منتهى الدراية في توضيح الكفاية - ج1

- السيد محمد جعفر الجزائري المزيد...
526 /
1

الجزء الأول‏

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

..........

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للَّه رب العالمين و أفضل صلواته و تحياته على أشرف أنبياءه محمد الكاظم للغيظ و آله الأئمة الطاهرين و اللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.

اما بعد فيقول أحوج العباد إلى رحمة ربه الباري محمد جعفر بن محمد علي الموسوي الجزائري الشوشتري المدعو بالمروّج عفا اللَّه تعالى عن جرائمهما انه لما كان كتاب كفاية الأصول الّذي صنفه المحقق الفقيه الأصولي أستاذ العلماء الإمامية في القرن الرابع عشر بحر العلم المتلاطم الشيخ محمد كاظم الخراسانيّ (قدس سره) محوراً للأبحاث الأصولية في الأقطار العلمية لما أودع فيه من بدائع الأفكار الثاقبة و نتائج الأنظار الصائبة و تحقيقات بادر إلى اقتطافها علماء الأمصار من زمان نشره و سائر الأعصار و كان من الكتب الوجيزة الغامضة أحببت أن أعلق عليه تعليقة تكشف عن أستاره و تبحث عن أسراره و تبين مجملاته و تظهر مضمراته فعلقت عليه هذه الحواشي و سميتها بمنتهى الدراية في توضيح الكفاية مقتصراً فيها على إيضاح مرام المصنف (قدس سره) بأوضح تقرير و أظهر تعبير و أبين تفسير لتكون عوناً لإخواني الطالبين للعلم و الفضيلة المشتغلين بدراسة المتن و بحثه على الوصول إلى حقائقه و النزول بفناء دقائقه محترزاً عن التعرض لما لا يرتبط بتوضيحه و ان رجع إلى تأييده أو تعلق بتزييفه، و أسأله سبحانه و تعالى أن يتقبل هذا الجهد بقبول حسن و أن ينفع به إخواننا المتقين من طلاب علوم الدين إلى عصر حضور خاتم الأوصياء المعصومين صلى اللَّه عليه و على آبائه الحجج الطاهرين و (عجل اللَّه فرجه الشريف) و جعلنا فداه و أن يجعله خير الزاد ليوم المعاد.

6

و بعد فقد رتبته على مقدمة و مقاصد و خاتمة

:

أما المقدمة ففي بيان أمور (1):

الأول (2)

أن موضوع كل علم و هو الّذي يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة أي بلا واسطة في العروض (3)

(1) الأمور المذكورة في المقدمة كلها خارجة عن مسائل علم الأصول، لعدم انطباق ضابط المسألة الأصولية عليها كما سيظهر إن شاء اللَّه تعالى.

(2) ذكر في الأمر الأول جزءان من أجزاء العلوم التي هي الموضوعات و المسائل و المبادئ و هما الموضوع و المسائل. و قبل التعرض لموضوع العلم أشار إلى موضوع كل علم بنحو الضابط الكلي، و هو أن موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة، فيعرف الموضوع بذلك، مثلا البحث عن رفع الفاعل و المبتدأ و الخبر، و نصب المفعول و خبر كان الناقصة و أخواتها، و اسم الحروف المشبهة بالفعل و جر المضاف إليه و المجرور بالحروف الجارة بحث عن عوارض الكلمة التي هي موضوع علم النحو.

و كذا البحث عن وجوب الصلاة و الحج و غيرهما و حرمة شرب الخمر بحث عن عوارض فعل المكلف الّذي هو موضوع علم الفقه و كذا سائر العلوم كما لا يخفى.

(3) أشار بهذا التفسير للعرض الذاتي إلى الخطأ الواقع في تحديده بما في كتب القوم، توضيحه أن العوارض جمع العارض و هو كما عن بعض المحققين: مطلق الخارج عن الشي‏ء المحمول عليه، فيشمل العرض المعبر عنه في لسان أهل المعقول بالعرضي كالأبيض و الأسود المنقسم إلى الخاصة و العرض العام، و يشمل غيره كالجنس المحمول على النوع و الفصل، فانّ المحمول من ذاتيات الموضوع، و العرض المبحوث عنه في الفنون هو القسم الأول الّذي ينقسم عندهم على قسمين ذاتي و غريب، لأن العرض إما يعرض الشي‏ء بلا واسطة أصلا لا ثبوتاً و لا عروضاً

7

..........

كالتعجب المساوي للإنسان العارض له على ما قيل، و إمّا يعرضه مع واسطة، و هي إمّا داخلية مساوية للمعروض كالتكلم العارض للإنسان بواسطة الناطق الّذي هو ذاتي مساو له، أو أعم منه كالحركة الإرادية العارضة للإنسان بواسطة جزئه الأعم و هو الحيوان. و لا ثالث للواسطة الداخلية، لعدم تصور الأخصية لجزء الشي‏ء.

و إمّا خارجية، و هي إمّا مساوية للمعروض كالضحك العارض للإنسان بواسطة التعجب المساوي له.

و إمّا أعم منه كالتحيز العارض للأبيض بواسطة الجسم الّذي هو أعم من الأبيض. و إمّا أخص منه كالضحك العارض للحيوان بواسطة الإنسان الّذي هو أخص من الحيوان. و إمّا مباينة للمعروض كالحرارة العارضة للماء بواسطة النار المباينة له. هذه أقسام العرض، و المنسوب إلى المشهور بل المدعى عليه الاتفاق كون ثلاثة منها- و هي عروض العرض بلا واسطة، أو بواسطة جزئه المساوي، أو الخارج المساوي- أعراضاً ذاتية، كما ادعى الاتفاق أيضا على كون ثلاثة منها و هي العروض لخارج أعم و أخص و مباين أعراضاً غريبة، و اختلفوا في العارض لجزء أعم، فعن القدماء أنه من الاعراض الغريبة بل نسبه بعض المتأخرين إلى المشهور.

و عن مشهور المتأخرين أنه من الاعراض الذاتيّة، و كيف كان (لما كان) تفسير العرض الذاتي بما ذكره القوم مستلزماً لخروج جل مسائل العلوم عن كونها مسائلها كالاحكام الشرعية المترتبة على أفعال المكلفين بواسطة التشريع الّذي تقتضيه المصالح و المفاسد الموجودة في أفعالهم المأمور بها و المنهي عنها أو في نفس التكاليف على الخلاف بين العدلية. لمباينة التشريع و الملاكات للافعال المستلزمة لخروج البحث عن وجوب الصلاة و نحوها و عن حرمة شرب الخمر و نحوه عن مسائل الفقه، لاندراج الوجوب و الحرمة في العرض الغريب، حيث إنهما يعرضان‏

8

..........

الأفعال بواسطة أمر مباين و هي المصالح و المفاسد (عدل) المصنف و صاحب الفصول (قدهما) دفعاً لهذا المحذور عن تفسير القوم إلى أن الملاك في العرض الذاتي هو كون العارض محمولا حقيقة على المعروض بحيث يعد من إسناد الشي‏ء إلى ما هو له و لا يصح سلبه عنه كقولنا: «الماء جار» فإن لم يكن كذلك فهو عرض غريب كإسناد الحركة إلى جالس السفينة. إذ الحركة تحمل على السفينة حقيقة و على الجالس مجازاً، و لذا يصح سلبها عنه، فالواسطة في العروض هي الواسطة في الحمل.

و الحاصل أن العرض إن كان محمولًا على المعروض حقيقة بحيث لا يصح سلبه عنه يسمى بالعرض الذاتي سواء كان هناك واسطة ثبوتية أم لا كما قيل [1] و سواء كانت الواسطة جزء أعم كالحيوان الّذي هو أعم من الإنسان و واسطة لعروض الحركة الإرادية له، أم مبايناً كالنار التي هي مباينة للماء و واسطة في عروض الحرارة له، مع أنّ العروض لأمر مباين بناءً على تفسير القوم داخل في العرض الغريب كما مر آنفاً، و لجزء أعم محل الخلاف بينهم و إن نسب كونه عرضاً ذاتياً إلى المشهور.

و بالجملة ينحل [2] إشكال خروج مسائل جملة من العلوم عن كونها مسائلها

____________

[1] لكنه مساوق لوجود المعلول بلا علة و هو ممتنع، فعروض العارض بلا واسطة ثبوتية غير معقول، و لا بد من التأمل في كلماتهم، فلاحظ و لا تغفل.

[2] و يمكن حلّه بأن يقال: إنّ موضوع العلم هو ما يبحث فيه عن أحواله و أوصافه سواء كانت عرضاً مصطلحاً أم أمراً اعتبارياً كالأحكام الشرعية العارضة لأفعال المكلفين، لعدم انطباق حدّ العرض عليها، حيث إنّ العرض يوجد بوجود موضوعه و الحكم يسقط بوجود موضوعه، لتحقق الامتثال المسقط له، فالعرض الذاتي هو كل محمول يحمل حقيقة على الموضوع بحيث لا يصح سلبه عنه و إن لم ينطبق على المحمول حدّ العرض المصطلح، فتأمّل.

9

هو نفس (1) موضوعات مسائله عيناً و ما يتحد معها خارجاً و إن كان يغايرها

بجعل مناط العرض الذاتي عدم الوساطة في العروض، فوجوب الصلاة و حرمة شرب الخمر مثلا من مسائل علم الفقه، لكون الوجوب و الحرمة محمولين على الصلاة و الشرب اللذين هما من أفعال المكلفين حقيقة أي بلا واسطة في العروض و ان كانا مع الواسطة الثبوتية، و كذا الرفع و النصب و الجر العارضة للكلمة بواسطة الفاعلية و المفعولية و الإضافة، فإنّها داخلة في العرض الذاتي و ان كان عروضها لها بواسطة أمر خارجي أخص من الكلمة و هو عنوان الفاعل و المفعول و المضاف إليه، ضرورة خروج هذه العناوين عن ذات الكلمة و ذاتياتها، لخروج النوع عن ذات الجنس و ذاتياته.

و الحاصل: أنّ البحث عن الرفع و النصب و الجر على هذا الضابط في العرض الذاتي من مسائل علم النحو و كذا الحال في حجية خبر الواحد بواسطة الجعل الشرعي المباين للخبر، فإنّها على هذا الضابط داخلة في العرض الذاتي، لكون الحجية محمولة على الخبر حقيقة، و لذا لا يصح سلبها عنه و ان كان لها واسطة ثبوتية و هي الجعل الشرعي و واسطة إثباتية و هي أدلة حجية الخبر من الكتاب و السنة و غيرهما كالسيرة العقلائية. فالبحث عن حجية الخبر داخل في المسائل الأصولية.

ثم إنّه قد ظهر مما ذكرنا: أنّ الواسطة على ثلاثة أقسام: الواسطة الثبوتية، و هي العلة لوجود شي‏ء كعلية النار للحرارة و الماء للبرودة، و الواسطة الإثباتية و هي العلة للعلم بوجود شي‏ء كعلية الدخان للعلم بوجود النار، و الواسطة العروضية و هي الواسطة في الحمل الموجبة لصحة إسناد عرض إلى غير معروضه مجازاً كإسناد الحركة إلى جالس السفينة، فإنّ الحركة محمولة على السفينة حقيقة و على الجالس مجازاً، و لذا يصح سلبها عنه كما عرفت آنفاً.

(1) هذا اعتراض على ما ذكروه في علم الميزان من أنّه قد يكون موضوع‏

10

مفهوماً تغاير الكلي و مصاديقه (1) و الطبيعي (2) و أفراده.

العلم مغايراً لموضوع المسألة، و حاصل الاعتراض هو: أنّه على تقدير المغايرة يلزم أن لا تكون محمولات المسائل أعراضاً ذاتية لموضوع العلم، و هذا خلاف مقتضى تفسير الموضوع بأنّه ما يبحث في العلم عن عوارضه الذاتيّة، و لا يستقيم هذا التفسير إلّا بكون موضوع العلم نفس موضوعات مسائله كما لا يخفى.

(1) كمغايرة مفهوم الإنسان لمفهوم أفراده كزيد و عمرو و ان كان عين أفراده خارجاً، و كمغايرة مفهوم الكلمة التي هي موضوع علم النحو لمفاهيم موضوعات مسائله كالفاعل و المبتدأ و الخبر و غيرها مع كونها عين تلك الموضوعات خارجاً [1].

(2) هذا من العطف التفسيري لا من عطف الخاصّ على العام، ضرورة أنّ اتحاد الكلي مع المصاديق منحصر في الكلي الطبيعي، إذ لا وجود لغيره من الكلي المنطقي و العقلي كما هو واضح.

