رحلة الفرنسي تافرنيية إلى العراق

- جان باتيست تاورنية المزيد...
144 /
5

المقدمة

1- سبب الترجمة:

أقدمنا على ترجمة ما ورد عن العراق في «رحلة تافرنييه» و نحن على يقين من فراغ الخزانة العربية من مصادر وافية بتاريخ العراق في أدواره المختلفة، و خصوصا ما كان يتعلق منها بأخبار هذه البلاد في العصور الأخيرة، كالعصر الذي زار فيه تافرنييه بلاد العراق، و وصف أحوالها بما يراه القارئ في تضاعيف هذا الكتاب.

2- النسخة التي استندنا إليها:

دوّن تافرنييه حديث رحلاته باللغة الفرنسية. و قد طبعت مدوناته سنة 1676 م، ثم جدد طبعها سنة 1713 م.

و هذه الرحلة نقلت بكاملها إلى الإنكليزية، و طبعت في لندن سنة 1678 م.

و لقد كان اعتمادنا في نقل كتابنا، على هذه الترجمة الإنكليزية في بادئ الأمر، ثم راجعنا الترجمة على الأصل الفرنسي بطبعته المجددة.

3- ماذا أخذنا، و ماذا تركنا من الرحلة؟

قلّ بين الرحّالين الأقدمين من أبناء الغرب، من جاب أصقاع الأرض بنطاق واسع، كالذي فعله تافرنييه في رحلاته الست التي زار فيها أغلب الأقطار الأوروبية، و شاهد أيضا بلاد الشرقين الأدنى و الأوسط، بل بلغ به المطاف إلى جزر الهند الشرقية و وصل بلاد اليابان، و وصف كل ما مر به بما أتيح له.

6

و لما كانت غايتنا خدمة بلادنا العراقية، عمدنا إلى ما كتبه هذا الرحالة عن العراق، فنقلناه كاملا إلى العربية، دون ما تغيير أو تحوير. بل تجاوزنا هذا الحد في بعض الاحيان، لاعتقادنا أن الموضوع لا يستقيم إلا بوصل أوله بآخره. من ذلك أننا عندما نقلنا كلام المؤلف في وصف الطريق بين حلب و أصفهان مثلا، اضطررنا إلى أن نساير المؤلف في خطواته من مدينة حلب حتى بلوغه مدينة اصفهان، أي أننا نقلنا جانبا من وصف المؤلف لشطر من بلاد سورية و شطر من بلاد إيران. و لو لم نفعل ذلك لجاء وصفه للبلاد العراقية التي مر بها مبتورا ناقصا.

و تمسكا بالأصل، فقد احتفظنا بعناوين فصول الرحلة و أرقامها فيرى القارئ، أن أول بحث في هذا الكتاب عنوانه «الفصل الثالث من الكتاب الثاني من الرحلة» لأن ما قبل ذلك لا يدخل في نطاق بحثنا المتعلق بالعراق.

4- طريقة المؤلف في التدوين:

و المؤلف، في حديث رحلاته، يكاد يتبع أسلوب «اليوميات»، فهو يدون ما يريد تدوينه بحسب تعاقب زيارته للمواطن التي يتكلم عليها. و لقد وجدناه في غير مكان من رحلته يعيد ما سبق أن قاله فأبقينا على ذلك كله محافظة على الأصل.

5- تعليقاتنا:

بعد أن فرغنا من نقل كلام المؤلف، وجدنا فيه أمورا عديدة تفتقر إلى تعليقات تنير السبيل للقارئ في معرفة ما يطالعه بالوجه الصحيح. و في الواقع إن بين أقوال المؤلف- و هو غريب عن هذه الديار- ما يعتريه الوهم أو الغموض أو الالتباس. فرأينا في السكوت على ذلك تقصيرا. لذلك عمدنا إلى تقويم أود ذلك بالتعليقات: نفسر هذا، و نوضح ذاك، و نتسع في الآخر، حتى قام من مجموع تعليقاتنا مواد كثيرة، أغنت مادة الكتاب، و رفعت من مستواه التاريخي.

7

و قد وجدنا بعض التعليقات طويلا، لا تتسع لها حواشي الصحائف، ففصلناها و جعلناها «ملاحق» متسلسلة أدرجناها بآخر الكتاب.

6- تصحيف الأعلام في الأصل:

و لا نريد ان نختم كلمتنا هذه دون الاشارة إلى أمر ذي بال جابهنا أثناء النقل، ذلك أن المؤلف، في إيراده أسماء الأمكنة، كثيرا ما يذكرها بصورة مصحفة أو مغلوطة. فكان ذلك من المشاكل العسيرة التي حاولنا تذليلها جهد المستطاع.

إن مثل هذه الأسماء، أوردناها بحروفها الفرنجية ليرى القارئ مبلغ ابتعادها عن التسمية المعروفة بها.

و الأمثلة على ذلك عديدة، نذكر منها:Odoine و هو يريد به النهر «العظيم». وDar al -sani يريد بها «دار السلام» وConaguy و هو يقصد «خانقين»، وCasered و مراده بها «قزلرباط»، إلى كثير غيرها.

و لنا أن نقول، إن بعضا من الأسماء، لم نتمكن- مع الأسف- من التوصل إلى حقيقة أمره، فأبقينا اسمه بالافرنجية كما ورد في الرحلة ذاتها، و جعلنا مكان اسمه بالعربية خاليا، إذ لعل هناك من يستطيع ان يجد اسمه الحقيقي.

7- الفهارس:

و قد لا حظنا، بعد انتهاء عملنا من الكتاب، أن لا غنى عن وضع «فهارس» محكمة مفصلة تيسر الرجوع إلى النص، و ترشد المطالع إلى مواطن ما يرغب فيه. فكان من ذلك هذه الفهارس المختلفة التي يجدها القارئ في آخر الكتاب.

8- كلمة شكر:

و لا بد لنا، أن نتقدم بالشكر إلى كل من آزرنا من الباحثين الأفاضل في تحقيق عملنا بالوجه الأكمل، و قد أشرنا إلى اسم كل منهم في موطنه من الكتاب.

كوركيس عواد/ بشير فرنسيس‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

جان بابتيست تافرنييه‏

JEAN BAPTISTE TAVERNIER

(1605- 1689 م) روى تافرنييه عن نفسه، في مقدمة كتابه «الرحلات الست»، قائلا:

«لو جاز لي أن أعد أثر التربية ولادة ثانية، لقلت واثقا بأني جئت إلى هذا العالم و فيّ رغبة في الأسفار. فالمحاورات اليومية التي كانت تدور بين طائفة من العلماء و والدي في المواضيع الجغرافية التي كان له فيها القدح المعلى، كنت أصغي إليها بكليتي بالرغم من حداثة سني. فحثت فيّ الشوق لمشاهدة بعض هاتيك الأقطار التي كانت تمثل أمامي بخرائط لم يكن يهون عليّ رفع نظري عنها. و هكذا ما إن بلغت الثانية و العشرين من عمري، حتى كنت زرت أجمل بقاع أوروبا: فقد شاهدت فرنسا و إنكلترا و البلاد المنخفضة و ألمانيا و سويسرا و بولندا و المجر و إيطاليا. و صرت أتكلم بأكثر اللغات لزوما و ذيوعا.

«و كانت في طليعة البلاد التي قصدتها إنكلترا، في عهد الملك جيمس.

و منها عبرت إلى بلاد الفلندرز، لأرى انتورب (أنفرس) موطن والدي الأصلي.

و منها ذهبت إلى البلاد المنخفضة و هناك ازداد ميلي إلى الأسفار نموّا و قوة لما كان يحتشد في تلك الأرجاء من الغرباء الذين لقيتهم في أمستردام، و كانوا قد أتوها من كل حدب و صوب».

*** ولد جان بابتيست تافرنييه في باريس سنة 1605 م. و كان أبوه كبرييل قد هاجر إليها من انتورب مع عمه في نهاية القرن السادس عشر، و كان كبرييل هذا من مشاهير الجغرافيين و النقاشين.

10

و كان جان في الخامسة عشرة من عمره، قد رحل إلى جهات أوروبا الغربية، و خدم أهم حكام أوروبا و دخل قصورهم. و حارب الترك لما وصلوا حدود بولند. و كان في إحدى سفراته الأوروبية تعرف براهبين فرنسيين و هما دي شاب(M .De chapes) و دي سان ليباو(M .De St Liebau) كانا يقصدان السفر إلى القسطنطينية و منها إلى فلسطين. فاقترحا عليه مرافقتهما، فلقي الاقتراح هوى من نفسه. و توجهوا جميعا إلى تلك البلدان. و قضوا ذلك الشتاء في القسطنطينية. و انفصل تافرنييه عن الراهبين اللذين تابعا سفرهما إلى فلسطين، فمكث هناك أحد عشر شهرا، ثم التحق بقافلة و ذهب إلى طوقات و ارضروم و اريفان و دخل بلاد فارس، و بلغ في رحلته الأولى هذه اصفهان. ثم قفل راجعا بطريق بغداد فحلب و الإسكندرونة، فمالطة و إيطاليا حتى بلغ باريس سنة 1633 م.

و في أيلول سنة 1638 م شرع برحلته الثانية التي دامت حتى سنة 1642 م. فسافر بطريق حلب إلى فارس، و منها إلى الهند حتى أغرا(Agra) ، و توغل في أصقاع الهند حتى بلدة غلكندة. و في الهند زار بلاط كبير المغول، و شاهد مناجم الماس التي لم يرها أوروبي من قبله. فساقه ذلك إلى الاتجار مع هذه البلاد، خاصة الجواهر الكريمة و غيرها من المواد النفيسة التي تعاطاها مع أعاظم أمراء الشرق.

و أعقبت هاتين الرحلتين، أربع رحلات أخرى. ففي رحلته الثالثة (1643- 1649 م) وصل في مسيره جزيرة جاوة، و عاد من طريق رأس الرجاء الصالح.

و دامت رحلته الرابعة من سنة 1652 إلى 1656 م.

و الخامسة من 1657 إلى 1662 م.

و السادسة من 1663 إلى 1668 م.

و قد زار تافرنييه في هذه الرحلات الواسعة النطاق، ممالك آسيا الجنوبية، و جزر الهند الشرقية، و اليابان، و جنوبي إفريقيا و عاد من رحلته الأخيرة و قد أصبح في عداد الأغنياء. و كان قد دار في خلده في وقت ما من‏

11

سنة 1648 تأسيس شركة للاتجار مع الشرق.

و في سنة 1669 م. منحه لويس الرابع عشر، لقب «نبيل». و اشترى في سنة 1670 م بارونية اوبون(Aubone) بالقرب من جنيف في سويسرا. و لكنه عاد و انهمك ثانية في الأعمال التجارية.

و مهما يكن من أمر، فإن أواخر سني حياته غامضة. فقد ترك باريس إلى سويسرا في سنة 1687 م. و في سنة 1689 م عبر إلى كوبنهاغن قاصدا بلاد فارس عن طريق روسيا، غير أنه و افاه الأجل المحتوم في تلك السنة و هو في موسكو.

و خلاصة القول، أن تافرنييه عاش أربعا و ثمانين سنة، قضى منها في أسفاره العديدة زهاء ست و أربعين سنة. و قل بين الرحالين من دامت رحلاته مثل هذا الأمد الطويل.

*** و الذي خلّد ذكر تافرنييه، هو تآليفه في وصف رحلاته الكثيرة في مختلف الأصقاع. و قد أفرغ تافرنييه وصف بعض رحلاته في كتاب عنوانه:

Nouvelle Relation de Linterieur du Serail du Grand Seigneur.

و قد طبع في باريس سنة 1675 م. ثم جدد طبعه سنة 1713 م. و هذا الكتاب يستند إلى زيارتين للقسطنطينية في رحلته الأولى و رحلته السادسة.

و أشهر من ذلك حديث رحلاته الست، و عنوانه:

Les Six Voyages de j.- B, Tavernier

و قد طبع في باريس سنة 1676 م بمجلدين. ثم أعيد طبعه سنة 1713 م.

و قد نقل هذه الرحلات جميعا، ج. فيليبس(j .Phillips) إلى الإنكليزية و طبعها في لندن سنة 1678 بعنوان:

east- indies. the six voyages of j.- b. tavernier through turky into persia and the

و قد ظهرت، سنة 1889 ترجمة إنكليزية بقلم(V .Ball) لرحلات تافرنييه في بلدان الهند.

12

و نقل كمبل طمسن رحلات تافرنييه في بلاد ما بين النهرين و طبعها بعنوان:

R. Camphell Thompson: Tavernier`s travels in Mesopotamia( London, 0191 )

و نقل نظم الدولة أبو تراب نوري، رحلة تافرنييه بكاملها إلى الفارسية، و طبعها في طهران سنة 1331 ه في 1035 صفحة و قد أطلعنا على نسخة منها الأستاذ عباس العزاوي.

المراجع عن ترجمة حياته:

- The Six Voyages of J.- B. Tavernier( London 8761 ). charles joret: jean- baptiste tavernier d`apres des Documents

.

nouveaux( 6881 )- larousse du xxe siecle) art. tavernier (.

