، سموا تلك القرية بذات الطوايس (الطواويس)، و قد زال اسمها الأصلى و تركوا بعد ذلك كلمة «ذات» أيضا و قالوا «طوايس». و فيها مسجد جامع و لها سور عظيم، و فى قديم الأيام كانت هناك سوق من تقاليدها أن تباع بها سنويّا لمدة عشرة أيام من فصل الخريف بقايا السلع المعيبة من رقيق و دواب و غير ذلك من متخلفات معيبة أخرى، و لم يكن فى الإمكان ردها ثانية أو قبول أى شرط للبائع و المشترى. و كان يحضر هذه السوق أكثر من عشرة آلاف من التجار و أصحاب الحوائج من «فرغانة» (1) و «الشاش» (2) و أماكن أخرى، و يعودون بأرباح طائلة. و لهذا كان أهل هذه القرية أغنياء، و لم تكن الزراعة سبب غناهم. و هى تقع على الطريق الرئيسى إلى سمرقند و تبعد عن بخارى سبعة فراسخ.

«اسكجكت» (3): لها خندق عظيم و كان بها قوم أغنياء، و لم تكن الزراعة مصدر ثرائهم، لأن ضياع تلك القرية من خربة و معمورة تبلغ ألف «جفت» (4)

____________

(1) فرغانه‏(Farghana) : ولاية كبيرة فى التركستان كانت عاصمتها مدينة «خوقند» و كانت تابعة لخانات خوقند قبل استيلاء الروس عليها، و هى الآن أهم مقاطعة فى جمهورية أوزبيكستان. و كانت فرغانة مسقط رأس علماء أجلاء فى الإسلام مثل أحمد بن كثير الفرغانى الذى يعرف لدى الأوربيين باسم‏(Al -Fragan ,Alfraganius) عاش الفرغانى فى عهد الخليفة المتوكل (232- 247 ه./ 846- 861 م.) فى بغداد و له أثر خالد فى علم الهيئة و هو الذى أنشأ المقياس الجديد للنيل فى مصر (انظر معجم البلدان ج 6 ص 364 و قاموس الأعلام ج 5).

(2) الشاش‏(Schach) أو «چاچ»(Tchatch) - هى فى الأغلب مدينة طشقند فى التركستان الغربية كما يفهم من وصف الجغرافيين العرب و كانت مسقط رأس علماء أجلاء منهم: أبو بكر محمد بن على ابن إسماعيل القفال الشاشى المتوفى 366 ه. (976 م) [معجم البلدان ج 5 ص 212- 214].

و مدينة طشقند الآن عاصمة لجمهورية أوزبيكستان السوفييتية، و هى تقع على نهر چرچق‏(Tchirtchik) (نهر الشاس القديمة) من رواند سيردريا (سيحون).

(3) ذكر مدرس رضوى فى حاشية ص 15 نقلا عن كتاب الأنساب للسمعانى: «سكجكث» بكسر السين المهملة و الجيم بين الكافين الأولى مكسورة و الثانية مفتوحة و فى آخرها ثاء مثلثة قرية على بعد أربعة فراسخ من بخارى على طريق سمرقند،

(4) بالتركية «چفت» و تنطق تشفت‏(Tcheft) و من معانيها بالتركية مزرعة و كانت تسمى قديما بمصر «شفلك» و تجمع على «شفالك»، و عرفت فيما بعد بالتفتيش أى المزرعة أو الضيعة. و هى هنا «وحدة مساحية» انظر حاشية 4 ص 50.

29

و كان كل أهلها تجارا و يكثر بها «الكرباس» (1).

و كانت تقام بها السوق كل يوم خميس، و تلك القرية من جملة الأملاك السلطانية الخاصة (2) و كان أبو أحمد الموفق باللّه قد أقطع تلك القرية محمد ابن طاهر أمير خراسان ثم باعها إلى سهل بن أحمد الداغونى البخارى و أخذ الثمن، و بنى (الداغونى) فيها حماما و قصرا عظيما فى زاوية على ضفاف النهر و ظلت بقية ذلك القصر إلى زماننا، و يسمى بقصر الداغونى، و قد هدمت مياه النهر ذلك القصر.

و كان لسهل بن أحمد الداغونى هذا أتاوة عل أهل «أسكجكت» مقدارها عشرة آلاف درهم سنويّا مقسمة على بيوتها، و قد منعت الأتاوة من هذه القرية لمدة سنتين أو ثلاث، فرجعوا إلى السلطان و طلبوا منه العون، و أخرج ورثة سهل ابن أحمد قبالة (3) فى أيام (الأمير) إسماعيل السامانى، فرأى القبالة صحيحة، و لكن الخصومة كانت قد طال بها العهد، فتوسط سادة المدينة و صالحوا أهل القرية و ورثة الداغونى على مائة و سبعين ألف درهم. و قد اشترى أهل هذه القرية قريتهم هذه، فرفعت عنهم تلك الإتاوة، و دفعوا ذلك المال. و لم يكن بهذه القرية مسجد جامع قط حتى كان فى أيام الملك شمس الملك نصر بن إبرهيم بن طمغاج خان، سيد من أهل هذه القرية يقال له «خوان سالار» (4) و كان رجلا محتشما كثير العشيرة و من جملة عمال السلطان، فبنى مسجدا جامعا فى غاية الرواء من خالص ماله، و أنفق عليه مالا طائلا و أقام به صلاة الجمعة.

يقول أحمد بن محمد بن نصر: أخبرنى خطيب «شرغ» أنهم لم يقيموا فى ذلك المسجد الجامع غير صلاة جمعة واحدة، و لم يسمح أئمة بخارى بعد ذلك و لم يجيزوا

____________

(1) الكرباس نوع من القماش الخشن المنسوج من القطن كالدمور.

(2) فى نسخة مدرس رضوى: و آن ديهه أزحمله خاصه مملكه سلطان نيست و المعنى: و تلك القرية ليست من جملة أملاك السلطان الخاصة.

(3) قباله- وثيقة.

(4) هذه الكلمة تقرأ «خان سالار».

30

أن تقام هنالك صلاة جمعة، و قد تعطل هذا المسجد الجامع إلى أن صار «قدر خان جبرئيل بن عمر بن طغرل خان» أميرا على بخارى و كان اسمه طغرل بيك و لقبه كولارتكين، فاشترى أخشاب ذلك المسجد من ورثة «خوان سالار» و هدمه و جاء بالأخشاب إلى مدينة بخارى، و بنى مدرسة بقرب سويقة البقالين (چوبه بقالان) استخدم فيها تلك الأخشاب و أنفق مالا لا حد له، و تسمى تلك المدرسة بمدرسة كولارتكين و بها تربة الأمير.

و «شرغ» (1) تقع مقابل «اسكجكت» و لا يوجد بينهما أى بستان أو أرض خالية سوى نهر عظيم يقال له نهر «سامجن» و يسمى اليوم نهر «شرغ» و يسميه بعض الناس «حرام كام». و كان على هذا النهر جسر عظيم بين كلا القريتين.

