المجازات النبوية

- الشريف الرضي المزيد...
460 /
5

مقدّمة التحقيق‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏، نحمده و نستعينه و نستغفره و نتوكّل عليه، و نعوذ به من شرور أنفسنا و سيّئات أعمالنا، و نسأله تعالى أن يهدينا سبل الرشاد؛ فإنّه من يهد اللّه فلا مضلّ له، و من يضلل فلا هادي له، و أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أنّ محمّدا عبده و رسوله، و أمين وحيه، و خاتم رسله، و الصلاة و السلام عليه و على وصيّه و خليفته من بعده، و على ذرّيته الطاهرين الأئمّة المعصومين (صلوات اللّه عليهم أجمعين)، و لا سيّما بقيّة اللّه الأعظم، (عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف).

و بعد؛ فإنّ القرآن العظيم هو المصدر الأوّل للهداية، و الحديث هو المصدر الثاني و العدل الواضح له، و مكانته- شرفا- بعد القرآن، و لا ريب أنّ علم الحديث من أهمّ العلوم الشرعية التي تبتنى عليها سعادة الإنسان في حياته الدنيويّة قبل الاخروية، و لذلك احتاجت غوامض القرآن و مجملاته إلى البيان و التفسير، فكان الحديث هو الشارح و المفصّل و المبيّن للكتاب الكريم، فلا عجب أن يقول الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «أوتيت القرآن و مثله معه» (1)، و هذه العبارة تدلّ- و بمنتهى الدقّة و الوضوح- على أنّ حكم حديثه حكم القرآن من جهة المصدر

____________

(1) الرواشح السماوية: 202، و فيه: «الكتاب» بدل «القرآن» لاحظ البحار 16: 417، و فيه: «و مثليه».

6

وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏ (1)، و أنّه بيان له، و الشاهد له قوله تعالى: وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ‏ (2).

و البيان: هو إخراج الشي‏ء عن حيّز الخفاء إلى حيّز الظهور و الوضوح، و هو إمّا موافق للقرآن و مؤكّد له، مثل قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنّ اللّه تعالى ليملي للظالم حتّى إذا أخذه لم يفلته» (3)، إذ هو موافق لظاهر قوله تعالى: وَ كَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى‏ وَ هِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (4).

أو مفصّل له، و مثاله قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ، و الْبِئْرُ جُبَارٌ، و الْمَعْدِنُ جُبَارٌ (5).

و فِي الرِّكَازِ (6) الخُمْسُ» (7)، في مقابل قوله تعالى: وَ آتُوا الزَّكاةَ* (8).

أو مخصّص له، و مثاله قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَةَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا» (9)، في قضية الّتي فيه ظهور إلى إشارة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيها بقوله تعالى: وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا (10).

____________

(1) النجم (53): 3- 4.

(2) النحل (16): 44.

(3) صحيح البخاري 5: 214، الدرّ المنثور 3: 349.

(4) هود (11): 102.

(5) جرح العجماء جبار- بالضمّ؛ أي هدر. قال الأزهري: معناه أنّ البهيمة العجماء تنفلت فتتنلف شيئا، فهو هدر، و كذلك المعدن إذا أنهار على أحد فدمه جبار بالضمّ؛ أي هدر.

(6) الركاز: المال المدفون في الجاهلية، فعال بمعنى مفعول، كالبساط بمعنى المبسوط، و الكتاب بمعنى المكتوب. و يقال: هو المعدن. المصباح المنير: 237، مادّة (رك‏ز).

(7) المبسوط 3: 92 و 7: 186، سنن النسائي 5: 44، مسند أحمد 2: 228، 239، 254، صحيح البخاري 2: 137، سنن أبي داود 2: 388، سنن الترمذي 2: 77.

(8) البقرة (2): 43.

(9) مسند أحمد 2: 80 و 5: 185، صحيح البخاري 2: 134، سنن ابن ماجة 2: 746.

(10) البقرة (2): 275.

7

أو مقيّد له، و مثاله كثير، و لا سيّما في مسألة الوصيّة.

أو بيان له، و أمثال ذلك أيضا في القرآن كثير، خصوصا في آيات الفرائض.

و لمّا كان هذا موقف الحديث من الكتاب، قدّمه بعض على الكتاب في الاستدلال و إن تقدّمت رتبة الكتاب، كما هو واضح.

و على أيّ تقدير: لا يشكّ إنسان و لا يرتاب في أنّ فصاحة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لا تقابلها فصاحة و لا يقارب أسلوبه في الحديث و البلاغة أسلوب؛ إلّا أسلوب أئمّة الهدى؛ فإنّهم، نور واحد، و حديثهم حديث جدّهم رسول اللّه (صلوات اللّه عليهم أجمعين).

و الأحاديث كما أنّها المصدر الثاني للتشريع، فكذلك هي المصدر النحوي و البلاغي، ذهب إلى ذلك كثير من علماء البلاغة و الأدب، مؤكّدين على أنّ كلام النبوّة دون كلام الخالق، و فوق كلام فصحاء المخلوقين، و فيه جوامع الكلام، و إعجاز البلاغة و الفصاحة، و أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أفصح العرب قولا، و أبينهم كلاما، و أعلاهم بلاغة، فقد وصف الجاحظ كلام النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قائلا:

«هو الذي قلّ عدد حروفه، و كثر عدد معانيه، و جلّ عن الصنعة، و نزه عن التكلّف، و كان كما قال اللّه تبارك و تعالى: قل يا محمّد: وَ ما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ‏ (1)، فكيف و قد عاب التشديق‏ (2)، و جانب أهل التعقيب‏ (3)، و استعمل المبسوط في موضع البسط، و المقصور في موضع القصر، و هجر الغريب الوحشي، و رغب‏

____________

(1) ص (38): 86.

(2) تشدّق: لوى شدقه- جانب فمه- للتفصّح، و يقال: هو متشدّق في منطقه و متفيهق؛ إذا كان يتوسّع فيه، و هو مذموم. العروس 13: 236، مادّة (ش د ق).

(3) يقال: قعّب فلان في الكلام؛ أي أخرجه من قعر حلقه. أقرب الموارد 2: 1017 مادّة (ق ع ب).

8

الهجين السوقي، فلم ينطق إلّا عن ميراث حكمة، و لم يتكلّم إلّا بكلام قد حفّ بالعصمة، و شيّد بالتأييد، و يسّر بالتوفيق، و هو الكلام الذي ألقى اللّه عليه المحبّة، و غشّاه بالقبول، و جمع له بين المهابة و الحلاوة، و بين حسن الإفهام و قلّة عدد الكلام، و هو مع استغنائه عن إعادته و قلّة حاجة السامع إلى معاودته، لم تسقط له كلمة، و لا زلّت به قدم، و لا بارت‏ (1) له حجّة، و لم يقم له خصم، و لا أفحمه خطيب، بل يبذّ (2) الخطب الطوال بالكلم القصار، و لا يلتمس إسكات الخصم إلّا بما يعرفه الخصم، و لا يحتجّ إلّا بالصدق، و لا يطلب الفلج‏ (3) إلّا بالحقّ، و لا يستعين بالخلابة (4)، و لا يستعمل المواربة (5)، و لا يهمز (6)، و لا يبطئ، و لا يعجل، و لا يسهب، و لا يحصر (7).

ثمّ لم يسمع الناس بكلام قطّ أعمّ نفعا، و لا أقصد لفظا، و لا أعدل وزنا، و لا أجمل مذهبا، و لا أكرم مطلبا، و لا أحسن موقعا، و لا أسهل مخرجا، و لا أفصح معنى، و لا أبين عن فحواه؛ من كلامه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)» (8).

____________

(1) أي كسدت.

(2) أي يغلب و يفوق. أقرب الموارد 1: 34، مادّة (ب ذ ذ).

(3) فلج بحجّته: أثبتها، و أفلج اللّه حجّته- بالألف-: أظهرها. المصباح المنير: 480، مادّه (ف ل ج).

(4) أي الخديعة باللسان.

(5) أي المخادعة.

(6) أي لا يتحامل.

(7) أي لم يعجز في منطقه.

(8) البيان و التبيين 2: 17، 18.

9

«المجازات النبويّة»

كان يأتي من بلاغة الحديث متفرّقا أثناء شرحه، أو كان يذكر الحديث مثالا أو شاهدا مع ذكر آيات مناسبة في خلالها، فبلغ عدد الأحاديث ما يقرب من ستّين و ثلاثمئة حديث، جلّى و بيّن مقدار البلاغة فيها و الفصاحة التي استفيدت من مضمون الأحاديث، قائلا في مقدّمته: «فإنّي عرفت ما شافهتني به من استحسانك الخبيئة التي أطلعتها و الدقيقة التي أثرتها من كتابي الموسوم ب «تلخيص البيان عن مجازات القرآن» و إنّي سلكت من ذلك حجّة لم تسلك، و طرقت بابا لم يطرق، و ما رغبت فيه من سلوك مثل تلك الطريقة في عمل كتاب يشتمل على مجازات الآثار الواردة عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إذ كان فيها كثير من الاستعارات البديعة، و لمع البيان الغريبة، و أسرار اللغة اللطيفة، يعظم النفع باستنباط معادنها، و استخراج كوامنها، و إطلاعها من أكمّتها و أكنانها، و تجريدها من خللها و أجفانها، فيكون هذان الكتابان- بإذن اللّه- لمعتين يستضاء بهما، و عرينين لم اسبق إلى قرع بابهما، فأجبتك إلى ذلك- مستخيرا اللّه سبحانه فيه- على كثرة الأشغال القاطعة» (1).

و السيّد الشريف قد اعتذر من الإطناب، و سلك طريق الإيماء و الإشارة، بقصد عدم المشقّة على القارئ؛ لضعف القلوب في زمانه. و هو مع هذا متواضع؛ يذكر أنّه لا يشكّ في أنّ ما يفوته من الجنس الذي يقصده، أكثر من الحاصل له منه. و يشير إلى أنّه ترك التكرار، و اعتمد في الإيجاز على كتب السابقين التي‏

____________

(1) المجازات النبوية: 27، و يأتي في الصفحة 27- 28 شرح بعض الكلمات المذكورة في كلامه (قدس سرّه) فراجع.

10

تشرح متشابه الأخبار و تبيّنه، و بيّن بعض المصادر التي اعتمد عليها في استخراج المجاز؛ و هي كتب غريب الحديث، و أخبار المغازي المشهورة، و مسانيد المحدّثين، و الموجز من حديث الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أمير المؤمنين (عليه السلام) و ذكر لنا طرق وقوفه على كلّ ذلك.

و مع ذلك لم يرتّب مختاره على أبجديّة خاصّة، فجاء بأحاديث أو بأجزاء منها بحسب ما وقع له في اطلاعه على مراجعه. و منهجه ذكر النصّ، و تعقيب الإشارة إلى اللون البياني، و ذكر ما يستدعي الذكر من التناسب، شارحا موضّحا رغم إيجازه، مبيّنا الوجوه التي جرى المعنى عليها؛ فمن ذلك قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «هذه مكّة قد رمتكم بأفلان كبدها» قال في ذيلها: «و هذا من أنصع العبارات، و أوقع الاستعارات‏ (1) ...» الخ. و بيّن الترديد المفهم من «أفلاذ أكبادها» و أنّه إمّا أن تراد الكناية، أو المجاز بالاستعارة، و حلّ العبارة في تشبيهين: تشبيه مكّة بالحشا، و تشبيه رجال مكّة بشعب الكبد.