.-encyclopaedia britannica (art .tavernier)

13

الفصل الثالث (من الكتاب الثاني من الرحلة) الكلام على الطرق العديدة من حلب الى اصفهان بوجه عام و طريق البادية بوجه خاص‏

بين حلب و أصفهان، تمتدّ خمسة طرق عامة غير الطريقين الآخرين اللذين و صفتهما سابقا، و هما الماران بالأناضول‏ (1)، فتكون الطرق المؤدية إلى بلاد فارس سبعة، تتشعب من القسطنطينية و أزمير أو حلب.

و أول الطرق الخمسة، البادئة من حلب، يقع في يسار المتجه إلى الشمال الشرقي، مارا بديار بكر و تبريز.

و ثانيها: الطريق الذي يتجه إلى الشرق رأسا بمحاذاة بلاد ما بين النهرين، مارا بالموصل و همذان.

و الثالث: إلى يمين الذاهب إلى الجنوب الشرقي، مارا ببغداد و كنكور(Kengavar) .

و الرابع: هو أكثر الطرق الخمسة اتجاها نحو الجنوب، يجتاز بادية صغيرة و يمر بعانة و بغداد و البصرة.

و الطريق الخامس: يخترق البادية الكبيرة، و هو لا يسلك دائما، بل يطرق مرة واحدة في السنة عندما يقطعه تجار تركيا و مصر لشراء الإبل.

و سأسعى إلى وصف كل من هذه الطرق في فصول مختلفة. و أول ما أبدأ به منها ما كان يقطع البادية الكبرى.

____________

(1) في الكتاب الأول من رحلة تافرنييه، وصف موجز لهذين الطريقين.

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

إن القوافل التي تقصد البصرة سالكة هذا الطريق، لا تتحرك حتى موسم هطول الأمطار، لئلا يعوزها الماء و هي في قفر البادية. و يندر أن يمسك المطر حتى كانون الأول من كل سنة. إن القافلة التي رافقتها، تحركت في يوم عيد الميلاد، و كانت تتألف من أربعمائة رجل بين سادة و خدم، و نحو ستمائة بعير.

و كان الكروان باشي‏ (1) وحده ممتطيا صهوة فرسه، متقدما القافلة لارتياد أماكن المياه و اختيار الأماكن الصالحة للمبيت.

أما أنا فأعترف بأنني أرحت نفسي بركوب حصاني الذي احتفظت به طوال إقامتي في حلب. و لا يخفى أن حرية الاحتفاظ بالخيل لا يسمح بها للافرنج إلا في القسطنطينية و إزمير و حلب. أما في دمشق و صيدا و القاهرة، فلا يجيزون ذلك لغير القناصل. و لسائر الناس امتلاك أو استكراء الحمير دون غيرها. و هي تتيسر في الدروب العامة دائما.

و في اليوم الثاني، رحلنا فجرا، و عند الظهر بلغنا مكانا فيه خمس آبار، بين البئر و الأخرى خمسمائة خطوة، و ماؤها عذب جدا، فملأنا قربنا منها، و في نحو الساعة الرابعة من بعد الظهر نزلنا في بقعة لا ماء فيها.

و في اليوم الذي يليه، صادفنا قبيل الظهر بئرين كان ماؤهما مجّا لم يشربه غير الجمال. و عندهما بتنا ليلتنا أيضا.

لقد مر على سفرنا الآن يومان في البادية، التي سأصفها وصفا موجزا:

إنك بعد أن تبتعد فرسخين‏ (2) أو ثلاثة فراسخ من حلب تدخل البادية فلا يقع نظرك على غير الخيم المنصوبة بدلا من المساكن المشيدة. و تمتد هذه البادية

____________

(1) لفظة تركية، ورد ذكرها غير مرة في هذه الرحلة. و المراد بها «رئيس القافلة» الذي ينتخبه المسافرون من بينهم و يناط به تعيين أوقات الحل و الرحيل، و اختيار أماكن المبيت، و الفصل أيضا في المخاصمات التي قد تنشب بين رجال القافلة، و تمثيل القافلة لدى أصحاب الشأن في البقاع التي تمر بها.

(2) كثيرا ما يستعمل تافرنييه لفظة «الفرسخ» للدلالة على الأبعاد. و الفرسخ زهاء ثلاثة أميال أو خمسة كيلومترات.

16

صوب الجنوب الشرقي، بمحاذاة الفرات حتى تبلغ البصرة و ساحل خليج فارس، ثم تنتهي جنوبا بسلسلة الجبال الحاجزة بين البلاد العربية الصخرية(Arabia Petrea) و بلاد العرب السعيدة. و تكاد تكون هذه البوادي خالية من كل شي‏ء إلا من الرمال. و الأرض في بعض الأماكن أهش مما في أخرى، بحيث يصعب السير فيها إلا عقب سقوط الأمطار التي تصلب تلك الرمال و تكتلها. و يندر أن تمر في هذه البوادي بتل أو بواد. فإن صادفت شيئا منها كان ذلك دليلا على وجود الماء هناك و بعض الأحطاب التي تفي بالطبخ، و ذلك لتعذّر وجود الخشب في أنحاء البادية. و غاية ما يطاق حمله في حلب على ظهور الجمال من حطب و فحم ينفد في نحو ثمانية أو عشرة أيام. و لهذا لا ترى بين الستمائة بعير التي تخترق البادية أكثر من خمسين محملة بالبضائع المؤلفة من الأقمشة الخشنة و قليل من المواد الحديدية، و بالأخص نسيج قالقوط الأسود و الأزرق‏ (1) الذي يستعمله العرب دون تقصيره‏ (2). و أما سائر الجمال فتحمل من الطعام ما يكفي هذا الحشد من المسافرين طوال أيام سفرهم العديدة في مثل هذه البلاقع المترامية الأطراف.

في الخمسة عشر يوما الأولى من سفرنا، لم نر الماء إلا مرة في كل يومين، و أحيانا في كل ثلاثة أيام. و في اليوم العشرين بعد خروجنا من حلب، نزلت القافلة مكانا فيه بئران ماؤهما طيب جدا. و قد كان كلّ منا مبتهجا إذ أتيح له غسل ملاحفه، و قد رأى الكروان باشي أن نمكث هنا يومين أو ثلاثة أيام، بيد أن الأخبار التي وردتنا أدّت إلى الرجوع عما رأى. و ذلك أننا ما كدنا

____________

(1) هذا النسيج منسوب إلى مدينة قالقوط(Calicut) التي اشتهرت بصنعه و هي من مدن الهند المشهورة. مر بها ابن بطوطة في رحلته و وصفها بقوله (تحفة النظار 4: 89- 88 طبعة باريس) إنها «احدى البنادر العظام ببلاد الملبار، يقصدها أهل الصين و الجاوة و سيلان و المهل و أهل اليمن و فارس، و يجتمع بها تجار الآفاق، و مرساها من أعظم مراسي الدنيا». أما اليوم فهي من مدن الهند البريطانية، و مركز مقاطعة الملبار الساحلية. و لم يبق لها تلك الشهرة في صناعة النسيج الذي عرف باسمها(Calico) .

(2) تقصير الثوب: تبييضه.

17

نتناول عشاءنا، حتى رأينا ساعيا معه ثلاثة أعراب راكبين كلهم بغالا أرسلوا يحملون الأخبار إلى حلب و غيرها من مدن الامبراطورية بالاستيلاء على بغداد. فوقفوا عند البئرين لإرواء دوابهم. فتقدم إليهم الكروان باشي و غيره من الرجال البارزين في القافلة ببعض الفواكه المجففة و الرمان. و قد أفادنا هؤلاء السعاة بأن الجمال التي حملت بأمتعة السلطان و حاشيته قد نالها التعب.

و من المؤكد أن ضباطه سيضعون أيديهم على جمالنا إذا ما التقوا بنا، و نصحونا بألا ندنو من عانة، و إلا أوقفنا أميرها.

و بناء على ما أبلغونا به، تحركنا في الساعة الثالثة من بعد منتصف الليل، و ظللنا متجهين جنوبا، حتى صرنا في وسط البادية. و بعد ثمانية أيام، حللنا في بقعة ذات ثلاث آبار و ثلاثة أو أربعة بيوت. فمكثنا هناك يومين كاملين للتمتع بهذا المنهل العذب. و ما كدنا نأخذ طريقنا ثانية، حتى جاءنا ثلاثون فارسا مسلحا قادمين من لدن أحد الأمراء ليبلغوا الكروان باشي بوجوب إيقاف قافلته. فلبثنا عند ذاك أياما ثلاثة منتظرين قدوم هذا الأمير بفارغ الصبر. فلمّا حلّ بيننا، أهدى إليه الكروان باشي قطعة حريرية، و نصف قطعة من قماش قرمزي، و قدرين كبيرتين من النحاس. و لكن مع أن هذه القدور مما لا يمكن أن يرفضها أمير عربي، لخلو مطبخه من مثيلها، لم تبد على محياه علائم الرضا بهذه الهدية، بل طلب منا ما يزيد على أربعمائة كراون‏ (1). لقد جهدنا سبعة أو ثمانية أيام متمسكين بنقودنا. و لكن عبثا كان ذلك، فإننا اضطررنا أخيرا إلى جمع هذا المبلغ بتقسيطه بيننا، كل بما في طاقته، فلما دفع إليه، قدم للكروان باشي الپلاو (2) و العسل و التمر. و عند مبارحته المكان أعطى القافلة خمس أو ست أغنام مطبوخة.

و بعد أن فارقنا هذا الأمير العربي بثلاثة ايام، مررنا ببئرين، كان بالقرب‏

____________

(1) يريد به الليرة الفرنسية التي كانت متداولة يومذاك، و هو نقد يساوي أربعة شلنات و ستة بنسات أي 225 فلسا عراقيا.

(2) الپلاو، لفظة تركية بمعنى الرز المطبوخ و ما زال بعض الناس في جهات من العراق يستعمل هذه اللفظة.

18

منهما أبنية قديمة منهارة من الآجر. لقد كان ماء هاتين البئرين شديد المرارة حتى أن الجمال عافته، و مع ذلك ملأنا قربنا منه، ظانين أننا سنزيل عنه مرارته بغليه. و لكن خاب تقديرنا لأن الأمر كان على العكس من ذلك.

و من هاتين البئرين اللتين لا يرجى من مائهما خير، تمادى بنا السير ستة أيام دون أن نلقي بماء. فإذا أضفنا إلى ذلك الأيام الثلاثة السابقة، كان مجموع ما مرّ على الجمال من الأيام التي لم تذق خلالها الماء تسعة. و في نهاية هذه الأيام التسعة سرنا في أرض كثيرة التلال امتدادها ثلاثة فراسخ.

و عند حضيض هذه التلال رأينا ثلاث برك و لما كانت الجمال تتنسم رائحة الماء من مسافة نصف فرسخ، أخذت تسارع في سيرها إليها. و ما إن انتهت إلى البرك حتى تزاحمت عليها و تدافعت، فتكدر الماء من جراء ذلك و تلوث.

و لهذا قرّ رأي الكروان باشي على المكوث في هذا الموطن يومين أو ثلاثة أيام، ريثما يصفو الماء. و قد انتهزنا تلك الفرصة لطبخ الرز لأن هناك أحراشا كثيرة نامية حول البرك. و زاد في ابتهاج الناس هناك ان الفرصة و اتتهم لصنع الخبز، و قد رأيتهم يخبزونه بالوجه التالي: يحفرون أولا حفرة مستديرة في الأرض، عمقها نصف قدم، و محيطها قدمان أو ثلاث، و يملأونها بالحطب، ثم يوقدون هذا الحطب و يغطون الحفرة بالطابوق أو الأحجار، إلى أن تحمر، و كانوا حينذاك يحضرون العجين فوق سفرة و هي عبارة عن قطعة مستديرة من النحاس، يتخذون منها في سائر الأوقات مائدة للطعام. ثم يرفعون الرماد و الطابوق و بعد أن ينظفوا الحفرة جيدا يضعون عجينهم فيها، ثم يغطون الحفرة ثانية بالطابوق أو الأحجار الحارة، و يدعونها على هذه الحال حتى الصباح. إن الخبز الذي يخبز بهذا الوجه، لا يزيد ثخنه على أصبعين و كبره بقدر الكعك العادي، و هو إلى ذلك لذيذ الطعم جدا.

و في أثناء مكوث القافلة عند البرك الثلاث، قضيت أوقاتي بصيد الأرانب و الحجلان التي تكثر في هذه البقاع. و في الليلة التي سبقت مغادرتنا المكان، ملأنا قربنا ثانية، و كان الماء قد صفا و طاب و هذا الماء يتجمع من الأمطار التي تهطل على هذه المنخفضات. و لكنه يجف في فصل الصيف.

19

و الآن بعد ما رأى الكروان باشي أننا سرنا تسعة أيام دون أن نجد في أثنائها ماء، رغب عن السفر جنوبا، و صمم على أن يأخذ طريقه نحو الغرب، فإن لم يصادف ماء في خلال يومين أو ثلاثة، فإنه يغير طريقه لا محالة إلى الشمال الشرقي أي الشرق الشتائي، رغبة منه في الوصول إلى نهر الفرات.

و بعد يومين من تغييرنا الطريق، اجتزنا و اديا بين تلين صغيرين، صادفنا فيه بركة ماء، كان على مقربة منها أعرابيان مع كل منهما امرأته و أطفاله، و هما يرعيان قطيعين من الماعز و الغنم، و أخبرانا أنهما ذاهبان إلى الموصل. و قد أرشدانا إلى أحسن السبل التي تتوفر فيها المياه. و في الواقع، إننا من ذلك المكان حتى البصرة، لم نكن نسير ثلاثة أيام حتى نجد ما يكفينا من الماء.