و لم يكن فى «شرغ» هذه فى أى وقت مسجد جامع، و قد بنى ذلك الجسر بغاية الإحكام من الآجر فى أيام أرسلان خان محمد بن سليمان بناء على أمره و بنوا مسجدا جامعا من ماله الخاص، و قد أمر ببناء رباط للغرباء بجانب «اسكجكت». و لهذه القرية قلعة كبيرة يمكن أن تقارن بمدينة لعظمتها. و قد ذكر محمد بن جعفر أنه كان لهم قديما سوق و كانوا يجيئون كل سنة من الولايات البعيدة و يتاجرون و يبيعون عشرة أيام وسط الشتاء، و كان أكثر ما ينتج هناك الحلوى المحشوة المصنوعة من الدوشاب‏ (2) و القنطارى‏ (3) و الأخشاب و السمك المملح و الطازج و فراء الخراف و الحملان. و كانت التجارة رائجة و أما اليوم فى زماننا فتقام السوق كل يوم جمعة و يقصدها التجار من المدينة و نواحيها. و من حاصلات تلك القرية التى يحملها التجار اليوم إلى الولايات الروى‏ (4) و الكرباس‏ (5).

____________

(1) شرغ: بفتح أوله و سكون ثانيه و غين معجمة، و هو تعريب «چرغ» و هى قرية كبيرة قرب بخارى ينسب إليها قوم من أهل العلم قديما و حديثا. [ياقوت معجم البلدان ج 5 ص 253]

(2) الدوشاب هو الرب، و الرب عصارة التمر المطبوخة و ما يطبخ من التمر و العنب.

(3) القنطارى أو القنطاريون حشيشة مرة الطعم مقوية للمعدة و هى من الدخيل [المنجد].

(4) الروى: نوع من الفلزات الصلبة أبيض يميل إلى الزرقة و يصهر مع غيره من المعادن فى الصناعة [برهان قاطع‏].

(5) نوع من النسيج القطنى الخشن يشبه الدمور.

31

و روى محمد بن جعفر، أن الأمير إسماعيل السامانى (رحمه اللّه) اشترى هذه القرية و جميع ضياعها و عقاراتها و أوقفها كلها على رباط كان قد بناه بباب سمرقند داخل مدينة بخارى، و ذلك الرباط و تلك الأوقاف أيضا غير موجودة اليوم. و كانت شرغ و اسكجكت هاتان أجمل قرى بخارى حماها اللّه تعالى.

«زندنه‏ (1)»: بها حصن كبير و أسواق كثيرة و مسجد جامع، و هناك تؤدى الصلاة و تقام السوق كل يوم جمعة و ما ينتج بها يقال له ال «زندنيجى» و هو الكرباس أى من قرية زندنة، و هو جيد و موفور أيضا و ينسج ذلك الكرباس فى كثير من قرى بخارى و يسمى الزندنيجى أيضا لأنه ظهر أول الأمر فى تلك القرية. و يحمل من ذلك الكرباس إلى جميع الولايات مثل العراق و فارس و كرمان‏ (2) و الهند و غيرها و يتخذ منه جميع العظماء و الملوك ثيابا و يشترونه بثمن الديباج، عمرها اللّه.

«وردانه» (3): قرية كبيرة ذات قلعة و سور عظيم و متين، و كانت منذ القدم مقر الملوك و ليس فيها الآن مقر الملك، و هى أقدم من مدينة بخارى، بناها الملك شاهپور، و هى حد التركستان. و كانت تقام هناك سوق يوما فى كل أسبوع و كانت التجارة فيها رائجة، و من حاصلانها الزندنيجى الجيد.

«أفشنه» (4) لها قلعة كبيرة و سور محكم و تتبعها عدة نواح، و يقام بها السوق‏

____________

(1) زندنه: بفتح أوله و سكون ثانيه و دال مهملة مفتوحة و نون. قرية كبيرة من قرى بخارى بماوراء النهر بينها و بين بخارى أربعة فراسخ فى شمال المدينة ... و إلى هذه القرية تنسب الثياب الزندنيجية بزيادة الجيم و هى ثياب مشهورة. [ياقوت: معجم البلدان ج 4 ص 410].

(2) كرمان، بالفتح ثم السكون و آخره نون و ربما كسرت و الفتح أشهر و أصح، ولاية كبيرة فى جنوب شرق إيران، تحدها غربا فارس و شمالا عراق العجم و خراسان و شرقا سيستان و بلوچستان و جنوبا بحر فارس و خليج هرمز و بحر عمان (ش. سامى: قاموس الأعلام ج 5 ص 3848) و انظر معجم البلدان ج 7 ص 241- 244.

(3) وردانه: من قرى بخارى، كذا ضبطه العمرانى و حققه أبو سعيد، و ينسب إليها إدريس بن عبد العزيز الوردانى، يروى عن عيسى بن غنجار و غيره، روى عنه ابنه أبو عمرو. [ياقوت: معجم البلدان ج 8 ص 414].

(4) أفشنه: بفتح الهمزة و سكون الفاء و الشين معجمة مفتوحة و نون و هاء: من قرى بخارى.

[ياقوت: معجم البلدان ج 1 ص 305]

32

يوما فى كل أسبوع، و ضياع و فلوات هذه القرية وقف على طلاب العلم، و قد بنى قتيبة بن مسلم هنالك مسجدا جامعا، كما بنى محمد بن واسع أيضا مسجدا، و الدعاء فيه مستجاب و يقصده الناس من المدينة و يتبركون به.

«بركد» (1): قرية قديمة و كبيرة و لها حصن عظيم و تسمى هذه القرية «بركد علويان» لأن الأمير إسماعيل السامانى اشتراها و أوقف عشر حصص‏ (2) منها على العلويين و حصتين على دراويش بخارى و حصتين على ورثته.

«راميتن» (3): ذات حصن كبير و هى قرية محكمة أقدم من مدينة بخارى، و قد سميت هذه القرية فى بعض الكتب بخارى، و هى مقام الملوك من قديم الزمان، و بعد أن أصبحت بخارى مدينة كان الملوك يشتون فى هذه القرية و ظلت كذلك فى الإسلام. و حين وصل أبو مسلم (رحمه اللّه) إلى بخارى أقام بهذه القرية، و قد بناها أفراسياب‏ (4)، و كان أفراسياب لا يقيم بمكان آخر غير هذه القرية حين كان يأتى إلى هذه الولاية. و قد ذكر فى كتب الفرس أنه عاش ألفى سنة، و كان رجلا ساحرا من أبناء الملك نوح، و قد قتل صهره سياوش‏ (5)، و كان لسياوش ابن يسمى‏

____________

(1) بركد: «بفتح الباء و سكون الراء و فتح الكاف و فى آخرها دال، قرية من قرى بخارى» [السمعانى:

كتاب الأنساب‏]. «من قرى بخارى ... ينسب إليها أبو جعفر محمد بن أحمد بن موسى بن سلام البركدى القاضى مات فى ذى الحجة سنة تسع و ثمانين و ثلاثمائة» (998 ه). [ياقوت 1 معجم البلدان ح 2 ص 149].

(2) فى نسخة مدرس رضوى «دودانك» أى حصتان أو سهمان.

(3) راميتن: هكذا فى النسختين و لكن ياقوت ذكرها هكذا:

راميثن- بكسر الميم و سكون الياء و ثاء مثلثة و آخره نون، قرية ببخارى ... ينسب إليها روح بن المستنير أبو إبرهيم الراميثنى البخارى. [معجم البلدان ج 4 ص 213]

(4) أفراسياب هو ملك الترك و بطلهم فى الشاهنامة و قد خاض عدة حروب ضد الإيرانيين و حارب رستم البطل الإيرانى و أكبر أبطال الشاهنامة مرات هزم فيها جميعا و قتل آخر الأمر على يد رستم فى عهد الملك كيخسرو ابن سياوش.

