رحلة بنيامين التطيلي‏

- بنيامين بن يونة التطيلي المزيد...
405 /
5

أولا رحلة بنيامين التطيلى، دراسة و تعليقات‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

رحلة بنيامين التطيلى دراسة و تعليقات د. عبد الرحمن الشيخ‏ بدأ بنيامين التطيلى رحلته التي نحن بصددها في حدود سنة 1165 م الموافقة لسنة 561 ه أو قرابة سنة 4926 من بدء الخليقة حسب التقويم العبري. و هذا يعني أنه حين بدأ رحلته خارجا من سرقسطه (سراكوزه) لم تكن سرقسطه تحت الحكم الإسلامي، فقد كان قد مضى- وقت خروجه منها- خمسون عاما على سقوطها في أيدي القوى المسيحية. و إذا كان بنيامين يهدف في الأساس إلى زيارة العالم الإسلامي زيارة تعرّف و معرفة- كما ذكر المترجم الأستاذ عزرا حدّاد في مقدمته- باعتبار العالم الإسلامي- و هذا صحيح- كان هو الملجأ و الملاذ ليهود شبه جزيرة أيبيريا (*) الذين كانوا يشهدون أيّاما سودا في كل منطقة ينتهي فيها الحكم الإسلامي، و باعتبار العالم الإسلامي هو الملجأ و الملاذ ليهود سائر أوربا في العصور الوسطى الذين كان الأوربيون يعاملونهم معاملة دونها بكثير معاملة الأنعام، و ينظرون إليهم نظرة ملؤها الكراهية و الاحتقار. لكن إذا كان التعرّف على العالم الإسلامي هو هدفه، فلماذا لم يتجه جنوبا ليجول في شبه الجزيرة الأيبيرية؟ و لماذا لم يعبر بحر الزقاق (مضيق جبل طارق) ليصل إلى طنجة أو سبتة ثم يتخذ طريقه عبر المغرب العربي إلى مصر فسائر أنحاء العالم الإسلامي؟ أ لم يكن هذا الطريق يبدو منطقيا أكثر من اتجاهه‏

____________

* إسبانيا و البرتغال حاليا.

8

شمالا فشمالا بشرق ثم اتجاهه إلى إيطاليا فالدولة البيزنطية، ليهبط بعد ذلك جنوبا إلى سائر بلاد العالم الإسلامي التي زارها أو قال إنه زارها، ثم يتجه إلى الصين ليعود إلى شواطئ الهند فسواحل شبه الجزيرة العربية ثم يعبر البحر الأحمر ليصل إلى أسوان و يستمر هابطا مع نهر النيل ليصل إلى القاهرة و الفسطاط و يزور صحراء شبه جزيرة سيناء ثم يعود إلى قوص في صعيد مصر ثم يرجع الفسطاط ثم يصل بطريق ما إلى الإسكندرية و منها إلى صقلية. لماذا هذا الطريق الذي لا يبدو أنه الأسهل؟ ثم لماذا تردده أكثر من مرة على مواضع بعينها في مصر التي قطعها من الشمال إلى الجنوب و من الجنوب إلى الشمال أكثر من مرّة؟

إن لدينا إجابة واضحة لتخلّى بنيامين عن الاتجاه جنوبا داخل شبه جزيرة أيبيريا. فقد أجمع كلّ المؤرخين الأوربيين و اليهود أنّ حضن الحكومات الإسلامية كان هو الحضن الوحيد الذي لا يأمن اليهود لحضن سواه طوال العصور الوسطى، و طوال قرنين في التاريخ الحديث (بعد سقوط غرناطة)، و كان الحكم الإسلامي يتراجع في شبه الجزيرة الأيبيرية تراجعا واضحا منذ القرن الحادى عشر للميلاد، و حتى لا تطول هذه الدراسة أكثز مما هو مقدّر لها نكتفي بتتبع الحال في الأندلس منذ قيام دولة الموحدين إلى قيام مملكة غرناطة (552- 630 ه/ 1157- 1232 م) لأنّ بدايات هذه الفترة تسبق بقليل رحلة بنيامين كما أن نهايتها تتأخر بقليل بعد نهاية رحلته. و قد اعتمدنا في كثير مما نقدمه بهذا الصدد على أطلس تاريخ الإسلام لحسين مؤنس و إن‏

9

كانت الكتابات في هذا الموضوع كثيرة.

بعد وفاة خليفة الموحدين الرابع محمد الناصر تصدّعت قوى الدولة الموحّديّة أو دولة الموحّدين- و هى الدولة التى خلفت دولة المرابطين في حكم المغرب و الأندلس- و كان سبب هذا التصدّع هو الصّراع الذي نشب حول الخلافة، و ذلك لأن الخليفة الموحّدي الخامس و هو المستنصر عيّن أخاه أبا العلا إدريس المأمون على الأندلس، و كان أبو العلا المأمون قصير النظر إذ إنّه عندما وجد أخاه أبا عبد الله محمد والي مرسّيّه يعبر إلى المغرب و يطالب بالخلافة و يتلقّب بالعادل، سارع هو بدوره و جمع قواته و أعلن نفسه خليفة و تلقّب بالمأمون قرابة سنة 633 ه/ 1236 م و عبر إلى المغرب تاركا الأندلس دون غطاء عسكري مما فتح الباب واسعا أمام تقدّم ممالك أسبانيا النصرانية.

و الواقع أنّ اهتزاز الحكم الإسلامي و بداية انحساره في الأندلس كان قد بدأ حتى منذ أيام المرابطين أو قبل ذلك، فقد كانت مملكة قشتالة و ليون النصرانية قد تطوّرت من مجرّد وحدة سياسية متنافسة مع غيرها من الوحدات إلى أكبر دولة في شبه جزيرة أيبيريا، نتيجة استيلائها على إمارة طليطلة، فتضاعف ثراؤها و قوتها، و كذلك كان الأمر بالنسبة إلى أرجون التي لم تكن في بدايتها سوى دويلة صغيرة من الدويلات المسيحية في الركن الشمالي الغربي من شبه الجزيرة، فأصبحت مملكة كبيرة غنية بعد استيلائها على سرقسطة و ضمّها بلاد الثغر الأعلى الأندلسي إلى أراضيها، و تم ذلك في سنة 512 ه/ 1118 م أى أيام المرابطين، و كان القائم بهذا الجهد العسكري الكبير هو

10

ألفونسو المحارب‏Alfonso I Battalador و قد سقطت سرقسطة دون حرب بسبب صراع أسرة بنى هود الحاكمة.

و قد دخل الموحّدون الأندلس في أواخر سنة 555 ه/ 1160 م كما أسلفنا، و لاقوا معارضة من بعض قبائل الأندلس من بقايا المرابطين (بنى غانية) و رغم أنّ التاريخ شهد لهم بانتصارات عظيمة (كمعركة الأرك المشهورة (Alorocos، إلّا أن الخطّ العام للوجود الموحّدى في الأندلس كان مائلا للانحدار.

ما كان بنيامين التطيلى اليهودي ليسلك هذا الطريق الجنوبي المضطرب. لكن أكان بنيامين يتوقع أن يسود الوجود الإسلامي في شرق أوربا أو في الممتلكات البيزنطية في أوربا عامة، فاتخذ- لهذا- الطريق الشمالي؟ ربما، خاصة و أن هذا الوجود أو هذا الامتداد الإسلامي في الأناضول و شرق أوربا كان متزامنا مع التراجع الإسلامي في شبه جزيرة أيبيريا بطريقة تدعو للدهشة و التأمّل، فمنذ أواخر القرن الحادي عشر للميلاد كان الوجود الإسلامي في تقهقر واضح في شبه جزيرة أيبيريا، ففي سنة 1085 سقطت طليطلة، و في الفترة نفسها تقريبا كان ألب أرسلان السلجوقي (1063- 1072) يطرد البيزنطيين من معظم آسيا الصغرى، و طوال هذه الفترة و ما بعدها كان الأتراك يهاجرون غربا إلى آسيا الصغرى بالذات متتبعين خطى السلاجقة، أبناء عمومتهم، و من الطرف الآخر للعالم الإسلامي سقطت قرطبة في سنة 1236 ثم استمر الزحف المسيحي فسقطت إشبيلية في سنة 1248.