كما أشار أحيانا إلى قرينة المجاز، و شرحها في ضمن إيراد أمثلة قرآنية أو شعرية، فتفهم من ملخّص كتابه: أنّه أدرك المجاز بصفة أعمّ، و تعدّى كتابه إلى المفهوم الأعمّ للمجاز، أو الاستعارة، أو الكناية، أو الاتساع.

____________

(1) المجازات النبويّة: 29.

11

الشريف الرضي‏

اسمه و نسبه:

قد وردت ترجمته في كتب التراجم و الرجال بعناوين مختلفة و ألقاب متعدّدة، كلّها اتفقت على لقب «الشريف الرضي» له (رحمه اللّه):

قال المحقّق الخونساري (رحمه اللّه) في ترجمته: «العالم العفيف، و العلم الغطريف‏ (1)، و العلم العريف‏ (2)، و العنصر الشريف، و السيّد الشريف، و الأيّد (3) المنيف؛ ابو الحسن محمّد ابن السيّد النقيب و النجيب المحترم أبي أحمد حسين ابن موسى بن محمّد بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر الصادق (عليه السلام) إمام الامم، أخو سيّدنا المرتضى علم الهدى، و الملقّب بالسيّد الرضي عند الأحبّة و العدى. لم يبصر بمثله إلى الآن عين الزمان في جميع ما يطلبه إنسان العين من عين الإنسان، فسبحان الذي ورّثه غير العصمة و الإمامة ما أراد، من قبل أجداده الأمجاد، و جعله حجّة على قاطبة البشر في يوم الميعاد. و أمره في الثقة و الجلالة أشهر من أن يذكر (4)، كما ذكره الأمير مصطفى التفرشي في كتاب رجاله المعتبر (5).

يروي عنه شيخنا الطوسي، و جعفر بن محمّد الدوريستي، و السيّد عبد الرحمان النيسابوري، و ابن قدامة الذي هو شيخ رواية شاذان بن جبرئيل القمّي، و جماعة، و يروي هو أيضا عن جماعة، منهم شيخنا المفيد المتقدّم عليه التمجيد، كما في رجال النيسابوري.

____________

(1) أي السيّد الشريف.

(2) أي القيّم بأمر القوم الذي عرف بذلك و شهر. و قيل: المراد به النقيب، و هو دون الرئيس.

(3) أي القويّ.

(4) انظر: روضات الجنات 6: 190.

(5) نقد الرجال 4: 188. رجال النجّاشي 398: 1065.

12

و فيه أيضا: أنّه كان يوما عند الخليفة الطائع باللّه العبّاسي و هو يعبث بلحيته و يرفعها إلى أنفه، فقال له الطائع: أظنّك تشمّ منها رائحة الخلافة؟! فقال: بل رائحة النبوّة.

و كان يلقّب بالرضي ذي الحسبين؛ لقّبه بذلك بهاء الدولة بن بويه، و كان يخاطبه بالشريف الأجلّ، كما عن «الدرجات الرّفيعة» للسيّد علي خان الشيرازي‏ (1).

و ذكره الفاضل الباخرزي في «دمية القصر» و كذا الثعالبي في «يتيمة الدّهر» و ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة» و غيرهم، كما في «أمل الآمل».

و فيه أيضا: و ذكر ابن أبي الحديد أنّه كان عفيفا، شريف النفس، عالي الهمّة، لم يقبل من أحد صلة و لا جائزة، حتّى أنّه ردّ صلات أبيه، و ناهيك بذلك! و كانت تنازعه نفسه إلى امور عظيمة يجيش بها صدره، و ينظمها في شعره، و لا يجد عليها من الدهر مساعدا، فيذوب كمدا، حتّى توفّي و لم يبلغ غرضا (2)، انتهى، و ذكر له أشعارا دالّة على ذلك‏ (3).

و قال ابن خلّكان: ذكر أبو الفتح بن جنّي في بعض مجاميعه: أنّ الشريف الرضي أحضر إلى ابن السيرافي النحوي و هو طفل جدّا لم يبلغ عشر سنين، فلقّنه النّحو، و قعد يوما في الحلقة فذاكره بشي‏ء من الإعراب- على عادة التعليم- فقال: إذا قلنا: رأيت عمر، فما علامة النصب في «عمر»؟ فقال: بغض عليّ، فتعجّب السيرافي و الحاضرون من حدّة خاطره‏ (4).

____________

(1) الدرجات الرفيعة 466.

(2) شرح نهج البلاغة 1: 33.

(3) أمل الآمل 2: 261.

(4) انظر: امل الامل 2: 265، الدرجات الرفيعة 468، معجم رجال الحديث 17: 26.

13

و قال ابن خلّكان الشافعي: ذكره الثعالبي في «اليتيمة» فقال في ترجمته:

ابتدأ يقول الشعر بعد أن جاوز عشر سنين بقليل، و هو اليوم أبدع أبناء الزمان، و أنجب سادة العراق، يتحلّى- مع محتده‏ (1) الشريف و مفخره المنيف- بأدب ظاهر، و حظّ من جميع المحاسن وافر، ثمّ هو أشعر جميع الطالبيّين؛ من مضى منهم و من غبر، على كثرة شعرائهم المفلقين‏ (2)، و لو قلت: إنّه أشعر قريش، لم أبعد عن الصدق‏ (3)، و سيشهد بما أجريه من ذكره شاهد عدل من شعره العالي القدح‏ (4)، الممتنع عن القدح‏ (5)، الذي يجمع إلى السلاسة متانة، و إلى السهولة رصانة.

و ذكر أيضا: أنّه تلقّن القرآن بعد أن دخل في السنّ، فحفظه في مدّة يسيرة.

و صنّف كتابا في معاني القرآن يتعذّر وجود مثله، دلّ على توسّعه في علم النحو و اللّغة، و صنّف كتابا في «مجازات القرآن» فجاء نادرا في بابه.

و قد عني بجمع ديوان الرضي جماعة، و أجود ما جمع الذي جمعه أبو حكيم الخيري. و لقد أخبرني بعض الفضلاء: أنّه رأى في مجموع أنّ بعض الادباء اجتاز بدار الشريف الرضي ببغداد و هو لا يعرفها، و قد جنى عليها الزمان، و ذهبت بهجتها، و أخلقت ديباجتها (6)، و بقايا رسومها تشهد لها بالنضارة، و حسن الشارة، توقّف عليها متعجّبا من صروف الزّمان، و طوارق الحدثان‏ (7)،

____________

(1) أي نسبه.

(2) المفلق من الشعراء: الذي يأتي بالعجائب في شعره.

(3) انظر: يتيمة الدهر 3: 116 طبع مصر سنة 1353 ق، و الفوائد الرجاليّة للسيّد البحر العلوم 131، و دمية القصر 73 طبع حلب سنة 1348.

(4) القدح: اسم السهم قبل أن يصلح و يركّب نصله.

(5) القدح: التعبييب و التنقيص، يقال: قدح فلان في فلان؛ إذا عابه و تنقّصه.

(6) أي بليت نقوشها.

(7) أي نوائب الدهر.

14

و تمثّل بقول الشريف الرضي المذكور:

و لقد وقفت على ربوعهم‏ (1)* * * و طولها (2) بيد

البلى نهب‏

فبكيت حتّى ضجّ من لغب‏ (3)* * * نضوي و لجّ بعذلي الرّكب‏

و تلفّتت عيني فمذ خفيت‏* * * عنّي الديار تلفّت القلب‏

فمرّ به شخص و سمعه و هو ينشد الأبيات، فقال له: هل تعرف هذه الأبيات لمن هي؟ فقال: لا، فقال: هذه الدار لصاحب هذه الابيات؛ الشريف الرضي، فتعجّب من حسن الاتفاق ... إلى آخر ما ذكره‏ (4).

و قد نقل عن لسان الجامع لديوان سيّدنا المرتضى أخي هذا أنّه قال:

سمعت بعض مشايخنا يقول: ليس لشعر المرتضى عيب إلّا كون الرضي أخاه، فإنّه إذا افرد بشعره كان أشعر أهل عصره، و ناهيك به دلالة على كون الرجل أشعر جميع العرب، فلا تعجب.

و قال سيّدنا الشريف النسّابة أحمد بن علي بن الحسين الحسني في كتابه الموسوم ب «عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب»- بعد ذكر أبيه أبي أحمد، و أخيه الأجلّ المرتضى-: و أمّا محمّد بن أبي أحمد الحسين بن موسى الأبرش، فهو الشريف الأجلّ الملقّب بالرضي ذي الحسبين، يكنّى أبا الحسن، نقيب النقباء ببغداد، و هو ذو الفضائل الشائعة، و المكارم الذائعة. كانت له هيبة و جلالة، و فيه ورع، و عفّة و تقشّف، و مراعاة للأهل و العشيرة. ولي نقابة الطالبيين مرارا، و كانت إليه إمارة الحاجّ و المظالم؛ كان يتولّى ذلك نيابة عن أبيه‏

____________

(1) أي دورهم و منازلهم، أو محلّاتهم.

(2) أي ما بقيت من آثار الدور و البيوت.

(3) اللغب: التعب، و النضو: المهزول من الإبل و غيرها، و في الإبل أكثر، و هو الذي أهزله السفر و أذهب لحمه، و المراد: بكيت و أطلت البكاء و الوقوف حتّى ضجّ بعيري من شدّة التعب.

(4) وفيات الاعيان 4: 44.

15

ذي المناقب، ثمّ تولّى ذلك بعد وفاته مستقلّا، و حجّ بالنّاس مرّات. و هو أوّل طالبي خلع عليه السواد و كان أحد علماء عصره؛ قرأ على أجلّاء الأفاضل.

و له من التصانيف: كتاب «المتشابه في القرآن» و كتاب «مجازات الآثار النبوية» و كتاب «نهج البلاغة» و كتاب «تلخيص البيان عن مجازات القرآن» و كتاب «الخصائص» و كتاب سيرة والده الطاهر، و كتاب انتخاب شعر ابن الحجّاج، سمّاه «الحسن من شعر الحسين» و كتاب «أخبار قضاة بغداد» و كتاب رسائله إلى أبي إسحاق الصابي في ثلاثة مجلّدات، و كتاب ديوان شعره، و هو مشهور (1). و حكى الشيخ الرافعي: أنّها كانت مئة ألف و أربعة عشر ألفا.

إلى أن قال: و أعقب المرتضى من ابنه أبي جعفر محمّد، و هو الذي من ولده أبو القاسم النسّابة، صاحب كتاب «ديوان النّسب» و غيره علي بن الحسن بن محمّد بن علي بن أبي جعفر محمّد بن المرتضى، و كان له ابن اسمه «أحمد» درج و مات و انقرض علي بن مرتضى النسّابة، و انقرض به الشريف المرتضى علم الهدى، انتهى.

ثمّ إنّ كتاب «الخصائص» المنسوب إلى سيّدنا الرضي هو كتاب «خصائص الأئمّة» الذي ينقل عنه في «البحار» كثيرا، و هو الآن موجود أيضا مثل سائر كتبه الأربعة المتقدّمة عليه في عبارة «العمدة».

و له أيضا تفسيران آخران غير تفسيره الكبير الذي هو على كبر «تبيان الشيخ رحمة اللّه» ذكرهما النّجاشي و غيره، أحدهما «حقائق التنزيل» و الآخر:

«حقائق التأويل» قال في كتاب «مجازات الحديث»: و القوّة أحد المعاني التي يعبّر عنها باسم «اليد»، و قد استقصيت ذلك في كتابي الكبير الموسوم ب «حقائق التأويل».

____________

(1) عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب 207- 208.