(5) سياوش و سياوخش: ابن الملك الأسطورى كيكاوس ملك إيران و قد أحبته سودابة زوج أبيه و راودته فأبى و كادت له و ثبتت براءته و ذات يوم غضب من أبيه كيكاوس و لجأ إلى أفراسياب ملك الترك فرحب به و زوجه ابنته فرنكيس أو فركيس ثم فسد ما بينهما بسعاية أخى أفراسياب فقتله.

33

قبر تيمور (قبر أمير) بمدينة سمرقند

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

كيخسرو و قد قدم هذه الولاية فى عسكر عظيم طلبا لثأر والده، و قد أحاط أفراسياب قرية راميتن هذه بسور و رابط كيخسرو بعسكره حول هذا السور سنتين و بنى إزاءها قرية و سمى تلك القرية «رامش» (1) و سميت رامش لطيبها. و ما تزال هذه القرية حتى الآن معمورة. و بنى فى قرية رامش بيت نار يقول المجوس إنه أقدم من بيت نار بخارى. و قد قبض كيخسرو بعد عامين على أفراسياب و قتله.

و قبر أفراسياب فى مدخل مدينة بخارى بباب المعبد فوق ذلك التل الكبير المتصل بتل السيد الإمام أبى حفص الكبير (رحمه اللّه). و لأهل بخارى فى مقتل سياوش أغان عجيبة و يسميها المطربون ثأرسياوش‏ (2). و يقول محمد بن جعفر إنه مضت ثلاثة آلاف سنة من هذا التاريخ. و اللّه أعلم.

«ورخشه» (3): من جملة القرى الكبيرة، و كانت مثل بخارى و أقدم منها و قد كتب فى بعض النسخ «رجفندون» بدل «ورخشه» و كانت مقر الملوك و ذات سور محكم، و قد حاصرها الملوك مرات، و كان لها ربض مثل ربض مدينة بخارى، و لرجفندون أو ورخشة اثنا عشر جدولا هى فى داخل سور بخارى و كان بها قصر عامر يضرب به المثل فى حسنه و قد بناه بخار خداة (4)، و قد مضى على بناء ذلك القصر أكثر من ألف سنة و كان قد تخرب و تعطل سنين طويلة ثم عمره «خنك خداة» ثم تخرب، ثم عمره بنيات بن طغشادة بخار خداة فى الإسلام و جعله مقرّا له حتى قتل فيه.

و قد دعى الأمير إسماعيل السامانى (رحمه اللّه تعالى) أهالى تلك القرية و قال لهم:

____________

(1) رامش معناها الراحة و الهدوء أو الاستقرار.

(2) «كين سياوش».

(3) و رخشه ذكرت أيضا على شكل فرخشه، و رخشى، برخشى و كما ذكرها الإصطخرى هى أول منزل ينزل فيه المسافر عند ما يريد السفر من بخارى إلى خوارزم. [معجم البلدان ج 8 ص 338].

أما ژ. ژ. پ ديميزون‏(J .J .P .Desmaisons) فقد أوردها فى المجلد الرابع من معجمه‏» Dictionnaire Persan -Francais «ص 202 نقلا عن فرهنك شعورى كالآتى: و رخش‏(Varkhach) اسم مدينة بولاية بلخ.

(4) لقب ملوك بخارى.

36

إنى أعطيكم عشرين ألف درهم و أخشابا و أهدمه، و بعض العمارة قائم فاجعلوا أنتم هذا القصر مسجدا جامعا، فلم يقبل أهالى تلك القرية و قالوا: لا يستقيم بناء مسجد جامع فى قريتنا و لا يجوز، و كان هذا القصر قائما حتى عصر الأمير أحمد بن نوح ابن نصر السامانى. فأتى بأخشاب هذا القصر إلى المدينة و اشتغل بتعمير بيته الذى كان على باب سور بخارى. و لهذه القرية سوق كل خمسة عشر يوما و حين يكون السوق آخر العام يجعلونه عشرين يوما، و فى اليوم الحادى رالعشرين يحتفلون ب «النوروز» (1) و يسمونه نوروز الفلاحين و لذلك يحافظ فلاحو بخارى على حسبانه و يعتمدون عليه، و يقع نوروز المجوس بعده بخمسة أيام.

و اعتبرت «بيكند» (2) من جملة المدن و لم يرض أهل بيكند بأن يسمى أحد بيكند قرية، و إذا ذهب أحد أهل بيكند إلى بغداد و سئل من أين أنت؟ قال من بيكند. و لا يقول بخارى. و هى ذات مسجد جامع كبير و أبنية عالية. و كان على بابها أربطة كثيرة حتى سنة أربعين و مائتين (854 م). و قد روى محمد ابن جعفر فى كتابه أنه كان لبيكند أكثر من ألف رباط بتعداد قرى بخارى، و كان سبب ذلك أن بيكند مكان عظيم جميل، و قد بنى أهل كل قرية هناك رباطا و أقاموا به جماعة و بعثوا بنفقاتهم من القرية.

و فى فصل الشتاء و هو وقت غلبة الكفار، كان يتجمع هنالك من كل قرية جمع غفير للغزو، و ينزل كل قوم برباطهم، و كان أهل بيكند جميعا تجارا يتجرون مع الصين و يركبون البحر و كانوا أغنياء جدّا و قد لقى قتيبة بن مسلم عنتا

____________

(1) نوروز- كلمة فارسية معناها اليوم الجديد و تطلق على أكبر أعياد الفرس و هو عيد الربيع و يبدأ مع بداية السنة الفارسية الشمسية و أولها شهر «فروردين» و قد سن سنة هذا العيد الملك الأسطورى جمشيد الذى يشبه فى الأساطير الفارسية من وجوه كثيرة سليمان (عليه السلام) من حيث بسطة الملك و سلطانه على الإنس و الجن و الثراء العريض. و تقول الأسطورة إن هذا الملك فسق فى أخريات أيامه عن أمر ربه وادعى الربوبية فسلط اللّه عليه الضحاك الحميرى فقتله و استولى على ملكه ألف عام.

(2) بيكند- بالكسر و فتح الكاف و سكون النون، بلدة بين بخارى و جيحون على بعد 44 كيلومترا من بخارى. كانت عاصمة لماوراء النهر فترة من الزمن [ش. سامى: قاموس الأعلام ج 3 ص 1443].

و هكذا فى معجم البلدان ج 2 ص 339.

37

شديدا فى الاستيلاء عليها لأنها كانت فى غاية الحصانة، و كانت تسمى «المدينة الصفرية» (1). و هى أقدم من مدينة بخارى، و قد اتخذها كل ملك فى هذه الولاية مقاما له. و بين فرب‏ (2) و بيكند بيداء رملية تمتد اثنى عشر فرسخا، و قد عمر أرسلان خان محمد بن سليمان فى أيامه بيكند و جمع فيها الناس، و بنوا عمارات جميلة. و بنى الخاقان لنفسه دارا بالغة التكاليف يمر بها نهر «حرام كام» و يتصل ببيكند مقاصب‏ (3) و مستنقعات عظيمة يقال لها «باركين فراخ» (4) و تسمى أيضا «قراكول» (5) و قد سمعت من رجال موثقين أن مساحتها عشرون فرسخا.