لقد بدا الإسلام في أيبيريا أو الطرف الغربي للعالم الإسلامي مضعضعا

11

على وشك الانهيار. و في سنة 1453 سقطت القسطنطينية في يد المسلمين الأتراك، ففزعت أوربا كلها و استدارت تاركة الانتصارات المسيحية في أيبيريا. إن الإسلام من هذا الباب القسطنطيني أصبح أقرب لأوربا من حبل الوريد. ففي الفترة التي قام فيها بنيامين برحلته كانت بشائر المد الإسلامي في الأناضول و شرق أوربا قد هلّت و لم يكن سقوط القسطنطينية هو بداية هذا المد.

ليس مستبعدا إذن أن يكون هذا الوجود الإسلامي الفعلي أو المرتقب هو دافع بنيامين لاتخاذ هذا الطريق الشمالي .. إنه البحث عن الحضن الإسلامي، و حتى لا تبدو هذه الأقوال من قبيل المبالغة نفضّل هنا الرجوع إلى مراجع كتبها يهود فالأستاذ عزرا حداد يذكر لنا بعد الرجوع للموسوعة اليهوديةjewish Encyclopaedia في طبعتها الصادرة سنة 1902 و غيرها من المصادر أن اليهود في سرقسطة زاد عددهم في ظل الحكم الإسلامي و ازدهرت أحوالهم و كثرت معابدهم، و بعد خروج المسلمين منها (أى سرقسطة) شهدوا أياما سودا و بلغت مأساتهم فيها الذروة في سنة 1391، و كانت سرقسطة- كما هو معروف- قد خرجت من أيدي المسلمين في سنة 1118 م (512 ه) لم تكن بلدة بنيامين (تطيلةTudela ) و لا سرقسطة التي بدأ منها رحلته ضمن نطاق الأندلس أو أسبانيا المسلمة يوم خرج منها بادئا رحلته التي نظن أن هدفها هو تقديم تقرير للمسئولين الدينيين اليهود في شبه جزيرة أيبيريا لتوضيح الأماكن التي يمكن أن يلجأ اليهود إليها هروبا من الاضطهاد المسيحي. و هذا ما سيتضح في أكثر من سياق في‏

12

هذه الدراسة

لقد كان اليهود من بين العناصر التي رحّبت بالفتح الإسلامي للأندلس بل و مدّوا له يد العون، لذا فقد ظلّ مسيحيو الأندلس يعادونهم عداء مريرا، بل إن هناك من الدراسات ما يؤكد أنّ السلطات المسيحية بعد سقوط غرناطة- و طوال قرن و نيف- كانت لا تتهاون في إخراج اليهود بالذات و لم تكن تقبل منهم حتى التحوّل إلى النصرانية، أما على المستوى الشعبي فقد كان شعب إسبانيا غير راض عن طرد المسلمين لأنهم كانوا يمثلون طاقة عاملة لها شأنها بل كانت الأسر النصرانية تخبئ المسلمين مما جعل السلطات المسيحية مضطرة لجلب جنود من أوربا من خارج إسبانيا للمعاونة في التفتيش على المسلمين و طردهم. نعلم أن هذه الفترة خارج نطاق الفترة الزمنية التي قام فيها بنيامين برحلته، لكن منهجنا في كتابة التاريخ أو بالأحرى فهمه لا يكتفى بالرجوع للوثائق و المصادر الروائية، و إنما بالإضافة إلى ذلك يستعين بالأحداث التاريخية التى وقعت بعد الفترة التي نؤرّخ لها، و يستعين باللغة المتداولة الآن، و الوقائع الجارية الآن، و المعاني المبثوثة الآن لتفسير وقائع مضت، فحوادث التاريخ سيل مستمر، و تقسيمها إلى قديم و وسيط و حديث من فعل البشر لا من فعل طبيعة الأحداث .. و كان هذا التقسيم لأسباب عمليّة لا لأسباب علمية خالصة أو لأسباب فلسفية محضة. لكن لا بد على أي حال من وضع بعض المحاذير على هذا المنهج حتى لا تختلط الأمور.

لذا فإننا نجتزئ بعض الصفحات من مبحث يتناول موقف أهل شبه‏

13

جزيرة أيبيريا من كلّ من المسلمين و اليهود، بعد سقوط غرناطة، و لا ننفي أنّ تكون المشاعر ذاتها كانت موجودة في أوقات سبقت:

«لا يتناول هذا البحث أفكارا ... عن موقف الإسبان من المسلمين عقب سقوط غرناطه و طوال القرن السادس عشر و حتى أخرجوا من ديارهم نهائيا في مطلع القرن 17. و تثبت هذه الدراسة من خلال وثائق منشورة. أن عامة الناس و أصحاب الأراضي و المصانع خاصة لم يؤيدوا إخراج المسلمين لما في ذلك من أضرار اقتصادية ستحيق بالبلاد، و هذا ما أثبته التاريخ بعد ذلك. لم يكن إخراج المسلمين عقب سقوط غرناطة- إذا- مطلبا شعبيا و إنما مطلب كنسي عارضه العامة، و عارضه حكام الولايات ... فقد كان عداء الإسبان لغير المسيحيين منصبا في الأساس على اليهود لأسباب دينية و عرقية و اقتصادية و الذين أجبروا على الخروج و لم يقبل منهم حتى التحول للمسيحية هم اليهود و ليس المسلمين الذين ترك لهم في البداية حرية الاختيار بين الإقامة و الرحيل ثم ما لبث الكنسيون أن فرضوا رأيهم فأصبح الخيار محصورا بين الرحيل أو قبول التعميد، و في مطلع القرن 17 أجبروا جميعا على الرحيل».

14

[تصوير]

15

[تصوير]

16

كما لم يطل بنيامين المكوث في الأرض الأيبيرية التي فيها درج و شبّ، نجده لم يطل أيضا في الأرض الفرنسية التي كانت تشهد حقبة الملكية الإقطاعية إذ استطاع ملوك كابيه في فرنسا في الفترة من 1100 إلى 1223 أن يجعلوا من أنفسهم ملوكا إقطاعيين، و كان ملوك أسرة كابيه يعتبرون أنفسهم- و هم بالفعل كذلك- خلفاء لشارلمان (الأسرة الكارولنجية التي خلفت الأسرة الميروفنجية) على مملكة الفرنجة الغربيين (الفرنجة الشرقيون كونوا فيما بعد الإمبراطورية الرومانية المقدسة) لكنّهم في البداية كانوا ملوكا ضعافا، و لم يكن الكونتات (المفرد: كونت) موظفين عندهم بل كانوا سادة أقوياء و خرج من أيدى الملوك ما كان للكارولنجيين من أراض خاصّة، و لم يبق للملك سوى الهيبة التي بسطتها عليه الكنيسة الكاثوليكية في روما، و ساعدت الكنيسة أسرة كابيه في تسلسل وراثة العرش بأن جعلت من حق الملك أن يتوّج أكبر أبنائه ملكا في أثناء حياته. و على أية حال لم يكن ملوك أسرة كابيه من القوة بحيث يثيرون مخاوف السّادة الإقطاعيّين. لكن منذ فيليب الأول (1060- 1108) أدرك الملوك الفرنسيون أنّه ليس بمباركة الكنيسة و وراثة العرش و حدهما يكونون ملوكا أقوياء و إنما بالرجال و المال (الضّياع) و من هنا بدأ نمو الملكية الإقطاعية.

تلك هى الظروف التاريخية التي كانت عليها فرنسا عندما زار بنيامين أربونة و بيزيه‏Bezier و مونبلييه‏Monrpellier و لونل‏Lunel و بوسكيارPosquieres و نوغرس‏sr .Giles و آرل‏Arles و مرسيليا

17

Marseilles

و كلها جنوب شرق فرنسا أو في أطرافها مما يشير إلى أنها كانت مجرّد منطقة عبور و لا تزيد تعليقات بنيامين على هذه المدن عن ذكر عدد اليهود بها- كما هو الحال في غالب تعليقاته.

و من مرسيليا اتّجه بنيامين بحرا إلى شبه الجزيرة الإيطالية، و أبدى‏ [تصوير]

18

[تصوير] (*)

____________

* تقسيم الإمبراطورية الكارولنجية و بداية ظهور الملكيات الإقطاعية و في فرنسا زاد نفوذ الكنيسة في بداية هذه المرحلة ثم بدأ يقل شيئا فشيئا.