16

و كتابه الموسوم ب «متشابه القرآن» أيضا كبير ذكره في «المجازات» فقال في مسألة عصمة الأنبياء عن المعاصى: و في الصغائر خلاف ليس كتابنا هذا موضع بيانه، و قد بسطنا الكلام على ذلك في باب مفرد من جملة كتابنا الكبير في «متشابه القرآن» (1).

و له أيضا كتاب «الزيادات في شعر أبي تمّام» و كتاب الجيّد من شعره، و كتاب «تعليق خلاف الفقهاء» و كتاب تعليقه في «الإيضاح» لأبي علي.

و قد أنكر بعض المخالفين كون «نهج البلاغة» من جملة مؤلّفاته، و نسبه إلى أخيه المرتضى، و بعضهم أنكر كون جميع ما جمعه من كلام الإمام، و قال: إنّ كثيرا منه كلام محدث‏ (2) من علماء الشيعة، و نسبها بعض آخر إلى جامعه الرضي.

و قد بالغ ابن أبي الحديد المعتزلي في تزييف معتقداتهم جميعا، و أقام في شرحه المشهور على الكتاب المذكور، حججا قاطعة للكلام على كونه بتمامه من كلمات الإمام (عليه السلام)(3) و يكفينا في تصحيح نسبة الجمع إلى سيّدنا الرضي شهادة شيخنا النجّاشي- المطّلع الخبير و الثقة البصير، المعاصر لحضرة المؤلّف، بل الحاضر في حلقة إفادته و تدريسه- بأنّ له الكتاب المذكور؛ من غير إشارة إلى احتمال غير ذلك في حقّه‏ (4)، كما لا يخفى.

مضافا إلى تصريح نفس الرجل بذلك في مواضع من كتاب «مجازات الحديث» الذي لم يشكّ أحد في كونه من جملة مصنّفاته، منها ما ذكره (قدس سرّه) في ذيل قوله: و من ذلك قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في خطبة له: «ألا و إنّ الدنيا قد ارتحلت مدبرة،

____________

(1) انظر: الصفحة 254 من هذا الكتاب.

(2) يقال: هو رجل حدث و حدث؛ أي حسن الحديث و الكلام.

(3) انظر: شرح نهج البلاغة 1: 8 و 9.

(4) انظر: رجال النجاشي 398.

17

و إنّ الآخرة قد ارتحلت مقبلة» (1)، فقال: و هذه استعارة ... إلى أن قال: و يروى هذا الكلام على تغيير في ألفاظه لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) و قد أوردناه في كتابنا الموسوم ب «نهج البلاغة» و هو المشتمل على مختار كلامه (عليه السلام) في جميع المعاني و الاغراض و الأجناس و الأنواع‏ (2)، انتهى.

و يظهر أيضا من كتاب مجازاته المذكور أنّ من جملة مشايخه المعظّمين من علماء الجمهور؛ هو الشيخ أبو الفتح عثمان بن جنّي في النحو، و أبو الحسن علي بن عيسى الربعي، و أبو القاسم عيسى بن عليّ بن عيسى، و أبو عبيد اللّه محمّد بن عمران المرزباني، و غيرهم في الحديث، و القاضي عبد الجبّار البغدادي في الأصول، و الشيخ أبو بكر محمّد بن موسى الخوارزمي في الفقه، و عمر بن إبراهيم بن أحمد المقرئ أبو حفص الكتّاني في القراءة، فليلاحظ» (3).

مولده و وفاته:

ولد سنة تسع و خمسين. قال صاحب «الرياض» (رحمه اللّه): «كان عمره سبعا و أربعين سنة» فعلى هذا فوفاته سنة أربع و أربعمائة. و رثاه أخوه المرتضى بقصيدة مشهورة، من جملتها:

يا للرجال لفجعة جذمت‏ (4) يدي‏* * * و وددت لو ذهبت على رأسي»

(5)

و قال: «رأيت «المجازات النبوية» في ناحية عبد العظيم عند المدرس» (6).

____________

(1) الخصال 51: ح 62، تحف العقول: 281، خصائص الأئمّة: 96، الإرشاد 1: 230، البداية و النهاية 7: 342، لاحظ البحار 77: 117 ح 13.

(2) انظر: الصفحة 192 من هذا الكتاب.

(3) روضات الجنات 6: 190- 202.

(4) أي قطعت.

(5) الدرجات الرفيعة: 478.

(6) رياض العلماء 5: 84.

18

أساتذته و مشايخه:

الشيخ أبو عبد اللّه المفيد محمّد بن محمّد المعروف ب «ابن المعلّم»، المولود سنة 336، و المتوفّى سنة 413.

الشيخ عبد الجبّار بن أحمد الشافعي المعتزلي، قرأ عليه كتاب «شرح الاصول الخمسة» و «العمدة».

الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمّد الطبري الفقيه المالكي، قرأ عليه القرآن و هو شابّ، كذا في مقدّمة «البحار» الطبع الجديد.

الشيخ محمد بن موسى الخوارزمي، قرأ عليه أبوابا في الفقه.

الشيخ أبو عبد اللّه محمّد بن عمران المرزباني.

الشيخ أبو الحسن علي بن عيسى الربعي النحوي.

الشيخ أبو حفص عمر بن إبراهيم الكتّاني، قرأ عليه القرآن بروايات كثيرة (1).

الشيخ عبد اللّه بن محمّد الأسدي الأكفاني، قرأ عليه «مختصر أبي الحسن الكرخي».

الشيخ أبو الحسن علي بن عيسى الرمّاني، قرأ عليه كتبا في النحو و العروض و القوافي.

الشيخ ابن نباتة صاحب الخطب، و هو أبو يحيى عبد الرحيم بن محمّد.

الشيخ أبو الفتح عثمان بن جنّي.

الشيخ أبو سعيد الحسن بن عبد اللّه بن المرزبان السيرافي، قرأ عليه «مختصر الجرمي» في سنة أربع و أربعين.

الشيخ الجليل هارون بن موسى التلّعكبري.

____________

(1) لاحظ ما يأتي ص: 39.

19

الشيخ أبو نصر الغاري، ذكره في آخر الكتاب عند ذكر مشايخه من العامّة في طريق رواية «النهج».

الشيخ عبد الرحيم بن أحمد أبو الفضل الشيباني المعروف ب «ابن الإخوة» ذكره في آخر الشرح.

الشيخ أبو علي الحسن بن أحمد الفارسي النحوي.

الشيخ أبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى بن داود بن الجرّاح، شيخه في الحديث.

تلاميذه و الراوون عنه:

الشيخ المفيد أبو محمّد عبد الرحمان بن أحمد بن الحسين النيسابوري الخزاعي.

الشيخ أبو بكر أحمد بن الحسين بن أحمد النيسابوري الخزاعي.

القاضي أحمد بن علي بن قدامة.

السيّد أبو زيد عبد اللّه بن علي كيابكي بن عبد اللّه بن عيسى بن زيد بن علي الحسيني الكجي الجرجاني.

الشيخ أبو الحسن مهيار بن مرزويه الديلمي البغدادي الشاعر، قيل: «إنّه كان غلام السيّد المرتضى».

الشيخ جعفر بن محمّد بن أحمد الدوريستي الرازي.

القاضي السيّد أبو الحسن علي بن بندار بن محمّد الهاشمي.

الشيخ أبو منصور محمّد بن أبي نصر محمّد بن أحمد بن الحسين بن عبد العزيز العكبري المعدّل.

الشيخ أبو عبد اللّه محمّد بن علي الحلواني.

الشيخ أبو الأعزّ محمّد بن همام البغدادي.

20

العلوية السيّدة النقيّة بنت المرتضى أخيه، ذكرها القطب في آخر شرح «النهج».

الشيخ أبو نصر عبد الكريم بن محمّد بن الديباجي المعروف ب «سبط بشر الحافي» ذكره القطب في آخر شرح «النهج».

الشيخ أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي، ذكره القطب في أوّل الشرح. و فيه بعد؛ لأنّ شيخ الطائفة ورد بغداد بعد موت الرضي عليه بسنتين. و اللّه العالم.

آثاره العلمية:

نهج البلاغة.

أخبار قضاة بغداد.

تلخيص البيان عن مجازات القرآن.

حقائق التأويل في متشابه التنزيل.

الرسائل في ثلاثة مجلدات.

الزيادات في شعر ابن الحجّاج.

الزيادات في شعر أبي تمّام.

سيرة أبي طاهر والده.

كتاب ما دار بينه و بين أبي إسحاق الصابي.

مختار شعر أبي إسحاق الصابي.

منتخب شعر ابن الحجّاج، سمّاه «الحسن من شعر الحسين».

طيف الخيال، قيل: «هو لأخيه السيّد المرتضى».

تعليقة على إيضاح أبي علي الفارسي.

تعليق خلاف الفقهاء.

انشراح الصدر في مختارات من الشعر.

ديوان شعره.

21

منهج تحقيق الكتاب‏

خطوت في تحقيق هذا الكتاب المراحل التالية:

فأوّلا: اعتمدت على النسخة المطبوعة من قبل دار الأضواء في بيروت سنة 1406 ه. ق.

و ثانيا: قابلت الكتاب مع بعض نسخه الخطّية الموجودة، و أهمّها النسخة الرضويّة التي اصطلحنا عليها ب «الف» و نسخة اخرى اصطلحنا عليها ب «ب» و أوردنا الاختلافات في الهامش.

و ثالثا: قابلت أحاديث الكتاب مع المصادر الأصليّة من كتب الخاصّة و العامّة.

و رابعا: أوردت في الهامش تفسير و ضبط بعض المفردات غير المألوفة.

و خامسا: أثبتّ الأحاديث التي انفردت بها النسخ الخطّية دون النسخة المطبوعة في بيروت.

و سادسا: استخرجت الآيات و الأشعار من المصادر التي أشار المصنف إليها أو من مواضع اخر.

و سابعا: وضعت لكلّ حديث رقما من أجل تسهيل الفهرسة و الرجوع إلى المواضيع.

و ثامنا: وضعت الفهرس الفنّي للآيات و الأحاديث و الأشعار و الأعلام.

و لا يسعني في الخاتمة إلّا أن أشكر الباري سبحانه و تعالى على توفيقه في هذا المشروع الخطير منذ بدئه إلى نهايته، و أشكر الأعزّة الذين عاضدوني في مقابلة النسخ و استخراج المصادر، أخصّ بالذكر منهم سماحة السيّد مهدي الإمام، و سماحة الأخ كريم أكبري، و سائر الإخوة الأفاضل.

و قد كان الفراغ من تسويد هذه المقدّمة في يوم عيد الأضحى سنة 1419 ه.

ق ببلدة قم المقدّسة، و بيد أقلّ العباد الشيخ مهدي هوشمند.

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

[مقدمة المؤلف‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* أمّا بعد حمد اللّه سبحانه بمحامده التي يستحقّها، و اختصاص نبيّه محمّد و آله الطاهرين بالصلوات التي هم أهلها؛ فإنّي عرفت ما شافهتني به من استحسانك الخبيئة (1) التي أطلعتها، و الدفينة التي أثرتها من كتابي الموسوم ب «تلخيص البيان عن مجازات القرآن» و إنّي سلكت من ذلك محجّة لم تسلك، و طرقت بابا لم يطرق، و ما رغبت إليّ فيه من سلوك مثل تلك الطريقة في عمل كتاب يشتمل على مجازات الآثار الواردة عن رسول اللّه عليه الصلاة و السلام؛ إذ كان فيها كثير من الاستعارات البديعة، و لمع البيان الغريبة، و أسرار اللغة اللطيفة؛ يعظم النفع باستنباط معادنها، و استخراج كوامنها، و إطلاعها من أكمّتها و أكنانها (2)، و تجريدها من خللها (3) و أجفانها، فيكون هذان الكتابان- بإذن اللّه- لمعتين يستضاء بهما، و عرنينين‏ (4) لم اسبق إلى قرع بابهما، فأجبتك إلى ذلك- مستخيرا اللّه سبحانه فيه- على كثرة الأشغال القاطعة، و العوائق المانعة،

____________

(1) الخبيئة: ما خبّئت و غابت.