و روى فى كتاب المسالك و الممالك أنها تسمى «بحيرة سامجن» و يتجمع هنالك فائض نهر بخارى‏ (6) و يوجد بها حيوانات مائية و لا يحصل من خراسان على كل هذا القدر من الطيور و السمك الذى يحصل عليه هنالك. و أمر أرسلان خان بحفر ترعة على حدة لبيكند بحيث يصل ماؤها إلى عين عماراتها، لأن ماء «حرام كام» كان يصل حينا و حينا لا يصل.

و تقع بيكند على جبل و لكنه قليل الارتفاع، و أمر الخاقان بحفر ترعة فى الجبل، و قد بدا الصخر فى غاية الاندماج بحيث لم توجد فيه ثغرة و حاروا فى هذا الأمر و بذلوا مقادير عظيمة من الزيت و الخل ليلين الصخر، فلم يستطيعوا حفر أكثر من فرسخ واحد و هلك خلق كثيرون، فانصرفوا عن ذلك بعد بذل الكثير من الجهد و المال، و ستذكر قصة فتح بيكند فى مكانها.

____________

(1) شهرستان رويين ...

(2) انظر تعليقنا عليها فى حاشية 1. ص 21

(3) جمع مقصبة و هى منبت القصب و تسمى قصباء كذلك.

(4) باركين فى اللغة الفارسية مكان تجمع المياه، و فراخ بمعنى فسيح أى المكان الفسيح لتجمع المياه‏(Desmaisons :V .I ,P .032) .

(5) «قرا» باللغة التركية القديمة بمعنى أسود و «كول» بمعنى بحيرة، أى البحيرة السوداء. و هى (كما ذكرها شمس الدين سامى) بحيرة تقع فى إمارة بخارى فى جنوب غرب مدينة بخارى على بعد 30 كيلومترا من الساحل الشمالى لنهر جيحون و تتشكل من المياه الفائضة لنهر زرافشان (قاموس الأعلام ج 5 ص 3643)

(6) أى نهر زرافشان.

38

«فرب» (1) من جملة المدن و لها نواح على حدة، و بينها و بين شاطئ جيحون فرسخ واحد يصير نصف فرسخ حين يفيض الماء، و يحدث أحيانا أن يصل ماء جيحون إلى فرب. و لقرب مسجد جامع كبير بنيت جدرانه و سقفه من الآجر، بحيث لا يوجد فيه خشب قط، و كان بها أمير لا يضطر لأية حادثة إلى الذهاب إلى بخارى، و قاض يجرى الأحكام بظلم شدّاد (2).

و قرى بخارى كثيرة و هذه التى ذكرناها كانت أشهرها و أقدمها.

____________

(1) انظر تعليقنا عليها فى حاشية 01 ص 21.

(2) شداد بن عاد و كان مشهورا بالظلم.

39

ذكر بيت الطراز (1) الذى كان فى بخارى و ما يزال قائما

و كان ببخارى دار صناعة تقع بين السور و المدينة قرب المسجد الجامع، كانت تنسج بها البسط و السرادقات و اليزديات‏ (2) و الوسائد و سجاجيد الصلاة و البرود الفندقية من أجل الخليفة، و كان خراج بخارى ينفق على سرادق واحد، و فى كل عام كان يأتى من بغداد عامل خاص و يأخذ من هذه الثياب ما يقابل خراج بخارى. ثم حدث أن تعطلت هذه الدار و تفرق من كانوا يعملون بهذه الصناعة. و كان ببخارى صناع مهرة (أساتذة) مخصصين لهذا العمل، و كان التجار يأتون من الولايات و يحمل الناس من تلك الثياب، كما كانوا يحملون الزندنيجى إلى الشام و مصر و الروم، و لم تكن تنسج‏ (3) فى أية مدينة بخراسان. و العجيب أن بعض أهل تلك الصناعة ذهبوا إلى خراسان و أعدوا الآلات اللازمة لها و نسجوا تلك الثياب؛ فلم يكن لها ذلك الرواء. و لم يكن هناك ملك أو أمير أو رئيس أو صاحب منصب لا يوجد عنده شى‏ء منها، و كان منها الأحمر و الأبيض و الأخضر، و الزندنيجى اليوم أشهر تلك الثياب فى جميع الولايات.

____________

(1) يشبه ما يعرف الآن فى القاهرة بدار الكسوة التى تعد فيها أستار الكعبة.

(2) نوع من القماش الفاخر.

(3) فى نسخة شيفر: نبافتندى، أى لم تكن تنسج، و فى نسخة مدرس رضوى: نيافتندى، أى لم تكن توجد.

40

ذكر سوق ماخ‏

كان فى بخارى سوق تسمى «بازار ماخ روز» أى سوق ماخ روز و كانت تقام مرتين فى العام لمدة يوم واحد فى كل مرة، و فى كل مرة كان يباع بها من الأصنام ما تربو قيمته على خمسين ألف درهم فى اليوم الواحد. و روى محمد ابن جعفر فى كتابه «أن هذه السوق كانت موجودة فى أيامنا و كنت أعجب غاية العجب لأى شى‏ء أقاموها، فسألت المعمرين و مشايخ بخارى ما سبب هذا؟ فقالوا:

إن أهل بخارى كانوا قديما عبدة أوثان، فصارت هذه السوق تقليدا و منذ ذلك التاريخ تباع فيها الأصنام و هى ما تزال باقية للآن.

و ذكر أبو الحسن النيسابورى فى كتاب خزائن العلوم أنه كان فى قديم الزمان ملك فى بخارى اسمه «ماخ» و هو الذى أمر بإقامة هذه السوق، و أمر النجارين و النقاشين فكانوا ينحتون الأصنام من العام إلى العام و يحضرونها إلى هذه السوق فى اليوم المعين و يبيعونها و يشتريها الناس، و عند ما كان يضيع الصّنم أو يتحطم أو يتقادم كانوا يشترون غيره عند ما تقام السوق و يرمون ذلك القديم.

و حيث يوجد مسجد ماخ اليوم كانت توجد صحراء، على حافة النهر، و أشجار كثيرة كانت تقام فى ظلالها سوق يحضرها ذلك الملك و يجلس على التخت فى هذا الموضع الذى هو اليوم مسجد ماخ ليرغب الناس فى شراء الأصنام، و كان كل شخص يشترى لنفسه صنما و يحمله إلى بيته، ثم صار ذلك الموضع بيت نار.

و حين كان الناس يتجمعون يوم السوق كانوا يدخلون ذلك البيت و يعبدون النار، و كان بيت النار ذاك موجودا حتى الإسلام. فلما تقوى المسلمون بنوا ذلك المسجد مكانه و هو اليوم من مساجد بخارى الهامة.

41

ذكر أسامى بخارى‏

يقول أحمد بن محمد بن نصر إن أسماء بخارى كثيرة، و قد ذكرها فى كتابه باسم «نيمجكت» ثم رأيته عاد فذكرها فى موضع آخر باسم «بومسكت» (1) و قد كتب فى مكان آخر بالعربية المدينة الصفرية (شارستان رويين) و فى موضع آخر مدينة التجار (شهر بازركانان).

و اسم «بخارى» أشهر من كل ذلك و لا يوجد لأية مدينة بخراسان أسماء عديدة.