و بعد خمسة أيام من تركنا هذين الأعرابيين، اكتشفنا قصرا كبيرا مشيدا كله بالآجر (1). و في هذا احتمال على أن البقعة كانت تزرع في الماضي و أن الآجر قد حرق بالتبن. إن في هذا القصر ثلاث رحاب واسعة، في كل منها أبنية لطيفة ذات طابقين من الأقواس الواحد يعلو الآخر. و مع أن هذه البناية كانت لا تزال قائمة، فإننا لم نجد من يسكن فيها. هذا و إن الأعراب الذين يجهلون الآثار القديمة لم يكن بوسعهم أن يخبرونا عمن بناها. و أمام باب هذا القصر بركة لها قناة قاعها مرصوف بالطابوق و كذلك عقاداتها التي تستوي و الأرض.

و يعتقد الأعراب أن هذه القناة كانت تأتي بالماء من الفرات، و لكن هذا بعيد الاحتمال بالنظر إلى أن الفرات يبعد عن هذه البقعة نيفا و عشرين فرسخا.

و من ذلك القصر، و اصلنا سيرنا نحو الشمال الشرقي. و بعد أن تمادى بنا السير خمسة أيام انتهينا إلى بلدة صغيرة كانت تدعى سابقا الكوفة و الآن تعرف بمشهد علي‏ (2). حيث إن عليا صهر النبي محمد (صلى اللّه عليه و سلم) يرقد هناك في جامع فسيح. و يرى حول الضريح أربعة شمعدانات مضاءة، و قناديل فوق الرأس مدلاة من السقف.

____________

(1) انظر الملحق رقم (1).

(2) هذا و هم. و الصواب أن مشهد علي هو النجف التي تبعد عن الكوفة 12 كيلومترا.

20

و مع أن الفرس يكرمون عليا تكريما بالغا، فهم قلّما يحجون إلى ضريحه، و السبب في ذلك هو أن الطريق التي يسلكونها قاصدين زيارة الضريح، لا بد أن تمر ببغداد، و هي تحت حكم السلطان العثماني. و على كل حاج حينذاك أن يدفع رسما قدره ثمانية قروش، و هو أمر لم يكن ملك فارس ليرتاح إليه. إن الشاه عباس‏ (1) كان يرى من المهانة أن تدفع رعيته مالا إلى الترك، فعمد إلى صرفهم عن هذه الزيارة بغيرها، ذلك أنه عمر مزارا في «مشهد» على الطريق من تبريز إلى قندهار. ثم إن الملوك الذين خلفوه كانوا على غراره في عدم السماح لرعاياهم بزيارة الإمام عليّ، إذ يعتبرون دفع الجزية للسلطان امتهانا لكرامتهم، و هذا هو السبب في أن جامع الكوفة لم يعد يتقدم إليه الفرس بالنذور. و عدا عن القناديل و الشمعدانات التي تضاء ليل نهار، فإن فيه اثنين من القراء يتلوان القرآن. و ليس في هذه البلدة غير ثلاث أو أربع آبار ذات ماء آسن، و قناة جافة (2) يقولون إن الشاه عباس مدها ليجلب فيها ماء الفرات إلى البلدة لأجل الحجاج و الزوار. أما الطعام فلم نجد منه في هذه البلدة غير التمر و العنب و اللوز، و هذه يبيعونها بأسعار عالية. و عندما يؤمها الزوار، و قليل ما هم، يوزع الشيخ عليهم عند احتياجهم إلى الطعام الرز المطبوخ بالماء و الملح و شي‏ء من الدهن يصب فوقه. و نظرا لعدم وجود مرعى للمواشي، فلا يتوفر عندهم الطعام.

و على مسيرة يومين من مدينة علي، التقينا في الساعة التاسعة صباحا، بشابين من أسياد العرب، يلقبان بسلطان، و كانا أخوين، أحدهما في سن السابعة عشرة، و الآخر في الثالثة عشرة. و لما نصبنا خيامنا نصبا خيامهما بجوارنا، و كانت من قماش قرمزي لطيف جدا، و كانت بين هذه الخيم خيمة مغطاة بالقطيفة الارجوانية، حاشيتها موشاة بشريط حريري جميل. و ما كاد السيدان يستقران في خيامهما حتى ذهبنا أنا و الكروان باشي لرؤيتهما. و لما

____________

(1) هو الشاه عباس الكبير، ابن محمد خدا بندا، أحد ملوك إيران الصفويين دام حكمه من سنة 993 إلى 1037 ه (1585- 1628 م).

(2) راجع الملحق رقم 2 بصدد ماء النجف.

21

علما أن بين رجال القافلة إفرنجا، سألاني عما إذا كان لدينا شي‏ء من الطرائف لنبيعها لهما. و لكنني لما أجبتهما بأن ليس هناك ما يستحق شراؤه لهما، ارتابا في صحة قولي، و أمرا الكروان باشي بأن يتحرى ما في حقائبنا بحضورهما و في أثناء التحري، كان أحد الرؤساء المرافقين للأميرين لا يدع أعرابيا يدنو منها. و قد كان في رفقتنا رسام شاب، وجد في حقيبته طائفة من الصور، بعضها يمثل مناظر أرضية، و بعضها صور أناس، و غيرها صور غوان مرسومة إلى الخصر. فاختار السيدان الشابان عشرين من صور الغواني لا غير. فأردت أن أهديها إليهما، لكنهما أفهماني أنهما يعرفان كيف يدفعان عما أخذا، و خاصة السيد الأصغر، الذي كانت تبدو عليه أمارات الجود و الكرم. فإنني أفرحته بما لا يمكن وصفه، ذلك أن أسنانه كانت متسخة جدا، فطلبت من الجراح الذي كان يرافقني طوال أيام السفر أن ينظفها له، ففعل ذلك بوجه أرضى الأمير الشاب و أدخل السرور إلى نفسه. فكان منهما أن أرسلا إليّ و إلى حاشيتي أحسن ما لديهما من طعام، و أهدى الكروان باشي إليهما نصف قطعة من القماش القرمزي و قطعتين من القماش الموشى بالذهب و الفضة. و لما تأهبنا للرحيل، أعطاني السلطان الشاب اثنتي عشرة دوكاة(Ducat) (1) قيمة الصور. و بعث إلى الكروان باشي و إليّ بقوصرتين من التمر، و كان أجود ما وقع إلينا منذ أن فارقنا حلب.

و حوالي منتصف الليل، تحرك الأميران، و اتجها شمالا نحو الفرات.

فتحركنا وراءهما متجهين شمالا إلى النهر نفسه. و بعد مسيرة أربعة أيام، التقينا بأمير ذي نفوذ عظيم في بلاد العرب، كان آتيا من الجنوب و متجها إلى الشمال، و عليه أن يجتاز الطريق الذي سكلناه. كان هذا الأمير في حدود

____________

(1) الدوكاة ضرب من النقود. قال القلقشندي في صبح الأعشى (3: 441) في كلامه على الدينار الفرنسي أنه «يعبر عنه أيضا بالدوكات» و يقول الأب انستاس ماري الكرملي (النقود العربية و علم النميات. ص 111 الحاشية 4) ان قيمة الدوكات تختلف بين عشرة فرنكات و اثني عشر فرنكا، فأول ما ضربت الدوكاة (لا الدوكات) في البندقية من أعمال ايطاليا، في المائة الثالثة عشرة للميلاد.

22

الخمسين من عمره، حسن القوام، لطيف المظهر، و لم يكن معه أكثر من ألفي حصان. أما الثلاثون ألفا الأخرى التي سمعنا بها، فقد عبرت منذ بضعة أيام.

و كان وراء الألفي حصان خمسون جملا تحمل نساءه. و كانت كجاواتهن‏ (1) مغطاة بقماش قرمزي، موشاة حاشيته بالحرير. و في وسط هذه الجمال ستة يكتنفها الخصيان، و كانت سجف الكجاوات من الحرير و الفضة و الذهب.

و قد سمحوا لنا بالسير معهم، دون أن يطلبوا منا التراجع كما هي العادة في الجهات الأخرى من تركيا، عندما يكون في القافلة نساء. و قد حطوا الرحال على بعد ربع فرسخ منا حيث أردنا النزول لوجود بركتين أو ثلاث هناك، فحرمونا من مائها. إن هذا الأمير العربي، يمتلك عددا كبيرا من أجمل الخيول المطهمة و أجودها، و عنده غيرها مما هو غير مسرج و لا ملجم، و مع ذلك فالراكبون يستطيعون توجيهها بعصا قصيرة إلى حيث شاءوا، و إيقافها و هي في أسرع عدوها بمسك أعرافها. و عنده بعض الجياد ذات الأثمان الغالية.

و مما يجدر التنويه به أن هذه الجياد لم يرها أحد منا.

و لما كان الكروان باشي يعتقد أنه لا يستطيع التخلص من مثل هذا الأمير العظيم بلا مقابل، فإنه وجد عند تجار القافلة سرجا غاليا مع لجامه و ركابه، و قد صنعت من الفضة و جملت بها، و كنانة مطرزة مملوءة سهاما، و ترسا، و تبلغ قيمة الجميع نحوا من ألف و مائة، أو ألف و مائتي ليرة. ثم أضاف إليها الكروان باشي من عنده قطعة من النسيج القرمزي، و أربع قطع من نسيج الذهب و الفضة، و ست قطع من نسيج الفضة و الحرير، و جعل من جميعها هدية للأمير. غير أن الأمير رفضها برمتها، و طلب استبدال «الطويلات» (2) التي كانت معه، بمائتي ألف قرش، و هي لعمري مبادلة مجحفة بحق التجار، فأثارت بينهم نزاعا شديدا. و بعد أخذ ورد، و لإدراكنا أن بمقدور الأمير أن يعطل قافلتنا عن السير و يهلكنا جوعا، أقدمنا على جمعها منا، فجمعت، و نال‏

____________

(1) الكجاوة: لفظة فارسية، يراد بها المحفة التي توضع على الجمال أو البغال، ليحمل فيها النساء أو ضعاف الناس في الأسفار الطويلة.

(2) انظر الملحق رقم 3 بصدد الطويلة.

23

الهدية التي ربما لم يكن بإمكانه أن ينالها بغير هذا الوجه. و في خلال اليومين اللذين قضيناهما في وزن النقود، كان الأمير يرسل الطعام إلى الكروان باشي.

و عند رحيلنا بعث إلينا باثنتي عشرة قوصرة تمر، و أربعة من صغار الإبل يسوى الواحد منها نحوا من أربعين كراونا.

و بعد يومين من سيرنا، صادفنا شيخا يعتبر بين الأعراب حكما فيصلا، كان قاصدا مكة، و قد قطع شطرا من البلاد العربية السعيدة. و كان معه حاشية على عشرة أو اثني عشر جملا. فمكث طوال الليل معنا. و كان أحد خدمه أصيب قبل يومين بجراح خطيرة من بندقية، فضمده جراحي و أعطاه مرهما و مطهرا. فشكرنا على ذلك غاية الشكر، و أرسل إليّ الغداء و هو عبارة عن صحن كبير من البلاو. و في اليوم الثاني بعث إلينا بشاة مطبوخة. و أهداه الكروان باشي ذراعين من القماش القرمزي.

و بعد ذلك لم نمرّ في طريقنا بما يستحق الذكر. إلا أننا في اليوم التالي صادفنا أميرا آخر، له من العمر نحو من خمس و عشرين سنة، كان آتيا من الفرات و وجهته البلاد العربية السعيدة. و كان برفقته نحو خمسمائة حصان و ثلاثمائة جمل تحمل نساءه. و قد أرسل يستعلم عما تكون قافلتنا؟

و عند ما علم أن فيها بضعة إفرنج، أحدهم جراح، أرسل ثانية إلى الكروان باشي يطلب إليه أن يتبعه بقافلته إلى المكان الذي أزمع أن ينصب خيامه فيه، و لم يكن بعيدا عن الطريق. و لم نكن نظن أننا سنذهب قصيا في ذلك النهار. إلا أنه قادنا إلى أطيب بقاع البادية، فنصبت خيمة الأمير، و استدعى جراحي، فرأيت أن أرافقه لأعلم ما يريده منه. فألفينا على ذراعه اليسرى قوباء (1) فيها قوبة خبيثة جدا، بقدر قطعة كراون، و هي تزول ثم تعاوده في أوقات معلومة من السنة. فسأل الجراح عما إذا كان يستطيع أن يشفيه منها.

فأجاب الجراح بأن الشفاء ليس مستحيلا، إن أمكن الحصول على العقاقير

____________

(1) القوباء و القوباء (بضم القاف و فتح الواو أو إسكانها): داء في الجسد يتقشر منه الجلد.

