صفوة الاعتبار بمستودع الأمصار والأقطار - ج2

- محمد مصطفى بيرم الخامس المزيد...
392 /
3

الجزء الثاني‏

الباب الثالث في إيطاليا

فصل في سفري إليها و ما رأيته بها:

لما تكاثر بي المرض العصبي في صائفة سنة 1292 ه و دامت معالجته على نحو ما مر ذكره في الباب الأول من المقصد و أشارت عليّ الأطباء بالسفر إلى أوروبا، عزمت على ذلك في شوال سنة 1292 ه الموافق إلى أواخر تنبر الأعجمي، و استأذنت الحكومة فكتبت لي على عادة المسافرين بطاقة الجواز بالإذن في السفر من مرسى حلق الوادي، و هي بطاقة عليها إشارة الحكومة و تكتب تارة بالفرنساوي و تارة بالعربي و ذلك على حسب المكان المسافر إليه، فإن كان بلدة أفرنجية كتبت بالفرنساوي و إن كانت إسلامية كتبت بالعربي و هذه العادة بتذاكر الجواز معمول بها في أكثر الممالك و بعض الممالك يتركونها فلا يحتاج الداخل و لا الخارج لإذن، و ركبت من المرسى المذكورة في التاسع عشر من شوّال سنة 1292 ه و كان معي خادمان أحدهما: يتكلم باللسان الطلياني و الفرنساوي و الألماني و العربي، و صاحبني في هاته الجهة العالم النحرير المتبحر في علمي المعقول و المنقول الشيخ سالم أبو حاجب، أحد أفاضل مدرسي جامع الزيتونة حيث كان له مأمورية في إيطاليا مع وزير الإستشارة أمير الأمراء حسين في خصومة تتعلق بأحد أتباع الحكومة التونسية المسمى بنسيم شمامة الذي كان مكلفا بقبض أموال الحكومة و شراء المهمات إليها و خرج من القطر بدون تحرير للحساب معه كما مر في ترجمة الوزير مصطفى خزندار و ذلك في حدود سنة 1289 ه و بقي يتردد بين فرنسا و إيطاليا إلى أن مات في بلد ليفرنو من إيطاليا، و طلبت الحكومة من ورثته تحرير الحساب و كاد أن يقع صلح بينهما ثم خرج الورثة كما مر ذكر ذلك في ترجمة الوزير المذكور و لذاك لزم الحكومة أن عينت أحد وزرائها و هو أمير الأمراء حسين و معه العالم الشيخ سالم لطلب الحساب و توقيف التركة، فذهبا إلى هناك و باشرا النازلة و طالت المدة فرجع الشيخ المشار إليه إلى تونس لبعض مصالح ثم عاد إلى مأموريته و كان من المنة الإلهية التصاحب معه.

فركبنا باخرة البريد الطلياني المسماة بفوريا و نزلنا في الطبقة الأولى و كان كراء الواحد فيها من تونس إلى نابلي مائة و عشرين فرنكا و أما في الطبقة الثانية فثمانون فرنكا و أما في الثالثة فعشرون فرنكا لأن الأولى و الثانية كلاهما يعطي الأكل و الفرش بخلاف الثالثة فإنها للحمل فقط مع الإختلاف في المكان و الفرش و الأكل فكل بحسبه، فأقلعنا من المرسى يوم‏

4

الأربعاء بعد الزوال بخمس ساعات و كان في البحر شي‏ء من الإضطراب فحصل لي شي‏ء من الدوار و اشتدّ الأمر لما جاوزنا رأس غار الملح فاضطجعت في فراشي و أوفق الحالات للإنسان هي الإضطجاع، و هذا الدوّار البحري من أشد الأمراض لمن يصاب به و بعض من الناس لا يعتريه شي‏ء منه و إن لم يكن متعودا، و قد كنت قبل الركوب استعملت بإشارة الطبيب ثلاثة حقنات في الجلد من العلاج المسكن لكي لا يزيد عليّ ألم البحر الألم العصبي و من فضل اللّه لم يعترضني ذلك الألم مدة الطريق، و بقيت الحال كذلك إلى أن وصلنا إلى جزيرة سردانيا قرب مرسى كالاري فدخلت الباخرة في جون محاط بالجبال عن بعد فسكن البحر و نشطت و هو من غرائب مرض البحر إذ شدته تقضي أن الإنسان يبقى معه التعب و هو بخلاف ذلك لأنه إذا انقطع الإضطراب يحصل النشاط إلا قليلا، و لما نشطت صعدت إلى سطح الباخرة فرأيت الجبال محيطة بنا و هي جبال أكثرها صلد لا غابات بها و منظرها ليس بحسن و أغلبها خال عن العمران لأن التمدن لم ينبسط في تلك الجزيرة، و لم نزل سائرين في ذلك الجون نحو ثلاث ساعات و كانت الباخرة تسير عشرة أميال في الساعة إلى أن أرسينا في مرسى كالاري التي هي تابعة لإيطاليا و كان ذلك صبيحة يوم الخميس قبيل الزوال، فإذا بالمرسى مبنية بالرصيف لأمن السفن بحيث تستطيع أعظم سفينة أن تلصق بالبر مع الأمن من اضطراب البحر و اللاصقة بالبر، ينزل سلمها على ذات البر و في المرسى كثير من السفن و البواخر لأن موقعها متوسط فيأتيها البريد من جهات و يفرق على بواخر كل تذهب إلى جهة من الممالك المشرقية و المغربية، ثم يحمل من الجزيرة في السفن الملح و الغلال و الأثمار إلى كثير من الجهات. ثم نزلنا من الباخرة في زورق كراؤه فرنك واحد و الزوارق كثيرة تحيط بالبواخر و أصحابها سيؤ الأخلاق مع المسافرين يغرونهم بالركوب قبل المساومة في الأجر، فإذا نزل طلبوا منه أضعاف القيمة و ربما سرقوا ما وجدوه معه إن أمكنهم و ذاك ديدنهم في كل المراسي لكنا ساومنا قبل الركوب.

و دخلنا البلد فإذا هي بلد غير متمصرة و أغلب طرقها ضيق و أبنيتها على النحو الأوروباوي الآتي بيانه و لا تزيد طبقات دورها على أربعة و هي بلدة متصاعدة في الجبل و طرقها جميعا مبلطة، فالذي تمر فيه العجلات يكون محصبا و غيره محجر بحجارة غير مسواة و لذلك كان منظرها و المشي بها متعبا، و ترى الحبال ممتدة بين شبابيك الديار من إحدى الجهات إلى ما يقابلها لنشر الثياب المغسولة عليها، و فرش الديار مثل الفرش الأروباوية و بأعلى البلد بستان عمومي منتزه للعامة و تأتيه الموسيقى العسكرية لبسط العامة عشية الأحد و الأعياد و فيه ماء نابع حلو و به أشجار صغيرة مهيأة للبيع في أوقاتها، و في البلد منازل للمسافرين منها الحسن و منها ما هو دونه و بها حوانيت و بطحاآت غير متسعة جدا و بها قهاوي، و يباع بحوانيتها جميع ما يوجد غالبا من الضروريات و الحاجيات و التحسينيات، و فيها مستشفى و مدارس للتعليم في مبادى‏ء الفنون، و بها مطابع أيضا و فيها صحف يومية نحو الأربعة، و هواء البلد ردي‏ء تكثر فيها الحميات في الصيف لمجاورتها

5

لسبخة وهاته السبخة يستخدم فيها أصحاب الجرائم الثقيلة المحكوم عليهم من محاكم إيطاليا، و فيها معمل كبير من البناء لذلك مجلوب له الماء في قناة من البناء مجتازة قرب شاطى‏ء البحر ظاهرة للناظر، و بسبب تلك السبخة فسد هواء كالاري حتى يقال: إن عدد أهلها كل عام في نقصان، و قد شرع في مد طريق حديدية من هاته البلدة التي موقعها في الجنوب الغربي من الجزيرة التي هي مستطيلة من الجنوب إلى الشمال و ينتهي الطريق في الشمالي الشرقي من الجزيرة، غير أنه لم يتم إلى الآن و لا زال العمل فيه، ثم أهل البلد على قسمين:

الأول: الأعيان و الوافدون و كلاهما لباسهم مثل لباس الأوروباويين.

و الثاني: بقية الأهالي و مثلهم بقية سكان البوادي و القرى في الجزيرة يلبسون جلود الغنم يصوفها، فالصوف مما يلي البدن و الجلد من أعلى، و هيئة اللبس هي صدرية و منتان و سراويل نحو السراويل التونسية لكن يجعلون على الساق ألبسة مربوطة و النعال خشنة ذات مسامير كبيرة و على رؤوسهم عرارق من الصوف أو قلانس من الصوف المنسوج طوال مدلاة على أكتفاهم، و النسوة يلبسن قريبا من نسوة أوروبا لكن على شكل غير نضر، و في أرجل أغلبهن قباقب من خشب و لغتهم طليانية و الغالب هو عدم التمدن و الأكل رخيص هناك فالقهوة لثلاثة منا طلب صاحبها منا ستة صولدي و الفرنك به عشرون صولدي كل صولدي خمسة سانتيم، ثم ركبنا باخرة أخرى و هي التي توصلنا إلى نابلي بعد أن أحسنا إلى خدمة الطبقة التي كنا فيها و ذلك من اللوازم في البواخر و كذلك الإحسان لخادمي المطاعم و القهاوي و مقدار الإحسان نحو خمسة في المائة مما يدفعه الدافع فإن كان أقل نوزع في ذلك و إن زاد شكر، و نقلنا رحلنا إلى الثانية فأقلعت قرب الغروب و توجهنا إلى نابلي فلم تزل الباخرة سائرة و البحر ساكن إلى أن خرجنا من الجون و التفتت الباخرة متوجهة إلى الشرق و أرخى الظلام سدوله فنمنا في مضاجعنا إلى الصباح فاستفقنا بكرة و حيث كان البحر في سكون كان يستطيع الإنسان أداء جميع ضرورياته و الوضوء و الصلاة على أكمل حال، و بعد شروق الشمس أوّل ما اكتشفنا قرب نابلي جزيرة إسكيا و بها جبل مرتفع و هي تحتوي على قرى كثيرة و لها منظر جميل من بعد لارتفاع مبانيها و تزويقها من خارج، ثم ظهر بركان نابلي و هو جبل مرتفع متصاعد من قمته دخان ثم وصلنا إلى مرسى نابلي و البلد في سفح الجبل و هي أكبر مدن إيطاليا و كانت تختا لملك النابلطان و سكانها نحو أربعمائة ألف نسمة، و هي محيطة بجون في البحر على شكل هلال و المرسى في الوسط و هي مرسى صناعية أكبر من مرسى كالاري، غير أن السفن في وقت وصولنا إليها أقل من الأولى فتعرض لنا عند إرساء الباخرة أحد المعارف في زورق لأنه بلغه خبر قدومنا بسلك الإشارة من كالاري، فاصطحبنا جميعا و مررنا بوسط الكمرك و نظر المكلفون به رحلنا فلم يجدوا به شيئا يؤدي الكمرك سوى شي‏ء من النشوق و ماء الزهر، فأخذوا ما عليهما من الضريبة.

6

ثم ركبنا بكروستين من الكراريس الموجودة في بطحاء الكمرك مهيأة لمن يريد الركوب و هي كراريس نظيفة أغلبها يركب راكبين فقط من النوع الذي يفتح سقفه إلى خلف و مثلها موجود في أغلب الجهات الكثيرة العمران من البلاد و تجرها الخيل، و أما عجلات حمل الأثقال فتجرها الخيل و البغال و البقر و هكذا في غيرها من البلدان غير أن البقر لا تستعمل في الجر في أعالي إيطاليا و فرنسا، ثم نزلنا بأحد منازل المسافرين بعد أن ردنا فيه بيوتا على نحو ما يليق بنا و هو منزل كبير ذو خمس طبقات له شبابيك تفتح على نهج واسع يسمى طريق البوسطة و له شبابيك على بطحاء واسعة بها فوارتان للماء العذب المجلوب من الجبل الموزع على البلد و على ديارها و سائر مساكنها، و كان الكراء لأربعتنا في اليوم للسكنى و الأكل خمسة و عشرين فرنكا سواء أكلنا أم لا و ما زاد على ذلك مما يطلبه الإنسان يؤتى به إليه لكنه يحسب عليه بثمنه كالورق للكتابة و الشمع و غير ذلك بحيث أنه كل ما يطلبه يجده و إنما ينبغي للإنسان أن يساوم مدير المنزل قبل الإتيان بالشي‏ء المطلوب و إلا فإنه يحمل عليه بأسعار باهظة، و أما الأشياء الضرورية فهي داخلة في أجرة السكن و الأكل و هي أن يجد الإنسان بيتا ذا فراش للنوم بغطائه و لوازمه و كراسي مكسوة بالحرير و خزنة و عليها مرآة و ساعة و سائر الضروريات، و مصباح و شمعة و مائدة لوضع الكتب و آلات الكتابة و مناديل للتنشيف من الماء عند الغسل و هكذا سائر الضروريات إلا أبريق للمستراح فينبغي حمله إلى جميع جهات أوروبا إذ لا يوجد عندهم و ليسوا بمتعودين عليه و هو من العادات اللازمة للسيرة الإسلامية و النظافة، كما أنهم في أوروبا لا يغسلون أيديهم بعد الأكل أما قبله فمن آدابهم أن يغسل الإنسان يديه و وجهه في بيته و يأتي بيت الطعام بثياب نظيفة، غير أن من أراد غسل فمه و أصابعه بعد الأكل فله أن يطلب من الخادم في بيت الطعام أن يأتيه بما يغسل به فيأتيه بصحن فيه قدح من الزجاج أو الخزف و فيه كأس به ماء حار قليلا مخلوط بشي‏ء من روائح الطيب فيتمضمض به و يمج الماء في القدح و يدخل أصابعه في الكأس و يمسح بها شفتيه ثم يتمسح في منديل، ثم إن بيت السكنى مفروش بالزرابي و على أبوابه أردية رفيعة و هو في غاية النظافة و له خادم لتنظيف البيت و تهيئة الفرش و عند الإستيقاظ يدعو الساكن الخادم فيأتيه بالقهوة و ما يتفق عليه من الأكل صباحا، ثم ينظف الخادم البيت و يغير المناديل و أردية الفراش إن كان بها أدنى وسخ.

و عند الظهر أو قبله بساعة يضرب جرس للتهيؤ للأكل ثم بعد خمسة عشرة دقيقة يضرب الجرس مرة أخرى لحضور الساكنين من بيوتهم إلى بيت الطعام و هو بيت متسع فيه مائدة كبيرة أو أزيد يجلس عليها الحاضرون فوق كراسي و يفرق عليهم الأكل سواء و الأغلب أن يكون أربعة أنواع أو خمسة من اللحوم و الطيور و السمك ثم نوع من الجبن ثم فاكهة ثم ينصرفون. و من أراد الأكل في بيته فله ذلك غير أنه يحسب عليه بزيادة في الثمن أو يعطى أقل من ألوان المائدة العامة، و كذلك وقت العشاء و هو في الأغلب بعد الفطور بسبع ساعات و لما كان المسافر يريد التفرج فالأولى أن لا يكتري المنزل إلا للسكنى و أما

7

الأكل فيجعل له سوم خاص لكل أكلة إن حضر أكل و إلا فلا يحسب عليه شي‏ء لكي لا يلزمه الحضور و الأكل في محل واحد أو أنه يخسر ثمنين للأكل بإعطاء ثمن الأكل في منزل السكنى ثم في المكان الذي يأكل به، و إذا خرج المسافر يقفل بيته و يعطي مفتاحه لصاحب الباب لكي يكون رحله في أمن إذ يعتري السرقة في البيوت أحيانا سيما في نابلي و لا يطالب صاحب المنزل بما يسرق إلا إذ كانت الأشياء المسروقة ضروريا وضعها في البيت كالصندوق و أما المال و المصوغ و شبهه فلا، و لذلك ينبغي لمن له شي‏ء من ذلك أن يحمله معه أو يضعه في أحد البنوك لأن وضعه عند صاحب المنزل مخطر و إن أخذ منه حجة في ذلك إذ يحتمل إفلاسه فتذهب الأمانة سدى، و لذلك يكون الأوفق للمسافر أن يحمل معه من المال العين شيئا قليلا و بقية ماله يصرفه بتذاكر بانكات معتبرة كبنك فرنسا أو إنكلترة و يحملها معه أينما ذهب لخفتها و يستريح، و مهما أراد عين المال يصرف تذكرة من تلك التذاكر عند أي صراف أراد بل ربما ربح فيها إذ خصوص تذاكر البنك الفرنساوي و الإنكليزي يرغب فيها أزيد من المال العين و لذلك يؤخذ عليها نصف في المائة زيادة عن قيمتها بخلاف تذاكر بنوك إيطاليا أو غيرها فإنها لا تصرف في غير ممالكها، و في ذات مملكتها تعطي الصرف أقل من قيمتها فمثلا التذكرة المسمى بها مائة فرنك من بنك إيطاليا إذا أردت أن تدفع المال و تأخذها فإنك تعطي مائة فرنك عينا و تأخذ مائة و ثلاثة عشر ورقا و هاته الأوراق هي التي بها الرواج في إيطاليا بحيث أنها هي المعنية عند الإطلاق، و في إيطاليا عدة بنوك لها تذاكر من ذلك النوع فأما تذاكر بنك الدولة فإنها تروج في جميع إيطاليا سواء و أما تذاكر بنوك صيارفة أخر فلا تروج إلا في خصوص البلدان التي فيها البنك، فمثلا تذاكر بنك نابلي لا تصرف في رومة أو غيرها من مدن إيطاليا فضلا عن غيرها فينبغي لمن سافر أن ينتبه لهذا.

و قد أقمنا بنابلي ثمانية أيام و تفرجنا على أغلب جهاتها و غرائبها و أشهر طرقها الحسنة البهيجة هو طريق توليدو و هو متسع عامر يمينا و شمالا بالقصور الشاهقة، و بأسفلها الحوانيت للبضائع و التحف الأنيقة و يقرب منه في المنظر طريق البوسطة و طريق الدومو ثم طريق جديد يسمى فوريدو و هو أوسع من غيره و أنزه. و على حافتيه الأشجار، لكن القصور التي حوله لم يكمل انتظامها إذ ذاك و هو في الجهة العليا من البلاد و بها عدة بطحاآت أشهرها و أكبرها التي أمام قصر الملك، و يحيط بها قهاوي و محلات للأكل، و من المباني الشهيرة التي رأيتها فيها قصر الملك الذي في البلاد و هو قرب شاطى‏ء البحر و أمامه من جهة البحر حصون و أسفله من تلك الجهة مسكن للعسكر و على سطحه بستان متسع ذو أشجار و نوابع مياه تطل عليه شبابيك القصر و القصر ذو أربعة طبقات و المعد منها لسكن الملك هي الطبقة الثانية و هو قصر ضخم متقن البناء و التحسين و التزويق، يشتمل على كنيسة و على ملهى خصوصي للعائلة الملكية و يشتمل أيضا على جميع الأثاث و الأدوات المحتاج إليها في السكنى من فرش و أواني طعام على أنواع حتى من الفضة بحيث أنه منتظم كأن الملك‏

8

ساكن فيه، و الحال أنه لا يأتيه إلا أحيانا في بعض أوقات التنزه أو تفقد المملكة لأن مقر الحكومة مدينة رومة، لكن لما كانت نابلي سابقا قاعدة مملكة النابلطان و كانت ملوكها مستبدين أشادوا ما شاءوا في قصورهم و بقي التحفظ عليها على ما كانت عليه و لها خدمة و مكلفون حتى أن الملك إذا قدم إلى هناك لا يستحق لجلب شي‏ء معه سوى ملبوسه و يمكن له عقد الولائم الحافلة هناك كأحسن ما تصنعه الملوك و هكذا في كل بلد كانت قاعدة لملك في إيطاليا، و بلصق هذا القصر الملهى الكبير المسمى بصان كارلو و له منفذ من القصر الملوكي و هو من أكبر ملاهي أوروبا و أتقنها ضخامة و تزويقا و يحمل من المتفرجين نحو ألف و خمسمائة متفرج و هو ذو ست طبقات فمنها أربع طبقات كل واحدة تشتمل على إحدى و ثلاثين بيتا، و منها طبقتان كل واحدة تشتمل على ثمانية و عشرين بيتا و كل بيت تجلس به أربعة أنفس عدا بيت الملك التي في صدر الطبقة الثانية مواجهة للملعب، هذا عدا المحل العمومي في الوسط الذي به مقاعد عددها ستمائة و ثلاثون مقعدا و هذا الملهى لم يفتح إذ ذاك منذ سنتين اقتصادا من الحكومة لأنه يلزمها في كل ليلة لفتحه أن تعين على مصاريفه بألف و خمسمائة فرنك لأن دخل المتفرجين لا يكفي مصاريفه.

و مما شاهدته أيضا قصر الملك الذي خارج البلد في رأس الجبل و يسمى كابودي منتاني و هو قصر أصغر من السابق يحيط به بستان أنيق و لم يكن بالقصر فرش سوى بعض بيوته بها فرش عتيقة جدا لملوكهم الأقدمين موضوعة هناك للتفرج عليها و بقية البيوت بها آثار قديمة من السلاح و أدواته، حتى كان منها بيت مملوء بصور أجساد آدميين متدرعين بأنواع شتى من الدروع على حسب اختلاف الزمان، و منها صور فرسان بخيلهم مدرعين و منها صور بعض ملوكهم و الدروع كانت حقيقية مستعملة حقيقة في الحروب، و بعضها به آثار الضرب و الطعن حتى بالرصاص من المكاحل و بقية بيوت القصر خاوية، و الجميع بناؤه أنيق ثمين.

و شاهدت أيضا أكبر كنائسها و هي كنيسة «صان جينارو» و هي ضخمة ذات أعمدة من المرمر و من غريب ما فيها صورة صنم من رخام أبيض عليه ثوب كأنه صفيق بحيث يبدو ما تحته و الحال أنه نحت من ذاك الرخام، و شاهدت أيضا أكبر مارستان لهم و هو ذو بيوت كبيرة كل واحدة بها نحو المائة فراش كل منها بعيد عن الآخر قدر فراشين و كل فراش لمريض واحد عرضه نحو المتر و طوله نحو المترين و ربع، و هو على سرير من خشب يحتوي على فراش و عليه إزار و وسادة و غطاء من القطن، و المريض لابس لقميص و على رأسه قلنسوة من نوع القميص و الكل من منسوج الكتان الأبيض، و كل بيت يحتوي على نوع واحد من نوع المرض أو متقارب النوع، و لكل بيت خدمة بالأجرة يوفون للمرضى بجميع لوازمهم و إعطاء الدواء في أوقاته حسب إشارة الطبيب و زيادة على ذلك كثيرا ما تأتي نسوة من الأعيان و غيرهم لخدمة المرضى و الرأفة بهم حنانا منهم و رغبة في عمل الخير، و للمارستان عدة أطباء منهم من هو ذو وظيفة و له أجر عليها، و منهم من يداوي مجانا إما

9

رغبة في الخير أو لإتمام تعلمه لفن الطب حتى يأخذ الشهادة ممن له الإجازة على قوانين لهم في ذلك، و للمارستان أيضا بيت أدوية و مواعين للجراحة و الدواء و فيه قسم للرجال و آخر للنساء المرضى، و هكذا كل مارستان غير أن بعضها يداوي مجانا و بعضها له أماكن لمن يريد التطبب من ذوي اليسار، فيعطي مقدارا معينا يوميا و المستشفى يقوم بجميع ما يلزمه، و يختارون التداوي في المستشفيات لأنها أتقن من مساكنهم سيما في التحفظ على ما يتعلق بالدواء و أداء الخدمة حقها مع مباشرة مشاهير الأطباء الذين يلزم لإتيانهم لمساكن المرضى مصاريف وافرة، و محلات هؤلاء المستأجرين في المستشفيات أنقى و أنظف و أبهى من المحلات العامة و يمكن لكل مريض أن يبقى في بيت خاص به صغير موافق في الهواء بحيث أن جميع حركات المستشفيات و أوضاعها على مقتضى الحكمة الطبية، ثم إن مصاريف المستشفيات على أنواع: فمنها ما تقوم به الدولة، و منها ما يقوم به المجلس البلدي، و منها ما يقوم به لجنات من الأهالي، و هذا في كل جهات أوروبا سواء و يقبلون الصدقة ممن يريدها و لو من السواح.