و ورد اسم بخارى فى حديث «الفاخرة». و قد روى الإمام الزاهد الواعظ محمد ابن على النوجاباذى‏ (2) حديثا عن سلمان الفارسى رضى اللّه عنه أنه قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إن جبريل (صلوات اللّه عليه) قال: بالمشرق بقعة يقال لها «خراسان» و ثلاث مدن خراسان هذه تزين يوم القيامة بالياقوت و المرجان و يصعد منها نور و يكون حول هذه المدن ملائكة كثيرة تسبح و تحمد و تكبر، و يؤتى بهذه المدن إلى العرصات بالعز و الدلال كالعروس التى تزف إلى بيت زوجها، و يكون لكل مدينة من هذه المدن سبعون ألف علم و تحت كل علم سبعون ألف شهيد، و بشفاعة كل شهيد ينجو سبعون ألف موحد من المتكلمين بالفارسية، و بكل ناحية من هذه المدن عن اليمين و اليسار و من الأمام و الخلف طريق طولها عشرة أيام كلها يوم القيامة شهداء.

و قال حضرة الرسول (صلى اللّه عليه و سلم): يا جبريل: اذكر اسم هذه المدن.

فقال جبريل (عليه السلام): واحدة من هذه المدن تسمى بالعربية «القاسمية» و بالفارسية «يشكرد» و تسمى الثانية بالعربية «سمران» و بالفارسية «سمرقند» و يقال‏

____________

(1) بومسكت، ذكرها ياقوت الحموى «بومجكت» و ذكرها الإصطخرى و ابن حوقل «نومجكت» أو «نموجكت» بالنون.

(2) نوجا باذى- بفتح النون و سكون الواو و فتح الجيم و باء موحدة بين ألفين و ذال معجمة و ياء نسبة إلى نوجا باذ من قرى بخارى [الأنساب‏].

42

للثالثة بالعربية «فاخرة» و بالفارسية «بخارى». فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

يا جبريل لم يسمونها فاخرة؟ فقال: لأن بخارى يوم القيامة تفخر على كل المدن بكثرة الشهداء. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «اللهم بارك فى فاخرة و طهر قلوبهم بالتقوى و زك أعمالهم و اجعلهم رحماء فى أمتى» (1). و من أجل هذا يشهد أهل المشرق و المغرب برحمة قلوب البخاريين و حسن اعتقادهم و طهرهم.

____________

(1) ظاهر من السياق أن هذا الحديث موضوع، و قد ورد فى الكتاب بالفارسية.

43

ذكر بناء قلعة (أرك) بخارى‏

يقول أحمد بن محمد بن نصر عن عجائبها إن أبا الحسن النيسابورى ذكر فى خزائن العلوم أن سبب بناء قهندز بخارى (أى قلعة أرك بخارى) أن سياوش بن كيكاوس فر من أبيه و عبر جيحون و جاء إلى أفراسياب فلاطفه أفراسياب و زوجه ابنته. و قيل إنه أعطاه جميع ملكه، فأراد سياوش أن يبقى منه أثر فى هذه الولاية، لأنها كانت عارية له، فبنى قلعة بخارى هذه. و كان يقيم بها فى أكثر الأوقات.

و قد و شى بينه و بين أفراسياب فقتله أفراسياب و دفن فى هذا الحصن أيضا بذلك الموضع الذى تدخل إليه من الباب الشرقى داخل باب باعة التبن و يسمى باب الغورية (دروازه غوريان). و لهذا السبب يجل مجوس بخارى هذا الموضع، و فى كل سنة ينحر كل رجل هنالك ديكا نذرا له قبل طلوع شمس النوروز. و لأهل بخارى فى مقتل سياوش نياحات معروفة فى جميع الولايات جعلها المطربون أناشيد ينشدونها، و يسميها القوالون نواح المجوس، و قد مضى على هذا الحديث أكثر من ثلاثة آلاف سنة. فهو الذى بنى هذه القلعة بناء على هذه الرواية.

و قد ذكر البعض أن أفراسياب هو الذى بناها و أنها تخربت و بقيت سنوات مخربة. فلما جلس بيدون بخار خداة على العرش، و كان زوج تلك الخاتون التى ذكرناها و أبا طغشادة أرسل شخصا عمر هذه القلعة.

و كان هو الذى عمر القصر و كتب اسمه على الحديد و ثبته على بابه. و بقيت هذه الكتابة الحديدية على باب القصر حتى أيام المترجم. و لكن أحمد بن محمد ابن نصر يقول: إنه لما دمرت هذه القلعة دمر ذلك الباب أيضا (1).

و قد روى أحمد بن محمد بن نصر و ذكر محمد بن جعفر و أبو الحسن النيسابورى أنه لما بنى بيدون بخار خداة هذا القصر، انهدم، فأعاد بناءه ثم انهدم، و كان‏

____________

(1) يبدو من عبارة الكتاب أنه كان هنالك قصر بداخل القلعة.

44

يبنيه مرارا ثم ينهدم، فجمعوا الحكماء و طلبوا تدبر الأمر، فصار الانفاق على أن يبنى هذا القصر على سبعة عمد حجرية على شكل بنات نعش‏ (1) التى فى السماء، فلم يهدم على تلك الصورة. و العجب الآخر هو أنه منذ بنى هذا القصر لم ينهزم فيه ملك، بل كان النصر حليفه. و العجيب أيضا هو أنه منذ بنى لم يمت فيه ملك قط لا فى الجاهلية و لا فى الإسلام، و حين كان يدنو أجل ملك من الملوك كان يعرض سبب، فيخرج منه و يتوفى فى مكان آخر. و ظل الحال على ذلك منذ بنائه حتى خرابه. و لهذه القلعة بابان شرقى و غربى. و يسمى الباب الشرقى بباب الغورية «دروازه غوريان) و الغربى باب الصحراء (در ريكستان) و قد سمى فى زمن المترجم باب العلافين (در علف فررشان). و كان فى وسط القلعة طريق يمتد من هذا الباب إلى ذاك. و كانت هذه القلعة مقر الملوك و الأمراء و القادة، كما كان يوجد بها السجن و الدواوين الملكية و القصر الملكى و بيت الحريم و الخزانة من قديم الزمان.

و قد تخربت هذه القلعة فى زمن المترجم و مضى على ذلك عدة سنوات. فأمر أرسلان خان بعمارتها و جعل مقره هنالك، و جعل أحد الأمراء الكبار مستحفظا لها ليحافظ عليها كما ينبغى. و كان لهذه القلعة حرمة عظيمة فى نظر الخلق. و عند ما بلغ خوارزمشاه بخارى فى شهور سنة أربع و ثلاثين و خمسمائة (1139 م) كان الأمير زنكى على، خليفة (2) و واليا على بخارى من قبل السلطان سنجر (3)، فقبض عليه و قتله و خرب القلعة، و بقيت خرابا أكثر من سنتين. و لما صار ألبتكين واليا على بخارى من قبل كورخان فى شهور سنة ست و ثلاثين و خمسمائة (1141 م) أمر فى هذه السنة بتعمير هذه القلعة و جعلها مقرّا له و صارت القلعة أحسن مما كانت. و فى شهر رمضان سنة ثمان و ثلاثين و خمسمائة (1143 م) جاء حشم الغزّ إلى بخارى و حوصر عين الدولة

____________

(1) بنات نعش: سبعة نجوم ترى فى السماء و تعرف بالدب الأكبر.