(2) الأكمّة: جمع كمّ؛ و هو الغلاف الذي ينشقّ عن الثمر و يحيط به، و الأكنان: جمع كنّ؛ و هو وقاء كلّ شي‏ء و ستره. أقرب الموارد 2: 1104 و 1109، مادّة (ك م م) و (ك ن ن).

(3) الخلل: جمع خلّة؛ و هي جفن السيف المغشّى بالأدم، و قيل: بطانة يغشّى بها جفن السيف. أقرب الموارد 1: 298- 299، مادّة (خ ل ل).

(4) عرنين الشي‏ء: أوّله، أي إنّ الكتابين أوّلان و سابقان في بابهما؛ لم يتقدّمها كتاب مثلهما. لسان العرب 9: 174، مادّة (ع ر ن).

28

و الأوقات الضيّقة، و الهموم المخنقة، و عملت- بتوفيق اللّه- على تتبّع ما في كلامه عليه الصلاة و السلام من ذلك، و الإشارة منه إلى مواضع النكت، و مواقع الغرض، بالاعتبارات الوجيزة، و الإيماءات الخفيفة؛ على طريقتي في كتاب:

«مجازات القرآن» لئلّا يطول الكتاب فيجفو (1) على الناظر، و يشقّ على الناقل؛ فإنّ القلوب في هذا الزمان ضعيفة عن تحمّل أعباء العلوم الثقيلة، و الإجراء (2) في مسافات الفضائل الطويلة؛ لأنّه لم يبق من الفضل إلّا الذّماء (3)، و من الفضلاء إلّا الأسماء، و للّه الحمد على السرّاء و الضرّاء، و البؤس و النعماء.

و لست شاكّا في أنّ ما يفوتني من الجنس الذي أقصده، أكثر من الحاصل لي و الواقع إليّ، و لكنّني أقتصر على ما تناله في هذا الوقت يدي، و يقرب من تصفّحي و تأمّلي، و إذا ورد- بمشيئة اللّه- من هذه الآثار ما فيه موضع مجاز قد تقدّم الكلام على نظير له أو ما يقوم مقامه، اقتصرت على القول الأوّل طلبا للاقتصاد، و وقوفا دون الإبعاد؛ على مثل الأصل المقرّر في كتاب «مجازات القرآن».

و لو لا أنّ أبا عليّ محمّد بن عبد الوهّاب قد سبق إلى تفسير متشابه الأخبار التي ظاهرها التشبيه و التجسيم، و صريحها التجوير و التظليم، و استقصى هذا المعنى في كتابه الموسوم ب «شرح الحديث» و تعاطي ذلك جماعة غيره من علماء أهل العدل في مواضع من كتبهم، لتتبّع هذا الفنّ جميعا تتبّعا يكشف‏

____________

(1) أي يثقل.

(2) يقال: أجرى الفرس و غيره؛ أي جعله يجري. أقرب الموارد 1: 119، مادّة (ج ز ي).

(3) الذّماء: بقيّة النفس، و في المثل «أطول ذماء من الضبّ» لأنّه إذا قتل يبطئ كثيرا تمام موته. أقرب الموارد 1: 373، مادّة (ذ م ي).

29

الشبه، و يوضح المشتبه؛ على طريقتي في كتابي الكبير الموسوم ب «حقائق التأويل في متشابه التنزيل» إلّا أنّني- بعون اللّه- أورد من ذلك ما كان داخلا في باب الاستعارات اللغوية بكلّية، أو بشعبة كبيرة من شعبه‏ (1).

و الذي أعتمد عليه في استخراج ما يتضمّن الغرض الذي أنحو نحوه و أقصد قصده؛ كتب غريب الحديث المعروفة، و أخبار المغازي المشهورة، و مسانيد المحدّثين الصحيحة، مضيفا إلى ذلك ما يليق بهذا المعنى من جملة كلامه عليه الصلاة و السلام الموجز الذي لم يسبق إلى لفظه، و لم يفترع‏ (2) من قبله. و جميع ذلك ممّا أتقنّا بعضه رواية، و حصّلنا بعضه إجازة، و خرّجنا بعضه تصفّحا و قراءة، مستمدّين في ذلك- و في سائر الأنحاء و المرامي، و المطالب و المغازي- توفيق اللّه سبحانه الذي يهوّن الشديد، و يقرّب البعيد، و يذلّل الصعب إذا أبى، و يقوّم المعوّج إذا التوى، و ما توفيقنا إلّا باللّه، عليه توكّلنا، و إليه ننيب.

____________

(1) في نسخة: بسعة كثيرة من سعته.

(2) يقال: افترعت الجارية؛ أي أزلت بكارتها، و لعلّه مأخوذ من قولهم: «نعم ما افرغت» أي ابتدأت.

30

[المجاز] (1)

فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ:

«هَذِهِ مَكَّةُ قَدْ رَمَتْكُمْ بِأَفْلَاذِ كَبِدِهَا»

(1)

.

وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «قَدْ أَلْقَتْ إِلَيْكُمْ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا»

(2).

و هذه من أنصع‏ (3) العبارات، و أوقع الاستعارات.

وَ قَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ عِنْدَ خُرُوجِهِ إِلَى بَدْرٍ لِلْقِتَالِ، وَ قَدْ خَرَجَ قُرَيْشٌ مِنْ مَكَّةَ مُجْلِبَةً عَلَيْهِ، وَ مُجْلِبَةً إِلَيْهِ، وَ كَانَ الْمُسْلِمُونَ قَدْ ظَفِرُوا بِبَعْضِ فُرَّاطِهِمْ‏

(4)

، فَأَتَوْا بِهِ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ، فَسَأَلَهُ عَمَّنْ خَرَجَ فِي ذَلِكَ الْجَمْعِ مِنْ عِلْيَةِ

(5)

قُرَيْشٍ، فَقَالَ: فُلَانٌ وَ فُلَانٌ، وَ عَدَّدَ قَادَتَهُمْ وَ ذَادَتَهُمْ‏

(6)

وَ الْوُجُوهَ وَ السَّادَاتِ مِنْهُمْ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ: «هَذِهِ مَكَّةُ قَدْ رَمَتْكُمْ بِأَفْلَاذِ كَبِدِهَا».

و لهذا الكلام معنيان:

أحدهما: أن يكون المراد به أنّ هؤلاء المعدودين صميم قريش و محصنها، و لبابها و سرّها، كما يقول القائل منهم: «فلان قلب في بني‏

____________

(1) نثر الدر 1: 196، و فيه: «قد ألقت إليكم» النهاية في غريب الحديث 3: 470، تاج العروس 5:

387، مادة (ف ل د) قال الزبيدي: «الأفلاذ من الأرض: كنوزها و أموالها، و قد جاء في حديث أشراط الساعة: و تقي‏ء الأرض بأفلاذ كبدها».

(2) نثر الدر 1: 196، البداية و النهاية 3: 324.

(3) نصع الأمر: وضع و بان. لسان العرب 8: 355، مادّة (ن ص ع).

(4) الفرّاطة: جمع الفارط، و هو المتقدّم إلى الماء، يتقدّم الواردة، فيهي‏ء لهم الارسان و الدلاء، و يملأ الحياض، و يسقي لهم. لسان العرب 7: 366، مادّة (ف ر ط).

(5) عليه القوم: أشرافهم. لسان العرب 15: 86، مادّة (ع ل و).

(6) الذادة: جمع ذائد، و هو المحامي و المدافع.

31

فلان» إذا كان من صرحائهم‏ (1)، و في النّضار (2) من أحسابهم، فيجوز أن يكون المراد ب «الكبد» هاهنا كالمراد ب «القلب» هناك؛ لتقارب الشيئين، و شرف العضوين، فيكنّى باسم كلّ واحد منهما عن العلق‏ (3) الكريم، و اللباب الصميم.

و الأفلاذ: القطع المتفرّقة عن الشي‏ء، و قلّ ما يستعمل ذلك إلّا في الكبد خاصّة، قال الشاعر:

تكفيه فلذة كبد إن ألمّ بها* * * من الشّواء و يروي شربه الغمر

(4) و المعنى الآخر: أن يكون المراد بذلك أعيان القوم و رؤساؤهم، و العرانين المتقدّمة منهم، فكأنّه عليه الصلاة و السلام أقام مكّة مقام الحشا التي تجمع هذه الأعضاء الشريفة، كالقلب و النياط (5) و الكبد و الفؤاد، و جعل رجال قريش كشعب الكبد التي تحنو (6) عليها الأضالع، و تشتمل عليها الجوانح وقاية لها، و رفرفة عليها.

[المجاز] (2)

وَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ‏

وَ قَدْ نَظَرَ إِلَى أُحُدٍ مُنْصَرَفَهُ مِنْ غَزَاةِ خَيْبَرَ: «هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَ نُحِبُّهُ»

(7)

.

____________

(1) الصّرحاء: جمع الصريح، و هو الرجل الخالص النسب. لسان العرب 2: 509، مادّة (ص ر ح).

(2) أي الخالص النسب.

(3) أي النفيس.

(4) الكامل 4: 65، أمالي المرتضى 1: 66 و 3: 111، غريب الحديث للهروي 2: 35، 402، و فيهما:

«حزّة فلذ».

(5) عرق غليظ نيط به القلب إلى الوتين، فإذا قطع مات صاحبه.

(6) تحنو: تكبّ و تعطف و تشفق. لسان العرب 14: 203، مادّة (ح ن و).

(7) الموطّأ: 2: 889: 10، 893: 20، مسند أحمد 3: 149، 159، صحيح البخاري 3: 223، 225 و 5: 40 و 6: 207 و 8: 153، صحيح مسلم 4: 114، سنن الترمذي 5: 379: 4041، السنن الكبرى 5: 197، مجمع الزوائد 4: 13 و 10: 42، كنز العمّال 12: 268: 34989، 34992، 34994، 14:

143: 38184، إعلام الورى: 124.

32

و هذا القول محمول على المجاز؛ لأنّ الجبل- على الحقيقة- لا يصحّ أن يحبّ و لا يحبّ؛ إذ محبّة الإنسان لغيره إنّما هي كناية عن إرادة النفع له، أو التعظيم المختصّ به؛ على ما بيّناه في عدّة مواضع من كتابينا المشهورين في علوم القرآن، و كلا الأمرين لا يصحّ على الجماد؛ لا التعظيم المختصّ به، و لا النفع العائد عليه، فمستحيل أن يعظّم أو يعظّم، أو ينفع أو ينتفع به، فالمراد إذا أنّ أحدا جبل يحبّنا أهله، و نحبّ أهله، و أهله هم أهل المدينة من الأنصار؛ أوسهم و خزرجهم، و غير خاف حبّهم النبيّ عليه الصلاة و السلام، و حبّه لهم، و تعظيمهم له، و إعظامه لقدرهم؛ ألا ترى إلى‏

قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ فِي كَلَامٍ طَوِيلٍ:

«... وَ لَوْ سَلَكَ الْأَنْصَارُ شِعْباً وَ سَلَكَ النَّاسُ شِعْباً، لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ، وَ لَوْ لَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ»

(1) ... إلى غير ذلك من الكلام الذي يطول بذكره الكتاب، و ينقض قاعدتنا في الاختصار.