24

اللازمة. فهي إن وجدت شفاه بها شفاء تاما. فأراد الأمير أخذ الجراح معه، و أعطى له خمسمائة كراون لشراء العقاقير. و لكنني أفهمته أن الدواء لا يكلف مثل هذا المبلغ، و أن الجراح إذا عثر على الأدوية المطلوبة، فأنا مستعد لدفع ثمنها من عندي. فاقتنع الأمير بهذا الكلام، و بعث بأحد كبار رجاله إلى البصرة ليعود مع الجراح بعد أن يشتري الأدوية، و لبث الأمير أياما ثلاثة ينتظر قدومه. لكننا بعد أن تظاهرنا بالتفتيش عما نطلب من أقصى المدينة إلى أقصاها (إذ كنا نبحث عن هذه الادوية في المحلات التي نعرف أنها خالية منها) أعدنا رسول الأمير إليه، معتذرين عن عدم إيجاد العقاقير المطلوبة، و من ثم عن عدم عودة الجراح إليه لزوال الفائدة من حضوره.

و هي الوسيلة الوحيدة الناجحة التي فكرنا أنها تساعدنا على الإفلات منه بمهارة.

و في الأيام التي أعقبت مفارقتنا الأمير العربي، كنا في أرض خالية من السكان. في اليوم التالي و هو اليوم الخامس و الستون، و الأخير من بقائنا في البادية، صادفنا خرائب بعض البيوت على جانبي الطريق، مما جعلنا نفترض بأن مدينة كبيرة كانت تقوم سابقا في هذه البقعة (1)

و أخيرا بلغنا البصرة. و سأصفها في موطن آخر من حديث رحلتي.

و في أثناء مكوثي في البصرة، الذي دام نحو ثلاثة أسابيع وصل إليها سفير من عظيم المغول، كان قد ذهب من القسطنطينية إلى بغداد لتهنئة السلطان على فتحه تلك المدينة (2) و أخذها في مثل هذا الوقت الوجيز. و قد أهدى الامبراطور له ثلاثة من جياد الخيل، و ساعة صغيرة علبتها ملبسة بالماس و الياقوت. إلا أن السفير لعدم معرفته ماهية هذه الآلة الصغيرة، ملأها من الجهة المعاكسة فكسر لولبها. و لما جاء إلى البصرة استدعى الرهبان‏

____________

(1) يريد بها خرائب مدينة البصرة القديمة. فهي مما ينطبق عليها قوله إنها «مدينة كبيرة».

(2) أي فتح مدينة بغداد و سيرد الكلام على ذلك في غير هذا المكان من الرحلة.

25

الكرمليين‏ (1) و طلب منهم اصلاح ساعته، لأنه كان يخشى فقدان رأسه إن عاد سيده و لم يره الساعة. و قد كنت مقيما في دار الكرمليين. فهؤلاء لما لم يعرفوا سبيل اصلاحها، طلبوا مني إبداء مهارتي في ذلك. فتناولت الساعة و وضعت لها لولبا جديدا، فصلح حالها. و لما رأى السفير ما أنا عليه، بالرغم من أن ما صنعته كان شيئا تافها، عرض علي ما لا يمكن وصفه من الخدمة و حسن الالتفات. و على ذلك فإن الرهبان الكرمليين و الأغسطينيين، رجوا مني أن أطلب من السفير، نيابة عنهم، أن يستحصل لهم من السلطان كتاب أمان يضمن لهم فيه، سلامة بيوتهم و كنائسهم في حالة استيلائه على البصرة.

فقمت بذلك، و نلت بوساطته الأمان التام من الوزير الأول. و لكن الرهبان لم يحتاجوا إليه، لأن الترك لم يقوموا بأية محاولة لأخذ البصرة، لسماعهم أن الفرس قادمون إليها، هذا إلى أن موسم الأمطار كان على و شك الحلول، مما لا يتيح لجيش ما البقاء في ساحات القتال. و لو أن بغداد ذاتها صمدت ثمانية أيام أخرى، لاضطر السلطان إلى رفع الحصار و الجلاء عنها.

و بما أنني تطرقت إلى ذكر الجياد العربية، علي أن أقول إن منها ما هو غال بل غال جدا. فقد دفع سفير المغول للواحد منها 3000 و 4000 و 6000 كراون و لغيرها دفع 8000 كراون. و لكن الحصان لم يكن ليباع بأقل من عشرة آلاف. و لهذا عدل عن شرائه. فلما آب إلى وطنه في بلاد الهند، و قدّم لعظيم المغول تلك الخيول التي حملها معه، و كانت جيادا جميلة جدا، أخبر سيده كيف أنه دفع 8000 كراون عن حصان أجمل من أي واحد أتى به، بيد أن‏

____________

(1) للرهبان الكرمليين في البصرة تاريخ طويل تجد تفاصيله في كتاب:

sir h. collancz: chronicle of events between the years 3261 and 3371

.

relating to settlement of the order of carmelites in mesopotamia( bassora )

.(oxford :7291 :xxlll G 966 p

و كان أول قدومهم إليها في سنة 1623 يتقدمهم باسيليوس البرتغالي، فسعوا في هداية الصابئة. راجع: الآثار الخطية للأب أنطون رباط (ص 388- 390 و 436- 449)، و ذخيرة الأذهان لنصري (2: 195). و ما زال الكرمليون في البصرة إلى هذا اليوم.

26

صاحبه لما لم يرض أن يبيعه بأقل من عشرة آلاف، تركه. فغضب الملك لتوقف سفيره عن شراء الحصان بمثل هذا المبلغ الزهيد، بينما كان الشراء لواحد من أعاظم ملوك الدنيا، و لا مه على ذل نفسه، و أقصاه عن حضرته بنفيه مدى الحياة إلى مقاطعة نائية عن البلاط ثم كتب الملك إلى الإنكليز ليشتروا له الحصان، ففعلوا ذلك و جلبوه إلى سورات بالهند حيث دفع لهم الحاكم ثمنه.

غير أن الحصان ما لبث أن مات في رامبور.

و لن أنسى قط أنه حين كنت في البصرة، حلقت في سمائها، في خلال مرتين، سدود من الجراد كانت تبدو من بعيد كأنها السحب، فأظلمت الأرض به. إن الجراد يمر بالبصرة أربع أو خمس مرات في السنة، تحمله الرياح من البادية التي فيها مولده و هلاكه. و لو لم تدفعه الريح بهذا الوجه لما ترك نبتا يعيش على الأرض في بعض أقسام كلدية. يطير هذا الجراد فوق بلدان خليج فارس. و لما تأتي المراكب إلى هرمز (1)(Ormuz) في أي وقت من السنة، يجد ركابها دكاكين صغيرة يبيع فيها الناس الجراد المقلي بالدهن لمن يحب هذا اللون من الطعام. و قد حداني حب الاستطلاع ذات مرة، أن فتحت بطن جرادة طولها ستة إنشات: فوجدت داخلها سبع عشرة جرادة صغيرة تتحرك.

و من هذا يمكن أن يحزر بسهولة كيف تتكاثر تلك الحشرات، خاصة في البلدان الحارة.

و هناك عدة سفن و قوارب تمخر من هرمز، لتجهيز جانبي خليج فارس بالحاجات الضرورية، حيث الناس هناك لا يأكلون الخبز و لا الرز. و قد اتفقت مع صاحب أحد هذه القوارب، و كان الاتفاق على أن لا يزيد ما يحمله القارب على نصف و سقة، لأنهم على العموم يحملونها بما هو فوق طاقتها. و في الأحوال الجوية الرديئة يضطرون إلى أن يرموا بنصف الحمل إنقاذا للبقية.

____________

(1) جزيرة تقع في خليج فارس، عند المضيق المسمى باسمها، و هي على مسافة ميل و ثلاثة أرباع الميل من ساحل إيران.

27

و من البصرة إلى فم نهر الفرات‏ (1) عشرون فرسخا من الماء العذب. لقد انتظرنا مواتاة الرياح لنا سبعة أيام كاملة، لنتمكن من الإقلاع بسفينتنا. ثم وصلنا إلى بندر ريك‏ (2)(Bander -Ric) بثمان و أربعين ساعة. هذا هو المكان الذي يجب أن تنزل فيه إن قصدت بلاد فارس، ما لم تكن مستهدفا هرمز.

يتألف بندرريك من خمسة أو ستة أكواخ صغيرة لصيادي السمك، و هذه الأكواخ عبارة عن أغصان مصفوفة أحدها يقابل الآخر، و مسقفة بمثلها، حيث يسكنون هم و عائلاتهم. و يؤتى إلى بندر ريك بالتمر محملا على الحمير. و قد اضطررت أن أكتري واحدا منها لعدم تيسر الخيل هناك.

و قضينا ستة أيام في الطريق من بندر ريك إلى كازرون(Cazeron) (3)، و هي بقعة جبلية كثيرة الغابات. و عليك أن تقيم في الحقول لعدم وجود الخانات في الطريق. إن هذا الطريق مؤنس في بعض أقسامه، فهو يمر بضفاف نهيرات عديدة و خلال أحراش مخضرة تكثر فيها السلاحف التي قتلنا منها كثيرا فأكلنا بعضه مع البلا و بدلا من الدجاج، و شوينا بعضه الآخر مستخدمين العصي مكان السفافيد.

و كازرون بلدة صغيرة حقيرة البناء، فيها خان واحد لا يفي براحة الغرباء النازلين فيه.

و من كازرون إلى شيراز مسيرة خمسة أيام. و الطريق تمر بأرض جبلية كثيرة الحزون، لم يكن سلوكها ممكنا لو لا همة علي قولي خان حاكم شيراز، الذي شق فيها طرقا لم تكن من قبل، و ربط الجبال بالقناطر، و لو لاها لتعذر اجتيازها. و في وسط الجبال فجوة عريضة يمتد منها سهل محيطه نحو عشرين فرسخا، لا يسكنه غير اليهود، و هؤلاء القوم يشتغلون بحياكة الحرير. و في هذه الجبال تقع أنظارك على خيم ينزل فيها الكلدانيون الذين ينتجعون تلك‏

____________

(1) هذا و هم من المؤلف، و الصواب أنه شط العرب.

(2) بليدة صغيرة على ساحل الخليج العربي، في شمال بوشير.

(3) بليدة في إيران، نفوسها زهاء 7000 نسمة، و هي بين بوشير و شيراز.

28

البقاع صيفا طلبا للهواء البارد و التماسا للمرعى الوفير.

و لما انتهيت إلى شيراز، اتخذت حصانا لركوبي من هناك إلى أصفهان التي لم أبلغها إلا بتسعة أيام. الاراضي التي تمر بها بين هاتين المدينتين، سهول و جبال تجد فيها البور كما ترى فيها المزروع. فإذا سرت ثلاثة أيام عن شيراز جابهك جبل مائين(Mayen) و مائين بليدة ليس فيها ما يستحق الذكر.

و بعد مسيرة يومين منها تدخل في سهول ولاية كشكي زرد(Cuscuzar) التي فيها يحفظ ملك فارس خيوله للسباق. و في اليوم التالي وصلت إلى يزدي خست(Yesdecas) التي يصنع فيها أجود الخبز الايراني‏ (1) و هي بليدة تقوم على نشز من الارض، فيها خان لطيف جدا. و عند قاعدة النشز نهير ينساب في واد ينمو فيه القمح الجيد الذي يصنع خبزا و يصدر من هذه المدينة.

و قد قطعت المسافة من يزدي خست إلى اصفهان بثلاثة أيام إن هذا الطريق كان أول طريق سلكته من حلب إلى أصفهان.

____________

(1) ذكر المؤلف، في الفصل التاسع من الكتاب الأول من رحلته، مثلا سائرا بين الفرس، سمعه منهم، مؤداه: «من يبتغ السعادة، فليتزوج بامرأة من يزد، و ليأكل خبز يزدي خست، و ليشرب خمرة شيراز».

29

الفصل الرابع (من الكتاب الثاني من الرحلة الطريق بين حلب و أصفهان، عبر ما بين النهرين و بلاد آشور، و هو الطريق الذي سلكته في رحلتي الثالثة الى الهند و جزرها

في رحلتي الثالثة إلى الهند و جزرها، قمت من باريس في السادس من كانون الأول سنة 1643، و ذهبت إلى ليغرن‏ (1)(Ligorn) فوجدت الاسطول الهولندي على أهبة الاقلاع إلى بلاد المشرق(Levant) . و يبدو على السفينة التي أقلتني أنها أشبه بمركب حربي منها بمركب تجاري. ثم عبرنا مضيق مسينة، و رسونا أمام المدينة أربعة أيام. و بعد أن اجتزنا بحر المورة، دخلنا الأرخبيل حيث تفرق الأسطول، كل سفينة بحسب ما تبتغيه من اتجاه.

فأبحرت سفينتنا رأسا إلى مينا الإسكندرونة. بالرغم من أن الريح كان مؤاتية لسير السفينة، فقد صدتنا سفينة قرصان مدة من الزمن و أعاقت سيرنا، عندما كنا على بعد من ساحل جزيرة كاندي‏ (2) الشرقي. و لقد حاولنا التخلص منها، و لكن القرصان كانت لهم اليد العليا. فتأهبنا لمناجزتهم. ثم أطلق القرصان علينا من سفينتهم ثلاث طلقات مرقت من فوق مركبنا دون أن تصيبه بأذى، فرددنا عليها بمثلها من سفينتنا، فأصابت أولى طلقاتنا صاري المقدمة، و الثالثة أصابت مرقب السفينة، و قتلت من رجاله كما لاحظنا ذلك. و في تلك الهنيهة صرخ أحد بحارتنا من أعلى رأس الصاري قائلا: سفينة من الجنوب! فولى عنا القرصان ليتعقبوها، و سررنا نحن بالنجاة منهم. ثم تابعنا سفرنا إلى الاسكندرونة فوصلنا إليها مغتبطين. و منها أخذت حصانا إلى حلب كما مر وصفه.