____________

[1] لعل الداعي إلى جعل موضوع العلم نفس موضوعات مسائله هو الفرار عن محذور قاعدة استحالة صدور الواحد عن الكثير، إذ الغرض كالقدرة على الاستنباط و العصمة عن الخطأ في الفكر المترتبتين على علمي الأصول و المنطق واحد، فلا بد أن يستند إلى مؤثر واحد، و ليس ذلك إلّا موضوع العلم، إذ المفروض تكثّر موضوعات المسائل. لكن فيه: أنّ المقام أجنبي عن تلك القاعدة، إذ موردها هو الغرض الوحدانيّ البسيط من جميع الجهات دون ما له جهات كالقدرة على الاستنباط المترتبة على مباحث الألفاظ، فإنّها غير القدرة المترتبة على حجية الأمارات و باب الاستلزامات، و المسائل الأصولية مختلفة الدخل في ذلك، فبعضها تحفظ الجهة الأولى و بعضها تحفظ الجهة الثانية، فلا مانع من إنكار الموضوع لعلم الأصول و ما هو بمنزلة من العلوم في تعدد جهات الأغراض المترتبة عليها.

11

و المسائل (1) عبارة عن جملة من قضايا متشتتة جمعها اشتراكها في الدخل في الغرض (2) الّذي لأجله دوّن هذا العلم، فلذا قد يتداخل بعض العلوم في بعض‏

(1) هذا ثاني الجزءين اللذين تعرض لهما في أوّل الأمور المذكورة في المقدمة، و ملخصه: أنّ كل علم مركب من قضايا متشتتة مختلفة موضوعاً و محمولا كقولهم في علم النحو: «الفاعل مرفوع و المفعول منصوب» و يبرهن عليها بمثل قوله تعالى:

«و كفى اللَّه المؤمنين القتال»، و «إنما يخشى اللَّه من عباده العلماء»، و أشعار إمرئ القيس، و تسمى هذه الأدلة بالمبادئ التصديقية، لكونها موجبة للتصديق بثبوت محمولات هذه المسائل لموضوعاتها، كما أنّ المبادئ التصورية هي حدود موضوعات المسائل و محمولاتها كتعريف الفاعل و المبتدأ و الخبر و نحوها، و تعريف الرفع و النصب و الجر المحمولة على تلك الموضوعات، فالمبادئ التصورية لعلم النحو هي هذه الحدود، فيستفاد من قوله: «و المسائل عبارة ... إلخ» أنّ العلوم أسامٍ لمسائلها، لأنّه بعد البناء على اتحاد موضوع العلم مع موضوعات المسائل، و على كون محمولات المسائل أعراضاً ذاتية لموضوعاتها فلا بد من كون أسامي العلوم أسماءً لمسائلها، إذ لا يذكر في العلوم غير تلك المسائل، فعلم الأُصول اسم لمسائله لا للإدراك و لا للملكة المسببة عن الممارسة، و كذا علم النحو اسم للمسائل التي توجب مراعاتها صحة الكلمة إعراباً و بناءً، و هكذا سائر العلوم.

(2) المستفاد منه أنّ تمايز العلوم بتمايز الأغراض المترتبة على المسائل المختلفة موضوعاً و محمولًا، لا الموضوعات كما اشتهر، و ذلك لتحسين العقلاء تدوين علم واحد للمسائل المتشتتة المختلفة موضوعاً و محمولا إذا كان الغرض المترتب عليها واحداً، و تقبيحهم تدوين علم واحد للمسائل مع تعدد الغرض المترتب عليها و لو كان موضوع جميعها واحداً، فلو كان تمايز العلوم بتمايز الموضوعات لم يكن وجه للتقبيح المزبور، لفرض وحدة الموضوع في جميع المسائل مع تعدد الغرض المترتب عليها.

12

المسائل مما كان له دخل في مهمين (1) لأجل كل منهما دوّن علم على حدة، فيصير من مسائل العلمين. لا يقال: على هذا (2) يمكن تداخل علمين في تمام مسائلهما فيما كان هناك مهمان متلازمان في الترتب على جملة من القضايا لا يمكن انفكاكهما.

فإنّه يقال (3): مضافاً إلى بُعد ذلك بل امتناعه عادة- لا يكاد يصح لذلك تدوين علمين و تسميتهما باسمين، بل تدوين علم واحد يبحث فيه تارة لكلا المهمين و أخرى لأحدهما، و هذا بخلاف التداخل في بعض المسائل، فإنّ حُسن تدوين علمين كانا مشتركين في مسألة أو أزيد في جملة (4)

(1) أي: في غرضين مهمين، كقولنا: «الأمر حقيقة في الوجوب» فإنّه مسألة لغوية و أُصولية، فيتداخل علما اللغة و الأصول في هذه المسألة، و كمسألة التجري، فإنّه يتداخل فيها علم الفقه و الأصول و الكلام، لوجود الجهة الفقهية و الأصولية و الكلامية فيها، و هكذا غيرها.

(2) المراد بالمشار إليه هو كون بعض المسائل مما له دخل في غرضين مهمين دوّن لكل منهما علم على حدة، و حاصل الإشكال: أنّه يمكن تداخل علمين في تمام مسائلهما إذا كان هناك غرضان مهمان مترتبان على جملة من القضايا.

(3) ملخص ما أجاب به عن هذا الإشكال يرجع إلى وجهين: أحدهما:

بُعد هذا الفرض بل امتناعه عادة، ثانيهما: عدم حُسن تدوين علمين حينئذ حتى يقال بلزوم تداخلهما في جميع مسائلهما، بل لا بدّ من تدوين علم واحد يبحث فيه تارة لأحد الغرضين و أُخرى للغرض الآخر، و بالجملة: فحُسن تدوين علمين عند العقلاء مفقود في صورة التداخل في جميع المسائل، بخلاف التداخل في بعضها، فإنّ حُسن تدوين علمين فيها عند العقلاء مما لا إشكال فيه.

(4) متعلق بقوله: «تدوين» يعني: أنّ حُسن تدوين علمين في جملة من مسائلهما المختلفة مما لا يخفى.

13

من مسائلهما المختلفة لأجل مهمين مما لا يخفى (1).

و قد انقدح بما ذكرنا (2): أنّ تمايز العلوم إنّما هو باختلاف الأغراض الداعية إلى التدوين لا الموضوعات (3) و لا المحمولات (4)

(1) خبر لقوله (قده): «فإن».

(2) المراد بالوصول ما ذكره في تعريف المسائل من كون الجامع بينها اشتراكها في الدخل في الغرض الموجب لتحسين العقلاء تدوين علوم متعددة لأغراض كذلك و ان كانت القضايا التي تترتب عليها الأغراض المتشتتة متحدة موضوعاً و محمولا، و لتقبيحهم تدوين علمين مع وحدة الغرض و ان كان موضوع المسائل مختلفاً كقولنا: «خبر الواحد حجة» و «الإجماع حجة» و «ظواهر الألفاظ حجة» و «الأمر ظاهر في الوجوب» و نحو ذلك من القضايا المختلفة موضوعاً مع وحدة الغرض المترتب عليها، فلو كان تمايز العلوم بتمايز الموضوعات لكان تدوين علمين لها حسناً، مع أنّه قبيح عند العقلاء كما لا يخفى.

(3) كما اشتهر ذلك، و حاصل إشكال المصنف على كون تمايز العلوم بتمايز الموضوعات هو: أنّه بناءً على ذلك يلزم تدوين علوم متعددة بتعدد الأبواب بل المسائل، لاختلاف الموضوع في الأبواب و المسائل، فإنّ الموضوع في باب الفاعل غير الموضوع في باب المبتدأ مثلًا، فلو كان تميز العلوم بتمايز الموضوعات لزم أن يكون باب الفاعل علماً على حدة و كذا باب المبتدأ، و هكذا سائر أبواب علم النحو. و كذا علم الأُصول، فإنّ الموضوع في باب الألفاظ غير الموضوع في باب الأمارات و الأُصول العملية و هكذا.

(4) كقولنا: «الفاعل مرفوع» و «الفاعل ركن في الكلام» و «الفاعل مضمر أو ظاهر»، فإنّ المحمولات في هذه القضايا مختلفة، و تمايز العلوم بتمايز المحمولات يقتضي أن تكون هذه المسائل علوماً متعددة، و هو كما ترى.

14

و إلّا كان كل باب (1) بل كل مسألة (2) من كل علم علماً على حدة كما هو واضح لمن كان له أدنى تأمل، فلا يكون الاختلاف بحسب الموضوع أو المحمول موجباً للتعدد (3) كما لا يكون وحدتهما سبباً لأن يكون من الواحد (4). ثم إنّه ربما لا يكون لموضوع العلم- و هو الكلي المتحد مع موضوعات المسائل- عنوان خاص و اسم مخصوص، فيصح أن يعبر عنه بكل ما دل عليه (5)، بداهة عدم دخل ذلك في موضوعيته أصلا (6).

(1) أي: و إن لم يكن تمايز العلوم بتمايز الأغراض بل كان بتمايز الموضوعات أو المحمولات لزم أن يكون كل باب كباب الفاعل و المفعول من علم النحو و باب الألفاظ و الأمارات مثلا من علم الأُصول علماً على حدة.

(2) يعني: بل يلزم أن يكون كل مسألة علماً على حدة كرفع الفاعل و ركنيته و مضمريته كما تقدم آنفاً، لاختلاف المحمول في هذه المسائل، فلو كان الملاك في وحدة العلم و تعدده وحدة المحمول و تعدده لزم أن يكون كل واحدة من هذه المسائل علماً مستقلا، و هو واضح الفساد، لامتياز مسائل العلم الواحد بعضها عن بعض موضوعاً أو محمولا أو كليهما كالفاعل مرفوع و المفعول منصوب.

(3) أي: لتعدد العلم.

(4) يعني: كما لا يكون وحدة الموضوع و المحمول- كقولنا: «الأمر حقيقة في الوجوب» المذكور في علمي الفقه و الأصول- كاشفة عن وحدة الغرض، لما عرفت من إمكان ترتب أغراض متعددة على قضية واحدة، فليست وحدة المسألة موضوعاً و محمولا سبباً لوحدة الغرض المترتب عليها.

(5) و يشير إليه و يعرّفه بعنوان إجمالي.

(6) لأنّ الغرض مترتب على ذات الموضوع، لا على العنوان و الاسم المشيرين إليه، فعدم العلم باسمه لا يقدح في موضوعيته القائمة بذاته كما هو واضح.

15

و قد انقدح بذلك (1): أنّ موضوع علم الأصول هو الكلي [1] المنطبق على موضوعات مسائله المتشتتة، لا خصوص الأدلة الأربعة بما هي أدلة (2) بل و لا بما هي هي (3)

(1) المشار إليه هو قوله: «نفس موضوعات مسائله عيناً» إذ لازم العينية و عدم دخل الاسم في موضوعيته هو: كون الموضوع كلياً طبيعياً منطبقاً على موضوعات المسائل و متحداً معها كاتحاد غيره من الكليات الطبيعية مع أفرادها.

(2) كما نسب إلى المشهور و اختاره المحقق القمي (قده).

(3) أي: ذوات الأدلة لا بوصف الدليليّة، و هذا مختار الفصول، و وجه عدوله عن مسلك المشهور هو: استلزام ذلك لخروج جملة من المسائل الأُصولية عن علم الأصول و دخولها في المبادئ، بيانه: أنّ البحث عن العوارض بحث عن مفاد

____________

[1] هذا مما لا يمكن المساعدة عليه، إذ لا ينطبق هذا الكلي على الموضوعات المتباينة هوية لمسائل علم الأصول كقولنا: «خبر الواحد حجة» و «الاستصحاب حجة» و «الظن حجة» و «إتيان المأمور به على وجهه يقتضي الاجزاء» و غير ذلك من المسائل المختلفة موضوعاتها حقيقة، و لا سبيل إلى استكشاف جامع متحد مع موضوعات المسائل الأصولية، لما عرفت من أجنبية قاعدة عدم صدور الواحد إلّا عن الواحد عن المقام، فإنكار الموضوع لعلم الأصول و دعوى كونه نفس موضوعات المسائل عيناً و مفهوماً أولى من الالتزام بكون موضوعه كلياً مجهول الاسم متحداً مع موضوعات مسائله، لما عرفت من عدم جامع بين تلك الموضوعات.

فالمتحصل: أنّ موضوع علم الأصول ليس كلياً، بل هو نفس موضوعات مسائله التي يترتب عليها القدرة على استنباط الأحكام بحيث لو لم يكن هذا الغرض لم تدون تلك المسائل و لم تكن فائدة مهمة في البحث عنها.