(2) هكذا فى الأصل و المراد هنا بكلمة خليفة النائب عن الملك أو السلطان.

(3) هو أبو الحارث معز الدين السلطان سنجر السلجوقى الملك السادس من ملوك السلجوقيين الذين حكموا فى إيران. جلس على العرش سنة 512 ه. (1118 م) و توفى سنة 552 ه (1157 م) بمرو حيث دفن هناك. [ش. سامى: قاموس الأعلام ج 4 ص 2654].

45

و قراچه بيك و الوزير شهاب، فكانت واقعة و محنة عظيمتين، و استولى حشم الغزّ على القلعة و قتلوا الوزير شهابا و خربوها و ظلت خرابا و حينما أرادوا فى شهور سنة ستين و خمسمائة (1164 م) إقامة ربض بخارى و كان من اللازم أن يكون أساس الربض من الآجر فككوا أساس القلعة و أبراجها التى كانت من الآجر و استخدموها فى بناء ربض بخارى فتخربت تلك القلعة كلية، و لم يبق من ذلك القصر أى بناء آخر أو أثر.

و فى شهور سنة أربع و ستمائة (1207 م) استولى خوارزمشاه محمد بن السلطان تكش على بخارى و عمر القلعة ثانيا و قهر الختا (1) ثم جاء عسكر التتار فى شهور سنة ست عشرة و ستمائة (1219 م) و كان أميرهم چنكيز خان‏ (2)، و حاربوا على باب القلعة اثنى عشر يوما و استولوا عليها و خربوها.

____________

(1) الختا- طائفة من طوائف المغول استولت على بلاد المغول و قسم من الصين فى القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) بقيادة «بوليجى آپو آكى» و أطلق اسم الختا على دولتهم الواسعة التى دامت مدة قرنين إلى أن تغلبت عليهم قبيلة «بوشى» من قبائل «مانچو». [ش. سامى: قاموس الأعلام ج 3 ص 2049].

(2) هذه الكلمة تنطق «تشنجيز» مع عدم تعطيش الجيم. و هو فاتح مغولى رهيب (1176- 1227 م) اسمه الأصلى تيموچين، عرف بلقب چنكيز خان بعد فتح منغوليا سنة 1206 م و تأسيس عاصمة له فى قراقورم، ثم هاجم إمبراطورية الشان شمالى الصين و استولى على غالبية أراضيها سنة 1215 م. و فتح التركستان و ماوراء النهر و أفغانستان بين سنتى 1218- 1224 م، كما أغار على فارس و الدول المجاورة لها- توفى أثناء حروبه ضد الشان و قسمت مملكته بين أولاده الثلاثة و بقيت إمبراطوريته إلى سنة 1368 م.

و من نسله تيمور لنك.

46

ذكر دور الملوك التى كانت ببخارى‏

المسافة من الباب الغربى لقلعة بخارى حتى باب المعبد و تسمى «ريكستان» أى الصحراء كانت توجد بها دور الملوك من قديم الزمان فى الجاهلية.

و فى زمان آل سامان أمر الأمير السعيد نصر بن أحمد بن إسماعيل السامانى، ببناء قصر فى ريكستان، فبنوا قصرا فى غاية الجمال و أنفق عليه مالا كثيرا و أمر بأن يبنى على باب قصره دار للعمال بحيث كان لكل عامل على حدة ديوان فى داره على باب قصر السلطان مثل ديوان الوزير و ديوان المستوفى و ديوان عميد السلطان و ديوان صاحب الشرطة و ديوان الصاحب المؤيد و ديوان الشرف و ديوان المملكة الخاص و ديوان المحتسب و ديوان الأوقاف و ديوان القضاء. فبنيت الدواوين بأمره على هذا الترتيب.

و فى زمان الأمير الرشيد (1) عبد الملك بن نوح بن نصر بن أحمد بن إسماعيل بنى وزيره أحمد بن الحسن العتبى (رحمه اللّه) مؤلف كتاب يمينى (تاريخ يمينى) و الذى قبره بمحلة باب منصور بجوار حمام الخان أمام المدرسة مسجدا فى غاية الجمال، فاكتسب ذلك الموضع كماله من المسجد. و لما سقط الأمير الموفق‏ (2) عن دابته و مات جاء الغلمان ليلا إلى السراى و أخذوا فى نهبها فقاومهم الخاصة و الجوارى و أضرموا النار فى السراى حتى احترقت كلها، و باد كل ما فيها من طرائف ذهبية و فضية بحيث لم يبق أثر من تلك الأبنية. و لما تربع الأمير السديد منصور بن نوح على العرش فى شهر شوال سنة ثلاثمائة و خمسين (961 م) بجوى موليان، أمر أن تعمر هذه القصور مرة أخرى و كل ما سبق أن تلف أو ضاع حصلوا على خير منه، و عندئذ أقام الأمير السديد بالقصر و لم يكد يحول الحول حتى‏

____________

(1) هذه العبارة (الأمير الرشيد) و ردت بنسخة مدرس رضوى بين قوسين.

(2) فى نسخة مدرس رضوى (الأمير الرشيد)- بين قوسين.

47

وافت ليلة «سورى» (1) فأوقدوا نارا عظيمة جريا على العادة القديمة فطارت شرارة و اشتعل سقف السراى و احترقت كلها مرة أخرى، و ذهب الأمير السديد أيضا فى الليل إلى جوى موليان، و أمر الوزير كذلك فأخرج الخزائن و الدفائن كلها فى تلك الليلة و أرسلها إلى جوى موليان على يد الثقات. فلما طلع النهار تبينوا أنه لم يغب شى‏ء سوى فنجان‏ (2) من الذهب، فأمر وزيره بفنجان من خالص ماله كان وزنه سبعمائة مثقال و أرسله إلى الخزانة، و منذ ذلك الحين بقى ذلك الموضع صحراء و تخرب، و من ثم صارت سراى الملوك فى جوى موليان. و لم يكن فى بخارى موضع أو منزل أفضل من مقام جوى موليان النفيس الشبيه بالجنة، لأن كل أماكنه قصور و حدائق و خمائل و بساتين و أمواه جارية على الدوام تتلوى فى مروجه، و كانت تتخللها كذلك أنهار تجرى فى ألف اتجاه نحو المروج و الرياض و كان كل من يشاهد هذه الأمواه الجارية يحار من أين تأتى و إلى أين تمضى. و قد خططها نوادر أساتذة العصر و المعماريون على صورة قال فيها أحد السراة: بيت:

و أكثر الأنين لاضطراره إلى مغادرة هذا الروض‏* * *جاء ماء الحيوان‏ إلى الخميلة و مضى

باكيا

ثم إن ما بين باب ريكستان إلى «دشتك» (5) بأجمعه كان دورا منسقة منقوشة ممتازة مشيدة بالأحجار و مضايف مزدانة بالصور، و حدائق كبيرة غناء

____________

(1) يريد چهارشنبه سورى (تشهار شنبه سورى) آخر ليلة أربعاء فى العام المنصرم قبل بدء العام الجديد و حلول الربيع و فيها يوقد الإيرانيون النيران حتى اليوم.

(2) معرب پنكان.(Pengan) .

(3) أى ماء الحياة، و جاء فى التنزيل: «و إن الدار الآخرة لهى الحيوان لو كانوا يعلمون» (آية 64 سورة العنكبوت).

