الدر النظيم فى مناقب الأئمة اللهاميم‏

- يوسف بن حاتم‏ الشامي المزيد...
808 /
3

نبذة من حياة المؤلّف‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

اسمه:

هو الشيخ جمال الدين يوسف بن حاتم بن فوز بن مهنّد الشاميّ المشغريّ العامليّ.

مشايخه: له على ما يظهر من الإجازات و غيرها ثلاثة مشايخ:

أحدهم: المحقّق الحلّيّ أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد المتوفّى سنة 676 ه، كما صرّح به الشيخ الحرّ في أمل الآمل.

و ثانيهم: الشيخ نجيب الدين يحيى بن أحمد بن يحيى بن سعيد الحلّي صاحب الجامع في الفقه، المولود سنة 601 ه، و المتوفّى سنة 690 ه، قرأ عليه كتابه الجامع و معه جمع آخر، هم: الشيخ شمس الدين محمّد بن أحمد بن صالح القسيني، و السيّد جلال الدين محمّد بن السيّد رضي الدين علي بن طاوس الحلّيّ، و الوزير شرف الدين علي بن الوزير مؤيّد الدين محمّد بن أحمد بن العلقمي، كما ذكرهم الشيخ شمس الدين القسيني المذكور في إجازته للشيخ نجم الدين طومان ابن أحمد العامليّ المتوفّى بطيبة حدود 738 ه، و قد أدرج صاحب المعالي إجازة القسيني في إجازته الكبيرة و السيّد نجم، المطبوعة في آخر مجلدات البحار.

و ثالث مشايخه: السيّد رضيّ الدين عليّ بن طاوس الحلّيّ المتوفّى سنة 664 ه

4

صاحب التصانيف الكثيرة. و قد كتب السيّد للشيخ جمال الدين يوسف بن حاتم إجازتين إحداهما مشتركة بينه و بين جمع آخر، هم: الشيخ شمس الدين القسيني و اولاده الثلاثة جعفر و إبراهيم و علي و الفقيه أحمد بن محمّد العلوي النسّابة و الفقيه نجم الدين محمّد الموسوي و السيّد صفي الدين محمّد بن بشير العلويّ الحسينيّ و صدرت تلك الإجازة من السيّد ابن طاوس المذكور في سنة وفاته بعد قراءة هؤلاء عليه كتابه «الأسرار المودعة في ساعات الليل و النهار» و كتاب «محاسبة الملائكة» باستدعاء الشيخ شمس الدين القسيني المذكور، كما صرّح هو في إجازته لطومان المذكور، و الثانية إجازة مختصّة للشيخ جمال الدين يوسف، و هي كبيرة ذات فصول كثيرة، سمّاها السيّد ب «كتاب الإجازات لكشف طرق المفازات».

و قطعة من أوائل كتاب الإجازات هذا موجودة، أدرجها العلّامة المجلسي في إجازات البحار، و ليس في هذه القطعة اسم للمجاز لأنّها ناقصة، و لكن في البحار بعد ذكر هذه القطعة حكى صورة استجازة الشيخ جمال الدين يوسف المذكور عن السيّد رضي الدين علي بن طاوس عن مجموعة شمس الدين محمّد الجبعيّ جدّ الشيخ البهائي، و هو نقلها عن خط الشيخ محمّد بن مكي الشهيد، إلى أن قال الشهيد: ثمّ إنّ السيّد أجاز الشيخ جمال الدين يوسف بن حاتم إجازة عظيمة ذكر فيها مصنّفاته و مشايخه، و ذكر في أثناء الإجازة ما صورته: «فصل» و اعلم انّني إنمّا اقتصرت على تأليف كتاب ... إلى آخر الفصل الذي هو بعين ألفاظه موجود في تلك القطعة من كتاب الإجازات، فيظهر منه أنّ تمام كتاب الإجازات كان عند الشهيد و نقل عنه خصوص هذا الفصل، و أنّه كان فيه التصريح بأنّه إجازة للشيخ جمال الدين يوسف الشاميّ.

و إليك- عزيزنا القارئ- نصّ استجازة الشيخ يوسف بن حاتم الشاميّ من السيّد النقيب الطاهر رضيّ الملّة و الحقّ و الدين عليّ بن طاوس.

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، و صلواته على سيّدنا محمّد النبيّ و آله الطاهرين.

إن رأى مولانا و سيّدنا فريد عصره و وحيد دهره، السيّد الامام العالم الفاضل الكبير الفقيه الزاهد العابد الزكيّ الورع، سلالة النبيّ (صلوات اللّه عليه و آله و سلّم‏)

5

رضيّ الدين حجّة الإسلام و المسلمين، قدوة العلماء و العارفين، سلف السلف و بقيّة الخلف، زين العترة الطاهرة أبو القاسم عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد الطاوس عضد اللّه الكافّة بطول بقائه بمحمّد و آله الطاهرين (صلوات اللّه و سلامه عليه و عليهم أجمعين)‏ أن يجيز لأصغر خدّامه و ربيب نعمته يوسف بن حاتم بن فوز بن مهنّد الشاميّ جميع ما صنّفه أو ألّفه أو نظمه أو نثره أو اختاره أو حرّره أو قرأه أو سمعه أو اجيز له أو كتبه أو كان له طريق إلى روايته أو يكون ممّا يعدّ من سائر درايته أو يمكن أن يرويه أحد عن خدمته، فينعم بذلك على ما يليق بفضله و سجاياه». (1)

أقوال العلماء فيه:

قال الميرزا محمّد باقر الموسويّ الخوانساري في روضات الجنّات:

«و في رجال المحدّث النيسابوريّ أنّه كان فقيها محدّثا، و أنّ له أيضا كتابا سمّاه «الدرّ النظيم في مناقب الأئمّة اللهاميم»، ينقل فيه من كتاب مدينة العلم و غيره من الكتب المعتبرة و كتاب الأربعين من الأربعين» (2).

و قال العلامة الميرزا محمّد علي المدرّس في ريحانة الأدب:

«صاحب الدرّ النظيم الشيخ يوسف بن حاتم الشاميّ العامليّ من علماء الإماميّة في أواخر القرن السابع الهجري أو أوائل القرن الثامن الهجري. فقيه جليل، فاضل نبيل، ملقّب بجمال الدين، كان من تلامذة المحقّق الحلّيّ (المتوفّى سنة 676) و أيضا اجيز من السيّد ابن طاوس (المتوفّى سنة 664). و من تأليفاته:

الأربعون حديثا، و الدرّ النظيم في مناقب الأئمة اللهاميم» (3).

و قال الحرّ العامليّ في أمل الآمل:

«الشيخ جمال الدين يوسف بن حاتم الشاميّ العامليّ: كان فاضلا، فقيها، عابدا، له كتب منها: كتاب الأربعين في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام)، عندنا منه‏

____________

(1) بحار الأنوار: ج 107 ص 45 فائدة (10).

(2) روضات الجنّات: ج 8 ص 199 تحت رقم (748).

(3) ريحانة الأدب: ج 3 ص 362.

6

نسخة. يروي عن المحقّق جعفر بن الحسن بن سعيد، و عن ابن طاوس» (1).

و قال الميرزا عبد اللّه الأفنديّ الأصبهانيّ في رياض العلماء:

«الشيخ الفقيه جمال الدين يوسف بن حاتم الشاميّ العامليّ المشغريّ كان من أجلّة فقهاء تلامذة المحقّق و السيّد ابن طاوس أيضا» (2).

منزلته العلمية:

لم يترك المترجم له أثرا فقهيّا، و مع ذلك فقد عبّر عنه جلّ من ترجم له بأنّه كان فقيها بالإضافة الى كونه محدّثا، كالحرّ العاملي صاحب الوسائل و صاحب رياض العلماء و غيرهما.

و قد نقل الشهيد في ذكرى الشيعة في مسألة الجمع بين الصلاتين ما نصّه:

«و أورد على المحقّق نجم الدين تلميذه جمال الدين يوسف بن حاتم الشامي المشغري، و كان أيضا تلميذ السيّد ابن طاوس أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان يجمع بين الصلاتين فلا حاجة الى الاذان الثاني إذ هو للإعلام و للخبر المتضمّن أنّه عند الجمع بين الصلاتين و إن كان قد يفرّق فلم ندبتم إلى الجمع و جعلتموه أفضل؟

فأجابه المحقّق أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان يجمع تارة و يفرّق اخرى، ثمّ ذكر الروايات كما ذكرنا- يعني في الذكرى- و قال: إنّما استحببنا في الوقت الواحد إذا اتى بالنوافل و الفريضتين فيه لأنّه مبادرة الى تفريغ الذمّة من الفرض حيث ثبت دخول وقت الصلاة، ثمّ ذكر خبر عمر بن حريث عن الصادق (عليه السلام) و سألته عن صلاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال: كان رسول اللّه يصلّي ثماني ركعات الزوال ثمّ يصلّي أربعا للاولى و ثماني بعدها و أربعا العصر و ثلاثا المغرب و أربعا بعدها و العشاء أربعا و ثماني الليل و ثلاثا الوتر و ركعتي الفجر و الغداة ركعتين». (3) و تقرير الشهيد الأوّل (قدّس سرّه) هذه المسألة في الذكرى و اسم المترجم له و تتلمذه على يد المحقّق الحلّي و السيّد ابن طاوس، و إشكاله على المحقّق و جواب‏

____________

(1) أمل الآمل: ج 1 ص 190.

(2) رياض العلماء: ج 5 ص 389.

(3) ذكرى الشيعة: ص 119 س 21- 25.

7

المحقّق له دليل على علوّ شأنه و عظم منزلته العلميّة.

و قد وجّه الشيخ يوسف بن حاتم (42) مسألة في فروع فقهية متفرّقة عرفت بالمسائل البغدادية قال المحقّق الحلّيّ في جوابها: «فإنّا مجيبون عمّا تضمّنته هذه الأوراق من المسائل لدلالتها على فضيلة موردها و معرفة ممهّدها، فهو حقيق أن نحقّق أمله و نجيبه إلى ما سأله، و باللّه التوفيق». (1) و من هذا التقريض الفريد يتّضح لك منزلة المترجم له عند استاذه المحقّق الحلّيّ (قدّس اللّه روحه الطاهرة) صاحب كتاب شرائع الإسلام و المعتبر و المختصر النافع و الذي هو علم من أعلام الطائفة على مرّ العصور.

و كانت جلّ هذه المسائل في فروع فقهيّة مبتكرة لم يتعرّض لها أحد قبله، و قد صرّح بذلك نفس المحقّق (قدّس سرّه) في جواب المسألة السادسة و الثلاثين قائلا: «و ليس هذه الفروع ممّا تعرّض لها أوائلنا فيذكر عنهم فيها خلاف، بل هو في التفاريع المحدثة، و على الباحث استفراغ وسعه في إصابة الحقّ» و في هذا النصّ اعتراف واضح من المحقّق (رحمه اللّه) للسائل بأنّه من أصحاب النظر و عليه استفراغ جهده في استنباط الأحكام.

و البعض الآخر من هذه المسائل كان استفسارا عن مواضع من كلام الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) في النهاية، و قد أيّده المحقّق (رحمه اللّه) على تلك الإشكالات و هو يدلّ على أنّه كان من أصحاب النظر و الرجوع الى الأدلّة و لكنّه كان يتوقّف عن الفتوى. قال المحقّق في جواب المسألة العاشرة: «لا ريب أنّ في كلام الشيخ (رحمه اللّه) إشكالا ... و بعد هذا التقدير فلا ضرورة لبيان الفرق الذي ذكره الشيخ في النهاية، و ينزّل الحكم على ظواهر هذه النصوص» و قال (رحمه اللّه) في جواب المسألة الثالثة عشر: «لا ريب أنّ في كلام الشيخ (رحمه اللّه) اضطرابا، و لم يستقم إلّا أن يجعل موضع «أقلّ» «أكثر»، و الظاهر أنّه من زوغ القلم» و غير ذلك من الشواهد المبثوثة في أثناء أجوبة هذه المسائل.

و نستعرض الآن هذه المسائل الفقهيّة المعروفة بالمسائل البغدادية لتقف‏

____________

(1) الرسائل التسع: ص 235 المسائل البغدادية.

8

بنفسك- عزيزي القارئ- على دقّة عبارة المترجم له الفقهيّة و دقّة أسئلته، و لئن المرء تعرف منزلته من سؤاله أكثر ممّا تعرف من جوابه.