و شاهدت فيها أيضا الدار التي بها الآثار العتيقة و منها الأشياء التي استخرجت من بلدة بونباي التي يأتي خبرها و هاته الآثار لو أراد الكاتب استيعابها للزم لها مجلد ضخم إذ هي مشتملة على أنواع و أشكال شتى من أقطار مختلفة، فمما جلب من مصر المومي و هي ذات إنسان ميت مصبرة على ما كانت عليه منذ عدة آلاف من السنين لم يتغير منها شي‏ء سوى أن اللون أسود و جوفه مثقوبة لإخراج جميع أحشائه و بقية حاله على ما كان عليه، و في هاته الدار نحو أربعة أجسام من ذلك النوع منها النساء و منها الرجال و ذواتهم لا تختلف عن ذوات البشر الموجود الآن، لكن ليس فيهم ذو جسامة و لعل ذلك بسبب أن الميت المصبر إنما يكون عزيز قومه و مثل هؤلاء لا يموتون غالبا إلا بالأمراض و الأمراض تنحف الأجسام فلذلك كانت أجسام الموميات نحافا، و إلا فإن التصبير يحفظ الجسم على ما هو عليه، ثم إن ذلك النوع من التصبير قد جهل و مع كثرة البحث عنه من حكماء الأعصار المتأخرة لم يطلع عليه فهو من العلوم التي فاز بها المتقدمون و دثرت.

و من غرائب ما في هاته الدار أيضا قطع من ثياب منسوج من مادة حجرية و هذا المعدن يسمى أميانتو و هو الآن معروف و موجود لكن كيفية تمديده حتى يصير مغزولا و ينسج منه مجهولة الآن و قد كان في الأعصر السالفة معلوما، و من فوائد تلك الثياب أنها لا تنحرق، و إذا توسخت فغسلها بالنار و هي ثياب لينة تنطوي غير أنها ثخينة، و من غرائبها أيضا ما وجد من آثار بونباي و هي أشياء كثيرة من المأكولات و غيرها فرأيت فيها التمر و القمح و الزيتون و غير ذلك مما مضى عليه ألفا سنة أو أزيد لم يتغير منه شي‏ء سوى اسوداد في اللون، و قالوا: «إن طعمه أيضا لم يتغير» و سمعت أنهم زرعوا حبوبا مما و جدوه كالقمح و نبت و أثمر مثل الجديد مما يدل على أن النوع واحد لم يتغير حاله مع طول الزمن، و كل هاته الحبوب موضوعة على ترتيب حسن إلى غير ذلك من الآثار القديمة الموضوعة المنضمة في أماكن محفوظة نظيفة و عليها قيمون و تفتح يوميا لمن يريد التفرج‏

10

بأجر زهيد و تسمى هاته الدار «موزاي ناسيونال».

و مما شاهدته في نابلي دار الفنون المسماة «أنيفرسيتادي نابلي» و هي يعلم بها فنون الطب و الأحكام و السياسة و التجارة و الكيمياء و الصيدلة و البناء و الفلك و الجبر و المقابلة و الهندسة و الأبعاد و جر الأثقال، و لكل فن قسم و مدرسون و بها محل لأجسام الحيوانات فيه أغلب ما يعرف منها من الإنسان إلى الذباب من الحشرات حتى الحيوانات البحرية لكنها كلها ميتة مجعولة بوا أي منزوعة اللحم و غيره مع التحفظ على هيئة الجلد، و يحشى جلدها بمواد نباتية و يرسم على هيئة أصل الحيوان حيا و تجعل عيناه من زجاج فيراه الناظر كأنه حي، و فيها من تلك الأنواع ما لا يكاد يحصى. و يوجد كتاب مطبوع في البلد مشتمل على تلك الحيوانات مع تراجمها و أغرب ما رأيته من حيواناتها و لم أره في غيرها عصفور في حجم النحلة ملون الريش و ذيله ذو ريشتين فقط طويلتين كل منهما في طول ما يقرب من الشبر لها ألوان جميلة، و كذلك رأيت فيها تنين البحر أعظم حجما من الفيل لكنه أقصر منه لأن جملة هيئته تقرب من هيئة السلحفاة و رأسه أضخم من رأس الفيل و عيناه واسعتان جدا و فمه مفتوح و جلده منكمش و بجملته له منظر بشع منفر، و يوجد في هذا المحل جسم الإنسان على جميع أطواره منذ يتكون مضغة إلى أن يصير شيخا فانيا ثم يوجد تشريح أعضائه منفردة سواء كانت ظاهرية أو باطنية ذكورية أو أنوثية، و جملة جسمه من المجاميع الأصلية كل منها منفرد عن الآخر فتجد جسما ليس فيه إلا العظم فقط على نحو خلقته، ثم آخر به العظم و العروق فقط و هكذا، غير أن بعض هاته الأجسام هو حقيقي و بعضها صوري من الشمع لكنه متقن التصوير و اللون حتى كأنه هو الأصل لأن اللحم بدون جلد لم يمكن لهم تصبيره في الهواء، و كذلك توجد أجسام المولودين على خلاف المعتاد ككون وجهه في بطنه و آخر ذو ثلاثة رؤوس إلى غير ذلك و كلها مصبرة في زجاجات كبيرة مملوءة بمياه روحية لكي تقي الجسم من التعفن، و في هذا المحل يتعلم فن التشريح الذي هو جزء من الطب و في هذا المحل أيضا خزنة كتب عظيمة بها مائة و ثلاثون ألف مجلد كلها طبع إلا النادر بخط اليد و بها كتب عربية كثيرة، فمما رأيته فيها مصحف كريم مطبوع بالطبع الحجري، ثم كتاب يسمى الكمال المسيحي للراهب «الفونس رودريكوس» موضوعه تعاليم ديانتهم و هو في مجلدين ضخمين، ثم مجلد آخر يشتمل على توراتهم و أناجيلهم مكتوب بلغات ستة و بخطوطها و اللغات هي: العربية و العبرانية و اليونانية و اللاتينية و حمار تيانو و السريانية بنوعيها، و يوجد بهاته الخزنة الكتبية كورتان محيط دائرة كل منهما نحو ثلاثة ميتر أحديهما صورة الفلك و أخرى صورة الأرض مرسوم بهما خريطات متقنة مكتوب عليهما بالخط العربي الثلثي الجميل قيل إنهما من مصانع علماء الأندلس.

و بقرب نابلي على مسير نحو عشرين دقيقة في الرتل بلدة بونباي، و هاته البلدة كانت منذ ألفين سنة مصرا متمصرة و كان أهلها مولعون بالإنكباب على الشهوات و قساوة القلب، حتى أن من ألعابهم في الملاهي و المراسح أن يخرجوا الحيوانات المفترسة و يلقون إليها

11

بالناس الذين يريدون عقابهم فتتخطفهم الحيوانات و تمزق أجسامهم شر تمزيق و المتفرجون محدقون في البيوت المرتفعة المحصنة من وصول تلك الحيوانات إليهم و هم يضحكون فرحين، و لم يكن ذلك مقصورا على رجالهم بل حتى النساء اللاتي هن أرق طباعا كن يتهورن و ينبسطن من مثل تلك المناظر، و تمادى تمرد أهل تلك البلد على جورهم و قهرهم فأرسل اللّه عليهم هيجان جبل الفزوفيو الذي هو بركاني و هو بقربهم على نحو ثلاثة أميال، فزلزلت بهم الأرض و هم على حين غفلة زلزالا شديدا و هرعوا للفرار إلى الفضاء خارج البلد فأدركهم سيل العرم من النار التي قذفها الجبل فاحمر الأفق بعد أن أظلم و احلولك، و طاف عليهم طائف من بحر النار فأهلكها و كل من فيها في بضع دقائق و تراكمت عليها المادة السيالة النارية حتى صار مكان البلد و ما حولها جبلا و امتد إلى البحر و سبحان الملك القهار، و تمادى عليها ذلك الحال و تنوسي أمرها لأن الواقعة وقعت عليها قبل التاريخ المسيحي بقليل، و صار سطح أرضها بطول الزمان صالحا للزرع و النبات ففي عشرة الثمانين و المائتين و ألف هجرية كان أحد الزراعين هنالك يحرث فنشب محراثه في عروة إحدى الأواني التي كانت في البلاد فبحث عليها فتراءى له ما ظنه كنزا و تبين أنه كنز رفيع و هو البلد الغابرة، فعينت دولة إيطاليا مقدارا من المال سنويا و كلفت مهندسين بالكشف عن تلك البلاد مع التحفظ على هيئة بنائها و جميع ما يوجد بها و لا زال العمل مستمرا إلى الآن، و إنما كان السير بطيئا في العمل لأن المادة النارية تحجرت و صارت صلبة مع الإحتراس من إفساد الموجود و تعسر الفرق أوّلا بين ما كان من البناء و بين ما التصق به من تلك المادة، فأخرجوا من البلاد كل ما وجد بها إذ ما كشف عليه وجد كأنه على حالة أصله، فأرباب الصناعات و المحلات على الهيئة التي أدركهم عليها الغرق و الحرق و الردم معا و كل الأجسام التي وجدت بقيت على حالها عند مس الهواء إليها سوى الأجسام الحيوانية فإنها عند مس الهواء إليها تضمحل، فجعل العاملون حيلة لإبقاء صور الأجسام بأن جعلوا كلما تفطنوا بمس آلة الحفر لجسم حيواني أتوا بالجص و حلوه في الماء و رفعوا إذ ذاك آلة الحفر عن المحل الذي لمسته و أبقوا الهواء مماسا للجرم الحيواني من ثقب آلة الحفر فينتفش الجسم في الهواء و يبقى محله في المادة النارية خاويا فيصب فيه الجص و عند جفافه و انعقاده تكسر المادة النارية عنه و تخرج صورة الجسم على ما كان عليه، و رأيت في بعضها بقية من فقرات الظهر و عظام الأصابع لم تبل و مما يدل على جرأة أولئك الأقوام في ذلك العصر و تجبرهم إن وجدت بعض جثثهم على حالة الوقاع، حتى كان منها جنازة رجل و امرأة متداخلي الأرجل لكن الرجل لما أدركه الموت انزعج على قفاه و هو ناعط و بقيت المرأة على حالتها منكبة على وجهها و مقعية على ركبتيها، فانظر إلى ذلك التجبر مع سابقية الزلزال و لم يؤثر في شهوتهم حتى أدركهم الهلاك على شهوتهم.

و أما أبنية تلك البلدة فالظاهر أن أغلبها انهدم بالزلزال و ما بقي منها قائما منه المتصدع و المنشق و منها القائم على أصله، و هيئة بنائهم يجعلون الحائط ضيقا نحو ذراع فما دون‏

12

و السقوف من بناء على هيئة قباب نحو نصف كورة أو أقل تكور، و ينظمون تقابل الأبواب فإذا دخلت بابا إلى دار من الطريق تجد سقيفة مربعة ثم بابا إلى وسط الدار و فيه أربعة أبواب إلى كل بيت، و إحدى البيوت وراءها جنينة و بركة ماء و أسرة النوم من بناء كالدكاكين و جهة الوسادة بناء مرتفع يسيرا على سطح السرير و لا تختلف دور الأغنياء من غيرهم إلا بالكبر و الصغر، و لكل بيت طواقي إلى وسط الدار و كل الطواقي و الأبواب متقابلة. و الحمام الذي رأيته في البلاد هو على نحو الحمامات المعروفة الآن في البلاد الإسلامية و فيه تصاوير على الجدران بالألوان مثل الحمامات بتونس و المغرب، و رأيت محل الحكومة و تحته السجن، و عند مجلس الحاكم عند رجليه طاقة يطل منها على المسجونين أسفله و السجن مظلم لا يتخلله الهواء و لا الضوء إلا من تلك الطاقة و رأيت الملهى فإذا هو على نحو الملاهي الأروباوية غير أن مرسح اللعب هو وسط الدائرة و هو أسفل مكان المتفرجين و الطرق كلها مبلطة بالحجارة الصلبة المنحوتة و منقسمة على ثلاثة أنحاء: فوسط الطريق منحفظ عن جانبيه لمرور العجلات و مفروض لها على جانبيه سكة لمرور ذات العجلة فيها، و عن اليمين و الشمال محل مرور الماشين و جميع عرض الطريق نحو ثلاثة ميتر و في محل مرور العجلات يقسم وسط الطريق بحجارة منحوتة مرتفعة على سطح الطريق بحيث تراها ناتئة على طول الطريق و جميع الطرق مستقيمة لا اعوجاج فيها و تتلاقى على زوايا حادة، غير أن كل طريق لما كانت لا تمر فيها إلا عجلة واحدة حسبما هو مفروض للعجلات فيلزم بالضرورة أن تكون كل طريق لا تمر فيها العجلة إلا لجهة واحدة كي لا تتلاقى، و في محل الإدارة لكشف تلك البلاد محل لوضع الأشياء المستخرجة ثم تنقل من هناك إلى نابلي و توضع في محل الآثار القديمة كما مر و المادة النارية المتصلبة يصنع منها تحف كثيرة في نابلي.

و فيها سوق نافقة و جميع الأماكن المعدة للتفرج إما أن يدخلها الإنسان بأجر قليل أو تكون له تذكرة الدخول من الدولة و الحصول عليها سهل بواسطة أحد الأعيان أو نواب الدول، و قد أعطانا تذاكر الدخول قنسل الترك، و قد اجتمعت في نابلي بأكبر حكمائها و هما «توماسي» و «كنتاني» و كان الثاني يعظم الأول جدا لكبر سنه حيث أنه بلغ نحو الثمانين و لمشيخته عليه، و كانت أجرة كل منهما في كل زيارة ستون فرنكا. و بقيت في نابلي ثمانية أيام و كان المسافر فيها يقدر أن يقيم كل يوم متوسط المعيشة بأربعة فرنك يوميا للأكل و يقدر أن يأكل في المحلات السافلة بنصف فرنك ما يأكله في المحلات العالية بعشرة فرنك في الأكلة الواحدة، و قد دعاني هناك أحد أعيان البلدة للمسامرة في داره حيث كان حبيبا إلى مصاحبنا من أهل البلد، فرأيت كيفية مسامرتهم و رقصهم، و في آخر يوم من إقامتي بها أعلمت بأن الإبرة المسماة بالبوصلة اضطربت علامة على الزلزال، ثم ركبنا الرتل بقصد بلد رومة و كان ذلك صباحا و لما وصلنا إلى قرية «كزرتا» التي هي قرب نابلي مسير نحو ساعتين في الرتل نزلنا هناك و تغدينا في إحدى منازل المسافرين، و أما صناديق حوائجنا فإنها ذهبت‏

13

مع ذلك الرتل إلى رومة و تنتظرنا في الكمرك في محطة الرتل إلى أن نقدم إلى هناك، ثم ذهبنا إلى قصر الملك في بستانه المسمى بقصر «كازرتا» فإذا هو أعظم و أتقن قصر رأيته من جهة التأنق في مواد بنائه المتخذة من الأشياء الخلقية كالمرمر و الرخام و الحجارة الضخمة المنحوتة و إن كان غيره أشد تأنقا من جهة صناعات النقش و التذهيب و التزويق، و هو مربع الشكل كل جهة منه في طول مائتين ميترو و أمام الباب بطحاء عظيمة على جانبيها مساكن للعساكر، فإذا دخلت من الباب تجد القصر منقسما إلى أربعة أقسام و كل قسم في زاوية يشتمل على بطحاء و له مطالع إلى القصر، و المطلع الكبير المعد للوقت الرسمي يشتمل على مائة و إحدى عشرة درجة من المرمر المورد اللون كل واحدة في قطعة واحدة إلا قليلا منها في قطعتين طول كل درجة ثلاثون قدما و عرضها قدمان و ارتفاعها ستة أصابع، و مبدؤ الدرج منفرد فإذا انتهت إلى نصفها رجعت إلى قسمين يمينا و شمالا فينتهيان إلى إيوان عظيم مرفوع سقفه على ستة عشرة أسطوانة من المرمر المزركل في قطعة واحدة ارتفاع الواحدة نحو عشرة أذرع و محيطها لا يستطيع الإنسان الكامل الإحاطة بها بذراعيه، و منه يدخل إلى البيوت الضخام المختلفة أنواع السقوف و كسوة الحيطان و الأرض بأنواع من المرمر أو الطلي أو «الموزايكو» أي القطع الصغيرة من المرمر كل قطعة نحو الأنملة من لون مرصفة على أشكال بديعة، أو من المنسوجات الصوفية أو الحريرية من المصانع الشهيرة في العالم.

و يحتوي القصر على كنيسة و هو ذو ثلاث طبقات و قد تم منه بالبناء و الأدوات داخلا و خارجا ثلثه و الثلثان لم يتم منهما إلا بناء الحيطان و السقوف و بقيا ناقصي الأدوات، و ليس في القصر شي‏ء من الفرش و يحيط به بستان طوله ثلاثة أميال و عرضه قريب منها و في منتهاه جبل منحدرة منه عين ماء عظيمة مجعولة على نحو شلالة لانحدار مائها دوي، و إذا قابله الداخل من باب البستان جهة القصر يظهر له من بعد كأنه منارة متصاعدة في الجو من الزجاج الأبيض، ثم ينشأ من ذلك الماء نهر و بحيرات بها كثير من الطيور المائية و أنواع السمك، و يحتوي البستان على مماشي و غياض متقنة ذات أنوار و أزهار كما يحتوي على آجام و غابات و حيوانات للصيد، ثم ركبنا قرب الغروب من هناك الرتل و سرنا نحو إحدى عشرة ساعة و ليس هناك من العمران مثل ما يأتي خبره، بل أكثر الأراضي معطلة و الجبال لا منظر جميل بها و إنما توجد القرى و ما حولها معمورا نسبيا و كانت القرى تبعد عن بعضها في أكثر الأحوال سير نصف ساعة في الرتل. فوصلنا بلد رومة التي هي تخت المملكة بعد نصف الليل و فتشوا في الكمرك رحلنا أيضا مع إنا قادمون من إحدى بلدانهم، و ذلك لأن لكل بلد داء على ما يدخل إليها لمصالحها الخاصة زيادة على ما تأخذه الدولة من الكمرك العمومي، و نزلنا في إحدى منازل المسافرين و أخذنا إليه صناديقنا التي وجدناها في الكمرك غير أنا وجدناها سرق منها برنس و وقع الخلاف بين مستخدمي المحطات فيمن سرقه فجماعة رومة يتهمون جماعة نابلي و هم يتهمون الآخرين و الحاصل أن البرنس ضاع! و سببه‏

14

هو خروج طرف منه عن غطاء الصندوق فأمكن للسارق جذبه. ثم أقمنا برومة ستة أيام و اجتمعت بأشهر أطبائها و هو الحكيم «باشلي» الذي هو أحد أعضاء مجلس النواب، و إجمال صفة هاته البلدة أنها بلدة وسيعة سكانها نحو ثلاثمائة ألف نسمة و لهم حضارة على أهالي نابلي، و طرقها كلها مبلطة نظيفة أما الطرق الخارجة عن البلد فهي و إن كانت صناعية غير أنها بها الطين بكثرة و إن لم يعطل العجلات، و أحسن ما يقصد بالتفرج عليه في رومة هو كنيستها الكبرى المسماة، «بصان باولو» التي هي أشهر مباني العالم في ارتفاع قبتها و ضخامة بنائها، و هي مستطيلة الشكل ذات قباب كثيرة و وسطاها هي أعلاها و حيطانها مكسوة بقطع من المرمر منه الخلقي و منه الصناعي كل قطعة في طول نحو عشرة أذرع و عرض نحو خمسة أذرع و بعض الحيطان مكسو بقطع من «الموزايكو» متقنة التصوير، و القباب كلها مكسوة بذلك أيضا و القباب مرفوعة على أسطوانات من المرمر الخلقي و بعضها صناعي و ليست مستوية السمك و بعضها في قطعتين أو ثلاثة و محيط كل واحدة من الخلقية أربعة عشر شبرا و قواعد القباب مبنية بناء ضخما جدا بحيث أن هاته الكنيسة قد أفردت بتأليف خاص من أحد حذاقهم لما اشتملت عليه من إتقان البناء و ضخامته.

و بلصقها قصر البابا و يسمى «الفاتيكان» (1) و هو أكبر القصور الملكية يحتوي على إثني عشر ألف بيت و به خزانة كتب رفيعة هي أحسن خزائن إيطاليا و بها كتب كثيرة بالخط منها العتيق و منها نسخة من الإنجيل باللغة الحميرية العربية مكتوبة قبل البعثة بنحو مائتين سنة، و فيها نص الآية القرآنية حكاية لقول عيسى (عليه السلام) و هي قوله تعالى: وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: 6]. و قد اطلع على تلك النسخة أحد الإنكليزيين في هذا القصر و رويت ذلك عن ثقة روى عنه، و ذلك القصر فيه من غرائب المصنوعات و الذخائر الثمينة شي‏ء كثير حيث كانت تجبي إلى البابا جميع النصارى الكاتوليك و ملوكهم من ممالكهم تقربا إليه لملكه الروحاني زيادة عن الملك الجسماني الذي كان له في مملكة رومة، و قد زال ذلك باتحاد إيطاليا و آخر بابا كان جامعا بين الملكين هو «بيو التاسع» (2) و هو الموجود حين مررنا على رومة لكنه منذ افتك منه الملك الحسي بقي منعكفا في قصره و له التصرف في الديانة فقط على سائر الكاتوليك في جميع الممالك سواء، و أبقت له دولة إيطاليا جميع ما في قصره و ما في الكنيسة من الذخائر و استولت على كل ما عدا ذلك،

____________

(1) الفاتيكان:Vatican مقام البابوات في روما و يتألف من البلاط و المتاحف و المكتبة التي تعد أهم مكتبات العالم (نحو 000، 67 مخطوط و أكثر من نصف مليون كتاب) و دولة الفاتيكان: دولة اعترفت بها إيطاليا في معاهدة «لا تران» (عام 1929) رئيسها البابا، مساحتها نحو 44 هكتارا، عدد سكانها لا يتجاوز الألف شخص. انظر المنجد ص (516).

(2) هو بيوس التاسع (1846- 1878) و ترتيبه رقم (254) في عهده تمت الوحدة الإيطالية، أعلن عقيدتي الحبل بلادنس سنة 1854 و العصمة البابوية سنة 1870. عقد المجمع الفاتيكاني الأول. المصدر السابق ص (179).

15

و بعد أن تفرجنا في الكنيسة الكبرى سألنا هل يمكن التفرج في قصر البابا؟ فأجبنا بأن ذلك اليوم لا يتيسر بل نعود بعد أيام و كان ذلك بعد استئذان البابا، و من غد اجتمعنا بالمطران درعوني الذي هو من نصارى الشام و له دير في أعالي رومة و معه كثير من نصارى الشام المتقسسين و هو ذو أخلاق لطيفة فصيح بالعربية و كذلك من حوله، و سبب الاجتماع به أنه ساكن حذو كنيسة متقنة الشكل و البناء مما يقصد بالتفرج عليه فحصلت المعرفة معه من هناك، و كان مما ذكر لنا أن البابا يريد الإجتماع بنا عند الدخول إلى قصره و أنه كلفه بالحضور ليكون ترجمانا عنه فاعتذرنا إليه بأنا على سفر و لا تيسر التأخير لذلك فلم ندخل القصر و لا اجتمعنا بصاحبه إذ لا ملجى‏ء إلى تعظيمه، مع أن الداخل عليه يلزمه تعظيمه كتعظيم الملوك بل ملوكهم يؤدون إليه مزيد التعظيم كأنه هو ملكهم، و لا داعي لذلك إلا أمر ديني، و ديانتنا الإسلامية تمنع التعظيم الذي يكون مسببا عن ذلك.