19

كثيرا من الملاحظات المفيدة و التي لا يمكن فهمها و تذوقها إلا بتتبع أصولها التاريخية في الأحداث السابقة عليها، و تتبع دلالاتها الأنثروبولوجية في الأحداث التي تلتها، و عادات الشعوب و توجهاتها حتى في هذا التاريخ المعاصر. و نبدأ الآن بوضع شبه الجزيرة الإيطالية (1).

لم يكن فريدريك بارباروسا واقعيا في نظرته لحدود حكمه المركزي، فقد أرسل في أواخر أيامه إلى صلاح الدين الأيوبي يقول: «أ تزعم أنّك لا تعرف أنّ أثيوبيا و موريتانيا و فارس و سوريا و بارتيا و يهوذا و السامرة و بلاد العرب و كلديا و مصر ذاتها، أ تدعي أنّك لا تعرف أنّ أرمينية ذاتها و أن عددا لا حصر له من البلاد، خضعت لسلطاننا ...» و هذه الفقرات تفسر دعاويه في إيطاليا إذ طالب بأن تكون له من الحقوق ما كان للإمبراطور الروماني الحقيقي ... لقد أراد أن يعود إلى الزّمن الغابر ليبعث أمجاد الإمبراطورية القديمة، لكنّ الظروف كانت قد تغيّرت و الإمكانات لم تكن تساعد، فأثار بذلك عداوة القوى الثلاث الكبرى في إيطاليا في القرن الثاني عشر و هي النورمان و البابويه و الكيانات اللومباردية، (و في ظل إيطاليا التي تحكمها هذه القوى كانت رحلة بنيامين لإيطاليا)

____________

(1) أعدنا تلخيص المادة التاريخية و عرضها من الكتابين التاليين لتوفرهما بين أيدينا، و إن كانت هذه المعلومات يمكن الوصول إليها من أية مراجع أخرى:

- سعيد عبد الفتاح عاشور، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، 1972- السيد الباز العريني، تاريخ أوربا العصور الوسطى، 1968.

20

[تصوير] شبه الجزيرة الإيطالية في أيام رحلة بنيامين لم يكن يربطها بالإمبراطورية الرومانية المقدسة سوى رباط شكلى، فكان كل كيان من كياناتها يعمل لحسابه.

21

«... و فشل فريدريك في تحقيق خططه، و مع أنّه استولى على روما في سنة 1167 فإنّ معظم أوربا لم تقبل البابا الذي نصّبه .. و لم يعد بوسعه الاستيلاء على صقلية النور مندية كما أنّ البابا اسكندر الثالث نجح في حمل القومونات اللومبارديّة على أن تنبذ العداوات الإقطاعية و أن تتحد من أجل حريتها، و في سنة 1167 تألف حلف من ست عشرة مدينة منها فيرونا و بدوا و البندقية فضلا عن المدن اللّومباردية- و عرف هذا الحلف بالعصبة اللّومبارديةSocietas Lombardia و كان يهدف إلى الاحتفاظ بحرية القومونات. غير أنّه لم يشأ أنّ يدمّر نهائيا سلطة الإمبراطور. و في سنة 1167 حلّت الهزيمة العسكرية بالإمبراطور في مواجهة اللّمبارديين، فصالح البابا اسكندر الثالث و النورمان و اللمبارديين و تخلّى عن كلّ دعاويه في إيطاليا.

كان البابا الذي حدّثنا عنه بنيامين في رحلته هذه هو البابا اسكندر الثالث المستقل عن الإمبراطور و المختلف معه، بل و الذي خاض الحرب ضدّه.

إلى هنا نكتفي بالعرض التاريخي البسيط لتوضيح دلالات الرحلة و لنستطرد بعد ذلك في معان أعمق.

أوّل ما يستوقفنا قلّة عدد اليهود في المدن الإيطالية من ناحية، و التزامه بذكر عددهم في كل مدينة و هو مالم يفعله عند حديثه عن شبه جزيرة أيبيريا و جنوب شرق فرنسا، فلم يكن في جنوة إلّا يهوديان، و لعلّهما كانا متخفّيين أي لم يعلنا هويتهما اليهودية.

و عرض المعلومات هنا بصورة جدولية يجعلها أكثر وضوحا و يساعدنا على مزيد من الاستنتاجات:

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

مسلسل- المدينة- عدد اليهود 1- جنوة 2 2- بيزة 20 3- لوكه‏Lucca 40 4- روما 200 5- كابوه 7 6- فوزولى‏Pouzzuoli (؟) 7- نابل‏Neapolis 500 8- سلرن 600 9- أمالفى 20 10- بنفنتو 200 11- مالفى 200 12- أشقولى‏Ascoli 400 13- ترانى‏Trani 200 14- نيقولاس دى بارى- 15- طارنت‏Taranto 500 16- برنديزى 10 17- أوطرنت‏Otranto 500 18- جزيرة قرفوcorfu (رغم وقوعها قبالة الساحل اليوناني إلا أنها من ممتلكات البندقية 1 الإجمالي 3399

24

[تصوير] خط سير بنيامين في شبه الجزيرة الإيطالية

25

و بطبيعة الحال ليس هذا كل ما في شبه الجزيرة الإيطالية من يهود، و إنما في المدن التي زارها فقط. و يلاحظ على هذه الأرقام أنّ عدد اليهود يزداد كلما اتجهنا جنوبا أي أنه ينقص كلما اتجهنا شمالا، و تفسير ذلك أنّ كثيرا من مناطق الشمال الإيطالي كانت قد حرّمت على اليهود الإقامة فيها في فترات سابقة، و لم تكن ترحب بإقامتهم في كلّ الأحوال، و لعلّ جنوة خير مثال على ذلك فقد حظرت فيها إقامة اليهود- على ما يظهر- في بداية القرن الحادي عشر للميلاد فيما يذكر الأستاذ عزرا حداد مترجم الكتاب. كما أنّ الخروج من شبه الجزيرة الإيطالية هربا إلى أي مكان آخر كان أسهل من ناحية الجنوب الإيطالي، و الأهم أن جنوب إيطاليا أقرب إلى العالم الإسلامي الذي هو الملجأ و الملاذ ليهود أوربا عند الضرورة، في العصور الوسطى، و في العصر الحديث بدءا من سقوط غرناطة و بعد قيام الدولة العثمانية على نحو خاص‏ (1)

ملحوظة ثانية و هي أنّ مترجم الكتاب (عزرا حدّاد) أوضح في تعليقاته أنّ العرف جرى أن يحصي الباحثون و المؤرخون اليهود عددهم بالبيت أو الأسرة لا بعدد الأفراد، فلا يحصى في هذه الحال إلّا رب الأسرة فقط، و معنى هذا أن عدد اليهود- حتّى لو لمّ يكونوا موجودين إلا في المدن الواردة آنفا- أكثر بكثير من رقم 3200 خاصة

____________

(1) راجع أمثلة واضحة على ذلك في كتاب:

بول كولز، العثمانيون في أوروبا، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، (سلسلة الألف كتاب الثاني).

26

إذا علمنا أنّ زيادة الإنجاب هى توجّه يهودي كما كان في وقت من الأوقات توجها إسلاميا، مع فارق غير كبير في العوامل الكامنة خلف هذا التوجّه، ففي حالة المسلمين تروى أحاديث كثيرة عن الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) في الحث على التناكح لأنّه يؤدي إلى التناسل، مما يجعل النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يباهي بالمسلمين الأمم يوم القيامة، و بصرف النظر عن إساءة التفسير فقد ظل هذا بالإضافة لطبيعة الاقتصاد الزراعي قبل الميكنة عاملا موجها، أما في حالة اليهود فقد كان إحساسهم بقلة عددهم و أنهم شعب مختار دافعا لهم للتناكح و التناسل، لكنه لم يؤت النتيجة المرجوّة ربما بسبب التزاوج الداخلي أي داخل الجماعة العرقية الواحدة، لكثرة الخلافات العقائدية بين اليهود مما يجعل كل جماعة لا تعترف بالزواج الشرعي أو التلمودي من كثير من الجماعات أو الأعراق اليهودية الأخرى، مما جعل أحد الباحثين اليهود يتوقّع انشقاقا عرقيا أو قيام مجتمعين منفصلين داخل كيان إسرائيل بسبب نظم الزواج‏ (1) و الملحوظة الثالثة هي أنه ربما كانت هذه الأرقام التي ذكرها بنيامين غير حقيقية أو أنها مكوّدة؟ أو مشفرة بحيث لا يفهمها إلا اليهود، ذلك أن كتابه هذا لا يمكن أن يدخل في أدب الرحلات بمعناه المتعارف عليه، فالرجل كما سبق القوّل لا يرى في المناطق التى زارها إلا اليهود، و لم يسجّل تقريبا إلا أعدادهم و ما

____________

(1) انظر: ألان انترمان: اليهود، عقيدتهم و شريعتهم، ترجمة و دراسة و تعليق د. عبد الرحمن عبد الله الشيخ. تقديم د. أحمد شلبي. القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب (سلسلة الألف كتاب الثاني)

27

ذكره من أشخاصهم لم يترجم لهم و إنما ذكر أسماءهم و مهنهم و مناصبهم في سلك الكهنوت اليهودي على الأكثر، و كأنّ لسان حاله يقول: من أراد مزيدا من المعلومات فعليه الاتصال بفلان في بلدة كذا .. إنّ كتابه هذا بمثابة دليل تعارف بين يهود العالم، إذا حان وقت الهجرة أو الرّحيل.