«المسألة الاولى: إذا أتلف الإنسان على غيره دابّة أو جارية هل يلزمه المثل أو القيمة و ما الحكم في ذلك؟

المسألة الثانية: في امرأة دخل إليها صبيّ دون البلوغ فأمرته بالصعود إلى سطحها ليكشف كنيسة الدار و عليها لحاف فصعد الصبيّ ليكشف اللحاف عن الكنيسة فوقع الى وسط الدار فمات في الحال، فهل على المرأة دية الصبيّ و ما الحكم في ذلك شرعا؟

المسألة الثالثة: في رجل اشترى من شخص حيوانا فوجد فيه عيبا سابقا على العقد و قد انقضت الثلاثة الأيّام و لم يتصرّف، فهل له الردّ بعد انقضاء الأيّام؟ و هل إن حصل فيه عيب بعد العقد و قبل التصرّف و انضاف الى العيب السابق ما الحكم في الجميع؟

المسألة الرابعة: ما يصطفيه الإمام (عليه السلام) من الغنيمة التي توجد في دار الحرب هل فيها خمس أم لا؟ و كذا ما يجب له من رءوس الجبال و بطون الأودية و الآجام إذا كانت في الأرض التي تملك رقبتها هل يكون فيها خمس أم لا؟ و هل الأرض التي تملك رقبتها تصير له (عليه السلام) أم لا؟

المسألة الخامسة: في شخص ادّعي عليه أنّه قتل رجلا و تعذّرت البيّنة و ثبت اللوث و أحلف المدّعي خمسين يمينا فلمّا تكملت الأيمان أقرّ شخص آخر بأنّه الذي قتله، فما الحكم في ذلك؟

المسألة السادسة: في رجل قتله خمسة أنفس عمدا فاختار وليّ الدم قتل ثلاثة أنفس منهم فكيف حكم الردّ على ورثة المقتولين و ما الحكم فيه؟

المسألة السابعة: في رجل له على رجل دين الى أجل معلوم فجاء شخص و ضمن ما عليه لربّ الدين بإذن من عليه المال، فهل يكون للمضمون له مطالبة الضامن بالمال قبل حلول الأجل أم لا؟ و هل اذا صانع المضمون له بأقلّ ممّا ضمن يكون له الرجوع على المضمون عنه بما ضمنه أم لا أو بما صانع المضمون له؟

9

المسألة الثامنة: قوله في النهاية: «و لا يجوز أن يبيع الإنسان متاعا مرابحة بالنسبة الى أصل المال بأن يقول: أبيعك هذا المتاع بربح عشرة واحدا أو اثنين، بل يقول بدلا من ذلك: هذا المتاع عليّ بكذا و أبيعك إيّاه بكذا بما أراد» فما الفرق؟

و هل قوله: «لا يجوز» على التحريم أو الكراهية؟ و ما العلّة في كراهيّة ذلك إن كان مكروها أو محرّما؟

الى آخر المسائل، و هي مطبوعة بتمامها مع أجوبتها في كتاب الرسائل التسع للمحقّق الحلّي.

و لعلّ السبب في إعراض المترجم له عن التأليف في الفقه هو عين السبب الذي ترك لأجله استاذه السيّد ابن طاوس (قدّس سرّه) التأليف في هذا الباب. و يشير لذلك قول السيّد ابن طاوس في إجازته لصاحب الترجمة:

«و اعلم أنّني إنّما اقتصرت على تأليف كتاب غياث سلطان الورى لسكّان الثرى من كتب الفقه في قضاء الصلوات، و لم اصنّف غير ذلك من الفقه و تفريغ المسائل و الجوابات لانّني كنت قد رأيت مصلحتي و معاذي في دنياي و آخرتي من التورّع عن الفتوى في الأحكام الشرعيّة، لأجل ما وجدت من الاختلاف في الرواية بين فقهاء أصحابنا من التكاليف النفليّة، و سمعت كلام اللّه جلّ جلاله يقول عن أعزّ موجود من الخلائق عليه محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ* لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ* ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ* فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ‏ و لو صنّف كتبا في الفقه يعمل بعدي عليها كان ذلك نقضا لتورّعي عن الفتوى و دخولا تحت خطر الآية المشار إليها، لأنّه جلّ جلاله إذا كان هذا تهديده للرسول العزيز الأعظم لو تقوّل عليه، فكيف كان يكون حالي إذا تقوّلت عنه جلّ جلاله، و أفتيت أو صنّفت خطأ أو غلطا يوم حضوري بين يديه». (1)

مؤلّفاته:

1- كتاب الدرّ النظيم في مناقب الأئمّة اللهاميم. و هو هذا الكتاب الذي بين يديك.

____________

(1) بحار الأنوار: ج 107 ص 46.

10

2- كتاب الأربعين حديثا عن الأربعين رجلا في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام).

و قد أورد هذا الكتاب بتمامه السيّد هبة اللّه بن أبي محمّد الحسن الموسوي في كتابه «المجموع الرائق» مخطوط. و قال عنه العلّامة المجلسي «أخذ منه أكثر علمائنا و اعتمدوا عليه». (1)

كتاب الدرّ النظيم و نسخه الخطّية:

عنوان الكتاب «الدرّ النظيم في مناقب الأئمة اللهاميم» و النظيم بمعنى المنظوم، و اللهاميم قال في مجمع البحرين: لهاميم العرب أي ساداتهم جمع لهموم و هو الجواد من الناس. و هو كتاب في مناقب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و أهل بيته الأطهار (عليهم السلام) على منوال كتاب المناقب لابن شهرآشوب السابق عليه تاريخيا.

قال عنه الشيخ الطهراني في الذريعة: «كتاب جليل في بابه، ينقل عن مدينة العلم للشيخ الصدوق و كتاب النبوّة له أيضا، فيظهر وجودهما عنده، كانت نسخة منه عند العلّامة المجلسي ينقل عنه في البحار» (2) ثمّ ذكر وجود ثلاث نسخ من الكتاب إحداها بسامراء و الاخريان بكربلاء، و جميعها متّفقة في النقص في مواضع أوّلا و وسطا و آخرا.

و قال العلّامة المجلسي في البحار: «و كتاب الدرّ النظيم كتاب شريف كريم مشتمل على أخبار كثيرة من طرقنا و طرق المخالفين في المناقب. و قد ينقل من كتاب مدينة العلم و غيره من الكتب المعتبرة، و كان معاصرا للسيّد علي بن طاوس (رحمه اللّه) و قلّما رجعنا إليه‏ (3) لبعض الجهات» (4) و لم يذكر تلك الجهات.

و أمّا النسخة الخطّية الوحيدة التي اعتمدنا عليها في تحقيق هذا الكتاب فهي نسخة خطية في همدان كتابخانه غرب مدرسة الآخوند تحت رقم (1553) بخط النسخ و هي نسخة كاملة رتّبها المؤلّف على ثلاثة أجزاء. و لم نعثر على نسخة خطّية اخرى لهذا الكتاب الجليل.

مؤسّسة النشر الإسلامي‏

____________

(1) بحار الأنوار: ج 1 ص 40.

(2) الذريعة: ج 8 ص 86.

(3) ممّا عثرنا عليه: ج 78 ص 355 ب 26 ح 9.

(4) بحار الأنوار: ج 1 ص 40.

11

الصفحة الاولى من المخطوطة

12

الصفحة الأخيرة من المخطوطة

13

[الباب الأول‏] [في ذكر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏]

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [قال عفكلان الحميري‏] (1) لعبد الرحمن بن عوف: أ لا ابرّك‏ (2) ببشارة نبيّ خير لك من التجارة؟ أنبّئك بالمعجبة و ابشّرك بالمرغبة، إنّ اللّه قد بعث في الشهر الأوّل من قومك نبيّا ارتضاه صفيّا، أنزل عليه كتابا جعل له ثوابا، ينهى عن الأصنام و يدعو إلى الاسلام، أخفّ الوقعة و عجل الرجعة.

و كتب الى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله):

اشهد باللّه ربّ موسى‏* * * إنّك ارسلت بالبطاح‏

فكن شفيعي الى مليك‏* * * يدعو البرايا الى الفلاح‏

فلمّا دخل على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: أحملت إليّ وديعة أم أرسلك إليّ مرسل برسالة فهاتها (3) و بشّر أوس بن حارثة بن ثعلبة بن قبل مبعثه بثلاث مائة عام و أوصى أهله باتّباعه في حديث طويل و هو القائل:

إذا بعث المبعوث من آل غالب‏* * * بمكّة فيما بين زمزم و الحجر

هنالك فاشروا (4) نصره ببلادكم‏* * * بني عامر إنّ السعادة في النصر (5)

____________

(1) ما بين المعقوفتين أضفناه من كتاب المناقب لابن شهرآشوب: ج 1 ص 22.

(2) في المناقب: أ لا ابشّرك.

(3) المناقب لابن شهرآشوب: ج 1 ص 22.

(4) في ظاهر الأصل: فاسروا، و ما أثبتناه من المناقب و البحار.

(5) المناقب لابن شهرآشوب: ج 1 ص 22- 23.

16

و فيه يقول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): رحم اللّه أوسا أنّه مات في الحنيفيّة، و حثّ على نصرنا في الجاهلية (1).

و قيل: إنّ عامر بن الطفيل كان من جملة العشرة الذين أوفدهم النعمان بن المنذر على كسرى، فتكلّم كلّ واحد منهم بكلام، الى أن قام عامر بن الطفيل فقال:

كثر فنون المنطق، و ليس القول أعمى من حندس الظلماء، و إنّما العجز في الفعال و العجز في النجدة، و السؤدد مطاوعة القدرة، ما أعلمك بقدرنا و أبصرك بفضلنا، و بالحرا إن أدالت الأيّام و ثابت الأحلام أن تحدث امور لها أعلام.

قال: و ما تلك الأحلام و الأيّام؟ قال: تجتمع الأحياء من ربيعة و مضر على أمر يذكر.

قال كسرى: و ما الأمر الذي يذكر؟ قال: مالي علم بأكثر ما خبّرت به محمّد.

قال كسرى: متى تكهّنت يا ابن الطفيل؟

قال: لست بكاهن و لكنّي بالرمح طاعن.

قال له كسرى: فإن أتاك آت من ناحية عينك العوراء ما أنت صانع؟

قال: ما هيبتي في قفاي بدون هيبتي في وجهي، و ما أذهب عيني عيث‏ (2) و لكن مطاعنة العيث‏ (3).

قيل: كانت تبّع الأوّل من الخمسة الذين ملكوا الدنيا بأسرها، فسار في الآفاق، و كان يختار من كلّ بلدة عشرة أنفس من حكمائهم، فلمّا وصل الى مكّة كان معه أربعة آلاف رجل من العلماء، فلم يعظّمه أهل مكّة فغضب عليهم و قال لوزيره «عمياريسا» في ذلك. فقال الوزير: إنّهم جاهلون و يعجبون بهذا البيت. فعزم الملك في نفسه بأن يخربها و يقتل أهلها فأخذه اللّه بالصدام، و فتح من عينيه و اذنيه و أنفه و فمه ماء منتنا عجزت الأطباء عنه، و قالوا: هذا أمر سماوي و تفرّقوا عنه.

____________

(1) المناقب لابن شهرآشوب: ج 1 ص 22- 23.

(2) العيث: مصدر عاث: أفسد و أخذ بغير رفق. (لسان العرب 2/ 170).

(3) جواهر الأدب: ص 198. و فيه «مطاوعة العبث» بدل «مطاعنة العيث».

17

فلمّا أمسى جاء عالم من العلماء الى وزيره و أسرّ إليه إن صدق الملك بنيّته عافيته. فاستأذن الوزير له فلمّا خلا به قال له: هل نويت في هذا البيت أمرا؟.

قال: كذا و كذا.

قال العالم: تب من ذلك و لك خير الدنيا و الآخرة.

قال: قد تبت ممّا كنت قد نويت فعوفي في الحال، فآمن باللّه و بإبراهيم الخليل (عليه السلام) و خلع على الكعبة سبعة أثواب. و هو أوّل من كسا الكعبة.

و خرج الى يثرب، و يثرب هي أرض فيها عين ماء، فاعتزل من بين أربعة الف‏ (1) عالم أربعمائة عالم على أنّهم يسكنون فيها، و جاءوا الى باب الملك و قالوا:

إنّا خرجنا من بلداننا و طفنا مع الملك زمانا و جئنا الى هذا المكان و نريد المقام فيه الى أن نموت فيه.

فقال الوزير: ما الحكمة في ذلك؟

قالوا: اعلم أيّها الوزير أنّ شرف هذا البيت بشرف محمّد صاحب القرآن و القبلة و اللواء و المنبر، مولده بمكّة و هجرته الى هاهنا، و إنّا على رجاء أن ندركه أو يدركه أولادنا.

فلمّا سمع الملك ذلك تفكّر أن يقيم معهم سنة رجاء أن يدرك محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله)، و أمر أن يبنى أربعمائة دار لكلّ واحد دارا، و زوّج كلّ واحد منهم جارية معتقة، و أعطى كلّ واحد منهم مالا جزيلا.

و يروى أنّ تبّعا قال للأوس و الخزرج: كونوا هاهنا الى أن يخرج هذا النبيّ أمّا أنا لو أدركته لخدمته و لخرجت معه‏ (2).

و روي أنّه قال:

قالوا بمكّة بيت مال داثر (3)* * * و كنوزه من لؤلؤ و زبرجد

____________

(1) كذا في الأصل، و في المناقب و البحار: آلاف.

(2) كمال الدين و تمام النعمة: ص 170 ح 26، المناقب لابن شهرآشوب: ج 1/ ص 15.

(3) الدثر- بالفتح-: المال الكثير.

18

بادرت أمرا حال ربّي دونه‏* * * و اللّه يدفع عن خراب المسجد

فتركت فيها من رجالي عصبة* * * نجبا ذوي حسب و ربّ محمّد (1)

و قال أيضا:

شهدت على أحمد أنّه‏* * * رسول من اللّه باري النسم‏

فلو مدّ عمري الى عمره‏* * * لكنت وزيرا له و ابن عمّ‏

و كنت عذابا على المشركين‏* * * اسقيهم كأس حتف و غمّ‏

و كتب كتابا الى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يذكر فيه إيمانه و إسلامه و أنّه من امّته فليجعله تحت شفاعته، و عنوان الكتاب: الى محمّد بن عبد اللّه خاتم النبيّين و رسول ربّ العالمين من تبّع الأوّل، و دفع الكتاب الى العالم الذي نصح له.

ثمّ خرج منها و سار حتى مات بغلسان بلد من بلاد الهند، و كان بين موته و مولد النبيّ (عليه السلام) ألف سنة.

ثمّ إنّ النبيّ (عليه السلام) لمّا بعث و آمن به أكثر أهل المدينة أنفذوا الكتاب إليه على يد أبي ليلى، فوجد النبيّ (عليه السلام) في قبيلة بني سليم، فعرفه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: أنت أبو ليلى.