و مثل هذا الحديث ما روي عنه عليه الصلاة و السلام في حديث آخر،

قَالَ:

«نَهْرَانِ مُؤْمِنَانِ، وَ نَهْرَانِ كَافِرَانِ: أَمَّا الْمُؤْمِنَانِ فَالنِّيلُ وَ الْفُرَاتُ، وَ أَمَّا الْكَافِرَانِ فَدِجْلَةُ وَ نَهْرُ بَلْخَ»

(2).

____________

(1) مسند أحمد 3: 172 و 5: 137- 138، صحيح مسلم 3: 106، مجمع الزوائد 10: 29، كنز العمّال 12: 17: 33764، البداية و النهاية 4: 410.

(2) النهاية 1: 69، و 5: 135، الكافي 6: 391: 5، و قد رواه عن الإمام الحسن (عليه السلام)، البحار 60:

42: 11 و 100: 230: 20، مجمع البحرين 1: 114.

33

و الأولى أن يكون تأويل هذا الخبر- إن كان صحيحا- كتأويل الخبر المتقدّم، فكأنّه عليه الصلاة و السلام قال: أهل هذين النهرين مؤمنون، و أهل هذين النهرين كافرون، و تكون هاتان الصفتان جاريتين على هذه الأنهار في وقت مخصوص، أو على الأغلب من الأحوال في زمان معلوم؛ لأنّ من أهل هذين النهرين المؤمن و الكافر، كما أنّ من أهل ذينك النهرين البرّ و الفاجر.

و قد قيل في ذلك قول آخر لست أرتضيه: «و هو أن يكون إنّما جعل النيل و الفرات مؤمنين على التشبيه و التمثيل؛ لكثرة انتفاع الناس بسقياهما كالانتفاع بالمؤمنين، و جعل دجلة و نهر بلخ كافرين؛ لقلّة الانتفاع بهما، كقلّة الانتفاع بالكافرين» و القول الأوّل أخلق‏ (1) بالصواب، و أشبه بالمراد.

[المجاز] (3)

وَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ:

«الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ‏

(2)

، وَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، وَ هُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ»

(3)

.

فقوله عليه الصلاة و السلام: «و هم يد على من سواهم» استعارة و مجاز، و لذلك وجهان:

____________

(1) أي أجدر.

(2) أي يؤمّن و يغاث.

(3) أمالي المفيد: 187، الكافي 1: 404، تهذيب الأحكام 4: 131، الخصال: 150: 182، سنن النسائي 8: 20، مسند أحمد 1: 122، سنن ابن ماجة 2: 895: 2683، سنن أبي داود 1:

625: 2751، السنن الكبرى 8: 29، كنز العمّال 1: 99: 444.

34

أحدهما: أن يكون عليه الصلاة و السلام شبّه المسلمين في التضافر و التوازر و الاجتماع و الترافد، باليد الواحدة التي لا يخالف بعضها بعضا في البسط و القبض، و الرفع و الخفض، و الإبرام و النقض، و قد يسمّى أنصار الرجل و أعوانه «يدا» على طريق الاتساع، تشبيها لهم باليد التي ينتصر بها و يدافع بقوّتها قال الراجز:

أعطى فأعطاني يدا و دارا* * * و باحة (1) خوّلها عقارا

(2)

يقول: بوّأني دارا، و أحفّ بي أعوانا و أنصارا.

و الوجه الآخر: أن يكون «اليد» هاهنا بمعنى القوّة، فكأنّه عليه الصلاة و السلام قال: و هم قوّة على من سواهم، و القوّة أحد المعاني التي يعبّر عنها باسم «اليد» و قد استقصيت ذلك في كتابي الكبير الموسوم ب: «حقائق التأويل» و ذكرت أنّ قول القائل: «لا أفعل ذلك يد الدهر» معناه عندي: لا أفعل ذلك قوّة الدهر؛ أي مادام الدهر قويّ الأركان، قائم البنيان.

فأمّا الحديث الآخر عنه عليه الصلاة و السلام، و هو

قَوْلُهُ:

«عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ؛ فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ عَلَى الْفُسْطَاطِ»

(3).

فليس المراد «باليد» فيه كالمراد «باليد» في الحديث الأوّل، بل المراد «باليد» هاهنا حفظ اللّه و رعايته، كما يقول القائل: «مالي في يد فلان» إذا أراد أنّه حافظ له، و أمينه عليه.

____________

(1) الباحة: باحة الدار، و هي ساحتها، و الباحة: عرصة الدار. لسان العرب 2: 416.

(2) لسان العرب 2: 416، مادّة (ب و ح).

(3) غريب الحديث لابن قتيبة 1: 100: 41، النهاية في غريب الحديث 5: 293، معجم مقاييس اللغة 4: 502، مجمع البحرين 1: 488.

35

و «الفسطاط» هاهنا: البلد، و منه سمّي «فسطاط مصر» فكأنّه عليه الصلاة و السلام أمرهم بلزوم الجماعة في الأمصار، و نهاهم عن الانشعاب و الافتراق، و لم يرد أنّ الخارج عن المصر خارج‏ (1) عن قبضة اللّه و مملكته، لكنّه خارج عن حفظه و رعايته.

و إنّما أمرهم بلزوم الأمصار، لأنّها- في الأكثر- مواضع الجماعة، و إلّا فالأمر- على الحقيقة- إنّما هو بلزوم الجماعة و لو كان أهلها في أكناف الفيافي و مطارح البوادي‏ (2).

[المجاز] (4)

وَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ فِي الْخَيْلِ:

«ظُهُورُهَا حِرْزٌ، وَ بُطُونُهَا كَنْزٌ»

(3)

.

و هذا القول خارج على طريق المجاز؛ لأنّ بطون الخيل- على الحقيقة- ليست بكنز، و إنّما أراد عليه الصلاة و السلام أنّ أصحابها ينتجونها (4) من الأفلاء (5) ما تنمّى به أموالهم، و تحسن معه أحوالهم، فهم باستيداع بطونها نطف الفحولة كمن كنز كنزا؛ إذا أراده وجده، و إذا لجأ إليه دعم ظهره، كما يكون الكانز عند الرجوع إلى كنزه و التعويل على ما تحت يده.

و قوله عليه الصلاة و السلام: «و ظهورها حرز» أوضح من أن نوضّحه،

____________

(1) في نسخة ب: فارع بدل خارج.

(2) الفيافي: جمع فيفاء، و هي البراري الواسعة و الصحراء الملساء، النهاية 3: 485، و المطارح: جمع مطرح، من طرحت النوى بفلان كلّ مطرح: إذا نأت به. لسان العرب 2: 529.

(3) نثر الدر 1: 152، تأريخ اليعقوبي 1: 101، عنه البحار 60: 185: 15.

(4) أي يعلفونها.

(5) الأفلاء: جمع فلاة، و هي الصحراء الواسعة.

36

و المراد: أنّها منجاة من المعاطب، و ملجاة (1) عند المهارب.

[المجاز] (5)

وَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ‏ (2):

«فِي الْجَنِينِ غُرَّةٌ

(3)

؛ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ»

(4)

.

و في هذا الكلام مجاز؛ لأنّه عليه الصلاة و السلام إنّما جعل العبد أو الأمة غرّة؛ لأنّهما أفضل ما يملكه المالك و أفخره، و أظهره و أشهره، و لذلك سمّي أيضا في لسانهم الفرس «غرّة» لأنّه من أنفس ما يملك.

و لمثل هذا المعنى أيضا سمّوا الخيل «جبهة»

وَ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ:

«لَيْسَ فِي الْجَبْهَةِ وَ لَا فِي النُّخَّةِ وَ لَا فِي الْكُسْعَةِ صَدَقَةٌ»

(5)، و «النَّخَّة»:

الرقيق، و من قال: «النُّخَّة» بالضمّ قال: «هي البقر العوامل» و «الكُسْعَة»:

الحمير. و هذا أشهر الأقوال في هذا الحديث، قال ابن أحمر:

إن نحن إلّا أناس أهل سائمة* * * و ما لهم دونها حرث و لا غرر (6)

أي: ليس لهم زرع يعتمد، و لا خيل تقتعد (7).

____________

(1) ملجاة: يحذف الهمزة، و إنّما حذفت تخفيفا و مزاوجة مع كلمة منجاة.

(2) نقله البيهقي في سننه عن أبي هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت احدهما الاخرى بحجر فأصابت بطنها فقتلتها و ألقت جنينها، فقضى رسول اللة (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بديتها على عاقلة الاخرى ... الخ.

(3) غرّة المال: خياره و أنفسه، كالجمال و الخيل و العبيد في ذلك الزمان، و في اصطلاح الفقهي: ما بلغ ثمنه من العبيد و الاماء نصف عشر الدّية.

(4) مسند أحمد 2: 438، السنن الكبرى 8: 115، مجمع الزوائد 6: 299، كنز العمّال 15:

58/ 40079، عوالي اللآلي 3: 648.

(5) النهاية في غريب الحديث 1: 237، الفائق 1: 184، السنن الكبرى 4: 118.

(6) ديوان ابن أحمر: 107، لسان العرب 4: 214. في نسخة ب: ما إن لهم دونها حرث و لا غرر.

(7) أي تركب.

37

و قال الآخر:

كلّ قتيل في كليب غرّة* * * حتّى ينال القتل آل مرّة (1)

يقول: كلّ قتيل نقتله بكليب- من غير آل مرّة- عبد لا نقبله‏ (2) بواء (3)، و لا نرضى به كفاء (4).

و كأنّ فحوى الكلام: أنّ العبد و الأمة و الفرس من أظهر الأشياء (5) المملوكة، و أدلّها على وفارة الثروة، و فخامة النعمة؛ لأنّ غيرها من الأعراض- في الأكثر- لا يشتهر اشتهارها، و لا ينتشر انتشارها.

[المجاز] (6)

وَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ:

«إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْراً عَسَلَهُ» قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَ مَا عَسَلُهُ؟ قَالَ: «يَفْتَحُ لَهُ بَيْنَ يَدَيْ مَوْتِهِ عَمَلًا صَالِحاً يُرْضِي حَتَّى يَرْضَى عَنْهُ مَنْ حَوْلَهُ»

(6)

.

و في هذا الكلام مجازان:

أحدهما: قوله عليه الصلاة و السلام: «عسله» و هو مأخوذ من العسل، كما يقول القائل: «عسلت الطعام» إذا جعل فيه عسلا، و «سمنته» (7) إذا جعل فيه سمنا، و «زيّتّه» إذا جعل فيه زيتا، و معنى «عسله»: أي جعل‏

____________

(1) الأغاني 5: 40، لسان العرب 5: 18، العين 4: 347.

(2) في نسخة: لا نقتله.

(3) أي مثلا و مساويا لنا.

(4) أي مساويا.

(5) في نسخة: الأسماء.

(6) مسند أحمد 4: 200، كنز العمّال 11: 95: 30763، 101: 30796، 102: 30798، الفتح الكبير 1: 73.

(7) في نسخة ب: أسمنته.

38

عمله حلوا يحمده الصالحون، و يرضاه المتقون، فيكون كالشي‏ء المعسول الذي يسوغ في اللهوات، و يلذّ على المذاقات.

و المجاز الآخر: قوله عليه الصلاة و السلام: «بين يدي موته» و لا يد للموت على الحقيقة، و لكنّها كناية عن الشي‏ء الواقع أمام الشي‏ء المتوقّع، و قد تكلّمنا على هذا المعنى في كتاب «مجازات القرآن» عند قوله سبحانه في البقرة: فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَ ما خَلْفَها (1)، و عند قوله تعالى في سبأ: إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (2) (3)، و ذلك كما تقول‏ (4) لمن يسأل عن أحد بالعشيرة، و هو سالك طريق وسائل عن رفيق:

«ها هو ذا بين يديك» أي قد تقدّمك، و لا يقال ذلك إلّا فيما إذا كنت وراءه، و هو أمامك، لا فيما كنت أمامه و هو وراءك، و كلّ ذلك إنّما يراد به- في الأكثر- تقريب الشي‏ء من الإنسان حتّى كأنّه لفاف‏ (5) يده، و قراب‏ (6) تناوله، كما تقول: «هذا الشي‏ء أخذ يدي» أي ممكن لها، و قريب من تناولها.