ملحوظة أخرى تفسر تفاوت أعداد اليهود في مدن شبه الجزيرة الإيطالية و هى أنّها لم تكن كيانا سياسيا واحدا كما سبق أن أشرنا، و ربما كان اختلاف مواقف الحكومات في شبه الجزيرة وراء هذا التباين، و لم يكن أهل جنوة و كل المدن التجارية يرتاحون لليهود لأسباب أخرى غير دينية، كما كان أهل أسبانيا في أثناء فترة تقدمهم لا ينظرون لأهل المدن الإيطالية، و الجنوبيين منهم خاصة نظرة ارتياح، و إذا كنّا قد تعرضنا في فقرة سابقة إلى أنّ إخراج المسلمين من الأندلس، لم يكن عملا مرغوبا على المستوى الشعبي؛ و إنما كان توجها سياسيا حكوميا أيدته كنيسة روما الكاثوليكية- بعكس الحال بالنسبة إلى اليهود الذين لم يقبل الإسبان- حكومة و شعبا- منهم إلا الرّحيل، فإن أهل جنوة كانوا ينافسون اليهود في الكراهية التي حظوا بها عند أهل شبه جزيرة أيبيريا لاشتغالهم بأعمال السمسرة و الصرافة و هي أمور لم يكن الإسبان- و غالبهم فلاحون- يفهمون فيها، و لسبب آخر يضيفه بنيامين التطيلى نعرفه لأول مرة منه، و هو أنّ أهل جنوة كانوا يعملون في هذا الوقت الباكر (الثاني عشر للميلاد، و قبل ذلك) بالقرصنة و لم يكونوا ليميزوا بين سفن المسيحيين و المسلمين،

28

و إنما كان رجالهم يهاجمون كلّ ما كان يتاح أمامهم. يقول بنيامين:

«و الجنويون مسيطرون على البحار، يجوبونها بسفنهم الخاصّة المسمّاة غاليش‏Galleys و يقومون بأعمال القرصنة على الروم و المسلمين، فيعودون إلى جنوة بالأسلاب و الغنائم الوفيرة» و ليس أدلّ على أن التاريخ لا يموت من أنّ هذه الفكرة عن أهل جنوة لا زالت كامنة في الضمير الأسباني حتى الآن- فكرة التاجر الجشع الذي هو على استعداد لأن يبيع العالم لا تمنعه قيمة دينية و لا وازع رحمة، و هي فكرة لا تختلف كثيرا عن الفكرة التي شاعت في وقت من الأوقات في تراث الشعوب و آدابها عن اليهوديّ الصراف المرابي- و إن كانت هذه الفكرة بدأت تتلاشى مع زيادة احتكاك الشعوب و الثقافات.

و لم تكن هذه الفكرة قاصرة على جنوة دون غيرها من المدن التجارية الإيطالية، و إنما كانت شائعة بالنسبة للبندقية أيضا، لكننا نركّز على جنوة لأنها كانت هى الأقرب لشبه جزيرة أيبيريا (بلد بنيامين التطيلى) لذا فقد كان توجّههم التجاري و المالي نحو شبه جزيرة أيبيريا، بينما كان للبنادقة ميادين أخرى ربّما كانت أوسع.

و لأنّ توجهات الشعوب- بصرف النظر عن السياسات الرسمية- تعد من المسائل الأساسية للتفسير الأنثروبولوجي للتاريخ، نفضّل هنا إيراد فقرات من البحث الآنف ذكره، خاصّة أنّ بنيامين لم يجد في جزيرة كورفوCorfo التابعة للبندقية إلا يهوديا واحدا.

«... كانت حركة جهاد البحر و الحروب العثمانية في البحر المتوسط أحد العوامل الرئيسية التي وجهت أهل جنوة للعمل على استثمار

29

أموالهم في إسبانيا و البرتغال، و كان لهذا نتائج خطيرة في كل من جنوة و البرتغال و إسبانيا ... و لم تكن جنوة- و كذلك البندقية- تقيم وزنا للمسائل العقائدية، فالمال و المال وحده هو المحرّك لهم في توجهاتهم السياسية بل و العسكرية. لقد تعاونوا مع المسلمين و المسيحيين على سواء، و قدموا العون للعثمانيين و الأوربيين على سواء، مما دفع البابا بيوس الثاني في القرن الخامس عشر لأن يصف كل بندقي، و كل جنوي بأنه عبد للاستعمار التجاري «الوسخ‏sordid» و ذلك على حد تعبير البابا.

و قد عانى أهل إسبانيا بالذات من تجار و صيارفة جنوة، فقد كانوا- أي أهل إسبانيا- فلا حين لا يتقنون ألاعيب الصيارفة. ألا يفسر هذا ما علّق به بنيامين على حال أهل جنوة رغم قلة تعليقاته في كتابه هذا الذي يعدّ بمثابة تقرير عن يهود العالم في عصره (القرن الثاني عشر للميلاد)، و رغم أنّ تعليقه صحيح من الناحية التاريخية إلا أنه (أي بنيامين) لم يكن هكذا في كل المواقف حريصا على التعليق، ربما كان هذا ليؤكد المثل القائل (عدوّك ابن كارك). أما عن اليهود في روما- عقر دار المسيحية- فلم يكن اليهود ليتخلوا عن موقعهم فيها، فمنهم دائما نفر في موقع كل سلطة كبرى لا يتخلون عنه إلا إذا أجبروا على ذلك، فحول بعض الخلفاء العباسيين وجدناهم، و حول معظم الخلفاء الفاطميين وجدناهم، و في بلاط الباباوية لابد أن نجدهم، و ما كان هذا ليروق للمجامع الكنسيّة غالبا، لكنّ المصالح غالبا ما تغلب فقد كان يحيئيل سليمان اليهودي مستشارا للبابا اسكندر الثالث (نص‏

30

كلمات عزرا حداد: وزيره) و كان منهم «شاب حسن المنظر على جانب من الذكاء و حصافة الرأى كثير التردد على قصر البابا بصفة كونه ناظر الأملاك الخاصة» و كان لليهود دور سياسى في روما إذ أيدوا البابا اسكندر الثالث رغم خلافه مع الإمبراطور، و عندما انتصر البابا و عاد من منفاه استقبله يهود روما حاملين أسفار التوراه! و يركز بنيامين على أنّ معظم يهود روما كانوا رابيين‏ (1)* و علماء في التوراة و التلمود.

أما الخرافات التي ردّدها بنيامين من حيث نسبة تأسيس مواضع بعينها ليهود أوائل، فقد فندها عزرا حداد بأسلوب علمي ما كنا لنقدر على مجاراته فيه لتنوع مصادره، و لأنّه ابن الدار و هو أدرى بمساربها و ما فيها.

أما السبب الأخير- و لعله الأهم- الذي جعل يهود شبه الجزيرة الإيطالية يتركزون وقت رحلة بنيامين في جنوب إيطاليا أكثر من تركزهم في شمالها. فهو في الواقع أن هذه المنطقة كانت قد كادت منذ وقت غير بعيد (القرنين العاشر و الحادي عشر للميلاد) أن تصبح تحت حكم المسلمين، و اليهود- كما سبق القول- كانوا يتتبعون المناطق التي يسودها الحكم الإسلامي للعيش في رحابه. كان ذلك طوال العصور الوسطى و شطر من التاريخ الحديث. و إذا كان اليهود قد ساعدوا المسلمين في فتح الأندلس، فإنهم لم يقفوا من مسلمي‏

____________

(1) اعتمدنا في إيراد الحقائق التاريخية عن الدولة البيزنطية على: السيد الباز العرينى، الدولة البيزنطية، بيروت، دار النهضة العربية، 1982.