قال: نعم.

قال: و معك كتاب تبّع الأوّل؟ فتحيّر الرجل.

فقال: هات الكتاب.

فأخرجه و دفعه الى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فدفعه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) الى علي (عليه السلام)، فقرأه عليه، فلمّا سمع النبيّ (عليه السلام) كلام تبّع قال: مرحبا بالأخ الصالح- ثلاث مرّات- و أمر أبا ليلى بالرجوع الى المدينة (2).

و روى محمّد بن إسحاق: إنّ زيد بن عمرو بن نفيل ضرب في الأرض يطلب الدين الحنيف، فقال له راهب بالشام: إنّك لتسأل عن دين ذهب من كان يعرفه،

____________

(1) كمال الدين و تمام النعمة: ص 170 ح 25.

(2) المناقب لابن شهرآشوب: ج 1 ص 16.

19

و لكنّك قد أظلّك خروج نبيّ يأتي ملّة إبراهيم (عليه السلام) الحنيفيّة و هذا زمانه.

فخرج سريعا حتى إذا كان بأرض لخم عدوا عليه فقتلوه. قال النبيّ (عليه السلام):

زيد بن عمرو يبعث أمّة وحده.

و قد رثاه ورقة بن نوفل:

رشدت و أنعمت ابن عمرو و إنّما* * * تجنّبت تنوّرا من اللّه حاميا

بدينك ربّا ليس ربّ كمثله‏* * * و تركك أوثان الطواغي كما هيا

و قد تدرك الانسان رحمة ربّه‏* * * و لو كان تحت الأرض ستّين واديا (1)

و قال محمّد الفتّال‏ (2): إنّه كان عند تربة النبيّ (عليه السلام) جماعة فسأل أمير المؤمنين علي (عليه السلام) سلمان عن مبدأ أمره.

فقال: كنت من أبناء الدهاقين بشيراز عزيزا على والدي، فبينا أنا سائر مع أبي في عيد لهم إذا أنا بصومعة و إذا فيها رجل ينادي أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أشهد أنّ عيسى روح اللّه و أنّ محمّدا حبيب اللّه. قال: فرصف‏ (3) حبّ محمّد في لحمي و دمي.

فلمّا انصرفت الى منزلي إذا أنا بكتاب معلّق من السقف. فسألت امّي عنه فقالت: لا تقربه فانّه يقتلك أبوك.

فلمّا جنّ الليل أخذت الكتاب فإذا فيه: بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا عهد من اللّه الى آدم أنّه خالق من صلبه نبيّا يقال له محمّد يأمر بمكارم الأخلاق، و ينهى عن عبادة الأوثان، يا روزبه أنت وصيّ عيسى فآمن و اترك المجوسية.

قال: فصعقت صعقة شديدة، فأخذني أبي و امّي و جعلاني في بئر عميقة و قالا:

____________

(1) سيرة ابن اسحاق: ص 119.

(2) و في هامش الأصل: (ذكر ابو محمّد عبد الملك بن هشام النحوي في كتاب سيرة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في أوّل الجزء الخامس من ... قال ابن اسحاق: و حدّثني عاصم بن عمرو بن قتادة الأنصاري، عن محمود بن لبيد، عن عبد اللّه بن عبّاس، قال: حدّثني سلمان الفارسي من فيه، قال: كنت رجلا فارسيّا من أهل اصبهان من أهل قرية يقال لها جيّ و كان أبي دهقان قريته الى آخر القصّة لفظا بلفظ، هكذا ذكر و كتب من التاريخ المذكور.

(3) الرصف: المزج و الضم.

20

إن رجعت و إلّا قتلناك، و ضيّقوا عليّ الأكل و الشرب.

فلمّا طال أمري دعوت اللّه بحق محمّد و وصيّه أن يريحني ممّا أنا فيه. فأتاني آت عليه ثياب بيض فقال: قم يا روزبه، فأخذ بيدي و أتى بي الصومعة.

فقلت: أشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أنّ عيسى روح اللّه، و أنّ محمّدا حبيب اللّه.

فقال الديراني: يا روزبه اصعد، فصعدت إليه فخدمته حولين.

فقال: إنّي ميّت اوصيك براهب انطاكية فاقرأه منّي السلام و ادفع إليه هذا اللوح، و ناولني لوحا.

فلمّا فرغت من دفنه أتيت راهب انطاكية و قلت: أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّ عيسى روح اللّه و أنّ محمّدا حبيب اللّه.

فقال: يا روزبه اصعد فصعدت إليه فخدمته حولين، فقال: إنّي ميّت اوصيك براهب اسكندرية فاقرأه منّي السلام و ادفع إليه هذا اللوح.

فلمّا فرغت منه أتيت الصومعة قائلا: أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّ عيسى روح اللّه و أنّ محمّدا حبيب اللّه.

فقال: يا روزبه اصعد فصعدت فخدمته حولين، فقال: انّي ميّت.

فقلت له: على من تخلّفني؟

فقال: لا أعرف أحدا يقول بمقالتي في الدنيا و أنّ ولادة محمّد قد حانت، فإذا أتيته فاقرأه منّي السلام و ادفع إليه هذا اللوح.

فلمّا فرغت من دفنه صحبت قوما لمّا أرادوا أن يأكلوا شدّوا شاة فقتلوها بالضرب، فقالوا: كل.

فقلت: إنّي غلام ديراني و أنّ الديرانيين لا يأكلون اللحم.

ثمّ أتوني بالخمر، فقلت مثل ذلك، فضربوني و كادوا يقتلونني، فأقررت لواحد منهم بالعبودية، فأخرجني و باعني بثلاثمائة درهم من يهودي. فسألني عن قصّتي فأخبرته و قلت: ليس لي ذنب سوى حبّي محمّدا و وصيّه. فقال اليهودي: و انّي‏

21

لأبغضك‏ (1) و لكن أبغض محمّدا. ثمّ أخرجني الى باب داره و إذا رمل كثير فقال:

و اللّه لئن أصبحت و لم تنقل هذا الرمل كلّه من هذا الموضع لأقتلنّك.

قال: فجعلت أحمل طول ليلي، فلمّا جهدني‏ (2) التعب سألت اللّه تعالى الراحة منه. فبعث اللّه ريحا فقلعت ذلك الرمل الى ذلك المكان.

فلمّا أصبح نظر الى الرمل فقال: أنت ساحر قد خفت منك. فباعني من امرأة سليميّة لها حائط، فقالت لي: افعل بهذا الحائط ما شئت.

فكنت فيه إذا أنا بسبعة رهط تظلّهم غمامة، فلمّا دخلوا كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أمير المؤمنين و أبو ذر و المقداد و عقيل و حمزة و زيد فأوردتهم طبقا من رطب فقلت: هذه صدقة.

فقال النبيّ (عليه السلام): كلوا، و أمسك رسول اللّه و أمير المؤمنين و حمزة و عقيل.

و وضعت طبقا آخر و قلت: هذه هديّة. فمدّ يده و قال: بسم اللّه كلوا.

فقلت: في نفسي: بدت ثلاث علامات، و كنت أدور خلفه إذ التفت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قال: يا روزبه تطلب خاتم النبوّة، و كشف عن كتفيه و إذا بخاتم النبوّة معجوم بين كتفيه عليه شعرات، فسقطت على قدميه اقبّلهما.

فقال لي: [يا روزبه ائت‏] هذه المرأة و قل لها: يقول لك محمّد بن عبد اللّه تبيعينا هذا الغلام؟

فلمّا أخبرتها قالت: قل له لا أبيعكه إلّا بأربعمائة نخلة، مائتي نخلة صفراء، و مائتي نخلة حمراء.

فأخبرته بذلك فقال (صلّى اللّه عليه و آله): ما أهون ما سألت. قم يا علي فاجمع هذا النوى كلّه. فأخذه بيده فغرسه ثم قال له: اسقه، فسقاه، فلمّا بلغ آخره خرج النخل و لحق بعضه بعضا، فقال لها: خذي شيّك و ادفعي إلينا شيّنا.

فخرجت و قالت: و اللّه لا أبيعكه إلّا باربعمائة نخلة كلّها صفراء.

____________

(1) كذا في الأصل، و الظاهر لا أبغضك.

(2) كذا في الأصل، و في روضة الواعظين و في المناقب: أجهدني.

22

فهبط جبرئيل (عليه السلام) فمسح بجناحه على النخيل فصار كلّه أصفر.

فنظرت و قالت: و اللّه نخلة من هذه أحبّ إليّ من محمّد و منك.

فقلت لها: و اللّه و إنّ يوما مع محمّد أحبّ إليّ منك و من كلّ شي‏ء أنت فيه.

فأعتقني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سمّاني سلمان‏ (1).

و قال نصر بن المنتصر في ذلك:

من غرس النخل فجاءت يانعا* * * مرضيّة ليومها من النوى‏

فصل في ذكر نسبه (صلّى اللّه عليه و آله)

محمّد بن عبد اللّه و هو الذي تصوّر أبوه عبد المطّلب أنّ ذبح الولد أفضل قربة، لما علم من حال إسماعيل (عليه السلام)، فنذر أنّه متى رزق عشرة ذكورا أن ينحر أحدهم للكعبة شكرا لربّه عزّ و جلّ.

فلمّا وجدهم عشرة قال لهم: يا بنيّ ما تقولون في نذري؟

فقالوا: الأمر إليك و نحن بين يديك.

قال: فلينطلق كلّ واحد منكم الى قدحه و ليكتب عليه اسمه. ففعلوا و أتوه بالقداح، فأخذها و قال:

عاهدته و الآن اوفي عهده‏* * * إذ كان مولاي فكنت عبده‏

نذرت نذرا لا احبّ ردّه‏* * * و لا احبّ أن أعيش بعده‏

فقدّمهم ثمّ تعلّق بأستار الكعبة و نادى: اللّهمّ ربّ البلد الحرام، و الركن و المقام، و ربّ المشاعر العظام، و الملائكة الكرام، اللّهمّ أنت خلقت الخلق لطاعتك‏

____________

(1) روضة الواعظين: ص 275- 278، المناقب لابن شهرآشوب: ج 1 ص 16- 18.

23

و أمرتهم بعبادتك، لا حاجة منك إليهم، في كلام له.

ثمّ أمر بضرب القداح و قال: اللّهمّ إليك أسلمتهم، و لك أعطيتهم، فخذ من اخترت منهم فإنّي راض بما حكمت، وهب لي أصغرهم سنّا فإنّه أضعفهم ركنا.

ثمّ أنشأ يقول:

يا ربّ لا تخرج عليه قدحي‏* * * و اجعل له واقية من ذبحي‏

فخرج السهم على عبد اللّه. فأخذ عبد المطلب الشفرة و أتى عبد اللّه حتّى أضجعه في الكعبة و قال:

هذا بنيّ قد اريد نحره‏* * * و اللّه لا يقدر شي‏ء قدره‏

فإن يؤخّره يقبل عذره ثمّ همّ بذبحه، فأمسك أبو طالب يده و قال:

كلّا و ربّ البيت ذي الأنصاب‏* * * ما ذبح عبد اللّه بالتلعاب‏ (1)

ثمّ قال: اللّهمّ اجعلني فديته وهب لي ذبحته، و قال:

خذها إليك هديّة يا خالقي‏* * * روحي و أنت مليك هذا الخافق‏

و عاونه أخواله من بني مخزوم، و قال بعضهم:

يا عجبا من فعل عبد المطّلب‏* * * و ذبحه ابنا كتمثال الذهب‏

فأشاروا عليه بكاهنة بني سعد، فخرج في ثمانمائة رجل و هو يقول:

تعاورني هم فضقت به ذرعا* * * و لم استطع ممّا تجلّلني دفعا

نذرت و نذر المرء دين ملازم‏* * * و ما للفتى ممّا قضى ربّه منعا

و عاهدته عشرا فلمّا تكمّلوا* * * اقرّب منهم واحدا ماله رجعا

فأكملهم عشرا فلمّا هممت أن‏* * * أفي بذاك النذر ثار له جمعا

يصدّونني عن أمر ربّي و أنّني‏* * * سأرضيه مشكورا ليكسبني نفعا

فلمّا دخلوا عليها قال:

يا ربّ انّي فاعل لما ترد* * * إن شئت ألهمت الصواب و الرشد

____________

(1) التلعاب: مصدر لعب.

24

فقالت: كم دية الرجل عندكم؟

قالوا: عشرة من الإبل.

قالت: فاضربوا على الغلام و على الإبل القداح، فإن خرج القدح على الإبل فانحروها، و إن خرج عليه فزيدوا في الإبل عشرة عشرة حتى يرضى ربّكم.

فكانوا يضربون القداح على عبد اللّه و على عشرة فيخرج السهم على عبد اللّه، الى أن جعلها مائة و ضرب فخرج القدح على الإبل، فكبّر عبد المطلب و كبّرت قريش و وقع عبد المطّلب مغشيّا عليه، و تواثبت بنو مخزوم فحملوه على أكتافهم، فلمّا أفاق من غشيته قالوا: قد قبل منك فداء ولدك.

فبينا هم كذا و إذا بهاتف من داخل البيت و هو يقول: قبل الفداء، و نفد (1) القضاء، و آن ظهور محمّد المصطفى.

فقال عبد المطّلب: القداح تخطئ و تصيب حتى أضرب ثلاثا. فلمّا ضربها خرج على الإبل، فارتجز يقول:

دعوت ربّي مخلصا و جهرا* * * يا ربّ لا ينحر بنيّ نحرا

فنحرها كلّها، فجرت السنّة في الدية بمائة من الإبل‏ (2).