و اعلم أنه منذ استولت دولة «الصاردو» على جميع ممالك إيطاليا و أجرت الحرية حتى في الديانات فالداخل للكنائس لا يلزمه تعظيم شعائرها كما كان من قبل بل لا يفعل شيئا يخالف ديانته فكأنه يتفرج في قصر من القصور، كما أنه ليس له أن يفعل شيئا من الإهانات، و حيث أن المسلم يدخل إليهم بأمان فليس له التعرض لأذايتهم كما أنه ليس له خيانتهم، ثم إن أمام كل من قصر البابا و الكنيسة الكبرى بطحاء عظيمة وسيعة جدا و بها عدة فوارات و أشجار و فوانيس و هكذا كل بلاد تشعل بالفوانيس ليلا، و يشق بلد رومة نهر يحمل القوارب و إذا طمى ربما أضر بالمجاورين، و هو آت من جهة الشمال ذاهب جهة الجنوب، و خارج البلدة الآن الكنيسة القديمة و هي الآن خراب و إنما يوجد منها أساسها و أطلال من جدرانها و قد علت الأرض عليها كثيرا فكشف عنها و بقيت عبرة للناظرين و هي أوسع من الكنيسة الموجودة الآن الكبرى، كما يوجد بقربها ملهى قديم مثلها في الخراب على نحو ما سبق في صفة ملهى بونباي، و قيل إنه دار الندوة إذ ذاك و هو كبير جدا، و في رومة أيضا منزه عمومي في الجبل ذو مماشي و حدائق و فوارات في أعلى الجبل و هو نزه، أما غير ما ذكر فليس في رومة معامل أو أماكن تقصد للتفرج سوى ما هو خارجها من آثار بناآت الرومان في القديم و فيها ملاهي كثيرة متقنة اللعب لشهرة الطليانيين بذلك على غيرهم، و دور الأهالي غالبا ليست بمتقنة النظافة و أسعارها في السكنى و المأكل و غيرهما غالية بالنسبة لبقية إيطاليا، و هواء رومة و خم بسبب أن المرج التي قربها يركد فيها الماء لانخفاضها عما يحول بينها و بين البحر، كما أن الكنائس بها كثيرة و لكل جرس فإذا دق جرس الكنيسة الكبرى دقت الأجراس من جميع الجهات و صار لها دوي يقلق الساكن و يقرب من ذلك نابلي أيضا، ثم إنا قدمنا إلى مجلس النواب الذي كان إذ ذاك مفتوحا و هو يشتمل على خمسمائة عضو فإذا هم أناس يتدبرون في أمرهم و يتشاورون فيه بغاية الإطلاق، و صادفنا في حضورنا البحث في نازلة مالية و هي أن وزير المال عرض على المجلس أن دخل الدولة غير واف بمصاريفها و لتعديل ذلك تلزم الزيادة في الدخل، و قد

16

رأت الدولة أن الأنسب في الزيادة هو زيادة الضريبة على السلاح فوقع نزاع في أصل الزيادة، و كان أشد المضادين نواب جزيرة «سيسيليا» إلى أن قال أحدهم: «إنك أيها الوزير لا تفكر إلا في الزيادة في الدخل بوضع الضرائب على السكان الذين أفقرتموهم لكي تأخذ أنت المرتبات الوافرة من دمائنا و كدنا إذا لم نقل بصرفك الأموال في شهواتك و مخفياتك»، فنهره رئيس المجلس و ألزمه الأدب في الكلام فعاد إلى كلامه و قال: «نعم يأخذون خفية و يحملوننا ما لا نطيق في أغراضهم و شهواتهم». فأسكته الرئيس و أطال عليه اللوم و النكير بعبارات شديدة حتى وسمه بالوحشية و أنه يضطر إلى إسكاته أو إخراجه من المجلس إن لم يلتزم آداب البحث فضج حزب المتعرض و قالوا: «ليس لكم منعنا من الدفاع عن حقوقنا و ما أتينا إلى هنا إلا لحفظ حقوق الأمة من التلاعب بها»، فأجابهم الرئيس بأن الحقوق يتوصل إليها مع سلوك الأدب فانقادوا إليه و طال النزاع في النازلة و أبقيت للمفاوضة يوما آخر، و كان مكاتبو الصحف جالسين يحصون جميع ما يقال و ما يقع حتى كتبوا نفس حضورنا لأنا كنا بلباسنا التونسي و ذلك أوجب التفات الأنظار إلينا في أي مكان قصدناه، حتى أن بعض البلدان التي ليس لأهلها تهذيب تام كان يزدحم علينا في الطريق العوام إلى أن يوقفونا بازدحامهم و أكثر ذلك في أهالي نابلي، إلى أن التزمت فيها أن لا أخرج في الطريق إلا راكبا في عجلة و ذلك لعدم تعودهم على رؤية مثل لباسنا.

و صفة هيئة مجلس النواب هو بيت كبير جدا يميل إلى الطول أكثر من التربيع و سقفه قبة مرتفعة شاهقة مؤنق في جدرانه و سقفه و أرضه و في وسط صدره عرضا سدة ارتفاعها نحو ميتر على الأرض و فوقها كرسي و أمامه مائدة، و يصعد إلى ذلك المحل بدرج يمينا و شمالا و هذا محل جلوس الرئيس و حوله كتبة و كراسيهم و موائدهم على الأرض، و بقربهم في وسط البيت كراسي الوزراء و في وسط البيت كراسي أربعة كتاب مخصوصين بمعرفة كتابة سريعة يتناوبون إثنين بعد إثنين في كتابة كل ما يلفظ به متكلم في المجلس، و بقرب الرئيس منبر مرتفع قليلا يصعده خطباؤهم على التناوب بعد الإذن لهم من الرئيس يتكلمون في مصالحهم، ثم كراسي منصوبة صفوفا صفا وراء صف على نحو دائرة مستطيلة ينتهي طرفاها حول الرئيس، فالصف الأول كراسيه على الأرض و الصف الذي وراءه كراسيه على سدة من خشب أعلى من الذي أمامه بدرجة من خشب ثم الذي وراءه أعلى منه و هكذا إلى نهاية الصفوف، و الدرج التي يصعد منها إلى الكراسي مقسمة لتلك الدائرة و كل قسم من الكراسي أمامه مائدة مستطيلة و فيها لكل كرسي فجر و دواة و أقلام لما يحتاجه صاحب الكرسي و كل كرسي عليه عدد مخصوص مرسوم عليه بلون مخالف للون الكرسي و في أعلى البيت محيط به من جهاته إلا الجهة التي بها الرئيس رواقات يجلس بها المتفرجون و لصاحب الملك بيت بإزاء محل المتفرجين يأتيه إذا أراد كما له كرسي في المجلس، و أما وظيفة المجلس فسيأتي الكلام عليها.

ثم رحلنا من رومة و قصدنا «ليفورنو» راكبين الرتل فإذا بقرب رومة آجام راكدة فيها

17

المياه و فيها من البقر شي‏ء كثير مسرح هناك للأهالي بدون حراس مخصوصين لكل أحد بل على المكان قيمون يؤتى إليهم بالبقر و يستودع هناك إلى وقت احتياج أصحابه، و منه ما لا مالك له فيتناسل هناك و تبيع منه الدولة لمن أراد الشراء و مررنا في سيرنا على مرسى «بيشي تافيكيا» التي هي أقرب مرسى طليانية إلى رومة قاعدة المملكة و في آمال مهندسيهم أن يفتحوا خليجا من تلك الجهات من البحر ليصل إلى حدود بلد رومة لأن الأرض هناك منخفضة و به ينصلح الهواء من تعفن المروج التي يركد فيها الماء، و استمر الرتل سائرا بقرب الشاطى‏ء إلى أن وصلنا إلى «ليفورنو» في الساعة الثالثة قبل نصف الليل بعد مسير إحدى عشرة ساعة، و قد توقف الرتل في المسير عندما وصلنا إلى جسر على أحد الأنهر حيث أن فيضان النهر هدم الجسر فنزلنا من الرتل و عبرنا النهر مشاة على أخشاب ضيقة، و الحال أن النهر عريض و الوقت ليل و المطر نازل ثم ركبنا رتلا آخر مهيأ في الناحية الأخرى من النهر إلى أن وصلنا إلى «ليفورنو» فإذا هي بلدة واسعة الطرق نظيفتها متقنة التحصيب و التبليط بحجارة منحوتة مستوية و بها قليل من البطحاآت الوسيعة أشهرها ما تسمى «بياص دي كافور» و كافور هذا وزير إيطاليا الذي جد في وحدتها الأخيرة فرسم تمثاله بتلك البطحاء و سميت به و كذلك البطحاء الكبيرة، و يخترقها خندق به ماء البحر و عليه جسور و هذا الخندق كاد أن يكون مخترقا لجميع جهات البلد و ذلك لفائدتين.

الأولى: هي أن البلد أرضها مسبخة ندية فذلك الخندق تنجذب إليه المياه مما حوله و يحصل جفاف الأرض و ما أخرج من ترابه الكثير علت به أرض البلاد.

و الثاني: أن البلد كانت من أهم مراسي التجارة لإعفائها من الأداء ترغيبا في عمرانها، فتكثر فيها السلع و تحمل في القوارب و تسير في تلك الخندق من السفن إلى المخازن إذ ماء البحر بالخندق عميق.

و بخارجها على الشاطى‏ء منتزه عمومي ممتد نحو ميلين به حدائق الأشجار و الأنوار و مغاطس من البناء أو الخشب على البحر و قهاوي و ملاهي تنتدبها الناس زمن الصيف من أهالي البلد و غيرهم، و الطريق للمارة وسيع جدا و على حده قصور شاهقة ذات منظر جميل أمامها الطريق و دونها الحدائق و من ورائها القهاوي و الملاعب و المغاطس و من ورائها البحر و هي في الصيف ليلا و نهارا منزه مريح، و يسمى ذلك المكان «البساجاتا» و «برت ماري».

و في البلد خزنة للماء مسقوفة ببناء ضخم شديدة النظافة حتى يرى الرائي في قعر الماء مع عمقه كتابة على الحجر بيّنة، و الماء في غاية الصفاء مع اتساع الخزنة و محل استقرار الماء منقسم على عدة أقسام، فيدخل الماء المجلوب من عين غزيرة إلى أحد الأقسام إلى أن يتملى‏ء ثم يخرج منه من أسفل إلى قسم آخر، ثم منه من أعلى إلى قسم آخر و هكذا بحيث أن كل قسم يكون مملوءا و لا يخرج منه إلا بقدر ما دخل فيه لتصفية الماء و تروّقه حتى لا يخرج إلى عموم البلد إلا بعد انتهاء ترويقه، و هاته البلدة موقعها على البحر و هو غربيها

18

و هي من المراسي الشهيرة للتجارة و الحرب و قد بني بها ميناء مأمنا للسفن ذات حوضين، قيل أنفق عليها مائة و عشرون مليونا فرنكا و بها مرفأ للسفن و لإنشائها، و لما وصلنا إلى البلد وجدنا الوزير حسين الذي قصدنا البلد لأجله غائبا في «فيرينسا» بدار سكناه حيث كان تابعه هناك، ثم وادعت صديقي الشيخ «سالم أبو حاجب» حيث كانت مأموريته هناك، و ركبت بكرى ليلة و صولنا قاصدا الوزير المذكور في بلد «فيرينسا» و أبقيت غالب رحلي و أحد تابعي هناك لاحتمال العود، فسرنا في الرتل ثلاث ساعات و كان حول «ليفورنو» بعض غياض ليست حسنة جدا.

و مررنا على بلد «بيزة» مناخ علم الطب سابقا، فإذا هي من مدن إيطاليا الشهيرة و يخترقها نهر و حوله منارة و قد انفردت هاته البلدة بشيئين.

أولهما: أغرب شي‏ء من مباني العالم و هو الصومعة الوحيدة المائلة فإن هاته الصومعة يراها الناظر مائلة ميلا كليا إلى جهة الجنوب حتى يخالها أنها ساقطة لا محالة، و هي ليست بمرتفعة جدا و بناؤها من حجارة منقوشة و مرمر و درجها كل في قطعة واحدة من المرمر، و هي في وسط بطحاء قرب كنيسة و أسفل قاعدتها مائل أيضا غائر في الأرض من جهة الميلان و مرتفع من مقابله و قد اختلف النقل في سبب ميلانها، فقيل: إنها بنيت كذلك و هو من مهارة صناعها و معرفتهم بفن الأثقال، و قيل: إنها بعد ما بنيت انخفضت بها الأرض من إحدى جهاتها فمالت. و على كل فسبب عدم سقوطها هو عدم خروج قطر محيطها بالميلان عن مركز قطبها، و الحاصل أنها من عجائب المناظر. و قيل إن ميلان أعلاها عن مساواة أسفلها أبع ميتروات، و مثلها في الميلان صومعة أخرى خارج البلد جهة الشرق لكنها ليست في إتقان الأولى و لا في ارتفاعها، و قد بني حولها بناء ملاصق لها لتوقع سقوطها و بقي أثر الميلان ظاهرا.

و ثاني الشيئين الغريبين: الكنيسة، و هي ليست بكبيرة و لكنها كثيرة التأنق و الرونق سيما من ظاهرها و زيادة غرابتها في الصدى الذي يحصل فيها من الأصوات إذ يدوم فيها الصدى و يعتلي على وجه خارق للمعتاد و السبب فيه شكل البنا و طلي الحيطان.

و بعد أن جاوزنا «بيزة» بدلت الأرض غير الأرض التي عهدنا منظرها في بلادنا و ما مررنا عليه من كيفية العمران و اتصاله و إتقانه و لا يوفي الوصف و القلم بتصويره و تقريبه، و بالجملة فليس أن كل قطعة من العمران لم نعهدها بل عهدنا مثلها و لنا قطع تضاهي أفراد تلك القطع سواء كانت في البساتين أو في القصور التي بها أو في إثارة الأرض و تعميرها، لكن الذي لم يعهد لنا هو اتصال ذلك العمران و امتداده و تماثله إلى ما لا يحيط به البصر مع تحسين جهات الإتصال العامة، فإنها تحدث من ذلك هيئة إجتماعية لها اعتبار زائد فوق اعتبار قطيعات منفردة و إن بلغت من الإتقان ما بلغت.

ثم وصلنا إلى «فيرينسا» فإذا موقف الرتل بها جميل أنيق و إذا بالبلد وسيعة لكن طرقها

19

القديمة ضيقة، و أما الجديدة فواسعة شديدة النظافة و تهذيب أخلاق السكان و الحضارة و يخترقها نهر على جانبيه رصيف منحوت، و في مجرى الماء عرضا عوارض مبنية لحصر الماء كي يكون عمقه حدا محدودا و نشأ من ذاك خرير عظيم له دوي، و على جانب النهر منزه عمومي ممتد أزيد من ميل و به فوّارات و حدائق و أنوار و في نهاية المنزه عند ملتقى النهر المذكور بجدول صغير بطحاء بها قبة من رخام صغيرة بلا حيطان مرفوعة على أسطوانات جيدة رخامية عالية على الأرض، و بوسطها صورة مجسمة من الرخام لأحد أمراء الهند الشبان و ملونة بلونه و لون ثيابه الرسمي، و كان ذلك الأمير سائحا في أوروبا بعد زيارته لملكة الإنكليز متداويا فلما حل «بفيرينسا» مات و كان مجوسيا، فأرسلت عائلته مكلفا إنكليزيا لرسم صورته في ذلك المحل الذي أحرقت جثته فيه على عادة المجوس و دفن رماده تحتها، و كان من عاداتهم أن مكان الإحراق يكون في ملتقى نهرين فلذلك فعل به ذلك هناك و جعل على ذلك المحل قيم و وقف و كان ذلك في عشرة التسعين و المائتين و ألف.

و في حدود البلدة من الجنوب منتزه آخر في جبل مرتفع نزه جدا ذو بساتين و قصور و طرق وسيعة سهلة الصعود بالكراريس و في منتهى ارتفاعه بطحاء وسيعة ذات مصاطب و منازه و بقربها كنيسة قديمة مرصفة الحيطان من خارج بالرخام الأبيض و الأسود تقصد بالتفرج، و جملة ذلك الجبل منتزه، و لما صعدت إلى هناك أحسست ببرد شديد لارتفاعه و لبرد الزمن.

و من أحسن ما بالبلد قصر القلرية الذي به بيت أغلب حيطانه من البلور، و هو قصر ضخم و به من التصاوير المرسومة في الخرق المنسوجة مع النسج و في الورق شي‏ء كثير و كذلك المسجدة من الحجر و النحاس، و قال بعضهم: إن مجموعها مليون من التصاوير، كلها في غاية الإتقان تعتني لها المصورون من الآفاق لتقليدها، و مما بها من التصاوير صور الملوك من جميع الآفاق في أعصار مختلفة، و منها: صورة محمد باشا الأوّل والي تونس، و يتصل هذا القصر بقصر سكنى الملك عند استقراره الحكومة هناك، و هو قصر كبير ليس بغريب أصله لأحد السكان فاشترى منه لاستقرار الملك، و هو لا زال مشتملا على جميع المرافق مثل ما تقدم في قصر نابلي.

و من غرائب البلد ارتفاع قبة كنيسة بها مبنية من ظاهرها بالرخام الأبيض و الأسود على أتقن صناعة، و بها من الأسطوانات الجيدة اللاصقة بذلك الرخام و من النقش الغريب فيه ما جعلها من أتقن البناآت، و ارتفاع القبة مائة و سبعة عشر ميترو و بإزائها صومعة جيدة ارتفاعها سبعة و سبعون ميتر و هي في البناء على نحو الكنيسة، و بالجهة الغربية منها صومعة أخرى أعلى منها و من القبة أيضا، و بالبلدة عدة ملاهي حسنة. و قد اشتد البرد في هاته البلدة بالنسبة لما اعتدناه و قد أقمت بها ضيفا عند صديقي الوزير حسين التونسي و ترجمة هذا الوزير باختصار: هو رجل من الجراكسة أتى إلى تونس و سنه دون العشرة فربي في سراية

20

الوالي حسين باشا و أدخل إلى مكتب المهندسين العسكرية فحصل مشاركة جيدة في النحو و الأدب و الفقه و مهارة في الفنون العسكرية و إجادة للغة الفرنساوية، ثم وظف في عساكر الخيالة بمعية أمير لوائها إذ ذاك خير الدين باشا و سافر معه إلى فرنسا في خصام محمود بن عياد في ولاية أحمد باشا، ثم ولي رياسة المجلس البلدي بحاضرة تونس و أحدث في الحاضرة إصلاحات عديدة في ولاية محمد باشا، ثم عند ولاية الصادق باشا ولي رئاسة مجلس الجنايات و مستشارية الوزارة الكبرى و عضوية المجلس الخاص و المجلس الأكبر، ثم استعفى من الجميع عند إيقاف القوانين و رحل إلى أوروبا و ساح سياحات وسيعة إذ كان قبلا عرف أكثر ممالك أوروبا كألمانيا و الدنمرك و السويد و هلاندا و البلجيك و إيطاليا و فرنسا و إنكلتره و الجزائر و الأستانة، في سفارته منفردا أو مع خير الدين باشا سفيرا عن الوالي المذكور، و عند استعفائه المذكور رحل إلى المغرب و إسبانيا و النمسا و الروسيا و أمريكا و مصر و الحجاز، ثم استدعته الحكومة عند ولاية خير الدين وزيرا مباشرا هو و غيره ممن ابتعدوا عنها، فولي مستشارا في القسم الثاني من الوزارة، ثم سافر إلى إيطاليا لخصام ورثة نسيم في حساب مورثهم مع الحكومة التونسية كما تقدم، و أقام «بليفورنو» حيث مات المورث و لا زال في الخصام إلى الآن، ثم لقب بوزير الإستشارة و مستشار المعارف و هو ذو أخلاق كريمة و صفات عظيمة و معارف وسيعة و فصاحة مريعة له عدة رسائل في كثير من المسائل، و كانت إقامتي عنده في «فيرينسا» في إحدى منازل المسافرين الضخمة قريبا من النهر، و اجتمعت بأشهر حكماء البلد المسمى «شيف» و بعد أن استقرأ تقرير المرض و استخبر الجسم أشار إليّ في مضمون كلامه أن المرض ليس بمخوف، كما أنه من الأمراض المزمنة و أنه يدافع بترتيب المعيشة في الأكل و المسكن و ارتياح الفكر و البدن و الإبتعاد من هواء البحر و حسن سكنى الجبال و أن كثرة الأدوية مضر قليل الجدوى و لقد صدق.

ثم طلبت تلغرافيا بقية رحلي و تابعي و سافرت قاصدا باريس مارا على تورين للإستراحة بها، فركبنا الرتل صباحا و سرنا في الوهاد نحو الساعة على ذلك المنظر البديع ثم تصاعدنا في الجبال و كان للرتل حينئذ مزجيتان و مهما ازددنا تقدما في الإرتفاع إلا و ازداد المنظر بهجة و رونقا، إلى أن انتهينا في الصعود فكان منظرا ترتاح له النفوس و يجلي عن القلوب كل بؤس، يا له من جمال و يا للّه من بدائع صنع بتكوينه و بخلقه بأعمال الرجال، فالقرى البهيجة منتشرة على مد الأبصار و الأشجار تمد أغصانها لتناول الدراري من الأفلاك تخالها بقايا قد انتثرت منها من الثمار، إذ قد استعوضت عن خضرتها الزبرجدية بالثلوج الياقوتية و الأرض و الجبال قد بسط عليها بساط الفضة الزلال مع الإتقان في تنضيد الأشجار و إثارة الأرض بالحرث و تدفق المياه من ينابيع العيون، و سيول أمياه الثلوج المذابة المنحدرة في جداول ثم نهيرات ثم أنهر متبحرة، و لا يسير الرتل نصف ساعة إلا و يقف على قرية نضرة و تارة يمر حذو رواشن القصور، و أخرى حول سطوح الديار و طورا ترى البلدان‏

21

تحتك في أسفل سافلين و هكذا مناظر بديعة مختلفة تتوالى كل لحظة ثلاث ساعات في الجبال و على الإجمال أن السفر في جبال أوروبا المتمدنة ذات العمران ليس له من لذة عندي توازيه سيما مع الركوب في الرتل في الطبقة الأولى في مخدع منفرد للشخص و أصحابه، و على الخصوص إذا كان معه صديق يساجله في سائر المقاصد فإن ذلك من نعم الدنيا الكبرى، و من هناك حجبت عنا الشمس بكثرة الأبخرة المتصاعدة من الجبال و الثلوج ثم نزلنا إلى الوهاد بعد أن جزنا في الجبال صعودا و نزولا خمسة و أربعين نفقا، فمنها: ما يسير فيه الرتل عشرة دقائق، و منها: ما يسير فيه دقيقتين. و كل نفق مظلم و يشتد ظلامه و يخف حسب طوله.

و بعد أن سرنا في الوهاد نحو ساعة و تكاثر نزول الثلج وصلنا إلى بلد بولونيا و هي بلدة ضخمة لكن أبنيتها و طرقها ليست بجميلة سيما القديم منها و أغلبها على ذلك النحو، نعم بها منتزهات نزهة، و أغلب الطرق يحفها يمينا و شمالا رواقات لشدة حرها صيفا و شدة بردها و كثرة ثلجها شتاء فتتقي المارة بتلك الرواقات، و فيها موقف للرتل عظيم جدا لأنها مناخ للتجارة لتوسطها بين بقية ممالك إيطاليا و سفيسرة و فرنسا و النمسا و ألمانيا، فترد إليها الأرتال من الجميع، و نزلنا في الموقف و تغدينا في محل الأكل هناك و كان وقوف الرتل نصف ساعة، ثم سرنا إلى تورين في ذلك المنظر البهيج المنبسط على الوهاد لكثرة إتقان الزراعة و إثارة الأرض و تعميرها و كثرة الأبنية في الأراضي الزراعية كل ذي أرض له فيها بناء مع تحسين شكله و تزيين ظاهره، و مع ذلك منظر الجمال في الجبال أبهج، و عند ما أراد الليل أن يسدل حجابه تبدى وجه الغزالة محمرا من برقع السحاب على وجه الأفق فيا له من منظر بديع يشهد للباري تعالى بحسن الصنيع، و ما ودعنا نور الشمس إلا بعد ما استخلف ضياء البدر المنير إذ كان ذلك أواسط شهر ذي القعدة فتفضض الأفق و النواحي ببريق البدر، و كان جمال الليل مزهرا في تلك المناظر الجميلة مستمرا إلى أن وصلنا إلى موقف الرتل بتورين بعد نصف الليل، فإذا بذلك الموقف أبهى و أبهج و أضخم من جميع ما رأيناه سابقا.

