منتهى الدراية في توضيح الكفاية - ج2

- السيد محمد جعفر الجزائري المزيد...
583 /
3

[الجزء الثاني‏]

[تتمة المقصد الأول في الأوامر]

الفصل الثالث‏

الإتيان [1] بالمأمور به على وجهه (1) يقتضي الاجزاء في الجملة (2) بلا

الكلام في الاجزاء (1) سيأتي توضيحه إن شاء اللَّه تعالى، و محصل مرامه (قده): أنّ الإتيان بالمأمور به بجميع ما اعتبر فيه جزءاً أو شرطاً يوجب الإجزاء و سقوط الأمر، بمعنى عدم وجوب الإتيان به ثانياً باقتضاء نفس هذا الأمر، لا إعادة و لا قضاءً، و ذلك لوضوح انطباق متعلقه على المأتي به قهراً الموجب لسقوط الأمر المتعلق به عقلًا، إذ لو لم يكن إيجاد متعلقه أوّلًا مسقطاً له لكان سائر وجوداته أيضا كذلك، لاتحاد حكم الأمثال فيما يجوز و ما لا يجوز، و مع سقوطه لا موجب لإيجاده ثانياً، للزوم طلب الحاصل المحال.

(2) يعني و لو بالنسبة إلى أمره لا أمر آخر، كما إذا أتى بالمأمور به بالأمر الاضطراري، فانّه مسقط لهذا الأمر بلا إشكال و إن لم يكن مجزياً بالنسبة إلى الأمر الواقعي الأوّلي.

____________

[1] لا يخفى متانة هذا العنوان المذكور في تقريرات شيخنا الأعظم الأنصاري (قده) و درر الفوائد أيضا، و أولويته مما في جملة من كتب القوم من: «أنّ الأمر هل يقتضي كون المأمور به مجزياً» كما في عُدّة الشيخ (قده)، و من: «أنّ الأمر يقتضي الإجزاء» كما في القوانين، و من: «أنّ الأمر بالشي‏ء هل يقتضي الإجزاء إذا أتى بالمأمور به على وجهه أو لا؟» كما في الفصول. وجه الأولوية أوّلًا: أنّ النزاع ليس في مقام الدلالة و الإثبات بل في مرحلة الواقع و الثبوت، و لذا يجري هذا النزاع في جميع الواجبات و إن لم يكن الدليل عليها لفظياً، بل لُبياً، فلا وجه لجعل الاجزاء مدلولًا

4

شبهة (1). و قبل الخوض في تفصيل المقام و بيان النقض و الإبرام‏

ينبغي تقديم أُمور:

أحدها:

الظاهر أنّ المراد من وجهه [1] في العنوان هو النهج الّذي ينبغي أن يؤتى به على ذاك النهج شرعاً (2) و عقلًا (3)، مثل أن يؤتى به بقصد التقرب في العبادة (4)،

(1) إذ لو لم يكن مجزياً في الجملة أيضا لكان لغواً، إذ مرجعه حينئذٍ إلى كون الإتيان بمتعلقه كعدمه، لأنّ المفروض بقاء الأمر على حاله في صورتي الإتيان و عدمه.

(2) كالأُمور المعتبرة شرعاً في المأمور به من الطهارة، و الاستقبال، و الستر، و غيرها مما له دخل في الصلاة.

(3) كالأُمور المترتبة على الأمر من قصد القربة و التمييز و نحوهما بناءً على عدم إمكان أخذها في المأمور به، فإنّها حينئذٍ معتبرة في كيفية الإطاعة عقلًا بحيث لا يسقط الأمر بدونها. ثم إنّ الوجه يطلق على معانٍ ثلاثة: الأوّل: هذا المعنى المذكور، و المعنيان الآخران سيأتيان إن شاء الله تعالى.

(4) هذا بيان للنهج الّذي ينبغي أن يؤتى به عقلًا، و هذا مبنيّ على مذهبه من خروج قصد القربة عن متعلق الأمر، كما تقدم في بحث التعبدي و التوصلي. ثم إنّه‏

____________

للأمر. و ثانياً: أنّ المقتضي للسقوط هو الامتثال المتحقق بإتيان متعلق الأمر بجميع ما اعتبر فيه، لا نفس الأمر، لأنّه لا يدل إلّا على مطلوبية المتعلق، و لا يدل على الاجزاء إلّا بالتوجيه، و هو أنّ الأمر لكشفه عن مصلحة في متعلقه يدل التزاماً على سقوطه إذا أتى بمتعلقه الّذي تقوم به المصلحة، لتبعية الأمر لها حدوثاً و بقاءً، لكن لمّا كانت الدلالة على السقوط لأجل الإتيان بمتعلقه، فنسبة الاجزاء إليه بلا واسطة أولى من نسبته إلى الأمر معها كما لا يخفى. و قد ظهر مما ذكرنا: أنّ هذا البحث ليس من الأبحاث اللغوية التي يطلب فيها تشخيص مدلول اللفظ وضعاً أو غيره، بل من المباحث العقلية، كما يظهر من أدلة الطرفين.

[1] هذه الكلمة بعينها مذكورة في بعض الكتب كالعُدة، و الفصول، و تقريرات شيخنا الأعظم (قده)، و بما يدل عليها في بعضها الآخر كالقوانين.

5

لا خصوص الكيفيّة المعتبرة في المأمور به شرعاً (1)، فإنّه (2) عليه يكون- على وجهه- قيداً توضيحياً، و هو بعيد (3)،

على هذا المعنى يكون قيد- على وجهه- احترازياً لا توضيحياً، ضرورة أنّ عنوان المأمور به حينئذٍ لا يُغني عن القيود المعتبرة عقلًا في مقام الامتثال، لعدم تعلق الأمر الشرعي بها حتى يصدق عليها عنوان المأمور به، فلو لم يكن- على وجهه- لكانت القيود العقلية كقصد القربة غير دخيلة فيما يقتضي الإجزاء، مع أنّ من المسلّم دخلها فيه، ضرورة عدم سقوط الأمر التعبدي إلّا بقصد القربة [1].

(1) هذا ثاني معاني الوجه، و حاصله: أنّه قد يراد بالوجه خصوص النهج المعتبر شرعاً بأن يؤتى بخصوص القيود المعتبرة شرعاً في المأمور به بحيث لا يشمل ما عداها من القيود المعتبرة عقلًا فيه، لكن لا يمكن إرادة هذا المعنى في المقام، لورود إشكالين عليه. أحدهما: أنّه يلزم أن يكون قيد- على وجهه- توضيحياً، للاستغناء عنه بعد دلالة نفس عنوان المأمور به على الكيفية المعتبرة شرعاً في متعلق الأمر، و التوضيحية خلاف الأصل في القيود، و لا يصار إليه إلّا بدليل. ثانيهما: لزوم خروج التعبديات عن حريم النزاع كما سيأتي.

(2) الضمير للشأن، و ضمير- عليه- راجع إلى ما ذكر من كون المراد بالوجه خصوص الكيفية المعتبرة شرعاً في المأمور به، و هو إشارة إلى الإشكال الأوّل، و قد مرّ بيانه آنفاً.

(3) لكونه خلاف الأصل في القيود كما تقدم.

____________

[1] لا يخفى أنّ قيد- على وجهه- و إن كان احترازياً، إلّا أنّ قوله:- شرعاً- مستدرك، لإغناء عنوان المأمور به عن كل ما له دخل شرعاً في متعلق الأمر. إلّا أن يدّعى ظهور المأمور به في خصوص الأمور الدخيلة فيه قيداً و تقيّداً التي تسمى بالأجزاء، دون الأمور الدخيلة فيه تقيُّداً فقط التي تسمى بالشرائط، فيكون- على وجهه- شاملًا للقيود العقلية و الشرعية، و لا يلزم استدراك قوله:- شرعاً-، فلاحظ.

6

مع (1) أنّه يلزم خروج التعبديات عن حريم النزاع بناءً على المختار (2)، كما تقدم (3) من أنّ قصد القربة من كيفيات الإطاعة عقلًا، لا من قيود المأمور به شرعاً (4).

و لا الوجه المعتبر (5) عند بعض‏

(1) هذا هو الإشكال الثاني، و توضيحه: أنّ إرادة خصوص الكيفية المعتبرة شرعاً من الوجه تستلزم خروج العبادات عن حريم النزاع، إذ لا إشكال في عدم سقوط أمرها بإتيانها بدون الوجه المعتبر فيها عقلًا، كقصد القربة بناءً على مذهب المصنف (قده) من كونه من كيفيات الإطاعة عقلًا، لا من قيود المأمور به شرعاً، و لا يشمله عنوان المأمور به كما هو واضح، و لا قيد الوجه كما هو المفروض، فلا بد من خروج ما يقيّد بهذا القيد العقلي و هي العبادات عن مورد النزاع، مع أنّه لا إشكال في عدم سقوط أمرها بإتيانها بدون الوجه المعتبر فيها عقلًا، فإنّ الإتيان بالعبادة بدون قصد القربة و لو مع الإتيان بجميع ما يعتبر فيها شرعا كعدمه. و بالجملة: لا إشكال في دخول العبادات في محل النزاع، إذ لم يستشكل أحد في أنّ إتيان العبادات على وجهها يُجزي و يُسقط أمرها.

(2) قيد لخروج العبادات عن حريم النزاع، يعني: أنّ خروجها عن حريمه مبنيٌّ على المختار من كون قصد القربة من كيفيات الإطاعة عقلًا.

(3) يعني: في مبحث التعبدي و التوصلي.

(4) إذ على تقدير كون قصد القربة من قيود المأمور به يكون كالطهارة و الاستقبال و نحوهما من الأمور المعتبرة شرعاً في المأمور به، لا من كيفيات الإطاعة عقلًا، فلا يرد حينئذٍ إشكال خروج العبادات عن حريم النزاع.