[المجاز] (7)

وَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ:

«وَيْلٌ لِأَقْمَاعِ‏

(7)

الْقَوْلِ، وَيْلٌ‏

____________

(1) البقرة (2): 66.

(2) سبأ (34): 46.

(3) مجازات القرآن: 115- 116.

(4) في نسخة ب: كما يقول أحدنا لغيره.

(5) اللّفافة: ما يلفّ على اليد و الرّجل و غيرهما.

(6) أيّ قريب.

(7) الأقماع: جمع قمع، و هو آله توضع على فم الإناء، فيصبّ فيه الماء و غيره.

39

لِلْمُصِرِّينَ»

(1)

.

و في هذا الكلام مجاز و استعارة؛ لأنّه عليه الصلاة و السلام عنى به الذين يكثرون استماع الأقوال، و اختلاف الكلام، فيكون ذلك ثالما في دينهم، و قادحا في يقينهم، فشبّه عليه الصلاة و السلام آذانهم بالأقماع التي يفرغ فيها ضروب القول إفراغ المائعات، و هذه من أحسن العبارات عن هذا المعنى؛ لأنّ الآذان هي الطرق التي يوصل منها إلى الصدور، و الأنقاب‏ (2) التي يدخل منها على القلوب، فهي أبواب موصلة، و طرق مبلغة.

و قد حمل بعض العلماء هذا الحديث على تأويل غير مشبه لفحوى اللفظ؛ لأنّه قال: «المراد بذلك الذين تتكرّر المواعظ على أسماعهم و هم مع ذلك مصرّون على المعاصي، و موضعون‏ (3) في طرق المغاوي‏ (4)».

و هذا القول و إن كان سائغا، فإنّ الأشبه بظاهر الكلام أن يكون على ما قدّمت القول فيه؛ من ذمّ من يجعل سمعه مساغا للأقوال المختلفة و الأنباء المتضادّة، و يكون قوله عليه الصلاة و السلام: «المصرّين» تماما لهذا المعنى المراد، و مبالغة في وصف هؤلاء المذمومين بكثرة استماع‏

____________

(1) مسند أحمد 2: 165، 219، مجمع الزوائد 1: 191، كنز العمّال 3: 5976164، الدرّ المنثور 2:

78.

(2) الأنقاب: جمع نقب؛ و هو الثقب، الجبل.

(3) أي مسرعون.

(4) المغاوي: جمع مغواة و مغوّاة، و هي المضلّة.

40

الأقوال، فيكون ذلك من قولهم: «أصرّ الفرس اذنيه» إذا نصبهما للتوجّس‏ (1)؛ لأنّه يقال: «أصرّ أذنيه» و «صرّ بأذنيه» و هذا التأويل لم أعلم أحدا سبقني إليه.

[المجاز] (8)

وَ مِنْ ذَلِكَ‏

قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ حِينَ أَتَاهُ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ وَ ابْنُ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَسْأَلَانِهِ عَنْ أَبَوَيْهِمَا السِّقَايَةَ

(2)

، فَتَوَاكَلَا الْكَلَامَ‏

(3)

، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ: «أَخْرِجَا مَا تَصُرَّانِ»

(4)

.

و في هذا القول استعارة؛ لأنّه (عليه السلام) أراد: أظهرا ما تكتمان في قلوبكما، و صرّحا بما تلجلج به ألسنتكما، فجعل القلب بمنزلة الوعاء، و الكتمان بمنزلة الوكاء (5)، و الأمر المكتوم بمنزلة الشي‏ء الموعى، و كلّ شي‏ء جمعته فقد صررته، و منه قيل للأسير: «مصرور» إذا جمعت يداه بالغلّ، و قدماه بالحجل.

[المجاز] (9)

وَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ عِنْدَ كَلَامٍ جَرَى فِي شَأْنِ قُرَيْشٍ:

«فَإِنِ اتَّبَعُونَا اتَّبَعَنَا مِنْهُمْ عُنُقٌ يَقْطَعُهَا اللَّهُ»

(6)

.

و في هذا القول استعارة؛ لأنّه عليه الصلاة و السلام شبّه من تبعه منهم-

____________

(1) أي لتسمّع الصوت الخفيّ.

(2) في المصادر: السعاية، و الموجود في المتن أصحّ؛ لأنّه ورد في أمر نيابة كلّ منهما في سقاية الحاجّ، و هي من مظاهر الشرف عند العرب في الجاهلية.

(3) أي اتكل كلّ واحد على صاحبه فيه.

(4) النهاية في غريب الحديث 3: 23، و فيه: «ما تصرّانه». شرح الأخبار 2: 487 بلفظ «تسرّان» طبقات ابن سعد 4: 58.

(5) الوكاء: رباط القرية و غيرها، يقال وكاها يكيها وكيا و أوكاها و عليها؛ إذا ربطها بالوكاء.

(6) تاريخ الطبري 2: 620، تاريخ بغداد 11: 311، كنز العمّال 10: 489: 30154، و فيه: «قطعها اللّه».

41

في التلاحق و الامتداد و الجدّ و الاجتهاد- بالعنق الواحدة التي لا تختلف أجزاؤها، و لا تتباين أعضاؤها، فهو أشدّ لقوّتها، و أوهن لصدمتها.

و على هذا المعنى قول الشاعر- و أنشدناه شيخنا أبو الفتح عثمان بن جنّي النحوي (رحمه اللّه) في حال القراءة عليه-:

أبلغ أمير المؤمنين‏ (1) أخا العراق إذا أتيتا* * * أنّ العراق و أهله‏

عنق إليك فهيت هيتا (2)

و لقول الشاعر: «عنق إليك» معنيان:

أحدهما: أن يكون على الوجه الذي ذكرناه أوّلا من تشبيه الطالبين له و القاصدين إليه، بالعنق في التلاحق إلى فنائه، و التسرّع إلى لقائه.

و المعنى الآخر: أن يكون أراد أنّ‏ (3) أهل العراق على توقّع لوروده، و تشوّق إلى طلوعه، فهم كالعنق الممتدّة نحوه، و ذلك على المتعارف بيننا من قول القائل منّا إذا أراد أن يعبّر عن انتظاره لوارد أو توقّعه لطالع أن يقول: «عنقي ممتدّة إلى ورود فلان» كما يقول: «عيني ممدودة إلى طلوع فلان» و قول الشاعر في البيت الثاني: «فهيت هيتا» يشهد بأنّ مراده الوجه الأخير من الوجهين؛ لأنّ في هذا القول حثّا له على التعجّل، و إزعاجا (4) إلى التسرّع.

____________

(1) أي أمير المؤمنين حقّا؛ أعني أبا الأئمّة الأطهار عليّ بن أبي طالب (صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين).

(2) لسان العرب 10: 273.

(3) لا توجد في النسخة: ألف.

(4) أي إقلاقا و قلعا و حثّا.

42

فأمّا قول اللّه سبحانه و تعالى: فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ‏ (1)، فقد فسّر أيضا على وجهين أوردناهما في مواضع من كلامنا في تأويل القرآن‏ (2):

فأحد الوجهين: أن يكون سبحانه ذكر الأعناق، ثمّ ردّ الذكر على أصحاب الأعناق؛ لأنّ خضوع الأعناق هو خضوع أصحابها لمّا لم يكن خضوعهم إلّا بها.

و الوجه الآخر: أن يكون أراد الجماعات؛ لأنّه قد تسمّى الجماعة «عنقا» على الوجه الذي قدّمنا ذكره، يقول القائل: «جاءني عنق من الناس» أي جماعة، فيكون‏ خاضِعِينَ‏ صفة للجماعات، و المعنى في ذلك ظاهر غير محتاج إلى التأويل.

و قد يجوز أن يكون «الأعناق» هاهنا كناية عن السادات و المتقدّمين من القوم، يقال: «هؤلاء أعناق القوم» أي ساداتهم، كما يقال: «هؤلاء رؤوسهم و عرانينهم» (3) ذكر ذلك صاحب «العين» في كتابه‏ (4).

و قال لي أبو حفص عمر بن إبراهيم الكتّاني- صاحب ابن مجاهد، و قد قرأت عليه القرآن بروايات كثيرة-: «سمعت أبا بكر بن سفيان‏ (5) النحوي صاحب المبرّد يقول: أولى الوجوه بتأويل هذه الآية أن يكون‏ خاضِعِينَ‏

____________

(1) الشعراء (26): 4.

(2) مجازات القرآن: 170.

(3) أي ساداتهم و أشرافهم.

(4) انظر كتاب العين 1: 191.

(5) في نسخة ب: أبا بكر بن شقر.

43

مردودا على الضمير في‏ أَعْناقُهُمْ‏ فكأنّه تعالى قال: فظلّوا هم لها خاضعين» (1).

و يبعد أن يحمل قوله عليه الصلاة و السلام في هذا الخبر: «عنق يقطعها اللّه» على أنّه أراد به الجماعة؛ لأنّ قوله «يقطعها اللّه» بالعنق المعروفة- التي هي العضو المخصوص- أشبه، و في موضع الكلام أحسن. و إنّما جاء ب «العنق» هاهنا على طريق الاستعارة؛ تشبيها للقوم الذين ذكر اتباعهم له بالعنق في الاحتشاد لطلبه، و الامتداد لللّحاق به.

[المجاز] (10)

وَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ فِي كِتَابٍ مِنْ كُتُبِهِ:

«هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لِعَمَائِرِ

(2)

كَلْبٍ وَ أَخْلَافِهَا وَ مَنْ ظَأَرَهُ الْإِسْلَامُ مِنْ غَيْرِهَا»

(3)

.

و في هذا الكلام استعارة؛ لأنّ «الظأر»- في الحقيقة-: العطف، و منه ظأر الناقة: و هو أن يموت ولدها، فتعطف على البوّ (4) الذي يجعل لها لتدرّ عليه لبنها. و أصله العطف على الشي‏ء بالأخذ و الحمل، لا بالاختيار و الطوع، و يبيّن هذا المعنى قول الكميت الأسدي:

و هم رئموها (5) غير ظأر و أشبلوا* * * عليها بأطراف القنا و تحدّبوا

(6)

____________

(1) الكامل 5: 2، المقتضب 4: 198 و 199.

(2) العمائر: جمع عميرة، و هي دون القبيلة.

(3) العقد الفريد 2: 29، النهاية في غريب الحديث 3: 114، 299، الفائق 3: 26.

(4) البوّ: جلد الفصيل الميّت، يحشى بالتبن أو غيره، فيقرّب من امّه لتعطف عليه و تدرّ.

(5) كذا في شرح الهاشميات: 65، و في الأصل: رأّموها، و ما أثبتناه أولى.

(6) شرح هاشميات الكميت: 65.

44

أي عطفوا عليها طائعين مختارين، لا مجبرين محمولين. ثمّ استعمل بعد ذلك فيمن عطف طائعا، كما استعمل فيمن عطف كارها، فكأنّه عليه الصلاة و السلام جعل الإسلام يعطف على الدخول فيه؛ إمّا طوعا و مشيئة، أو عنادا و خيفة.

و من أمثال العرب: «الطّعن يظأر» (1)؛ أي يعطف على السلم و التواهب، و يحمل على البقيا و التقارب‏ (2).