____________

(1) ميناء في ساحل ايطاليا الغربي، بين روما و جنوى.

(2) هي جزيرة كريت. راجع الملحق رقم (4).

30

و في السادس من آذار، غادرت حلب برفقة اثنين من الرهبان الكبوشيين، و هما الأب روفائيل و الأب ايفس(Yves) و بندقي اسمه دومنيكو دي سنتيس.(Dominico de Santis)

و من حلب إلى البيرة (1)(Bir) القائمة عند معبر الفرات، مسيرة أربعة أيام للراكب، و البقعة كثيرة الأحراش و فيرة الزروع.

و في السابع من آذار، أعاقنا المطر الغزير عن بلوغ المحطة المعتادة، فلم نصل إلى تل باشر (2)، البلدة التي تلي البيرة، و لما لم نجد خانا نبيت فيه، اضطررنا إلى الوقوف على بعد فرسخ منها في هذا الجانب و اللجوء إلى كهف يسع ثلاثمائة حصان، و هو كهف يلجأ إليه غالبا البدو أو رعاة البقر الذين يعيشون عيشة الأعراب، إما في كهوف أو في أكواخ حقيرة. و كان النقر قد تمادى في هذا الكهف، فكثرت فيه التجاويف التي صارت تبدو غرفا صغيرة.

أما رئيس قافلتنا (الكروان باشي) فإنه حذرنا من وجود كمين في ذلك الكهف سبقنا لاستطلاع المكان، فوجده خاليا خاويا، فاسترحنا هناك تلك الليلة. و في الليلة الثانية، نزلنا في ميزار(Mezara) و هي قرية صغيرة لا خان فيها. و لم نمر في طريقنا إليها بما يستحق الذكر. إلا أن قرب الكهف، في الجبل، ماء طيبا قراحا. و كان فوق الجبل سابقا حصن لا تزال بعض أخربته بادية للعيان.

و تشرف قمته بامتداد البصر على منظر جميل أخاذ. فهناك حيث توجهت السهول اليانعة، و الأراضي الخصبة التي تسقيها جداول مختلفة يأتي ماؤها من الفرات. كما أن كل النهيرات التي تعبرها من حلب إلى البيرة مستمدة من الفرات ذاته.

و في اليوم الرابع من مغادرتنا حلب، و هو اليوم التاسع من آذار، بلغنا

____________

(1) البيرة مدينة على الفرات الاعلى، تعرف اليوم باسم بيره جك.

(2) وصفها ياقوت الحموي (معجم البلدان 1: 864 طبعة و ستنفلد) بأنها «قلعة حصينة و كورة واسعة في شمالي حلب، بينها و بين حلب يومان، و أهلها نصارى أرمن، و لها ربض و أسواق، و هي عامرة آهلة».

31

ضفاف الفرات، فأبصرنا البيرة في الجانب الآخر من النهر. و لما كان نقل جميع الأحمال إلى الضفة الثانية من النهر في يوم واحد غير ممكن في بعض الاحوال، فقد أقيم هناك خان كبير مريح يحمي التجار من البدو، و إلا ساورهم القلق و صاروا عرضة لشر اللصوص. فلو لا هذا الخان لما حوفظ عليهم و لا على بضائعهم بهذا الوجه المأمون.

و يعبر نهر الفرات بمعبر كبير من القوارب، و عند بلوغ ضفته الثانية، يهرع ضابط الجمرك و رجاله إلى تسجيل البضائع، و تدوين اسماء التجار مالكيها. أما قافلتنا، فلم تدخل المدينة المشيدة بهيئة مدرج نصف دائري، عند سفح جبل و عر، بل سلكت طريقا رديئا و وجهتها خان يعلو قمة الجبل.

و بالقرب من هذا الخان طائفة من الغرف المنقورة في جوف الصخر، يلجأ إليها من لا يتسع الخان له. و عند المساء جاءنا ضابط الجمرك يتقاضى رسومه، و هي قرشان عن كل حمل من البضاعة إن كانت محملة على حصان أو بغل، ذلك بغض النظر عن أن ما تحمله البغال يفوق ما تحمله الخيل كثرة، و يتقاضى نصف قرش عن كل دابة تحمل المتاع. أما الخيل و البغال المسرجة فلا رسم يؤخذ عليها.

و البيرة، او بيره جك(Berygeon) كما يسميها أهلها، من بلدان الشرق الكبيرة، تقع على حافة تل، و في أسفل المدينة من جهة النهر حصن يبدو أنه قديم، طوله نصف طول المدينة، و لكنه ضيق، و ليس فيه من التحصينات غير برج مطل على النهر، ذي ثمانية أو تسعة مدافع حقيرة. و في أعلى المدينة حصن آخر يقيم فيه حاكم المدينة و هو «آغا» و يلقبه بعضهم ب «باشا». و بإمرته مائتا إنكشاري‏ (1) و أربعمائة سپاهي‏ (2). إن المدينة مبنية بناء سقيما على غرار

____________

(1) الانكشارية، لفظة محرفة من التركية ينيجري (من: يني- جديد، جري- جيش) و هم جند مشاة في الجيش العثماني، دام أمرهم منذ القرن الرابع عشر إلى التاسع عشر للميلاد.

(2) لفظة تركية فارسية، أصلها «سباه» و معناها العسكر و الفرسان و النسبة إليها سباهي كانت تطلق سابقا على خيالة الترك و قد انحل أمرهم من بعد سنة 1826 م.

32

معظم بلدان الدولة العثمانية. غير أن الطعام فيها متوافر قد تناهت كثرته و خرجت عن الحد المعتاد، فخبزها نفيس، و خمرها فاخرة، و فيها أطيب الأسماك.

و في العاشر من آذار، بعد أن سرنا إحدى عشرة ساعة في أول أراضي ما بين النهرين الواقعة بين دجلة و الفرات، و هي التي يسمونها الآن ديار بكر(Diar Bekr) ، وصلنا مساء إلى شرملي و هي بلدة حسنة جدا، ذات خان جميل و حمامات في أطرافها. و على ضعف رمية بندقية منها، ينهض جبل فرد، كأنه مونت مارتر قرب باريس. و حوله السهول، و فوق قمته قلعة يحميها مائتا سباهي، لأن الأعراب يعبرون الفرات أحيانا و يغيرون على ذلك الجانب. ففي سنة 1631 حينما كان الوزير الأول عائدا من بغداد، و قد فقد معظم جيش السلطان دون التمكن من أخذ المدينة، فإنه خوفا من أن يفقد رأسه إن رجع إلى القسطنطينية بهذه الخيبة، و لعلمه بما له من سامي المنزلة في قلوب جنوده، صمم على الإقامة فوق هذا الجبل، و تشييد قلعة تحميه مما قد يتهدده. و لا شك أنه لو أفلح في تحقيق خطته لاستطاع أن يسود على كل ما بين النهرين، و لخلق للسلطان قلقا زائدا. و ذلك أنك إذا قصدت حلب، سواء أكان قيامك من تبريز، أم من الموصل، أم من بغداد- هذا ما لم يكن سفرك بطريق البادية- لا بد أن تمر بشرملي للتزود بالطعام و الماء، و شرملي هذه تشرف عليها القلعة المذكورة. و لقد سار العمل في القلعة سيرا حثيثا، فأقيم حصن مكين، و استطاع الوزير أن يسوّر الجبل، بما فيه الخان، بسور ثخنه عشرون قدما، و ارتفاعه ثلاث قامات. و فيما كان منهمكا في عمله، خنقه بعض من ركن إليهم أشد الركون، ممن استمالهم السلطان إليه، بالوعد أو بالوعيد.

و في الحادي عشر من آذار، بعد مسيرة عشر ساعات، انتهينا إلى اورفا، و فيها تمكث القوافل عادة ثمانية أو عشرة ايام، لأن فيها مؤجري الخيل و البغال، و لهم على الدوام أشغال و علاقات بهذا المكان. و حللنا في خان يبعد 300 أو 400 خطوة عن شمالي المدينة. و عندما يزدحم هذا الخان بالمسافرين، يلجأ من لا يتسع الخان لهم إلى كهوف قريبة منه. و هي أماكن‏

33

جيدة حسنة. و هنا يأتي جابي الرسوم فيحصي الأحمال دون فتحها، فالذين يحملون خرجة (1) عليهم أن يدفعوا عنها رسم نصف حمل، و إلا يفتح الخرج ليرى إن كان فيه سلعة تجارية ما. و على التاجر حينذاك أن يدفع الرسم كاملا.

أورفا عاصمة ما بين النهرين، و هي كما يقولون مبنية في البقعة التي عاش فيها إبراهيم الخليل، حيث كانت تقوم أدسا(Edessa) القديمة. و يروي أهالي تلك الجهات، أن بلاط الملك أبجر(Abagarus) كان في هذه المدينة، و لا تزال ترى فيها خرائب حصن، منه- كما يروون أيضا- أرسل هذا الملك إلى المسيح طالبا صورته، و واهبا إياه مملكته و شعبه للدفاع عنه ضد اليهود، الذين عادوه على ما انتهى إليه‏ (2). و تروي تواريخ الأرمن أن أبجر كان من أبناء جلدتهم و إنهم، في أيام حكمه، صاروا نصارى و تعمدوا على يد واحد من التلاميذ، بعث به المسيح إلى ذلك الملك بعد قيامته. و لم يتخرب هذا الحصن خرابا نهائيا، إذ لا تزال فيه قاعة فسيحة و ثلاث أو أربع غرف جميلة فيها معالم فسيفساء. لقد حثني الشوق على رؤية أجمل ما في المدينة، فأخذوني إلى فسقية كبيرة كأنها بركة سمك، و هي تنبع من تحت أسس الجامع الكبير الذي كان بني إكراما لإبراهيم الخليل. و يقول نصارى تلك الأنحاء، إن في هذا المكان صلى إبراهيم قبل أن يضحي بابنه إسحاق، و إن ينبوعين من الماء نبعا من البقعتين اللتين وضع عليهما ركبتيه، و هذان الينبوعان يملآن الفسقية الكبيرة التي أشرت إليها. إن هذه الفسقية مبلطة بالصخر، وزاخرة بالسمك فإذا رميت إليه قطعة صغيرة من الخبز، تبعك حيثما تنقلت في ضفاف البركة. و ليس من يتعرض لهذا السمك، فإن الترك يكرّمونه جدا و يسمونه سمك إبراهيم. و يفيض الماء من هذه الفسقية فيسقي المدينة كلها. و ما حول الفسقية مغطى بسجاجيد جميلة، بعض نحو عشرين خطوة. أما ماء هذه الفسقية فينصب في الأخير في نهر محاذ للسور. إن الكهوف التي تتفجر منها عينا الماء، لا يسمح لك بالذهاب إليها ما لم تخلع نعليك. و أنه لفضل عميم‏

____________

(1) الخرجة، جمع خرج، و هو الكيس الذي يوضع على ظهر الدابة.

(2) راجع الملحق رقم (5).

34

على النصراني إن سمح له بمشاهدتها. و قد كلفني هذا الفضل ستة قروش.

و رأيت أيضا كنيسة للأرمن يقولون إن تحت بابها، عاش القديس الكسيس سبع عشرة سنة عيشته النسكية. و يقوم هذا الباب في وسط رحبة الكنيسة، في أعالي المدينة. أما كنيستهم الكبرى، فعلى مسيرة ربع ساعة من المدينة، بناها القديس أفرام المدفون فيها (1). و الدير قائم بكامله، يحيط به سور لطيف.

و لقد شاهدت في الكنيسة نسخة كبيرة من الكتاب المقدس مكتوبة بالحروف الأرمنية. و ضريح القديس أفرام في مغارة عند قاعدة الجبل، يتصل به مصلى فيه ثلاثة أو أربعة قناديل موقدة على الدوام. و هناك مغاور أخرى في أعلى الجبل و أسفله تضم قبورا نصرانية قديمة العهد. إن مدينة أورفا، تقع في أرض غاية في الخصب، تمتد شرقا إلى ما وراء البصر. و بالقرب من أسوار المدينة بساتين غناء تسقيها قنوات صغيرة مدت إلى هذه الأنحاء. و تعصر هناك الخمرة الجيدة. و هكذا يتمكن الإنسان أن يعيش في أورفا كما لو يعيش في أي ناحية من نواحي بلاد الترك. و لدى إقامتي فيها، اصطدت من بساتينها شيئا كثيرا من الدج الصغير (2). و في الواقع، إن الطيور البرية لعلى غاية الكثرة في هذه البقعة و أسوار المدينة مبنية بالحجارة، و كذلك الشرفات و الأبراج. أما البيوت ضمن المدينة فصغيرة الحجم، حقيرة البناء، مهدمة. و في المدينة ميادين‏

____________

(1) هو مار أفرام السرياني، أشعر شعراء الآرميين و أوسعهم شهرة ولد في نصيبين في أوائل المائة الرابعة للميلاد. ثم انتقل منها إلى أدسا، فانكب حينذاك على الدرس و التأليف و توفي فيها سنة 373 م. و لمار افرام تآليف لا تحصى وضعها بالآرمية، ضاع الكثير منها و طبع غير واحد مما سلم منها و يغلب على تآليفه النظم. و بينها المواعظ و التسابيح و الميامر و شروح الأسفار المقدسة. إن تآليفه قد نقلت من قديم الزمان، إلى اليونانية و الارمنية و القبطية و الحبشية و اللاتينية و العربية. و بعض هذه النقول قد انتهى إلينا.