16

ضرورة أنّ البحث في غير واحدة من مسائله المهمة (1) ليس من عوارضها (2) و هو واضح لو كان المراد بالسنة منها (3) هو نفس قول المعصوم أو فعله أو تقريره كما هو المصطلح فيها، لوضوح عدم البحث في كثير من مباحثها المهمة كعمدة (4)

«كان» الناقصة، فلو كانت الحجية قيداً للأدلة التي هي موضوع العلم كما هو المفروض يلزم أن يكون البحث عن الحجية بحثاً عن وجود الموضوع الّذي هو مفاد «كان» التامة، فيندرج البحث عن الحجية في المبادئ التصديقية لعلم الأُصول، (فإنّ البحث) عن حجية الخبر الواحد، و أحد الخبرين المتعارضين تعييناً أو تخييراً، و حجية ظواهر الكتاب و الإجماع و العقل و حجية الأصول العملية، و البحث عن الاستلزامات العقلية (ليس) بحثاً عن عوارض الأدلة الأربعة مع أنّها من مهمات المسائل الأُصولية، و هذا بخلاف كون الموضوع ذوات الأدلة لا بوصف الدليليّة، فإنّ البحث عن الحجية يندرج في عوارض الأدلة لا في المبادئ.

(1) كالمباحث المشار إليها آنفاً.

(2) لما عرفت من عدم كونها بمفاد «كان» الناقصة حتى تدخل في العوارض.

(3) أي: من الأدلة الأربعة. ثم إنّ قوله: «ضرورة ان البحث إلخ» تعليل لنفي الأمرين، و هما: موضوعية ذوات الأدلة و بوصف دليليتها لعلم الأصول.

توضيحه: أنّ البحث عن حجية الخبر ليس بحثاً عن عوارض الكتاب و الإجماع و العقل كما هو واضح سواء كانت بذواتها موضوعاً أم بوصف دليليتها، و كذا ليس بحثاً عن عوارض السنة إن أُريد بها ما هو المصطلح عندهم من نفس قول المعصوم (عليه السّلام) أو فعله أو تقريره، إذ ليس الخبر نفس السنة حتى تكون حجيته من عوارضها، بل الخبر حاكٍ عنها، فلا يرجع حجية الخبر إلى عوارض السنة بمعناها المصطلح سواء كانت السنة بذاتها موضوعاً أم بوصف دليليتها كما هو واضح غايته.

(4) كالبحث عن حجية أحد الخبرين ترجيحاً أو تخييراً، و البحث عن‏

17

مباحث التعادل و الترجيح بل و مسألة حجية خبر الواحد لا عنها (1) و لا عن سائر الأدلة (2)، و رجوع البحث فيهما (3) في الحقيقة إلى البحث عن ثبوت السنة بالخبر الواحد في مسألة حجية الخبر كما أُفيد (4) و بأي الخبرين (5) في باب التعارض فإنّه‏

المرجحات، نعم بعض مباحثهما يكون من عوارض الكتاب و السنة كالبحث عن تعارض السنتين أو القراءتين، و عن تعيين الظاهر و الأظهر فيما إذا دار الأمر بين العموم الشمولي و البدلي مثلا، أو كان التعارض بين أكثر من دليلين، ضرورة أنّ تشخيص الظاهر و الأظهر من حالات الدليل و عوارضه كما لا يخفى.

(1) يعني: لا عن السنة، لما عرفت من عدم كون الخبر عين السنة و متحداً معها بل هو حاكٍ عنها.

(2) قد مر آنفاً كون بعض مباحث التعادل و الترجيح بحثاً عن عوارض الكتاب و السنة، نعم ليس بحثاً عن عوارض الإجماع و العقل.

(3) أي: في عمدة مباحث التعادل و الترجيح، و مسألة حجية الخبر.

(4) المفيد هو شيخنا الأعظم الأنصاري (قده) و غرضه تأييد ما عن المشهور من موضوعية الأدلة الأربعة بما هي أدلة لعلم الأصول، و عدم الحاجة إلى تكلف صاحب الفصول بجعل الموضوع ذوات الأدلة ليكون البحث عن حجية الخبر بحثاً عن عوارض ذات السنة. و محصل ما أفاده الشيخ (قده) هو: أنّه بناءً على موضوعية الأدلة الأربعة بوصف الدليليّة يرجع البحث عن حجية الخبر الواحد و أحد الخبرين المتعارضين إلى البحث عن عوارض السنة، لأنّه في الحقيقة بحث عن ثبوت السنة الواقعية بهما، كثبوتها بالخبر المتواتر و الواحد المحفوف بالقرينة القطعية، فيندرجان في المسائل الأصولية، و لا يكونان حينئذٍ من المبادئ التصديقية.

(5) معطوف على قوله: «بالخبر الواحد».

18

أيضا بحث في الحقيقة عن حجية الخبر في هذا الحال (1) غير مفيد (2)، فإنّ البحث عن ثبوت الموضوع و ما هو مفاد كان التامة ليس بحثاً عن عوارضه (3)، فإنّها (4) مفاد كان الناقصة لا يقال: هذا (5) في الثبوت الواقعي، و أما الثبوت التعبدي‏

(1) أي في حال التعارض، و حاصله: عدم الفرق في حجية الخبر بين حالتي التعارض و عدمه، لكون البحث في كلتا الصورتين بحثاً عن حجية الخبر.

(2) خبر لقوله: «و رجوع» و إشكال على ما أفاده الشيخ من توجيه موضوعية الأدلة الأربعة بما هي أدلة، و ملخص إشكال المصنف عليه (قدهما): أنّ البحث عن العوارض لا بد أن يكون بحثاً عن الوجود النعتيّ الّذي هو مفاد «كان» الناقصة و «هل» المركبة الراجع إلى ثبوت شي‏ءٍ لشي‏ءٍ كثبوت العلم و العدالة و القيام و القعود لشخص، و البحث عن وجود الموضوع بحث عن الوجود المحمولي الّذي هو مفاد «كان» التامة و «هل» البسيطة في مقابل العدم المحمولي المعبر عنه بليس التامة و إن لم تستعمل «ليس» في لغة العرب إلا ناقصة. و إن شئت فقل: إنّ البحث عن العوارض التي هي مفاد كان الناقصة بحث عن المحمولات المترتبة، و البحث عن وجود الموضوع بحث عن المحمول الأوّلي، لأنّه أوّل محمول يحمل على الماهية، و البحث عن حجية الخبر إن رجع إلى البحث عن ثبوت السنة به- كما أفاده الشيخ (قده)- يكون بحثاً عن وجود الموضوع، و هو داخل في المبادئ و خارج عن المسائل التي تكون محمولاتها عوارض لموضوع العلم.

(3) أي: عوارض الموضوع.

(4) أي: العوارض، هذا تعليل لعدم كون البحث عن ثبوت الموضوع بحثاً عن عوارضه كما مر.

(5) أي: رجوع البحث عن ثبوت السنة بالخبر إلى البحث عن وجود

19

كما هو (1) المهم في هذه المباحث، فهو في الحقيقة يكون مفاد كان الناقصة (2)، فإنّه يقال: نعم (3) لكنه مما لا يعرض السنة بل الخبر الحاكي لها، فإنّ الثبوت التعبدي‏

الموضوع محمولياً، و غرضه تصحيح كلام الشيخ بأن يقال: إنّ الإشكال الّذي أورده على الشيخ (قده)- من رجوع البحث عن ثبوت السنة بالخبر إلى البحث عن وجود الموضوع الّذي هو خارج عن العوارض و داخل في المبادئ- إنّما يرد عليه إذا كان المراد بالثبوت التكويني، لأنّ مرجعه حينئذٍ إلى وجود السنة الواقعية بالخبر، و من المعلوم أنّ هذا الوجود هو المحمولي الّذي يكون أجنبياً عن عوارض الموضوع و لا يمكن إرادته هنا، لعدم تعقل علّية الخبر لوجود السنة الواقعية كما لا يخفى على من له أدنى تأمل. و أمّا إذا كان المراد بالثبوت التعبدي الّذي مرجعه إلى حكم الشارع بالحجية و العمل بالخبر تعبداً فيندرج في العوارض، لكونه مفاد «كان» الناقصة و يخرج عن المبادئ، فكلام الشيخ تصحيحاً لما عن المشهور من موضوعية الأدلة الأربعة بما هي أدلة لعلم الأصول في محله.

(1) أي: الثبوت التعبدي هو المهم في مباحث حجية خبر الواحد و أحد الخبرين المتعارضين.

(2) يعني: فيكون ثبوت السنة تعبداً بالخبر داخلا في العوارض، فيخرج بحث حجية الخبر عن المبادئ و يندرج في المسائل.

(3) يعني: سلّمنا أنّ الثبوت التعبدي من العوارض، لكنه من عوارض الخبر الحاكي للسنة لا من عوارض السنة المحكية به، و المفيد في دفع الإشكال- أعني كون البحث عن حجية الخبر بحثاً عن وجود الموضوع الّذي هو مفاد كان التامة و داخلا في المبادئ لا المسائل- هو كون الثبوت التعبدي من عوارض السنة لا من عوارض حاكيها و هو الخبر. و بالجملة: لا يندفع الإشكال بإرادة الثبوت التعبدي.

20

يرجع إلى وجوب العمل على طبق الخبر كالسنة المحكية به، و هذا من عوارضه لا عوارضها كما لا يخفى. و بالجملة الثبوت الواقعي ليس من العوارض، و التعبدي و ان كان منها إلا أنّه ليس للسنة بل للخبر، فتأمل جيداً. و أمّا (1) إذا كان المراد من السنة ما يعم حكايتها (2) فلأن البحث في تلك المباحث و ان كان عن أحوال‏

(1) هذا عدل لقوله قبل أسطر: «لو كان المراد بالسنة منها ... إلخ» و حاصله: أن جعل موضوع علم الأصول ذوات الأدلة أو بوصف الدليليّة لا يخلو من الإشكال.

(2) كما هو مراد الفصول، توضيحه: أنّه إِن أُريد بالسنة معنى عام يشمل كلا من الحاكي و المحكي ففيه: أنّه و إن لم يرد على جعل السنة بهذا المعنى العام موضوعاً لعلم الأُصول إشكال خروج البحث عن حجية خبر الواحد و أحد الخبرين المتعارضين عن المسائل و دخوله في المبادئ، إذ المفروض صدق السنة بهذا المعنى على الخبر، فالبحث عن حجيته بحث عن عوارض السنة، فيندرج في المسائل دون المبادئ، لكن يبقى إشكال آخر و هو الأعمية بالنسبة إلى سائر المسائل الأصولية، حيث إنّ العارض بواسطة أمر أعم لا يكون عند المحققين من الأعراض الذاتيّة، فلا تكون سائر المسائل من مسائل علم الأُصول، مثلا كون الأمر حقيقة في الوجوب أو الندب أو الجامع بينهما من عوارض ما يكون على هيئة «افعل» سواء كان من الكتاب و السنة أم لا، و كذا مسألة الملازمة بين وجوب شي‏ء و وجوب مقدمته، أو الملازمة بين وجوبه و حرمة ضده، أو جواز اجتماع الحكمين المتضادين في موضوع واحد ذي جهتين أو استحالته، و نظائر ذلك. و قد تنبه صاحب الفصول لهذا الإشكال و أجاب عنه بأنّ البحث عنها باعتبار وقوعها في الكتاب و السنة، و لا يقدح في ذلك تعرضهم لوضعه اللغوي أو العرفي، إذ المقصود بيان مداليل تلك الألفاظ بأي وجه كان ... إلخ، لكن لا يندفع به إشكال أعمية الواسطة من المعروض.

21

السنة بهذا المعنى، إلّا أنّ البحث في غير واحدة من مسائلها كمباحث الألفاظ و جملة من غيرها (1) لا يخص الأدلة بل يعم غيرها (2) و ان كان المهم معرفة أحوال خصوصها (3) كما لا يخفى. و يؤيد ذلك (4) تعريف الأصول بأنّه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية و ان كان الأولى (5) تعريفه بأنّه صناعة يعرف‏

(1) كمباحث الاستلزامات.

(2) لكون المفروض عروض هذه العوارض بواسطة أمر أعم، فلا تخرج عن العرض الغريب.

(3) أي: خصوص الأدلة، هذا إشارة إلى الجواب المتقدم عن الفصول.

(4) أي: كون موضوع علم الأصول الطبيعي المتحد مع موضوعات مسائله المتشتتة لا خصوص الأدلة الأربعة، وجه التأييد هو ظهور القواعد في العموم، فيراد بها كل قاعدة مهدت للاستنباط سواء كان موضوعها من الأدلة الأربعة أم غيرها. و لعل التعبير بالتأييد دون الأدلة لأجل احتمال كون اللام للعهد، فالمراد حينئذٍ هو القواعد التي تكون موضوعاتها من الأدلة الأربعة، أو لاحتمال كون التعريف بذلك تعريفاً بالأعم و اللَّه العالم.

(5) هذه الأولوية تعيينية كالأولوية في قوله تعالى: «و أُولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض» لفساد تعريف المشهور عند المصنف من وجوه:

(الأول): اشتماله على العلم و هو فاسد، لما تقدم من أنّ علم الأصول عبارة عن نفس المسائل لا العلم بها. و يمكن أن يكون نظرهم في أخذ العلم في تعريفه إلى أن الغرض من كل علم لا يترتب إلّا على العلم بقواعده و مسائله، فإنّ القدرة على الاستنباط مثلا تتوقف على العلم بالقواعد الأُصولية لا على تلك القواعد

22

..........