(5) هذا ثالث معاني الوجه، و حاصله: أنّ الوجه قد يطلق على الوجوب و الاستحباب، فقصد الوجه حينئذٍ هو قصدهما وصفاً أو غاية، لكنه بهذا المعنى غير مراد هنا أيضا، لوجهين: أحدهما: أنّ قصد الوجه غير معتبر عند المشهور، مع أنّهم عقدوا مبحث الاجزاء بهذا النحو، و من المعلوم عدم ملائمته لإنكارهم اعتبار قصد الوجه، فلا بد من أن يُريدوا بالوجه معنى آخر غير قصد الوجه بهذا المعنى. ثم على فرض اعتباره يختص ذلك بالعبادات، و لا يعم جميع الواجبات، فلا بد من عقد البحث بنحو لا يشمل غير

7

الأصحاب (1)، فانه (2)- مع عدم اعتباره عند المعظم، و عدم اعتباره عند من اعتبره (3) إلّا في خصوص العبادات لا مطلق الواجبات- لا وجه (4) لاختصاصه (5) بالذكر على تقدير الاعتبار، فلا بد (6) من إرادة ما يندرج فيه من المعنى،

العبادات مع وضوح أعمية البحث منها، كما لا يخفى. ثانيهما: ما في تقريرات شيخنا الأعظم (قده) من «أنّه بعد تسليم اعتبار قصد الوجه، و الغضِّ عن ذهاب المشهور إلى عدم اعتباره لا وجه لتخصيصه بالذكر دون سائر الشرائط، لأنّه كغيره من القيود المعتبرة شرعاً، و لا خصوصية له تقتضي إفراده بالذكر، فلا بد في العنوان الأعم من التوصليات و التعبديات- أي فيما يمكن فيه قصد الوجه و ما لا يمكن فيه- من أن يراد به معنى يشمل جميع ما يعتبر شرعاً في المأمور به من القيود التي منها قصد الوجه، و الجامع هو ما عرفته من النهج الّذي ينبغي أن يؤتى به على ذلك النهج شرعاً و عقلًا».

و بالجملة: فهذان الوجهان من الإشكال يمنعان عن إرادة هذا المعنى الثالث من معاني الوجه.

(1) من المتكلمين.

(2) هذا الضمير و ضمير- اعتباره- راجعان إلى الوجه، يعني: فإنّ الوجه المعتبر عند بعض الأصحاب مع عدم اعتباره عند المعظم ... إلخ، و قوله:- فانه- إشارة إلى أوّل الوجهين المذكورين.

(3) هذا الضمير و كذا ضمير- اعتباره- يرجعان إلى- الوجه-.

(4) هذا إشارة إلى ثاني الوجهين المتقدمين آنفاً.

(5) أي: الوجه المعتبر عند بعض الأصحاب.

(6) هذا تفريع على الوجهين المذكورين اللّذين أورد بهما على إرادة الوجه المعتبر عند بعض الأصحاب في هذا المبحث، و ملخصه: أنّه لا بدّ من إرادة معنى عام من الوجه المذكور في عنوان البحث يشمل الوجه المعتبر عند البعض، فالمراد ب- ما- الموصولة هو المعنى العام، و فاعل- يندرج- ضمير مستتر يرجع إلى- الوجه-، و ضمير- فيه- راجع إلى الموصول المراد به المعنى العام، يعنى: لا بدّ من إرادة معنى يندرج فيه الوجه المعتبر عند بعض الأصحاب.

8

و هو (1) ما ذكرناه كما لا يخفى.

ثانيها:

الظاهر (2) أنّ المراد من الاقتضاء هاهنا (3) الاقتضاء بنحو العلية و التأثير، لا بنحو الكشف و الدلالة، و لذا (4) نُسِب [1] إلى الإتيان لا إلى الصيغة ان قلت (5):

(1) راجع إلى- ما- الموصولة، يعني: و ذلك المعنى الجامع هو ما ذكرناه بقولنا:- الظاهر ان المراد من وجهه في العنوان هو النهج .... إلخ-، فراجع.

(2) وجه الظهور إسناد الاقتضاء إلى الإتيان الّذي هو فعل المكلف، لا إلى الصيغة، و من المعلوم أنّ المناسب للإتيان هو العلّية و التأثير في سقوط الأمر، لا الكشف و الدلالة اللّذان هما من شئون اللفظ، فالإتيان بالمأمور به علة للسقوط، لا كاشف و حاكٍ عن سقوطه.

(3) يعني: في مبحث الاجزاء، غرضه: أنّ الاقتضاء هنا مغاير للاقتضاء في سائر المباحث، كاقتضاء الصيغة للفور أو التراخي، أو للمرة أو التكرار، أو للنفسية و العينية و غيرها من الأبحاث المتعلقة بها، فإنّ الاقتضاء هناك بمعنى الكشف و الدلالة، لإسناده إلى اللفظ الّذي شأنه الدلالة و الحكاية، بخلاف الاقتضاء في بحث الاجزاء، فإنّه لإسناده إلى الإتيان و هو إيجاد متعلق الأمر يكون بمعنى التأثير و عليّته لسقوط الأمر. و من هنا اتضح أيضا أنّ المسألة المبحوث عنها في المقام عقلية، لا لفظية حتى يبحث فيها عن مدلول اللفظ وضعاً أو غيره، فتعم المسألة الطلب الثابت بالدليل غير اللفظي كالإجماع.

(4) أي: و لكون الاقتضاء بمعنى العلية لا الدلالة أُسند الإجزاء إلى الإتيان دون الصيغة.

(5) غرضه من هذا الإشكال هو: أنّ حمل الاقتضاء في مبحث الاجزاء على التأثير و العلّية لا يصح بقول مطلق، بل إنّما يصح بالنسبة إلى خصوص الأمر الأوّلي المتعلّق بالمأتي به، فيقال: إنّ الإتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي الأوّلي علة لسقوط هذا الأمر

____________

[1] الأولي التعبير بالإسناد دون النسبة.

9

هذا (1) إنّما يكون كذلك بالنسبة إلى أمره، و أمّا بالنسبة إلى أمرٍ آخر، كالإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري أو الظاهري بالنسبة إلى الأمر الواقعي، فالنزاع في الحقيقة في دلالة دليلهما (2) على اعتباره (3) بنحو يفيد الاجزاء، أو بنحوٍ آخر لا يفيده. قلت: نعم (4)، لكنه لا يُنافي كون النزاع‏

و أمّا بالنسبة إلى أمر آخر كالأمر الواقعي بالنسبة إلى المأمور به بالأمر الاضطراري فيكون الاقتضاء بمعنى الدلالة، ضرورة أنّ سقوط الأمر الواقعي المتعلق بالوضوء مثلًا بإتيانه تقية إنّما يكون لدلالة ما يدل على تشريع الوضوء الاضطراري، فالنزاع في إجزاء الإتيان بالمأمور به الاضطراري أو الظاهري عن الأمر الواقعي يرجع إلى النزاع في دلالة دليلهما على ذلك، فالاقتضاء فيهما بمعنى الدلالة، لا العلية.

(1) أي: الاقتضاء إنّما يكون بمعنى العلية بالنسبة إلى الأمر المتعلق بالمأتي به دون أمر آخر، كما مر في إجزاء المأمور به الاضطراري عن الأمر الواقعي.

(2) أي: دليل الأمر الاضطراري و الظاهري.

(3) أي: المأمور به، و حاصله؟ أنّ دليلهما إن دلّ على كون متعلق الأمر الاضطراري أو الظاهري مأموراً به في خصوص حالتي الاضطرار و الجهل، فلا يجزي الإتيان بمتعلقهما في غير هاتين الحالتين عن الأمر الواقعي. و إن دلّ على كون متعلقهما بمنزلة المأمور به بالأمر الواقعي الأوّلي في الوفاء بالغرض، فلا بدّ من الإجزاء.

و بالجملة: فمرجع النزاع إلى أنّ دليل المأمور به الاضطراري أو الظاهري هل ينزِّله منزلة المأمور به الواقعي أم لا؟ فالاقتضاء حينئذٍ يكون بمعنى الدلالة لا العلية.

(4) هذا دفع الإشكال المزبور، و حاصله: أنّ النزاع في دلالة الدليل على تنزيل المأمور به الاضطراري أو الظاهري لا ينافي كون الاقتضاء فيهما أيضا بمعنى العلية و التأثير.

توضيح وجه عدم المنافاة: أنّ الدليل يتكفل كيفية تشريع المأمور به الاضطراري و الظاهري، و أنّه هل نزَّله منزلة المأمور به الواقعي الأوّلي أم لا؟ فإنْ‏

10

فيهما (1) كان (2) في الاقتضاء بالمعنى المتقدم (3)، غايته أنّ العمدة في سبب الاختلاف فيهما (4) إنّما هو الخلاف في دلالة دليلهما [1] هل أنّه (5) على نحو يستقل العقل بأنّ‏

دلّ على هذا التنزيل كان الإتيان به علة لسقوط الأمر الواقعي الأوّلي، و إلّا فلا، فالاقتضاء يكون بمعنى العلية و التأثير على كل حال. نعم يكون التفاوت بين الاضطراري و الظاهري و بين المأمور به الواقعي الأوّلي في كون البحث في الأخير كُبرويّاً فقط، لكون الكلام فيه في الاجزاء لا غير، بخلاف الأوّلين، إذ البحث فيهما تارة يقع في الصغرى‏ و هي كونهما مأموراً بهما مطلقاً و لو بعد ارتفاع الاضطرار و الجهل، و عدمه.

و أُخرى في الكبرى‏ و هي الإجزاء و عدمه، و موضوع البحث الأوّل هو دليل الأمر الاضطراري و الظاهري، و موضوع البحث الثاني هو الإتيان بالمأمور به. فالمتحصّل:

أنّ الاقتضاء في الجميع بمعنى التأثير و العلية، لا بمعنى الكشف و الدلالة، حتى في الأوامر الاضطرارية و الظاهرية، لما مرّ آنفاً.

(1) أي: المأمور به الاضطراري و الظاهري.

(2) خبر قوله:- كون-، و الأولى أن تكون العبارة هكذا: «نعم و إن كان النزاع فيهما في الدلالة لكنه لا يُنافي كون الاقتضاء فيهما بمعنى العلية أيضا».

(3) و هو التأثير و العلية.

(4) أي: في اقتضاء إتيان المأمور به الاضطراري و الظاهري للإجزاء، و حاصله:

أنّ سبب الاختلاف في اقتضائهما للإجزاء و عدمه إنّما هو الخلاف في دلالة دليل تشريعهما، و أنّه هل يدل على تنزيلهما منزلة المأمور به الواقعي أم لا؟ فعلى الأول يجزي، و على الثاني لا يُجزي.

(5) أي المأمور به بالأمر الاضطراري أو الظاهري.

____________

[1] لا يخفى أنّه على تقدير دلالته على تبدل الواقع في صورتي الشك و الاضطرار لا مجال للبحث عن إجزاء المأمور به الاضطراري و الظاهري عن الأمر الواقعي، إذ المفروض تبدل الواقع بالجهل و الاضطرار، لكن التبدل في صورة الشك مساوق للتصويب‏

11

الإتيان به (1) موجب للاجزاء و يؤثر فيه، و عدم (2) دلالته، و يكون (3) النزاع فيه (4) صُغرويّاً أيضا (5)، بخلافه (6) في الاجزاء بالإضافة إلى أمره (7)، فإنّه (8)

(1) أي: بذلك المأمور به.

(2) معطوف على- دلالة دليلهما- يعني: أنّ منشأ الاختلاف في اقتضاء الإتيان بالمأمور به الاضطراري و الظاهري للإجزاء و عدمه هو الخلاف في دلالة دليلهما على كون المأمور به بنحو يستقل العقل بكون الإتيان به مجزياً عن الأمر الواقعي، و عدم دلالة دليلهما على ذلك.