(*) اللفظ رابي (Rabbi) يعنى الحاخام (المترجم)

31

صقلية موقف عداء، كما لم يكونوا مستائين من محاولات المسلمين فتح جنوب إيطاليا. و لم يتحالفوا مع الغزاة الصليبيين ضد العالم الإسلامي .. على كل حال لم يكد ينقضى القرن الحادي عشر حتى كان المسلمون قد خرجوا من صقليه، و بالتالي ضاع أملهم في الاستيلاء على جنوب إيطاليا، ذلك الأمل المفقود لهم و لليهود على سواء فكل الشواهد التاريخية تؤكد أن اليهود كانوا في هذه الفترة سيتخذون جانب المسلمين بشكل أو بآخر في أثناء صراعهم مع أوربا العصور الوسطى.

32

[تصوير]

33

بنيامين في الدولة البيزنطية:

بعد أن غادر بنيامين كورفوCorfu - التابعة للبندقية رغم وقوعها على الساحل اليوناني- يكون قد دخل كيانا سياسيا كبيرا آخر. إنه الدولة البيزنطية و نبدأ الآن بإيراد أعداد اليهود في المدن و القرى البيزنطية من خلال جدول، لنتمكّن من الوصول إلى بعض النتائج:

مسلسل المدينة و القرية عدد اليهود 1- أرته (قرية) 100 2- أخيلوس 10 3- أناطوليكه- 4- بتراس 50 5- ليبنتو 100 6- كريسه 200 7- قورنث 300 8- طيبة 2000 9- نفروبنت 200 10- يابشتريسة 100 11- رابنكه 100 12- شينون بوتامس 50 13- غرديكى 10 (؟) 14- أرميروس 400

34

15- بسينه 100 16- سلانيك 500 17- متريزي 20 18- درامه 140 19- كرستوبولس 20 20- أبيدوس- 21- القسطنطينية 1500 22- رودستو 400 23- غليوبولى 200 24- كالس 50 25- جزيرة مدلى 100 (؟) 26- جزيرة خيوس 400 27- جزيرة صاموس 300 28- جزيرة رودس 400 29- جزيرة فبرس 100 (؟) 30- فوريقوس- 31- ملمستراس---- الإجمالي 7850

35

و بطبيعة الحال فهذه الأرقام لا تمثل كل اليهود في الدولة البيزنطية و إنما في المدن التي زارها بنيامين فقط، و مع هذا فإنها لا تخلو من مؤشّرات نحاول استخلاصها فيما يلي:

- في 31 مدينة و قرية بيزنطية وجد 7850 بينما وجدنا أن في 18 قرية و مدينة رومانية (في الإمبراطورية الرومانية المقدسة- إيطاليا بالتحديد) 3200 يهودي، و معنى هذا أننا يمكن أن نستنتج مطمئنين أنّ يهود الدولة البيزنطية أكثر عددا من يهود الدولة الرومانية المقدّسة، فلو كانت النسبة واحدة لكان ينبغي أن يكون عدد يهود المدن البيزنطية 5511 أو أن يكون عدد يهود المدن الايطالية (التي زارها بنيامين): 4558 فهل زيادة عدد اليهود في الدولة البيزنطية متمشية تمشيا طبيعيا مع زيادة عدد السكان فيها بشكل عام (فالدولة البيزنطية بشكل عام كانت أكثر سكانا من الممالك الإيطالية أو الجزء الجنوبي من الإمبراطورية الرومانية المقدسة) أم أن وراء هذه الزيادة أسبابا عقائدية كأن يكون اليهود أقل تعرضا للإهانة في رحاب الدولة البيزنطية؟ و إن كان الأمر كذلك، فهل هناك أسباب عقائدية تكمن خلف ذلك؟

و لا يمكن بطبيعة الحال اعتبار المدن و القرى التي أوردها بنيامين سواء في شبه الجزيرة الإيطالية أم في الدولة البيزنطية عينة عشوائية، تتيح لنا رقما دقيقا أو قريبا من الدقة عن العدد الفعلي لليهود، ذلك أنه من الواضح أنّ بنيامين كان يتحرّى المناطق التى بها تجمعات يهودية، و لم يكن طريقة في رحلته هذه للعلم خالصا أو للسياحة خالصة .. فقد كان الرجل يتشمّم رائحة اليهود، و أينما اشتم ريحهم توجّه.

36

و هناك مؤشر آخر يؤكد أنّ تركز اليهود في الدولة البيزنطيّة كان أكثر من تركّزهم في الإمبراطورية الرومانية المقدسة و مقر الباباويه، ذلك أنّ عدد اليهود في القسطنطينية (العاصمة) كما أورد بنيامين هو 1500 بينما هو في روما 200 فقط، و إذا أضفنا لهذا أن يهود روما كانوا في غالبهم في خدمة البلاط الباباوى اتضح لنا أنّ الوجود الحر- إن صحّ التعبير- في القسطنطينية كان أكثر بكثير، فيهود القسطنطينية يعيشون في جيتو، و يمتهنون مختلف المهن.

أما بالنسبة إلى حركة بنيامين في الدولة البيزنطية فيلاحظ أنه لم يتوغل في البر البيزنطي أو داخل البلاد و إنما كان دائما إما في المواني‏ء أو في جزر بحر إيجه و غيرها حتى وصل إلى القسطنطينية، و منها عاد أيضا سالكا طريق بحر إيجة مارّا بجزره حتى قبرص و منها عاد إلى طرسوس أو طرشيش (أو ترشيش) على شاطي‏ء المتوسط و منها اتجه إلى أنطاكيه على الشاطئ الغربي للمتوسط و بذلك يكون قد دخل في حدود دولة المسلمين- الدولة العباسية لكن المنطقة التي جابها كانت- للأسف- تحت حكم الاستعمار الأوربي الصليبي، و منها انطلق إلى دمشق و غيرها من بلاد الشام التي كانت تحت حكم الأيوبيين ذوى الولاء الاسمي للدولة العباسيّة، و هو ما سنتناوله في الصفحات التالية.

37

[تصوير]

38

تحليل بنيامين للأوضاع في الدولة البيزنطية:

لم ينعم اليهود في ظل الدولة البيزنطية- بشكل عام- بمعاملة حسنة، و كانوا يصلون إليها من موانئ البحر المتوسط- خاصة الإسكندريّة- للتجارة، و في أواخر القرن التاسع للميلاد أجبر الإمبراطور باسيلوس (باسيل الأول 867- 886 من الأسرة المقدونية) يهود القسطنطينية على التحوّل إلى المسيحية، و قتل عددا كبيرا منهم ممن رفض التحول، و لم يكن هذا قصرا على اليهود و إنما جرى في إطار خطة عامة اتبعها باسيل لنشر المسيحية في أرجاء إمبراطوريته.

«و في زمن باسيل جرت محاولات لنشر المسيحية بين الشعوب الوثنية كما جرت محاولات لتحويل المخالفين للمذهب الكاثوليكي إلى الكاثوليكية، و الراجح أنه حدث في عهده أن حاولت الإمبراطورية البيزنطية أن تحوّل الروس إلى المسيحية، إذ يشير مصدر تاريخي إلى أنّ باسيل حثّ الروس على أن يقبلوا التنصير، و أن يقروا رئيس الأساقفة الذي سامه لهم (عيّنه لهم) أجناتيوس على أنه من العسير أن نقرر أية طائفة من الروس يشير إليها المصدر التاريخي، على أنه حدث أيضا في زمن باسيل الأول أن اعتنق المسيحية الجانب الأكبر من القبائل الصقلبية التي تنزل البيلوبونيز، و كذا الصقالبة الوثنيون الذين يقيمون بجبال تايجيتوس‏Taygetus و اعتنق المسيحية أيضا في زمن باسيل الصقالبة الذين أقاموا في غرب شبه جزيرة البلقان،

39

فخضعوا بذلك لنفوذ بيزنطه و سلطانها، و ألزم باسيل اليهود على اعتناق المسيحية» (1)

من هذا النص الذي أورده المؤلف الباز العريني اعتمادا على‏Avasiliev في كتابه‏The Byzantine Empire - يتّضح أنّ الدعوة إلى المسيحية وفقا لسياسة باسيل الأول اتخذت شكل المفاوضات السياسية و التبشير الديني باستثناء اليهود، فهم الذين كما قال عزرا حداد في تعليقاته: كانوا أمام خيارين لا ثالث لهما إمّا اعتناق المسيحية و إما القتل.