بوجودها الواقعي [1].

(الثاني): أن تعريف المشهور ظاهر في أنّ المناط في كون المسألة أُصولية هو فعلية وقوعها في طريق الاستنباط، و عدم كفاية شأنية الوقوع كذلك في أُصولية المسألة، و لما كان ذلك فاسداً عدل عنه المصنف إلى قوله: «يمكن أن يقع» لوضوح أنّ المسائل الأصولية كبريات لا يترتب عليها الاستنباط الفعلي إلّا بعد انضمام صغرياتها إليها، فلو لم تنضم إليها صغرى لم يقدح ذلك في أُصوليتها، فعدول المصنف عن تحديد المشهور إلى إمكان الوقوع في طريق الاستنباط في محله.

(الثالث): أنّ تعريف المشهور لا يشمل جميع المسائل الأصولية، لاختصاصه بما يقع في طريق الاستنباط كمسألة حجية خبر الواحد و حجية أحد الخبرين المتعارضين و حجية الظواهر و ما شابهها، و عدم شموله لما لا يقع في طريق الاستنباط كالأصول العملية التي هي وظائف للشاك في مقام العمل من دون استنباط حكم منها لأنّها بأنفسها أحكام بناءً على إمكان الجعل للحكم الظاهري و ترخيص في ترك الواقع بناءً على عدمه، فلا تقع الأصول العملية كحجية الخبر في طريق استنباط الحكم أصلا. و كمقدمات الانسداد بناءً على الحكومة، فانّه لا علم بالحكم في مورده‏

____________

[1] لكن لا يخفى ما في التعبير بالصناعة من الإشكال أيضا، لأنّ المراد بها ظاهراً هو الملكة، و لازمه خروج نفس القواعد عن علم الأصول، و هو كما ترى، فالأولى تعريفه بنفس القواعد. و لعلّ الداعي إلى أخذ الصناعة في التعريف دون العلم كما صنعه المشهور هو: أنّه ليس لعلم الأصول قواعد مضبوطة كسائر العلوم حتى يعرَّف بالعلم بالقواعد، بل علم الأصول صناعة يقتدر بها على تأسيس قواعد يمكن وقوعها في طريق الاستنباط، فتدبر.

23

بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام أو التي (1) ينتهي إليها في مقام العمل بناء (2) على أن مسألة حجية الظن على الحكومة و مسائل الأصول العملية في الشبهات الحكمية (3) من الأصول (4) كما هو كذلك (5)، ضرورة أنّه لا وجه لالتزام الاستطراد في مثل هذه المهمات.

(الثاني)

:

الوضع (6) هو نحو اختصاص اللفظ بالمعنى و ارتباط خاص بينهما

لا واقعياً و لا ظاهرياً. أمّا الأوّل، فلأنّ المفروض انسداد باب العلم بالاحكام الواقعية، و أمّا الثاني: فلعدم جعلٍ للشارع فيه بعد فرض عدم حجية الظن شرعاً، و هذا بخلاف تعريف المصنف (قده) المشتمل على قوله: «أو التي ينتهي إليها في مقام العمل» فإنّه يشمل ما لا يقع في طريق الاستنباط كالأصول العملية و حجية الظن حكومة.

(1) معطوف على قوله: «التي يمكن ان تقع ... إلخ».

(2) متعلق بقوله: «أو التي ينتهي».

(3) دون الأصول الجارية في الشبهات الموضوعية، فإنّها خارجة عن علم الأصول، لعدم استنباط حكم كلي منها.

(4) خبر لقوله: «ان مسألة حجية الظن ... إلخ».

(5) يعني: بحسب الواقع و نفس الأمر.

(6) هذا ثاني الأمور المبحوث عنها في المقدمة، و قبل الخوض في بيان الوضع لا بأس بالتنبيه على أمر، و هو: أنّهم اختلفوا في دلالة الألفاظ على معانيها على أقوال ثلاثة: (الأول) كون الدلالة ذاتية صرفة. (الثاني) كونها جعلية كذلك. (الثالث) كونها بالذات و الجعل كليهما، و الأوّل و الثالث باطلان، لما ذكر في الكتب المبسوطة، فخيرها أوسطها إذا عرفت هذا فاعلم: أنّه قد وقع الخلاف في معنى الوضع، فمنهم من فسّره بالالتزام و التعهد كالفاضل النهاوندي و من تبعه، و منهم من فسّره‏

24

..........

بأنّه تعيين اللفظ للدلالة على المعنى بلا اعتماد على معنى كما عن الفصول، أو تعيين اللفظ للدلالة على المعنى بنفسه كما عن غيره، و منهم من فسره بجعل اللفظ علامة لإرادة المعنى، و منهم من فسره بجعل الهوهوية و الاتحاد بين اللفظ و المعنى.

فحقيقة الوضع على هذا هي الاتحاد الاعتباري بينهما الناشئ عن الجعل أو كثرة الاستعمال. ثم اختلفوا أيضا في أنّ الواضع هل هو اللَّه تعالى شأنه كما عن جماعة و منهم أبو الحسن الأشعري أم هو البشر كيعرب بن قحطان كما عن غيرهم؟ و الغرض الإشارة إلى هذه الجهات دون التعرض لها تفصيلا، فإنّه ينافي وضع التعليقة و ان كان الحق أنّ الواضع هو المخلوق لقوة أودعها فيه خالق الموجودات جلّ و علا يضعون بها ألفاظاً لإبراز ما في ضمائرهم من المعاني، كما يخترعون بتلك القوة صناعات عجيبة ثم يضعون لها ألفاظاً كالراديو و التلفن و التلغراف و غير ذلك. و كيف كان فلنعطف عنان البحث إلى ما أفاده المصنف (قده) و محصله: أنّه (لمّا لم تكن) التعريفات المذكورة في كتب القوم للوضع خالية عن المسامحة إمّا لأخذ فائدة الوضع و هي الدلالة على المعنى في مفهومه، و إمّا لجعل الوضع بمعناه المصدري غير الشامل للوضع التعيني (عدل) عنها إلى تعريفه بما في المتن، و هو يرجع إلى معنى اسم المصدر القابل للانقسام إلى التعييني و التعيني، لأنّ الوضع ان لوحظ باعتبار صدوره فهو مصدر، و ان لوحظ باعتبار نفسه فهو اسم مصدر، و الفرق بينهما اعتباري.

و كيف كان فالوضع كما يكون له وجود تكويني كجعل حجر على حجر كذلك يكون له وجود تشريعي يوجد بإنشاء من بيده الاعتبار نظير سائر الأُمور الاعتبارية المتحققة بالإنشاء كالملكية و الزوجية و غيرهما. ثم إنّ الوضع بالمعنى المذكور في المتن يكون من صفات اللفظ، لصحة توصيف اللفظ به بأن يقال: اللفظ الموضوع، كما أنّه بمعنى تعهد الواضع أو تخصيص اللفظ بالمعنى من صفات الواضع.

25

ناشئ من تخصيصه (1) به تارة و من كثرة استعماله فيه أُخرى، و بهذا المعنى (2) صح تقسيمه إلى التعييني و التعيني كما لا يخفى. ثم إنّ الملحوظ (3) حال الوضع إمّا يكون معنى عاماً فيوضع اللفظ له تارة و لأفراده و مصاديقه أُخرى، و إمّا يكون معنى خاصاً لا يكاد يصح إلّا وضع اللفظ له دون العام، فتكون الأقسام ثلاثة، و ذلك لأنّ العام (4) يصلح لأن يكون آلة للحاظ أفراده و مصاديقه‏

(1) أي: تخصيص الواضع اللفظ بالمعنى.

(2) أي: اختصاص اللفظ بالمعنى.

(3) لما كان الوضع من الأمور الإنشائية المتقومة بالتصور و اللحاظ كسائر الإنشائيات التي لا توجد إلا بذلك و كان أمراً نسبياً متقوماً باللفظ و المعنى، فلا بد من أن يلاحظ الواضع حين الوضع كلًّا من اللفظ و المعنى. ثم إنّ الوجوه المتصورة عقلًا في الوضع أربعة، لأنّ المعنى الملحوظ إمّا كلّي و إمّا جزئي، و على الأوّل إمّا أن يضع اللفظ بإزائه، و إمّا أن يضعه بإزاء أفراده، و يسمى أوّلهما بالوضع العام و الموضوع له العام، و ثانيهما بالوضع العام و الموضوع له الخاصّ. و على الثاني إمّا يضع اللفظ بإزائه و إمّا بإزاء الكلي الجامع بين ذلك المعنى الجزئي الملحوظ حين الوضع و بين غيره من الجزئيات المشاركة له في ذلك الكلي، و يسمى الأول بالوضع الخاصّ و الموضوع له الخاصّ، و الثاني بالوضع الخاصّ و الموضوع له العام، و الممكن من هذه الأربعة هو ما عدا الأخير لما سيذكره المصنف (قده).

(4) هذا تعليل لإنكار القسم الرابع- و هو الوضع الخاصّ و الموضوع له العام- خلافاً لجماعة منهم المحقق صاحب البدائع، و ملخص ما أفاده المصنف في وجه الإنكار هو: أنّ الخاصّ بما هو خاص- كزيد- لا يصلح لأن يكون وجهاً للعام كالإنسان، و لذا لا يصح حمل الخاصّ عليه، فلا يقال: «الإنسان زيد» بخلاف العام، فإنّه‏

26

بما هو كذلك (1)، فإنّه (2) من وجوهها (3) و معرفة وجه الشي‏ء معرفته بوجه، بخلاف الخاصّ، فإنّه بما هو خاص لا يكون وجهاً للعام و لا لسائر الأفراد، فلا يكون معرفته و تصوره معرفة له و لا لها أصلا و لو بوجه، نعم ربما يوجب تصوره تصور

يصلح لأن يكون وجهاً للخاص، و لذا يصح حمله عليه فيقال: «زيد إنسان».

و بالجملة: خصوصية الخاصّ توجب مباينته للعام كمباينته لسائر الافراد، فكما يباين زيد عمراً و بكراً و غيرهما من أفراد الإنسان لتباين خصوصياتها كذلك يباين الإنسان الّذي هو الطبيعة اللابشرط، لما بين الماهية بشرط شي‏ءٍ: و بين الماهية اللابشرط القسمي من التنافي المانع عن الاتحاد المقوِّم للحمل و عن كونه وجهاً للماهية اللابشرط و هي العام. و ان شئت فقل في تقريب المنع عن هذا القسم الرابع: بأنّ المعنى الملحوظ حين الوضع ان كان جزئياً حقيقياً فكيف يعقل أن يضع الواضع اللفظ بإزاء المعنى العام الشامل له و للأفراد المتماثلة له؟ إذ لازمه الوضع لمعنى لم يتصوره حال الوضع أصلا، لأنّ المفروض عدم كون الخاصّ وجهاً للعام حتى يكون تصوره تصور العام بوجه، فلا يعقل الوضع الخاصّ و الموضوع له العام، هذا [1].

(1) أي: بما هو عام، لأنّه باعتبار لا بشرطيته متحد مع الأفراد وجوداً فيصح أن يكون آلة للحاظها.

(2) يعني: فإنّ العام لأجل لا بشرطيته ....

(3) أي: من وجوه الأفراد و المصاديق.

____________

[1] إلا أن يقال: إنّ التصور التفصيليّ التحليلي للخاص تصور إجمالي للعام، و هذا المقدار كافٍ في صحة الوضع له و إن لم يكن الخاصّ وجهاً له كما يكشف عنه عدم صحة حمله على العام، فمجرد علّية تصور الخاصّ لتصور العام يكفي في صحة الوضع للمعنى العام، فتدبر.

27

العام بنفسه فيوضع له اللفظ فيكون الوضع عاماً كما كان الموضوع له عاماً، و هذا بخلاف ما في الوضع العام و الموضوع له الخاصّ، فإنّ الموضوع له و هي الافراد لا يكون متصوراً إلّا بوجهه و عنوانه و هو العام، و فرق [1] واضح بين تصور الشي‏ء بوجهه (1) و تصوره بنفسه (2) و لو كان بسبب تصور أمر آخر (3)، و لعل خفاء ذلك على بعض الأعلام و عدم تمييزه بينهما كان موجباً لتوهم إمكان ثبوت قسم رابع و هو أن يكون الوضع خاصاً مع كون الموضوع له عاماً، مع أنّه واضح لمن كان له أدنى تأمل (4). ثم إنّه لا ريب في ثبوت الوضع الخاصّ و الموضوع له الخاصّ كوضع الأعلام (5) و كذا الوضع العام و الموضوع له العام‏

(1) كما في الوضع العام و الموضوع له الخاصّ.