(3) الأولى تبديل- الواو- بالفاء، لترتب هذا النزاع على دلالة دليلهما.

(4) أي: في المأمور به الاضطراري و الظاهري.

(5) يعني: كما أنّ النزاع كبروي، و حاصله: أنّ النزاع في المأمور به الاضطراري و الظاهري صغروي و كبروي، فيقال في الأوّل: هل المأمور به الاضطراري مأمور به مطلقاً أم لا؟ و في الثاني- أي النزاع الكبروي- يقال: إنّه على تقدير كونه مأموراً به مطلقاً هل يجزي الإتيان به عن الأمر الواقعي حتى لا يجب الإتيان به ثانياً إعادة أو قضاءً أم لا؟ و بالجملة: فالنزاع في الاجزاء بالنسبة إلى الأمر الواقعي كبروي فقط، و بالنسبة إلى الأمر الاضطراري و الظاهري صغروي و كبروي.

(6) أي: النزاع في الاجزاء بالإضافة إلى أمر المأمور به الواقعي.

(7) الضمير راجع إلى المأمور به الواقعي كما مرّ.

(8) أي: النزاع.

____________

الّذي لا نقول به، و لذا بنينا في الأمارات على الطريقية لا السببية، فمقتضى القاعدة بقاء الواقع على حاله، و عدم كون الإتيان بالمأمور به الظاهري مجزياً عنه. و أمّا في صورة الاضطرار فالمتبع هو الدليل، فإن دلّ على كون الاضطرار موجباً لانقلاب الواقع كانقلابه بالسفر مثلًا، فلا أمر حينئذٍ واقعاً حتى يبحث عن سقوطه بإتيان المأمور به الاضطراري، و إن لم يدلّ على ذلك كان للبحث عنه مجال، فلا بد من ملاحظة الأدلة في موارد الاضطرار.

12

لا يكون إلّا كبروياً لو كان هناك (1) نزاع كما نقل عن بعض (2)، فافهم (3)

ثالثها:

الظاهر أنّ الاجزاء هنا (4) بمعناه لغة و هو الكفاية، و إن كان يختلف ما يكفي عنه (5)،

(1) أي: في الكبرى‏، و هذا إشارة إلى عدم كون النزاع في الكبرى‏ مهمّاً بعد استقلال العقل بإجزاء الإتيان بمتعلق كل أمر بالنسبة إلى ذلك الأمر.

(2) و هو أبو هاشم و عبد الجبار.

(3) لعلّه إشارة إلى: أنّ النزاع الصغروي لا يليق بالبحث الأُصولي، لأنّه راجع إلى الفقه، و اللائق بالأُصول هو البحث الكبروي أعني كون إتيان المأمور به على وجهه مجزياً أولا، و قد عرفت جريان النزاع الكبروي في إتيان المأمور به الاضطراري و الظاهري أيضا. أو إشارة إلى: أنّ النزاع كله في المأمور به بهذين الأمرين صغروي محض، لأنّ البحث إنّما هو في مفاد دليلهما، و أنّه هل ينزل المأمور به بالأمر الاضطراري و الظاهري منزلة المأمور به الواقعي أم لا؟ و إلّا فبعد فرض التنزيل المزبور لا إشكال في الاجزاء بناءً على تسلّم الكبرى‏ و هي كون المأمور به على وجهه مجزياً عن أمره و عدم الاعتداد بخلاف أبي هاشم و عبد الجبار في ذلك. و عليه فيكون الاقتضاء بالنسبة إليهما بمعنى الكشف و الدلالة، لا التأثير و العلية، فيتجه إشكال المستشكل من عدم كون الاقتضاء مطلقاً بمعنى العلية، فتدبر.

(4) أي: في بحث الاجزاء. ثم إنّ الغرض من عقد هذا الأمر دفع توهم، و هو أن يكون المراد بالإجزاء هنا معناه المصطلح عند الفقهاء و هو إسقاط التعبد بالفعل ثانياً إعادة أو قضاء. و المصنف (قده) تبعاً للتقريرات دفع هذا التوهم بما حاصله: أنّه لا وجه لرفع اليد عن معنى الإجزاء لغة و هو الكفاية، و الالتزام بمعناه المصطلح، ثم الخلاف في المراد منه، و أنّ المقصود هل هو خصوص الإعادة أم القضاء؟ و ذلك لأنّه لا مانع من إرادة معناه اللغوي، فلا ينبغي الخلاف في معنى الاجزاء.

(5) يعني: ما يكفي الإتيان عنه، حاصله: أنّ الاختلاف فيما يجزي عنه الإتيان بالمأمور به و يسقط به لا يوجب اختلافاً في معنى الاجزاء لغة، فإنّ ما يجزي عنه‏

13

فان (1) الإتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي يكفى، فيسقط به (2) التعبّد به (3) ثانياً، و بالأمر (4) الاضطراري أو الظاهري الجعلي (5)، فيسقط به (6) القضاء، لا (7) أنّه يكون هاهنا اصطلاحاً بمعنى (8) إسقاط التعبد أو القضاء، فإنّه بعيد جداً (9).

رابعها (10)

:

الفرق بين هذه المسألة و مسألة المرة و التكرار لا يكاد يخفى،

الإتيان بالمأمور به الواقعي الأوّلي هو التعبد بالفعل ثانياً، و ما يجزي عنه الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري و الظاهري هو الأمر بالقضاء. و بالجملة: اختلاف ما يكفي عنه لا يوجب اختلافاً في نفس معنى الكفاية.

(1) بيان لاختلاف ما عنه الكفاية، و قد عرفت آنفاً توضيحه.

(2) أي: بالإتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي.

(3) أي: المأمور به.

(4) معطوف على قوله:- بالأمر الواقعي- يعني: و أنّ الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري أو الظاهري يكفى، و يترتب على الكفاية سقوط القضاء.

(5) مقتضى المقابلة تكرار كلمة- يكفى- بعد- الجعلي-، كذكرها بعد- الأمر الواقعي-.

(6) يعني: بسبب الإتيان بالمأمور به الاضطراري أو الظاهري يسقط القضاء.

(7) هذا معطوف على صدر الكلام، يعني: أنّ الظاهر كون الاجزاء في هذا البحث هو معناه لغة، لا أنّ الاجزاء يكون بمعناه الاصطلاحي.

(8) هذا تفسير الاجزاء الاصطلاحي، و قد تقدم.

(9) لعدم قرينة على صرفه عن معناه اللغوي إلى غيره، فإرادة المعنى الاصطلاحي حينئذٍ بلا موجب، مع أنّه من لوازم المعنى اللغوي، فلا داعي إلى إرادته بعد كونه من لوازم اللغوي.

(10) الغرض من عقد هذا الأمر الّذي جعله في التقريرات ثالث الأُمور المتقدمة على الخوض في المطلب هو دفع توهمين: أحدهما: أنّ هذا النزاع عين النزاع في مسألة

14

فإنّ البحث هاهنا (1) في أنّ الإتيان بما هو المأمور به يجزي عقلًا، بخلافه (2) في تلك المسألة، فإنّه (3) في تعيين ما هو المأمور به شرعاً بحسب دلالة الصيغة بنفسها، أو بدلالة (4)

المرة و التكرار، فلا وجه لإفراد كل منهما بالبحث. ثانيهما: أنّ هذا النزاع عين النزاع في مسألة تبعية القضاء للأداء. أمّا التوهم الأول فتقريبه: أنّ الإجزاء مساوق للمرة، إذ لو لم يدل الأمر على المرة لم يكن الإتيان بالمأمور به مجزياً، فالإجزاء مساوق للمرة كما أنّ عدم الاجزاء مساوق للتكرار.

(1) أي: في مبحث الاجزاء، و هذا دفع للتوهم المزبور، و حاصله: أنّ جهة البحث في مسألتي الاجزاء و المرة و التكرار مختلفة، فإنّ البحث في تلك المسألة كأنّه في تعيين المأمور به بحسب دلالة الصيغة عليه، فالبحث هناك لفظي، و في هذه المسألة في أنّه هل يجوز الاكتفاء به أم لا؟ فالبحث في مسألة الإجزاء عقلي، حيث إنّ الحاكم بالإجزاء هو العقل، فبعد الفراغ عن تشخيص المأمور به و تعيينه بدلالة الصيغة على كونه مطلوباً مرة أو مراراً يقع النزاع في أنّ الإتيان بما دلّت الصيغة على كونه مأموراً به، و مطلوباً مرة أو مرات هل يجزي عقلًا أم لا؟ و إن شئت فقل: إنّ النزاع في مسألة المرة و التكرار صغروي، لرجوعه إلى تعيين المأمور به، و في مسألة الإجزاء كبروي لرجوعه إلى أنّ الإتيان به مجز أولا، فيكون الفرق بين المسألتين من وجهين:

أحدهما: كون النزاع في تلك المسألة لفظياً، و هنا عقلياً كما مر آنفاً. و الآخر:

كون البحث هناك صغروياً و هنا كبروياً كما عرفت أيضا.

(2) يعني: بخلاف البحث في تلك المسألة، و هي مسألة المرة و التكرار.

(3) يعني: فإنّ البحث فيها في تعيين المأمور به شرعاً بحسب دلالة الصيغة، و كان الأولى ذكر كلمة- هناك- أو- فيها- بعد قوله:- فانه- كما لا يخفى، و قوله:

في تعيين- خبر- فإنه-.

(4) معطوف على قوله:- بنفسها- يعني: أنّ النزاع هناك في دلالة الصيغة

15

أُخرى، نعم (1) كان التكرار عملًا موافقاً لعدم الاجزاء، لكنه (2) لا بملاكه.

و هكذا الفرق بينها (3) و بين مسألة تبعية القضاء للأداء، فإنّ (4) البحث في تلك‏

بنفسها، أو بقرينة عامة، أو خاصة، فعلى التقديرين يكون محط النزاع الصيغة، لا غيرها، و لذا جعلوه من مباحث الصيغة، و من هنا يظهر ضعف احتمال عطفه على- دلالة الصيغة- كما لا يخفى.

(1) استدراك على الفرق المذكور بين المسألتين، يعني: و إن كان بين المسألتين فرق كما مر، إلّا أنّ بينهما جهة مشتركة و هي كون عدم الإجزاء موافقاً للتكرار عملًا و إن لم يكن موافقا له ملاكاً، فإنّ ملاك التكرار هو كون كل واحد من وجودات الطبيعة الواقعة في حيِّز الأمر مأموراً به، بخلاف عدم الإجزاء، فإنّ ملاكه عدم سقوط الغرض الداعي إلى الأمر. فالمتحصل: أنّه لا وجه لدعوى: أنّ القول بالمرة مساوق للإجزاء، و القول بالتكرار مساوق لعدمه، هذا. و أمّا التوهم الثاني و هو كون النزاع في هذه المسألة عين النزاع في مسألة تبعية القضاء للأداء، فتقريبه:

أن دلالة الأمر على وجوب القضاء في خارج الوقت مساوقة لعدم الاجزاء، إذ مع فرض الإجزاء و سقوط الأمر لا وجه لوجوب قضائه، و دلالته على عدم وجوب القضاء مساوقة للإجزاء.