و استمر سير الرتل من مبادى‏ء متعلقات الموقف إلى أن استقر فيه أزيد من عشرة دقائق فكنت ترى فيها المزجيات و المركبات منبثة في جميع الجهات مائسة لأركانها و الرتل وارد و صادر من كل أوب، و محل نزول الركاب هو ساحة عظيمة مرفوع سقفها على أعمدة من الحديد المستطيلة من قضبان من الحديد مرصف فيها الزجاج و الفوانيس موقودة بالغاز تضي‏ء كالنهار، فاسترحنا في بيت الجلوس إلى أن نزل رحلنا في الكمرك و فعلوا في تفتيشه ما فعل في البلدان السابقة، ثم ركبنا أحد الكراريس الكبيرة المعدة لنقل الركاب إلى منازل المسافرين لأن كل منزل كبير له كراريس كبيرة تسع الواحدة ثمانية من الركاب فما فوق تحملهم من المواقف إلى المنزل و العكس، و ذهبنا إلى المنزل فلم نجده لائقا فانتقلت إلى منزل آخر حسن و أقمت بهاته البلدة يومين و هي مصر عظيمة ذات إتقان في الأبنية و المساكن و الطرق.

و من خصائصها أن طرقها تكاد أن تكون كلها متقابلة تتقاطع على التربيع بزوايا

22

مستوية، كما أن من سماتها أن طرقها تكاد أن تكون كلها محفوفة برواقات يمينا و شمالا قائمة سقوفها على أعمدة من البناء أو الحجارة المنحوتة و لا يمشي الراجل إلا تحتها، و فوقها أبنية القصور و المساكن و إليها تفتح أبواب الحوانيت و الديار و غيرها، و أواسط الطرق للركاب أو العابر من جهة إلى أخرى. و أعظم بطاحها البطحاء التي أمام قصر الملك و هي متسعة جدا في صدرها القصر الملكي و على جانبيها مساكن للعساكر، و الجهة الرابعة قبالة القصر في وسطها طريق كبير و عن يمينه و شماله ديار و منزل المسافرين الذي نزلنا فيه، و في وسط البطحاء فوارات و أوّل ما رأيت «الترموي» في هاته البلدة. و هو مركبة ذات عجلات صغيرة من حديد تجري في صفحات من الحديد غائرة في الأرض ممتدة مع الطريق إلى نهاية ما يريدون إيصال السير إليه، و يجرها إثنان من الخيل و لهم في كيفية إدارتها عند الوصول إلى نهاية الطريق كي ترجع إلى المكان الذي ابتدأت منه كيفيات.

فإحديها: أن في محل الإدارة يكون وقوفها على دائرة من الحديد ذات قطب تدور عليه بسهولة فبإدارة الدائرة تدور المركبة.

و ثانيتها: أن المركبة يكون مقدمها و مؤخرها سواء فعند بلوغ النهاية من الطريق تحل الخيل الجارة من تلك الجهة ثم تربط من الجهة التي كانت مؤخرا و تسير المركبة راجعة إلى المكان الذي ابتدأت منه.

و ثالثها: أن تكون الصفائح التي تجري فيها العجلات في نهاية الطريق مرسومة على نحو دائرة متسعة، فتدور بها الخيل إلى أن تعود إلى الطريق الذي جاءت منه، و كل كيفية من هاته في طريق خاصة و بلد خاص و سبب أعمال هذا الطرق هو لتسهيل جر المركبة على كبرها إذ يركب بها نحو العشرين نسمة في داخلها و على سطحها نحو نصفهم، و لا يجرها سوى فرسين و هي وسيلة كبرى لترخيص أجرة الركوب و سهولة الإنتقال، فيقف في مراكز معلومة كما تقف لكل من يطلب الوقوف للركوب أو النزول و يؤدي الأجرة زهيدة نحو ثلاثين سانتيم أي ثلاثين من تجزئة الفرنك إلى مائة، هذا إذا كان المكان بعيدا و أما إذا كان قريبا فبنصف ذلك المقدار، و القرب و البعد على حسب اتساع البلد و امتداد ذلك الطريق لكن القريب على كل حال لا يقصر عن الميل. و هاته البلدة بها نهر عظيم و منظره خارج البلد بهيج و بقربه في إحدى تلك الجهات منزه عمومي كبير نزه و جبل به أماكن للأكل و القهاوي، و قصر الملك حسن جدا و كبير متسع مونق في تزويقه بالذهب و الألوان و به جميع فرشه و حوائجه، و قد كانت هاته البلدة هي قاعدة مملكة «الساردو» الذي استولى على جميع إيطاليا و اتحدت أخيرا تحت ملكها، و بها خزنة للكتب عظيمة جدا و عند ما دخلتها علمت كبير الفرق بين أهالي هاته البلاد و أهالي نابلي، فإن الثانية لما دخلت خزنة كتبها لم أجد إلا أفرادا لا يتجاوزون جمع القلة و هاته لما دخلت إلى خزنة كتبها وجدتها مفعمة بمئات من الرجال و قليل من النساء كل منهم منكب على المطالعة في كتاب و لا تجد حسا

23

لواحد إلا همسا لكي لا يشوشوا على بعضهم، فمن مطالع و من مقابل و من ناسخ و من مفكر و الكتاب بين يديه، فعلمت أن أهالي هاته البلدة معارفهم أوسع، و سوقها لديهم أروج و ذات الخزنة كتبها أكثر مما رأيته سابقا، و بها مصاحف كريمة ذات خطوط أعجمية أنيقة مذهبة و مونقة للغاية القصوى و لها صناديق و وجهها و سقفها من الزجاج مقفولة لحفظها و لا يحلها إلا القيم عند التأكد، ففتحها لي و تشرفت بها.

ثم رحلنا من هاته البلدة قاصدين باريس في مرحلة واحدة و لما كانت المرحلة بعيدة آثرت كراء مخدع في الرتل ذي فرش و مستراح و لزم لذلك إعلام مدير الرتل من قبل وقت الركوب لكي يحضره على الصفة التي نريدها و لكي يعلم موقف الرتل في حدود فرنسا بإحضار مثله في رتلهم حيث أن الركاب ينتقلون هناك من الرتل الطلياني إلى الرتل الفرنساوي، فركبنا في الساعة الثامنة بعد الظهر ليلا في مركبة ذات مخدع له ثلاث مساطب فرشها حريرية و كل مسطبة تنفتح فتستطيل إلى أن تصير فراشا له وسادة و قد اخترتها بحيث يكون الراكب فيها مواجها إلى جهة السير، لأن عكسه يورث لي دوارا. و في وسط المخدع باب يدخل منه إلى محل ذي مستراح في أحد جهتيه و مقابله محل ذو أنبوب للماء ينفتح و ينغلق يجري منه الماء و ذو إناء ينزل منه الماء المغسول به و به مرآة بحيث يستطيع الإنسان التوضي هناك و إصلاح لبس ثيابه، و في المخدع أيضا مرآة و مائدة تنفتح من جهة الحائط الموالي لمحل المرافق حتى أن الإنسان يقضي هناك جميع حاجاته بغاية الراحة، و إنما رفعنا معنا مناديل الوضوء و بيت إبرة لمعرفة القبلة في صندوق صغير من الجلد فيه بعض الثياب و مناديل الأنف، و إذا حان وقت الصلاة نصلي بلا تعب سوى أن الأتباع ينزوون إلى جهة غير القبلة و لمثل هذا الإطلاق يتحرى الإنسان في الركوب مع الرفقاء لكي لا يكون عليه حرج فيما يريد، كما أنه إذا حان وقت الأكل و وقف الرتل في إحدى المواقف على البلدان ننزل إلى محل الأكل فنجد فيه ألوان الطعام و الفواكه فنشتري ما نريد و نحمله إلى مخدعنا لكي نأكل بالإستراحة إذ الأكل في المواقف يلزم أن يكون عاجلا خوف سفر الرتل، و الرتل و لئن كان يقف بعد كل نحو نصف ساعة أو ساعة على البلدان، غير أن وقوفه لا يطول إلا بقدر ما ينزل الركاب القاصدين تلك البلدة و يركب منها غيرهم أو أخذ المزجية الماء أو الفحم أو إبدالها بغيرها إذا تمت ساعات نوبتها بحيث أن الحصة أطولها عشر دقائق، أما في وقتي العشاء و الفطور فيقف الرتل نصف ساعة أو أزيد بقليل و يعلم الركاب جميع ذلك من المنادي الذي ينادي عند وقوف الرتل رافعا صوته بقوله: «بلد كذا»، و يسمى البلد الذي وقف عليه و كذا دقائق، أي يقف كذا دقائق، و يفتح الأبواب للمركبات فينزل من يريد النزول و لو لقضاء ضرورة و يرجعون على عجل.

و استمر بنا السير إلى أن وصلنا لجبال المنسني الشاهقة و طفق الرتل يجري بين صعود و نفوذ في أنفاق واحدا بعد آخر إلى أن جاز في نفق استمر في الجري فيه خمسة و عشرين دقيقة غير أنه دون السير المعتاد و هو أطول نفق في أوروبا و صناعته من عجائب صناعة

24

الهندسة، إذ هذا الجبل واقع في الحد بين فرنسا و إيطاليا فناحيته الشرقية الجنوبية إلى إيطاليا و الشمالية الغربية إلى فرنسا، و لما أرادوا وصل الطرق الحديدية اتفقوا على خرق الجبل فجعلت عملة كل من الجنسين تشتغل من جهتهم و بعد الإشتغال بضع سنين اتصل العاملون بعضهم ببعض على خط مستقيم، و الحال أن طوله تسعة أميال تقريبا و تنور فيه فوانيس ليلا و نهارا و يقيم به حراس لتفقد الطريق و لهم مساكن منحوتة و أماكن وسيعة لوضع الضروريات التي يحتاج إليها إصلاح الطريق و مراكز لسلك الكهربا و الرتل لا يدخل إلا إذا رأى علامة الحارس بالإذن بالدخول، و بينما كنا سائرين فيه و إذا برتل آخر مقبلا من فرنسا ذاهب إلى إيطاليا فمرا متعاكسين متحاذيين مع اشتداد دوي العجلات و الصدى و الظلمة و سرعة السير فكان منظرا هائلا و اشتد البرد هناك اشتدادا خارقا للعادة حتى أن بخار النفس كان يجمد على شاربي و زجاج طواقي المخدع كان ينجمد عليه بخارنا إلى أن يمنع الضوء و ينكسر بالتكسير قطعا كالجليد و أيقظتني شدة البرد من النوم مع التردي بالثياب الثخينة الصوفية و أحدها مستبطن بجلد الفراء العالي، و في المخدع قنوات من النحاس ملآنة بالماء الحار جدا ملفوفة في خرق من الصوف و عندما وصلنا إلى بلد «مودان» أول موقف الرتل من جهة فرنسا نزلنا للإنتقال للرتل الفرنساوي و ابتدأ الأمر فيما شاهدته بفرنسا.

فلنعد الآن لبقية الكلام على إيطاليا، فإني عدت إليها سنة 1298 ه سنة 1881 م وزدت معرفة بالبلدان التي ستذكر و هي: ابرندزي، التي هي أكبر المراسي جهة شرقي إيطاليا و لها مأمن حسن و حصون و بقية البلد ليست إلا قرية محتوية على لوازم أهلها، و أقمت بها ليلة ثم توجهت إلى «باري» و هي مرسى أيضا دون الأولى و لكنها أكبر منها بلادا و أحسن حضارة سيما الأبنية الجديدة التي لها إتقان في انتظام الطرق وسعتها و أقمت بها ليلة ثم توجهت إلى بولونيا و قد مر ذكرها، و جميع ما مررنا عليه كان في غاية العمران و الإنتظام في الزراعة و كثرة الشجر من الزيتون المعمر لجميع تلك الأرض مع بعض غلال أخرى شتى، و جميعها يسقى بالنواعير من الآبار بإدارة الدواب حميرا و خيلا و بغالا و كذلك القرى كانت كثيرة منتشرة و حيث كان مرورنا وقت الحصاد صيفا كنا نرى جميع الجهات مشتغلا أهلها فبعضهم يحصد الزرع حتى الذي تحت أشجار الزيتون، و آخرون يتبعونهم بسقي الأرض و في أثرهم آخرون يثيرون بالحرث ما جف من الأرض و هكذا بحيث لا تبقى الأرض مدة بوارا، و يزرعون في بعض الجهات إذ ذاك بقولا بحيث يصح أن يقال إن الجهة الشرقية من إيطاليا أعمر من الغربية.

و بعد إقامتي ليلة في «بولونيا» توجهت إلى قرية «منتكاتيني» التي بها مياه معدنية عليها حمامات تهرع إليها الأهالي صيفا لنفع المياه و فيها شي‏ء من التحسين، غير أنها شديدة الحر لاكتنافها بالجبال المغمورة بالقرى و الأشجار ذات الغلال الصيفية، و الحاصل أن الجهات البعيدة عن البحر صيفا في أوروبا هي مساوية أو أشد حرا من شمال أفريقية، و يشتد تعب الراكب في الرتل من الحر لأنه إن فتح الطواقي إسود لونه و ربما أوذيت عيناه من الدخان‏

25

و الغبار بسرعة الرتل، و إن أغلقها حميت عليه نار لظى. و حالة البلدان في الحر كما مر، و لذلك لم نطل الإقامة هناك و توجهت إلى «ليفورنو» التي هي على البحر كما سبق و بقيت بها حتى توجهت منها «لسفيسرة» ثم عدت إليها مارا على مدينة «ميلانو» التي أعد فيها إذ ذاك معرض عام لمصنوعات إيطاليا و مخلوقاتها، فإذا هي أي «ميلانو» أجمل بلاد إيطاليا و أكثر حضرية و انفردت بالسوق المسمى «القلارية» الذي هو في غاية الجمال و البهجة، و من غرائبه أنه توقد قبته الوسطى بمزجية تمر على طريق حديدية لسرعة الإيقاد للبخار الغازي و هي مزجية صغيرة نحو ذراع طولا، و أما المعرض فهو أنموذج من معرض باريس الآتي ذكره، و إنما هذا أصغر بكثير و خاص بمتعلقات إيطاليا. و شاهدت فيه تجربة جر الرتل بالقوة الكهربائية السارية في قضبان طريق الحديد، لكن التجربة أفادت أنهم لم يبلغوا المراد لحصول الوقوف أحيانا عن غير اختيار، لكن بلغني فيما بعد أنه تم أمره في ألمانيا و صار مشتغلا به.

فصل: في تعريف إيطاليا

اعلم أن إيطاليا قسم من أوروبا الجنوبية و هي شبه جزيرة في البحر الأبيض تتصل من جهتها الشمالية بالقارة فيحدها شمالا «اسفيسره» و في الشمال الشرقي «النمسا» و في الشمال الغربي «فرنسا» و في الغرب و الجنوب «البحر الأبيض» و في الشرق «بحر البنادقة». و هي على شكل مستطيل من الشمال إلى الجنوب بميل إلى الشرق على هيئة تشبه جزمة ذات عقب و مهماز، و قبالة منتهى أصابع القدم جزيرة «صقلية» «المسماة الآن «بسيسيليا» يفصل بينهما خليج ضيق يعرف بخليج «مسينا» و تبتدى‏ء من الشمال من عرض ستة و أربعين درجة و أربعين دقيقة، و تمتد إلى الجنوب إلى عرض سبعة و ثلاثين درجة و خمسين دقيقة من العرض الشمالي، و تبتدى‏ء جهة الطول من باريس من الدرجة الثالثة و خمس و أربعين دقيقة إلى ستة عشرة درجة و خمس دقائق، فنهاية طولها نحو ألف ميل و ذلك من جبل «مون بلانه» إلى رأس «سبارتيفينتو» و أما عرضها فيختلف جدا، فمن جهة الشمال نحو ثلاثمائة و ستين ميلا و من جهة الجنوب نحو مائة و خمسين ميلا و في بعض الجهات الوسطى نحو أربعين ميلا فقط، و لها عدة جزائر أشهرها و أكبرها، جزيرة «صقلية» و جزيرة «سردانيا» و لها قرب تونس جزيرة «بنتلريا» فهي ذات شطوط وسيعة جدا و بها كانت دولتها دولة بحرية.

و أما جبالها: ففيها عدة سلاسل، فمنها: جبال «ألبا» و جبال «البنين» و جبل «كورنو» و هو أعلاها و ارتفاعه على سطح البحر 9520 قدما، و جبل «فيلنيو». و فيها عدة جبال بلكانية منها ما انعدم و صار عوضا عن فوهة النار بحيرات مثل: «بحيرة رسيمين، و برسيانو، و بلسنا» كلها في الجبال، و أما الباقي منها بلكانا فهو جبل «الفوزوفيو» قرب «نابلي» الذي ارتفاعه 1200 ميتر، و جبل «اتنا» في سيسيليا و ارتفاعه 3313 ميترو و الثلج دائم عليه، و جبل «الترنبل» في جزائر ليبرى و يظن أن بين هاته الثلاثة منافذ تحت الأرض، و بقرب‏

26

نابلي عدة جبال تقذف بخارا كبريتيا و تسمى «سلفتار» و بقرب «ليفورنو» جبل يقذف بخارا مائيا و يسمى «سوفيوني».

و أما أنهرها: فهي كثيرة لكنها لا تعظم جدا لقربها من البحر و أعظمها نهر «بو» الفاصل بينها و بين النمسا، و نهر «تيبر» الذي يجري إلى رومة، و نهر «أرنو» المار على فيرينسا و بيزة و أديج جهة ولاية الترولو التابعة إلى النمسا و غيرها، و كلها لا تحمل السفن إلا القوارب الصغيرة سوى الأول، فإنه يحمل القوارب الكبيرة و إن كان السير فيه صعبا لوجود جزائر رملية به نعم إن نهر أديج يحمل السفن من بلد «تيرنتو» إلى البحر، و بها أيضا ترع صغيرة أشهرها الترعة التي بين بيزة و ليفورنو تحمل القوارب الصغار، و كذلك الترعة الموصلة بين نهري التيفروارنو، و بها أي إيطاليا عدة بحيرات منها المسماة «لاغوما» جورى أي الكبرى و كومو، و غاردا، و ليكو، و لوغانو، و إيزيو، و أما هواؤها فهو جيد في كل الجهات إلا في الجهات الوسطى حيث توجد مستنقعات الماء المسماة «بونتين»، فإنها يحدث منها أمراض عامة في الصيف لأهالي البلاد و منها رومية كما تقدم، و توجد تلك المستنقعات أيضا قرب فينسيا و قرب نهر بو، و في ولاية كلابريا الجنوبية و لا زالوا مجتهدين في إزالة تلك العوارض، فإن بلد ليفورنو كانت من أشد الأماكن و خامة لذلك السبب و كان أهلها قليلين جدا، فاجتهدوا في تنشيف الماء و رغبوا في عمرانها حتى أعفوا الساكن بها عن كثير من الضرائب و صارت الآن لا بأس بهوائها كثيرة العمران ينتدبها الناس صيفا من كثير الجهات العليا من شمال إيطاليا فإنها منتزه جيد، و كذلك جهات نابلي و جزيرة صقلية و الهواء فيها على الإجمال مائل إلى الحر المعتدل و الصيف في جنوبها يطول، و إذا هبت ريح السموم فعلت بها من المضرة بالجفاف ما تفعله بتونس و أما شمالها فهو إلى البرد أميل.

و أما نباتها: فينبت بها الحبوب من القمح و الشعير و الذرة في جهاتها كلها، و البطاطس و نبات التكروري الذي يصنع منه الحبال و الكتان و القطن و الفوة و العنب، و تنفرد الجهة الجنوبية بالبردقان و الموز و النخيل و الهندي أي التين الشوكي و التبغ و قصب السكر و إن كان النخل لا يثمر التمر، و تنفرد الجهة الشمالية بالأرز و الزعفران و القسطل و الحبة الحلواء و الجوز، كما يعم بها الزيتون و التفاح و الكمثري و الإجاص و التوت و التين و اللوز و الفزدق و عروق رب السوس، و بها عدة آجام و غابات غير أنها في الجهة الجنوبية مهملة و غير منتظمة و أشجارها متفرقة، و أنواع هاته الأشجار هي: الصفصاف و الدردار و غيره مما تقدم ذكره في غابات تونس.

و أما حيواناتها: ففيها الخيل لكنها قليلة و أحسنها في فينسيا و ما حولها و منها نوع قصير جدا وحشي يوجد في جزائر سردانيا، و منها البغال و أكثرها في الجهات الجنوبية و كذلك الحمير، و منها البقر و المعز و الضأن بقلة و الجاموس و الخنزير و دود الحرير و النحل‏

27

و السمك بأنواع شتى في الأنهر و الأبحر، و من الحيوانات الوحشية الضبع و الثعلب و الذئب و الخنزير البري و بقر الوحش و الدب.

و أما الطيور: ففيها أغلب ما في القطر التونسي و تزيد «بالغيزان» بأنواعه و أكثره أبلق اللون بين السواد و البياض و هو أكثر ما رأيناه في البراري، و هو ثقيل الطيران و حجمه أكبر من الحجل و أصغر من الدجاج، و فيه أنواع حضرية كبيرة و لها ألوان جميلة مفضضة و مذهبة كما توجد به الحشرات التي توجد في الأقاليم الحارة سيما في الجهة الجنوبية، غير أنها ليست بشديدة الخبث بالنسبة لحشرات أفريقيا. و من غريب حيواناتهم نوع من الكلاب يربى عند قسيسين في جبل «صان برنانتو» في الجهة الشمالية الدائم فيه الثلج، و من خصائص هاته الكلاب أنه إذا اشتد البرد و حدثت زوابع فالقسيسون يسرحون كلابهم و في عنق كل واحد إناء صغير معلق مملوء بشي‏ء من الأرواح المسكرة الحادة و له أنبوب ينفتح، فتذهب تلك الكلاب و ترود الجهات لعلها تجد إنسانا على شفا الهلاك من البرد فتقرب منه و تمكنه مما برقبتها لكي يسخن به، فإن استطاع بعد ذلك الذهاب معها دلته على محل أصحابها و إن رأته لم يتبعها ذهبت لأصحابها و أعلمتهم بهيئة خاصة حتى يتبعونها و يخلصون الإنسان من شدة البرد، فتتفرق الكلاب على ذلك النحو و تكون سببا لنجاة من تظفر به، و هؤلاء القسيسون لا يبيعون من أناث هذا النوع ليكون خاصا بهم.

و أما معادنها: فليس فيها معادن كثيرة و لا غنية سوى شي‏ء من الفحم الحجري في التوسكانة و قرب مسينة من سيسيليا، و نوع من الطين يشعل بعد التجفيف مثل الفحم الحجري و فيها زيت البترول أي النفط، و فيها الحديد بكثرة في عدة جهات منها المباردية و سردانيا و سيسيليا و كلابريا و جزيرة ألبا، و فيها النحاس في جبل لمبارديه و في فينيسيا و ألبا و توسكانا، و فيها الرصاص أيضا في عدة جهات و الزاوق و الزنيكو و معدن انتمونيو و معدن منفنيز و الكبريت و أعظمه في سيسيليا قرب بلد قلتاني سيتا و هو الذي تشتغل منه جميع أوروبا، و فيها من معادن الحجارة كثير و غني فمنه الرخام الأبيض الشفاف الذي تصنع منه التحف و المرمر الأحمر و الرخام الأسود و البرسلانه و الطين الملوّن و المرمر الرفيع و الرخام الأبيض المعتاد، و فيها سباخ عديدة للملح و معادن ملحية و معدن التنكار الذي يشغله الصاغة، و فيها مياه معدنية كثيرة أهمها في ولاية البيمنت و ولاية فينيسيا و ولاية التوسكانا و في نابلي و أشهر الجميع منتيكاتيني في التوسكانة.