(2) كما في الوضع و الموضوع له العامين إذا استلزم تصور الخاصّ تصور العام كتصور الخاصّ بكنهه المستلزم لتصور العام الّذي في ضمنه.

(3) كتصور الإنسان الناشئ عن تصور زيد، فإنّ تصوره علة لتصور الإنسان.

(4) قد عرفت آنفاً إمكان هذا القسم الرابع و إن لم يكن الخاصّ وجهاً للعام كالعكس، لكن التصور الإجمالي كافٍ في الوضع، و المفروض أنّ التصور التحليلي للخاص يستلزم تصور العام إجمالًا، و به يندفع إشكال عدم تصور المعنى العام لا تفصيلا و لا إجمالا إذا كان المعنى الملحوظ حين الوضع خاصاً. فالحق إمكان القسم الرابع وفاقاً لصاحب البدائع و غيره كإمكان الأقسام الثلاثة الأُخرى‏.

(5) أي: الأعلام الشخصية كوضع زيد مثلا، فإنّ الوضع و هو المعنى الملحوظ

____________

[1] وضوح الفرق بينهما كصحة الحمل في أحدهما- و هو ما إذا كان العام وجهاً للخاص دون الآخر- لا يمنع عن التصور الإجمالي الكافي في الوضع.

28

كوضع أسماء الأجناس (1). و أمّا الوضع العام و الموضوع له الخاصّ فقد توهم (2) أنّه وضع الحروف و ما ألحق بها من الأسماء (3)، كما توهم أيضا (4) أنّ المستعمل فيه‏

جزئي كجزئية الموضوع له، إذ اللفظ موضوع لنفس ذلك المعنى المتصور، فكل من الوضع و الموضوع له خاص.

(1) سواء كانت أسماءً لما اخترعه أهل هذه الأعصار كالطيارات و السيارات و المكائن و غيرها، أم لما خلقه اللَّه سبحانه و تعالى كالماء و الحنطة و الشعير و غيرها.

(2) المتوهم جماعة منهم السيد الشريف.

(3) المشابهة للحروف شباهة افتقارية أو وضعية أو معنوية كأسماء الإشارات و الموصولات و غيرهما.

(4) المتوهم هو التفتازاني على ما قيل [1].

____________

[1] و لا بأس بالتعرض إجمالًا للأقوال المذكورة في وضع الحروف.

(منها) ما عن نجم الأئمة الشيخ الرضي من أنّ الحرف لا معنى له أصلا، بل جعل علامة على خصوصية معنى مدخوله، فكما يكون الرفع علامة على فاعلية زيد مثلا في قولنا: «قام زيد» كذلك يكون- في- علامة على ظرفية مدخوله كالدار في قولنا «زيد في الدار» هذا. و فيه (أولا) أنّه مجرد دعوى لا برهان عليه، و صِرف إمكانه لا يكفي في الوقوع. (و ثانياً) أنّه خلاف ما اتفقوا عليه من انقسام الكلمة إلى اسم و فعل و حرف، و عزل الحرف عن المعنى يستلزم انحصار الكلمة في الأولين. (و ثالثاً) أنّه يستلزم التجوز في الاستعمالات، توضيحه: أنّ «الدار» مثلا وضعت لذات معناها و هي البناء الموجود العيني الجوهري، و خصوصية ظرفيتها لزيد مثلا خارجة عنه، و حينئذٍ فان لم يكن لكلمة «في» معنى الظرفية يلزم التجوز في استعمال كلمة «الدار» في معناها المتخصص بهذه الخصوصية، و هو كما ترى، فلا بد أن تكون الخصوصية مدلولة لكلمة «في».

29

..........

..........

____________

نعم قيل بصحة دعوى العلامية في علائم الإعراب كالرفع، إذ الدال على الفاعلية التي هي النسبة الصدورية أو الحلولية هي الهيئة الكلامية. فمقايسة الحروف على مثل الرفع في غير محلها، بل هذه الدعوى في المشبه به أعني به علائم الإعراب أيضا في حيز المنع، فتدبر.

و منها: الأقوال المترتبة على وضع الحروف لمعانٍ في مقابل قول من جعلها علامة لخصوصية مدخولها.

(أحدها): أنّها وضعت لمعنى لوحظ حالة للغير و نعتاً له بحيث لا يتصور في الذهن بنفسه و مع الغض عن الغير كالأعراض الخارجية التي لا توجد مستقلة بل في موضوعاتها، حتى قيل: «إنّ وجوداتها في أنفسها عين وجوداتها لموضوعاتها» فالمعنى الحرفي حالة لمعنى آخر و قائم به كالعرض، و ليس كالمعنى الاسمي القائم بنفسه، هذا.

و فيه: أنّ المعنى الحرفي لو كان كذلك لم يكن محتاجاً إلى طرفين بل إلى طرف واحد كالأعراض الخارجية.

(ثانيها): أنّها وضعت للنسب و الارتباطات المتقومة بالطرفين مثلا قولنا:

«سرت من البصرة» يدل على مفهومي السير و البصرة اللذين هما مدلولا «سرت» و البصرة» و النسبة الابتدائية بينهما التي هي معنى «من» فلو لم تكن كلمة «من» في الكلام لم يكن لهذه النسبة دال، فمعنى «من» هي النسبة الابتدائية، كما أنّ معنى «إلى» هي النسبة الانتهائية، و هكذا سائر الحروف.

و من هنا يظهر: أنّ حال الهيئات- لدلالتها على النسب و الارتباطات من الصدورية و القيامية و الإيجادية و الطلبية و غيرها- حال الحروف بناءً على هذا القول.

30

..........

..........

____________

و بالجملة: فالأسماء تدل على المعاني الاستقلالية، و الحروف تدل على النسب و الارتباطات التي بينها، و لا فرق بين أقسام الحروف من الجارة و غيرها في الدلالة على النسب، فإنّ لفظة «يا» مثلا تدل على النسبة الندائية المتقومة بالمنادي و المنادى. و قد ظهر مما ذكرنا: أنّ المعنى الحرفي بذاته غير مستقل و غير متصور بالاستقلال كالمعنى الاسمي، إذ النسبة متقومة بالمنتسبين، فليس عدم استقلاله ناشئاً من اللحاظ كما هو مقتضى القول الآتي.

(ثالثها) ما في المتن تبعاً للفصول: من أنّ المعنى إذا لوحظ آلياً فهو معنى حرفي و إذا لوحظ استقلالياً فهو معنى اسمي، فالتفاوت بين المعنى الحرفي و الاسمي إنّما هو باللحاظ من دون فرق بينهما في نفس المعنى و هويته، إذ الموضوع له في كل من الاسم و الحرف هو الماهية المبهمة المعرّاة عن قيد الاستقلال و عدمه. فكما لم تلاحظ الاستقلالية جزءاً في معاني الأسماء لا في الموضوع له و لا في المستعمل فيه، فكذلك لم تلاحظ الآلية التي هي كون المعنى حالة للغير جزءاً لمعاني الحروف، لما سيذكره المصنف (قده) من الوجوه الثلاثة الدالة على عدم أخذ لحاظ الآلية جزءاً للمعاني الحرفية.

(رابعها) ما أفاده شيخ مشايخنا المحقق النائيني (قده) و هو يعتمد على أربعة أركان:

(الأول): أنّ المعاني الحرفية إيجادية لا إخطارية، توضيحه: أنّه ليس للمعنى الحرفي مفهوم متصور في الذهن كالمفاهيم الاسمية، بل المعاني الحرفية هي النسب و الارتباطات التي توجد في موطن الاستعمال، فكلمة «من» مثلا وضعت‏

31

..........

..........

____________

لإيجاد الربط الابتدائي بين السير و البصرة في مثل قولك: «سر من البصرة إلى الكوفة» و كلمة «على» لإيجاد النسبة الاستعلائية بين زيد و السطح، في مثل «زيد على السطح»، و هيئة «زيد قائم» لإيجاد النسبة القيامية بين زيد و قائم، و مثلها سائر الحروف و الهيئات. و بالجملة: فلا تقرر للمعنى الحرفي في الذهن حتى يتصور، بل تقرره و تحصله موطن الاستعمال، فالحروف آلات لإيجاد معانيها لا كواشف عن مداليلها.

(الثاني): أنّ المعاني الحرفية لا استقلال لها في هوية ذاتها، بل هي قائمة بغيرها، بداهة أنّ النسب و الارتباطات التي تحكيها الحروف و الهيئات لا تقوم بذاتها، لكونها قائمة بالطرفين، و إلى هذا ينظر قولهم «الحرف ما دل على معنى في غيره»، فإنّ معنى كلمة «من» هي الابتدائية التي تقوم بما يليها من البصرة و نحوها.

(الثالث): أنّ تلك المعاني الإيجادية لا موطن لها إلّا وعاء الاستعمال، و لا تقرر لها في شي‏ء، من أوعية الواقع و الاعتبار و الذهن، فليس الموضوع له في الحروف مفاهيم النسب و الارتباطات، بل مصاديقها الموجودة في موطن الاستعمال في مقابل القول بالإخطارية المنوطة باللحاظ و التصور و تعدد وعاء التحصل و التقرر، فإنّ لازم الإيجادية هو وحدة عالم التقرر و التحصل، فوجود المعنى الحرفي حدوثاً و بقاء يدور مدار الاستعمال.

(الرابع): أنّ المعاني الحرفية مغفول عنها و غير ملتفت إليها حال إيجادها، كالألفاظ التي يراد بها معانيها، فإنّ النّظر إلى الألفاظ حينئذٍ آليّ كالنظر إلى المرآة ان كان الغرض معرفة حال المرئي، فإنّ المعنى الحرفي بناءً على كونه إيجادياً لا يمكن‏

32

..........

..........

____________

أن يكون ملتفتاً إليه قبل الاستعمال أصلا، لتوقف الالتفات إليه على تصوره في الذهن و المفروض أنّه لا وجود له في غير موطن الاستعمال، فكيف يمكن تصوره قبل الاستعمال؟ و يترتب على عدم وجوده قبل الاستعمال امتناع الإطلاق و التقييد اللحاظيين فيه، هذا. ثم استدل المحقق النائيني (قده) على القول بالإيجادية على ما يستفاد من كلمات مقرري بحثه الشريف بوجوه ثلاثة:

(الأول): الخبر الّذي رواه أبو الأسود الدؤلي عن مولانا أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلين، قال: «قال (عليه السّلام): الاسم ما أنبأ عن المسمى، و الفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، و الحرف ما أوجد معنى في غيره» تقريب الاستدلال به: أنّ في العدول عن الإنباء في الحرف إلى الإيجاد دلالة على عدم تقرُّر لمعنى الحرف في غير وعاء الاستعمال حتى يدل عليه الحرف و يحكي عنه كحكاية أخويه عن معنييهما، بل الحرف آلة لإيجاد معناه، هذا.

(الثاني): أنّ حرف النداء في مثل «يا زيد» لا يمكن أن يكون حاكياً عن النسبة الندائية المتقررة في غير موطن الاستعمال، إذ لا نداء و لا منادي و لا منادى قبل الاستعمال، بل هذه العناوين توجد بنفس الاستعمال، فلا وجود لها قبله، فيوجد بحرف النداء مصداق لمفهوم النداء، فالمعنى الحرفي مصداق للمعنى الاسمي.

(الثالث): أنّه لا شك في أنّ مفاهيم أجزاء الجمل سواء كانت تامة أم ناقصة و اسمية أم فعلية و خبرية أم إنشائية مفاهيم بسيطة مستقلة في الأذهان غير مرتبطة بعضها ببعض كالماء و الكوز، فإنّهما موضوعان لمفهومين متغايرين‏

33

..........

..........

____________

لا يرتبط أحدهما بالآخر بحيث لا يمكن تأليف كلام منهما، فلو استعملت كلمة- في- في مفهوم النسبة الظرفية لا في حقيقتها فما الرابط بين هذين المفهومين الاسميين المستقلين؟ فلا بد أن تكون الحروف و الهيئات موضوعة لمصاديق النسب و الارتباطات ليتحقق الربط بينهما، فالموجد للارتباط بين المفاهيم المتغايرة هي الحروف و الهيئات، هذا. و أنت خبير بما في الجميع، إذ في الأول و هو الخبر أولا: أنّه مرويّ عن طرق العامة. و ثانياً: اختلاف متنه، لأن المحكي عن بعض النسخ هكذا: «و الحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم و لا فعل» و الترجيح بعلوّ المضمون على فرض صحته في نفسه غير ثابت هنا، لما سيظهر من وهن إيجادية المعاني الحرفية. و ثالثاً: أنّه يمكن أن يكون وجه العدول عن الإنباء في الحروف إلى الإيجاد ملاحظة كون النسب و الارتباطات التي هي المعاني الحرفية الرابطة بين المفاهيم الاسمية علة لتحقق الهيئة في الذهن كعلية النسب و الارتباطات الخارجية لتحقق هيئة في الخارج، كالهيئة السريرية الحاصلة بارتباطات خاصة بين قطعات الخشب. و لمّا كانت الحروف حاكية عن النسب التي هي علة لوجود تلك الهيئة، صحت إضافة الإيجاد عناية إلى نفس الحروف الحاكية عنها، فتدبر.