(2) يعني: لكن التكرار لا يكون بملاك عدم الاجزاء، لما تقدم آنفاً.

(3) يعني: بين مسألة الاجزاء و بين مسألة تبعية القضاء للأداء، و غرضه:

أنّه كما يكون الفرق بين مسألتي الإجزاء و المرة و التكرار ممّا لا يكاد يخفى، كذلك الفرق بينها و بين مسألة تبعية القضاء للأداء، فقوله:- و هكذا الفرق بينها- إشارة إلى التوهم الثاني الّذي تقدم توضيحه بقولنا: فتقريبه أنّ دلالة الأمر على وجوب القضاء.

(4) هذا إشارة إلى دفع التوهم المزبور ببيان الفرق بين المسألتين، و توضيحه:

أنّ النزاع في تلك المسألة لفظي، لكون البحث فيها في دلالة الصيغة على التبعية و عدمها، و في هذه المسألة عقلي، لكون الحاكم بالإجزاء بعد انطباق المأمور به على‏

16

المسألة (1) في دلالة الصيغة على التبعية و عدمها (2)، بخلاف هذه المسألة، فإنّه (3) كما عرفت في أنّ الإتيان بالمأمور به يجزي عقلًا عن إتيانه ثانياً أداءً أو قضاءً، أو لا يجزي، فلا عُلقة بين المسألة (4) و المسألتين (5) أصلا

[1].

إذا عرفت هذه الأُمور

،

فتحقيق المقام يستدعي البحث و الكلام في موضعين:

الأول (6)

:

أنّ الإتيان بالمأمور به بالأمر

المأتي به هو العقل، فلا عُلقة بين المسألتين أصلا [2].

(1) أي: مسألة تبعية القضاء للأداء.

(2) أي: عدم الدلالة.

(3) أي: البحث، و وجه كونه عقلياً هو: أنّ الحاكم بصحة إضافة الإجزاء إلى الإتيان هو العقل، و لم يُضف إلى الدلالة حتى يكون البحث لفظيّاً.

(4) يعني: مسألة الاجزاء.

(5) يعني: و مسألتي المرة و التكرار، و تبعية القضاء للأداء.

(6) محصل ما أفاده (قده) في الموضع الأوّل هو: أنّ الإتيان بالمأمور به مجزٍ عن أمره سواءٌ أ كان أمره واقعياً أم ظاهرياً، و أمّا كونه مجزياً عن أمر آخر، كأن يكون الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري أو الظاهري مسقطاً للأمر الواقعي، فسيجي‏ء الكلام فيه في الموضع الثاني إن شاء الله تعالى، فالمبحوث عنه في الموضع الأوّل هو كون الإتيان بالمأمور به مجزياً عن أمر نفسه، لا أمر آخر.

____________

[1] و توهم عدم الفرق بين هذه المسألة و بين المسألتين إنّما هو بلحاظ إسقاط التعبد به ثانياً و عدمه بالنسبة إلى المرة و التكرار، و بلحاظ إسقاط القضاء و عدمه بالنسبة إلى تبعية القضاء للأداء، و إلّا فعدم الملاءمة بين هذه المسألة و بين المسألتين في غاية الوضوح.

[2] مضافاً إلى إمكان اختلافهما موضوعاً، حيث إنّ موضوع وجوب القضاء هو الفوت في الوقت، و موضوع الاجزاء هو الإتيان بالمأمور به في وقته، فتدبر.

17

الواقعي، بل بالأمر الاضطراري أو الظاهري أيضا يجزي عن التعبد به ثانياً، لاستقلال العقل (1) بأنّه لا مجال- مع موافقة الأمر بإتيان (2) المأمور به على وجهه- لاقتضائه (3) التعبد به (4) ثانياً. نعم (5) لا يبعد أن يقال: بأنّه يكون للعبد تبديل الامتثال و التعبد به ثانياً بدلًا عن التعبد به أوّلًا، لا منضماً إليه (6)،

(1) هذا وجه الاجزاء بالنسبة إلى أمر نفس المأمور به، لا أمر غيره، و حاصله:

أنّه بعد صدق الامتثال المتحقق بإتيان المأمور به على وجهه لا يبقى‏ مجال لاقتضاء أمره للتعبد به ثانياً، ضرورة أنّ المأتي به لمّا كان واجداً لجميع ما يعتبر في المأمور به فلا محالة يسقط به الغرض الداعي إلى الأمر، و بسقوطه يسقط الأمر أيضا، لترتبه على الغرض، كما تقدم سابقاً.

(2) متعلق بقوله:- موافقة-.

(3) متعلق بقوله:- لا مجال- و الضمير راجع إلى- الأمر-.

(4) أي: المأمور به.

(5) هذا استدراك من عدم المجال للتعبد به ثانياً، و محصله: ما أشار إليه في المسألة المتقدمة من أنّ الإتيان بالمأمور به إن كان علة تامة لحصول الغرض، فلا إشكال في كونه مسقطاً للأمر، و لا مجال حينئذٍ للتعبّد بذلك الأمر ثانياً. و إن لم يكن علة تامة لحصوله، فلا مانع من التعبد بالأمر ثانياً من باب تبديل الامتثال، و إيجاد فرد آخر من أفراد الطبيعة بدلًا عن الفرد الأول الّذي يكون أيضا وافياً بالغرض على تقدير الاكتفاء به، كالمثال المعروف و هو ما إذا أمر المولى عبده بإحضار الماء ليتوضأ به أو ليشربه، فأتاه العبد بالماء الصالح لهما، فإنّه يجوز للعبد ما لم يحصل الوضوء أو الشرب تبديل الامتثال، و الإتيان بفرد آخر من أفراد الماء بدلًا عن الفرد الأوّل.

(6) أي: إلى التعبد به أوّلا، بحيث يكون التعبد بالمأمور به ثانياً بدلًا عن التعبد به أوّلا في مسقطيته للأمر، لا منضماً إلى التعبد به أوّلًا حتى يلزم تعدد التعبد

18

كما أشرنا إليه (1) في المسألة السابقة (2)، و ذلك (3) فيما عُلم أنّ مجرد امتثاله لا يكون علة تامة لحصول الغرض (4) و إن [1] كان (5) وافياً به لو اكتفي به، كما إذا أتى بماء أمر به مولاه ليشربه فلم يشربه بعدُ، فإنّ (6) الأمر بحقيقته و ملاكه لم يسقط بعدُ، و لذا (7) لو أهرق الماء و اطلع عليه العبد وجب عليه إتيانه ثانياً،

إذ المفروض مطلوبية صرف الوجود، و عدم تعلق الأمر بمجموع الفردين كما في الأفراد الدفعيّة.

(1) أي: إلى هذا الاستدراك.

(2) و هي مسألة المرة و التكرار.

(3) المشار إليه هو نفي البُعد عن جواز تبديل الامتثال، و حاصله: أنّ مورد هذا الجواز إنّما هو صورة العلم بعدم كون الامتثال علة تامة لحصول الغرض مع وفائه بالغرض لو اكتفي بالامتثال الأوّل.

(4) إذ لو كان علة تامة لحصوله للزم اجتماع علتين على معلول واحد، و هو محال، للزوم تحصيل الحاصل، و سيتضح ذلك عند شرح قول المصنف فيما سيأتي إن شاء الله تعالى:- نعم فيما كان الإتيان علة تامة-.

(5) يعني: و إن كان الامتثال الأوّل مع الاكتفاء به وافياً بالغرض، إذ المفروض أنّ الماء في مثال المتن قابل لأن يستوفي المولى غرضه كرفع العطش و نحوه منه.

(6) تعليل لقوله:- نعم لا يبعد ان يقال- و حاصله: أنّ وجه جواز تبديل الامتثال هو بقاء الأمر بحقيقته و هي الطلب الموجود في نفس المولى، و ملاكه و هو رفع العطش مثلًا الّذي هو داعٍ للأمر بإحضار الماء، و لا يسقطان بمجرد إحضار الماء، بل بشربه أو غيره من الأغراض الداعية إلى الطلب، فما لم يتحقق الشرب الرافع للعطش أو غيره لم يسقط الأمر بحقيقته و ملاكه.

(7) يعني: و لأجل عدم سقوط الأمر حقيقة و ملاكاً يجب على العبد الإتيان‏

____________

[1] الأولى تبديل الواو بكلمة- لكن- و لا يخفى وجهه.

19

كما (1) إذا لم يأت به أوّلًا، ضرورة (2) بقاء طلبه ما لم يحصل غرضه الداعي إليه (3)، و إلّا (4)

بالماء ثانياً لو اطلع على خروج الماء الأول عن قابليته للوفاء بغرض المولى و هو رفع العطش، فقوله:- و لذا- من شواهد عدم كون الامتثال الأول علة تامة لسقوط الأمر و الغرض [1].

(1) يعني: أنّ وجوب الإتيان الثاني ثابت لوجود الأمر، كثبوته فيما إذا لم يأتِ بالفرد الأوّل الّذي خرج عن قابليته للوفاء بغرض المولى.

(2) تعليل لوجوب الإتيان ثانياً، و هو واضح مما تقدم آنفاً.

(3) أي: إلى الطلب.

(4) أي: و إن لم يجب إتيانه ثانياً مع بقاء الغرض، لما أوجب الغرضُ حدوثَ الأمر، توضيحه: أنّ بقاء الغرض مع فرض سقوط الطلب يكشف عن عدم عليّته لحدوث الأمر، و هذا خلف.

____________

[1] قد عرفت في مسألة المرة و التكرار: أنّ الامتثال علة تامة لسقوط الأمر، لأنّ الامتثال إن كان دائراً مدار انطباق الطبيعي المأمور به على المأتي به، فالمفروض حصوله، فيسقط الأمر، و لا يعقل عوده برفع اليد عن المأتي به بمعنى تنزيله منزلة المعدوم، لعدم انقلاب الشي‏ء عن النحو الّذي وقع عليه، نعم يعقل ذلك بمعنى إعدامه في الموضوع كإراقة الماء في مثال الأمر بإحضاره، لكنه مفقود في الشرعيات، إذ لا معنى لإعدام المتعلّق كالصلاة مثلا بعد تحققها على وجهها. و إن كان دائراً مدار حصول الغرض و هو الفائدة المترتبة على فعل العبد الباعثة على الأمر به، كتمكن المولى من الشرب مثلا المترتب على إحضار الماء، فلا ريب أيضا في تحققه، سواء لوحظ حيثية تعليلية أم تقييدية كما هو واضح. و دعوى: كون المراد بالغرض هو الفائدة المترتبة على فعل المولى كرفع العطش القائم بشربه، و المفروض عدم حصوله بعد، و لذا يجوز تبديل الامتثال و الإتيان بفرد آخر من الماء غير مسموعة، لأنّ الأمر الحقيقي بشي‏ء حاكٍ عن الإرادة المترتبة على العلم بما في ذلك الشي‏ء من الفائدة التي يعبّر عنها تارة بالداعي، و أُخرى‏

20

لما أوجب حدوثه (1)، فحينئذٍ (2) يكون له الإتيان بماء آخر موافق للأمر، كما

(1) أي: الأمر.