على أن الجدير بالملاحظة أن شدّة وطأة مسيحيي أوربا على اليهود كانت متزامنة مع توتر علاقاتهم أي علاقات مسيحيي أوربا مع المسلمين، و كانت الحملات الصليبية المتوجّهة إلى العالم الإسلامي على سبيل المثال، تذبح من تقابلهم من اليهود في طريقها، باعتبارهم مخالفين لهم في الدين. هذا جائز. و باعتبارهم حلفاء للمسلمين. هذا جائز و يكاد يكون مؤكّدا. باعتبارهم (أي اليهود) أقرب- عقائديا- إلى المسلمين. هذا أيضا جائز. و لأن التاريخ سيل مستمر بحاضره و ماضيه و مستقبله، فليس خروجا عن المنهج التاريخي السليم أن ندلل على ذلك بأحداث لاحقة، فقد وجدنا أن أحد الرحالة الأوربيين في القرن السابع عشر للميلاد، يصف نبينا محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) بأنّه من أهل السبت‏sabarhero يقصد أنه يهودي، كما كان‏

____________

(1) الباز العريني، الدولة البيزنطية، ص 333- 334.

40

يشير للمسلمين بأنهم من أهل السبت، و عندما هرب من الجزائر إلى تركيا كان أخشى ما يخشاه أن يموت هناك فيتم دفنه في مقابر أهل السبت، و يقصد المسلمين‏ (1).

لا يمكننا إذن الفصل بين قتل اليهود في الدولة البيزنطية و إجبارهم على اعتناق المسيحية، و حروبها مع المسلمين في الشرق، و هو ما نفضل نقله من أحد المراجع المتخصصة في الدولة البيزنطية- أعنى مزامنة حروب باسيل مع اليهود من ناحية، و حروبه مع المسلمين من ناحية أخرى.

الحرب ضد المسلمين في الشرق:

الواقع أنه تهيأ لباسيل من الأحوال المواتية لقتال المسلمين مالم يتهيأ لإمبراطور قبله، فإلى جانب ما يربطه من علاقات سلمية مع جيرانه المسيحيين (أرمينيا، روسيا و بلغاريا، و البندقية و الإمبراطورية الغربية)، سادت الفتن الداخلية في أنحاء العالم الإسلامي، فازداد نفوذ الترك في دار الخلافة العباسية ببغداد، و استقل أحمد بن طولون بمصر سنة 868 م، و نشبت الحرب الداخلية في شمال أفريقية و اشتد الصراع بين المسلمين و المسيحيين في الأندلس، و مع ذلك لم يتحقق للإمبراطورية البيزنطية كل ما تصبو إليه من آمال، و واصل البيزنطيون الزحف نحو

____________

(1) جوزيف بتس، رحلة إلى مصر و الحجاز. الألف كتاب الثاني، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب.

41

الشرق. فاندفع باسيل بجيشه، حتى بلغ إقليم الفرات، فاستولى سنة 873، على زبطرة و سموساط، و مع ذلك تعرض باسيل لهزيمة ساحقة، حين حاول الاستيلاء على حصن ملطية الذي يعتبر من المعاقل الهامة.

و على الرغم من أن باسيل اكتفى بهذا الانتصار الجزئي في هذه الحملة، و فيما تلاها من الحملات التي توجهت إلى أقاليم الفرات و إلى أطراف طوروس، فإن عمله يعتبر بداية مرحلة جديدة من مراحل الزحف و التقدم المنتظم، التي قامت به الإمبراطورية البيزنطية على الأطراف الشرقية. يضاف إلى ذلك أن ما أصاب الدولة الإسلامية من الضعف، أسهم في نمو أرمينيا، إذ اعترف بسلطة آشوت الأول و قرر اعتباره ملكا، كل من الخليفة، سنة 885، و الإمبراطور البيزنطي سنة 887، فكان ذلك الاعتراف بداية مرحلة من مراحل توسع أرمينية زمن الأسرة البغراطيةBagratuni الوطنية».

و كانت الدولة البيزنطية بعد ذلك هي السبب الظاهر على الأقل لانطلاق حركة الحروب الصليبية ضد المسلمين، و نفضل هنا نقل التحليل الموجز الذي أورده حسين مؤنس في عمله المهم (أطلس تاريخ الإسلام)، يقول مؤنس:

«تعتبر الحروب الصليبية من أعاظم الحوادث في التاريخ الإسلامي العام، و هي كذلك من أكبر حوادث التاريخ العالمي، لأن الذي فكر في الحروب الصليبية و قام بها هو الغرب المسيحي بتوجيه أولي من البابوية، بغرض الاستيلاء على المقدسات المسيحية في فلسطين و خاصة مدينة القدس و قبر المسيح عيسى بن مريم في بيت لحم القريبة من القدس.

42

و الحركة بدأت في أواخر القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، و استمرت في عنف إلى التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي».

«... و قد ذكرنا في فصل سابق كيف أن السلطان السلجوقى ألب أرسلان انتصر على الإمبراطور البيزنطي رومانوس الرابع في موقعه ملاذ كرد سنة 1071 م في أقصى شمالي أذربيجان، و فتح الطريق أمام قبائل الأتراك لتدخل آسيا الصغرى التي كانت معتبرة إذ ذاك أراضي الدولة البيزنطية، بما في ذلك جزء كبير من بلاد الأرمن، و كان الأرمن حينذاك منتشرين على مساحات واسعة تمتد من شرق البحر الأسود جنوبا إلى شمالى بلاد الجزيرة و الموصل، و عقب انتصار ملاذكرد تدفقت جموع من الأتراك السلاجقة فدخلت آسيا الصغرى، و استقرت في شرقها، و أنشأت فيها سلطنة سلجوقية عرفت باسم سلطنة سلاجقة الروم، و أولهم قلج أرسلان، و أخذت هذه السلطنة تمتد شرقا حتى استحوذت على النصف الشرقي من آسيا الصغرى، و جعلت عاصمتها في مدينة قونية، و أخذت تزحف إلى الغرب، و هذا هو الخطر الذي جعل ألكسيوس كومتين يستغيث بالبابوية، على الرغم من أنه كان هناك انشقاق ديني و سياسي بين الدولة البيزنطية و الكنيسة الكاثوليكية في روما سنة 1054 م. و هذا هو الانشقاق الديني الواسع الذي يوصف بالكبيرThe Great و بدلا من أن يبادر البابا جريجوري بالاستجابة لما طلبه الإمبراطور البيزنطي فكر في استنهاض همم الرهبان الكونيين و بقية رجال الكنيسة في الغرب للدعوة إلى توحيد الغرب الأوربي تحت لواء

43

البابوية و إنشاء مملكة مسيحية دينية واحدة يسيطر عليها البابوات.».

لقد قام بنيامين برحلته في القرن الثاني عشر للميلاد و كانت الدولة البيزنطية كلما تقدم بها الزمن ازدادت وهنا على وهن، و هو (بنيامين) يقدمها لنا على أنها دولة واهنة في سبيلها للموت، و يقدم لنا الحياة الاجتماعية فيها حياة مترفة ناعمة خادعة كاذبة لا يمكن أن تثمر عزا و سؤددا .. و في ضوء ما أوردناه آنفا عن الظروف السيئة التي كان يعاني منها اليهود في رحاب هذه الدولة، قد يظن القارئ أن بنيامين كان متحاملا في وصفه لأوضاع الدولة البيزنطية في القرن الثاني عشر، لكن هذا غير صحيح بالمرة فقد وصف بنيامين أمور هذه الدولة بدقة، و حدّد بوضوح أسباب انهيارها بعد ذلك بشكل دقيق، و سنورد فيما يلي عرضا لأهم هذه الأسباب كما أوردها:

* البذخ الشديد و الترف الزائد عن الحد، و إنفاق الأموال في غير مواضعها، و مراعاة الشكليات الزائفة و مظاهر الأبهة، و يعطي بنيامين أمثلة لهذا مما كان شائعا في عصر مانوئيل الأول قومنينوس‏ManuelI Commnens الإمبراطور البيزنطي (1120- 1180) الذي زار القسطنطينية في عهده، ففي البيع و الكنائس كنوز لا حصر لها ...