(2) يسمى بالإنكليزيةField -Fares و هو على ما في «معجم الحيوان» للمعلوف: الدج الصغير. قال الدميري في وصفه (حياة الحيوان الكبرى 1: 377 من طبعة بولاق سنة 1292 ه) إنه «طائر صغير في حد اليمام، من طير الماء، سمين، طيب اللحم، و هو كثير بالاسكندرية و ما يشابهها من بلاد السواحل. قاله ابن سيده».

35

عديدة متباعدة، تخلق لأورفا مظهر بادية أكثر منها مدينة كبيرة. و يحكم المدينة باشا، بإمرته 150 إنكشاريا و 60 سباهيّا. و هذه الحامية أحوج إلى الخيالة منها إلى المشاة لتواتر غارات الأعراب عليها، و خصوصا في موسم الحصاد. و بوجيز الكلام وجدنا أورفا البقعة التي يبالغ فيها الناس في لبس الجلود المعروفة بالقرطبية (1)، لأن مياه تلك البقعة تهبها ذلك الجمال الممتاز.

هذا، و إن الجلود الصفر تلبس في أورفا، و الزرق في طوقات، و الحمر في ديار بكر.

و في اليوم العشرين من آذار (سنة 1644 م) غادرنا أورفا، فحللنا بعد مسيرة ست ساعات في قرية بسيطة فيها خان خرب، و فسقية ذات ماء نمير، و هذا كل ما يرتاح إليه المرء في تلك القرية. أما الطعام فلا يمكن الحصول عليه.

و في اليوم الحادي و العشرين، سرنا تسع ساعات و نزلنا قرب مغاور كثيرة عميقة جدا، في مداخلها غرف صغيرة، يظن أنها مأوى رعاة تلك البقعة الذين يرعون أبقارهم هناك. و يمكن الاستفادة من ماء المطر المنحبس في بعض تجاويف الصخور و يجب أن تقضي سفر نصف يوم في اختراق الصخور الوعرة، التي يكاد يتعذر السير فيها، و من الخطر أن ترجع بدابتك إلى الوراء.

و في اليوم الثاني و العشرين، بعد أن سرنا إحدى عشرة ساعة، دنونا من مغارة، ثم عبرنا نهيرا ينساب عند قدميها. و هناك على جانبي النهير كهفان كبيران يقيم فيهما المسافرون، فيقصدهم الأهلون بالطعام لهم و العلف لدوابهم. إن جباة الرسوم يأتون من قلعة على نحو من ثلاثة فراسخ من هذه الكهوف، فيتقاضون قرشين و نصف القرش على حمل كل حصان أو بغل، و يفتشون في الخرجة ليروا ما إذا كان فيها سلع تجارية. و عند منتصف الطريق من سفر هذا اليوم، نمر بمدينة خالية خاوية قد هجرها أهلها. و على مسيرة ساعة منها قبور من الصخر، يعلو وسطها صليب فيه كتابة أرمنية.

و في اليوم الثالث و العشرين، تمادى بنا السير إحدى عشرة ساعة، فنزلنا

____________

(1) يسمى بالفرنجيةCordovan .

36

في دادا كردين(Dadacardin) ، و يبدو أنها كانت مدينة كبيرة، و لكنها آلت إلى الخراب النهائي، و لم يبق منها شي‏ء غير قنطرة طويلة من الحجر غاية في حسن البناء، يجري من تحتها نهر يتسع كثيرا حين الفيضان. و ليس لأبناء تلك البقعة مأوى غير تجاويف الصخور. و هم مع ذلك يبيعون للمسافرين الدجاج و الزبدة و الجبن و غير ذلك من الطعام بأبخس الأثمان.

و في اليوم الرابع و العشرين، سرنا تسع ساعات، و نزلنا في قره,(Cara) و هي قرية مبنية فوق تل. نزلت القافلة في الخان، أما الراهبان الكبوشيان و أنا، فقد نزلنا في دار نصراني، و قد أخذنا هذا إلى الكنيسة فرأينا الورتبيد أو مطران ماردين. و كانت الكنيسة بسيطة فقيرة.

و في هذه القرية، بركة أحيطت جوانبها بالصخر البديع الذي نقل من الكنائس و المقابر النصرانية في تلك الأنحاء. و من بينها صخرة كبيرة جدا فيها شاهد بالحروف اللاتينية الكبيرة، علمنا من قراءتها أنها شاهد قبر سيد من النرمنديين، كان ضابطا للمشاة. و قد ذكرنا لنا الورتبيد (المطران) أن الأقاصيص و الحكايات الأرمنية، تروي أن هذا الفرنسي مكث مدة طويلة في هذه البلاد حين كان النصارى أسياد سورية. إن الأرض هناك سهل فسيح خصيب طوله نحو عشرين فرسخا، بوسعها أن تجعل من سكانها أغنياء، لو لا غشم الترك و غارات الأعراب عليهم مما أضعف ثروتهم و أدناها من حافة الفقر.

و في اليوم الخامس و العشرين، بعد أن سرنا ثماني ساعات، حططنا الرحال في قرية يقال لها قوش حصار(Cousasar) ليس فيها خان. و كان هناك فيما سبق ثلاثة ديارات كبيرة بين الواحد و الآخر ربع فرسخ. و لكن الترك خربوا اثنين منها عدا أبراج الكنائس التابعة لهما. أما الثالث الذي لا يزال قائما بكامله، و هو من أجمل المباني، فقد اتخذ مسجدا، و اتخذوا من الصوامع دكاكين لا تزال تتوسطها عين ماء.

و في اليوم السابع و العشرين بقينا في قوش حصار، إذ إنها المكان الذي يدفع فيه جمرك ديار بكر التي لا تبعد عنها أكثر من يومين. و الرسم يبلغ القرشين و الربع لكل حمل من السلع التجارية.

37

و مدينة ماردين لا تبعد عن قوش حصار أكثر من فرسخين. و هي بليدة قائمة فوق جبل، ذات أسوار منيعة، و ينبوع يستمد ماءه من القلعة القائمة في الجانب الشرقي، في موضع عال يشرف على المدينة. و يقيم في هذه القلعة باشا، بإمرته مائتا سباهي و أربعمائة انكشاري. و في ماردين، ولدت السيدة معاني جويريدة(Maani Giorida) الزوجة الاولى لبترو دلّا فاله(Pietro della Valle) الرحالة الذائع الصيت‏ (1).

و قوش حصار، قرية كبيرة معظم سكانها من نصارى الأرمن و النساطرة.

و يصلي الأرمن بلغتهم الأرمنية، و النساطرة باللغة الكلدانية. و قد أطلعني النساطرة على نسختين من الكتاب المقدس في مجلد كبير باللغة الآرمية، مكتوبين على الرق. و جميع الحروف الأولى من الفقرات مزوقة بالذهب و اللازورد، و يبدو عليهما أنهما قديمتا العهد. و أخبرني أحد كهنتهم أن احداهما مضى على كتابتها 937 سنة (2)، و الثانية لا يقل عمرها عن 374 سنة.

و لما تنتهي الصلاة يودعونهما في صندوق يخبأ تحت الأرض. و قد دفعت لهم من أجل المخطوطة القديمة 200 قرش، و لكنهم لم يوافقوا على بيعها لأنها من ممتلكات الكنيسة التي ليس لهم أن يتصرفوا بها.

و في اليوم السابع و العشرين، بعد مسيرة تسع ساعات، وصلنا إلى قره سراي(Kara Sara) التي كانت قبلا و لا شك مدينة كبيرة و كانت مأهولة بالنصارى إذ فيها سبع أو ثماني كنائس نصف مهدمة إلا أن أبراجها أقل انهداما.

و بين الكنيسة و الأخرى مسافة ما. و في شمال إحدى هذه الكنائس شرفة تفضي إلى باب صغير ينزل منه بدرج ذي مائة مرقاة، و علو كل مرقاة عشر عقد و إذا دخلت الكنيسة أبصرت عقادة واسعة كبيرة، تقوم على أعمدة. و شيد البناء بشكل ينفذ النور معه من الأسفل أكثر مما من الأعلى. و لكن الأتربة قد سدت‏

____________

(1) انظر الملحق رقم (6).

(2) معنى هذا، أن المخطوطة كتبت في سنة 707 للميلاد، فهي من أنفس الطرف و أقدمها. و لكن ما مصيرها اليوم؟.

38

في السنين الأخيرة عدة منافذ فيه. و المذبح الكبير منحوت في الصخر، و عن يمينه غرفة ينفذ إليها النور من عدة نوافذ منقورة في الصخر أيضا. و كان فوق باب الكنيسة صخرة كبيرة فيها حروف كتابة لم أستطع قراءتها. و في الجانب الشمالي من الكنيسة نفسها صهريجان كبيران تحت الأرض، طول كل منهما أربعمائة و خمسون خطوة، و له قوسان كبيران يسندهما عدد كبير من العمد.

و هما يملآن في كل سنة بسيول الأمطار المنحدرة من الجبل المجاور، فيكون منها ما يشبه نهرا. و على بعد ربع فرسخ من الكنيسة تنزل من الجبل نيفا و مائة خطوة بين الصخور، و على جانبي الطريق غرف منقورة في الصخر، و فوق كل باب صليب، و في كل غرفة دكة و منضدة و موضع صغير أشبه بسرير بطول الإنسان. كل ذلك مقدود في الصخر. و في أسفل الصخرة قاعة حول جدارها دكة، و السقف ساذج لا أقواس فيه. و في وسطه ثقب ينفذ إلى أعلى الجبل، و لما كان النور لا يخترقها، فيغلب على الظن أنه كان منفذا للدخان المتصاعد أثناء الطبخ، أو لدخول الهواء النقي كما لا حظت ذلك في كثير من قرى خليج فارس‏ (1). و في أعلى أحد هذه الجبال قرية حقيرة يشترون منها مؤونتهم. و قبل أن تصل القافلة إلى هاتيك الغرف الصخرية، يستوضح التجار الراكبون في المقدمة من الرعاة عما إذا كان لهم علم بوجود لصوص فيها، إذ كثيرا ما يختبئون هناك متربصين فريستهم.

و في سنة 1738، عندما سار السلطان مراد لحصار بغداد، سلك هذا الطريق، و شاهد هذه الخرائب، فأمر بتخريب قلعة كانت على نحو فرسخين من قره سراي اتخذ منها لصوص تلك البقاع ملجأ لهم. و أمر كذلك بتنظيف الطريق إلى مسيرة أربعة أيام، و ذلك بالتقاط الحجارة المتبعثرة و جمعها في أكوام تحاذي الطريق. و بنى أيضا قنطرة فوق النهر. و الحق يقال إن زحف السلطان عاد بفائدة جزيلة على المسافرين في هذا الطريق.

____________

(1) بل إن هذه المنافذ مستعملة في كثير من أنحاء العراق، و تسمى عندهم «بادكير» و هي لفظة فارسية عربها الأقدمون بلفظة بادهنج. راجع شفاء الغليل للخفاجي (ص 41- 42 من طبعة الخانجي).

39

و في اليوم الثامن و العشرين، سرنا ثماني ساعات، فبلغنا نصيبين المسماة قديما نصيبس(Nisibis) . فإذا سرت ساعتين أو ثلاثا في هذا الطريق، رأيت على مقربة منه نوعا من المناسك، و هو غرفة صغيرة محاطة بسور، بابها شديد الانخفاض و على من يدخلها أن يزحف على بطنه. و قد ذهب ثلاثة أو اربعة من اليهود لأداء عبادتهم في هذا المنسك لاعتقادهم أنه المكان الذي دفن فيه النبي أليشع.

و الأرض بين قوش حصار و نصيبين سهل فسيح، لا تجد فيه عشبا خلال الأيام الأولى من السفر، ما سوى كزبرة الثعلب. و في اليوم التالي، ترى الحقول مغطاة بأوراق كبيرة ثخينة جذورها بصلية، كبر الواحد كالبيضة، كما تشاهد كثيرا من الأزهار الصفر و الحمر و البنفسجية، و السوسن بألوانه المتعددة، و شقائق النعمان و النرجس الأصفر. و مع ذلك، فإن ما بين النهرين بوجه عام أرض قاحلة، و ما يمكن تحسينه منها بالفن و المثابرة قليل.

و نصيبين الحالية ليست إلا ظلالا لنصيبين القديمة. و هي اليوم عبارة عن قرية كبيرة يسكنها النصارى من الأرمن و النساطرة. و قد نزلت قافلتنا وراءها قليلا، في رحبة كنيسة ملاصقة لكنيسة أرمنية. و في اليوم الثاني، لما سمعت الناس يرتلون، ذهبت إلى الكنيسة مع الراهبين الكبوشيين، فرأيت مطرانا أرمنيا بتاجه و صولجانه الخشبي، يحف به عدد من الكهنة و حشد كبير من المصلين. و في ختام الصلاة، تبادلنا التحيات، ثم أنزلنا المطران إلى مصلى تحت الكنيسة، أرانا فيه ضريح القديس يعقوب مطران نصيبين‏ (1). و في صحن الكنيسة رخامة ثخنها قدم و ارتفاقها ست أقدام، فوقها عدة شموع من العسل‏

____________

(1) من أشهر رجال الكنسية الكلدانية في المائة الرابعة للميلاد. ولد في نصيبين. و قد صنف بالآرمية كتبا و رسائل ضاع جميعها. و صار أسقفا على نصيبين سنة 309 م، و توفي سنة 338 م و دفن فيها، في الكنيسة التي ابتناها بعد ذلك أحد ملوك الروم على قبره، و لعلها الكنيسة التي بناها هو في حياته سنة 320 م، ثم جددت بعد موته. إن قبره الذي شاهده تافرنييه في هذه الكنيسة قبل ثلاثمائة سنة، ما زالت آثاره تشاهد إلى اليوم.