(2) يعني: فحين بقاء الطلب و الغرض يكون للعبد الإتيان بفرد آخر، كما كان له الإتيان بهذا الفرد قبل الإتيان بالفرد الأول.

____________

بالغرض، إذ الأمر لا يدعو إلّا إلى ما يتعلق به، فلا يحكي إلّا عن المصلحة القائمة به، دون المصالح و الفوائد المترتبة على فعل آخر غير متعلقه، كرفع العطش القائم بشرب المولى، فلا يعقل أن يكون مثل رفع العطش حيثية تعليلية للأمر بإحضار الماء، بل لا ينبعث الأمر به إلّا عن الفائدة القائمة بنفس الإحضار، و هو تمكن المولى من الشرب مثلًا المفروض حصوله. كما لا يعقل أن يكون حيثية تقييدية له أيضا بحيث يتعلق به الطلب، لخروجه عن حيِّز قدرة العبد الموجب لامتناع انبساط الطلب عليه، لإناطة التكليف بالقدرة على متعلقه بشراشره من أجزائه و شرائطه. فالمتحصل: أنّ الأمر يسقط بإتيان متعلقه قطعاً من غير فرق في ذلك بين دوران الامتثال مدار موافقة المأتي به للمأمور به، و بين دورانه مدار حصول الغرض. و أما ما يقال: في توجيه جواز تبديل الامتثال من جعل الفائدة المترتبة على فعل الغير كرفع عطش المولى المترتب على شربه عنواناً مشيراً إلى حصة خاصة من إحضار الماء ملازمة لشربه فراراً عن محذور التكليف بغير المقدور الّذي يلزم في صورة كونه جهة تقييدية، ففيه أولا: أنّ تخصيص المتعلق- أعني الإحضار- بما يلازم شرب المولى مع عدم دخله في الحكم يكون تخصيصاً بلا مخصص، و ترجيحاً بلا مرجح، لفرض تساوى جميع حصص طبيعة إحضار الماء في الحكم، كما هو مقتضى مشيرية العنوان، و إلّا كان خصوص الإحضار المقيد بالشرب محطَّ الطلب، و مصبَّ البعث، فيعود محذور الجهة التقييدية. و ثانياً: أنّه لو سلمنا ذلك، فهو مجرد احتمال لا يساعده في مقام الإثبات دليل، حيث إنّ كون شي‏ءٍ بهذا النحو مأموراً به محتاج إلى نهوض دليل خاص عليه، و هو مفقود بالفرض. و ثالثاً:

أنّه أجنبي عن تبديل الامتثال، ضرورة توقف عنوان التبديل على إيجاد متعلق الأمر

21

كان له قبل إتيانه الأوّل بدلًا (1) عنه. نعم (2) فيما كان الإتيان علة تامة لحصول الغرض، فلا يبقى موقع للتبديل، كما إذا أمر بإهراق الماء في فمه لرفع عطشه، فأهرقه، بل (3) لو لم يعلم أنّه (4) من أيّ القبيل فله التبديل، باحتمال ان لا يكون علة، فله (5) إليه سبيل. و يؤيّد ذلك (6)،

(1) حال عن قوله:- بماء آخر- يعني: له الإتيان بماء آخر بدلًا عن الماء الأوّل المراق.

(2) استدراك على ما أفاده من جواز تبديل الامتثال الّذي قد عرفت توضيحه، و هو لا يخلو من التكرار المخل بما رامه المصنّف (قده) من الإيجاز.

(3) غرضه إلحاق صورة الشك في عليّة مجرد الامتثال لسقوط الغرض بصورة العلم بعدم عليّته له في جواز تبديل الامتثال، فيجوز التبديل في كلتا الصورتين، غاية الأمر أنّ جوازه مع العلم قطعي، و مع الشك رجائي.

(4) يعني: أنّ الإتيان هل يكون مما هو من قبيل العلة التامة، أم من قبيل ما لا يكون كذلك؟ (5) يعني: فللعبد إلى التبديل سبيل.

(6) المشار إليه جواز تبديل الامتثال إذا لم يكن الفرد الأوّل علة تامة لسقوط الأمر، و لعل التعبير بالتأييد، لاحتمال كون مورد الروايات المشار إليها من صغريات تعدد المطلوب، فيكون الغرض القائم بالجماعة مطلوباً آخر غير مطلوبية نفس طبيعة الصلاة، فباب الصلاة المعادة حينئذٍ أجنبي عن المقام، و هو تبديل الامتثال الّذي مورده وحدة المطلوب و الأمر.

____________

أوّلًا المفروض عدمه، لأنّه ليس مجرد إحضار الماء، بل خصوص الملازم للشرب الّذي لم يتحقق بعدُ، فالأمر لم يمتثل أوّلا حتى يكون الإتيان الثاني من باب تبديل الامتثال، كما لا يخفى.

22

بل يدل عليه (1) ما ورد من الروايات (2) في باب إعادة من صلّى فرادى جماعة، و

(1) لظهور قول الصادق (عليه السّلام): «و يجعلها الفريضة» في روايتي هشام و البختري الآتيتين في ذلك.

(2) و هي إحدى عشرة رواية مذكورة في الوسائل ج 5- الباب 54- من أبواب صلاة الجماعة، كصحيح هشام بن سالم عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام) أنه قال: «في الرّجل يصلي الصلاة وحده، ثم يجد جماعة قال (عليه السّلام): يصلي معهم و يجعلها الفريضة إن شاء»، و حسنة حفص بن البختري عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام) «في الرّجل يصلي الصلاة وحده ثم يجد جماعة، قال: يصلي معهم و يجعلها الفريضة» فإنّ قول المصنّف (قده):- بل يدل عليه- ناظر إلى هاتين الروايتين الظاهرتين في جواز تبديل الامتثال، إذ لا وجه لجعل الصلاة المعادة جماعة هي الفريضة إلّا ذلك، بل يمكن استفادة جواز التبديل أيضا من بعض الروايات الأُخر و هو ما أرسله في الفقيه بقوله: «و روي أنّه يحسب له أفضلهما و أتمهما»، إذ لو لم يجز تبديل الامتثال لم يكن لاحتساب أفضلهما إذا كان هو المعادة وجه، ضرورة أنّه- بناءً على كون الامتثال الأول علة تامة لسقوط الأمر و الغرض- لا يكون للمعادة أمر، حتى يتصور فيها الأفضلية و الأتمية أحياناً، فتدل هذه الروايات على عدم كون الامتثال الأول علة تامة لسقوط الأمر [1]، فثبت المطلوب و هو جواز تبديل الامتثال، فالأمر الندبي بالإعادة إرشاد إلى جواز تبديل الامتثال لاستيفاء الغرض الأوفى، كما يدل عليه مرسل الفقيه المتقدم و غيره مما يشتمل على: «أن اللَّه تعالى يختار أحبهما إليه».

و بالجملة: فرجاء إدراك الغرض الأقصى يكفي في مشروعية الإعادة، و لذا كان صلحاء المؤمنين من إخواننا السابقين يعيدون صلوات مدة تكليفهم من ستين سنة أو أكثر.

____________

[1] في دلالة الروايات على ذلك بعد الغض عن أسناد بعضها تأمل، لأنّها على طوائف: إحداها: ما ورد في باب إعادة الصلاة مع المخالفين، على اختلاف هذه‏

23

«أن اللَّه تعالى يختار أحبهما إليه».

..........

____________

- الطائفة مضموناً، إذ في بعضها، كصحيح عبد اللَّه بن سنان عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام): «أما تحب- ترضى- أن تحسب لك بأربع و عشرين صلاة»، و في بعضها الآخر كصحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام) «ما منكم أحد يصلي صلاة فريضة في وقتها ثم يصلي معهم صلاة تقية و هو متوضّئ إلّا كتب اللَّه له بها خمساً و عشرين درجة، فارغبوا في ذلك»، و قريب منه صحيح آخر لعبد اللَّه بن سنان أيضا، و في بعضها: أنّها لا تحسب صلاة، كرواية عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام) «قال: قلت: إنّي أدخل المسجد و قد صليت فأصلّي معهم، فلا- و لا- أحتسب بتلك الصلاة، قال: لا بأس، فأمّا أنا فأصلّي معهم و أُريهم أنّي أسجد و ما أسجد»، و في بعضها: أنها تسبيح لا صلاة، كخبر إبراهيم بن علي المرافقي، و عمر بن ربيع عن جعفر بن محمّد (عليه السّلام) في حديث «أنّه سأل عن الإمام، ان لم أكن أثق به أُصلي خلفه و أقرأ؟، قال: لا، صلِّ قبله أو بعده، قيل له:

أ فأصلّي خلفه و أجعلها تطوعاً، قال (عليه السّلام): لو قبل التطوع لقبلت الفريضة، و لكن اجعلها سبحة»، و في بعضها كصحيح نشيط بن صالح عن أبي الحسن الأول (عليه السّلام):

«و الّذي يصلي مع جيرته يكتب له أجر من صلى خلف رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و آله)، و يدخل معهم في صلاتهم، فيخلف عليهم ذنوبه و يخرج بحسناتهم»، و في خبر ناصح المؤذن «اجعلها نافلة، و لا تكبر معهم، فتدخل معهم في الصلاة، فإنّ مفتاح الصلاة التكبير» و غير ذلك من روايات هذه الطائفة (1) و أنت خبير بأجنبية مفادها عن أصل مشروعية الإعادة- فضلًا عن احتسابها فريضة- حتى يصح الاستدلال بها على جواز تبديل الامتثال، لدلالة بعضها على مقدار الأجر و الثواب، كصحيحي ابن سنان، و صحيحي عمر بن يزيد و نشيط بن صالح، و بيان الأجر و الثواب لا يدل على مشروعية هذا العمل من حيث هو، إذ لعلّ الأجر إنّما هو لأجل المخالطة مع العامة الموجبة لحسن ظنهم بالشيعة،

____________

(1) الوسائل ج 5- الباب 6- من أبواب صلاة الجماعة ص 383.