و لهذا كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: «أنا ابن الذبيحين و لا فخر» (3) يعني عبد اللّه و اسماعيل (عليهما السلام).

و كانت امرأة يقال لها فاطمة بنت مرّة قد قرأت الكتب، فمرّ بها عبد اللّه بن عبد المطّلب فقالت له: أنت الذي فداك أبوك بمائة من الإبل؟ قال: نعم.

فقالت: هل لك أن تقع عليّ مرّة و اعطيك من الإبل مائة؟ فنظر إليها و أنشأ يقول:

أمّا الحرام فالممات دونه‏* * * و الحلّ لا حلّ فأستبينه‏

فكيف بالأمر الذي تبغينه‏

____________

(1) في المناقب: نفذ.

(2) المناقب لابن شهرآشوب: ج 1 ص 20- 22.

(3) الدر المنثور: ج 5 ص 281.

25

و مضى مع أبيه فزوّجه أبوه آمنة، فظلّ عندها يوما و ليلة فحملت بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، ثمّ انصرف عبد اللّه و مرّ بها فلم يربها حرصا على ما قالت أوّلا، فقال لها عند ذلك مختبرا: هل لك فيما قلت لي فقلت لا؟

قالت: قد كان ذاك مرّة فاليوم لا. فذهبت كلمتاهما مثلا.

ثم قالت: أيّ شي‏ء صنعت بعدي؟

قال: زوّجني أبي آمنة فبتّ عندها.

فقالت: للّه ما زهريّة سلبت ثوبيك ما سلبت و ما تدري.

ثمّ قالت: رأيت في وجهك نور النّبوة فأردت أن يكون فيّ، و أبى اللّه أن يضعه إلّا حيث يحبّ. ثمّ قالت:

بني هاشم قد غادرت من أخيكم‏* * * امينة إذ للباه يعتلجان‏

كما غادر المصباح بعد خبوّه‏* * * فتائل قد ميثت له بدخان‏

و ما كلّ ما يحوي الفتى من نصيبه‏* * * بحرص و لا ما فاته بتواني‏

و يقال انّه مرّ بها و بين عينيه غرّة مثل غرّة الفرس.

و كان عند الأحبار جبّة صوف بيضاء قد غمست في دم يحيى بن زكريّا، و كانوا قد قرءوا في كتبهم: إذا رأيتم هذه الجبّة تقطر دما فاعلموا أنّه قد ولد أبو السفّاك الهتّاك.

فلمّا رأوا ذلك من الجبّة اغتمّوا، و اجتمع خلق منهم على أن يقتلوا عبد اللّه، فوجدوا الفرصة منه لكون عبد المطّلب في الصيد، فقصدوه فأدركه وهب بن عبد مناف الزهري، فحان منه نظرة، فنظر الى رجال نزلوا من السماء فكشفوهم عنه، فزوّج ابنته من عبد اللّه، قال: فماتت من نساء قريش مائتا امرأة غيرة.

و يقال: إنّ عبد اللّه كان في جبينه نور يتلألأ، فلمّا قرب حمل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) لم يطق أحد رؤيته، و ما مرّ بشجر و لا حجر إلّا سجد له و سلّم عليه، فنقل اللّه منه نوره يوم عرفة وقت العصر و كان يوم الجمعة الى آمنة (1).

____________

(1) المناقب: ج 1 ص 27.

26

و كانت أمّ آمنة: برّة بنت عبد العزّى بن عثمان بن عبد الدار (1).

و عبد اللّه و آمنة ماتا مسلمين، و الدليل على ذلك ما ورد في الأخبار المرويّة عن الثقات.

فمن ذلك: ما رواه الثعلبي و الواحدي و ابن بطّة، عن عطاء و عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ‏ (2). يعني ندبّرك من أصلاب الموحّدين من موحّد الى موحّد حتى أخرجك في هذه الامّة، و ما زال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، يتقلّب في أصلاب الأنبياء و الصالحين حتى ولدته امّه‏ (3).

و عن علي (عليه السلام): انّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: خرجت من نكاح و لم أخرج من سفاح من لدن آدم الى أن ولدني أبي و امّي، و لم يصبني من سفاح الجاهلية شي‏ء (4).

و قال متكلّم: لقد منّ اللّه عليه بالآباء الطاهرين الساجدين. و لو عنى سجدة الأصنام لما منّ عليه، لأنّ المنّة على الكفر قبيح.

و في مسلم: قال بريدة: انتهى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) الى رسم قبر، فجلس و جلس الناس حوله، فجعل يحرّك رأسه كالمخاطب ثم بكى.

فقيل: ما يبكيك يا رسول اللّه؟

قال هذا قبر آمنة بنت وهب، استأذنت ربّي في زيارة قبرها فأذن لي، فزوروا القبور يذكّركم الموت‏ (5).

و لو لم تكن مؤمنة لما جاز له زيارتها، و لا أذن له، لقوله: وَ لا تُصَلِّ عَلى‏ أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَ لا تَقُمْ عَلى‏ قَبْرِهِ‏ (6) الآية.

[قال‏] أبو عبد اللّه (عليه السلام): نزل جبرئيل (عليه السلام) على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: «يا محمّد

____________

(1) السيرة النبوية لابن هشام: ج 1/ ص 165.

(2) الشعراء: 219.

(3) الدر المنثور: ج 5/ ص 98، مجمع البيان: ج 7- 8/ ص 207.

(4) البداية و النهاية: ج 2/ ص 255.

(5) صحيح مسلم: ج 2/ ص 672 باب 36 من كتاب الجنائز ح 106.

(6) التوبة: 84.

27

إنّ اللّه جلّ جلاله يقرؤك السلام و يقول: إنّي قد حرّمت النار على صلب أنزلك، و بطن حملك، و حجر كفلك» (1) يعني عبد اللّه و آمنة و أبا طالب و فاطمة بنت أسد.

و قال الحسن البصري في قوله: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ‏ (2): أي ما كان ذلك يا محمّد إلّا بأمر منّي، فلمّا أمره أن يقول:

وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً (3) علمنا أنّ اللّه أمره.

و عبد اللّه أنفذه أبوه عبد المطلب يمتار له تمرا من يثرب فتوفّي بها.

و عبد اللّه بن عبد المطّلب:

و كان لعبد المطّلب عشرة أسماء: عمرو، و شيبة الحمد، و سيّد البطحاء، و ساقي الحجيج، و ساقي الغيث، و غيث الورى في العام الجدب، و أبو السادة العشرة، و حافر زمزم، و عبد المطّلب.

و سمّي «عبد المطلّب» لأنّ أباه هاشما كان شخص في تجارة الى الشام فترك طريق المدينة فتزوّج سلمى ابنة عمرو فولدت شيبة، و مات هاشم بالشام، فمكث شيبة سبع سنين فرآه حارثي في غلمان يتناضلون و هو إذا خنقه الأمر يقول:

أنا ابن هاشم، فحكى الحارثي للمطّلب ذلك، فذهب المطّلب و أردفه خلفه و دخل مكّة و هو مردفه، فقيل إنّه عبد المطّلب، فصار بذلك لقبا له.

و إنّما سمّي «شيبة الحمد» لأنّه كان في رأسه شيبة حين ولد.

و كان له عشرة بنين و هم: الحارث، و الزبير، و حجل و هو الغيداق، و ضرار و هو نوفل و المقوّم، و أبو لهب و هو عبد العزّى، و عبد اللّه، و أبو طالب، و حمزة، و العبّاس. و كانوا من امّهات شتّى إلّا عبد اللّه و أبو طالب و الزبير فإنّهم كانوا أولاد أمّ، و امّهم فاطمة بنت عمرو بن عابد.

و أعقب منهم البنين خمسة: عبد اللّه أعقب محمّدا سيّد البشر (صلّى اللّه عليه و آله)، و أبو طالب أعقب [طالبا] (4) جعفرا و عقيلا و عليّا و هو سيّد الوصيّين، و عبّاس أعقب عبد اللّه‏

____________

(1) روضة الواعظين: ص 139، الكافي: ج 1 ص 446 باب مولد النبي ح 21.

(2) التوبة: 113.

(3) الإسراء: 24.

(4) لم يرد في الأصل.

28

و قثم و الفضل و عبيد اللّه، و الحارث أعقب عبيدة، و أبو لهب أعقب عتبة و معتّبا و عتيقا.

و أعقب عبد المطّلب ست بنات: عاتكة، اميمة، البيضاء و هي أمّ حكيم، برّة، صفيّة و هي أمّ الزبير، أروى و يقال وريدة.

و أسلم من أعمام النبيّ (عليه السلام): أبو طالب، و حمزة، و العبّاس. و من عمّاته صفيّة، و أروى، و عاتكة. و آخر من مات من أعمامه: العبّاس، و من عمّاته: صفيّة.

و كانت لعبد المطّلب خمس من السنن أجراها اللّه في الإسلام: حرّم نساء الآباء على الأبناء، و سنّ الدية في القتل مائة من الإبل، و كان يطوف بالبيت سبعة أشواط، و وجد كنزا فأخرج منه الخمس.

و سمّي حافر زمزم حين حفرها و جعلها سقاية الحاجّ.

و كان أوّل من تحنّث بحراء، و التحنّث: التألّه، و كان يدخل فيه إذا أهلّ هلال شهر رمضان الى آخر الشهر.

و هو الذي خرج الى أبرهة بن الصباح ملك الحبشة لمّا قصد لهدم البيت، و تسرعت الحبشة فأغاروا عليها و أخذوا سرحا لعبد المطّلب بن هاشم، فجاء عبد المطّلب الى الملك فاستأذن عليه فأذن له و هو في قبّة ديباج على سرير له، فسلّم عليه، فردّ أبرهة السلام و جعل ينظر في وجهه، فراقه حسنه و جماله و هيأته فقال له: هل كان في آبائك مثل هذا النور الذي أراه لك و الجمال؟ قال: نعم أيّها الملك، كلّ آبائي كان لهم هذا الجمال و النور و البهاء.

فقال له أبرهة: لقد فقتم الملوك فخرا و شرفا، و يحقّ لك أن تكون سيّد قومك.

ثمّ أجلسه معه على سريره و قال لسائس فيله الأعظم- و كان فيلا أبيض عظيم الخلق، له نابان مرصّعان بأنواع الدرر و الجواهر، و كان الملك يباهي به ملوك الأرض-: آتيني به.

فجاء به سائسه و قد زيّن بكلّ زينة حسنة، فحين قابل وجه عبد المطّلب سجد له و لم يكن يسجد لملكه، و أطلق اللّه لسانه بالعربيّة فسلّم على عبد المطّلب‏ (1).

____________

(1) أمالي المفيد: ص 312 المجلس 37 ح 5.

29

و في خبر: و قال بلسان فصيح: يا نور خير البريّة، و يا صاحب البيت و السقاية، و يا جدّ سيّد المرسلين‏ (1).

و ذكر ابن بابويه في الجزء الرابع من كتاب النبوّة انّ الفيل نادى بلسان ... (2) على النور الذي في ظهرك يا عبد المطّلب، معك العزّ و الشرف، و لن تذلّ و لن تغلب أبدا. فلمّا رأى الملك ذلك ارتاع له و ظنّه سحرا، ثمّ قال: ردّوا الفيل الى مكانه.

ثمّ قال لعبد المطّلب: فيم جئت فقد بلغني سخاؤك و كرمك و فضلك و رأيت من هيبتك و جمالك و جلالك ما يقتضي أن أنظر في حاجتك فسلني ما شئت.

و هو يرى أنّه يسأله في الرجوع عن مكّة.

فقال له عبد المطّلب: إنّ أصحابك عدوا على سرح لي فذهبوا به فمرهم بردّه عليّ.

قال: فتغيّظ الحبشي من ذلك و قال لعبد المطّلب: لقد سقطت من عيني، جئتني تسألني في سرحك و أنا قد جئت لهدم شرفك و شرف قومك و مكرمتكم التي تتميّزون بها من كلّ جيل، و هو البيت الذي يحجّج إليه من كلّ صقع في الأرض، فتركت مسألتي في ذلك و سألتني في سرحك! فقال له عبد المطّلب: لست بربّ البيت الذي قصدت لهدمه، و أنا ربّ سرحي الذي أخذه أصحابك فجئت أسألك فيما أنا ربّه، و للبيت ربّه هو أمنع له من الخلق كلّهم و أولى به منهم.

فقال الملك: ردّوا عليه سرحه.

و انصرف عبد المطّلب الى مكّة، و اتّبعه الملك بالفيل الأعظم مع الجيش لهدم البيت، فكانوا إذا حملوه على دخول الحرم أناخ و إذا تركوه رجع مهرولا.

فقال عبد المطّلب: ادعوا إليّ ابني: فجي‏ء بالعبّاس، فقال: ليس هذا اريد، ادعوا إليّ ابني. فجي‏ء بأبي طالب، فقال: ليس هذا اريد، ادعوا إليّ ابني. فجي‏ء بعبد اللّه أبي النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فلمّا أقبل إليه قال له: اذهب يا بنيّ حتى تصعد أبا قبيس ثم‏

____________

(1) بحار الأنوار: ج 15 ص 132.

(2) هنا كلمتان مطموستان.

30

اضرب ببصرك ناحية البحر فانظر أيّ شي‏ء يجي‏ء من هناك و خبّرني به.

قال: فصعد عبد اللّه أبا قبيس فما لبث أن جاء طير أبابيل مثل السيل و الليل فسقط على أبي قبيس، ثمّ صار الى البيت و طاف به سبعا، ثمّ صار الى الصفا و المروة فطاف بهما سبعا. فجاء عبد اللّه الى أبيه فأخبره الخبر.