[المجاز] (11)

وَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ لِحَادِي مَطِيِّهِ‏ (3):

«يَا أَنْجَشَةُ، رِفْقاً بِالْقَوَارِيرِ»

(4).

و هذه استعارة عجيبة؛ لأنّه عليه الصلاة و السلام شبّه النساء- في ضعف النحائز (5) و وهن الغرائز- بالقوارير الرقيقة التي يوهنها الخفيف، و يصدعها اللطيف، فنهى عن أن يسمعهنّ ذلك الحادي ما يحرّك مواضع الصبوة (6)، و ينقض معاقد العفّة.

____________

(1) مجمع الأمثال 1: 432، لسان العرب 4: 515. رئموها: أي قبل الأنصار دعوة الإسلام و عطفوا عليها مختارين غير مكرهين، من غير ظأر: أي لم يكن عطفهم على الدعوة لإكراه و إجبار، و أشبلوا:

أي دافعوا عن الدعوة الإسلامية طائعين، القنا: جمع قناة، و هي الرمح، و تحدّبوا: تآزروا على نصرتها.

(2) فأخف الناس حتّى يحبّوك.

(3) المطيّ: جمع مطيّة، و هي الدابة.

(4) إعلام الورى: 146، أخرجه أحمد و مسلم عن أنس: قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في بعض أسفاره و غلام أسود يقال له «أنجشة» يحدو بنسائه، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «يا أنجشة و يحك! إرفق بالقوارير». مسند أحمد 3: 172، 187، 202، صحيح مسلم 4: 1445: 2323.

(5) النّحائز: جمع النّحيزة: الطبيعة و الغريزة، لسان العرب 5: 415، مادّة (ن ح ز).

(6) و الصبوة: جهله الفتوّة و اللهو من الغزل، لسان العرب 14: 449، مادّة (ص ب و).

45

و قد حمل بعض العلماء قوله تعالى: قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً (1) على أنّ المراد به غير الزجاج هاهنا (2)، و «القارور»: فاعول من استقرار الشي‏ء فيه، فكأنّه قرار للشراب و غيره من المائعات، فيصلح أن يكون للزجاج، و يكون لغير الزجاج.

و أمّا عامّة المفسّرين فيذهبون إلى أنّ تلك الآنية الموصوفة من فضّة و لكنّها تشفّ‏ (3) شفيف القوارير من الزجاج، فهو أعجز لتصويرها و أعجب لتقديرها إذا كانت جامعة للرقّة اللطيفة، و القوّة الحصيفة (4) (5).

[المجاز] (12)

وَ مِنْ ذَلِكَ‏

قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ وَ قَدْ تَذَاكَرَ النَّاسُ عِنْدَهُ أَمْرَ الطَّاعُونِ، وَ انْتِشَارَهُ فِي الْأَمْصَارِ وَ الْأَرْيَافِ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ: «فَإِنِّي أَرْجُو أَلَّا يَطْلُعَ إِلَيْنَا نِقَابَهَا»

(6)

.

يعني: نقاب المدينة، و «النقاب»: جمع نقب، و هو الطريق في الجبل.

و في هذا الكلام استعارة حسنة؛ لأنّه عليه الصلاة و السلام أقام هذا الداء المسمّى ب «الطاعون»- في تغلغله إلى البلاد المنيعة، و ذهابه بالأعلاق‏ (7) الكريمة- مقام الجيش المغير الذي يوفي على الأنشاز (8)،

____________

(1) الإنسان (76): 16.

(2) هداية المسترشدين: 54.

(3) أي ترقّ.

(4) انظر الكشّاف للزمخشري 4: 671، تفسير القرطبي 19: 92.

(5) أي المحكمة.

(6) مسند أحمد 5: 207، مجمع الزوائد 3: 309، كنز العمّال 12: 249: 34900 و 14: 139: 38170.

(7) الأعلاق: جمع علق، و هو النفيس.

(8) الأنشاز: جمع النّشز: المتن المرتفع من الأرض. لسان العرب 5: 417، مادّة (ن ش ز).

46

و يهجم على الحصون و الديار، يقال: «طَلَعَ فُلَانٌ الثَّنِيَّةَ» (1) إذا أوفى عليها و قرع ذروتها، و من أحسن التمثيل و أوقع التشبيه أن تشبّه أسباب الموت و طوارق الدهر بالجيش الهاجم، و المقنب‏ (2) المصمّم الذي تخاف سطوته، و تنكأ شوكته‏ (3)، و لا يسدّ طريقه، و لا يؤمن طروقه‏ (4).

و قوله عليه الصلاة و السلام: «ألّا يطّلع إلينا نقابها»- و هو يريد نقاب المدينة و لم يجر لها ذكر- من الفصاحة العجيبة؛ لأنّه أقام علم المخاطبين بها مقام تصريحه بذكرها. و مثل ذلك قوله سبحانه و تعالى: وَ لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها (5)، و المراد المدينة، و لم يجر لها ذكر، و لذلك في القرآن نظائر.

و كان شيخنا أبو الفتح النحوي (رحمه اللّه) يسمّى هذا الجنس: «شجاعة الفصاحة» لأنّ الفصيح لا يكاد يستعمله إلّا و فصاحته جريّة الجنان، غزيرة الموادّ.

[المجاز] (13)

وَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عُلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ:

«إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيباً، وَ سَيَعُودُ غَرِيباً»

(6).

____________

(1) الثنيّة من الجبال: ما يحتاج في قطعه و سلوكه إلى صعود و انحدار، فكأنّه يثني السير.

(2) المقنب من الخيل: ما بين الثلاثين إلى الأربعين. لسان العرب 1: 690، مادّة (ق ن ب).

(3) يقال: نكأ العدوّ و في العدوّ؛ أي قتل فيهم و جرح و أثخن، و الشوكة: القوّة.

(4) أي هجومه ليلا.

(5) الأحزاب (33): 14.

(6) مسند أحمد 1: 398 و 4: 73، سنن الدارمي 2: 312، صحيح مسلم 1: 90، سنن ابن ماجة: 2:

1319: 3987، سنن الترمذي 4: 129: 2764، مجمع الزوائد 1: 106، 156 و 7: 259، 278، كنز العمّال 1: 238: 1192، 1193، 329: 1415، شرح الأخبار 3: 371: 1241، الغيبة للنعماني:

321: 1، كمال الدين: 200، عوالي اللآلي 1: 33: 12.

47

و هذا الكلام من محاسن الاستعارات و بدائع المجازات؛ لأنّه عليه الصلاة و السلام جعل الإسلام غريبا في أوّل أمره؛ تشبيها بالرجل الغريب الذي قلّ أنصاره، و بعدت دياره؛ لأنّ الإسلام كان على هذه الصفة في أوّل ظهوره، ثمّ استقرّت قواعده، و اشتدّت معاقده، و كثر أعوانه و ضرب جرانه‏ (1)، و قوله عليه الصلاة و السلام: «و سيعود غريبا» أي يعود إلى مثل الحال الاولى في قلّة العاملين بشرائعه، و القائمين بوظائفه‏ (2)، لا أنّه- و العياذ باللّه- تمحّى‏ (3) سماته، و تدرس آياته.

[المجاز] (14)

وَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ فِي ذِكْرِ الْخَوَارِجِ:

«يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ...» الْحَدِيثَ بِطُولِهِ إِلَى قَوْلِهِ: «قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَ الدَّمَ»

(4)

.

____________

(1) أي ثبت و استقرّ، و هو مجاز منقول عن الكناية من قولهم: «ألقى البعير بجرانه» إذا برك.

(2) في نسخة ب: العالمين بشرائعه و العاملين بوظائفه.

(3) في نسخة ب: تنمحي.

(4) سنن النسائي 7: 119، مسند أحمد 1: 88، 160 و 3: 52 و 4: 145 و 5: 42، صحيح البخاري 4:

179 و 6: 115 و 8: 52، صحيح مسلم 3: 110، سنن ابن ماجة 1: 59: 168، 60: 169، سنن أبي داود 2: 4768429، مستدرك الحاكم 2: 146، السنن الكبرى 3: 225، مجمع الزوائد 6: 225، كنز العمّال 11: 137: 30939، الفقيه 1: 124: 288، الإيضاح: 49، الخصال: 574، اعلام الورى:

330. و هو حديث طويل في باب قتال الخوارج، هكذا أخرجه أحمد في مسنده: حدّثنا أبو كثير مولى الأنصار، قال: كنت مع سيّدي علي بن أبي طالب (رضي اللّه عنه) حيث قتل أهل النهروان، فكأنّ الناس وجدوا في أنفسهم من قتلهم، فقال علي (رضي اللّه عنه): «يا أيها الناس، إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قد حدّثنا بأقوام يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة، ثمّ لا يرجعون فيه أبدا حتّى يرجع السهم على فوقه».

48

و في هذا القول مجاز؛ لأنّه عليه الصلاة و السلام شبّه دخولهم في الدين و خروجهم منه بسرعة- من غير أن يتعلّقوا (1) بعقدته، أو يعيقوا (2) بطينته- بالسهم الذي أصاب الرّميّة؛ و هي الطريدة المرميّة، ثمّ خرج مسرعا من جسمها، و لم يعلق بشي‏ء من فرثها و دمها، و ذلك من صفات السهم الصائب؛ لأنّه لا يكون شديد السرعة إلّا بعد أن يكون قويّ النزعة.

[المجاز] (15)

وَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ:

«مُضَرُ صَخْرَةُ اللَّهِ الَّتِي لَا تَنْكَلُ»

(3)

.

و هذا القول مجاز؛ لأنّه (عليه السلام) جعل مضر- و هي القبيلة المعروفة- بمنزلة الصخرة الراسية و الهضبة الثابتة التي لا تزحزح عن مقرّها، و لا تؤخّر عن مجثمها (4)، و هذا معنى قوله عليه الصلاة و السلام: «لا تنكل» و ذلك مأخوذ من قولهم: «نكلت عن الأمر أنكل نكولا إذا تأخّرت عنه. و منه قيل لللّجام: «نكل» لأنّه يؤخّر به المركوب إذا جمح‏ (5)، و يحبس به إذا انطلق. و لهذا المعنى أيضا قيل للقيد: «نكل» لأنّه يقصّر الخطو و يمنع‏

____________

(1) في نسخة ب: يعلّقوا.

(2) أي يلتصقوا.

(3) النهاية في غريب الحديث 5: 117.

(4) أي موضع تلبّدها و لزقها بالأرض.

(5) أي هاج.

49

العدو. و إنّما أضاف عليه الصلاة و السلام اسم «الصخرة» إلى «اللّه» تعالى ليكون أفخم لها في القلوب، و أجدر لها بالرسوخ.

[المجاز] (16)

وَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ:

«بُعِثْتُ فِي نَسَمِ السَّاعَةِ إِنْ كَادَتْ لَتَسْبِقُنِي»

(1)

.

و في هذا القول استعارة؛ لأنّه (عليه السلام) كنّى عن ابتداء الساعة بالنسم، و «النسم» و «النسيم» جميعا: اسم لابتداء الريح، و هي ضعيفة قبل شدّتها، و مريضة قبل استكمال قوّتها، و «النسم» أيضا: النفوس، جمع واحده «نسمة» و إنّما سمّيت بذلك، لأنّها في الأصل ضعيفة، و إنّما يشتدّ من جسمها بروافد ترفدها، و دعائم تسندها.