و أما مدن هاته المملكة: فقاعدتها رومية التي أخطت سنة 753 قبل التاريخ المسيحي، و موقعها كأنها متوسطة بين الجنوب و الشمال في المملكة و تقرب إلى الشاطى‏ء الغربي و قد تقدمت صفتها. و قد انقسمت هاته المملكة الآن باعتبار الإدارة إلى إثنتي عشرة ولاية كبرى لكل منها عدة أوطان، فينقسم جميعها إلى تسعة و ستين وطنا كل وطن له مركز من المدن و يعرف باسمه، فأما الولايات الكبرى فنذكرها بأسمائها و نذكر عدد أقسامها فقط

28

بدون ذكر لأسماء بلدان الأوطان الثانوية لطول الكلام و قلة الجدوى.

فالأولى من الولايات: البمنت و قاعدتها تورينو و سكانها 000، 215 و بها أربعة أوطان.

و ثانيها: لمبارديه و قاعدتها ميلانو و سكانها 000، 263 و لها ستة أوطان.

و ثالثها: فينيسيا و قاعدتها مدينة فينيسيا التي أغلب طرقها خلجان بحرية يمرون فيها بالقوارب و سكانها 000، 130 و لها تسعة أوطان.

و رابعها: ليفوريا و قاعدتها جنوة و سكانها 000، 130 و لها وطنان.

و خامسها: أميليا و قاعدتها بولونيا و سكانها 000، 116 و لها تسعة أوطان.

و سادسها: توسكانا و قاعدتها فيرينسا و سكانها 000، 176 و لها سبعة أوطان. و ما تقدم كله جهة الشمال ثم في الوسط.

و سابعها: ماركي و قاعدتها أنكونة و سكانها 000، 46 و لها أربعة أوطان.

و ثامنها: لومبريا و تختها بروزه و سكانها 000، 50 و لها وطن واحد.

و تاسعها: لاتسيو و قاعدتها رومة قاعدة الجميع و سكانها 000، 245 و لها وطن واحد.

ثم في الجنوب. عاشرها: نابلي و قاعدتها نابلي و سكانها 000، 400 و لها خمسة عشر وطنا.

و حادي عشرها: سيسيليا و قاعدتها بالبرمو و سكانها 000، 220 و لها سبعة أوطان.

و ثاني عشرها: سردانيا و تختها كالاري و سكانها 000، 33 و لها وطنان.

و أما مراسي هاته المملكة: فهي كثيرة: فمنها جنوة في الشاطى‏ء الغربي الشمالي ثم ما يأتي يليها جنوبا على الترتيب الآتي: و هي أسبيسيا ثم ليفورنو ثم شيفي تافيكيا ثم نابلي ثم كستا لاماري، التي هي أعظم الكل لاشتمالها على معمل كبير للسفن و لو المدرعة، ثم ميسينا و هي في الجنوب و هي حربية تجارية، ثم تارفتوفي شاطئها الشرقي على بحر اليونان، ثم مرسى إبرنديزي، ثم أنكونة ثم فينيسيا و هما على بحر البنادقة، فهاته هي المراسي الكبيرة و هناك غيرها كثير.

و أما الأهالي: فعددهم على ما تحرر سنة 1298 ه سنة 1881 م تسعة و عشرون مليونا، و هم في الأصل من أبناء الأصليين و هم من الأمم الذين ارتحلوا إلى هناك من المشرق و الشمال في أوقات مختلفة و لكن صاروا بالآخرة جنسا واحدا بيضا مع سمرة قليلة حسان تامي الخلقة، أهل جد في الشغل و أهل الشمال منهم تقدمت فيهم الحضارة أكثر من أهل الجنوب، إذ أهل الجنوب و الوسط لا زال فيهم أناس على سذاجة تقرب من التوحش، و كلهم على الديانة النصرانية على المذهب الكاتوليكي إلا خمسة و ثلاثين ألفا، فهم على مذهب البريتستنت، و ثلاثة و عشرون ألفا من اليهود، و من الأهالي ستون ألفا من جنس الأرناؤوط.

29

فصل: في إجمال تاريخ إيطاليا

مطلب: في تاريخها القديم‏

اعلم أن أول ما تسمت إيطاليا بهذا الإسم حسبما وجد بتواريخ الرومان الأقدمين في أواسط الألف الثانية قبل التاريخ المسيحي نسبة إلى مكلها أحد العائلة التي أتت من «الموره» و اسمه إيطاليوس، و قد كانت من قبل ذلك تسمى ساتورينا و كانت مسكونة بأمم أصليين إسمهم أبو ريجان، ثم وفدت عليهم أمم في أزمان مختلفة من اليونان و أهل الشمال و غيرهم و ابتدأ فيهم ملك الرومان العظيم من المائة الثامنة قبل الميلاد و كان منشؤه في مملكة رومية التي هي قطعة من إيطاليا، و امتد شيئا فشيئا و تكاملت أوصاف الفخر في الرومان تدريجا في المائة الثانية و الثالثة قبل الميلاد ثم اتحد تاريخ إيطاليا بتاريخ الرومان إلى أن تسلط الرومان على غالب المعمور المعروف إذ ذاك تحت تسلط الدولة الجمهورية الرومانية، ثم أبطلت الجمهورية و أحدثت الأمبراطورية التي يلقب صاحبها بالقيصر قبل الميلاد بثلاثين سنة، و دامت سلطنة عظيمة مع التقلبات و الحروب إلى أن انقسمت في سنة 395 مسيحية إلى سلطنة غربية و هي الأصلية، و سلطنة شرقية مقرها في سورية و آسيا الصغرى و ما والاها، و أصحاب هاته هم المذكورون في سورة الروم و هم المعنيون بذلك اللقب أي «الروم».

و السلطنة الغربية التي مقرها إيطاليا تخربت و تسلط عليها أمم متعاقبون ثم دخلت تحت سلطنة المشرق ثم افتكها منهم أمة لومبارد، لكن بقي للمشرقيين الجهات الجنوبية و كانت تسمى السلطنة اليونانية أو الإغريقية أو الرومانية ثم انخرمت أيضا، و تأسس تسلط البابا في رومية من سنة 104 ه سنة 722 م لكنها ما سلمت حتى ودعت فاستولى الفرنسيس على قسم من إيطاليا و قوم النباردي استولوا على قسم و السلطنة اليونانية على قسم و بقي البابا تحت ولاية الأمبراطور شارلمان‏ (1) ملك فرنسا و غيرها، ثم استقلت إيطاليا و كان لها تاج خاص و وقعت إنقلابات و انقسامات إلى أن جدد ملك البابا سنة 466 ه سنة 1073 م و تم ذلك في سنة 526 ه سنة 1131 م حيث تأسست مملكة الصقليتين و اضمحلت بقية السلطنة اليونانية و غيرها، و صار ملكها «جيرو الأول» تابعا للبابا ثم ثارت الثورات في عدة جهات و انقسمت إيطاليا أقسام بعضها جمهوري و بعضها ملكي و تعاقبوا على رومية مقر سلطنة البابا و تفوه منها، و حدث في الجنوب مملكة صقلية التي كان المسلمون استولوا على جانب كبير منها بعبورهم البحر من تونس و استولى فتح قسم منها القاضي الإمام أسد بن الفرات‏ (2) فقد كان جامعا بين‏

____________

(1) هو شارلمان‏(Charlemagne) أو شارل الأول الكبير (742- 814) ملك الإفرنج و امبراطور الغرب.

مؤسس السلالة الكارولية، جعل أكس لا شابل (آخن) عاصمة له. حاول الإستيلاء على إسبانيا ففشل في سرقسطة سنة (778) المصدر السابق ص (381).

(2) هو أسد بن الفرات بن سنان مولى بني سليم أبو عبد اللّه (142- 213 ه) قاضي القيروان و أحد القادة-

30

علوم السياسة و الحرب و الشرع و توفي هناك (رحمه اللّه)، ثم بعد مدة تغلب النصارى عليها كما أن الجهة الجنوبية أيضا انتشأ بها مملكة نابلي ثم رجع البابوات إلى إيطاليا من نفيهم إلى فرنسا سبعين سنة و لم ينجح الأهالي في إبعاد الأجانب من الإستيلاء عليهم مع الجهد فيه، و تعاظمت حروب فرنسا و إسبانيا على الإستيلاء على إيطاليا إلى أن تم الأمر إلى إسبانيا سنة 911 ه سنة 1505 م و لم يخرج عليها إلا البندقية، ثم تقهقرت إسبانيا هناك تدريجا ثم تغير الحال في حروب «نابليون الأول» (1) إمبراطور الفرنسيس أوائل القرن الحالي هجري، و أولى الإمبراطور على إيطاليا أخاه ثم صهره و لم يبق خارجا منها إلا صقلية تحت حكم أحد عائلة البربون، و كذلك سردانيا تحت حكم أحد عائلة ساقويا، ثم عند سقوط الإمبراطور المذكور سنة 1230 ه سنة 1814 م انقسمت إيطاليا إلى سبع ممالك كل منها مستقل و هي.

مملكة رومية: تحت حكم البابا الروحي و الملكي.

و مملكة سردانيا: تحت حكم عائلة ساقوريا و يتبع الجزيرة قسم من القارة الشمالية الغربية.

و مملكة اللمباردية: تحت ولاية إمبراطور النمسا.

و مملكة بارمة: تحت ولاية نسل امرأة نابليون الأول.

و مملكة مودينا: تحت ولاية دوك من عائلة إمبراطور النمسا.

و مملكة توسكانا: تحت ولاية دوك من تلك العائلة أيضا.

و مملكة نابلي: و يتبعها صقلية تحت ولاية أحد عائلة البربون.

مطلب: في تاريخها الجديد

اعلم أن دولة الساردو إحدى الممالك المذكورة قد أسست القوانين و الحرية الشخصية و مشاركة الأمة في السياسة الكلية من عهد شارل البرت المتولي سنة 1247 ه سنة 1831 م و كان من همه استقلال إيطاليا و اتحادها تحت علم الحرية، لكنه لم يصادف رجالا ذوي همم تعين على المقصود إلى أن تنازل عن الملك لولده «فكتور أمانويل» (2) سنة 1266 ه سنة 1849 م و كانت دولته لها التقدم من جهة القوة المعنوية لأنها ذات قوانين و حرية عادلة و إن كانت مملكة نابلي أعظم قوة صورية و أما بقية الأقسام فما كان منها تحت النمسا حسا

____________

الفاتحين، ولد بحران و توفي من جراحات أصابته و هو محاصر سرقوسة برا و بحرا. الأعلام 1/ 289، قضاءة الأندلس (54) معالم الإيمان 2/ 17 رياض النفوس 1/ 172.

(1) هو نابليون‏(Napoleon) الأول من عائلة بونابرت (1769- 1821) ولد في أجاكسيو امبراطور فرنسي اشتهر في حملة إيطاليا الأولى و الثانية، نشر القانون المدني سنة (1804) و سمّي امبراطورا في تلك السنة. عزل سنة (1814) و انزوى في جزيرة ألبا، عاد إلى باريس بعد شهور قليلة فتحالفت أوروبا ضده فهزم في معركة «واترلو» سنة (1815) نفي إلى جزيرة هيلانة حيث توفي: المنجد ص (703).

(2) هو فكتور عمانوئيل‏(V ittorioEmmanuele) الثاني ملك سردينيا سنة 1849 ثم إيطاليا 1861، أنشأ الوحدة الإيطالية بمساعدة وزيره كافور المصدر السابق ص (529).

31

أو معنى فالأهالي نافرون منه و إن كان بعضهم له الحرية و القوانين، كما أن ما كان تحت البابا كان يجري فيه الظلم بحسب الشهوات فدام الحال على ذلك إلى سنة 1269 ه سنة 1852 م حيث وقعت الحرب بين الدولة العثمانية و الروسيا و تعاضدت فرنسا و انكلترة على إعانة الدولة العثمانية، و كان ملك دولة الساردو المذكور ملكا عاقلا و استوزر وزيرا ذا دهاء و فطنة و هو «كافور» (1) و كان يأتمنه و ينقاد إلى نصائحه، كما أن الأهالي لهم اعتماد على صدقه و وفائه بحقوق الوطن و كان فيه من الأهلية ما أعانه على اتحاد إيطاليا بتدبيره و سعيه كما سيتلى عليك، فقد عمل الجهد و اتفق مع فرنسا على إعانة الدولة العثمانية في الحرب المذكورة و أرسل عساكره البالغة إثني عشرة ألفا و سفنه مع قوات الدولة الكبيرة، و كان ذلك أول خطوة لإيطاليا في الدخول في زمرة الدول العظام في الأعصر الأخيرة، ثم بعد وقوع الصلح وقع الإتفاق بين دولة الساردو و دولة فرنسا على إخراج ما بيد النمسا من إيطاليا و ضمه إلى دولة الساردو على أن تعطي هاته إلى فرنسا وطني ساقوي و نيس، اللذان هما في حدود فرنسا جهة إيطاليا حول الشاطى‏ء بدعوى أن أصلهما من جنس الفرنسيس، و أسس «نابليون الثالث» ملك فرنسا من ذلك الوقت قاعدة اتحاد الجنسية أي أن كل جنس من البشر له حق الوحدة في انتشائه دولة مستقلة إذا كانت فيه أهلية لذلك، و ساعده على هذا المقصد كون مملكة فرنسا كلها جنسها متحد فرنساوي فلا يخشى على مملكته من تلك القاعدة، كما أن مستعمراتها يدعى أن ليس لأهلها أهلية لدعوى الوحدة و عند حصولها لهم لا يمنعهم من ذلك و عند إشهاره لهاته القاعدة و إرادته الإعانة على إنفاذها في العالم كان عقلاء الفرنسيس معارضين له فيها، و من أشهر المضادين له «تيرس» ذو الشهرة بالتدبير و السياسة و كان يصرخ في مجلس الندوة أن هاتيك القاعدة تؤل بالوبال على فرنسا لا من حيث الخوف من تفرق أهلها لأنهم من جنس واحد و لكن من جهة تقوي جيرانها كإيطاليا و ألمانيا، فإن الجار إذا كان ضعيفا فجاره القوي يكون آمنا منه بل يكون له النفوذ فيه بخلاف الجار القوي فإنه يأبى الضيم و يقع معه التشاحن المؤدي إلى الحرب التي تجهل عاقبتها فضلا عما تستلزمه من الخسائر المحققة في الدماء و الأموال، غير أن صراخه لم يثمر شيئا لأن دولة فرنسا في مدة إمبراطورية «نابليون الثالث» و لئن كانت قانونية شورية ظاهرا فإنها في الباطن استبدادية في السياسة العامة و كل ما يريده الإمبراطور يتمم غرضه فيه، و لذلك أعلنت دولة فرنسا بطلب النمسا أن تسلم في الولايات الطليانية لدولة الساردو و أعلنت الحرب لذلك و تعاضدت فرنسا و الساردو على حرب النمسا وحدها، و قد كانت أنشئت جمعية أهلية طليانية تسمى جمعية وحدة إيطاليا تحت رياسة رجل منهم شهير بالشجاعة و حب الوطن و هو «كاري بالدي» و تعسكر تحته كثير من المتطوعين الطليانيين من‏

____________

(1) هو كافور(Cavour) (1810- 1861) ولد في تورينو و هو من كبار رجال السياسة الإيطاليين و أحد العاملين في سبيل وحدة بلاده المصدر السابق ص (581).

32

جميع جهات إيطاليا و أعانوا الساردو و الفرنسيس، و استعرت الحرب و كان ملوك الدول الثلاث في معسكراتهم و إن كان قسم وحدة إيطاليا كله تحت رياسة إمبراطور الفرنسيس، و انخذلت النمسا و وقع الصلح المسمى بصلح «زوريك» نسبة للبلد التي أمضيت فيها الشروط و بمقتضاها سلم إمبراطور النمسا في مملكة لمباردية إلى إمبراطور الفرنسيس و هو أحالها إلى ملك سردانيا كما سلم له هذا في ولايتي نيس و ساقويا و ذلك سنة 1276 ه سنة 1859 م.

و بينما كانت الحرب مستعرة في ميادين لمباردية و إذا ببقية إيطاليا ثارت من جميع الجهات منادية بالوحدة تحت راية «كاريبالدي» إلى ملك الساردو، فأما الممالك الشمالية فعقدوا مجامع في عدة مدن للتدبير في أمرهم و استقر أمرهم على الإتحاد و رضيت به الأمة فانخلع ملوكهم طوعا و سلمت ممالكهم إلى ملك الساردو.

و أما الجهة الوسطى: و هي مملكة رومية فخرج منها ولايتان اتحدتا مع بقية إيطاليا و بقيت مدينة رومة و ما تبعها للبابا، لأن الفرنسيس أبى على الساردو إذاية البابا حيث أن الرهبان لهم نفوذ على العائلات العالية في فرنسا و الأمبراطور يتقي جانبهم، فألزم الساردو الحيادة عن البابا و أرسل الفرنسيس إلى رومة لحماية البابا من ثورة رعاياه قسما من العساكر الفرنساوية و أسطولا على مرسى شيفي تافيكيا.

و أما الجهة الجنوبية: فثار أهلها أيضا و نادوا بالوحدة تحت راية «كاريبالدي» ثم وردت لهم عساكر الساردو و اشتدت الحرب مع ملك نابلي إلى أن قهر وفر هاربا و تمت وحدة إيطاليا بذلك سنة 1277 ه سنة 1860 م، و قبل فيكتور امانويل الثاني الملقب بملك إيطاليا غير أنه بقي خارجا عنها بقية مملكة رومية و ولاية فينيسا التي تحت النمسا، لأن إمبراطور الفرنسيس في الحرب المار ذكرها استشعر بأن الروسيا تريد الإعلان بالحرب ضده إذا طالت المدة، فعجل بإيقاع شروط الصلح مغتنما بهرجة النصر بما أمكن و بذلك و حماية البابا لم تتم منّة الفرنسيس على إيطاليا، ثم ابتنت على قاعدة الوحدة الجنسية المار ذكرها دعوى ألمانيا التي كانت إذ ذاك تحت رياسة النمسا الحق في الإستيلاء على ولايتي «الهولستين» و «الشولسويغ» اللتين هما من جنس الألمان، و ولايتهما كانت بالوراثة راجعة إلى ملك الدانيمرك و أجرى فيهما قوانين مملكة الدانيمرك، فادعت ألمانيا بلزوم إخراجهما و لحوقهما بألمانيا و أعلنت بسبب ذلك الحرب بين دولة النمسا صاحبة الرياسة و معها دولة البروسيا التي هي أكبر دول ألمانيا، و بين دولة الدانيمرك الصغيرة و استغاثت هاته بكبار دول أوروبا، و كانت دولة إنكلترة مع مصاهرة عائلتي الملك بينها و بين الدنمرك مسلمة بالحق للدنيمرك و متيقنة بأن حرب ألمانيا معها مضر بالآخرة بالموازنة الأوروباوية، حتى قال اللورد «بالمنستور» كبير وزراء إنكلترة إذ ذاك: «إن هاته شرارة ألقيت في أوروبا لا تلبث أن تشتعل منها نارا»، غير أنه أحجم عن العمل لأن فرنسا كانت مخالفة له و ممضية لقاعدة

33

الوحدة، فاشتبكت الحرب بين ألمانيا و الدنيمرك و غلبت هاته في أقرب وقت و أخذت الولايتين منها غير أنه اشتد النزاع فيما بعد بين النمسا و بروسيا، و ذلك أن ألمانيا كما تقدم في المقدمة منقسمة إلى عدة ممالك و قد كانت الرياسة عليها متداولة بين دولتين النمسا و البروسيا حسب السطوة و الإقتدار، و استقرت منذ مدة الرياسة بيد النمسا غير أن الدولة البروسيانية حانقة من ذلك و لم تساعفها الأحوال للغرض، و قد كان ولي عليها ملك عاقل ذو خبرة و تبصر بالعواقب و هو «فريداريك‏ (1) الكبير» فأعطى الحرية للأهالي من نفسه، و من ذلك الوقت أخذت بروسيا في التقدم و اتساع المعارف و كان من قوانينها أن الأهالي كلهم تجب عليهم الخدمة العسكرية حتى أنهم في وقت الحرب يكونون كلهم عساكر، و بذلك صارت دولة حربية قوية أيضا غير أنها مع ذلك لم تساعفها الظروف الحالية لإنفاذ مقصدها في الإستيلاء على الرياسة الإلمانية، إلى أن تولى الملك «غليوم» (2) الملك الحالي فاستوزر رجلا ذا تبحر في السياسة وجد في العمل و هو الأمير «بيزمرك» (3).

و كان الملك عاملا بأفكاره حتى حصلت له ضدية من بطانة الملك و أهل بيته، بل و من مجلس نواب الأمة أيضا عندما رسم بوجوب الزيادة في القوة العسكرية إذ علم أنها الوسيلة لإتمام الأمل مع حسن إجراء السياسة في الداخل و الخارج، لكن الملك لم يقبل فيه قول قائل لسيره لأفكاره و مقاصده حتى أنه لما خالفه مجلس النواب أمر بحله و انتداب الأمة إلى انتخاب غيره تحفظا على سياسة وزيره، و بقي الوزير في خطته و عمل بما رسمه ثم وقعت الواقعة المشار إليها مع الدانيمرك و كانت دولة البروسيا أو عزت إلى فرنسا استحسان قاعدة الإمبراطور نابليون الثالث في وحدة الجنسية و أطمعتها بفوائد لو تساعدها و لو معنى فقط على إبعاد النمسا من بقية ألمانيا، كما أن «بيزمرك» أوعز إلى بقية ممالك ألمانيا للتنفير من رياسة النمسا عليهم لأنها ليست من جنسهم خاصة بل هي مركبة من أعضاء متعددة و ليس الألمان فيها إلا جزءا من الأجزاء، و دام إغراء صدورهم إلى أن أثر فيهم أشد التأثير ثم حصلت المنازعة بين النمسا و البروسيا على الإستيلاء على الولايتين المأخوذتين من الدانيمرك، و في أثناء النزاع أغرت البروسيا دولة إيطاليا بالمعاضدة معها لإخراج بقية إيطاليا من تحت النمسا فأعلنت الحرب بين البروسيا و معها إيطاليا و بين النمسا فكانت النمسا غالبة

____________

(1) هو فردريك الثاني الكبير (1712- 1786) ملك بروسيا سنة (1740) حتى وفاته. رجل حرب و إدارة قاوم التحالف الفرنسي الروسي النمساوي في حرب السبع سنوات استفاد من تقسيم بولونيا سنة (1772) كانت ثقافته واسعة و انفتاحه على الآداب و الفلسفة المصدر السابق ص (522).

(2) غليوم- فيلهيلم-(Wilhelm) إمبراطور ألمانيا الأوّل من آل هو هنزولرن (1797- 1888) ملك بروسيا سنة (1861) ثم ألمانيا سنة (1871) المصدر السابق ص (537).

(3) هو بسمارك‏(Bismarck) (1815- 1898) من مشاهير السياسيين الألمان و أحد الذين حققوا الوحدة الألمانية و جعلوا ألمانيا في مقدمة الدول الإستعمارية في القرن التاسع عشر. المصدر السابق ص (132).

34

لإيطاليا لكنها مغلوبة غلبا فظيعا لبروسيا، و ذلك لأن البروسيا كانت اخترعت نوعا من المكاحل مسدسا يحشى من أسفله و يثور باروده باندفاع إبرة من أسفل المكحلة و يسمى هذا النوع المكحلة ذات الإبرة، و كان أبعد مرمى و أسرع انطلاقا من النوع القديم بكثير فكانت عساكر النمسا يصيبهم رمي عدوهم المتوالي كالمطر الدافق من غير أن يصيب رميهم عدوهم و لو بواحدة، و كان صف العساكر يخر ميتا دفعة من قبل أن يتمكن من رمي عدوه إلى أن ضجت عساكر النمسا و لم يكن لهم من وجه للتخليص إلا عقد الصلح بما طلبته أبروسيا، و من العجب أن ذلك السلاح كانت عساكر أبروسيا مقلدة و محاربة به للدانيمرك عند تعاضدهم مع النمسا و لم يلتفت إليه أحد إذ ذاك و لا تهيأت النمسا لمقابلته فوقع الصلح سنة 1283 ه سنة 1866 م، على أن البروسيا تتولى تلك الولايتين و تدخل فيها أيضا مملكة الهانوفر، و الهاس، و دوكاتوناسو،. و بلد فرنكفورت الحرة، و أن تخرج النمسا عن رياسة العصبة الجرمانية بالمرة، و تبقى ممالك جرمانيا فالشمالي منها داخل تحت رياسة أبروسيا مستقل بإدارته، و الجنوبي منها له معاضدة مع البروسيا لكن ليس داخلا تحت رياستها تماما، إلى أن وقعت الحرب مع فرنسا كما سيأتي في محله.