24

..........

..........

____________

و الأمن من مكائدهم، و دلالة بعضها الآخر على عدم كون المأتي به تقية بصلاة حتى نافلة، بل هو تسبيح، و مع نفي الصلاتية لا معنى لجواز تبديل الامتثال، لأنّ جوازه مبنيٌّ على كون المأتي به ثانياً بعنوان التبديل فرداً للطبيعي الّذي تعلق به الأمر أوّلا، فالثواب إنّما يكون لأجل التقية و المداراة معهم، فهذه الطائفة بمضامينها أجنبية عن أصل مشروعية الإعادة، فضلًا عن جعلها من باب تبديل الامتثال. ثانيتها: ما يوهم جواز تبديل الامتثال، كمرسلة الفقيه المتقدمة، حيث إنّ دلالة قوله (عليه السّلام): «يحسب له أفضلهما و أتمهما» على كون المأتي به جماعة فرداً للطبيعي المأمور به واضحة، لأنّه بمنزلة قوله:- يحسب له أفضل الفردين-، فلو كان الأفضل الفرد الثاني احتمل أن يكون احتسابه دون الفرد الأول من باب تبديل الامتثال، هذا. لكن فيه- مضافاً إلى الإرسال- أنّ هذا الاحتمال في غاية الوهن و السقوط، إذ لا تدل المرسلة إلّا على أنّ الفُضلى من هاتين الصلاتين هي التي تحسب له، دون الأُخرى، فان كانت الفُضلى هي الأولى‏ كتبت له دون الثانية، و ان كانت هي الثانية، كتبت له، دون الأولى، و لا تدل بوجه على تحقق الامتثال المسقط للأمر بالمعادة، حتى يكون ذلك دليلًا على جواز تبديل الامتثال الّذي هو مورد البحث، فيحتمل قويّا أن يراد بقوله (عليه السّلام):

«يحسب له أفضلهما» أنّ المعادة تحسب أفضلهما باعتبار الغرض المترتب على التقية، لا باعتبار المصلحة القائمة بالطبيعة المشتركة بين الفردين، ضرورة وفاء الفرد الأوّل بها، فلا يمكن احتساب ما به الاشتراك مرّتين، بل الاحتساب لا بد أن يكون باعتبار مزية زائدة على ما به الاشتراك موجودة في الفرد الثاني دون الأوّل. و قد ظهر من هذا البيان: أنّ قوله (عليه السّلام): «أفضلهما و أتمهما» منصوب. و دعوى: أنّ الحساب بمعنى العدّ لا يتعدى إلى مفعولين، و إنّما المتعدي إليهما هو الحسبان الّذي يعدّ من أفعال القلوب غير مسموعة، لقول الشاعر: «و لا تعدد المولى شريكك في الغنى»، و يقال في الاستعمالات المتداولة: عدّ زيداً عالماً، أو شاعراً، أو نحو ذلك، مما يكون‏

25

..........

..........

____________

تعدده معنوياً، لا حسياً خارجياً. و لو سلمنا كون- أفضلهما- مرفوعاً على أن يكون نائباً عن الفاعل، و المحسوب هو أفضل الصلاتين سواء أ كانت هي الأولى أم الثانية، فلا دلالة فيه أيضا على جواز تبديل الامتثال، للقطع بسقوط الأمر الوجوبيّ بالإتيان الأوّل و لا معنى لعوده، فالمحسوب هو أفضلهما من حيث الاشتمال على شرائط القبول، و لا ربط له بباب تبديل الامتثال أصلا. و الحاصل: أنّه ليس في المرسلة المزبورة ظهور في جواز تبديل الامتثال، و مع الاحتمال يبطل الاستدلال. ثالثتها: ما ورد في إعادة الصلاة مطلقاً من دون الاختصاص بالمخالف، كصحيح هشام بن سالم: «الرّجل يصلّي الصلاة وحده ثم يجد جماعة، قال: يصلّي معهم، و يجعلها الفريضة ان شاء»، و نحوها حسنة حفص البُختري المتقدمة بإسقاط كلمة- ان شاء-، و بمضمونهما روايات أُخرى‏ (1).

و يمكن الجمع بين ما ورد في الإعادة مع المخالفين من عدم كون المعادة معهم صلاة، و بين الحث على إعادة الصلاة جماعة بأنّ مورد استحباب الإعادة هو الصلاة مع غير المخالفين، و أمّا معهم فالمستحب هو إراءة كونه مصلياً معهم، كما أنّه قضية قوله (عليه السّلام) في رواية عبيد بن زرارة المتقدمة: «و أُريهم أنّي أسجد و ما أسجد». لا يقال:

إنّ قوله (عليه السّلام) في صحيح هشام، و حسن البختري المتقدمين: «و يجعلها الفريضة» يدل على جواز تبديل الامتثال، إذ لا معنى لجعل المعادة تلك الفريضة إلّا ذلك، فلو سقط الأمر بالفريضة بالإتيان الأوّل لما كان وجه لجعل الفرد الثاني فريضة، فإنّ جعله كذلك يكشف عن بقاء الأمر، و عدم كون الإتيان الأوّل علة تامة لسقوطه.

فانه يقال: إنّ دلالته على جواز تبديل الامتثال منوطة بإرادة الفريضة الفعلية ليكون الأمر باقياً حتى تتصف المعادة بها، و قد عرفت استحالة بقاء الأمر على حاله‏

____________

(1) الوسائل، جزء 5، الباب 54 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 1 و 11 و غيرهما.

26

..........

..........

____________

مع الإتيان بمتعلقه على وجهه، فيحتمل حينئذٍ وجوه: أحدها: ما عن شيخ الطائفة في التهذيب من قوله: «و المعنى في هذا الحديث أنّ من يصلي و لم يفرغ من صلاته، و وجد جماعة، فليجعلها نافلة، ثم يصلي في جماعة، و ليس ذلك لمن فرغ من صلاته بنيّة الفرض، لأنّ من صلّى الفرض بنية الفرض، فلا يمكن أن يجعلها غير فرض» و عن الوحيد (قده) تأييده «بأنّه ظاهر صيغة المضارع»، و يدل على هذا المعنى صحيحة سليمان بن خالد، قال: «سألت أبا عبد اللَّه (عليه السّلام) عن رجل دخل المسجد، فافتتح الصلاة، فبينما هو قائم يصلي إذ أذّن المؤذّن و أقام الصلاة، قال: فليصل ركعتين، ثم ليستأنف الصلاة مع الإمام، و لتكن الركعتان تطوّعاً» (1)، و قريب منه مضمر سماعة (2) و على هذا الاحتمال تكون كلمة- ان شاء- في صحيحة هشام قيداً للمجموع، يعني:

إن شاء يصلّي معهم فريضة بعد جعل ما بيده نافلة، و إن شاء أتم ما بيده فريضة كما افتتحت، و هذا أجنبي عما نحن فيه من تبديل الامتثال، إذ المفروض عدم تحقق الامتثال بعد حتى يندرج في باب التبديل، كما لا يخفى.

ثانيها: أن ينوي المعادة فريضة، بأن يبني على كونها فريضة، كالبناء على ظهرية ما نواه عصراً في مورد العدول، فيكون المقام كموارد العدول في كون العبرة بالمعدول إليه، هذا. و فيه: وضوح الفرق بين المعادة، و بين موارد العدول، و ذلك لكون العدول متقوماً بالبناء، حيث إنّ عنوان الظهرية مثلًا من العناوين الاعتبارية المتقومة بالبناء، فيتحقق عنوان الظهرية لما بيده بمجرد البناء عليها بعد تحقق عنوان العصرية له بالبناء عليها أوّلًا. و هذا بخلاف اتصاف الصلاة بكونها فريضة أو نافلة، لأنّ هذا الاتصاف ناشٍ عن تعلق الأمر الوجوبيّ أو الندبي بها، و المفروض سقوط الأمر الوجوبيّ بسبب الامتثال، و يستحيل عوده، فلا معنى لتبديل الامتثال المتوقف على بقاء شخص الأمر، كما لا يخفى ثالثها: أن يكون الفريضة عنواناً مشيراً إلى العنوان الّذي أتى‏

____________

(1) الوسائل ج 5- كتاب الصلاة باب 56 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 1

(2) الوسائل ج 5- كتاب الصلاة باب 56 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 1

27

..........

..........

____________

به من الظهرية و نحوها، فينوي الظهرية بالمعادة، فمع الإتيان بصلاة الظهر فرادى يستحب إعادتها جماعة بعنوان الظهريّة، هذا. و فيه: أنّ نفس الإعادة تقتضي ذلك، و إلّا لخرجت عن باب الإعادة، و لا معنى لتعليقه على مشيّة المصلّي، إذ ليس له قصد غير ذلك العنوان المتحقق به الامتثال أوّلًا، فما يمكن أن تتعلق به المشيّة هو جعل ما بيده نافلة، و إعادته جماعة بنيّة الوجوب. و من المعلوم أنّ هذا أجنبي عن مسألة تبديل الامتثال، فأجود الاحتمالات هو الأوّل، و ان لم يكن بذلك الوضوح، و إلّا فيصير مجملًا، و يسقط به الاستدلال. فالمتحصل: أنّه لا ينبغي الإشكال في مشروعية إعادة ما صلّاه منفرداً جماعة، سواء أُقيمت الجماعة في أثنائها أم بعدها، غاية الأمر أنّه في الأول ينوي الفرض، و في الثاني ينوي الندب تداركاً لما فات من الخصوصية و المزية و هي الجماعة، قال في الجواهر: «ثم إنّ ظاهر الفتاوى و بعض النصوص السابقة نية الندب في المعادة لو أراد التعرض للوجه كما صرح به في السرائر و المنتهى و التذكرة، و البيان و المدارك و الذخيرة و الكفاية، و عن المبسوط و النهاية و مجمع البرهان، بل عن حاشية المدارك للأستاذ حكاية روايتين‏ (1) عن عوالي اللئالي صريحتين في الندب»، و قال في العروة في فصل مستحبات الجماعة: «المسألة 21 في المعادة: إذا أراد نية الوجه ينوي الندب لا الوجوب على الأقوى»، و لا وجه لقصد الوجوب و إن نُسب إلى جماعة استناداً إلى صحيح هشام، و حسن حفص السابقين، أو غيرهما، حتى مرسل الصدوق المتقدم، فلاحظ. فتخلص: أنّه لا وجه للتشبث بروايات المعادة على جواز تبديل الامتثال، لما عرفت من كونها أجنبية عن مورد البحث، بل لو فرض دلالتها على ذلك فلا بد من صرفها عن ظاهرها، لاستحالة بقاء الأمر مع الإتيان بمتعلقه على وجهه كما مر. و أمّا تكرار صلاة الآيات فانّما هو لاستحباب الإعادة إذا فرغ عن الصلاة قبل الانجلاء، كما يدل عليه صحيح‏ (2) معاوية

____________

(1) (المستدرك. الباب 43 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 3 و 4).