و في الثاني- و هو عدم إمكان حكاية حرف النداء عن النسبة الندائية- أوّلا:

أنّه أخص من المدعى، لعدم تطرقه في الجمل الخبرية المشتملة على النسب التحقيقية، لحكاية الهيئة فيها عن الارتباط الذهني المتحقق قبل وعاء الاستعمال، فلاحظ.

و ثانياً: أنّ الفرق بين مثل «يا زيد» و بين سائر الجمل الإنشائية تحكُّم، لامتناع تأليف الكلام من حرف و اسم، فلهذا الكلام مقدر و هو كلمة «أدعو» مثلا

34

..........

..........

____________

كما قدّره النحويون.

و من الواضح أنّ للدعوة نسبة صدورية إلى المتكلم الّذي يقال له المنادي (بالكسر) و الدال على هذه النسبة هيئة «أدعو» و نسبة المدعوية إلى طرفه و هو زيد في المثال المدعو بالمنادى (بالفتح) و الدال على هذه النسبة هي لفظة «يا»، و لا بد من تصور أجزاء الكلام بما لها من المفاهيم الاستقلالية و الروابط الموجبة لارتباطها و تألف الكلام منها ليتحقق التطابق بين القضية المعقولة و الملفوظة، من غير فرق في ذلك بين الجمل الإنشائية و الاخبارية.

و الحاصل: أنّه كما يعتبر تصور المفاهيم الاستقلالية التي تدل عليها أطراف القضية من المسند و المسند إليه كذلك يعتبر تصور النسب و الارتباطات التي تدل عليها الحروف و الهيئات، فإنّ كل متكلم لا يلقي كلامه إلى مخاطبه إلا بعد تصور مضمونه من المفاهيم المستقلة و روابطها، فالكلام الملقى إلى الطرف كما يشتمل على الألفاظ التي تدل على المفاهيم المستقلة، كذلك يشتمل على الحروف و الهيئات التي تحكي عن الارتباطات و النسب، و هل يمكن إلقاء كلام مفيد بدون التصور المزبور بعد وضوح لزوم التطابق بين القضية المعقولة و الملفوظة كما أشرنا إليه آنفاً؟

و ثالثاً: أنّه لا معنى لمصداقية النسبة الندائية الموجدة بحرف النداء في موطن الاستعمال لمفهوم النداء الّذي هو معنى اسمي، و ذلك لعدم انطباق ضابط المصداقية على المعنى الحرفي، فإنّ ضابطها هو صحة وقوع المصداق مسنداً إليه و المفهوم مسنداً نظير «زيد إنسان»، و من المعلوم عدم صحته في المقام، ضرورة عدم صحة وقوع الحرف مسنداً إليه، و إلّا لخرج عن كونه حرفاً كما هو واضح‏

35

..........

..........

____________

و في الثالث- و هو كون مفاهيم أجزاء الجمل بسائط مستقلة في الذهن- أولا: ما مر آنفاً من أنّ القضية الملفوظة كما تحتاج إلى وجود رابط يربط أطرافها، كذلك القضية المعقولة تتوقف على وجود رابط بين أجزائها الذهنية، فالملقي للكلام المفيد يحتاج أوّلًا إلى تصور الأطراف و الربط بينها ليتمكن من إلقائه ثانياً. و ببيان أوضح: كما أنّ الماهيات المبهمة اللابشرط المقسمي التي وضعت لها الألفاظ- بناءً على المذهب الصحيح الّذي اختاره السلطان في وضع أسامي الأجناس- تحتاج إلى حاكٍ يحكي عنها، كذلك الخصوصيات الطارئة عليها كتخصص السير بكونه من البصرة في قوله: «سر من البصرة»، و تقيّد الصوم بكونه من الطلوع إلى الغروب في قوله: «صم من الطلوع إلى الغروب» و غير ذلك، فإنّ الحاكي عن نفس الطبيعة المهملة لا يغني عما يحكى عن خصوصيتها، لعدم دلالته عليها، فكلّ من الطبيعة و خصوصياتها تحتاج إلى دالٍّ يخصها، و لذا نحتاج في إثبات الإطلاق إلى مقدمات الحكمة، إذ المفروض أن اللفظ لا يدل إلّا على نفس الطبيعة المهملة المعراة عن كل خصوصية و ارتباط. فنتيجة هذا البيان كون مداليل الحروف و الهيئات كمداليل الأسماء إخطارية لا إيجادية.

و ثانياً: أنّ إيجادية المعاني الحرفية تستلزم محذوراً لم يلتزم به أحد، و هو خروج جميع القيود عن حيّز الطلب المنشأ بالهيئة و توضيحه منوط بتقديم أمرين مسلّمين:

أحدهما: أنّ الطلب لا يتعلق إلّا بما يكون مقدماً عليه رتبة، لتأخر الحكم عن موضوعه تأخر المعلول عن علته.

ثانيهما أنّ وحدة رتبة علّتين تستلزم وحدة رتبة معلوليهما، إذا عرفت‏

36

..........

..........

____________

هذين الأمرين فاعلم: أنّه إذا قال المولى: «سِر من البصرة إلى الكوفة» ففيه دلالات: «إحداها» دلالته على مفهومين اسميين و هما مفهوما: السير و البصرة.

(ثانيتها) دلالته على الارتباط الخاصّ بينهما، و هو تقيّد السير بكون مبدئه البصرة و منتهاه الكوفة. (ثالثتها) دلالته على الطلب، و لما كان الطلب و الارتباط بين السير و البصرة معلولين للأداة و الهيئة اللتين هما في رتبة واحدة، فلا محالة يكون نفس الطلب و الارتباط أيضا في رتبة واحدة و متأخرين عن مفهومي السير و البصرة، و قد مرّ في الأمر الأول: أنّ الطلب لا يتعلق إلا بما يتقدم عليه رتبة، فلا يتعلق بما هو في رتبته أو متأخر عنه، و لازم وحدة رتبتي الطلب و الإضافة بين مفهومي السير و البصرة هو عدم تعلق الطلب بالإضافة، و كون المطلوب مطلق السير و إن لم يكن ابتداؤه من البصرة، و هذا مما لم يلتزم به أحد، إذ المسلم عندهم في مثل هذه القضية هو جعل القيد متعلق الطلب، و كون المطلوب السير المتخصص بخصوصية كذائية لا مطلق السير. و لا يرد هذا المحذور على القول بإخطارية المعاني الحرفية، لأنه يتصور المعنى الاسمي مقيداً بالخصوصية و يطلبه كذلك، فيكون القيد متصوراً قبل تعلق الطلب به. نعم في مقام الدلالة يكون الدالان على القيد و الطلب في رتبة واحدة، لكنه لا يقدح، لعدم استلزام عرضية الكاشفين لعرضية المنكشفين كما لا يخفى. و ثالثاً: أنّه يلزم تأخر الارتباط المترتب على الحروف أو الهيئات عما يقوم به من المفهومين الاسميين و عدم كونه في رتبتهما، توضيحه:

أنّ الارتباط المعلول للأداة يوجد في وعاء الاستعمال، و هو متأخر عن تصور المفهومين اللذين يقوم بهما الارتباط، فمع تصور مفهوم زيد بدون ارتباطه بالقيام‏

37

..........

..........

____________

و تصور مفهوم القيام بدون ارتباطه بزيد كيف يحصل الارتباط بينهما بالحروف أو الهيئات مع عدم انقلاب الواقع عما هو عليه من الإطلاق و عدم الارتباط؟

إذ المفروض وجود كل منهما غير مرتبط بالآخر، فلا يرتبطان بما يوجد في مرحلة الاستعمال المتأخر عن مقام التصور، فتدبر. و رابعاً: أنّه يلزم من إيجادية المعنى الحرفي إنكار القضية المعقولة، لعدم رابط ذهني يربط الطرفين، أو الالتزام بإمكان تألف القضية من دون ارتباط بين طرفيها، و كلاهما كما ترى. و خامساً: أنّ إيجادية المعنى الحرفي تستلزم تحصيل الحاصل، لأن مقتضى القضية المعقولة هو ثبوت الارتباطات و النسب الخاصة بين طرفي القضية قبل وعاء الاستعمال، فعلى القول بالإيجادية يلزم إيجاد الارتباط الموجود قبل الاستعمال، و هذا بخلاف القول بالإخطارية، إذ الحروف أو الهيئات ليست إلا حاكية عن النسب و الارتباطات الموجودة قبل الاستعمال كما لا يخفى.

خامسها: ما عن صاحب الحاشية من التفصيل بين الحروف بالإيجادية في بعضها كحروف النداء و الترجي، و الإخطارية في بعضها الآخر. و قد ظهر فساد هذا التفصيل مما ذكرناه في بطلان القول الرابع فلا نعيده. فتحصل من جميع ما ذكرنا:

أنّه لا وجه للقول بإيجادية المعاني الحرفية أصلا، لا في الكل و لا في البعض.

و أمّا كيفية وضع الحروف و أنّها من أي قسم من الأقسام الثلاثة الممكنة، فالحق أنّها من قبيل الوضع العام و الموضوع له العام. (و توهم) عدم إمكان عمومية الموضوع له فيها، لعدم جامع ذاتي قابل للتعقل في الذهن بدون أطرافه بين الارتباطات التي هي المعاني الحرفية، بحيث ينطبق عليها انطباق الكلي الطبيعي‏

38

..........

..........

____________

على مصاديقه، إلّا مفهوم الربط الّذي هو معنى اسمي، و لذا ذهب المشهور على ما قيل إلى كون الموضوع له في الحروف خاصاً (فاسد)، لأنّ الجامع المفهومي الذاتي بين المعاني الحرفية بحيث يكون نسبته إليها نسبة الكلي إلى مصاديقه و ان كان غير ممكن لاستلزامه انقلاب المعنى الحرفي إلى الاسمي، إلّا أنّ جهة الاشتراك بين أشخاص صنف كالنسبة الابتدائية المدلول عليها بكلمة- من- التي هي الجهة المشتركة بين أفراد هذا الصنف تجدي في عمومية الموضوع له، لأنّ المفهوم العام الاسمي المتصور حين الوضع كما يكون مرآة للخصوصيات و الأفراد كذلك يكون مرآة لتلك الجهة المشتركة، فلا مانع من جعل الموضوع له كالوضع في الحروف عاماً، لأنّ عمدة مستند المنكر لعموم الموضوع له في الحروف هو عدم إمكان وجود جامع ذاتي بين هذه النسب الخاصة بحيث يكون ذلك كليّاً طبيعياً و تلك النسب مصاديقه، و بَعد إمكانه و مساعدة الوجدان عليه لا بد من الالتزام به.

و أمّا عدم خصوصية كل من الوضع و الموضوع له في الحروف، فلعدم قابلية أشخاص المعاني الحرفية للتصور بدون توسيط معنى اسمي، و إلّا خرجت عن كونها معاني حرفية، و لعدم تناهيها و عدم تعقل استحضار ما لا نهاية له بالصور التفصيلية كما هو شأن الوضع الخاصّ. و أمّا الوضع العام و الموضوع له الخاصّ فلا مجال له أيضا، لأنّ عمدة نظر القائل به كما مر آنفاً إلى عدم إمكان وجود جامع ذاتي بين هذه النسب الخاصة بحيث يكون ذلك كلياً طبيعياً و تلك النسب مصاديقه، و لكن قد عرفت إمكانه و مساعدة الوجدان على الالتزام به. و أمّا الوضع العام و الموضوع له العام و المستعمل فيه الخاصّ، ففساده غني عن البيان، إذ لازمه لغوية

39

فيها خاص مع كون الموضوع له كالوضع عاماً (1). و التحقيق حسبما يؤدي إليه النّظر الدّقيق: أنّ حال المستعمل فيه و الموضوع له فيها (2) حالهما (3) في الأسماء (4) و ذلك لأنّ (5) الخصوصية المتوهمة ان كانت هي الموجبة لكون المعنى المتخصص بها جزئياً خارجياً، فمن الواضح أنّ كثيراً ما لا يكون المستعمل فيه فيها كذلك (6)

(1) فالمتحصل من عبارة المتن و غيرها: أنّ الأقوال في كيفية وضع الحروف ثلاثة: (الأول) الوضع العام و الموضوع له الخاصّ، و هو المنسوب إلى جماعة منهم السيد الشريف. (الثاني) عمومية كل من الوضع و الموضوع له، مع خصوصية المستعمل فيه، و هو المعزي إلى التفتازاني. (الثالث) عمومية كل واحد من الثلاثة، و هو الّذي أشار إليه المصنف (قده) بقوله: «و التحقيق ... إلخ».