40

و الشحم، و هي التي ينذرها الفقراء لبلوغ مرامهم. خاصة في مرضهم، فإنهم يعتقدون أن الحجرة كانت قاعدة تمثال لأحد القديسين شوّهه الترك، و لهذا فهم يكرمون القاعدة كما لو كان ذلك التكريم للتمثال ذاته. و قد ترى أيضا بعض الأحرف اللاتينية، غير أن نصفها ممحو، و أجزاء بعض الحروف الباقية مكسورة، و لهذا لم أستطع أن أعرف لمن هذا التمثال. و على بعد نصف فرسخ من نصيبين نهر عليه قنطرة من الحجر، و في الطريق إلى هذا النهر عدة قطع من جدار، مع قوس، و هذا حملني على الافتراض بأن المدينة كانت تمتد فيما مضى حتى النهر.

و على ضعفي رمية بندقية من النهر، صخرة نصفها مطمور، عليها كتابة لاتينية يؤخذ منها أنها شاهد قبر قائد فرنسي في الجيش. و لكنني لم أتمكن من قراءة اسمه الذي ضاعت بعض معالمه بمرور الزمن.

و في نصيبين، تؤدى الرسوم كسائر الأمكنة، أي أن تدفع قرشين و نصف القرش على حمل البغل أو الحصان. و قد مكثنا في هذه المدينة ثلاثة أيام بلياليها، لنتزود بالطعام الذي يكفينا حتى الموصل التي تبعد مسيرة خمسة أيام عن نصيبين، لأن المنطقة بين هاتين المدينتين مقفرة خالية من السكان، و لا يوجد الماء إلا في موطنين، و هو ليس بالجيد لأن الرعاة يترددون إليهما بقطعانهم.

و في أول نيسان (سنة 1644 م) غادرنا نصيبين، و بعد مسيرة إحدى عشرة ساعة، حططنا الرحال عند نهر، فأتانا الرعاة بدجاج للبيع.

و في اليوم الثاني منه، سرنا عشر ساعات، ثم نزلنا قرية حقيرة لم نجد فيها ما نأكل.

و في اليوم الثالث منه، تمادى بنا السير ثلاث عشرة ساعة، و نزلنا عند ينبوع صغير نزر الماء لم يكد يكفي لخيلنا.

و في اليوم الرابع منه، انتهينا بعد مسيرة عشر ساعات، إلى ضفة نهير بتنا عندها، و بالقرب منها بقايا قنطرة (1) و حصن.

____________

(1) انظر الملحق رقم (7)

41

و في اليوم الخامس منه، بعد مسيرة احدى عشرة ساعة بلغنا الموصل، التي لا تبعد عن نينوى القديمة إلّا يسيرا.

و الموصل، مدينة تبدو للمرء من خارجها فخمة المنظر. أسوارها (1) حجرية، بينما هي في داخلها تكاد تكون برمتها خربة. و ليس فيها سوى سوقين معقودتين، و قلعة (2) صغيرة مطلة على دجلة يقيم فيها الباشا (3). و بوجيز الكلام، ليس في الموصل ما يستحق المشاهدة و الالتفات‏ (4).

و ليس لهذه البقعة من شأن إلا كونها ملتقى مهمّا للتجار، خاصة تجار العرب و الكرد الذين يقطنون بلاد أشور القديمة، المسماة اليوم بكردستان، التي يكثر فيها العفص الرائج التجارة. و في الموصل أربع فرق نصرانية، و هي: الروم، و الأرمن، و النساطرة، و الموارنة (5). و للكبوشيين مقر جميل على دجلة (6)، و لكن الباشا غرمهم لأنهم حاولوا توسيعه قليلا فأجبروا على تركه و هجره. و يحكم المدينة باشا، بإمرته جماعة من الانكشارية و السباهية يبلغ عددهم ثلاثة آلاف رجل.

و ليس في الموصل غير خانين بسيطين، كانا مكتظين بالمسافرين حين‏

____________

(1) انظر الملحق رقم (8) في الكلام على الموصل.

(2) لا أثر لهذه القلعة اليوم، و إنما يعرف موقعها فقد كانت تقوم عند «باب القلعة» المطل على دجلة، في أعلى الجسر الحديدي الحالي.

(3) كان يسوس الموصل في العهد العثماني «باشا».

(4) انظر الملحق رقم (8).

(5) لا نرى المؤلف إلا واهما في ذكره هذه الفرق النصرانية. فلم تعرف الموصل في يوم من أيامها الماضيات بكونها موطنا للروم و لا للموارنة. بل إن الفرقتين السائدتين في زمنه هناك كانتا «النساطرة» و «اليعاقبة». أما الأرمن فلم يكن منهم فيها إلا عدد ضئيل لا يستحق الذكر.

(6) قدم الرهبان الكبوشيون إلى الموصل سنة 1636 و غادروها نهائيا بعد سنة 1667 بمدة و جيزة.

42

وصولنا إليها. فطلبت أن تنصب خيمتان في الميدان، أي في السوق‏ (1) الكبيرة.

و يجدر بنا أن نتكلم قليلا على ما بين نهري دجلة و الفرات من تباين في مجراهما و مياههما. فقد لاحظت أن ماء الفرات يبدو محمرا قليلا، و أن تياره ليس سريعا كتيار دجلة الذي يظهر مائلا إلى البياض كنهر اللوار (2). أما عن مجراهما فالفرات أطول من دجلة. و الآن دعنا نقطع دجلة فوق جسر من القوارب‏ (3) لمشاهدة الخرائب الكئيبة لمدينة نينوى التي ملأت العالم ضجيجا، و ليس في مظهرها الآن ما يدل على سابق مجدها.

شيدت نينوى على الضفة اليسرى لدجلة، أي في الضفة الأشورية. و هي الآن ليست إلا أكواما من التراب تمتد نحو فرسخ بامتداد النهر. و يرى فيها عدد من الأقبية و المغاور غير المأهولة (4). و يصعب على الإنسان أن يعلم ما إذا كانت هذه بعينها المساكن القديمة في المدينة، أم كانت هنالك بيوت مشيدة فوقها في الأزمنة الخالية. لأن معظم البيوت في البلاد التركية تشبه السراديب، أو لا تتألف إلا من طبقة واحدة عالية. و على نصف فرسخ من دجلة تل تشتتت على سطحه بيوت و في قمته مسجد يذهب أهل تلك البقعة إلى‏

____________

(1) ما زالت «محلة الميدان» و «سوق الميدان» معروفتين مأهولتين في الموصل. و هذه السوق تمتد بموازاة دجلة، من مشرعة شط القلعة إلى الجسر الحديدي الجديد.

و بينها و بين النهر نحو مائتي متر.

(2) اللوار من أنهار فرنسا.

(3) كان للموصل منذ أقدم عصورها إلى يومنا هذا، جسر يصل ما بينها و بين شاطئ دجلة الأيسر. و هو جسر خشبي من القوارب، يجدد كلما ناله البلى. و لكن هذا الجسر الخشبي البسيط، استعيض عنه، سنة 1933 بجسر حديدي مكين راسخ الدعائم.

(4) لم نفهم مراد المؤلف بقوله «الأقبية و المغاور» فهل يدل ذلك على حفريات و تنقيبات في نينوى منذ ذلك العهد؟ مع أن المعروف بين علماء الآثار، أن الحفريات في نينوى لم تبدأ إلا في سنة 1840 م و أن معظمها تم بشق الأنفاق في باطن التل لاستخراج الآثار منه، و لا تزال معالم هذه الأنفاق تشاهد و كأنها أقبية و مغاور.

43

أنه الموطن الذي دفن فيه يونس‏ (1) (يونان)، و هذا المسجد جليل المكانة و لا يباح لنصراني أن يدخله إلا بوجه خصوصي، فضلا عن دفع نقود في سبيل ذلك. و بالوسيلة ذاتها أمكنني، مع اثنين من الرهبان الكبوشيين، الدخول فيه، و لكننا أجبرنا على خلع نعالنا قبل السماح لنا بالدخول. و في وسط الجامع ضريح مغطى بسجادة فارسية منسوجة من الحرير و الفضة، و في كل ركن من الضريح شمعدان نحاسي كبير فيه شمعة من شمع النحل، هذا إلى جملة من القناديل و بيض النعام مدلاة من السقف. و وجدنا جمعا كبيرا من المسلمين خارج المسجد، و في داخله رأينا درويشين يتلوان القرآن.

و على رمية بندقية من الموصل، إلى شمالها الشرقي، أطلال دير كبير متهدم، يحيط به سور عال ما زال معظمه قائما (2).

لقد مكثنا في الموصل عشرة أيام، و بعد أن تزودنا منها بكل ما نحتاج إليه لبقية سفرنا، غادرناها قاصدين أصفهان.

____________

(1) انظر الملحق رقم (9).

(2) انظر الملحق رقم (10).

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

الفصل الخامس (من الكتاب الثاني من الرحلة) نسخة الكلام على الطريق من نينوى إلى أصفهان‏

بعد أن عبرنا دجلة، نزلنا في مكان على مسيرة ثلاثة أرباع من نينوى منتظرين تجارا أزمعوا على السفر مع قافلتنا. و لم نسلك الطريق المعتاد إلى بلاد فارس، بل سرنا في طريق يقل فيه دفع الرسوم، ذلك إلى كونه أقصر مسافة.

و تقطع القافلة ما بين حلب و أصفهان بثمانية و خمسين يوما. إننا من ضفاف دجلة حتى المكان الذي نزلنا فيه مساء ذلك اليوم، لم نمر بغير خرائب متصلة، مما حملني على الاعتقاد أنها البقعة التي كانت تقوم فيها نينوى القديمة.

و قد مكثنا يومين قرب المسجد (1). و الذي يتناقله المسلمون، إن يونس دفن فيه. لقد اخترنا رجلا كرديا أي أشوريا (2) ليتزعم قافلتنا (أي يصير كروان باشي). و مع أنه يشك في أمانته فقد كان اختيارنا له ضربا من السياسة، لأنه كان علينا اجتياز بلاد آشور القديمة التي تسمى الآن كردستان، و هذه بقعة يتكلم أهلها لغة خاصة بهم.

و في اليومين الأولين من السفر، عبرنا جدولين يأتيان من الجبال و يصبان في دجلة. و كان أول سفرنا في بسيط من الأرض بموازاة ضفة جدول. و في مساء اليوم الثاني نزلنا عند نهر كبير ينحدر من الجبال الشمالية و يجري جنوبا فيصب في دجلة، و يسمى بهرز (3)(Bohrus) ، و تياره سريع عنيف، و هو زاخر

____________

(1) يريد به مسجد النبي يونس، و قد مر ذكره.

(2) يريد به كرديا ساكنا بلاد آشور. و قد سبق للمؤلف في الفصل الماضي أن سمى كردستان بلاد آشور.

(3) انظر الملحق رقم (11).

46

بالسمك و خصوصا سمك سليمان. و قد ظلت القافلة في عبورها هذا النهر يومين لعدم تيسر القوارب هناك. فكان على الناس أن يربطوا أعمدة خشبية طويلة، و الواحد فوق الآخر، يسميها الأهلون هناك «الكلك»، و هم يصنعونه بشكل مربع، و يضعون تحته نحو مائة جراب منفوخ بالهواء لتجعل الكلك يطفو على وجه الماء دون أن يلامس خشبه. و على التجار أن يحتاطوا بوضع لبابيد ثخينة فوق الكلك لئلا يتسرب الماء إليهم و تتبلل أحمالهم. و في زوايا الكلك الأربع، خشبات تقوم مقام المجاذيف، و لكن فعلها ضئيل بإزاء قوة التيار. و لهذا، ينبغي سحب الكلك ضد التيار إلى مسافة أربعمائة أو خمسمائة خطوة، و من ثم يجذف مع التيار حتى يبلغ المكان الذي يراد إنزال الأحمال فيه في الجانب الآخر. و بعد تفريغ الأحمال، على الملاحين أن يرفعوا الكلك من الماء، و يفكوا الجربان و يحملوها على بغال معدة لهذا الغرض. إن أصحاب الخيل و البغال و الحمير هناك، سواء أكانت للحمل أم للركوب، حالما يرون قافلة قادمة، يهرعون بها إلى ضفة النهر، و ليس عليهم إلا وزرة من قماش أو من جلد الماعز، يسترون بها عوراتهم، أما ثيابهم فينزعونها و يلفونها على رؤوسهم كأنها العمامة. و يربط كل منهم تحت بطنه جرابا منفوخا فيتقدم اثنان أو ثلاثة من أمهرهم راكبين أحسن الخيول الملجمة، فينزلون في الماء و يتبعهم البقية سباحة، سائقين خيلهم أمامهم. و قد قبض كل منهم ذيل دابة بإحدى يديه و بالأخرى يسوقها. فإن وجدوا حصانا أو حمارا ضعيفا، ربطوا تحت بطنه جرابا منفوخا عونا له. فإذا أدركنا هذه المصاعب، اتضح حين ذاك أن ما يستغرقه عبور قافلة من خمسمائة أو ستمائة دابة لا يقل عما ذكرنا.