كما تضمنت شروط الصلح أيضا تنازل النمسا عن ولاية فينيسيا إلى إمبراطور الفرنسيس و هو سلمها للطليان، و ذلك لأنه هو الذي تداخل بالصلح عندما رأى فظاعة تقهقر النمسا، ثم لما انهزمت فرنسا في حربها مع ألمانيا سنة 1287 ه سنة 1870 م و اضطرت إلى إخراج جيشها من رومة تم اتحاد إيطاليا بجعل مدينة رومة تختا للمملكة فدخلتها جيوش الملك «فيكتورا مانويل» و الثائرون بعد محاربة ضعيفة من عساكر البابا و بقي البابا حاكما روحيا على الكاتوليك، و اتحد الحكم السياسي لمملكة إيطاليا و لم يبق خارجا عنها سوى «صان مرينو» التي أهلها نحو سبعة آلاف نسمة فإنها مستقلة بنفسها، و كذلك «صان بيترو» و هي كنيسة رومية الكبرى و الفاتيكان و هو محل استقرار البابا، و بقيت قطعة أخرى على شاطى‏ء البنادقة العليا الحاوية لمرسى ترست تحت يد النمسا و في نفوس الطليانيين الدعوى باستحقاقها، ثم إن المزية في ذلك الاتحاد و لئن كانت إلى الملك فيكتور امانويل لإجرائه للقوانين في ممالكه حتى أحبته سائر إيطاليا و فاز بالشهرة بذلك وزيره كافور لمهارته و حزمه في إدارة السياسة العامة و جلب المساعدة من الخارج و تقديم الأهم فالأهم، لكن للأمة الطليانية أيضا الحظ الأوفر من ذلك الفخر حيث هيأت نفسها و استعدت لإنفاذ ذلك المراد بفتح بصائرها و تمييزها السقيم من المستقيم و معرفتها بما يؤل لخيرها حتى كانت تعقد لذلك الجمعيات السرية في أقطار المملكة و تتواصل المخابرات بينهم في الإستعداد و غرس حب الوطن و النفرة من الضيم، و من تلك الجمعيات الجمعية المسماة «بالفرمسيون» التي نهاية سعيها نشر الحرية من غير إذاية لأحد على شروط عندهم، و تحملت تلك الجمعيات مصاعب كبيرة في عدة جهات و مع ذلك لم يفتر عزمهم و آثروا النفع العام على حظوظهم الشخصية إلى أن وجدوا يد المساعدة من دولة الساردو المستعدة لما يرومونه‏

35

فنادوا بها من جميع أطراف المملكة، و كان «كاري بالدي» مظهر وجود تلك الجمعيات التي كانت تنفق على متطوعيه كإنفاق دولة على عساكرها. و ذلك الزعيم لما تم مقصد إيطاليا رامت الدولة مكافأته بترقيته في الرتب العالية فاحتسب عمله لفخر بلاده و أبى قبول شي‏ء ما مع احتياجه.

و من أهم مساعدات البخت وجود قاعدة نابليون الثالث المار ذكرها، و يقال إنها مؤسسة منه قصدا لأنه يدعي بأنه كان من أعضاء «الفرمسيون» و أنه لما كان منفيا بإيطاليا وعد جماعته بالمساعدة إذا تولى ملك فرنسا، و إعانته لها اعتبار عظيم لأنها كسرت سورة النمسا ذات الشأن، فلو لم تقع مساعدة فرنسا لكانت النمسا أول مخضد لشوكة الاتحاد و لو أنها ترى الحرب لأجل ذلك مع غيرها كنابلي مثلا لأنها تعلم أن المآل بالمضرة لها حسبما قيل أقسم تحكم، فمنة فرنسا لا تنكر في ذلك لأن إحياء الأمة بعد الإندثار و تغلب الدول العظيمة عليها لا يمكن بدون مساعدة دولة ذات شأن و اقتدار كما بينه الإستقراء.

و من غرائب ما سمعته من جهة علوم الحدثان هو أن نابليون الثالث زار إيطاليا أثر إتمام إعانته لها و في مسامرة الوليمة التي أعدت له من ملك إيطاليا، كانت امرأة عجوز من الأعيان حاضرة فاختلت بالإمبراطور مع بعض الأعيان المقربين إليه و قالت له: هل وجدت ما قلته لك صدقا؟ فقال: نعم فقالت: لكن ما أدري كيف الحال في الباقي، فسفسطها و فض المجلس. فسألها أحد الحاضرين عن معنى كلامها فقالت: إنها تعلم نوعا من الحدثان و أنها كانت أخبرت نابليون مدة هروبه بإيطاليا قبل ولايته على فرنسا بجميع ما يقع له، و منه أنه يخلع بعد حرب و قد حان وقتها و لذا قطع الكلام، و قد رويت هاته الحكاية عن ثقة قبل حرب فرنسا و بروسيا سنة 1287 ه سنة 1870 م فلم يطل الزمن حتى كان الأمر كما ذكرت و اللّه أعلم بكيفية علمها بما ذكر فإن بعض أنواع ذلك الفن لا يتوقف على صلاح و لا على دين بل كأنما هو صناعة. و في مقدمة ابن خلدون‏ (1) كفاية لبيان ذلك.

و أما أسماء ملوك إيطاليا: فإن لها الآن ملكان فقط. الأول: فيكتور امانويل. الثاني:

إبنه امبيرتو و ذلك لقرب العهد بالاتحاد، نعم إن الملك الأول كان ملكا على الساردو و هو من عائلة ساقويا التي لها رسوخ في الملك و الإمارة من قديم.

مطلب: في الإدارة الداخلية

إعلم أن الإدارة عندهم منقسمة إلى كليتين:

الأولى: هي ما يتعلق بالإدارة العامة.

____________

(1) هو عبد الرحمن بن محمد ابن خلدون (732- 808 ه) أبو زيد ولي الدين الحضرمي الإشبيلي فيلسوف مؤرخ. توفي في القاهرة. الأعلام 3/ 330، الضوء اللامع 4/ 145 جذوة الإقتباس (7) نيل الإبتهاج (17) تعريف الخلف 2/ 213 دائرة المعارف الإسلامية 1/ 152.

36

و الثانية: ما يتعلق بإجراء الأحكام الشخصية. فكل منهما إدارة مستقلة عن الأخرى و لا دخل لها فيها و كل من الإدارتين راجعة إلى رئيس الدولة و هو الملك، فدولة إيطاليا دولة ملكية و لملكها إدارة السياسة العامة داخلية و خارجية و رياسة القوات الحربية برية كانت أو بحرية و عقد المعاهدات و الحرب و الصلح و رياسة الأحكام الشخصية و تنفيذها، لكنه لا يتصرف في كل ذلك إلا على مقتضى قانون مرتب معلوم و ملخص كلياته: أن الملك يتصرف في جميع ما تقدم بواسطة الوزراء و هو ينتخب الوزير الأول، أي صاحب رياسة الوزراء و يكلفه بأن ينتخب هو بقية الوزراء ممن توفرت فيهم شروط الأهلية، و بعد اختيارهم يعرضهم على الملك و هو يوظفهم في وزاراتهم و هي وزارة الداخلية و الخارجية و المال و الأحكام و التجارة و المعارف و النافعة و الديانة و الحرب و البحر. و قد يتقلد رئيس الوزراء إحدى تلك الوزارات مع الرياسة و قد يجمع بين صغارها كالتجارة و النافعة و المعارف، و كل وزير له حدود في إدارته يكون هو المسؤول عنها.

و هناك مسائل تجتمع فيها المسؤولية على الجميع و ما يستقر عليه رأي الوزراء منفردين أو مجتمعين يمضيه الملك، و إن لم يره يعرضه على المجالس الآتي بيانها فإن وافقوا الوزراء أمضى الملك و إن خالفوهم و أصر الوزراء على رأيهم لزمهم الإستعفاء، و ينتخب الملك غيرهم. كما أنه إذا وافق الملك الوزراء و خالفهم المجلس فللملك الخيار إن شاء انتخب وزراء آخرين و إن شاء حل المجلس و أذن العامة بانتخاب غيره، و من حقوق الوزراء الحضور في مجلس النواب و الأعيان للمناضلة عن أعمالهم، ثم وراء أعمال الوزراء مجلسان.

أحدهما: يسمى مجلس الأعيان، و وظيفة أعضائه عمرية و ينتخبهم الملك من عموم أهل المملكة الأعيان و أعيان المتوظفين و جميع أعضاء العائلة الملكية، إذا بلغ الرجل منهم إحدى و عشرين سنة، و لكن ليس له رأي و صوت يقبل إلا إذا بلغ خمسا و عشرين سنة، و لذلك لم يكن عدد أعضاء المجلس محصورا و كان مقتضى قواعدهم أن يكون من أعضائه كبراء الديانة، لكنه لما كان البابا مضادا لملك إيطاليا حيث نزع منه السلطة المملكية كان جميع رؤساء الديانة مضادين للحكومة الطليانية و يرونها عاصية فلا يتداخلون في أمرها بل لهم سعي في إبطالها و إعادة سلطة البابا، لكن العقلاء منهم الذين يؤثرون نفع الأمة عموما على حظوظ نفوسهم يعملون ما ذكر ظاهرا فقط قياما بوظائفهم الدينية و أما باطنهم فهو مع الدولة.

و وظيفة هذا المجلس: هو الرأي في الإحتساب على أعمال سائر المتوظفين و فصل النوازل التي يقع فيها الخصام بين المتوظفين مما يرجع إلى الوظيف و استحسان أو استقباح ما يرد من مجلس النواب بحيث لا يمضي شي‏ء من تراتيبه إلا بعد مصادقة مجلس الأعيان عليه و هو الحاكم في الجنايات السياسية.

37

و المجلس الثاني: هو مجلس النواب و أعضاؤه تنتخبهم الأهالي من عموم المملكة فكل قسم من المملكة ينتخب عددا على قدر عدد سكانه بأن يكون على كل خمسة و ثلاثين ألف نسمة عضو واحد بشروط في الذين ينتخبون، بأن يكون كل منهم ذكرا طليانيا بلغ من العمر خمسا و عشرين سنة، و أن يكون غير محجور عليه و أن يعرف القراءة و الكتابة و أن يكون مؤديا للدولة أربعين فرنكا في السنة من أي طريق كان من أنواع الأداء، و يستثنى من هذا أقسام لهم امتياز بالعلم و التجارة فلهم الإنتخاب مطلقا، كما يشترط فيمن ينتخب لأن يكون عضوا أن يكون طليانيا و أن يعرف بالرشد و أن يبلغ ثلاثين سنة، و أن لا يكون متوظفا له مرتب من الدولة نعم يغتفر في الشرط الأخير إذا لم يبلغ عدد أهله في المجلس قدر الخمس، و وظيفة هذا المجلس هي المحافظة على القوانين الموجودة و تغيير ما يرى تغييره و تحرير ميزان الدخل و الخرج و ترتيب كيفية توزيع دخل الدولة على الأهالي و الاحتساب على جميع أعمال الدولة، و يوجد مجلس آخر يسمى مجلس الشورى ينتخب أعضاءه الملك من أعيان المتوظفين، و وظيفة هذا المجلس هي إعطاء الرأي فيما يعرضه عليه الوزراء من المسائل و تهذيب القوانين لتعرض على من له قبولها من المجالس، ثم أن تنفيذ جميع الأعمال مناط بالوزراء و هم المسؤولون عما يقع من الخلل بمباشرتهم أو بواسطة من يعينونه للمباشرة في الوظائف و مسؤليتهم لمجلس النواب و لمجلس الأعيان، فهذا هو ترتيب تصرفات الدولة.

و أما الإدارة في الولايات: فقد تقدم أن المملكة منقسمة إلى إثنتي عشرة ولاية كبرى و كل منها لها أقسام حتى صار مجموعها تسعة و ستين ولاية ثم الولايات في ذاتها لها أقسام صغرى و هاته تحتها أقسام أصغر منها، فلكل ولاية وال معين من الدولة و له مجلس يسميه الملك و مدة وظيفتهم ليست محددة و مأموريتهم هي تنفيذ أوامر الدولة و تنفيذ ما يستقر عليه رأي مجلس الولاية الآتي ذكره، و لهم التدبر فيما يصلح بولايتهم و إمضائه بعد موافقة المجلس المذكور عليه، و في كل ولاية أيضا مجلس أعضاؤه تنتخبهم الأهالي لمدة خمس سنين و يبدل خمسهم كل عام، و عددهم على حسب عدد سكان الولاية لكنهم لا يتجاوزون الستين نفسا فيما إذا كان عدد السكان أزيد من ستمائة ألف و ينقصون إن كان عدد السكان أقل، و مدة اجتماعه مرة في السنة تدوم على قدر الحاجة و مأموريتهم هي تعيين المقادير اللازمة لمصاريف مصالح الأيالة كتمهيد الطرقات و بناء الجسور و المكاتب و المستشفيات و تحسين البلدان و غير ذلك، و أول ما يعتبر في مقدار الدخل المقدار الذي يحصل من الأوقاف المعينة لمصالح الولاية ثم ما يزيد عليه من المصاريف يوزع على الأهالي على نسبة ما يدفعونه لمداخيل الدولة، و من وظائفه أيضا تعيين حدود الولايات و تغييرها فيما بينها على حسب ما تقتضيه المصلحة.

و يوجد في كل ولاية أيضا مجلس مركب من الأعضاء المنتخبين من تلك الولاية لمجلس النواب العام، و مأموريتهم مستمرّة ما داموا أعضاء لمجلس النواب، و إدارتهم هي‏

38

قبض و صرف المبالغ المعينة من المجلس السابق بواسطة الوالي و مجلسه و لهم الإطلاع على سائر أعمال المجالس و المصالح المدارة في ولايتهم، ثم أن كل وطن تحت الولاية فيه نائب عن الوالي مأموريته الاحتساب على أعمال المجالس البلدية الآتي ذكرها و إيقاف ما يراه من أعمالهم مخالفا للقوانين و إنهاؤه إلى الوالي، ثم في كل جهة و بلد مأمور من الدولة و له أعوان مكلف بحفظ راحة السكان و حراستهم من الجنايات و المشاجرات و هم المعروفون بالضابطية.

كما يوجد في الأوطان أقسام من العساكر و مكلف بكيفية أخذ العساكر من الأهالي على مقتضى القانون و كذلك يوجد في كل بلد قرية أو مدينة مجلس بلد لا تتجاوز أعضاؤه الستين نفسا في البلدان الكبيرة و ينقصون في غيرها على حسب كبرها تنتخبهم أهالي البلد لمدة خمس سنين كما تقدم في غيرهم، و شروط انتخابهم كشروط مجلس النواب بنقصان في شرط مقدار الآداء للحكومة، و مأموريتهم ما يتعلق بمصالح بلادهم و الإحتساب على الضابطية، و مدة اجتماعهم مرتان في السنة أو عند الإقتضاء، ثم ينتخبون منهم لجنة لا تزيد أعضاؤها على ستة و لا ينقصون عن أربعة بحسب عدد سكان البلاد تحت رياسة شيخ البلد لإجراء المصالح المتفق عليها في بقية السنة، و من حقوق صاحب الملك أن يغلق جميع المجالس المتقدم ذكرها إذا رأى ما يوجب ذلك بشرط أن ينتخب غيرهم هو فيما يرجع إلى انتخابه و يدعو الأمة إلى انتخاب من يرجع إلى انتخابها في مدة لا تتجاوز الثلاثة أشهر، و في مدة التعطيل يكلف الملك من يجري المصالح التي ترجع إلى المجلس المعطل و تكون عليه مسؤولية ما يجريه و لا يعزل صاحب وظيفة إلا عن ذنب أو نقل لغيرها، فهذا كله في القسم الأول من الإدارة و هو الإدارة السياسية.

و أما القسم الثاني و هو الإدارة الحكمية: فإن في كل بلد مجلسا يحكم في الحقوق الشخصية ثم في كل قاعدة من قواعد الأوطان مجلس لتحقيق الأحكام الصادرة من مجالس أحكام البلدان الراجعة لتلك القاعدة عندما يطلب الخصم تحقيق الحكم و يستثنى من ذلك النوازل الصغيرة. ثم وراء ذلك مجلس آخر لتحرير أحكام مجالس التحقيق إذا طلب الخصم ذلك أيضا في نوازل معينة، ثم في كل بلد مجلس للجنايات الخفيفة و مجلس للصلح يدعو الخصوم إليه و أحكام هاته المجالس يستندون فيها إلى قوانين مرتبة عندهم عقلية مستخرجة من عدة قوانين قديمة للرومان و اليونان و غيرهم موصلة الحقوق إلى مستحقيها على ما يرونه و زاجرة عن الجنايات و مراع فيها حالة البلاد و أخلاق الأهالي و عوائدهم و اصطلاحهم. و مجلس النواب يغير من قوانين الحكم ما تدعو المصلحة لتغييره بحسب تغير الزمان و العرف، و قوانين الحكم معلن بها يتوصل إليها كل أحد ليعرف ما له و ما عليه و إذا تغير عندهم حكم مسألة لا يجري العمل به إلا بعد مدة، لكي يكون الناس عالمين به و أحكام مجالس الحكم و سماعهم للدعوى و الجواب يكون علنا و لكل من أراد الحضور في تلك المجالس أن يدخل إليها و يجلس في مكان معد لذلك ليسمع و يرى، لكنه‏

39

ليس له التداخل في الشي‏ء من أعمال المجلس نعم إذا رأى شيئا مخالفا للقوانين فإنه يرفعه لمن له النظر في حفظ القوانين أو يكتبه في الصحف الخبرية و يعلن به، و ليس في قوانينهم العقاب بالجلد، و إنما يعاقبون بالقصاص في النفس و في غيرها بالغرم المالي و السجن على حسب الجناية في درجة عذاب السجن و مدته، و أحكام المجالس تنشر في الصحيفة الخبرية المعدة لذلك لكي يعلم الحكم من أراده من العموم، و وظيفة أعضاء مجالس الأحكام عمرية لا يعزل صاحبها عزل عقاب و لا تأخير ليكون في إجراء الأحكام آمنا إلا إذا ثبت عليه ذنب بمقتضى القانون فإنه يعزل و يعاقب، نعم يترقى العضو من مجلس إلى غيره و من بلد إلى غيرها و ذلك بيد وزير الأحكام على قانون لهم في ذلك، و لعموم الأهالي و الواردين أيضا الحضور في مجلس النواب و مجلس الأعيان لسماع مفاوضاتهم و لأصحاب الصحف الخبرية مكاتبون يحضرون في تلك المجالس لينشروا جميع المفاوضات، و كذلك فيها بيت معد للملك إذا أراد الحضور الغير الرسمي و فيها بيت معد لمن أراد الحضور من أعيان الأهالي و السفراء و الوافدين تعطى لهم أوراق الإذن بالدخول إليها من الوزارة، كما أن العامة إنما يدخلون بورقة الإذن من الرئيس و الحصول عليها سهل و إنما يلزم الإذن لكي لا يزدحم الحاضرون في مكان الاجتماع بأن يكون عددهم أكثر مما يسعه المحل، و لأن في المجالس جلسات سرية يضر إفشاء خبرها فلا يسمح عندها بحضور غير الأعضاء بل ربما اعترى ذلك في وسط الجلسة الجهرية فيؤذن للحاضرين بالإنصراف.

مطلب قد تلخص مما تقدم أن دولة إيطاليا هي دولة ملكية قانونية شوروية

و للأهالي الحرية الشخصية و السياسية، فإما كونها ملكية: فلأن الرياسة و التصرف العام هو بيد ملك وراثي، أعني أن الملك ينتقل من الأب إلى إبنه الأكبر في عائلة مخصوصة و من هذا إلى إبنه الأكبر و هكذا، و بقية العائلة الملكية تستخدم في الوظائف كسائر أعيان الأهالي على حسب التأهل.

و أما كونها قانونية: فلأن التصرفات العامة و الأحكام الخاصة كلها منضبطة بقواعد عقلية مدونة معروفة. و أما كونها شوروية: فلأن تطبيق تلك القوانين على الحوادث مناط بآراء متعددة و وراءها أنظار أخر متعددة بحيث لا يمضي شي‏ء إلا ما يستقر عليه غالب آراء أهل الحل و العقد. و أما كون الحرية الشخصية للأهالي: فلأن كلا منهم له الإطلاق في التصرف في نفسه و كسبه داخلا في دائرة حدود القوانين لا يخشى من مجاوزتها عليه و هي كافلة له بالأمن في دينه و نفسه و ماله و عرضه. و أما كون الأهالي لهم الحرية السياسية: فلأن كلا منهم إذا توفرت فيه الشروط المؤهلة من صفاته الذاتية فله التداخل في تدابير المصالح الكلية العائدة لوطنه، و لكل منهم نشر أفكاره على العموم بواسطة المجامع أو الكتب و الصحف الخبرية على شرط عدم الخروج عن حدود القوانين المراقب لها في جمهوريتي جنسه.

مطلب: في السياسة الخارجية لإيطاليا

إعلم أن دولة إيطاليا الآن هي سادسة الدول الأروباوية الكبار و هي ألمانيا و فرنسا

40

و انكلترة و النمسا و الروسيا و إيطاليا، فهاته الدول بما لهم من القوة و اتساع نطاق التمدن صار لهم المداخلات في كل ما يمس حقوقهم من سياسات العالم، و شدة مراقبة بعضهم لبعض لا تترك أحديها تتداخل في شي‏ء يمكن منه لمس حقوق الآخرين و لو في الوجاهة و النفوذ، و لكنهم عموما يتجنبون المداخلات في أحوال الدول ذات الإنتظام لا لمجرد مراعاة الإنتظام بل لأن الإنتظام يشيد حصونا على أبواب المداخلات باستناد أصحابها إلى أصولهم و آراء العموم مع جريان سيرتهم على استقامة من القيام بواجباتهم في أنفسهم و الوفاء بحقوق المعاهدات الأجنبية، و مع ذلك فالقوة في الدول الكبيرة تغري بالتداخل في أحوال الضعيف كيفما كان الحال لكن الغيرة و التحاسد بين الكبار يوجب ردع بعضهم بعضا، فإذا كان المصوب إليه سهام التداخل مستقيما في نفسه وجد بقية الدول الكبار مستندا لردع الجاني منهم على الضعيف، إذ اختلاف منافعهم و مباينة مقاصدهم موجبة للإختلاف و عدم الاتحاد على الإضرار بالضعيف، حيث أن الإضرار به لا يمكن أن يوفي بأغراض جميعهم فلا يسمح أحدهم برجحان كفة غيره على كفة نفسه و لذلك يجد الضعيف راحة من اختلافهم الذي كانت أعماله باستقامته سببا فيه.

أما إذا كان في نفسه غير مستقيم تورث سيرته الكوارث التي تقلق جميع الدول الكبيرة، فيقتحمون تحمل ضياع بعض أغراضهم ليسدوا باب التشاحن من قبيل ارتكاب أخف الضررين، و ذلك لا ينشأ إلا في الجهات التي تشترك فيها منافع الجميع.