(2) أي: في الحروف.

(3) أي: حال الموضوع له و المستعمل فيه.

(4) يعني: أسماء الأجناس في كون الموضوع له و المستعمل فيه فيها عامين.

(5) تعليل لكون الموضوع له في الحروف عاماً، و سيأتي توضيحه.

(6) أي: جزئياً خارجياً بل كلياً كلفظة- من- في قوله: «سر من البصرة

____________

الوضع و بطلان حكمته، لأن المفروض عدم استعمالها في المعنى الموضوع له، و قبح وضع لفظ لمعنى لا يستعمل فيه أصلا ظاهر. فتلخص من جميع ما ذكرنا: أنّ المعاني الحرفية إخطارية لا إيجادية، و أنّها نسب و ارتباطات، و أنّ كلًّا من الوضع و الموضوع له و المستعمل فيه في الحروف عام، و أنّ المعاني الحرفية و ان كانت قائمة بالمفاهيم الاسمية كقيام الاعراض بموضوعاتها، إلا أنّ بينهما فرقاً واضحاً، و هو: أنّ الاعراض بما أنّها من الماهيات قابلة للتصور بالاستقلال، كتصور مفهوم السواد و البياض، بخلاف المعاني الحرفية، فإنّها غير قابلة له كذلك، بل تتصور مع الأطراف.

40

بل كلياً، و لذا التجأ بعض الفحول (1) إلى جعله جزئياً إضافياً، و هو كما ترى (2) و ان كانت هي الموجبة لكونه جزئياً ذهنياً، حيث إنّه لا يكاد يكون المعنى حرفياً إلّا إذا لوحظ حالة لمعنى آخر و من خصوصياته القائمة به، و يكون حاله‏

إلى الكوفة»، فإنّ الابتداء الّذي استعمل فيه لفظة- من- كلي ذو مصاديق كثيرة، و من المعلوم أنّها قد استعملت في الابتداء الكلي بلا عناية، فلو كان الموضوع له الابتداء الجزئي لما كان استعمالها في الابتداء الكلي بلا عناية، هذا و ملخص ما أفاده بقوله: «لأن الخصوصية المتوهمة ... إلخ» هو أنّه ان أُريد بها لوازم الوجود الخارجي، ففيه: أنّه غير مطرد، لكثرة استعمال الحروف في المعنى الكلي بدون علاقة مجازية، مثل لفظة- من- في مثل قوله: «سر من البصرة إلى الكوفة» لكون المعنى المستعمل فيه لفظة- من- هو الابتداء الكلي.

و إن أُريد بالخصوصية المتوهمة: اللحاظ الذهني الّذي هو- كلوازم الوجود الخارجي- موجب لجزئية المعنى الملحوظ ذهناً، و لصيرورة المعنى الحرفي القائم بالغير، كقيام العرض بموضوعه جزئياً ذهنياً، ففيه: أنّ المعنى الحرفي و ان كان يصير باللحاظ جزئياً ذهنياً، إلّا أنّ هذا اللحاظ يمتنع أن يكون دخيلا في المستعمل فيه، لما يرد عليه من الإشكالات الثلاثة الآتية في كلام المصنف (قده).

(1) و هو المحقق التقي صاحب الحاشية على ما قيل أو صاحب الفصول على ما قيل أيضا.

(2) لأنّ مناط الكلية و هو قابلية الانطباق على الكثيرين موجود في الجزئي الإضافي، فيرجع الأمر إلى ما أفاده المصنف من كون الحروف موضوعة بالوضع العام و الموضوع له العام.

41

كحال العرض (1) فكما لا يكون (2) في الخارج إلا في الموضوع كذلك هو (3) لا يكون في الذهن (4) إلا في مفهوم آخر، و لذا (5) قيل في تعريفه بأنّه ما دل على معنى في غيره، فالمعنى (6) و ان كان (7) لا محالة يصير جزئياً بهذا اللحاظ بحيث يباينه (8) إذا لوحظ ثانياً كما لوحظ أولا و لو كان اللاحظ واحداً (9) إلا أنّ هذا اللحاظ (10) لا يكاد يكون مأخوذاً في المستعمل فيه، و إلا فلا بد من لحاظ آخر متعلق بما هو ملحوظ بهذا اللحاظ (11)

(1) في القيام بالغير، لكن قد عرفت آنفاً المائز بين العرض و بين المعنى الحرفي، فلاحظ.

(2) أي: العرض.

(3) أي: المعنى الحرفي.

(4) و في الخارج، و به يفترق المعني الحرفي عن العرض، إذ الأول تابع للغير تصوراً و خارجاً، و الثاني تابع له خارجاً دون التصور.

(5) أي: و لأجل عدم تحقق المعنى الحرفي في الذهن إلّا في مفهوم آخر، و حاصله: أنّ المعنى الحرفي كائن في غيره، ضرورة قيام الربط الّذي هو المعنى الحرفي بطرفي القضية، فهو مثل كينونة العرض في الموضوع.

(6) جزاءٌ لقوله: «و ان كانت هي الموجبة .. إلخ».

(7) حين لحاظه مع تلك الخصوصية الذهنية.

(8) أي: يباين المعنى نفسه إذا لوحظ ثانياً، لكون الملحوظات الذهنية كالجزئيات الخارجية متباينات.

(9) لأنّ وحدته واقعاً لا توجب انثلام تعدده لحاظاً.

(10) هذا أوّل الإشكالات الثلاثة الواردة على دخل اللحاظ في المستعمل فيه.

(11) أي: اللحاظ الّذي هو جزء المعنى.

42

بداهة (1) أنّ تصور المستعمل فيه مما لا بد منه في استعمال الألفاظ، و هو كما ترى (2).

مع أنّه (3) يلزم أن لا يصدق على الخارجيات، لامتناع صدق الكلي العقلي (4)

(1) هذا تقريب الإشكال، و حاصله: أنّ الاستعمال متقوم بلحاظ اللفظ و المعنى، سواء كان بسيطاً أم مركباً، فإذا (فرض) تركب معنى كلمة- من- مثلا من الابتداء و اللحاظ، و المفروض تقوم الاستعمال بلحاظ اللفظ و المعنى (لزم) تعدد اللحاظ في الاستعمال، حيث إنّ أحد اللحاظين جزء المعنى و الآخر مقوم للاستعمال، و من المعلوم: أنّ تعدد اللحاظ خلاف الوجدان، فلا بد من كون المستعمل فيه ذات المعنى بدون اللحاظ.

(2) لما مر آنفاً من أنّ تعدد اللحاظ خلاف الوجدان.

(3) هذا ثاني الإشكالات الثلاثة المشار إليها، و ملخصه: أنّ تركّب المستعمل فيه من المعنى و اللحاظ يستلزم عدم صدق المعنى على الخارجيات، و امتناع امتثال الأمر في مثل قوله: «سر من البصرة» لأنّ اللحاظ الّذي موطنه الذهن يوجب تقيد المعنى بالوجود الذهني، و من المعلوم مباينة الموجود الذهني للموجود الخارجي و عدم صدق أحدهما على الآخر، فلا بد من تجريد المعنى عن خصوصية اللحاظ ليخرج مثل قوله: «سر من البصرة» عن التكليف بما لا يطاق، لصيرورة المأمور به حينئذٍ كلياً طبيعياً قابلا للانطباق على الخارجيات.

(4) الكلي العقلي باصطلاح أهل الميزان هو مجموع العارض و المعروض كالإنسان الكلي، و تسميته بالكلي العقلي لأجل تخصّص المفهوم بالتخصّص العقلي و هو الكلية التي لا موطن لها إلّا العقل، و الكلي العقلي بهذا المعنى لا ينطبق على المقام، لأنّ قيد- المعنى- هو اللحاظ دون وصف الكلية، فالأولى التعبير عنه بالجزئي الذهني، و لعل التعبير عنه بالكلي العقلي لأجل كون نفس المعنى كلياً و قيده أعني اللحاظ عقلياً، إذ موطنه العقل.

43

عليها حيث لا موطن له إلا الذهن، فامتنع امتثال مثل- سر من البصرة- إلا بالتجريد و إلغاء الخصوصية، هذا. مع (1) أنّه ليس لحاظ المعنى حالة لغيره في الحروف إلا كلحاظه في نفسه في الأسماء، و كما لا يكون هذا اللحاظ (2) معتبراً في المستعمل فيه فيها (3) كذلك ذاك اللحاظ (4) في الحروف كما لا يخفى.

و بالجملة: ليس المعنى في كلمة- من- و لفظ الابتداء مثلا إلا الابتداء، فكما لا يعتبر في معناه (5) لحاظه في نفسه (6) و مستقلا كذلك لا يعتبر

(1) هذا ثالث الإشكالات على دخل اللحاظ في المعنى المستعمل فيه و هو إشكال نقضي، توضيحه: أنّ لحاظ المعنى الحرفي حالة لغيره ليس إلا كلحاظ المعنى الاسمي مستقلا، و كما لا يكون اللحاظ الاستقلالي مأخوذاً في المعنى الاسمي كذلك اللحاظ الآلي ليس مأخوذاً في المعنى الحرفي، فلا يصير المعنى الحرفي باللحاظ الآلي جزئياً حتى نلتزم بكون المستعمل فيه في الحروف خاصاً، و التفكيك بين اللحاظين تحكّم.

(2) أي: لحاظ النفسيّة و الاستقلالية.

(3) أي: في الأسماء.

(4) أي: اللحاظ الآلي، فالمتحصل من جميع ما ذكره المصنف (قده): أنّ كلًّا من الوضع و الموضوع له و المستعمل فيه في الحروف عام، و لو أُريد أحياناً معنى خاص يكون ذلك بدالٍّ آخر من قبيل تعدد الدال و المدلول، نظير تقييد المطلق في مثل: «أعتق رقبة مؤمنة». و بالجملة: فلا فرق بين المعنى الاسمي و الحرفي أصلا، بل المعنى فيهما واحد.

(5) أي: معنى لفظ الابتداء، فالضمير راجع إلى لفظ الابتداء.

(6) الضميران راجعان إلى معنى لفظ الابتداء.

44

في معناها (1) لحاظه في غيرها (2) آلة، و كما لا يكون لحاظه فيه (3) موجباً لجزئيّته (4) فليكن كذلك فيها (5).

إن قلت: على هذا (6) لم يبق فرق بين الاسم و الحرف في المعنى، و لزم كون مثل كلمة- من- و لفظ الابتداء مترادفين صح استعمال كل منهما في موضع الآخر، و هكذا سائر الحروف مع الأسماء الموضوعة لمعانيها، و هو باطل بالضرورة كما هو واضح. قلت: الفرق بينهما (7) إنّما هو في اختصاص كل منهما بوضع‏

(1) أي: معنى كلمة- من-.

(2) الضمير الأول راجع إلى المعنى و الثاني إلى كلمة- من-.

(3) أي: لحاظ الاستقلال في معنى لفظ الابتداء.

(4) أي: جزئيّة معنى لفظ الابتداء.

(5) أي: فليكن لحاظ الآلية في معنى كلمة- من- غير موجب لجزئيّته.

(6) أي: بناءً على هذا التحقيق الّذي ذكره بقوله: «و التحقيق حسبما يؤدي إليه النّظر الدّقيق ... إلخ» و محصل التحقيق هو: دعوى اتحاد المعنى الموضوع له في الاسم و الحرف. و ملخص الإشكال على هذا التحقيق هو: لزوم ترادف مثل كلمة- من- و لفظة- الابتداء- المستلزم لصحة استعمال أحدهما مكان الآخر كغيرهما من الألفاظ المترادفة مع وضوح بطلانه، لعدم صحة استعمال «سرت ابتداء البصرة» بدل «سرت من البصرة».

(7) حاصل ما أفاده جواباً عن الإشكال بعد الاعتراف بالترادف و وحدة المعنى الموضوع له في الاسم و الحرف هو: أنّ اختلاف كيفية الوضع فيهما أوجب عدم صحة استعمال أحدهما مكان الآخر، بيانه: أنّ الاسم وُضع ليراد به المعنى في نفسه، و الحرف وضع آلة لملاحظة حال مدخوله، فالاستقلالية في الأسماء.

45

حيث إنّه وضع الاسم ليراد منه معناه بما هو هو و في نفسه، و الحرف ليراد منه‏

و الآلية في الحروف ملحوظتان للواضع في كيفية وضع الاسم و الحرف [1].