فقال له: انظر يا بنيّ ما يكون من أمرها بعد فأخبرني به.

فنظرها فإذا هي قد أخذت نحو عسكر الحبشة، فأخبر عبد المطّلب بذلك، فخرج عبد المطّلب و هو يقول: يا أهل مكّة اخرجوا الى العسكر فخذوا غنائمكم.

قال: فأتوا العسكر و هم أمثال الخشب النخرة و ليس من الطير إلّا و معه ثلاثة أحجار في منقاره و يديه يقتل بكلّ حصاة منها واحدا من القوم. فلمّا أتوا على جميعهم انصرفوا. فلم ير قبل ذلك و لا بعده.

فلمّا هلك القوم بأجمعهم جاء عبد المطّلب الى البيت فتعلّق بأستاره و قال:

يا حابس الفيل بذي المغمس‏* * * حبسته كأنّه مكوكس‏ (1)

في محلس يزهق فيه الأنفس‏

و انصرف و هو يقول: في فرار قريش و جزعهم من الحبشة:

طارت قريش إذا رأت خميسا* * * فظلت فردا لا أرى أنيسا

و لا أحسّ منهم حسيسا* * * إلّا أخا لي ماجدا نفيسا

مسوّدا في أهله رئيسا (2)

فكانوا بين هالك مكانه، أو مات في الطريق عطشا، و سلّط اللّه على جيشه من العرب الجدريّ و الحصبة، و هلك الأشرم و ابنه النجاشي و كان على مقدمته، و أفلت نفيل بن الحبيب الخثعمي و كان قائد الفيل، و أفلت أخنس الفهميّ و كان دليل الحبشة.

____________

(1) قال الفيروزآبادي: المغمس كمعظم، و محدث: موضع بطريق الطائف فيه قبر أبي رغال دليل أبرهة، و مكوكس: المنكس الذي قلب على رأسه، و في نسخة البحار «مكوس» بتشديد الواو و هو بمعناه. و نقل في البحار في بيانه عن القاموس: المكوس كمعظم: حمار.

(2) أمالي المفيد: ص 313- 315 المجلس 37 ص 5.

31

و ورّث اللّه قريشا أموالهم و ما معهم. و سمّى الناس قريشا أهل اللّه و سمّتهم العرب الحمى الممنوع، و قالوا: قاتل اللّه عنهم أقيالهم و خوّلهم أموالهم.

و هو الذي سار الى سيف بن ذي يزن و بشّره بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله). قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: لمّا ظفر سيف بن ذي يزن بالحبشة و ذلك بعد مولد النبيّ (عليه السلام) بسنتين أتته و فود العرب و أشرافها و شعراؤها تهنئه و تمدحه و تذكر ما كان من بلائه و طلبه بثار قومه. فأتى وفد قريش و فيهم عبد المطّلب بن هاشم و اميّة بن عبد شمس و أسد بن عبد العزّى و عبد اللّه بن جذعان فقدموا عليه و هو في قصر له يقال له غمدان، و له يقول أبو الصلت:

لن يدرك الثأر أمثال بن ذي يزن‏* * * في لجّة البحر للأعداء أحوالا

أتى هرقلا و قد شالت نعامته‏* * * فلم تجد عنده القول الذي قالا

ثمّ انثنى نحو كسرى بعد تاسعة* * * من السنين لقد أبعدت إيغالا

حتى أتى بفتى الأحرار يقدمهم‏* * * إنّك لعمري لقد أسرعت إرقالا

من مثل كسرى و بهرام الجنود له‏* * * و مثل و هرز يوم [الجيش إذ صالا] (1)

للّه درّهم من عصبة خرجوا* * * ما أن رأينا لهم في الناس أمثالا

صيدا جحاجحة بيضا خضارمة* * * اسدا تربّت في الغابات أشبالا

أرسلت اسدا على سود الكلاب فقد* * * غادرت جمعهم في الأرض أفلالا

فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفعا* * * في رأس غمدان دارا منك محلالا

ثمّ أطل بالمسك إذ شالت نعامتهم‏* * * و أسبل اليوم في برديك أسبالا

تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا* * * بماء فعادا بعد أبوالا (2)

فطلبوا الإذن عليه فأذن لهم، فدخلوا فوجدوه متضمّخا بالعبير، و عليه بردان أخضران قد اتّزر بأحدهما و ارتدى بالآخر، و سيفه بين يديه و الملوك عن يمينه و شماله، و أبناء الملوك و المقاول. فدنا عبد المطّلب و استأذنه في الكلام، قال له: قل.

____________

(1) بياض في الأصل.

(2) تاريخ الطبري: ج 1 ص 564، السيرة النبوية لابن هشام: ج 1 ص 67- 68 مع اختلاف.

32

فقال: إنّ اللّه تعالى أيّها الملك أحلّك محلّا رفيعا صعبا منيعا باذخا شامخا و أنبتك منبتا طابت أرومته، و قرّت جرثومته، و نبل أصله، و بسق فرعه في أكرم معدن و أطيب موطن، فأنت أبيت اللعن رأس العرب، و ربيعها الذي به تخصب، و ملكها الذي إليه ينقاد، و عمودها الذي عليه العماد، و معقلها الذي تلجأ إليه العباد، سلفك خير سلف، و أنت لنا بعدهم خير خلف، و لم يهلك من أنت خلفه، و لم يخمل منهم سلفه، نحن- أيّها الملك- أهل حرم اللّه و سدنة بيته، أشخصنا إليك الذي أبهجنا من كشفك الكرب الذي فدحنا، فنحن وفد التهنئة لا وفد المرزية.

قال: و من أنت أيّها المتكلّم؟

قال: أنا عبد المطّلب بن هاشم.

قال: ابن اختنا.

قال: نعم. فأدناه و قرّبه. ثمّ أقبل عليه و على القوم فقال: مرحبا و أهلا، و ناقة و رحلا، و مستناخا سهيلا، و ملكا سبحلا (1) يعطى عطاء جزلا- و كان أوّل من تكلّم بها- قد سمع الملك مقالتكم، و عرف قرابتكم، و قبل وسيلتكم، لكم الكرامة ما أقمتم، و الحبا إذا ظعنتم.

ثمّ استنهضوا الى دار الضيافة و الوفود، و أجرى عليهم الأنزال‏ (2)، فأقاموا ببابه شهرا لا يصلون إليه و لا يأذن لهم بالانصراف.

ثمّ انتبه لهم انتباهة فدعا بعبد المطّلب من بينهم فأخلاه و أدناه مجلسه و قال:

يا عبد المطّلب إنّي مفض إليك من سرّ علمي أمرا فليكن عندك مصونا مطويّا حتى يأذن اللّه فيه، فإنّ اللّه بالغ أمره.

فقال عبد المطّلب: مثلك أيّها الملك من سرّ و برّ فما هو فداك أهل الوبر زمرا بعد زمر؟

____________

(1) السبحل: الواسع (لسان العرب 11/ 323).

(2) أنزال القوم: أرزاقهم (لسان العرب 11/ 658).

33

قال: إذا ولد بتهامة غلام، بين كتفيه شامة، كانت له الإمامة و لكم الدعامة الى يوم القيامة.

فقال: أيّها الملك قد أتيت بخبر ما أتى بمثله أحد، و لو لا هيبة الملك و إجلاله لسألته من سارّي ما أزداد به سرورا.

قال: هذا حينه الذي يولد فيه أوقد ولد، اسمه أحمد، يموت أبوه و امّه و يكفله جدّه و عمّه، قد ولد سرارا و اللّه باعثه جهارا، و جاعل له منّا أنصارا، يعزّ بهم أولياءه، و يذلّ بهم أعداءه، و يفتح بهم كرائم الأرض، و يضرب بهم الناس عن عرض، يخمد الأديان، و يكسر الأوثان، و يعبد الرحمن، قوله حكم و فصل، و أمره حزم و عدل، يأمر بالمعروف و يفعله، و ينهى عن المنكر و يبطله.

فقال عبد المطّلب: أيّها الملك دام ملكك و علا كعبك فهل الملك ساري بإفصاح، فقد أوضح بعض الإيضاح.

فقال ابن ذي يزن: و البيت ذي الحجب، و العلامات على النصب، إنّك يا عبد المطّلب جدّه غير كذب.

فخرّ عبد المطّلب ساجدا.

قال ابن ذي يزن: ارفع رأسك ثلج صدرك، و علا أمرك، فهل أحسست شيئا ممّا ذكرت لك؟

قال عبد المطّلب: أيّها الملك كان لي ابن كنت له محبّا، و عليه حذرا مشفقا، فزوّجته كريمة من كرائم قومه يقال لها آمنة بنت وهب بن عبد مناف، فجاءت بغلام بين كتفيه شامة، و فيه كلّما ذكرت من علامة، مات أبوه و امّه، فكفلته أنا و عمّه.

قال ابن ذي يزن: إنّ الذي قلته لك كما قلت فاحفظ ابنك و احذر عليه من اليهود، فإنّهم له أعداء، و لن يجعل اللّه لهم عليه سبيلا، و اطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذين معك فإنّي لست آمنهم أن يدخلهم النفاسة من أن يكون لك الرئاسة، فيبغون لك الغوائل، و ينصبون لك الحبائل، و هم فاعلون أو أبناؤهم، و لو لا أنّي أعلم أنّ الموت مدركي قبل مبعثه لسرت بخيلي و رجلي حتى أصير

34

بيثرب دار مهاجرته، فإنّي أجد في الكتاب الناطق و العلم السابق أنّ يثرب دار مهاجرته، و بيئة نصرته، و لو لا أنّي أقيه الآفات، و أحذر عليه العاهات، لأعليت على حداثة سنّه أمره، و أوطأت رقاب العرب كعبه، و لكنّي صارف إليك ذلك عن غير تقصير منّي بمن معك.

ثمّ أمر لكلّ واحد منهم بعشرة أعبد و عشرة إماء سود، و خمسة أرطال مسكا، و كرشا مملؤة عنبرا، و حلّتين من حلل اليمن. و أمر لعبد المطّلب بأضعاف ذلك، و قال له: إذا حال الحول فأتني بما يكون من أمره.

فما حال الحول حتى مات ابن ذي يزن، فكان عبد المطّلب يقول: يا معشر قريش لا يغبطني أحد منكم بعطاء الملك فإنّه الى نفاد، لكن ليغبطني بما بقي لي و لعقبي ذكره و فخره الى يوم القيامة. فإذا قالوا له: و ما ذاك؟ قال: سيظهر بعد حين‏ (1).

و قال ابن رزّيك:

محمّد خاتم الرسل الذي سبقت‏* * * به بشارة قسّ و ابن ذي يزن‏

و أنذر النطقاء الصادقون بما* * * يكون من أمره و الطهر لم يكن‏

الكامل الوصف في حلم و في كرم‏* * * و الطاهر الأصل من ذام و من درن‏

ظلّ الإله و مفتاح النجاة و ينبو* * * ع الحياة و غيث العارض الهتن‏

فاجعله ذخرك في الدارين معتصما* * * به و بالمرتضى الهادي أبي الحسن‏ (2)

و عبد المطّلب رأى في منامه أنّ شجرة نبتت على ظهره قد نال رأسها السماء، و ضربت بأغصانها الشرق و الغرب، و نورا يزهر بينها أعظم من نور الشمس سبعين ضعفا، و العرب و العجم ساجدة لها، و هي كلّ يوم تزداد عظما و نورا، و رأى رهطا من قريش يريدون قطعها فإذا دنوا منها أخذهم شابّ من أحسن الناس وجها و أنظفهم ثيابا فيأخذهم و يكسر ظهورهم و يقلع أعينهم.

فقصّ ذلك على كاهنة قريش فقالت: لئن صدقت ليخرجنّ من صلبك ولد

____________

(1) اعلام النبوّة للماوردي: ص 157- 160.

(2) المناقب لابن شهرآشوب: ج 1 ص 20.

35

يملك الشرق و الغرب، و نبيّا في الناس‏ (1).

و ذكر الماوردي أنّ عبد المطّلب رأى في منامه أيضا كأنّه خرج من ظهره سلسلة [لها] (2) أربعة أطراف: طرف قد أخذ المغرب، و طرف قد أخذ المشرق، و طرف لحق بأعنان السماء، و طرف لحق بثرى الأرض. فبينما هو يتعجّب إذ التفّت الأنوار فصارت شجرة خضراء مجتمعة الأغصان، متدلّية الأثمار، كثيرة الأوراق، قد أخذ أغصانها أقطار الأرض في الطول و العرض، و لها نور قد أخذ الخافقين، و كأنّي قد جلست تحت الشجرة، و بإزائي شخصان بهيّان، و هما نوح و إبراهيم (عليهما السلام)، قد استظلّا بها فقصّ ذلك على كاهن، ففسّره بولادة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)(3) و في رامش‏أفزاي‏ (4): إنّ عبد المطّلب عاش مائة و أربعين سنة، فأعطاه شخص مهيب ضغث ريحان و قال له: شمّه، فلمّا شمّه مات، و كان الشيخ ملك الموت (عليه السلام). و كان يفتي على ملّة إبراهيم (عليه السلام).

و قال الشعبي: دخل عبد اللّه بن جعفر الطيّار (عليهما السلام) على معاوية بن أبي سفيان و عنده ابنه يزيد بن معاوية، فجعل يزيد يعرّض بعبد اللّه في كلامه و ينسبه إلى الشرف في غير مرضاة اللّه.

فقال عبد اللّه: إنّي لأرفع نفسي عن جوابك، و لو صاحب السرير كلّمني لأجبته.