و بظاهر القصر الملكي الملعب المعروف باسم إيبودرمي‏Hippodrome (ملتقى أرباب الحكم و الطبقات الراقية) ... و في هذا الملعب أقيم مهرجان كبير في عيد الميلاد احتفالا بزواج الإمبراطور مانويل قومنينوس من مارية ابنة أمير أنطاكية ... و بضاحية القصور الملكية قصر منيف شيده الملك مانويل لسكناه على شاطي‏ء البحر، و هذا

44

القصر يعرف باسم بلاشرنس أو بلاط مانويل‏Emanuellis Palatium فيه الأساطين و الحيطان الموشّاة بالتّبر الخالص و النقوش البديعة ... و في القصر عرش من خالص الذهب مفصص بالأحجار الكريمة يتدلى من أعلاه بما يحاذي هامة الرأس تاج من ذهب معلّق بسلاسل من ذهب خالص مرصع بالجواهر النادرة الثمينة .. و الروم (البيزنطيون) في هذه المملكة (الدولة البيزنطية) معروفون بالغنى و المال الكثير من ذهب و جواهر، يرتدون الحلل الزاهية من حرير مقصّب بالذهب و سائر المعادن النفيسة حتى لتحسب الواحد منهم و هو ممتط جواده أميرا خطيرا ...

* و الأهم من ذلك أن هذا الترف الزائد عن الحد جعل أهالي البلاد «واهني العزيمة كالنساء» كما أن هذا الترف أقعدهم عن الحرب و القتال، فكانت جيوشهم تضم كثيرا من العساكر المرتزقة إذ إن الروم (البيزنطيين) يستأجرون جماعات من الأجانب «البربر» يستعينون بهم في مناجزة السلاجقة الأتراك الذين يسميهم بنيامين باسم التوغرميين و هو اسم لا يستخدمه غير اليهود و يشرح عزرا حداد هذا المسمى قائلا إن اليهود يسمون التركمان بهذا الاسم نسبة إلى توغرمة أو توجرمة أحد أحفاد يافث بن نوح كما ورد في سفر التكوين:

«و هذه مواليد بني نوح. سام و حام و يافث. و ولد لهم بنون بعد الطوفان بنو يافث جومر اشكناز و ريفاث و توجرمة. و بنو ياوان أليشة و ترشيش و كتيم و دودانيم. من هؤلاء تفرقت جزائر الأمم بأراضيهم كل إنسان كلسانه حسب قبائلهم بأممهم»

45

و يرجح حداد أن بلاد توغرمة هذه كانت في الجهة الشمالية الشرقية من آسيا الصغرى (تركيا الحالية)، و يقول إن لفظة التوغرميين العبرية محرفة من لفظ (تراكمين) بالكاف الفارسية (التي هي عوان بين الكاف و الشين).

**** حركة بنيامين في مناطق الوجود الصليبي بالشام:

لا نكاد نجد يهودا في مناطق الوجود الصليبي في الشام في أثناء رحلة بنيامين اللهم إلا الطائفة السّامرية في طرابلس و هؤلاء لم يكن اليهود يعترفون بهم كيهود، و إنما ينظرون إليهم كطائفة تكاد تكون على دين مستقل هو الدين السامري، فالتوراة غير التوراة، و التلمود لا يقيم له السامريون وزنا، و بنيامين لا ينظر إليهم بود، و مترجم الكتاب في ملحقة لا يتعاطف معهم، فليس بمستبعد أن يكون الصليبيون قد وضعوا ذلك في الاعتبار، لذا وجدنا أكبر تجمع يهودي في البلاد التي كان فيها وجود صليبي هو التجمع السامري في نابلس، و يحدثنا عبد اللطيف البغدادي الذي زار مصر في حكم صلاح الدين الأيوبي أنّ السامريين يعتقدون أنّ نابلس و ليس القدس هي موضع المعبد المقدس- و ربما أيضا كان لهذا أثره في عدم اضطهاد الصليبيين لهم في عصر كانت الأفكار الدينية يمكن توجيهها ببساطة لخدمة أغراض سياسية.

ثم إننا علمنا من المصادر (ذكرنا ذلك آنفا) أنّ الحملات الصليبية كانت تقتل اليهود في المدن و القرى الأوروبية التي كانت تمر بها.

46

فكيف بقي هذا العدد القليل من اليهود في ظل الحكم الصليبي؟ ثم كيف تحرك بنيامين بحرية في هذه المناطق؟ أ يمكن أن يكون بنيامين قد اجتاز هذه المنطقة متنكرا كمسيحى؟ ربما أو حتى كمسلم؟ ربما أيضا خاصة و أن الحروب الصليبية كان قد مضى على بدايتها أكثر من ستين عاما (بدأت 1098) و يشير الباحثون إلى أن العلاقات التجارية بين الصليبيين و المسلمين، بل و العلاقات الاجتماعية لم تنقطع بين فترات الحروب، و تناولها بعض الباحثين (د. عاشور مثلا) كصفحة متكاملة من (العلاقات) فيها الجوانب الحربية و الاقتصادية و الاجتماعية. فلم يكن محظورا في ظل ظروف معينة أن يتجول المسلم في مناطق الحكم الصليبي.

و ما كان بنيامين ليستطيع أن يكتب كل آرائه، أو يبث آلامه من معاملة الصليبيين في رحلتة هذه لأسباب لا تخفى، لكن تعليقات عزرا حداد أكملت هذا النقص، أما نحن فلجأنا إلى لغة الأرقام نستفتيها و نخلص منها بالنتائج و هذا واضح في الصفحات التاليات.

47

[تصوير]

48

مسلسل اسم المدينة أو القرية عدد اليهود 1 أنطاكية 10 2 الليكة (الاذقية) 200 3 جبلة- 4 جبيل 150 5 بيروت 50 6 صيدا 20 7 صرفنده- 8 صور الجديدة 400 9 عكاء 200 10- حيفا- 11 كفرناحوم-- 12 قيسارية 200 13 قاقون (كيلا)- 14 اللّد 1 15 سبسطية (السامرة القديمة)-- 16 نابلس 1000 17 جبل جلبوع-- 18 وادي أيلون-- 19 جبل المورية-- 20 بيت المقدس 200

49

21 بيت لحم 11 22 الخليل-- 23 بيت جبرين 3 24 قلعة الحصن 300 25 سنت صموئيل (سيلون)-- 26 بيسان-- 27 بيت النبي 2 28 الرملة 300 29 يافا 1 30 إيلين-- 31 أشدود-- 32 عسقلان 200 33 زيدين (زرين) 1 34 صفورية-- 35 طبرية 100 36 تبنين-- 37 جوش 20 38 ميرون-- 39 علمه--- 40 قادس-- 41 بلنياس-- المجموع 3369

50

من هذا الجدول يتضح ما يلى:

* أنّ عدد اليهود في المدن و القرى التي زارها بنيامين فيما يعرف اليوم بلواء الإسكندرونة و السواحل السورية و لبنان و فلسطين بمعناها الجغرافي الواسع، كان قرابة 3368 يهودي في 41 مدينة و قرية، و لأنّ بنيامين كان يتحرّى التجمعات اليهودية فيمكننا القول: إنهم في المناطق الآنف ذكرها جميعا (فلسطين و سواحل المتوسط) لم يكونوا ليزيدوا عن ذلك كثيرا.

و إذا علمنا أن عدد اليهود في التجمعات السكنية التي زارها في الدولة البيزنطية كان 7850 في 31 تجمعا (قرية أو مدينة) اتضح بجلاء أنّ نسبة الوجود اليهودي في الدولة البيزنطية كان أعلى بكثير من نسبة وجودهم في فلسطين و سواحل المتوسط الشرقية في ظل الحكم الصليبي، فلكي تكون النسبة واحدة كان من المفترض أن يكون عدد اليهود في التجمعات التي زارها بنيامين في فلسطين و سواحل المتوسط الشرقية هو 7850 على الأقل.