(2) الوسائل ج- 5- الباب- 8- من أبواب صلاة الكسوف و الآيات الحديث- 1-.

28

الموضع الثاني و فيه مقامان‏

: المقام الأول‏

في أنّ الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري هل يُجزي عن الإتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي ثانياً [1] (1) بعد رفع الاضطرار في الوقت إعادة و في خارجه قضاءً، أو لا يجزي؟.

الأمر الاضطراري (1) قيد لقوله:- عن الإتيان- و محصل ما أفاده: أنّ الكلام تارة يقع في مقام الثبوت، و أخرى في مقام الإثبات. أمّا المقام الأول المشار إليه بقوله:- فاعلم انه يمكن ... إلخ- فحاصله: أنّ الاختيار و الاضطرار يمكن أن يكونا من الأوصاف المنوّعة كالسفر و الحضر، و الفقر و الغنى، و نحوها مما يوجب تعدد الموضوع، فالاختيار و الاضطرار دخيلان في الموضوع و المصلحة، فالصلاة عن جلوس، أو تيمم للعاجز عن القيام، و عن الطهارة المائية، أو مع التكتف للتقية، أو غير ذلك من الصلوات الاضطرارية تكون كالصلوات‏

____________

بن عمار قال: «قال أبو عبد اللَّه (عليه السّلام): صلاة الكسوف إذا فرغت قبل أن ينجلي فأعِد» و مطلوبية الوجودات الطولية بالأمر الاستحبابي أجنبية عن تبديل الامتثال الّذي مرجعه إلى بقاء نفس الأمر الأول، فلو لا الأمر بالإعادة في هذه الصحيحة لم يكن وجه للإتيان بالصلاة ثانياً، و ثالثاً، و هكذا.

[1] لا يخفى الاستغناء عنه، بل إخلاله، لأنّ معناه حينئذٍ: أنّ الإتيان بالمأمور به الاضطراري هل يجزي عن الإتيان بالمأمور به الواقعي الأوّلي ثانياً أم لا، فالنزاع على هذا إنّما هو في إجزائه عن الوجود الثاني للمأمور به الواقعي، لا وجوده الأوّل، مع أنّ النزاع كله في الوجود الأول، فينبغي أن تكون العبارة هكذا:- هل يجزي الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري عن الإتيان بالمأمور به الواقعي الأوّلي إعادة في الوقت، و قضاءً في خارجه أم لا؟ و الحاصل: أنّ عبارة المتن توهم كون مصب النزاع هو الإجزاء عن الوجود الثاني للمأمور به الواقعي الأوّلي و عدمه، و من المعلوم عدم كونه كذلك.

29

تحقيق الكلام فيه يستدعي التكلم فيه تارة في بيان ما يمكن أن يقع عليه الأمر الاضطراري من الأنحاء، و بيان ما هو قضية كل منها من الاجزاء و عدمه، و أخرى في تعيين ما وقع عليه، فاعلم:

أنّه يمكن أن يكون التكليف الاضطراري في حال الاضطرار كالتكليف [1]

التامة الاختيارية في الوفاء بالغرض. و يمكن أن لا يكونا من الأوصاف المنوّعة حتى يكون الفعل الاضطراري كالاختياري وافياً بتمام مصلحة الفعل الاختياري بأن يبقى‏ شي‏ء منها، و هذا النحو يتصور على وجهين: أحدهما: ما لا يمكن استيفاؤه.

ثانيهما: ما يمكن ذلك، و هذا أيضا على نحوين:

الأول: أن يكون المقدار الباقي واجب التدارك.

الثاني: أن يكون مستحب التدارك، فالوجوه المتصورة ثبوتاً المذكورة في المتن أربعة:

الأول: وفاء المأمور به الاضطراري بتمام مصلحة المأمور به الواقعي الأوّلي كما مر.

الثاني: عدم وفائه به مع عدم إمكان الإتيان بالباقي.

الثالث: كون الباقي من الغرض ممكن الاستيفاء مع وجوبه.

الرابع: كونه ممكن الاستيفاء مع استحبابه [2].

____________

[1] الأولى تبديله هنا و كذا في قوله:- التكليف الاضطراري- بالمكلف به-، لقيام الملاكات بالمتعلقات، لا الأحكام، فالتعبير بالتكليف مسامحة، أو من المصدر المبني للمفعول.

[2] لا يخفى أنّ الاحتمالات الثبوتية أزيد من الأربعة المذكورة في المتن، إذ منها حرمة التفويت، حيث إنّ ما لا يمكن استيفاؤه قد يكون محرّم التفويت، و قد لا يكون كذلك، و حكمه جواز البدار مع عدم الحرمة، و عدمه معها، و عدم الاجزاء مع الحرمة، إذ لا أمر مع حرمة التفويت حتى يبقى مجال للبحث عن الاجزاء، و لا ينبغي إهمال هذا الاحتمال الخامس.

30

الاختياري في حال الاختيار وافياً بتمام المصلحة، و كافياً فيما هو المهم و الغرض [1] و يمكن أن لا يكون وافياً به (1) كذلك [2] بل يبقى منه شي‏ء أمكن استيفاؤه، أو لا يمكن، و ما أمكن كان بمقدار يجب تداركه أو يكون بمقدار يستحب.

و لا يخفى (2) أنّه ان كان وافياً به، فيجزي، فلا يبقى مجال أصلًا للتدارك (3)

(1) أي: بتمام المصلحة.

(2) هذا شروع في بيان الآثار المترتبة على الوجوه المحتملة المتقدمة، و حاصله:

أنّه- بناءً على الوجه الأول و هو وفاء المأمور به الاضطراري بتمام مصلحة المأمور به الواقعي الأوّلي- لا إشكال في الإجزاء، لحصول الغرض بتمامه الموجب لسقوط الأمر الواقعي، فلا وجه للإعادة و القضاء، هذا بالنسبة إلى الاجزاء، و أمّا بالنسبة إلى جواز البدار و عدمه فسيأتي الكلام فيه إن شاء اللَّه تعالى.

و بناءً على عدم الوفاء بتمام مصلحة المأمور به الواقعي الأوّلي، و عدم إمكان تداركه لا في الوقت و لا في خارجه، فلا يتعلق أمر بإتيان الفعل ثانياً بعد ارتفاع العذر، لإناطة تشريع الأمر بإمكان استيفاء الغرض الداعي إليه.

(3) لتوقفه على الفوت المفروض عدمه.

____________

[1] و لا يلزمه جواز تحصيل الاضطرار اختياراً كما توهم، و ذلك لإمكان ترتب المصلحة التامة على المأمور به الاضطراري ان كان الاضطرار بالطبع لا بالاختيار.

[2] لا حاجة إلى هذه اللفظة، لرجوع ضمير- به- إلى- تمام المصلحة-، فيكون محصل ما يستفاد من كلامه (قده): أنه يمكن ان لا يكون وافياً بتمام المصلحة بتمام المصلحة، لكون قوله:- كذلك- بمنزلة التصريح بتمام المصلحة، و احتمال ان يكون قوله- كذلك- إشارة إلى كلامه:- و كافياً فيما هو المهم و الغرض- لا وجه له، لأنّ قوله-:- و كافيا ... إلخ- تفسير للوفاء بتمام المصلحة، و ليس مغايراً له كما لا يخفى.

31

لا قضاءً و لا إعادة، و كذا (1) لو لم يكن وافياً و لكن لا يمكن تداركه، و لا يكاد يسوغ له البدار (2) في هذه الصورة (3) إلّا لمصلحة كانت فيه (4)، لما (5) فيه من نقض الغرض و تفويت (6) مقدار من المصلحة لو لا مراعاة ما هو فيه (7) من الأهم [1]، فافهم (8).

(1) يعني: و كذا يجزي في صورة عدم الوفاء مع امتناع تدارك الفائت.

(2) أي: المبادرة إلى الإتيان بالمأمور به الاضطراري في أول وقت الاضطرار.

(3) و هي عدم الوفاء مع عدم إمكان تدارك الباقي، و لا يجوز البدار حينئذٍ، لاستلزام تجويزه للإذن في تفويت مقدار من المصلحة، و ذلك قبيح على العاقل فضلًا عن الحكيم.

(4) أي: البدار، حاصله: أنّه لا يجوز البدار المفوِّت لمقدار من المصلحة إلّا مع تداركه بمصلحة أُخرى، كمصلحة أوّل الوقت مثلا، إذ بدون التدارك يلزم نقض الغرض، و هو تفويت مصلحة المأمور به الواقعي بلا موجب.

(5) تعليل لقوله:- و لا يكاد يسوغ له البدار- و قد عرفت تقريبه.

(6) تفسير لنقض الغرض.

(7) أي: البدار، و المراد ب- ما- الموصولة الغرض الأهم، و ضمير- هو- راجع إلى الموصولة، يعني: يلزم نقض الغرض لو لا مراعاة الغرض الأهم الّذي يكون في البدار، و قوله:- من الأهم- بيان ل- ما- الموصولة.

(8) لعله إشارة إلى: أنّه مجرد فرض في مقام الثبوت، إذ لم نظفر في مقام الإثبات بما يدل على اشتمال البدار في شي‏ءٍ من الأبدال الاضطرارية على مصلحة تكون أهم من المقدار الفائت من مصلحة المأمور به الواقعي الأوّلي.

____________

[1] الأهمية و إن كانت مناطاً لتقديم أحد المتزاحمين أو المتزاحمات، لكنها مناطه على وجه اللزوم، و في المقام يكفي في جواز البدار مساواة مصلحته للمقدار الفائت من مصلحة المأمور به الواقعي، نعم الأمر بالبدار يتوقف على أهمية مصلحته من المقدار الفائت، كما لا يخفى.

32

لا يقال: عليه (1) فلا مجال لتشريعه و لو بشرط الانتظار، لإمكان (2) استيفاء الغرض بالقضاء. فانه يقال: هذا كذلك (3) لو لا المزاحمة بمصلحة الوقت [1]، و أمّا تسويغ البدار أو إيجاب الانتظار في الصورة الأُولى (4) فيدور مدار كون العمل‏

(1) أي: بناءً على لزوم نقض الغرض يلزم ما قد يتوهم من أنّ البدل الاضطراري إذا لم يكن وافياً بتمام مصلحة المأمور به الاختياري، فلا مجال لتشريعه و لو في آخر الوقت، لكونه مفوِّتاً لمقدار من المصلحة، بل لا محيص عن الأمر بالمبدل الاختياري بعد خروج الوقت و ارتفاع الاضطرار لتستوفي المصلحة بتمامها.

(2) تعليل لقوله:- لا مجال-.