و قد روي هذا الخبر على وجه آخر؛ و هو

قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ:

«بُعِثْتُ فِي نَفَسِ السَّاعَةِ»

(2)، و له معنيان:

أحدهما: أن يكون: بعثت في تنفيس الساعة، أي في إمهالها و تأخّرها، من قولهم: «نفّس فلان عن غريمه» إذا أنظره و أخّر الدين بعد أن حان قضاؤه، و وجب اقتضاؤه، فكأنّه عليه الصلاة و السلام قال: بعثت و قد حان قيام الساعة، إلّا أنّ اللّه تعالى نفّسها- أي أخّرها قليلا- فبعثني في ذلك النفس.

و الوجه الآخر: أن يكون جعل للساعة نفسا كنفس الإنسان، و قال:

____________

(1) حلية الأبرار 4: 161، الفتح الكبير 2: 8، النهاية في غريب الحديث 5: 49، مجمع الزوائد 1: 312 عن البزّار، كنز العمّال 14: 191/ 38331.

(2) سنن الترمذي 3: 336: 2310، كنز العمّال 14: 190: 38329، مجمع البحرين 4: 350.

50

بعثت في وقت احسّ فيه بنفسها و قربها، كما يحسّ الإنسان بنفس الإنسان إذا قرب من شخصه، و سمع مجرى نفسه‏ (1).

[المجاز] (17)

وَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ:

«الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى»

(2)

.

و هذا القول مجاز؛ لأنّه عليه الصلاة و السلام أراد ب «اليد العليا» يد المعطي، و ب «اليد السافلة» يد المستعطي، و لم يرد على الحقيقة أنّ هناك عاليا و سافلا، و صاعدا و نازلا، و إنّما أراد أنّ المعطي في الرتبة فوق الآخذ؛ لأنّه المنيل المفضل، و المحسن المجمل، و ليس هذا في معطي الحقّ‏ (3)، و إنّما هو في معطي الرّفد (4) و مسترفده. و ليس المراد أنّه خير في الدين، بل المراد أنّه خير في النفع للسائلين.

و إنّما كنّى عليه الصلاة و السلام عن هاتين الحالتين باليدين؛ لأنّ الأغلب أن يكون بهما الإعطاء و البذل، و بهما القبض و الأخذ.

[المجاز] (18)

وَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ:

«إِنَّ هَذِهِ الْأَخْلَاقَ بِيَدِ اللَّهِ؛ فَمَنْ‏

____________

(1) انظر: النّهاية في غريب الحديث 5: 94.

(2) أمالي المرتضى 2: 66، الرّسالة السّعديّة: 156، الكافي 4: 11/ 4، 26/ 1 عن أبي عبد اللّه عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، الفقيه 2: 56/ 1688 و 4: 376/ 5763، تفسير القمّيّ 1: 291، الإمامة و التّبصرة: 176، الاختصاص: 342، تلخيص الحبير 6: 143، الموطأ 2: 998/ 8، سنن النّسائيّ 5: 60، مسند أحمد 2: 4، 67، 98، 152، سنن الدّارميّ 1: 389، صحيح البخاريّ 2: 117، صحيح مسلم 3: 94، سنن أبي داود 1: 372/ 1648، سنن الترمذى 2: 94/ 675، السّنن الكبرى 4: 177، مجمع الزّوائد 3: 98، كنز العمّال 6: 358/ 16048.

(3) في نسخة ب: معطي الحقّ و آخذه.

(4) الرفد: العطاء و الصّلة. لسان العرب 3: 181، مادّة (ر ف د).

51

شَاءَ أَنْ يَمْنَحَهُ مِنْهَا خُلُقاً حَسَناً فَعَلَ»

(1)

.

و ذكر «اليد» هاهنا مجاز، و المراد: أنّ الأخلاق في قبضة اللّه، و تحت ملكة اللّه تعالى‏ (2)، فلمّا كان- في الأكثر- ما يقبضه الإنسان و يملكه إنّما يقبضه بيده و ينقله إلى يده، خاطب عليه الصلاة و السلام بلسان العرف المتقرّر (3) عند المخاطبين و في لغة السامعين.

و قد مضى الكلام على هذا المعنى في عدّة مواضع من كتبنا الموضوعة في علوم القرآن، و لا يحتمل كتابنا هذا أكثر من هذا المقدار.

[المجاز] (19)

وَ مِنْ ذَلِكَ‏

قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَ قَدْ أَعْطَاهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ قَوْساً لَهُ جَزَاءً عَلَى إِقْرَائِهِ الْقُرْآنَ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ لِأُبَيٍّ: «تَقَلَّدْهَا شِلْوَةً مِنْ جَهَنَّمَ»

(4)

.

و في هذا القول مجاز؛ لأنّه عليه الصلاة و السلام جعل القوس إذ كانت تكسب آخذها- على الوجه المكروه- عذاب جهنّم، كأنّها شلوة من نار جهنّم. و إنّما قال: «شلوة» و لم يقل: «شلوا» لأنّه حمل على معنى القوس، و هي مؤنّثة. و «الشّلو»: العضو.

وَ مِنْهُ حَدِيثُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فِي الْأُضْحِيَّةِ:

«ائْتِنِي بِشِلْوِهَا الْأَيْمَنِ»

(5)، و أصله في لغتهم: البقيّة الباقية من الشي‏ء، و من ذلك يقال‏

____________

(1) الاختصاص: 225، الفتح الكبير 1: 427، كنز العمّال 3: 668/ 8410، مجمع الزوائد 8: 20.

(2) أي هي ملكه سبحانه.

(3) في نسخة ب: المقرّر.

(4) النهاية في غريب الحديث 2: 498، كنز العمّال 2: 343: 4199.

(5) النهاية في غريب الحديث 2: 498، الصحاح 6: 2395، لسان العرب 14: 422.

52

لبقيّة الأكيلة (1) إذا فرسها السبع: «شلو».

و يقال لبدن القتيل: «شلو» على أحد ثلاثة وجوه:

إمّا أن يكون مفردا من رأسه، فيكون كالبقيّة القليلة؛ لأنّ الرأس هو العضو الأرأس، و العلق‏ (2) الأنفس، ألا ترى إلى قول الشاعر:

إذا قطعوا رأسي و في الرّأس أكثري‏* * * و غودر عند الملتقى ثمّ سائري‏

(3)

و الوجه الثاني: أن يكون إنّما سمّي بذلك لخروج نفسه و كون الجسم بعدها، و إن كان بتمامه بمنزلة البقيّة التي قد ذهب أكثرها، و فقد جوهرها.

و الوجه الثالث: أن يكون إنّما سمّي بذلك؛ لأنّه بقيّة أبقتها مضارب السيوف؛ تشبيها بالبقيّة التي أبقتها مخالب الأسود.

و إنّما عظّم عليه الصلاة و السلام الوعيد في هذا الخبر؛ زجرا لهم عن أن يأخذوا على تعليم القرآن أجرا، أو يتخذوه مكسبا و مطعما.

[المجاز] (20)

وَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ:

«أَغْبَطُ النَّاسِ عِنْدِي مُؤْمِنٌ خَفِيفُ الْحَاذِ، ذُو حَظٍّ مِنْ صَلَاةٍ»

(4)

.

و في هذا القول استعارة؛ لأنّ «الحاذ»- على الحقيقة- اسم لما وقع عليه الذنب من مؤخّر الفخذين، هذا قول الأصمعي.

____________

(1) أكيلة السبع: هي التي يأكل منها السبع ثمّ تستنقذ منه.

(2) أي النفيس.

(3) كتاب الحيوان للجاحظ 6: 450، العقد الفريد 6: 195، الأغاني 21: 182.

(4) مسند أحمد 5: 255، مستدرك الحاكم 4: 123، سنن ابن ماجة 2: 41171379، كنز العمّال 3:

152، الكافي 2: 140: 1.

53

و قال غيره: «بل هو لحم باطن الفخذ» و هما حاذا الفخذين، و قد جاء في كلامهم: «خفيف الحاذين» و قد استعملوا ذلك في الإنسان أيضا، قال الشاعر:

سيكفيك الحمالة (1) مستميت‏* * * خفيف الحاذ من أبناء جرم‏

(2)

و قال بعضهم: «بل هو طريقة المتن‏ (3) من الإنسان، و الموضع الذي يسمّى: الحال من الفرس، و هو ما وقع عليه اللّبد (4) من ظهره».

و القولان الأوّلان أعجب إليّ؛ لأنّه عليه الصلاة و السلام كنّى بخفّة الحاذ هاهنا عن قلّة المال، أو قلّة العيال.

وَ مِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ:

«لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَغْبِطُونَ الرَّجُلَ بِخِفَّةِ الْحَاذِ كَمَا يَغْبِطُونَهُ بِكَثْرَةِ الْمَالِ»

(5)

.

لأنّ الخفيف الحاذ إذا كان على ما ذكر أوّلا في الوجهين الأوّلين- من قلّة لحم باطني أو ظاهري الفخذين- كان ذلك أسرع لخطوه، و أخفّ لعدوه؛ لأنّ الدنيا بمنزلة المضمار (6)، و الناس فيها بمنزلة الخيل المجراة،

____________

(1) في اللسان و المقاتل: الجعالة. و الحمالة: الكفالة، و المستميت، الشجاع الطالب للموت.

(2) لسان العرب 11: 111، مقاتل الطالبيين: 167.

(3) أي الظهر.

(4) لبد الفرس: ما يوضع على ظهره تحت السرج.

(5) النهاية في غريب الحديث 1: 457، و فيه: «كما يغبط أبو العشرة» مجمع الزوائد 7: 282، كنز العمّال 11: 186: 31150.

(6) المضمار: الموضع الذي تربط فيه الخيل، فيكثر ماؤها و علفها حتّى تسمن، ثمّ يقلّل ماؤها و علفها مدّة و تركّض في الميدان حتّى تهزل. و مدّة التضمير عند العرب أربعون يوما.

54

و الغاية هي الآخرة، فكلّما كان الواحد منهم أخفّ نهضا و امتراقا (1)، كان أسرع بلوغا و لحاقا.

وَ يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ (عليه السلام) فِي كَلَامٍ لَهُ:

«تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا»

(2)

.

و قد ذكرنا ذلك في كتابنا الموسوم ب «نهج البلاغة» (3) الذي أوردنا فيه مختار جميع كلامه، عليه الصلاة و السلام، و على الطاهرين من أولاده.

و أمّا القول الثالث الذي ذكرناه عن بعضهم من قوله: «إنّ الحاذ هو المتن» فقد يجوز أن يعبّر به أيضا عن قلّة العيال و نزارة (4) المال، كما يقولون «فلان خفيف الظهر» إذا أرادوا هذا المعنى؛ و لأنّ قلّة اللحم- على الجملة- في أيّ عضو كان من أعضاء الحيوان، أعون على خفّة نهوضه و سرعة تصرّفه في اموره.

[المجاز] (21)

وَ مِنْ ذَلِكَ‏

قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ وَ قَدْ ذُكِرَ عِنْدَهُ شُرَيْحٌ الْحَضْرَمِيُّ:

«ذَاكَ رَجُلٌ لَا يَتَوَسَّدُ الْقُرْآنَ»

(5)

.

و هذه من الاستعارات العجيبة، و الكنايات الغريبة، و هي تحتمل معنيين: أحدهما مدح، و الآخر ذمّ:

____________

(1) أي إسراعا.

(2) روضة الواعظين: 490، مناقب ابن شهر آشوب 1: 326، تفسير نور الثقلين 1: 711، خصائص الأئمّة: 112، مجمع البحرين 1: 671.

(3) نهج البلاغة 1: 59 و 2: 80.

(4) أي قلّته و تفاهته.

(5) سنن النسائي 3: 257، مسند أحمد 3: 449، النهاية في غريب الحديث 5: 183.