فقال معاوية: يا عبد اللّه بن جعفر كأنّك تظنّ أنّك أشرف منه.

فقال ابن جعفر: اي و اللّه إنّي أشرف منه و من أبيه و جدّه.

فقال معاوية: ما كنت أحسب أنّ أحدا في عصر حرب بن اميّة أشرف منه.

فقال ابن جعفر: إنّ أشرف من حرب من غطاه بإنائه و أجاره بردائه.

____________

(1) في روضة الواعظين: ينبأ، ج 1 ص 64 مجلس في مولد النبيّ (ص)، المناقب لابن شهرآشوب: ج 1 ص 23.

(2) بياض في الأصل.

(3) المناقب لابن شهرآشوب: ج 1 ص 24.

(4) قال في الذريعة ج 10 ص 59: هو كتاب للشيخ محمّد بن الحسين المحتسب، قال الشيخ منتجب الدين أنّه في عشر مجلدات .. و رامش في الفارسية بمعنى الطرب و العيش.

36

قال الشعبي: هذا كلام عربيّ، و تفسيره: إنّ حرب بن اميّة كان إذا خرج في سفر فعرضت له ثنيّة أو عقبة فتنحنح، لم يقدم أحد أن يسلكها حتى يجوزها حرب، فجاء غلام من بني اسيد فجاز العقبة قبل حرب، فهدّده حرب و قال له:

سيمكّنني اللّه منك إن دخلت مكّة، فضرب الدهر ضرباته أن قدم الاسيدي مكّة فسأل عن أعزّ أهل مكّة، فقيل له: عبد المطّلب، فقال: دون عبد المطّلب، قيل:

فالزبير. فقرع عليه الباب، فقال الزبير: إن كنت مستجيرا أجرناك، و إن كنت طالب قرى قريناك. فأنشأ الاسيدي يقول:

لاقيت حربا بالثنيّة مقبلا* * * كالليل أبلج‏ (1) ضوؤه للساري‏

فتركته خلفي و سرت أمامه‏* * * و كذاك كنت أكون في الأسفار

أنا يهددني الوعيد ببلدة* * * فيها الزبير كمثل ليث ضار

ليث هزبر (2) يستضاء بقربه‏* * * رحب المباءة (3) حافظ للجار

و حلفت بالبيت العتيق و ركنه‏* * * و بزمزم و الحجر ذي الأستار

إنّ الزبير لمانعي بمهنّد* * * عضب المهزّة صارم بتّار

قال الزبير: قد أجرتك فسر أمامي فإنّا بني عبد المطّلب إذا أجرنا رجلا لم نتقدّمه. فمضى و الزبير في أثره، فلقيه حرب، فقال الاسيديّ: و ربّ الكعبة ثمّ شدّ عليه، و اخترط الزبير سيفه و نادى في إخوته، و مضى حرب يشتدّ و الزبير في أثره حتى دخل دار عبد المطّلب.

فقال: ميهم يا حرب.

قال: ابنك الزبير.

قال: ادخل الدار، و كفا عليه جفنة هاشم التي كان يهشم فيها الثريد و يطعم الناس.

و جاء بنو عبد المطّلب فجلسوا بالباب، و احتبوا بحمائل سيوفهم، فخرج إليهم‏

____________

(1) بياض في الأصل.

(2) الهزبر: الأسد.

(3) المباءة: المراح الذي تبيت فيه الإبل.

37

عبد المطّلب فسرّه ما رأى منهم و قال لهم: يا بنيّ أصبحتم اسود العرب.

ثمّ دخل الى حرب فقال له: قم فاخرج إليهم يا أبا الحرب.

فقال حرب: هربت من واحد و أخرج الى عشرة؟

فقال: خذ ردائي فالبسه فإنّهم إذا رأوا ردائي عليك لم يهيجوك.

فلبسه ثمّ خرج، فرفعوا رءوسهم و نظروا إلى رداء عبد المطّلب و نكسوا رءوسهم حتى جاز. فذلك قوله: إنّ أشرف من حرب من كفا عليه إناءه و أجاره بردائه‏ (1).

و قيل: كان لعبد المطّلب ماء بالطائف يدعى ذا الهرم، فادّعته ثقيف و احتفروا، فخاصمهم فيه عبد المطّلب الى عزّى سلمة الكاهن العذري بالشام، و خرج مع عبد المطّلب ابنه الحارث و نفر من قومه، و لا ولد له يومئذ غيره، و خرج جندب بن الحارث الثقفي خصم عبد المطّلب في نفر من قومه. فلمّا كانوا ببعض الطريق نفد ماء عبد المطّلب فسأل عبد المطّلب الثقيفيّين أن يسقوه من مائهم، فأبوا، و بلغ العطش منهم كلّ مبلغ، و ظنّوا أنّه الهلاك، و نزل عبد المطّلب و أصحابه و أناخوا إبلهم و قد يئسوا من الحارث، فظهر (2) اللّه لهم عينا من تحت جران بعير عبد المطّلب، فحمد اللّه و علم أنّ ذلك غوث اللّه، فشربوا و تزوّدوا.

ثمّ نفد ماء الثقيفيين فطلبوا الى عبد المطّلب أن يسقيهم. فقال ابنه الحارث:

و اللّه لئن سقيتهم لأضعنّ سيفي في هامتي‏ (3) و لأجثينّ عليه حتى ينجم من ظهري.

فقال له عبد المطّلب: يا بنيّ استقم و لا تفعل ذلك بنفسك. و سقاهم عبد المطّلب.

و انطلقوا الى الكاهن و قد خبئوا له خبيئا و هو رأس جرادة في حربة مزادة، و علّقوه في قلادة كلب لهم يدعى سوارا.

فلمّا أتى القوم الكاهن فإذا هم ببقرتين تسوقان بحزجا (4) كلتاهما ترأمه‏

____________

(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 15 ص 229- 231 مع اختلاف في رواية ألفاظ القصيدة.

(2) كذا في الأصل و الظاهر: فطر أو فأظهر.

(3) في ظاهر الأصل: رهامتى، و الظاهر هامتي.

(4) البحزج: ولد البقرة الوحشيّة (لسان العرب 2/ 211).

38

تزعم أنّه ولدها، و ذلك أنّهما ولدتا في ليلة واحدة فأكل النمر إحدى البحزجين، فهما يرأمان الباقي.

فلمّا وقفتا بين يدي الكاهن، قال: هل تدرون ما تقول هاتان البقرتان؟ قالوا:

لا. قال: تختصمان في هذا البحزج و يطلبان بحزجا آخر ذهب به ذو جسد أربد (1) و شدق‏ (2) مرمع، و ناب معق‏ (3) و حلق صعق‏ (4) فما للصغرى في البحزج من حق.

فقضى به للكبرى و ذهبتا.

و تقدّم عبد المطّلب و أصحابه فقال لهم الكاهن: ما حاجتكم؟

قالوا: إنّا خبأنا لك خبيئا فأنبئنا عنه.

قال: نعم، خبأتم لي شيئا طار فسطع التصوّب فتصوّب فوقع، فالأرض منه بقع.

قالوا: لادة فلادة، أي بيّن.

قال: إن لادة فلادة، و هو رأس جرادة، في حربة مزادة، في عنق سوار صاحب القلادة.

قالوا: لادة.

قال: هو شي‏ء طار فاستطار، ذو ذنب جرّار، و رأس كالمسمار، و ساق كالمنشار.

قالوا: قد أصبت. فانتسبا له و قالا: أخبرنا فيم اختصمنا.

قال: احلف بالضياء و الظلم، و البيت ذي الحرم، إنّ الدفين ذي الهرم للقرشي ذي الكرم.

قال جندب بن الحارث الثقفي: اقض لأرفعنا مكانا، و أعظمنا جفانا، و أشدّنا طعانا.

فقال عبد المطّلب: اقض لصاحب الخيرات الكبر، و لمن كان أبوه سيّد مضر، و ساقي الحجيج إذا كثر.

____________

(1) الربدة: الغبرة (لسان العرب 3/ 170).

(2) الشدق: جانب الفم (لسان العرب 10/ 172).

(3) المعيق: الشديد الدخول في جوف الأرض (لسان العرب: 10/ 346).

(4) الصعقة: الصوت الشديد (لسان العرب 10/ 198).

39

فقال الكاهن:

أما و ربّ القلص‏ (1) الرواسم‏ (2)* * * يحملن أزوالا

(3) بفي‏ء طاسم‏

إنّ علاء المجد و المكارم‏* * * في شيبة الحمد الندى بن هاشم‏

فقال عبد المطّلب: اقض بين قريش و بين ثقيف أيّهم أفضل؟

فقال الكاهن:

إنّ مقالي فاسمعوا شهادة* * * إنّ بني النضر كرام سادة

من مضر الحمراء في القلادة* * * أهل رباء و ملوك قادة

زيارة البيت لهم عبادة

ثمّ قال: إنّ ثقيفا عبد آبق، فثقف فعتق، ثمّ ولد فأبّق، فليس له في النسب من حقّ.

أبّق: أيّ أكثر، و البقّ من هذا اخذ.

ففضّل عبد المطّلب و قريشا على الثقفي و قومه.

و كان لعبد المطّلب حوضان يسقي فيهما اللبن و العسل، يربّيان حصوريان.

و أنشد بعضهم لأمير المؤمنين عليه الصلاة و السلام:

أنا ابن ذي الحوضين عبد المطّلب‏* * * أخو رسول اللّه لا قول الكذب‏

و أنبط اللّه لعبد المطلب ماء زمزم، و حوّض عليه، فجاءته قريش حسدا له فثلمته، فقال: «اللّهمّ إنّي لا أحلّها لمغتسل و هي لشارب حلّ و بلّ» فكان بعد من رامه بسوء سيئ به، و اصيب ببليّة في جسده، فهو ماء عبد المطلب. ثمّ صار لأبي طالب، و كان مملقا، و كان أخوه العبّاس ذا مال فادّان منه عشرين ألفا و لم يقدر على قضائها.

فقال العبّاس: يا أبا طالب إنّه مال كثير و لا قضاء عندك فاجعل لي ماء زمزم‏

____________

(1) فرس مقلص: طويل القوائم منضمّ البطن (لسان العرب 7/ 80).

(2) رسمت الناقة: اثّرت في الأرض من شدّة وطئها (لسان العرب 12/ 241).

(3) الزّول: الخفيف الظريف، و الجمع أزوال (لسان العرب 11/ 316).

40

بمالي عندك. فلهذا السبب صارت السقاية للعبّاس.

و قال الفضل بن العبّاس:

إنّما عبد مناف جوهر* * * زيّن الجوهر عبد المطّلب‏

نحن قوم قد بني اللّه لنا* * * شرفا فوق بيوتات العرب‏

برسول اللّه و ابني عمّه‏* * * و بعبّاس بن عبد المطّلب‏

و بعمرو أنّ عمرا في الذرى‏* * * من بني عبد مناف و الحسب‏

قال أبو سعيد الخركوشي فلي اللوامع و في شرف المصطفى‏ (1): قال ابن عبّاس:

قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): يا بني عبد المطّلب إنّي سألت اللّه تعالى أن يثبّت قائلكم، و أن يهدي ضالّكم، و أن يعلّم جاهلكم، و سألت اللّه تعالى أن يجعلكم رحماء نجداء جوداء نجباء، فلو أنّ امرأ صفّ قدميه بين الركن و المقام فصلّى و صام ثم لقي اللّه عزّ و جلّ و هو لأهل بيت محمّد مبغض دخل النار.

و في اللوامع أيضا: قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): أ تروني يا بنيّ عبد المطّلب إذا أخذت حلقة باب الجنّة مؤثرا عليكم أحدا.

و عنه (عليه السلام): من أولى رجلا من بني عبد المطّلب معروفا في الدنيا فلم يقدر أن يكافئه كافأته عنه يوم القيامة.

كتاب مدينة العلم: قال الصادق (عليه السلام): يحشر عبد المطلب يوم القيامة أمّة وحده، عليه سيماء الأنبياء، و هيبة الملوك‏ (2).

و قال (عليه السلام): إنّ عبد المطلب حجّة و أبو طالب وصيّه. انتهى.

و أنفذ ابرهة حيّاطة الحميري ليرد بسيّد قريش، فكان يعدّ بعسكر، فلمّا رأى‏

____________

(1) اللوامع و شرف المصطفى لأبي سعيد عبد الملك بن عثمان الخركوشي الواعظ المتوفى سنة 406 هجرية. (كشف الظنون: ج 2 ص 1569).

(2) مدينة العلم للشيخ الصدوق: مفقود. قال عنه صاحب الذريعة في ج 20 ص 252: و ينقل عنه الشيخ جمال الدين يوسف بن حاتم الفقيه الشامي تلميذ المحقق الحلي و ابن طاوس و غيرهما في كتابه «الدر النظيم» في مناقب الأئمة.

41

عبد المطلب خرس و غشي عليه، و كان يخور خوار الثور، فلمّا أفاق قال: أشهد انّك سيّد قريش، فحيّرني جمالك، و لقد أنفذني إليك يدعوك.

و عبد المطّلب بن هاشم:

و كان لهاشم خمسة بنين: عبد المطّلب، و أسد، و نضلة، و صيفي، و أبو صيفي.