أما الجهات التي تخص بعضا منهم: فإن المشاحنة إنما تقع بين من له تشارك فيها فقط. و لذلك كان لدولة إيطاليا مراقبة لأحوال شطوط البحر الأبيض و كل الدول المجاورة لها، و لم يكن يعنيها ما يقع في غربي أوروبا و لا ما يحصل في الصين و الهند و أمثال ذلك، نعم ليست درجة غربي أوروبا عندها كدرجة الصين، و الحاصل أن تداخلها هي أو غيرها على حسب منافعها السياسية و التجارية، و لذلك كانت لها معاهدات مع الدول التي لها معها علقة في السياسة أو التجارة و هاته الدول هي جميع دول أوروبا و الدول التي على شطوط البحور من آسيا و غالب جهات أفريقيا، و لها سفراء نواب عنها في تخوت تلك الممالك و هم على طبقات في المقام، فلها سفراء من الدرجة العليا في الدول العظيمة التي لها معها خلطة سياسية معتبرة، و لها سفراء من الدرجة الثانية في غيرها من الدول المستقلة أو التي لها معها معاهدات، و لها قناسل و هي رتبة أقل من السفير في الحكومات الغير المستقلة أو التي هي صغيرة و تارة تكلف بمصالحها نواب لمجرد الشرف بالرتبة من غير مرتب أو تكلف نواب بعض الدول الأخرى كل ذلك في الممالك التي تقل خلطتها معها، و لكل سفير أو مكلف نواب و أعوان و محل إدارة يسمى بالسفارة كأنه وزارة تنفق عليها الأموال في المرتبات و غيرها، و كل دولة فيها سفير من إيطاليا يلزم أن يكون لها هي أيضا سفير فيها على قدر مصالح تلك الدولة و هي قاعدة مطردة في سائر الدول بالنسبة لسيرتهم في الخارجية، و منذ سنة 1271 ه 1854 م دخلت إيطاليا في عقد المعاهدات العامة بين‏

41

الدول الكبيرة و إن كانت إذ ذاك دخلت بصفة دولة «سردانيا» حيث انعقد الصلح بين الدولة العلية و الروسيا و عقدت له شروط «معاهدة باريس» التي اجتمع لها نواب الدول الكبار الست الأوروباوية و نواب الدولة العلية، و وقع الجميع على المعاهدة و كان منهم نواب «سردانيا» لدخول دولتهم في الحرب كما سبقت الإشارة إليه.

فصل في بعض عوائد أهالي إيطاليا و بعض صفاتهم‏

إعلم أن سكان إيطاليا من أبناء أجناس من الأمم الذين وفدوا عليها قديما و اتحد الجميع بصفة الطليانيين منذ قديم، و ديانتهم عموما مسيحية على المذهب الكاتوليكي، و هو مذهب الدولة و كثير ممن تفننوا في العلوم الرياضية قادتهم الطبيعيات فصاروا لا يعتقدون شيئا من الديانات ظنا منهم أنها جميعا مردودة بالعقل، مثل ما يرون من عقائد ديانة النصارى و اليهود. لكن عقلاؤهم يقرون بالخالق جل و علا و لو اطلعوا حقيقة على حقائق الديانة الإسلامية لما وسعهم من الإنصاف إلا اتباعها لمطابقتها للعقل و سطوع برهانها، و المسؤول عن عدم إبلاغ الشريعة إليهم على حقيقتها هم من أناط اللّه بهم ذلك على ما سيأتي إيضاحه في الخاتمة إن شاء اللّه تعالى.

و سكان إيطاليا هم بيض أقوياء مدنهم أكثر أهاليها مهذبون، و أما القرى و البوادي فهم على الخشونة و الاعتقاد التقليدي البحت للقسوس، و هم أصحاب جد في العمل و الأشغال، و أصحاب الأعمال البدنية يبكرون إلى أشغالهم. و أما ذوو الترف و الأحكام فإنهم يطلبون السهر و يفيقون من نومهم مؤخرا و لا يبتدئون الأشغال إلا قبل الزوال بساعة أو ساعتين أو عند الزوال، و كثيرا ما يدعو الأحباء بعضهم بعضا للسمر و الرقص في منازلهم و تارة يستدعونهم للعشاء مع ذلك و تارة يقتصرون على تقدم فواكه و حلويات و خمور، و ليس من عاداتهم الحياء مثل ما هو عندنا فترى البنت تخاطب زوجها و تفاكهه أمام والديها بل و تفعل مثل ذلك مع خطيبها و ترقص مع الرجال أمامهم هذا في البنات فكيف بالبنين؟ و عندهم أن الغناء ليس بمعيب من النساء فترى أكبر الأعيان يحتفل في داره بدعوة عامة و تصير بنته أو زوجته أو إحدى النسوة الأعيان المدعوات تغني في ذلك الملأ و ترقص مع الرجال على أشكال شتى، من معانقة و مخاصرة و غيرها و لا تأثيم من ذلك بل يرونه إكراما بحيث أن المسلم الغيور يكاد يتفطر مما يرى.

و أما الرجال الأعيان: فالرقص عندهم مع النساء و لو في المواكب غير معيب لكن الغناء منهم معيب، و النسوة يخرجن مكشوفات الوجوه و يتعاطين من الأشغال مثل الرجال إلا الأشغال الشاقة و التعاليم للعلوم العالية، و يصاحبن الأجانب عن قرابتهن مثل الرجال، و يقول رجالهم: إن الذي حمل المسلمين على حجب النساء مما في طباعهم من الخيانة، و شدة الحجب توجب شدة الشوق، و حيث أنا على خلاف ذلك فالأمن على نسائنا محقق و التي لا يحميها عرضها لا يحميها حائط دارها.

42

هذا مدار كلامهم و هو خطأ فاحش، إذ موجب الحجب أمر طبيعي في سائر البشر بل في سائر الحيوانات، و من المعلوم أن لكل شي‏ء سببا فرؤية الذات و الوجه مكشوفا ثم المكالمة ثم المداعبة ثم الرقص في حالة شرب الخمر و الطرب ثم المخاصرة، كلها أسباب تدعو إلى الإتفاق طبعا إلى ما رواءها بلا شك، و إثبات ذلك بالوجود أقوى دليل حتى صار من عوائدهم أن البكارة هي التي لم تتزوج صاحبتها من غير نظر إلى حقيقتها الأصلية، و الزيادة على هذا في الإستدلال خارج عن موضوعنا و منصفهم يقر بذلك لا محالة، و قد غلط من ادعى أن ديانتنا تبيح النظر لوجه المرأة، و هو جهل بعدم التفرقة بين كون وجه المرأة ليس بعورة و كذا كفاها و قدماها حتى يجوز لغير محرمها النظر إلى تلك الأعضاء و كذلك للنسوة و أمثالها، و بين كون الوجه يجب ستره عن الرجال الأجانب مطلقا لخوف الفتنة بنص الكتاب في قوله تعالى: وَ لْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى‏ جُيُوبِهِنَ‏ [النور: 31] الآية و ذلك هو الحق المستقيم‏ (1).

____________

(1) (مبحث): إعلم أن عورة المرأة أمام الرجل الأجنبي جميع بدنها سوى وجهها و كفيها فيجوز لها أن تخرج من بيتها كاشفة وجهها إجماعا، و قد نقل هذا الإجماع ابن حجر الهيثمي في الفتاوى الكبرى 1/ 199 ما نصه: «و حاصل مذهبنا أن إمام الحرمين نقل الإجماع على جواز خروج المرأة سافرة الوجه و على الرجال غض البصر» اه. و قال أيضا في حاشية شرح الإيضاح في مناسك الحج ص 276 ما نصه: «إنه يجوز لها كشف وجهها إجماعا و على الرجال غض البصر، و لا ينافيه الإجماع على أنها تؤمر بستره لأنه لا يلزم من أمرها بذلك للمصلحة العامة وجوبه» اه.

و قال في موضع آخر ص 178 قوله: (أي النووي) أو احتاجت المرأة إلى ستر وجهها ينبغي أن يكون من حاجتها لذلك ما إن خافت من نظر إليها يجر لفتنة، و إن قلنا لا يجب عليها ستر وجهها في الطرقات كما هو مقرر في محله اه.

و قال زكريا الأنصاري في شرح روض الطالب 3/ 110 ما نصه: «و ما نقله الإمام من الإتفاق على منع النساء أي منع الولاة لهن مما ذكر- أي من الخروج سافرات- لا ينافي ما نقله القاضي عياض عن العلماء أنه لا يجب على المرأة ستر وجهها في طريقها و إنما ذلك سنة و على الرجال غض البصر عنهن لقوله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ‏ [النور: 30]. لأن منعهن من ذلك لا لأن الستر واجب عليهن في ذاته بل لأنه سنة و فيه مصلحة عامة و في تركه إخلال بالمروءة كالإصغاء من الرجل لصوتها فإنه جائز عند أمن الفتنة و صوتها ليس بعورة على الأصح في الأصل» اه.

و قد جاء عن ابن عباس و عائشة أنّهما فسّرا قوله تعالى: وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها [النور:

31] بالوجه و الكفين، و هذا هو الصحيح الذي تؤيده الأدلة كحديث المرأة الخثعمية الذي أخرجه البخاري و مسلم و مالك و أبو داوود و النسائي و الدارمي و أحمد من طريق عبد اللّه بن عباس قال:

«جاءت امرأة خثعمية غداة العيد، فسألت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بقولها: يا رسول اللّه إن فريضة الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه، قال: «حجي عنه»، قال ابن عباس و كانت شابة وضيئة، فجعل الفضل ينظر إليها أعجبه حسنها، فلوى رسول اللّه عنق الفضل».

و عند الترمذي من حديث علي: «و جعلت تنظر إليه أعجبها حسنه». قال العباس: يا رسول اللّه لم لويت عنق ابن عمك، فقال: «رأيت شابا و شابة فلم آمن الشيطان عليهما» قال ابن عباس: و كان ذلك بعد آية الحجاب اه.

43

____________

و روى الحديث أيضا البخاري عن عبد اللّه بن عباس و لفظه: أردف النبي الفضل بن عباس يوم النحر خلفه على عجز راحلته، و كان الفضل رجلا وضيئا، فوقف النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بالناس يفتيهم، و أقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فطفق الفضل ينظر إليها و أعجبه حسنها، فالتفت النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و الفضل ينظر إليها فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها. قال الحافظ ابن حجر في شرحه 11/ 10: قال ابن بطال: في الحديث الأمر بغض البصر خشية الفتنة، و مقتضاه أنه إذا أمنت الفتنة لم يمتنع، قال: و يؤيده أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لم يحوّل وجه الفضل حتى أدمن النظر إليها لإعجابه بها فخشي الفتنة عليه، قال: و فيه مغالبة طباع البشر لابن آدم و ضعفه عما ركب فيه من الميل إلى النساء و الإعجاب بهن. و فيه دليل على أن نساء المؤمنين ليس عليهن من الحجاب ما يلزم أزواج النبي (صلى اللّه عليه و سلم) إذ لو لزم ذلك جميع النساء لأمر النبي الخثعمية بالإستتار لما صرف وجه الفضل و فيه دليل على أن ستر المرأة وجهها ليس فرضا لإجماعهم على أن المرأة تبدي وجهها في الصلاة و لو رآه الغرباء، و أن قوله عز و جل:

قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ‏ [النور: 30] على الوجوب في غير الوجه قلت: و في استدلاله بقصة الخثعمية لما ادعاه نظر لأنها كانت محرمة اه.

و هنا مسألة: تعقب الحافظ بن حجر لكلام ابن بطال مرفوع لأنه كان يمكنها أن تجمع بين المصلحتين مصلحة الإحرام و مصلحة تغطية الوجه. بأن تجافي الساتر بشي‏ء يمنع من مس وجهها كما جاء ذلك عن أمهات المؤمنين في سفرهن للحج أنهن كن إذا حاذين الركب سدلن على وجوههن فإذا جاوزن رفعن الساتر، كما رواه أبو داود برقم (1833). و ابن أبي شيبة في المصنف 3/ 284 و غيرهما. فلو كان سكوته (صلى اللّه عليه و سلم) عن أمر الخثعمية بتغطية وجهها لأجل إحرامها لأمرها بسدل الساتر على وجهها مع مجافاته حتى لا يلتصق بالوجه، لكنه لم يأمرها، و لما لم يأمر المرأة الخثعمية بتغطية وجهها في ذلك الجمع الكبير، علم من ذلك عدم وجوبه و لو كان واجبا لأمرها بذلك.

فتبين بما ذكرنا أن دعوى بعض أن سكوت النبي (صلى اللّه عليه و سلم) على كشف الخثعمية وجهها كان لأجل الإحرام دعوى فاسدة لا عبرة بها. فسكوته (صلى اللّه عليه و سلم) دليل ظاهر على أن وجه المرأة من غير أمهات المؤمنين يجوز كشفه في الطرق و نحوها. لأن هذه الخثعمية كانت عند الرمي و ذلك الموضع يكثر فيه اجتماع الحجاج حتى إنه يحصل كثيرا التلاصق بين الرجال و النساء من شدة الزحمة بلا تعمد.

و وقع في رواية الطبري في حديث علي: و كان الفضل غلاما جميلا فإذا جاءت الجارية من هذا الشق صرف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) وجه الفضل إلى الشق الآخر، فإذا جاءت إلى الشق الآخر صرف وجهه عنه و قال في آخره: «رأيت غلاما حدثا و جارية حدثة فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان».

و في هذا الحديث دلالة على رجحان جواز كشف المرأة وجهها مع خوف الفتنة، و هذا ما قاله شارح مختصر خليل، محمد عليش المالكي في كتاب الصلاة، و محل الدليل في الحديث قوله: «و رأيت غلاما حدثا و جارية حدثة فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان». و مقابله ما ذكره بعض الشافعية من المتأخرين كالشيخ زكريا الأنصاري، و الرملي، و هذه الرواية التي عزاها الحافظ للطبري صحيحة أو حسنة عنده لأنه التزم في المقدمة أن ما يورده من الأحاديث مما هو شرح لرواية البخاري أو زيادة عليها فهو صحيح أو حسن.

و قال صاحب المبسوط الحنفي 10/ 152 «ثم لا شك أنه يباح النظر إلى ثيابها و لا يعتبر خوف أمن الفتنة في ذلك فكذلك وجهها و كفيها» اه.

فالراجح عدم اشتراط أمن الفتنة لما في حديث الخثعمية السابق الذكر. فلا حجة في قول بعض المتأخرين ممن ليسوا من أهل الوجوه إنما هم نقلة أن ستر الوجه في هذا الزمن واجب على المرأة دفعا

44

و المشاهدة أقوى دليل فكل بلاد حافظت على ذلك قلت فيها الفاحشة حتى كادت أن لا تقع، و كل بلاد تساهلت في خروج النساء كمكشوفات الوجوه بالبراقع الصفيقة و غض النظر عن مكالمة النسوة للرجال و المزاحمة في الأسواق و المجامع فشت فيها الفاحشة و اتخذ رجالها هجيراء مسارتهم التكلم بوقائعهم مع النساء سواء كانت بلدة إسلامية أو إفرنجية و قلب الحقائق و إخفاء الجهر و عكس الطبائع ليس في الوسع و لا يحاوله ذو إنسانية.

و أهالي إيطاليا يستعملون الموسيقى ذات آلات النفخ و ذات الأوتار و هم برعاء فيها و ألحانهم هي ألحان الأروباويين و هي ألحان مخالفة للألحان المعروفة عند المشرقيين و العرب و أهالي أفريقية الشمالية، حتى أن هاته الألحان لا يحصل منها ما يحصل من السماع لهؤلاء و بالتعود تصير مؤثرة في النفس و لها تعاليم مخصوصة معتنى بها، و لا يدقونها إلا على تطبيق لما هو مرسوم في أوراق خاصة على أشكال يتبعها صوت النغمات بحيث أن كل صاحب آلة تكون أمامه تلك الأوراق ينظر فيها و يدق على نحوها و لا يدقون من محفوظاتهم إلا قليلا، و أهل البادية و بعض القرى لهم آلات من مزامير بالجلود ينفخونها بلا أوراق، و في كل بلدة مراسح للعب و التلهي على حسب كبر البلدة تفتح ليلا للسهر و تشكل فيها ألعاب على صور تاريخية مرئية أو للغناء و السماع و لهم تقدم و شهرة في ذلك على سائر أهالي أوروبا، و الأهالي عموما ذوي رجولية في التمسك بالآلات الحربية حتى لا تكاد تجد من لا يحمل السلاح الصغير الخفيف مخفيا، و يركبون الخيل رجالا و نساء غير أن المرأة تركب السرج بلا فتح لرجليها بل أنها تثني رجلها اليمنى على مقدمة السرج و رجلها اليسرى تضعها في الركاب، و عادة الأهالي في السلام عند الملاقاة هي المصافحة مع هز

____________

للفتنة لا لأنه عورة لأمرين:

أحدهما: أن هذا القول أي اشتراط أمن الفتنة منها أو عليها لعدم وجوب ستر الوجه كما زعمه بعض الشافعية. ليس منقولا عن إمام كالشافعي أو غيره من الأئمة و لا هو منقول عن أصحاب الوجوه من المذهب. و كيفما كان الأمر فالصحيح ما وافق النص.

و المراد بالفتنة في هذه المسألة الداعي إلى جماع أو خلوة أو نحوهما كما صرح بذلك زكريا الأنصاري في شرح روض الطالب 3/ 110 و يشهد لهذا أيضا ما رواه ابن حبان في الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان 1/ 309 مرفوعا من حديث ابن عباس قال: «كانت تصلي خلف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) امرأة حسناء من أحسن الناس، فكان بعض القوم يتقدم في الصف الأول لئلا يراها و يستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فكان إذا ركع نظر من تحت إبطه فأنزل اللّه في شأنها: وَ لَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَ لَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ‏ [الحجر: 24] الشاهد فيه أن الرسول لم يقل لتلك المرأة الحسناء انقبعي في بيتك أو تعالي مغطية وجهك، فلما لم يقل ذلك علمنا أن خوف الفتنة لا يناط به الحكم. ثم الإجماع الذي انعقد على أنه يجوز للمرأة كشف وجهها و على الرجال غض البصر لا ينتقض حكمه برأي بعض المتأخرين و هذا الإجماع قد نقله ابن حجر الهيثمي في حاشية الإيضاح و غيره بعد نقل القاضي عياض لذلك قد اسفر الصبح لذي عينين.

و بما مر يعلم انتقاض قول بعض المتأخرين من أهل القرن الثاني عشر و نحوه أنه يجب ستر المرأة وجهها لا لأنه عورة بل دفعا للفتنة.

45

اليد و يقول أحدهما للآخر: «يوم حسن أو ليل حسن» و إذا قدم مسافر على حبيبه أو قريبه قبله في فمه و لو الولد مع والده أو امرأة مع قريبها، لكن النسوة يزدن أن الحبيبات متى اجتمعن قبلن بعضهن في الأفواه. و الرجال لا بد في سلامهم من كشف رؤس بعضهم لبعض و الرفيع بالنسبة للوضيع يضع يده على قلنسوته كأنه يريد رفعها فقط، و إذا دخل وارد على آخر في بيته لا يجلس إلا و هما مكشوفا الرأس، و هي عادة جارية في جلوسهم في بيوتهم مكشوفي الرؤوس إلا من كان به أذى من رأسه، و من عاداتهم أن لا يبعدوا المشي لتلقي القادم لكنهم يبعدون التشييع، و من الآداب أن يحدث أحدهم كلاما لصاحبه عند الفراق فيتمه في حالة الوداع، و يتصافحون أيضا عند ذلك.

مطلب في التجارة

الطليانيون لهم مهارة في التجارة كغيرهم من أهالي أوروبا فرادى و مجتمعين و الذي وسع تجارتهم هو عقد الشركات، فأموال الواحد لا تكفي لمزيد الاتساع في التجارة و لذلك يعقدون شركات ذات أسهام عديدة و يقيضون للمباشرة بعضا منهم ممن يأتمنونه، و تكون لشركاتهم فروع في الأقطار التي يواصلون معهم التجارة و يعلنون كيفية التجارة و البضاعة و أسعارها و كيفية إيصالها بواسطة الصحف الخبرية و بأوراق و كتب يودعونها مجانا، و يرسلون الرسل لاكتشاف تجارات البلدان و الأقطار و إن بعدت و يشهرون بها تجارتهم و دولتهم تحميهم في أنفسهم و أموالهم أينما حلوا، و لا تقتصر تجارتهم على نتائج بلادهم.

ثم إذا لم توف أموال الأفراد أو الشركات للمقصود من التجارة تراهم يفترضون من ديار الصيارفة، و هؤلاء الصيارفة هم ذوو الأموال إما أن تكون لواحد أو لعائلة أو للعموم بأن يكون كل من له شي‏ء من المال و لا يريد التعب في ترويجه و الريح منه لعجز أو غيره، فإنه يدفع ماله لإحدى ديار الصرافين المسماة عندهم بالبنوك و يأخذ منها حجة في مقدار ما دفع و تاريخه و يأخذ على ذلك ربا في كل سنة و هو لا يتجاوز ستة على المائة في السنة، و مهما أراد رأس ماله فإنه يحاسب على مقدار ما بقي عند الصراف و يأخذ ربحه و رأس ماله حالا، و كذلك إذا أراد أخذ البعض من رأس المال فله ذلك، و كذلك إذا أراد إرجاع ما أخذ أو أكثر أو أقل فله أن يدفع متى أراد و يأخذ متى أراد و يحاسب متى أراد، فسهل بذلك إدارة أموال العاجزين مع أرباحهم.

ثم إن البنك الذي يأخذ الأرباح على النحو المذكور يدفعه لمن يريد الإستقراض بزيادة في مقدار الربا على ما يعطي هو و هاته الزيادة محدودة لا تتجاوز العشرة على المائة في السنة، و كل من مقدار المدفوع و المأخوذ مختلف بحسب البنوك و البلدان لكنه على كل حال لا يتجاوز الحدود المذكورة لمنعه بالقوانين، حتى أن من تجاوزها يعد سارقا، ثم إعطاء البنوك المال للمستقرضين إنما يكون برهن أو لمن له اعتبار يأتمنه به صاحب البنك، ثم أن بعض أصحاب البنوك تجيزهم الدولة على قانون معلوم بأن يخرجوا أوراقا تتداولها

46

الناس عوضا عن النقدين بشرط أن لا تتجاوز الضعف مثلا من مقدار رأس المال، و بعض تلك البنوك مخصوص بالفلاحة و بعضها مطلق، و بما تقدم تجد التجارة رائجة بين أيدي السكان بأكثر من أضعاف كسبهم، و أهم الوسائط لتزييدها: الحوالات المالية، و هي أن التاجر يشتري شيئا أو يأخذ مالا من أحد و يعطيه حوالة بقبض ما يطلب منه على أحد التجار أو البنوك على أن يقبضه على تسعين يوما و هو الأكثر دورانا و تارة يكون أقل أجلا و تارة يكون أكثر، و عند بلوغ تلك الحوالة للمحال عليه يوقع عليها بالقبول ليدفع في الأجل و قبيل حلول الأجل يرسل المحيل المال إما مما باعه أو بما قبضه من حوالة أخرى، بحيث أن المحال عليه يدفع المال في أجله من غير أن يخرج من ماله شيئا مع ربحه لجزء من المال لأنه يلزم الإتفاق من قبل بين المحيل و المحال عليه في قبول الإحالة و في مقدار ما يربحه و لا يتجاوز النصف في المائة، و تارة يكون بلا ربح بالمرة لمصادقة أو معاوضة بمثلها بينهما، كما أن المحال عليه يربح بقبضه ماله نسيئة أيضا جزءا يسيرا و المحيل يربح لأنه يتجر بمال ليس له فيه رأس مال، و لكن مع ذلك كثيرا ما يعتري الإفلاس تجارهم و بنوكهم لأن من أحكامهم أنه إذا حان الأجل و لم يدفع المؤجل ما عليه ففي الحال يفلس، و لذلك كانت أكثر البنوك بإيطاليا التي لها أوراق مالية لا تصرف إلا ببخس بالصرف بالعين لاحتمال الإفلاس و لا تتداول خارج المملكة بل و لا خارج بلدانها إلا بنك الدولة فإنه رايج في جميع مملكته فقط.