(4)

آب حيوان بچمن آمد و با شيون رفت‏* * * ناله‏ها كرد كه مى‏بايد از اين كلشن رفت‏

. (5) دشتك هذه (بفتح الدال و سكون الشين و فتح التاء و بآخره كاف ساكنة). غير دشتك التى تقع قريبة من مدينة الرى و تعد من قراها و ينسب إليها أحمد بن جعفر بن محمد المدنى المعروف بالدشتكى، و أبو عبد الرحمن عبد اللّه بن سعيد الدشتكى الرازى. و هى بادية صغيرة تقع بجوار قلعة بخارى. انظر حاشية 2.

ص 47. ذكر جوى موليان وصفتها.

48

و أحواض نزهة جميلة و أشجار «كجم» (1) كأنها السرادقات بحيث لم تكن ذرة شمس من المشرق أو المغرب تقع على مجالس الحوض.

و فى هذه الحدائق الكبيرة كثير من ألوان الفاكهة من كمثرى و لوز و بندق و كريز و عناب. و كل فاكهة فى الجنة العنبرية (2) كانت توجد هنالك فى غاية الحسن و اللطف.

____________

(1) نوع من الأشجار لم نهتد إلى معرفة اسمه بالعربية.

(2) وصف للجنة أورده المؤلف فأثبتناه بلفظه.

49

ذكر جوى موليان و صفتها

كانت ضياع جوى موليان قديما ملكا للملك طغشاده، و قد أعطى كلا من أولاده و أصهاره حصة منها. و قد اشترى الأمير إسماعيل السامانى هذه الضياع من حسن بن محمد بن طالوت قائد المستعين‏ (1) بن المعتصم.

و قد أنشأ الأمير إسماعيل فى جوى موليان دورا و بساتين، و أوقف أكثر الحصص على مواليه و ما تزال موقوفة. و كان دائما مشغول البال من جهة مواليه. و ذات يوم كان الأمير إسماعيل يشاهد جوى موليان من قلعة بخارى و «سيما الكبير» مولى والده ماثل أمامه، و كان يحبه و يعزه كثيرا، فقال الأمير إسماعيل: ألا يهيئ اللّه الأسباب يوما فأشترى لكم هذه الضياع، و يطيل بقائى حتى أراها و قد صارت ملكا لكم، لأنها أثمن ضياع بخارى كلها و أجملها و أطيبها هواء، فرزقه اللّه شراءها جميعا و وهبها لمواليه، فسميت «جوى مواليان»- جمع موال- و يسميها عامة الناس «جوى موليان»- بحذف الألف- و يتصل بقلعة بخارى صحراء يقال لها «دشتك» (2) و كانت جميعها قصباء (3) فاشترى الأمير إسماعيل (رحمه اللّه) ذلك الموضع أيضا من حسن بن طالوت بعشرة آلاف درهم. و قد حصل على عشرة آلاف درهم من ثمن القصب فى العام الأول، و أوقف الأمير إسماعيل ذلك الموضع على المسجد الجامع.

و كل من ولى الإمارة بعد الأمير إسماعيل من أولاده أنشأ له فى جوى موليان بساتين و قصورا لحسنها و نضارتها و نقاء جوها، و بالباب الجديد «دروازه نو» موضع‏

____________

(1) هو المستعين باللّه- أحمد بن المعتصم باللّه محمد بن هارون الرشيد، الخليفة الثانى عشر من الخلفاء العباسيين. تولى الخلافة سنة 248 ه/ 862 م و توفى بعد أربعة أعوام فى الحادية و الثلاثين من عمره [ش. سامى: قاموس الأعلام ج 6 ص 4274].

(2) دشتك- مصغر دشت أى الصحراء.

(3) قصباء و مقصبة منبت القصب.

50

يقال له «كارك علويان» على باب المدينة، و قد بنى الأمير (1) هنالك قصرا فى غاية البهاء، كان يضرب به المثل فى الجمال و كان ذلك فى سنة ثلثمائة و ست و خمسين (966 م). و كانت تلك الضياع الموسومة «بكارك علويان» أملاكا سلطانية حتى زمان نصر خان بن طمغاج خان، فوهبها لأهل العلم لأنها كانت قريبة من المدينة لتكون الفلاحة أيسر على الفقهاء، و أخذ بدلا منها ضياعا أبعد.

و كانت جوى موليان و كارك علويان معمورتين حتى آخر عهد السامانيين، و لما ذهب الملك من السامانيين تخربت تلك الديار و لم يكن فى بخارى دار ملك معينة غير القلعة، و ذلك إلى زمان الملك شمس الملك نصر بن إبرهيم طمغاج خان الذى بنى «شمس آباد» (2).

____________

(1) فى نسخة مدرس رضوى: الأمير منصور بن نوح. و هذا هو الصحيح إذ أن منصور هذا تولى العرش سنة 350 ه (961 م).

(2) أى معمورة شمس (شمس الملك) نسبة إلى بانيها. و هو السلطان شمس الملك نصر بن إبرهيم بن نصر صاحب ماوراء النهر المتوفى سنة 492 ه (1099) م. كان من أفاضل الملوك علما و رأيا و سياسة، درس و أملى الحديث و كتب بخطه المليح مصحفا و خطب على منبرى بخارى و سمرقند و كان فصيحا [خ. الزركلى:

الأعلام ج 8 ص 337].

51

ذكر بناء شمس آباد

اشترى الملك شمس الملك ضياعا كثيرة بباب إبرهيم و أنشأ بساتين فى غاية الجمال و أنفق الأموال الطائلة و الخزائن فى تلك العمارات و سماها «شمس آباد»، و أنشأ مرعى متصلا بها لدوابه الخاصة و أسماه «الغورق» و جعل له أسوارا محكمة طولها ميل، و بنى بداخله قصرا و برجا للحمام. و كان يقتنى فى ذلك الغورق الحيوانات الوحشية مثل الوعول و الغزلان و الخنازير و الثعالب، و كانت كلها مروضة و محاطة بأسوار عالية حتى لا تستطيع الفرار. و لما رحل الملك شمس الملك عن الدنيا، تولى الملك أخوه خضر خان و زاد عمارات فى شمس‏آباد كانت نزهة للغاية. و لما ارتحل هو أيضا عن الدنيا، صار ابنه أحمد خان ملكا فلم يعن بشمس‏آباد هذه حتى تخربت؛ فلما جاء ملكشاه من خراسان إلى بخارى أكثر التخريب، و لما ذهب إلى سمرقند قبض على أحمد خان و حمله إلى خراسان ثم عاد فأرسله إلى ماوراء النهر، و كانت شمس‏آباد قد تخربت تماما، و أمر فبنيت له دار بجويبار (1) و أنشأ بها بستانا و نهرا جاريا و جمع فيها كل أسباب الترف، و ظلت هذه السراى دار الملك ببخارى مدة ثلاثين عاما.

فلما تربع أرسلان خان على العرش كان يقيم بتلك الدار كلما جاء إلى بخارى، و بعد ذلك رأى من الصواب أن يهدموها و أمر فأزالوا تلك الدار و نقلوها إلى القلعة و بقى ذلك الموضع خرابا.