و سمّي هاشم هاشما لهشمه الثريد للناس في زمن المسغبة. و كنيته: أبو نضلة، من نضل الرامي رسيله نضلا. و اسمه: عمرو العلى. قال ابن الزبعري:

كانت قريش بيضة فتفلّقت‏* * * فالمخّ خالصها لعبد مناف‏

الرائشون و ليس يوجد رائش‏* * * و القائلون هلمّ للأضياف‏

و الخالطون فقيرهم بغنيّهم‏* * * حتى يكون فقيرهم كالكافي‏

عمرو العلى هشم الثريد لقومه‏ (1)* * * و رجال مكّة مسنتون عجاف‏ (2)

و يروى أنّ أهل مكّة من الصغار و الكبار كتبوا على أنفسهم و على أولادهم بطنا على بطن أن يكونوا عبيده و عبيد أولاده ما بقوا لهشمه الثريد كلّ يوم من حمل.

و يقال: سمّي هاشما لأنّ قريشا أصابها سنوات ذهبت بالأموال، فخرج هاشم ابن عبد مناف الى الشام، فلمّا أراد الرجوع أمر بالخبز، فخبز له خبز كثير، ثم حمله في الغرائر على الإبل حتى وافى مكّة، فهشم ذلك الخبز و نحر تلك الإبل و طبخت، ثمّ القيت القدور على الخبز في الجفان، فأوسع أهل مكّة، فكان ذلك أوّل الجبا.

عن الزبير بن بكّار: انّه كان إذا حضر موسم الحاجّ ينادي مناديه: يا وفد اللّه الغداء الغداء، يا وفد اللّه العشاء العشاء، فكان يطعم بمكّة ... (3) و يجمع و يثرد لهم الخبز و اللحم و السمن و السويق و التمر في حياض الأدم، و ما فضل عن الناس تركه للوحوش و الطير، حتى قيل إنّه يطعم الناس بالسهل، و الوحوش في الجبل، و الطيور في الهواء، و كان له عند زمزم حياض من أدم ملئ من مياه آبار طيبة، فيشرب الحاجّ.

____________

(1) و في هامش الأصل: لضيفه.

(2) الروض الآنف: ج 1 ص 161 مع تقديم و تأخير في رواية الأبيات.

(3) هنا كلمة مطموسة.

42

و لمّا شاع خبره في الآفاق و ظهر فيه نور النبوّة سجد له جاثليق بني غسّان و قضاعة و ربيعة و خبّر هرقل بأخبار النبي محمّد المذكور في الإنجيل رغب فيه أن يزوّج منه ابنته بجيل، فتعلّل هاشم بالقحط الواقع فيهم و استأجله سنة، و سرّ بذلك.

ثمّ إنّ هاشما رأى في منامه أنّ كفؤك سلمى بنت عمرو من بني النجّار دون ابنة قيصر. فلمّا انتبه قصّ ذلك على أهل الثقة فأشاروا إليها فتزوّجها، فولدت له عبد المطّلب.

و كان هاشم يفتي على دين المسيح (عليه السلام)، و يدعونه حواري الهادي، و حبر الصارم، و لذلك قيل: بنو هاشم سادات الأنام في الجاهلية و الإسلام.

و ولد هاشم و عبد الشمس توأمان في بطن، فقيل: إنّه اخرج أحدهما و اصبعه ملتصقة بجبهة الآخر، فلمّا ازيلت من موضعها ادميت، فقيل يكون بينهما دم.

و روى محمّد بن العبّاس، عن عمّه، عن ابن حبيب قال: كان اميّة بن عبد الشمس ميّلا، فلمّا صنع هاشم عمّه ما صنع تكلّف مثل فعله، فعجز عنه و قصّر، فشمت به ناس من قريش و سخروا منه، فهاج ذلك بينه و بين عمّه شرّا، حتّى دعا هاشما الى المنافرة، و ألّب اميّة اخوته و وبّخوه، فكره ذلك هاشم لسنّه، و أبى اميّة.

فقال هاشم: أما إذا أبيت إلّا المنافرة فأنا انافرك على خمسين ناقة ننحرها ببطن مكّة و الجلاء عنها عشر سنين.

فرضيا بذلك و جعلا بينهما الكاهن الخزاعي، و خرج أبو همهمة بن عبد العزّى من بني الحارث بن فهر، و كانت ابنته أمة بنت أبي همهمة عند اميّة، فخرج كالشاهد لهما.

فقالوا: لو خبأنا له خبيئا نبلوه به. فوجدوا أطباق جمجمة بالية، فأمسكها أبو همهمة معه، ثمّ أتوا الكاهن، و كان منزله‏ (1) الإبل ببابه.

فقالوا: إنّا قد خبئنا لك خبيئا فأنبئنا عنه.

قال الكاهن: أحلف بالنور و الظلمة، و ما بتهامة من أكمة، لقد خبأتم لي أطباق‏

____________

(1) هنا كلمتان مطموستان.

43

جمجمة مع البلندج أبي همهمة.

قالوا: أصبت، فاحكم بين هاشم و بين اميّة أيّهما أشرف؟

فقال: و القمر الباهر، و الكوكب الزاهر، و الغمام الماطر، و ما بالجوّ من طائر، و ما اهتدى بعلم مسافر من منجد أو غائر، لقد سبق هاشم اميّة الى المآثر أوّلا منه و آخر.

و قال لاميّة: تنافر رجلا أطول منك قامة، و أعظم منك هامة، و أحسن منك و سامة، و أقلّ لامة، و أكثر منك ولدا، و أجزل منك صفدا (1).

فأخذ هاشم الإبل و نحرها، و أطعم من حضر. و أخرج اميّة الى الشام، فأقام بها عشر سنين منفيّا (2). و ذلك قول الأرقم بن نضلة بن هاشم:

و قبلك ما أردى اميّة هاشم‏* * * فأورده عمرو الى شرّ مورد

و كانت هذه أوّل العداوة.

و كان عبد مناف وصّى الى هاشم، و دفع إليه مفتاح البيت و سقاية الحاجّ و قوس إسماعيل، فقبلوه في حياته، فلمّا توفي عبد مناف قالوا: إنّ هاشما خالف آلهتنا، و صاروا يعادونه، و مات هاشم بغزّة من آخر عمل الشام، و مات عبد المطّلب بالطائف.

و أمّ هاشم: عاتكة السلميّة، و لها يقول النبيّ (عليه السلام): «أنا ابن العواتك من سليم» يعني عاتكة بنت هلال من بني سليم أمّ عبد مناف بن قصي، و عاتكة بنت مرّة بن هلال أمّ هاشم، و عاتكة بنت الأوقص بن مرّة بن هلال أمّ وهب بن عبد مناف أبي آمنة (3).

و أسد من ولد هاشم انقرض عقبه إلّا من ابنته فاطمة أمّ أمير المؤمنين (عليه السلام)، و أبو صيفي انقرض عقبه إلّا من ابنته رقيقة و هي أمّ محرمة بن نوفل، و صيفي لا بقيّة له.

____________

(1) الصفد: العطاء (لسان العرب 3/ 256).

(2) تاريخ الطبري: ج 2 ص 13.

(3) الجامع الصغير: ص 107.

44

و نضلة لا بقيّة له. و البقيّة من سائر ولد هاشم من عبد المطّلب.

و هاشم بن عبد مناف و اسمه المغيرة بن قصي.

و اسمه زيد قصي عن دار قومه لأنّه حمل من مكّة في صغره الى بلاد أزدشنوءة فسمّي قصيّا.

و يلقّب بالمجمّع لأنّه جمع قبائل قريش بعد ما كانوا في الجبال و الشعاب، و قسّم بينهم المنازل بالبطحاء.

و قصي هو الذي أدخل كنانة الحرم و نزع البيت من خزاعة و سابور ذا الأكتاف عن مكّة. و هو أوّل من أصاب الملك من ولد كعب بن لؤي، لأنّ قومه ملّكوه عليهم، و كان أمره في قريش كالدين المتّبع، معرفة منها بفضله، و تيمّنا برأيه.

و امّه فاطمة بنت سعد بن أزد السراة. و أمّ فاطمة: طريفة بنت قيس بن ذي الرأسين من فهم بن عمرو بن كلاب.

و امّه هند بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر.

و سمّي قريشا. و اختلف في سبب ذلك.

فقال بعضهم: كان النضر بن كنانة ركب بحر الهند، إذ ضجّ أهل السفينة، فقال:

مهيم- كلمة يمانية للعجب- قالوا: هذه قريش تريد كسر مركبنا. فرماها النضر بالحراب فقتلها و حزّ رأسها و كانت آذانها كالشراع، فقدم به مكّة فنصبه على أبي قبيس، فكان الناس يتعجّبون من عظمه و يقولون: قتل النضر قريشا.

ابن عبّاس و ابن سلام: إنّما سمّي بذلك لغلبته على الناس تشبيها بدابّة في البحر تغلب على سائر الحيوان. و فيه يقول الشاعر:

و قريش هي التي تسكن البحر* * * به سمّيت قريش قريشا

سلّطت بالعلوّ في لجّة البحر* * * على سائريه جيشا فجيشا

تأكل الغثّ و السمين و لا تترك‏* * * فيه لذي الجناحين ريشا

هكذا في البلاد حيّ قريش‏* * * يأكلون البلاد أكلا كشيشا (1)

____________

(1) البداية و النهاية: ج 2 ص 202 و فيه «كميشا» بدل «كشيشا».

45

قال أبو عبيدة: هو مأخوذ من التقريش و هو التحريش. قال ابن حلّزة:

أيّها الناطق المقرش عنّا* * * عند عمرو و هل لذاك بقاء (1)

و يقال: سمّوا بذلك لتجارتهم، يقال: قرش الرجل قرشا، و التقرّش:

التكسّب‏ (2).

و قال ثعلب: لأنّهم تقارشوا بالرماح، و الأقراش هو وقوع بعض الرماح على بعض، قال القطامي:

قوارش بالرماح كأنّ فيها* * * شواطن ينتزعن بها انتزاعا

و قيل: لتجمّعها بعد تفرّقها. قال بعضهم:

قرشوا الذنوب علينا* * * في حديث من دهرهم و قديم‏

و قيل: من قولهم: تقرّش الرجل إذا تنزّه.

الكلبيّ و الزّجاج و أبو مسلم: في قوله تعالى: وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ‏ (3) أي للعرب، لأنّ القرآن نزل بلغتهم، و أخصّهم إليه قريش‏ (4).

[خصال قريش‏]

و قد فضّل اللّه تعالى قريشا بخصال:

منها: انّهم عبدوا للّه عزّ و جلّ عشر سنين لا يعبد اللّه فيها إلّا قريشيّ. و أنّه نصرهم يوم الفيل و هم مشركون، و كانوا يسمّون آل اللّه بعد أصحاب الفيل. و كانوا سدنة الكعبة. و نزلت فيهم سورة من القرآن خاصّة (5).

و تزكية النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لهم في قوله: «ارقبوني في قريش» (6).

و قوله: «أبرارها أئمّة أبرارها، و فجّارها أئمّة فجّارها» (7).

و قوله: «لا تسبّوا قريشا» (8).

____________

(1) البداية و النهاية: ج 1 ص 201.

(2) البداية و النهاية: ج 1 ص 201.

(3) الزخرف: 44.

(4) مجمع البيان: ج 9- 10 ص 49.

(5) الدر المنثور: ج 6 ص 396- 397.

(6) لم نعثر عليه في مظانّه.

(7) كنز العمال: ج 14 ص 77 ح 37982.

(8) الدر المنثور: ج 6 ص 398.

46

و قوله: «إنّ للقرشي قوّة رجلين من غيره» (1).

و قوله: «من أبغض قريشا أبغضه اللّه» (2).

الفضل بن العبّاس:

كرام قريش معدنا و مركنا هم‏* * * الفرع منهم و الذرى و ذوائبه‏

لهم مأثرات في المكارم كلّها* * * و مجد رفيع ما ترام مراتبه‏

هم القادة المهدون و المهتدى بهم‏* * * و في أهل هذا الدين قد خطّ كاتبه‏

هم الامّة الوسطى التي تقتدى بهم‏* * * دعاة الى الخير الكثير رغائبه‏

هدوا بنبيّ اللّه رحمة ربّهم‏* * * و قد حال عن باب الرشاد مجانبه‏

فمنهم علي الخير صاحب خيبر* * * و صاحب بدر يوم سارت كتائبه‏

وصيّ النبيّ المصطفى و ابن عمّه‏* * * فمن ذا يدانيه و من ذا يقاربه‏

و حمزة منهم ليث حرب مجرّب‏* * * عليه بفعل الخير قامت نوادبه‏

و جعفر منهم ذو الجناحين لم يكن‏* * * هبوبا إذا ولّى من الموت هاربه‏

و في حسن أعلام خير منيرة* * * وجود إذا ما جاء للجود راغبه‏

و منهم حسين امّه بنت أحمد* * * و خير قريش حين ينسب ناسبه‏

و منهم أبو العبّاس و الفضل منهم‏* * * و عمّ النبيّ المصطفى و مصاحبه‏

و كلّ من كان من ولد النضر سمّي قرشيّا.

و النضر بن خزيمة: و سمّي بذلك لأنّه خزم نور آبائه ابن مدركة لأنّهم أدركوا الشرف في أيّامه.

و قيل: لإدراكه صيدا لأبيه.

و سمّي أبو طابخة لطبخه لأبيه.

ابن اليأس: و سمّي بذلك لأنّه جاء على اياس و انقطاع.

ابن مضر: و سمّي بذلك لأخذه بالقلوب، و لم يكن يراه أحد إلّا أحبّه.

____________

(1) كنز العمال: ج 14 ص 81 ح 37996.

(2) مجمع الزوائد: ج 10 ص 24.

47

ابن نزار: و اسمه عمرو، و سمّي بذلك لأنّ معدّا نظر الى نور النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في وجهه فقرّب له قربانا عظيما و قال: لقد استقللت هذا القربان له لأنّه قليل نزر.

و يقال: إنّه اسم أعجميّ، و كان رجلا هزيلا فدخل على شتاسف فقال: هذا نزار.