و في كل مدينة محل ضخم للمناداة على المتاجر العالية يمسى «بورسي»: يفتح بضع ساعات عند الزوال، إذا دخله الإنسان يجده محتبكا بالخلق و الضجيج بأصوات السماسرة ينادون على أوراق ديون الدول و أوراق الشركات التجارية الكبيرة ذات الحصص، كطرق الجديد و خليج السويس و أشباهها، و كثير من التجار يفلسون في تلك المتاجرة لأن بعضهم لا يشتري و لا يبيع إلا يدا بيد و هؤلاء لا يعتريهم الإفلاس إلا نادرا لأنه إذا انحطت أسعار ما اشترى لا يطالبه أحد بشي‏ء و إنما يصبر على خسران نفسه إلى أن ترتفع الأسعار، و بعضهم يكون ليس له رأس مال لما يشتريه و ما يشتريه أيضا ليس بحاضر بل هو مؤجل لرأس الشهر و يعتمد على أن ما يشتريه اليوم يرتفع سعره غدا أو بعد أسبوع فيبيعه و يأخذ الربح، و يحيل المشتري على البائع فيما اشترى و يخرج من البين بالربح، فكثيرا ما يربحون بذلك أموالا جسيمة و كثيرا ما يفلسون في أموال جسيمة بأن ينحط السعر عما اشترى به و يحل الأجل فيلزمه دفع الثمن و أخذ المبيع أو دفع مقدار الخسران فقط، فيستغرق كسبه في كرة واحدة أو عن كرات. و هذا النوع لا يحكم به الحاكم عندهم لأنه يراه من المقامرة لكنه لا يمنع منه فالمفلس يفلس نفسه بغير حكم لكي لا يسقط اعتباره رجاء أن يربح مرة أخرى بمعاملة التجار إليه، فما تقدم كله من أسباب الثروة و اتساعها و سيأتي في الخاتمة إن شاء اللّه تعالى ما يجوز لنا شرعا عمله و ما هو ممنوع.

و من أعظم أسباب الثروة و اتساع التجارة تسهيل الطرق لنقل البضائع بأجرة يسيرة

47

و زمن قليل، و كانت الطرق الحديدية أنفع وسيلة لذلك حسبما تقدم في الكلام على تونس و لكن الطرق الحديدية وحدها غير كافية لأنها إنما تمر على الأماكن الأكثر عمرانا فيلزم لها طرق فرعية صناعية لجلب البضاعة بسهولة لمراكز الطرق الحديدية، و لذلك كانت سائر الجهات في إيطاليا طرق صناعية.

و من أنفع وسائل التجارة و العمران انتظام البريد، و هو أن الدولة تجعل أماكن في سائر البلدان لوضع المكاتيب في محل منها و يؤدي صاحب المكتوب أجرة على حمله أجرة زهيدة بالمرة، بأن يشتري بطاقة من الورق عليها علامة مخصوصة و ظهرها عليه صمغ قبيل الصمغ و يلصق البطاقة على المكتوب بحسب ثقل المكتوب في زيادة الأجرة و يكتب عنوان المكتوب بإسم المرسل إليه و بلده و حارته و عدد منزله، فتحمل المكاتيب من كل بلد في الرتل و لها مركبة خاصة بها مرافع ذات أقسام و مستخدمون فعندما تأتي المكاتيب إلى المركبة في وعاء، يسير الرتل و يشتغل المستخدمون في توزيع المكاتيب على أسماء البلدان و يميزون كلا على حدة، و مهما وصل الرتل إلى بلد أقبلت أتباع البريد عن عجل إلى تلك المركبة و دفعوا لها ما عندهم و أخذوا منها ما يخص تلك البلدة، ثم يسير الرتل و هكذا و كل بلدة أخذت المكاتيب من الرتل يؤتى بها لمحل البريد و تعطى لموزعين يوزعونها على أصحابها حسبما هو معنون عليها، و إذا وجدوا مكتوبا غير خالص الأجرة يوصلونه للمرسل إليه فإن دفع أجرة حمله و هي إذ ذاك مضاعفة سلم إليه المكتوب و إلا أرجع إلى محل البريد و حفظ فيه مدة ثلاثة أشهر فإن جاء صاحبه باحثا عنه أدى أجرته و أخذه و إلا فتح فإن وجد به إسم مرسله و محله أرجع إليه و أخذ منه الأجر مضاعفا و إلا أحرق، و هكذا فيما إذا لم يوجد المرسل إليه بالمرة و كان خالص الأجرة فإنه يرجع من غير أجرة، و إذا كان المكتوب ذا أهمية فلصاحبه تضمينه أي يجعل صاحب البريد ضامنا لإيصاله بأن يجعل عليه خواتم بالشمع خمسة أو علامة أخرى و يأخذ من صاحب البريد حجة في إيصاله إلى صاحبه و يؤدي عليه أجرا ضعفين على المعتاد، و إذ ذاك لا يسلمه البريد إلى صاحبه إلا بأخذ حجة منه في الوصول إليه، فإذا فرض ضياعه من صاحب البريد فإنه يؤدي للمرسل ستين أو خمسين فرنكا و هكذا سائر الأوراق المكتوبة على النحو المتقدم، غير أن الصحف الخبرية أجرة إيصالها زهيدة بالمرة و كذلك الكتب و قد جربوا أنه مهما رخصوا في الأجرة إلا ازداد الدخل للبريد و ما تقدم في كيفية الحمل للبريد في الأماكن المتصلة في البر.

أما إذا كانت الأماكن يتوصل لها بحرا فإن الدولة تتفق مع إحدى الشركات التي لها بواخر سيارة للتجارة على أن تحمل البريد بأجرة سنوية على مقدار ما يتفقون عليه من السنين، على أن تقلع البواخر في أوقات معينة و تصل إلى أماكنها في أوقات معينة من غير تقديم و لا تأخير، و إذا تأخرت الباخرة عن ميعادها فلا بد أن تبين بحجة السبب الإضطراري الذي حملها على التأخير و إلا فتخسر شركتها أموالا بليغة ضمانا عن التأخير، و كذلك الرتل إذا كان لغير الدولة أعني في الإتفاق معه على حمل البريد، أما في تعيين الأوقات‏

48

و انضباطها فالكل سواء برا أو بحرا و لذلك تجد السفر مع البريد في غاية الإنضباط لأنه لا يتخلف عن مواعيده فالمسافر معه يكون مرتاح البال عالما بيوم سفره و ساعته و كذلك بساعة وصوله، إلا أن يعرض عارض سماوي. ثم إن السفر في بواخر البريد هو أحسن من غيرها من البواخر التجارية لأن تلك أتقن نظافة و أقل ازدحاما و أرفق خدمة بالركاب حتى إذا كان البحر راكدا كان السفر نزهة و لكن قلما يصفو الحال بسبب اضطراب البحر، أما السفر في الرتل فهو على نحو ما تقدم من الإنضباط سواء كان حاملا للبريد أم لا، و لكل رتل رقاع مكتوب بها الإعلام بوقت سفره من كل بلد و وقت وصوله و كم يقف بها من الدقائق و يتحفظون على تلك الأوقات للغاية، و عند ما يصل بلدة ترى خدمته يصيحون باسمها و عدد الدقائق التي يقف بها إعلاما للمسافرين و وقوفه لا يتجاوز نصف ساعة في وقتي الأكل.

و أما غيرهما فأكثر وقوفه عشر دقائق إلى الدقيقتين، و بلدان الوقوف للأكل يجد بها في المواقف بيوتا ضخمة بها موائد الأكل و المأكولات المطبوخة و الفواكه كلها مهيئة، فمنهم من يأكل هناك و منهم من يشتري و يحمل أكله معه، و الأثمان في تلك الأماكن أغلى من غيرها. كما أن البلدان الأخرى يوجد في محطاتها الأكل لكنه دون ذلك، و في كل محطة تجد المستراحات، فالركوب في الرتل منتزه على كل حال سيما مع ما أحدث فيه من المخادع المنفردة حتى يستطيع الإنسان أن ينام و يقضي جميع ضرورياته بغاية الراحة، و في أيام البرد تسخن المخادع بأواني نحاسية مملوءة ماء حارا و يزيد أجر هاته المخادع على الإعتيادية نحو عشرة في المائة، و قد أحدث نوع من المركبات ذو مقاصير للإنفراد و بيت للإجتماع، فيكون الإنسان كأنه في دار مع جيران و هو مسافر و لا يزيد الأجر في هاته المركبات على المركبات من الطبقة العليا إلا نحو الثلث.

و من وسائط رواج التجارة ورود الأخبار بالأسلاك الكهربائية، فأصحاب الشركات يخبرون أصحابهم كل حين بما يروج عندهم في الأقطار المختلفة و ما يكسد من البضائع فيكونون على بصيرة منه، و أعظم ما يكون ذلك في متاجر محلات «البورسي» فترى الأخبار تتساقط عليها كالمطر و بذلك ترفع أسعار أوراق الديون و غيرها أو تنحط، و أعظم ما يؤثر في ذلك الأخبار السياسية سيما الواردة من قواعد الممالك السبع الكبيرة و هي: الاستانة، و باريس، و لوندره، و برلين، و فينيا، و رومة، و صان بطرس بورغ. إذ هاته الدول هي التي عليها مدار السياسة العامة، و قد اتخذ التجار الأخبار السياسية ملعبة للأرباح حتى صاروا يختلقون أحيانا أراجيف سياسية تارة بالتصريح و تارة بالتلويح و تتلقفها عنهم صحف الأخبار فينشأ عنها أرباح أو خسائر مبنية على أوهام، و لذلك يرى بعضهم أن سهولة قرب الأخبار و نقل البضائع مضر بأرباح التجارة و أن الأرباح انحطت عما كانت عليه في القديم، و هو صواب بالنظر لهيئة التجارة القديمة لكن في نفس الأمر قد ازدادت كمية التجارة، و ذلك أن التاجر ذا البضاعة من الصوف مثلا كانت لا تأتيه سفينة شراعية بها ألف قنطار من الصوف و المكاتيب المعلمة بالأسعار إلا بعد عدة أشهر فيبني عليها عمل تجارته و يشتهر خبرها و لا يبيع تلك الألف قنطار إلا بعد عدة أشهر فيربح فيها في السنة عشرين في المائة إن ساعده‏

49

البخت، و الآن صار يأتيه في كل أسبوع نحو ذلك القدر مثلا و تأتيه الأخبار كما تأتي غيره فيبيع صوفه بربح عشرة في المائة فقط في شهر، ثم الشهر الذي بعده كذلك و هكذا، فعوضا عن كونه كان يدير رأس ماله مرة في السنة و يربح فيه عشرين في المائة صار يديره إثنتي عشرة مرة يربح فيها أزيد من الضعف، فبالنظر إلى كمية الربح كل مرة تجد الأرباح القديمة أوفر لكن في الحقيقة الناتج في السنة من الأرباح الحالية أكثر، و لا يظن أن ما قلنا مبالغة بدعوى أن كمية المحتاج إليه من الصوف مثلا في القطر المجلوبة إليه لم تزدد فما يأتي زائدا لا يباع.

و بيان فساد ذلك أن الإدارات و الحركات كلها مرتبط بعضها ببعض فكما سهلت المواصلة سهلت آلات النسج بالمعامل البخارية، و البلد التي كانت تنسج ألف قنطار صوفا في الشهر بآلات اليد صارت تنسج أضعاف أضعافها بآلات البخار، و تلك المنسوجات تنفق مهما ازدادت بانحطاط أسعارها فيكثر راغبها، فمن لم يكن قديما قادرا على لبس الملف و هو الجوخ لغلوه صار الآن يتوصل إليه لرخصه برخص ثمن الصوف، بما نقص من أجرة حملها و قلة ربح تجارها و برخص آلات النسج و بقناعة البائع بالربح اليسير و هكذا، و كذلك كثرت سكان الممالك المتمدنة و كثر المتمدنون و كثر اتساع التجارة و إيصال البضائع إلى الأقطار الشاسعة التي لم تكن تصل إليها من قبل، فارتبطت الأشياء بعضها ببعض و اتسعت التجارة و ازدادت الأرباح على نحو ما ذكرناه، و أضف إلى ذلك أن المنسوجات بالمعامل ليست متينة مثل عمل الأيدي فصار أغلبها يبلى و يتمزق بسرعة بالنسبة للمنسوجات المصنوعة باليد، ثم أن تجارة إيطاليا أغلبها بيد أهاليها و فيهم كثير من الأجانب و قد كانت سابقا تجارتها أغنى مما رجعت إليه ثم انحطت بتقدم الممالك المجاورة لها و تأخرها عند انقسامها و ظلم ولاتها لكنها الآن تراجعت للغنى، و أغلب ما يخرج منها الحرير الغير المصنوع و الدقيق و أنواع العجين المصنوع و الحبوب و الحيوانات المأكولة و الجلود وزيت الزيتون و الكبريت و هي كما سبق لها انفراد به، و قد خرج منه في عام واحد مائتان إثنان ألفا و خمسون ألفا «تونولاته أي قنطار» 000، 000، 5، و كذلك يخرج منها المرمر و الرخام الأبيض و الكتان و الحشيشة المعروفة بالتكروري و المنسوجات الحريرية و الأعطار و التبن المصنوع منه كراسي و غيرها، و الحجر مثل الحجر المعروف بحجر سيسيليا الذي هو لبين خفيف و بعض المعادن المشار إليها في التعريف بإيطاليا، و قيمة تجارتها في سنة واحدة و هي سنة 1876 ملياردان و ستمائة ألف فرنك و المليارد ألف مليون، و هاته التجارة مع جميع الممالك المعروفة لكن أكثرها مع النمسا و فرنسا ثم بقية الممالك، و يخص من ذلك الزيت وحده ثلاثمائة و خمسون مليونا.

مطلب: في الصنائع الفلاحية في إيطاليا

إعلم أن هاته الصناعة لها ترق كبير لحسن الموقع و اعتدال الهواء و مع ذلك لم تبلغ إلى درجة النهاية نعم هي في الجهة الشمالية مناكبة لما جاورها من فرنسا و غيرها،

50

فلأهلها اعتناء و اتقان للزراعة و تربية الأشجار و تنميتها حتى ترى الأرض كأنها حديقة متقنة و لا تجد أرضا خالية من الأشجار و لو الأراضي الزراعية، بحيث تجدها مقسمة بصفوف من الأشجار و بينها براحات للمزروعات فصاحب الأرض ينتفع بغلال الأشجار و الحطب و الزرع معا، و ترى الأرض مقسمة بتقاسيم لها منظر بهيج و نفع عظيم هذا زيادة عما يحصل من الأشجار من السبب في المطر، و ذلك لأن اللّه بحكمته البالغة جعل عروق الأشجار تمتص الماء من عوامق الأرض ثم تنفثه بخارا من أغصانها و أوراقها و ينشأ من البخار السحاب و إذا كانت الأشجار مرتفعة جذبت ذلك السحاب لبطى‏ء السير حتى يمطر عليها و يحصل بسبب ذلك كثرة المياه في الأرض فيكثر خصبها و قد بانت سببية ذلك بالتجربة و اللّه الخالق الحكيم، ثم إن صناعة الفلاحة لا يأخذونها بمجرد التقليد في العمليات بل أنها لها علم مخصوص يدرس و يصور بالمشاهدة و له مدارس مخصوصة و يعتمد كثيرا من الكيمياويات، و حول المدارس أراضي للبيان بالعيان و التجربة و العمل و أراضي الرعي مخصوصة، و من حسن التربية و حراسة الحكم لا يتجاسر أحد بالرعي و لا غيره في أرض ليست له إما بالملك أو بالكراء حتى أنه ليس لبساتينهم طوابي تمنع الداخل و لا تقع عندهم سرقة الغلال إلا نادرا.

و أما بقية الصنائع فلهم كفاية في كل الصنائع الضرورية و التحسينية، لكنهم ليس لهم معامل كثيرة التي هي من أعظم أسباب الثروة و الترقي و إن كانوا لا زالوا مجتهدين في ترقياتها إلى بلوغها لمثل درجة الأمم البالغة للنهاية في المعارف و التمدن، و الحاصلون عليه الآن هو أن لهم معامل للسلاح بأنواعه و معامل لإنشاء السفن و البواخر المدرعة و معامل للتحليلات الكيمياوية و للأعطار و للشمع المتخذ من الشحم للدباغة للجلود و لصناعة الورق و غزل القطن و نسج الجوخ و الشاشية و أنواع المنسوجات الحريرية، و منه النوع الفاخر المسمى «بالأمير» أو القطيفة، و معامل للطرز، كما أنه يصنع بالأيدي أيضا.

و لهم معامل للزجاج و الفخار و العقيق و الزهور الصناعية و آلات المرايا المكبرة و آلات الموسيقى، و خصوص أوتار بلد نابلي لها صيت كبير في جميع الجهات، و في نابلي و ميلانو معامل متقنة للكراريس أي عجلات الركوب، كما أن في إيطاليا إتقان لصناعة الأحذية و سائر الأنعلة و خياطة الملبوسات و هم فائقون في صناعة نحت المرمر و نقشه و كذلك صناعة المرجان و الصياغة و الكهربان و المادة المتجمدة النارية المنقذفة من أفواه البلاكين و الموزايكو أي القطع المرمر التي الواحدة منها قدر الظفر ترصف على أشكال بديعة و يلصق بعضها ببعض بنوع من الطين و الجير، و قد شاهدت في معرض ميلانو سنة 1298 ه سنة 1881 م من تقدم إيطاليا في سائر الصنائع ما صيرها قادرة على الإستغناء بنفسها في سائر الحاجات و التحسينات فضلا عن الضروريات، حتى أن ملكها لما دخل المعرض مع رجال الأمة تعجب مما احتوت عليه المملكة مما لم يكن يخطر بباله، و من جملة ما احتوى عليه هذا المعرض تشخيص سائر أصناف الطليانيين بصور على ألوانهم‏

51

و هيئة لبسهم، فرأيت أكثر من ثلاثين صنفا كل منهم له سحنة و شارة خاصة، و أعظم ترقيهم في مصنوعات الجلد و الطين و العجلات و لهم مشاركة في سائر المصنوعات.

مطلب: في المعارف‏

المعارف الدينية المسيحية لها سوق رائجة من القسوس و لهم صوامع و مدارس، لكنهم قد منعوا نوع القسوس الجزويت من التجمع في المدارس لأنهم يخلطون التعاليم الدينية بالتعاليم السياسية و يتخذون المدارس كالقشل للتعكسر، فمنعوا من ذلك لخوف الدولة من تشويش سياستها لمخالفة مشرب الجزويت لمشرب الدولة في أصول السياسة.

و أما العلوم الرياضية: فقد أخذوا في التقدم فيها و على الإجمال فأهالي الشمال متقدمون على غيرهم في سائر الفنون و التجارة و الفلاحة و علومهم الأصول ثلاثة:

أحدها: علم جر الأثقال.

و ثانيها: علم الكيمياء أي تحليل الأجزاء و تركيبها.

و ثالثها: علم الطبيعيات. و لكل منها فروع كثيرة و من فروع الثاني و الثالث علم الطب الذي كانت اشتهرت به بلد بيزة قديما و الآن لم يبق لها ذلك الإعتبار، و على العموم ففي إيطاليا الآن مدارس و مكاتب على ثلاث طبقات، و المكاتب العليا فيها إلى الآن لم تناكب مكاتب فرنسا و ألمانيا، و في إيطاليا من أسباب تيسير المعارف كل اللوازم سيما المطابع و الصحف الخبرية و خزائن الكتب، ففيها 493 خزنة كتب تحتوي على 281، 349، 4 مجلدا من الكتب المطبوعة، و 570، 330 من كتب الخط، و في خصوص مكتبة قصر الفاتيكان 000، 30 كتاب، و هي أحسن المكاتب من جهة حسن كتب الخط.

مطلب: في هيئة المساكن و الطرقات‏

إعلم أن إيطاليا تكاد أن لا تجد بين بلدتين فيها طريقا غير صناعية، بل كلها متصلة ببعضها بالطرق المحصبة المتقنة الصناعية، غير أن الطرق في البرية لا تنظف و إنما لها قيمون لإصلاح ما يفسد منها، كأن يكون على كل ثلاثة أميال قيم له مركز يأوي إليه و فيه من آلات الإصلاح الخفيف ما فيه كفاية، و يكون هو طول يومه متفقدا لما في عهدته و مهما وجد مكانا متغيرا بادر لإصلاحه و هكذا، فإذا طال الأمر على الطريق و احتاج للتجديد باشره بذلك المكلف من المجالس البلدية، و على أولئك القيمين متفقدون في كل الأوقات، كما أن سائر أطراف المملكة متصل بعضها ببعض بالطرق الحديدية و كذلك تتصل بسائر الممالك المجاورة لها بالطرق الحديدية و تلك الممالك متصلة بغيرها بذلك أيضا فكانت أوروبا كلها كأنها بلد واحد في سهولة الإنتقال و السرعة من مملكة إلى أخرى و من بلد إلى آخر و مع ذلك فلم تزل إيطاليا مجتهدة في زيادة الفروع للطرق الحديدية.

أما الطرق في دواخل البلدان فزيادة على كونها صناعية لها خدمة ينظفونها مرات في اليوم و لا تجد في البلد مزبلة لأن خدمة التنظيف يرفعون الأزبال الملقاة من الدور في آخر

52

الليل و من طرح الأوساخ من داره في غير الأوقات المعينة عوقب على ذلك بالعقوبة المالية بحيث تجد سائر الطرق نظيفة و في الليل منورة بالبخار الغازي و الفوانيس نظيفة، و غاية ما هناك هو الفرق بين البلدان في شدة النظافة و التنوير و اتساع الطرقات فقط، أما الأصل فهو موجود في الكل و لو في القرى. و الطرقات أغلبها يمر فيها عجلتان و منها ما هو أوسع و في البلدان القديمة لم تزل طرق ضيقة لا يمر فيها إلا الماشي.

و أما هيئة المساكن فإن المدن لا تكاد تجد فيها الديار ذات طبقتين فقط بل تزيد إلى السبعة و الثمانية، و يكون ظاهرها على الطرقات ملتئما بعضه ببعض قريب المشاكلة في الصورة مع التحسين الظاهري و التنظيف و طول الطرق و اتساعها، و جعل البطحاآت فيها و الأشجار على أوسعها فكانت مدنهم بذلك ذات منظر بهيج حتى أن الحكم يوجب على المالك أن يحسن ظاهر بيته على حسب ما يشير به المهندسون من المجلس البلدي، و أما داخل الديار على الإجمال فإذا دخل الإنسان من الباب يجد سقيفة ثم درجا متصلا بعضها ببعض متصاعدة أما على شكل دائرة أو مربعة إلى أن تنتهي لأعلى طبقة، و مهما وصلت الدرج إلى طبقة تجد فيها فسحة ذات أبواب بقدر ما في الطبقة من المساكن، فإذا دخلت مسكنا تجد إيوانا مسقفا و به أبواب للبيوت و باب إلى ممر به بيوت و مطبخ و مستراح و تارة يكون في إحدى البيوت الأخرى مستراح آخر، و جميع الحيوط مطلية و السقوف إما خشب أو بناء مطلية مدهونة، و كل البيوت لها طواقي كبار و يعتنون بمقابلة الأبواب و الطواقي و الأبواب و عواضدها من خشب متقن الصنعة، و سائر الأماكن مبلطة إما «بالجليز» أي نوع من الآجر المطلي المتقن، أو المرمر و كذلك الدرج. و من اقتصادهم أن كل بلد تقتصر على ما عندها من مواد البنيان و لا تأخذ من بلاد أخرى شيئا إلا ما لا يمكن الإستغناء عنه بما فيها و لو كان الشي‏ء من بلد في نفس المملكة، ثم البيوت التي بكل دار أكثرها مائل إلى شكل التربيع واحدها بيت للجلوس و آخر للأكل و هما أكبر البيوت ثم آخر للنوم و كل منها به من الفرش ما يناسب موضوعه، و فرشها مختصرة متقنة مرونقة من كراسي كبار و صغار و ساعات و مرايا و زرابي و أسرة يعتنون بنظافتها، و يعتنون باتساع الدرج و راحتها. و كل مسكن لعائلة فتجد الدار الواحدة يسكنها عدة عائلات كل عائلة منفردة في إحدى المساكن على قدر كبرها و طبقاتها، و أما دور الأعيان و الأغنياء المنفردين بديارهم فهي على ذلك النحو أيضا لكنها كلها تكون ذات مسكن واحد و طبقاتها لا تزيد على الثلاث أو الأربع، و كثير من أغنيائهم يسكنون في الديار المشتركة من النوع الأول لكنهم يختارونها وسيعة و كل مسكن يكون بابه مغلقا، و عند الباب الخارجي للدار بيت يسكنه بواب بالأجرة من جميع أصحاب المساكن للحراسة، و كل البلدان لها خنادق تحت الطرق لجريان القذورات فيها أولها دهاليز و الجميع مغطى و لا يفتح للإصلاح أو التنظيف إلا ليلا، و سطوح الديار في جميع الجهات الشمالية مسنمة لئلا يتثاقل عليها الثلج، و أما الجهات الجنوبية ففيها بعض من السطوح مبسوطة.