و بعد عدة سنوات أمر أرسلان خان ببناء دار فى محلة «دروازه‏چه» (2) أى الباب الصغير فى حى بوليث، و أمر ببناء حمام خاص بها و حمام آخر بباب السراى لم يكن له مثيل. و ظلت هذه السراى دار الملك ببخارى سنوات طوالا، و أمر بعد ذلك فجعلوها مدرسة للفقهاء و أوقفوا الحمام الذى كان على باب السراى و القرى الأخرى على تلك المدرسة، و أمر فبنوا سرايه الخاصة بباب سعد آباد.

____________

(1) حى هام فى بخارى، كان فى وقت ما مقر الأشراف الجويباريين (خواجكان جويبارى).

(2) فى نسخة مدرس رضوى (دروازه) أى الباب أو البوابة:

52

ذكر آل كثكثة (1)

ذكر محمد بن جعفر النرشخى فى كتابه أن قتيبة بن مسلم جاء إلى بخارى، و استولى عليها و أمر أهلها فأعطوا نصف بيوتهم و ضياعهم للعرب، و كان ببخارى قوم يقال لهم آل كثكثة (كثكثان) ذوو حرمة و قدر و منزلة و كان لهم بين أهل بخارى شرف كبير، و لم يكونوا من الدهاقين بل كانوا غرباء أصلا و تجارا أغنياء.

فألح قتيبة فى قسمة بيوتهم و متاعهم، فتركوا بيوتهم و مناعهم. جملة للعرب، و بنوا خارج المدينة سبعمائة قصر. و كانت المدينة فى تلك الأيام على ما هى عليه الآن.

و كان كل شخص يبنى حول قصره بيوت خدمه و أتباعه، و أنشأ البعض على باب قصره بستانا و صحراء (2) و خرجوا إلى تلك القصور. و قد تخربت تلك القصور اليوم و صار أكثرها مدينة. و قد بقى فى ذلك الموضع قصران أو ثلاثة كانت تسمى قصر المجوس. و قد أقام هنالك المجوس، و كانت بيوت نار المجوس فى هذه الولاية كثيرة.

و كان على أبواب قصور المجوس هذه بساتين جميلة ناضرة، و كانت ضياعهم عزيزة للغاية.

و قد ذكر محمد بن جعفر: أننا سمعنا فى أيام الأمير الحميد (3)، أن ضياع قصر المجوس كانت قيمة، لأن ملوك بخارى أقاموا هنالك و رغب غلمان الشاه و مقربوه فى شراء تلك الضياع، حتى صارت قيمة كل (جفت) (4) من هذه‏

____________

(1) هذه الكلمة و ردت فى طبعة طهران تصحيح مدرس رضوى [كشكثه‏].

(2) كلمة صحراء واردة بلفظها فى الأصل الفارسى. و كلمة صحراء فى الفارسية لا تعنى حتما الفيا فى الجرداء بل قد تكون ناضرة بأنواع الزروع و النبات.

(3) أى الأمير الحميد أبو محمد نوح بن نصر بن أحمد بن إسماعيل السامانى الذى ألف النرشخى كتابه هذا باسمه.

(4) «جفت» وحدة مساحية متعارف عليها فى ذلك الوقت و لم نستدل على مقدارها- و «جفت كاو زمين» ترجمناها بقطعة أرض يحرثها زوج من البقر، و يبدو أن «جفت» مخفف «جفت كاو زمين»، يوجد بالتركية كلمة «چفت» و هى قريبة من «جفت» و يتركب منها المصدر التركى «چفت سورمك»-

53

الضياع أربعة آلاف درهم.

فلما بلغ هذا الكلام الأمير قال: الأمر كما علم، و قبل أن يقيم الملوك ببخارى كانت قيمة هذه الضياع أكثر. و كان الشخص إذا أراد أن يشترى قطعة أرض يحرثها زوج من البقر لم يكن يستطيع الحصول عليها فى عام، و إذا وجدها كان ينبغى شراء كل «جفت» باثنى عشر ألف درهم فضة. و قد رخص السعر الآن بحيث يمكن شراء كل (جفت) بأربعة آلاف درهم فضة. لأن الفضة قلت لدى الناس. و يقول أحمد بن محمد بن نصر: إن ضياع قصر المجوس هذه فى زماننا تعطى مجانا و لا يرغب فيها أحد، و ما يشترى يشبه أن يكون مجانا بسبب الظلم و عدم الرفق بالرعية.

____________

- بمعنى الحرث. و تأتى منها كذلك «چفتلك» و هى التى كانت تنطق قديما فى مصر «شفلك» و معناها التفتيش الزراعى و تجمع على «شفالك» أى التفاتيش الزراعية.

و لا نستطيع بهذه القرينة أن نقول إن «چفت» هى «جفت» و قد جاء فى «قاموس تركى» لشمس الدين سامى ص 511 أن چفت هى جفت الفارسية و أنها تكتب فى الفارسية بالجيم العربية. انظر أيضا حاشية 4 ص 28

54

ذكر أنهار بخارى و نواحيها

أولها «نهر كرمينه» (1) و هو نهر عظيم، و ثانيها «نهر شاپور كام‏ (2)» و يسميه عامة بخارى «شافر كام» و قد ذكر فى حكاية أن أحد أبناء كسرى من آل ساسان غضب من أبيه و جاء إلى هذه الولاية، و كان اسمه «شاپور» و «پور» باللغة الفارسية الابن- فلما وصل بخارى أكرمه بخار خداة، و كان شاپور هذا محبّا للصيد.

فذهب يوما للصيد و نزل بذلك المكان و لم يكن هنالك فى ذلك التاريخ أى قرية أو عمران، بل كان مرجا، و أعجبه المصطاد، فاستقطع ذلك المكان من بخار خداة ليعمره، فأعطاه له، فحفر شاپور هذا نهرا عظيما و أسماه باسمه «شاپور كام» و أقام على ذلك النهر رساتيق و بنى قصرا. و تسمى تلك النواحى «رساتيق آبوى»، و بنى قرية «وردانه» (3) و قصرا جعله مقرّا له. و صار هنالك ملك عظيم. و بقيت تلك الرساتيق من بعده ميراثا لأولاده. و حين جاء قتيبة بن مسلم إلى بخارى كان من أبناء شاپور وردان خداة، و كان ملكا عظيما يقيم فى «وردانه» و ينازع طغشاده بخار خداة.

و قد وقعت بينه و بين قتيبة حروب كثيرة و مات وردان خداة أخيرا و أعطى قتيبة ملك بخارى لطغشاده. و ستذكر هذه القصة فى فتح بيكند و بخارى.

و يسمى النهر الثالث «خرقانة العليا» (4) و الرابع «خرقان‏ (5) رود» و الخامس‏

____________

(1) كرمينه انظر تعليقنا بصفحة 27 حاشية 3.

(2)Shapour -Kam

(3) انظر تعليقنا بصفحة 31 حاشية 3.

(4، 5) خرقان- خرقانه‏(Kharaqan -Kharaqane) من قرى بسطام. خرقانة العليا- خرقان رود- خرقان بازار(Desmaison :Dict .Persan -Francais ,v .I ,P .547)

خرقان‏(Kharqan) : بفتح أوله و تسكين ثانيه و قاف و آخره نون: قال السمعانى هى من قرى سمرقند على ثمانية فراسخ منها.

[شمس الدين سامى: قاموس الأعلام ج 3، ياقوت: معجم البلدان ج 3 ص 421].