ابن معدّ: و سمّي بذلك لأنّه كان صاحب حروب و غارات على اليهود، و كان منصورا مظفّرا.

ابن عدنان: لأنّ أعين الحيّ كلّها كانت تنظر إليه.

و روي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «إذا بلغ نسبي الى عدنان فأمسكوا» (1).

و عنه (عليه السلام): «كذب النسّابون، قال اللّه تعالى: وَ قُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً (2)» (3).

قال القاضي عبد الجبّار: المراد بذلك أنّ اتّصال الأنساب غير معلوم، فلا يخلو إمّا أن يكون كاذبا أو في حكم الكاذب‏ (4).

و قد روي أنّه انتسب الى إبراهيم (عليه السلام)(5).

أمّ سلمة رضي اللّه عنها: سمعت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: «معدّ بن عدنان بن أدد- و سميّ أددا لأنّه كان مادّ الصوت كثير العنن- بن زيد بن ثرا بن أعراق الثرى».

قالت أمّ سلمة رضي اللّه عنها: زيد: هميسع، و ثرا: نبت؛ و أعراق الثرى:

اسماعيل بن إبراهيم (عليهما السلام)».

قالت: ثمّ قرأ (عليه السلام): وَ عاداً وَ ثَمُودَ وَ أَصْحابَ الرَّسِ‏ الآية» (6) ن ه (7).

و اعتمد النسّابون و أصحاب التواريخ أنّ عدنان هو: أدّ، بن أدد، بن اليسع، ابن الهميسع، بن سلامان، بن نبت، بن حمل، بن قيذار، بن اسماعيل.

و قال ابن بابويه: عدنان بن أدّ، بن أدد، بن زيد، بن نفدد، بن يقدم، بن الهميسع، بن نبت، بن قيذار، بن اسماعيل‏ (8).

____________

(1) كشف الغمّة: ص 15.

(2) الفرقان: 38.

(3) الجامع الصغير: ص 90، طبقات ابن سعد: ج 1 ص 56.

(4) بحار الأنوار: ج 15 ص 105 ح 49.

(5) طبقات ابن سعد: ج 1 ص 56.

(6) البداية و النهاية: ج 2 ص 195- 196، و فيه: زند بن اليرى بدل زيد بن الثرا، و المناقب:

ج 1 ص 155- 156.

(7) قد ورد هذا الرمز في الأصل في موارد، و لعلّه بمعنى «انتهى».

(8) مناقب ابن شهرآشوب: ج 1 ص 155.

48

و قال ابن عبّاس: عدنان، بن أدّ، بن أدد، بن اليسع، بن الهميسع.

و يقال: ابن يامين، بن يحشب، بن منحر، بن صابويح، بن الهميسع، بن نبت، بن قيذار، بن اسماعيل، بن ابراهيم، بن تارخ، بن ناحور بن ... (1) بن أرغو- و هو هود، و يقال: بن فالع- بن عابر، بن أرفحشد، بن متوشلح، بن سام، بن نوح، بن ملك بن أخنوخ- و هو إدريس- بن مهلائيل- و يقال: مهائيل- بن يازد- و يقال: مارد و يقال إياد- بن قينان، بن انوش- و يقال: قينان- بن أود، بن أنوش، بن شيث و هو هبة اللّه بن آدم (عليه السلام).

امّه (صلّى اللّه عليه و آله):

آمنة بنت وهب، بن عبد مناف، بن زهرة، بن كلاب، بن مرّة الى آخر النسب.

لم يلق النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عند عبد اللّه أحد، يلقاه عند عبد المطّلب بنو عبد المطّلب، و يلقاه عند هاشم بنو هاشم، و يلقاه عند عبد مناف بنو عبد مناف.

و بنو هاشم و بنو عبد شمس رهط أبي سفيان صخر بن حرب بن اميّة بن عبد شمس، و بنو المطّلب و هو الفيض بن عبد مناف رهط عبيدة بن الحارث البدري، و هم يد، مع بني هاشم.

و من ولده عمرو بن علقمة بن المطّلب الذي قتله خداش بن أبي قيس العامريّ، و له خبر.

و بنو نوفل بن عبد مناف، و هم يد مع بني عبد شمس.

و أجمعت نسّابة قريش أنّ من لم يلده فهر بن مالك فليس من قريش.

و قال آخرون: من لم يلده النضر. و المعنى واحد، لأنّه لا بقيّة للنضر إلّا من فهر بن مالك بن النضر.

تفسير خندف:

و قريش سادة خندف، و خندف ولد الياس بن مضر جميعا.

____________

(1) هنا كلمة مطموسة.

49

و إنّما سمّوا خندف باسم امّهم، و سمّيت بذلك لأنّها خندفت في طلب بعض ولدها، و الخندفة سرعة المشي. و اسمها ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، و هي التي جعلت على نفسها إن هلك الياس أن تبكيه عمرها و أن تسيح، و حرّمت على نفسها الطيب و اللحم و اللذّات، فصارت مثلا بذلك.

و كانت وفاة الياس يوم الخميس، فكانت إذا طلعت الشمس من ذلك اليوم بكته حتى تغيب، فقالت الغسانية و مات أخوها و أبوها فنهاها القوم عن كثرة البكاء، فقالت:

تنهون سلمى إن بكت أباها* * * و قبل ما قد ثكلت أخاها

فحوّلوا العذل الى سواها

عصتكم سلمى الى هواها* * * كما عصت خندف من نهاها

خلّت بنيها أسفا وراها* * * تبكي على الياس فما أتاها

تفسير معنى الأحابيش:

و قريش سادة الأحابيش، و الحبش: التجمّع. و السبب في وقوع هذا الاسم أنّ ولد كنانة أخرجت بني أسد بن خزيمة من تهامة و حالفت ... (1) بينها، فضمّوا القليل الى الكثير، و جعلوا بني الهون بن خزيمة قادة لا الى أحد دون أحد، فسمّوا بني كنانة: الأحابيش و هو قريش، و بنو الحارث بن عبد مناف من كنانة و من مع بني الحارث من حلفائهم: عضل، و الريش ابناء ييثع بن الهون بن خزيمة، و الحبا و المصطلق و هما بطنان من خزاعة.

تفسير الحمس:

و قريش سادة الحمس، و كان السبب في هذا الاسم أنّ قريشا تحمّست في دينها و أخذت في تعظيم الحرم بما لم يكن منه حمس الوعاء.

____________

(1) هنا كلمة مطموسة.

50

و قيل: إنّما سمّوا الحمس بالكعبة لأنّها حمسا حجرها أبيض يضرب الى السواد.

و لم يكن التحمس حلفا و لكن دينا شرّعته قريش، و كانوا لا يسألون سمنا و لا نساؤهم، و لا يطبخون اقطا، و لا يلبسون شعرا و لا صوفا و لا وبرا، و لا يلجون بيوتا من شعر و لا صوف و لا وبر، و لا يقفون بعرفة مع الناس في الحلّ، و إنّما يقفون بالحرم و يقولون لا ينبغي لأهل الحرم أن يقفوا إلّا فيه.

تفسير المطيّبين:

و قريش سادة المطيّبين، و كان السبب في هذه الحلف أنّه كانت السقاية في بني عبد المطّلب، و كانت الرئاسة في بني عبد مناف كلّهم، و كانت الرفادة- و هي شي‏ء، كانت تترافد به قريش في الجاهلية، تخرج فيما بينها مالا تشتري به للحاج طعاما و زبيبا للنبيذ- في بني أسد بن عبد العزّى، و اللواء و الحجابة في بني عبد الدار.

فأراد بنو عبد مناف أن يأخذوا ما في يد بني عبد الدار فمشوا الى بني سهم فحالفوهم و قالوا تمنعونا من بني عبد مناف، فلمّا رأت ذلك البيضاء بنت عبد المطّلب و هي أمّ حكيم عمدت الى جفنة فملأتها خلوقا (1) ثم وضعتها في الحجر و قالت: من يطيّب بهذا فهو منّا. فتطيّب بنو عبد مناف و أسد و زهرة و بنو تيم و بنو الحارث بن فهر، فسمّوا بذلك المطيّبين.

و لمّا سمعت بنو سهم بذلك نحرت جزورا و قالوا: من أدخل يده في دمها و لعق منه فهو منّا. فأدخلت أيديها بنو سهم و بنو عبد الدار و بنو جمح و بنو عدي و بنو مخزوم، فلمّا فعلوا ذلك وقع الشرّ بينهم، ثمّ اشفقوا من الفرقة فتراجعوا و تحاجزوا.

تفسير قريش البطاح و قريش الظواهر:

كانت مكارم قريش كلّها لقصيّ بن كلاب: الحجابة و الرفادة و الندوة و اللواء

____________

(1) الخلوق: ضرب من الطيب، و قيل: الزعفران (لسان العرب 10/ 91).

51

و السقاية، و حكم مكّة، فقطع مكّة رباعا بين قريش، فأنزل كلّ قوم منازلهم من مكّة التي أصبحوا فيها و صار له البلد، و كان كثير الشجر و العضا و السلم فهابت قريش قطعه، فشكوا ذلك الى قصي فأمرهم بقطعه، فهابوه فقطعه هو و قطعه الناس بقوله، فأخذ لنفسه وجه الكعبة فصاعدا و بنى دار الندوة فكانت مسكنه، و أعطى بني مخزوم احيا دين، و بني جمح المسقلة، و بني سهم الثنيّة، و بني عدي أسفل الثنيّة، و أعطى ظواهر مكّة محارب و الحارث ابني فهر و من هناك من جيرانهم من بني عامر بن لؤي، و هم الأدرم بن غالب.

ثمّ إنّ الحارث بن فهر دخلت مكّة و هي من قريش البطاح، فأين نزلت قريش من البطاح فهم قريش البطاح، و أين نزلت قريش الظواهر من الأباطح فهم قريش الظواهر. فقريش البطاح: بنو هاشم، و بنو المطّلب بن عبد مناف و هم يد مع بني هاشم، و بنو عبد شمس بن عبد مناف، و بنو نوفل بن عبد مناف، و بنو عبد الدار بن عبد مناف، و بنو زهرة بن كلاب، و بنو تيم بن مرّة بن كعب، و بنو مخزوم بن نفطة بن مرّة، و بنو عدي بن كعب، و بنو جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب، و بنو حل بن عامر بن لؤي، و بنو الحارث بن فهر.

و أمّا قريش الظواهر: فبنو معيص بن عامر بن لؤي، و بنو سامة بن لؤي و هم بنو ناجية و هم قريش العوارب، و بنو خزيمة بن لؤي و هم عائدة قريش، و بنو سعد بن لؤي و هم نباته، و بنو محارب بن فهر، و بنو الأدرم.

تفسير أقداح النضار:

و هم هاشم و المطّلب و نوفل و عبد شمس بنو عبد مناف. و النضار اكرم الحشب و هو الإبل و الكريم من كلّ جنس.

ذكر حلف الفضول:

ذكر عن عبد اللّه بن عروة بن الزبير قال: سمعت حكيم بن حزام يقول:

انصرفت قريش من الفجار و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ابن عشرين سنة، و كان الفجار

52

في شوال، و كان حلف الفضول في ذي القعدة، و بينهم و بين الفيل عشرون سنة و كان حلف الفضول أكرم حلف كان قط و أعظمه شرفا.

و كان أوّل من تكلّم فيه و دعا إليه الزبير بن عبد المطّلب، و ذلك أنّ الرجل من العرب ... (1) من العجم كان يقدم بتجارة الى مكّة ربّما ظلموا، فكان آخر من ظلم بها رجل من بني زيد بن مذحج قدم بسلعة فباعها من العاص بن وائل السهمي و كان شريفا عظيم القدر فظلمه ثمنها، فناشده الزبيدي في حقّه قبله، فأبى عليه، فأتى الزبيدي الأحلاف و هم عبد الدار و مخزوم و جمح و سهم و عدي فأبوا أن يعينوه على العاص و زبروه، فلمّا رأى الزبيدي ذلك أوفى على أبي قبيس قبل طلوع الشمس و قريش في أنديتهم حول الكعبة و صاح بأعلى صوته:

يا آل فهر لمظلوم بضاعته‏* * * ببطن مكّة نائي الحيّ و النفر

إنّ الحرام لمن تمّت حرامته‏* * * و لا حرام لثوب الكافر الغدر (2).

قال: فقام في ذلك الزبير بن عبد المطّلب و قال: ما لهذا منزل. فاجتمعت هاشم و زهرة و تيم بن مرّة في دار عبد اللّه بن جدعان و صنع لهم طعاما فتحالفوا في ذي القعدة في شهر حرام قياما يتماسحون صعدا، فتعاقدوا و تحالفوا و تعاهدوا باللّه ليكوننّ يدا واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يؤدّوا إليه حقّه ما بلّ بحر صوفه و ما أرسى ثبير (3) و جرى مكانهما، و على التأسّي في المعاش. فسمّت قريش ذلك الحلف حلف الفضول.

و قيل: لقد دخل هؤلاء في فضل من الأمر.

و حكي عن بعض علماء قريش أنّه قال: كان مثل هذا الحلف في جرهم، فمشى فيه رجال يقال لهم أفضل و فضّال و فضيل و فضالة، فبذلك سمّت قريش هذا الحلف حلف الفضول. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «لقد شهدت حلفا في دار عبد اللّه بن‏

____________

(1) كلمة مطموسة، لعلها: و ربما.

(2) و في الروض الآنف: ج 1 ص 156: «كرامته» بدل «حرامته» و «الفاجر» بدل «الكافر».

(3) ثبير: جبل في مكّة.