____________

[1] لا يخفى أنّ مرجع ذلك ان كان إلى الشرط على المستعملين كما توهم ليكون على حذوِ الشروط الواقعة في ضمن العقود، فيرد عليه: أنّه لا وجه للزوم الوفاء بهذا الشرط بعد البناء على كون الموضوع له في كل من الاسم و الحرف ذات المعنى بدون تقيده بشي‏ءٍ من لحاظي الاستقلالية و الآلية، فيلغو هذا الشرط، و قضية لغويته جواز استعمال كل منهما في مكان الآخر، مع أنّ المسلّم عدم جوازه. و ان كان مرجعه إلى الالتزام الخارجي المتحقق بعد تمامية الوضع، فلا وجه لاعتباره بالأولوية، لأنّ الواضع إنّما يتبع في وضع الألفاظ للمعاني، لا في تعيين الوظيفة للمستعملين في كيفية الاستعمال بعد تحقق الوضع، لعدم تقيّد الوضع المتحقق أوّلا بالالتزام الجديد الحاصل ثانياً، لعدم انقلاب ما وقع مطلقاً عما وقع عليه، فإنّه نظير تقييد البيع بعد إنشائه مطلقاً في عدم الأثر للتقييد الواقع بعد تمامية البيع. و ان كان مرجعه إلى أخذ اللحاظ بنحو الداعي، بأن يكون داعي الواضع في وضع الحرف للمعنى هو كونه حالة لغيره، ففيه أيضا: أنّه لا دليل على اعتبار الدواعي، و لذا لا يقدح تخلفها، و لكن عدم تحقق التخلف في المقام المستكشف من عدم جواز استعمال الحرف مكان الاسم يكشف عن عدم كونه بنحو الداعي. نعم يمكن توجيه ما أفاده (قده): «بأنّ ضيق الأغراض الداعية إلى الإنشاءات موجب لضيق دائرة المنشآت و المجعولات، نظير الأوامر العبادية، فإنّ ضيق الأغراض الداعية لها يوجب ضيقاً في ناحية المتعلقات بحيث لا يبقى لها إطلاق يعم صورة خلوها عن قصد دعوة الأمر. و في المقام لمّا كان غرض الواضع من وضع الحروف دلالتها على معانيها حال كونها ملحوظة باللحاظ الآلي، فلا محالة

46

معناه لا كذلك، بل بما هو حالة لغيره كما مرت الإشارة إليه غير مرة. فالاختلاف بين الاسم و الحرف في الوضع يكون موجباً لعدم جواز استعمال أحدهما في موضع الآخر و ان اتفقا فيما له الوضع (1)، و قد عرفت بما لا مزيد عليه: أنّ نحو إرادة المعنى (2) لا يكاد يمكن أن يكون من خصوصياته و مقوماته. ثم لا يبعد أن يكون الاختلاف في الخبر و الإنشاء (3) أيضا

(1) يعني: ذات المعنى الموضوع له.

(2) من النفسيّة و الآلية، فتلخص من جميع ما ذكره المصنف: أنّ وضع الحروف، كوضع أسماء الأجناس في كون كل من الوضع و الموضوع له و المستعمل فيه فيها عاماً.

(3) توضيحه: أنّه بعد أن أثبت خروج قصد الاستقلالية و الآلية عن حيّز الموضوع له و المستعمل فيه و أنّهما من شئون الاستعمال نفي البعد عن كون‏

____________

تتضيق دائرة موضوع وضعه أيضا، لكن لا بنحو التقييد، لما مر من استحالة تقيد المعنى باللحاظ المتأخر عنه، و من المعلوم أنّ من لوازم تضيق دائرة الوضع عدم صحة استعمال أحدهما موضع الآخر» هذا ملخص ما يستفاد من بيان بعض أعاظم أساتيذنا (قده). لكن هذا التوجيه لا يمنع عن نتيجة التقييد، كما لا يمنع عن ذلك تأخر قصد الأمر عن المتعلق في العبادات. نعم ذلك مانع عن التقييد اللحاظي، ففيما نحن فيه يمكن دعوى تقيد الموضوع له لُبّاً باللحاظ، فاختلف المعنى الاسمي و الحرفي باختلاف القيد الملحوظ فيهما، لكن لازم هذا التقييد صحة استعمال الحرف مكان الاسم و بالعكس مجازاً مع وضوح بطلانه و غلطيته. فالأولى ما ذكرناه سابقاً من: أنّ المعاني الحرفية ليست إلّا الارتباطات و النسب، و أنّها من الوجود الرابط، و أنّها بذاتها مباينة للمعاني الاسمية، فتدبر.

47

كذلك (1)، فيكون الخبر (2) موضوعاً ليستعمل (3) في حكاية ثبوت معناه في موطنه، و الإنشاء ليستعمل في قصد تحققه و ثبوته و ان اتفقا فيما استعملا فيه فتأمل (4). ثم إنّه قد انقدح‏

الاخبارية و الإنشائية أيضا من شئون الاستعمال من دون دخلهما في الموضوع له أو المستعمل فيه، فالاختلاف بين الخبر و الإنشاء إنما هو في قصد المتكلم، و عليه فالمتكلم بكلمة- بعت- ان قصد بها الحكاية عن ثبوت نسبة البيع إلى نفسه في موطنها- و هو وعاء الاعتبار- فذلك إخبار، و ان قصد بها إيجاد البيع و نقض عدمه المحمولي بوجوده كذلك، فذلك إنشاء، فإخبارية لفظة- بعت- و إنشائيتها منوطتان بالقصد، فهما من أطوار الاستعمال.

(1) أي: في كيفية الوضع مع اتفاقهما في نفس المعنى الموضوع له.

(2) و هو في الاصطلاح: الكلام الّذي يكون لنسبته خارج تطابقه أو لا تطابقه، و الإنشاء كلام ليس لنسبته خارج كذلك.

(3) ليست الحكاية جزءاً للمعنى، بل اللفظ يستعمل في معناه بقصد الحكاية، فالعبارة لا تخلو عن مسامحة.

و بالجملة: فالمعنى في الاخبار و الإنشاء واحد، لأنّه عبارة عن نسبة المبدأ إلى الذات، فان قصد بالكلام الحكاية عن النسبة فيكون خبراً، و ان قصد به إيجادها يكون إنشاءً.

(4) لعله إشارة إلى: أنّ مجرد إمكان كون الاخبارية و الإنشائية من شئون الاستعمال من دون دخلهما في المعنى لا يستلزم الوقوع و لا يصلح لإثباته.

أو إلى: أنّ هذه الدعوى لا تسمع إلّا في خصوص الألفاظ المشتركة التي تستعمل تارة في الإخبار و أُخرى في الإنشاء كصيغة- بعت-، و أمّا المختصة بإحداهما،

48

..........

كالجملة الاسمية المختصة بالأخبار، و صيغة- افعل- و ما شاكلها المختصة بالإنشاء، فلا تصح الدعوى المزبورة فيها، لعدم معهودية صحة قصد الإخبارية بالألفاظ المختصة بالإنشاء، و الإنشائية بالألفاظ المختصة بالأخبار [1]. أو إلى: أنّه لا بد من الالتزام بخروج قصد الإنشاء و الاخبار عن حيّز الموضوع له، لما مر في المعنى الحرفي من استحالة أخذ اللحاظ فيه، لكونه من شئون الاستعمال، فلو كان قصد

____________

[1] الظاهر أنّ مورد البحث هو الجمل التي يراد بها الإنشاء تارة و الاخبار أُخرى، و أمّا ما يختص بأحدهما، كصيغة- افعل- التي تستعمل دائماً في إنشاء المادة على اختلاف الأغراض الداعية إلى الإنشاء، و كالجملة الاسمية مثل- زيد قائم- التي يراد بها الاخبار دائماً، فهو خارج عن هذا البحث، فالمبحوث عنه فعلًا هو ما يراد به الإنشاء في استعمال و الاخبار في آخر كلفظ- بعت-، و ملخص الكلام فيه: أنّ المعنى في مثله واحد و هو نسبة المبدأ إلى الذات، و الإخبارية و الإنشائية من الأغراض الداعية إلى الاستعمال، فان قصد المستعمل حكايته عن النسبة الواقعية فهو إخبار، و ان قصد الإيجاد فهو إنشاء. و عليه فلا يكون الاستعمال في الإنشاء مجازاً، إذ المفروض أنّه قد استعمل في الموضوع له، و الإنشائية من أغراض الاستعمال و دواعيه، خلافاً لبعض المحققين، حيث ذهب إلى المجازية. نعم لمّا كان الرابط بين حاشيتي القضية مرآةً للخارج سواء قصد به المستعمل حكايته عن الخارج أم لا، و لذا يتبادر من لفظة- بعت- مثلًا الصادرة من النائم أو الساهي الحكاية عن الثبوت في الخارج يحمل كلام المتكلم إذا أحرز كونه في مقام البيان على ما يقتضيه طبع القضية من الاخبار، و لا يحمل على الإنشاء إلّا مع القرينة، هذا.

49

مما حققناه (1) أنّه يمكن أن يقال: إنّ المستعمل فيه في مثل أسماء الإشارة و الضمائر أيضا عام، و أنّ تشخصه (2) إنّما نشأ من قبل طور استعمالها، حيث إنّ أسماء الإشارة وضعت ليشار بها إلى معانيها، و كذا بعض الضمائر (3)، و بعضها (4) ليخاطب بها

الأخبار و الإنشاء كلحاظ الآلية و الاستقلالية، فلا محيص عن الالتزام بخروجهما أيضا، و لا وجه حينئذٍ لنفي البعد عن ذلك كما أفاده المصنف (قده) بقوله: «ثم لا يبعد .. إلخ» لأنّ ظاهره إمكان أخذ قصد الاخبارية و الإنشائية في المعنى.

(1) في الحروف و الأسماء و الاخبار و الإنشاء من خروج قصد الآلية و الاستقلالية في الأولين، و قصد حكاية ثبوت المعنى في موطنه أو إيجاده في الأخيرين عن دائرة الموضوع له و المستعمل فيه، و كونها من شئون الاستعمال المتأخر عن المعنى، فإنّ من الممكن أن يكون المستعمل فيه كالموضوع له في أسماء الإشارة و الضمائر أيضا عاماً، خلافاً لمن قال بخصوصية المعنى فيهما، استناداً إلى اقتضاء الإشارة و التخاطب تشخّص المشار إليه و المخاطب، فلا محالة يكون المستعمل فيه في أسماء الإشارة و الضمائر خاصاً.

(2) هذا دفع للقول بخصوصية المستعمل فيه فيهما، و حاصله: أنّ الموضوع له في لفظة- هذا- هو كلّيّ المفرد المذكر الصالح للإشارة، لا المعنى المتصف بكونه مشاراً إليه، بحيث تكون الإشارة إليه قيداً له، فالإشارة من كيفيات الاستعمال مثل الاستقلالية و الآلية في الأسماء و الحروف، فكلّ من الوضع و الموضوع له في أسماء الإشارة عام كالحروف.

(3) كضمير الغائب، فإنّه وضع لكلي المفرد المذكر.

(4) أي: و بعضها الآخر كضمير المخاطب، فإنّه وضع لكلّي المفرد المذكر أو المؤنث، فتشخص المعنى في اسم الإشارة و ضمير الخطاب نشأ من الإشارة

50

المعنى و الإشارة و التخاطب يستدعيان التشخص كما لا يخفى. فدعوى أنّ المستعمل فيه في مثل «هذا» أو «هو» أو «إياك» إنّما هو المفرد المذكر، و تشخّصه إنّما جاء من قبل الإشارة أو التخاطب بهذه الألفاظ إليه، فإنّ الإشارة أو التخاطب لا يكاد يكون إلّا إلى الشخص (1) أو معه (2) غير مجازفة (3). فتلخص مما حققناه: أنّ التشخص الناشئ من قبل الاستعمالات لا يوجب تشخص المستعمل فيه سواء كان تشخصاً خارجياً كما في مثل أسماء الإشارة، أو ذهنياً كما في أسماء الأجناس و الحروف و نحوهما (4) من غير فرق في ذلك (5) أصلا بين الحروف و أسماء الأجناس،

و التخاطب اللذين هما من أطوار الاستعمال و شئونه من دون دخلهما في الموضوع له ليكون خاصاً. كما أنّ تشخص الموصولات لنشوه عن الصلة خارج عن الموضوع له و المستعمل فيه.

(1) كما في الإشارة، فإنّ الإشارة باليد في مقام استعمال أسماء الأجناس كلفظة- رجل إذا أُطلقت و أُشير إلى مسماها باليد كما لا توجب جزئية المعنى كذلك الإشارة بلفظ هذا.

(2) كما في التخاطب، فتعيّن معنى الموصول و تشخصه ناشٍ عن صلته و خارج عن حيز الموضوع له.

(3) خبر- دعوى- [1].

(4) من المعاني الكلية.

(5) يعني: في عدم تشخص المعنى بسبب التشخص الناشئ عن الاستعمال.

____________

[1] لا يخفى أنّ مجرد عدم المجازفة ليس برهاناً على المدعى بعد إمكان دخل الإشارة و التخاطب في نفس الموضوع له، لعدم دليلية مجرد الإمكان على الوقوع، مع أنّه اجتهاد في اللغة