* أنّ عدد اليهود في فلسطين التاريخية كان ضئيلا جدا في ظل الحكم الصليبي لا يتعدى الألفين، في 35 تجمعا سكانيا (إذا حذفنا التجمعات السكنية التي مر عليها بنيامين في مناطق ما يعرف الآن باسم لبنان و الساحل السوري و لواء الإسكندرونه التركي)

* و إذا أضفنا لهذا أنّ هناك ألفا من أهل نابلس رفض بنيامين أن يعتبرهم يهودا و هم من طائفة الكوتيين (السامريين) الذين يتبعون أسفار موسى و لا يؤمنون بغيرها أي يرفضون التلمود و غيره من كتابات‏

51

الرابيين (الحاخامات) و المفسرين و هم لا يتزوجون من غير بنات نحلتهم و لا يختلطون مع اليهود الآخرين ... و يقول بنيامين مؤكدا أنهم غرباء عن بني إسرائيل .. و هم يبتعدون عن كل ما يدنّسهم أى يبالغون في الطهارة .. و إذا قصدوا الصلاة خلعوا ثيابهم و اغتسلوا بالماء و استبدلوها بثياب غيرها .. و هذا جاري عادتهم يوميا. نقول: إذا حذفنا الألف سامري آخذين في اعتبارنا ما يقوله بنيامين لأصبح عدد اليهود على طول مناطق الساحل الشرقي للبحر المتوسط بما فيها فلسطين لا يزيد عن الألف يهودي في ظل الحكم الصليبي. هذا عجيب!! أين ذهب اليهود؟ نؤجل هذا السؤال مؤقتا لحين الحديث عن طائفة السامريين (الكوتيين) الذين رفض بنيامين اعتبارهم يهودا؟

و الذين تلاشوا بعد ذلك حتى أن عزرا حداد مترجم هذا الكتاب قال:

في الملحق الذي أعده عنهم ما يفيد أنّهم أصبحوا كالبقايا الأثرية و لم يعد لهم بعد ذلك وجود. فواضح أيضا أن عزرا حداد- مثل بنيامين من قبله- لا يحبهم.

إن هؤلاء السامريين في نابلس لم يتعرضوا لاضطهاد شديد من المسيحيين لأن اليهود لم يكونوا يعترفون بهم كنسل إسرائيل أو كيهود. أ يكونون قد أثبتوا أنهم لم يكونوا في فلسطين يوم (صلب) المسيح كما فعل اليهود القرّاءون الموجودون في محيط مسيحي لينجوا من الاضطهاد؟ ربما، خاصة و أنهم يعتقدون أن المسيح (المنتظر) سيكون من نسل يوسف (عليه السلام) و ليس من نسل داود كما يعتقد سائر اليهود، و بالتالي فقد كانوا مستقرين في مصر و لا علاقة

52

لهم (بصلب) المسيح (عليه السلام)؟ ربما، لكن يبقى السؤال الكبير:

أين هم؟ لماذا- دون سواهم من اليهود- انقرضوا؟ هنا نستعين بالدليل المنطقي و الأنثروبولوجي.

فالسامريون (الكوتيون) كانوا يبالغون في الطهاره. إنهم- قبل الصلاة- كانوا يتجردون من لباسهم تماما ليلبسوا لباسا جديدا خاصا بالصّلاة، و كانوا يستحمون و لا يكتفون بالوضوء. و نحن نعلم أنه إلى عهد قريب (في القرن العشرين) كان عدد كبير من المسلمين في شمال اليمن أو جنوب الجزيرة العربية يفعلون شيئا كهذا. فأنت ترى المسلم من هذا النوع و قد غسل نصفه الأسفل جيدا و توضأ، ثم خلع سرواله (لباسه) و حمله بيده و دخل المسجد و سرواله (لباسه) في يده، ثم هو يطرح سرواله (لباسه) أمامه في المسجد و يبدأ في الصلاة، حتى إذا ما انتهى من صلاته لبس سرواله (لباسه) مرة أخرى في المسجد، و في حالة الصلاة الجامعة في المسجد تجد الصورة كالتالي: المسلمون يقفون صفوفا و أمام كل منهم لباسه (سرواله)، فهم لا يصلّون في سراويلهم خشية أن يكون قد أصابها ما جعلها غير طاهرة .. و بعد انتهاء الصلاة و التسليم ترى روّاد المسجد كلهم و قد انهمك الواحد منهم في رفع ثوبه و ارتداء سرواله، و كلّ حريص يستدير للحائط مرة و لأحد الأعمدة مرة أخرى حتى لا يرى أحدّ عورته ... و في الجيل الماضي كنا نرى بعض الفلاحين في مصر إذا شرع أحدهم في الصلاة في الحقل خلع سرواله .. فإذا رأيته وقف على حين غفله و خلع سرواله، فلا تظنّن السّوء .. إنّه سيصلّى.

53

هذه الظواهر التي وجدت في وقت لاحق و ظلّ بعضها إلى عهد قريب جدا، ألا يمكن أن تكون دليلا على أنّ الكوتيين (السامريين) قد تحولوا إلى الإسلام تدريجيا و انتشروا في العالم الإسلامي، في اليمن و في مصر و في غير اليمن و مصر، و إلا كيف نفسّر هذا التشدد الشديد في مراعاة الطهارة عند الصلاة في دين يسمح بالصلاة بمجرد التيمم إذا عزّ الماء؟ و بالاستجمار بحجر أو سواه لتطهير قبله و دبره بعد قضاء الحاجة إذا عزّ الماء! و لم نسمع أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أو صحابته كانوا يصفون سراويلهم أمامهم في المسجد. أليست هذه بقايا ممارسات قديمة للمتحولين إلى الإسلام. أهذا التفسير أفضل أم القول بأن السّامريين (الكوتيين) قد انقرضوا لعدم إيمانهم بالتلمود و كتب الحاخامات الأخرى مكتفين بأسفار موسى‏ (*). إنّ تأمل ملامح الحاضر يعد دليلا تاريخيا لا يقل في أهميته عن الوثيقة و الأثر، و على هذا سنضمّن هذه الدراسة و ثيقتين تشيران إلى حركة بين اليهود أنفسهم للتحول للإسلام في القرنين السادس و السابع الهجريين (12، 13 للميلاد) لأسباب تاريخية سنوضّحها.

لقد شهدت مرحلة إخراج المسلمين من الأندلس، و توغل الإسلام- في المقابل- في آسيا الصغرى و شرق أوربا، و مرحلة الاحتكاك الحضاري العنيف بين الشرق و الغرب ممثلا في الحروب الصليبية- شهدت تأثيرا و تأثرا بين الأديان الثلاثة، بل و أدّت إلى ظهور عقائد

____________

* قرأت في أحد أعداد جريدة الأهرام (يوليو 2000) أن هناك طائفة سامريّة صغيرة جدا لا تزال توجد في إسرائيل (عبد الرحمن)

54

مركبة من أكثر من دين، فقد أسّس درزي الداعية الاسماعيلي الفاطمي و مبعوث الحاكم بأمر الله العقيدة الحاكمية أو الدرزية التي هي مزاج من الإسلام و المسيحية بالإضافة لجانب غيبى سرّي، فهم فيما تقول دائرة المعارف الإسلامية (مادة دروز) مسلمون مع المسلمين و مسيحيون مع المسيحيين، و لا زال المثل الشعبي الشامي قائما شاملا في محتواه المضامين التاريخية (مثل الدرزي‏ (*)، مع الحيط القائم) ..

و لم يتعرض الدروز لاضطهاد الصليبيين في أثناء فترة الحروب الصليبية، و ربما كانت ظروف العصر بالإضافة لأسباب أخرى هى التي أدّت لظهور هذه التركيبة الدينية .. أعنى أنه كان عصر صراع ديني لا يرحم بين أتباع الدين الواحد (المذاهب المختلفة في أوربا المسيحية و إلى حد ما في الشرق الإسلامي)

و يبدو أنّ بنيامين قد بالغ كثيرا في ذكر عيوب الدروز فذكر أنهم «في خصام مستمر مع أهل صيدا، و أنهم لا دين يعرف لهم ... و هم إباحيون .. و من عقائدهم السقيمة أن الروح الزكية إذا فارقت الجسم عند الوفاة حلّت في جسم طفل آدمي يولد في تلك اللحظة، أمّا الروح الشريرة فتحل في جسم كلب أو حمار .. و علاقتهم طيبة باليهود» و قد علّق المترجم اليهودي عزرا حدّاد على ذلك بأن ذكر أنّ دروز اليوم براء من ذلك ففيهم كلّ مزايا العرب، و نحن نردد بدورنا ما قاله حدّاد.

و يشير بنيامين إلى قلعة جبلة التي تقيم بظاهرها طائفة الحشيشيين‏

____________

* ينطقونها بتشديد الدال و كسرها.