و بهذا الوجه عبرت القافلة، و لكنها سارت في اليومين أو الثلاثة الأولى من سفرها في طريق ردي‏ء جدا، لأن الخيل في اليوم الأول من السفر كانت تسير في مياه تبلغ ركبها دون انقطاع. و في اليوم الثاني و شطر من الثالث كانت تسير في قفار موحشة لم نجد فيها لخيلنا علفا ما، عدا عن أحطاب قليلة لطبخ رزنا. و بعد اجتيازنا هذا الطريق الردي‏ء بلغنا نهرا يقال له الزاب الكبير (1)

____________

(1) انظر الملحق رقم (11).

47

( Great Zarbe )

فعبرناه فوق قنطرة حجرية (1) تتألف من تسعة أقواس. و يروي الأهلون أن هذه القنطرة أقامها الإسكندر الكبير عند مسيره لمناجزة دارا. و على قيد ربع فرسخ من جنوب شرقي القنطرة، يلتقي نهيران يصبان في دجلة و بعد اجتيازنا القنطرة، بلغنا بلدة يسمونها شهرزور(Sherazour) و هي مبنية على نشز من الأرض، فيها ثلاثة متاريس، و يقيم فيها «باشا» لا مندوحة للقافلة أن ترشيه بهدية و لو صغيرة، و ذلك كي يسمح لها بالمرور من هناك. و نزلنا عند ضفاف نهر و لبثنا هناك يومين. ثم سرنا يوما في جبال جرد لا ماء فيها. على أننا في اليوم الثاني انتهينا إلى سهل مبهج تكثر فيه الأشجار المثمرة، و ما هذا إلا سهل إربل الذي تغلب فيه الإسكندر على دارا (2)، و يبلغ طوله خمسة عشر فرسخا، و تسقيه جداول عديدة. و في وسط الجبل تل صغير محيطه نحو نصف فرسخ كسته الطبيعة بأجود أشجار البلوط التي لم ير مثلها. و فوق قمته خرائب حصن تدل على أنه كان بناء عظيما. و يروي أهل تلك البقعة أن دارا مكث في هذا الحصن أثناء اشتباك رجاله بالمعركة مع الإسكندر. و على ثلاثة فراسخ من هذا الحصن، قرب جبل عظيم يتجه شمالا، بقايا حصن آخر وعدة بيوت، يتناقل الأهلون فيما بينهم أن دارا حمى بعض نسائه فيها لما خسر المعركة.

و يقوم هذا الحصن فوق بقعة جميلة المنظر. و في حضيض الجبل عين ماء، تنساب مسيرة ربع فرسخ، ثم تصب في نهر صالح لسير القوارب الكبيرة.

و هذا النهر يتلوى بين الجبال متجها جنوبا، يحيث إنك بعد مسيرة يومين من التل تعبر هذا النهر ثانية قرب بلدة يقال لها شهرزور، فوق قنطرة من الحجر ذات تسعة أقواس، و هي التي أمر الشاه عباس الكبير بهدم ثلاثة من أقواسها بعد استيلائه على بغداد.

____________

(1) لعل تافرنييه يريد بها، قنطرة أسكي كلك، التي هدمت، و أقيم بجانبها في السنوات الأخيرة جسر حديد ثابت.

(2) جرت الموقعة بين الاسكندر و دارا في بقعة كوكاميلا قرب إربل، سنة 331 قبل الميلاد، و كان النصر فيه للإسكندر. و تعد هذه المعركة من المعارك الفاصلة في تاريخ العراق القديم.

48

و شهرزور بلدة تختلف في بنائها عن أي بلد في تلك الأنحاء، فجميعها منحوت في الصخر بما يبلغ امتداده ربع فرسخ، و لهذا عليك أن ترتقي بيوتها بمرقاة تتألف من خمس عشرة إلى عشرين درجة، و أحيانا أقل، بنسبة ارتفاع المكان الذي تقصده. و ليس لمداخل بيوتها أبواب، بل لها أحجار مستديرة تشبه حجر الرحى، يدحرجونها حين الدخول أو الخروج. و حافات الحائط نقرت بوجه يستوعب هذا الحجر. كما هي الحال في العلبة و غطائها، إذ يصبح الحجر باستواء واجهة الجبل عند وضعه على الباب.

و تبدو أعالي بيوتهم كالروازين في الجبال، و قد اتخذ الأهلون مغاور لحفظ ماشيتهم فيها، و من ذلك نحكم أنها نقرت لتحمي السكان من عرب ما بين النهرين و بدوهم.

انتهينا إلى شهرزور في ليلة عيد الفصح، و مكثنا هناك ثلاثة أيام طلبا للراحة بعد صوم تمسكنا به. و قد رأيت هنا ينابيع يخرج منها الماء بفقاقيع كبيرة. و بعد أن مزجت هذا الماء بكأسين من الخمر و شربته وجدت له خاصية الإسهال، كما أنه ذو مذاق معدني. إن ماء هذه العيون يغلي قرب ضفة نهر يسمى ألتون صو أو نهر الذهب الذي يصب في دجلة، و بعد مسيرة ثلاثة أيام من مصبه يصل المرء إلى بغداد.

و في اليوم التالي، نزلنا بلدة حقيرة على الحدود بين تركيا و إيران‏ (1).

و في اليوم الذي يليه، و هو اليوم الخامس بعد مغادرتنا نينوى مررنا بعدة مناقع و مياه حارة تفصل بين الامبراطوريتين. و هكذا دخلنا في بلاد فارس، و صادفنا جبلا شامخا تغطيه أشجار البلوط التي تحمل العفص. و لعلو هذا الجبل الشاهق، استغرقت القافلة بضع ساعات لبلوغ قمته. ولدى صعودنا هذا الجبل، و خاصة عندما أدركنا قمته، سمعنا طلقات بندقية تدوي في الفضاء، فظننا بادئ الأمر أن أناسا يصطادون الخنزير البري أو الغزال مما تكتظ به‏

____________

(1) يقصد الحدود بين إيران و العراق. لأن العراق كان حينذاك في ضمن الامبراطورية، و يسميها الإفرنج أحيانا تركيا.

49

الجبال، و لكن صوت الرصاص كان أقوى و أشد مما يستعمله الصيادون.

فتأهبنا للأمر. و كان من الواجب التدبر في مسيرنا لو كنا نعلم ما سيجابهنا من أمر، إذ تذكرت أن الأهلين هناك لا يبيعون شيئا إلا مقابل بارود أو رصاص.

و كان الكروان باشي قد نصحني مرة أن لا أقايضهم خشية أن يستعملوا ما يأخذونه منا ضدنا. ثم انحدرنا من الجبل إلى سهل خصيب تسقيه عدة أنهر.

فالمقاطعة التي اجتزناها حتى الآن، تؤلف القسم الأعظم من بلاد آشور القديمة.

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

الفصل السادس (من الكتاب الثاني من الرحلة)

[ملاحظة: و في رحلة تافرنييه الرابعة الموصوفة في الفصل السادس من الكتاب الثاني، التي بدأ بها في 18 حزيران سنة 1651 م، بخروجه من باريس مارا بمرسيليا، و منها إلى سردينيا، فتونس، فبانتيلاريا، فصقلية، ثم مالطة، فكريت، و منها اجتاز بحر المورة، فوصل إلى قبرص، و منها إلى ساحل سوريا في خليج انطاكيا، فالإسكندرونة، و منها إلى حلب‏] قال بعد ذلك:

و في الثالث عشر من كانون الأول (1651 م) توجهنا نحو نينوى بطريق يختلف قليلا عما سلكته في رحلتي الثالثة من باريس و وصفته في وقته. وصلنا في اليوم الثاني من شباط (1652 م) مدينة الموصل أو نينوى، فمكثنا فيها إلى اليوم الخامس عشر منه، و ذلك إلى أن تهيأت الأكلاك، و هي سفن ذلك البلد.

و كان في كلكنا ثلاثون مسافرا و أحمال كثيرة. فسار بنا الكلك فوق دجلة، من الموصل إلى بابل. (1)

____________

(1) إن غير واحد من الرحالين الأقدمين قد خلطوا بين الموصل و نينوى كأنهما شي‏ء واحد. كما أنهم ذهبوا إلى أن بغداد هي بابل، و كل ذلك من الأوهام الظاهرة التي لا تخفى على من له اقل الوقوف على بلدان العراق.

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

الفصل السابع (من الكتاب الثاني من الرحلة) مواصلة الطريق الذي سلكه المؤلف في رحلته الرابعة في آسيا، و خاصة سفره في دجلة من نينوى إلى بابل (بغداد)

في الخامس عشر من شباط (1652 م)، تحركنا من الموصل، و بعد أن جرى الكلك بنا ست ساعات، رسونا قرب حمام حار المياه، على بعد رمية بندقية من دجلة، و كان مزدحما بالمعلولين الذين أمّوه للاستشفاء من كل حدب وصوب‏ (1). و قد أقمنا على حراسة الكلك طوال الليل، و لكن بالرغم من تيقظنا فقد سرق الأعراب غطاءين من أحد التجار و ثيابا من رجل تركي كان قد نزل إلى الحمام.

و في اليوم السادس عشر منه، بعد أن جذفنا حوالي خمس ساعات، بلغنا سدا ضخما (2)، عرضه 200 قدم، و يشكل شلالا في النهر انحداره عشرون قامة.

و يقول العرب إن الإسكندر الكبير قد أقامه رغبة منه في تغيير مجرى النهر، بينما يقول غيرهم إن دارا هو الذي أمر ببنائه لصد مرور المقدونيين الآتين بطريق الماء (3). و مهما يكن من أمر هذا السد، فقد اضطررنا إلى النزول برا مع أحمالنا، فحملناها على الدواب التي جاءنا بها العرب.

إن عبور هذا السد لأمر جدير بالمشاهدة، لأنه من العجيب أن ترى الكلك يهوي بغتة من علو 120 قدما، و هو محافظ على موازنة جريانه فوق‏

____________

(1) انظر الملحق رقم (12).

(2) ورد في حاشية خطية في كتاب الرحلة، تعليقا عل هذا السد: إنه بني من حجارة كبيرة تصلبت بمرور الأيام فأصبحت كالصخر.

(3) راجع الملحق رقم (13).

54

الماء بواسطة الجربان. و يربط ملاحو الكلك أنفسهم و مجاذيفهم ربطا و ثيقا بمرابط مقوسة بهيئة نصف دائرة، ليحموا أنفسهم من قوة الماء. و في الحقيقة، إن هذا السد هو الذي يجعل من دجلة نهرا غير صالح للملاحة.

ثم جاء الكلك إلى المكان الذي كنا ننتظره فيه، فوسقنا أحمالنا، و رسا حيث كنا من ضفة النهر. و من عادة الأعراب أنهم إذا شعروا بنوم التجار، يقطعون حبال الكلك و يتركونه يبتعد عن حافة النهر، فيتبعونه سباحة، و يسرقون منه ما راق لهم.

و في اليوم السابع عشر، بعد تجذيف ثلاث ساعات، التقينا بنهر الزاب الذي يصب في دجلة من جهة بلاد كلدية. و على نصف فرسخ من النهر حصن‏ (1) من الآجر على تل صغير، مهجور فأدى ذلك إلى خرابه. مكثنا فوق الماء في هذا اليوم اثنتي عشرة ساعة، ثم رسونا في حويجة، و أوقدنا نارا عظيمة، و أطلقنا بنادقنا غير مرة لترويع الأسود (2).

و في اليوم الثامن عشر، لبثنا في الكلك ثماني عشرة ساعة، و رسونا على ضفة النهر، عند الجهة الآشورية. و في المساء جلب لنا الأعراب لبنا و زبدة، لقد جاءوا إلينا سابحين من ضفة النهر الأخرى و تحت بطونهم جربان و أخرى فوق رؤوسهم فيها ما جلبوه لنا، و هم لا يتقاضون عنه نقودا بل تبغا (3) أو كعكا أو فلفلا.

____________

(1) لعل الحصن المشار إليه، من بقايا «السن» و هي مدينة داثرة كانت على مصب الزاب الأسفل.

(2) كان الاسد، في الأزمنة القديمة، كثير الوجود في جهات العراق. و يؤخذ من الآثار المستخرجة من خرائب المدن الأشورية، أن ملوك أشور كانوا من أمهر صيادي الأسود و أشجعهم. و الظاهر ان الأسود كانت في زمن تافرنييه ترتاد أراضي العراق.

على أنها أخذت تقل بمر السنين حتى أننا لا نسمع بوجودها اليوم إلا في النادر جدا.

(3) في هذا إشارة إلى استعمال التبغ في العراق قبل ثلاثمائة سنة، و هو خبر طريف.

و للأستاذ يعقوب سركيس بحث مطوّل في هذا الشأن بعنوان: «التتن في العراق: وجوده وزرعه، قبل نيف و ثلاثمائة عام» و قد نشر في مجلة غرفة تجارة بغداد سنة 1941.