(3) يعني: أنّ إشكال عدم المجال لتشريع البدل الاضطراري مع إمكان استيفاء تمام المصلحة في خارج الوقت بإتيان المأمور به الواقعي بعنوان القضاء متّجه إذا لم يكن المقدار الفائت مزاحماً بمصلحة أُخرى كمصلحة الوقت، و أمّا إذا كان مزاحماً بها، فلا مانع من تشريع البدل الاضطراري المفوِّت لمقدار من الغرض، إذ المفروض تدارك الفائت بمصلحة الوقت.

(4) و هي وفاء المأمور به الاضطراري بمصلحة المأمور به الواقعي الأوّلي، و هذا هو الّذي و عدنا أنّه سيأتي الكلام فيه بالنسبة إلى جواز البدار و عدمه.

و حاصله: أنّ جواز البدار و عدمه في هذه الصور يدوران مدار كيفية دخل الاضطرار في المصلحة، فإن دلّ دليله على أنّ مجرد طروِّ الاضطرار و لو في جزء من الوقت المضروب للمأمور به الواقعي الأوّلي يوجب صيرورة الفعل ذا مصلحة تامة جاز البدار، و لا يجب الانتظار إلى آخر الوقت، أو اليأس من ارتفاع الاضطرار في الوقت.

و إن دلّ على أنّ الاضطرار المستوعب للوقت، يوجب صيرورة الفعل الاضطراري ذا مصلحة تامة، فلا وجه لجواز البدار، بل يجب الانتظار، إلّا إذا علم ببقاء العذر إلى آخر الوقت، فإنّه طريق عقليٌّ لإحراز الموضوع و هو الاضطرار المستوعب.

____________

[1] لا يخفى أنّه في صورة مزاحمة المقدار الفائت بمصلحة أُخرى قائمة بالبدار يجب البدار، إذ بدونه يفوت هذا المقدار أيضا بلا تدارك.

33

بمجرّد الاضطرار مطلقاً أو بشرط الانتظار، أو مع اليأس عن طروِّ الاختيار ذا مصلحة، و وافياً بالغرض.

و إن لم يكن وافياً (1) و قد أمكن تدارك الباقي في الوقت (2)، أو مطلقاً و لو بالقضاء خارج الوقت، فان كان الباقي مما يجب تداركه، فلا يجزي (3)، فلا بد من إيجاب الإعادة أو القضاء، و إلّا (4) فيجزي، و لا مانع عن البدار في الصورتين (5).

(1) هذه الجملة معطوفة على قوله قبل أسطر:- إن كان وافيا به- و الغرض من ذلك بيان آثار قسمي صورة إمكان تدارك المقدار الفائت من المصلحة.

و توضيحه: أنّ ما يبقى من المصلحة إن كان تداركه واجباً، فلا يجزي الفعل الاضطراري عن المأمور به الواقعي، بل يجب الإتيان بالمبدل إعادة مع بقاء الوقت، و قضاءً بعد خروجه، و إلى هذا أشار بقوله:- فإن كان الباقي مما يجب تداركه-.

و إن لم يكن تداركه واجباً فلا يجب شي‏ء من الإعادة و القضاء، إذ المفروض عدم وجوب تدارك ما فات من المصلحة، و مثل هذه المصلحة غير الملزمة لا يدعو إلى الطلب الوجوبيّ، إذ الداعي إليه هي المصلحة الملزمة دون غيرها كما لا يخفى.

(2) إذا فرض زوال العذر قبل خروج الوقت، كما أنّ تدارك الباقي قضاءً يكون بعد خروج الوقت.

(3) إذ المفروض إمكان تداركه مع لزومه.

(4) يعني: و ان لم يكن الباقي مما يجب تداركه فيجزي، لعدم وجوب تدارك الباقي حتى يلزم الإتيان بالفعل ثانياً إعادة أو قضاءً لتداركه.

(5) و هما وجوب تدارك الباقي و عدم وجوبه، وجه عدم المانع هو عدم لزوم التفويت من البدار فيهما.

غاية الأمر أنّه يتخير في الصورة الأولى بين الإتيان بعملين: اضطراري و اختياري، فيجوز له البدار بالعمل الاضطراري، ثم يأتي بالاختياري بعد ارتفاع العذر، و بين الإتيان بعمل واحد اختياري بعد ارتفاع الاضطرار، إذ المصلحة التامة تستوفي على كلا التقديرين، غايته أنّه في صورة الإتيان بعملين تستوفي تدريجاً، و في‏

34

غاية الأمر يتخير [1] في الصورة الأولى (1) بين البدار و الإتيان بعملين:

العمل الاضطراري في هذا الحال (2)، و العمل الاختياري بعد رفع الاضطرار، أو

صورة الإتيان بعمل واحد تستوفي دفعة.

(1) و هي كون الباقي من المصلحة لازم الاستيفاء.

(2) أي: حال الاضطرار.

____________

[1] في هذا التخيير- مضافاً إلى كونه من التخيير بين الأقل و الأكثر الّذي هو في غاية الإشكال كما قرر في محله- أنّ المصلحة الوقتية ان كانت لازمة الاستيفاء كالمصلحة القائمة بالجزء المضطر إليه، فمقتضى القاعدة وجوب الفعلين، حفظاً لكلتا المصلحتين، لا وجوبهما، أو وجوب الفعل الواحد التام بعد ارتفاع الاضطرار تخييراً لأنه ليس مشتملا على المصلحتين، بل علي مصلحة واحدة، فاستيفاء المصلحتين منوط بإيجاب كل من الفعلين تعيينا.

و إن لم تكن لازمة الاستيفاء، فلا وجه لوجوب الفعل الناقص الاضطراري في الوقت، بل الواجب تعييناً هو الفعل التام بعد ارتفاع الاضطرار.

و بالجملة: ان كانت كلتا المصلحتين لازمتي الاستيفاء، فلا بد من إيجاب كلا الفعلين تعييناً من دون حاجة إلى تشريع وجوب لفعل تام تخييراً بعد ارتفاع الاضطرار، لما عرفت من عدم اشتماله على كلتا المصلحتين. و ان لم تكونا واجبتي الاستيفاء فلا بد من إيجاب فعل واحد قائم بالمصلحة اللازم تداركها، فالتخيير المذكور في المتن لم يظهر له وجه.

هذا إذا كان ارتفاع الاضطرار بعد الوقت، و أمّا إذا كان ارتفاعه فيه سواء أ كانت كلتا المصلحتين لازمتي الاستيفاء أم لا، فلا ينبغي الارتياب في وجوب فعل واحد تعيينا في الوقت بعد زوال العذر، لقيام كلتا المصلحتين به بعد كون المطلوب صِرف الوجود من الطبيعة الواقع في صرف الوجود من الزمان الوافي به.

35

الانتظار (1) و الاقتصار بإتيان ما هو تكليف المختار، و في الصورة الثانية (2) يتعيّن عليه استحباب البدار، و إعادته (3) بعد طروِّ الاختيار.

هذا كله فيما يمكن أن يقع عليه الاضطراري من الأنحاء (4)، و أمّا ما وقع‏

(1) معطوف على- البدار- يعني: يتخير في صورة لزوم استيفاء الباقي بين البدار و الإتيان بعملين، و بين الانتظار أي انتظار ارتفاع العذر، و الاقتصار على عمل واحد تام اختياري، و الأولى تبديل- أو- بالواو في قوله:- أو الانتظار-.

(2) و هي كون الباقي من المصلحة غير لازم الاستيفاء، أمّا أصل جواز البدار فلعدم كونه مفوِّتاً لما يجب تداركه من المصلحة، و أمّا استحبابه فإمّا للدليل الخاصّ الدال على ذلك مثل أدلة استحباب إتيان الصلوات اليومية في أول وقتها، و إمّا للدليل العام مثل آيتي المسارعة و الاستباق.

(3) معطوف على- البدار- يعني: و يستحب إعادته بعد طروِّ الاختيار، لاستيفاء تمام المصلحة من الملزمة و غيرها.

(4) يعنى هذا كلّه في مقام الثبوت.

و أما المقام الثاني، و هو مرحلة الإثبات المشار إليه بقوله (قده):- و اما ما وقع عليه- فحاصله: أنّ دليل البدل الاضطراري ان كان له إطلاق من الجهة المقتضية للإجزاء، و هي اشتمال البدل على تمام مصلحة المبدل، أو على مقدار موجب للإجزاء بأن كان دالًا على بدلية البدل الاضطراري سواء اشتمل على تمام مصلحة المبدل، أو على معظمها حتى يكون مجزياً، أم لم يشتمل عليه حتى لا يكون مجزياً.

و ان لم يكن له إطلاق من غير هذه الجهة، فلا محيص حينئذٍ عن القول بالإجزاءِ.

لما تقدم في مقام الثبوت من ترتب الاجزاء على تمام المصلحة، أو على المقدار الملزم منها إذا لم يكن الباقي على فرض إمكان تداركه لازم الاستيفاء.

و ان لم يكن لدليل البدل الاضطراري إطلاق من هذه الحيثية المقتضية للاجزاء فالمرجع حينئذٍ الأصل العملي و هو البراءة عن وجوب الإعادة و القضاء، لكون الشكِّ حينئذٍ في التكليف، و هو مجرى البراءة، و نتيجة ذلك عدم وجوب الإعادة أو القضاء أيضا،

36

عليه، فظاهر إطلاق دليله مثل قوله تعالى: «فان لم تجدوا ماء فتيمّموا صعيدا طيبا»،

كصورة ثبوت الإطلاق لدليل البدل، إلّا إذا دلّ دليل وجوب القضاء على أنّ موضوعه فوت الواقع و ان لم يتصف بكونه فريضة، لكنه مجرد فرض، هذا ملخص مرام المصنف (قده) [1].

____________

[1] لكن الحق أن يقال: إنّ دليلي المبدل و البدل إمّا مطلقان، و إمّا مهملان، و إمّا مختلفان، فالصور أربع.

فان كانا مطلقين، أو كان دليل المبدل مهملا و دليل البدل مطلقا، فيرجع إلى إطلاق دليل البدل، لحكومته على إطلاق دليل المبدل في الصورة الأُولى، و عدم مانع من الرجوع إليه في الصورة الأخيرة، و هي إهمال دليل المبدل و إطلاق دليل البدل، ضرورة أنّ الإهمال يسقطه عن الحجية، فيرجع إلى إطلاق دليل البدل بلا مانع، فيجزي في هاتين الصورتين.

و ان كان دليل المبدل مطلقاً و دليل البدل مهملا، فيرجع إلى إطلاق دليل المبدل، لفقد المانع و هو حكومة إطلاق دليل البدل عليه، فيحكم حينئذٍ بوجوب الإعادة أو القضاء.

و ان كان كل من دليلي المبدل و البدل مهملا، فيرجع إلى الأصل، لفقد الدليل حينئذٍ، فالرجوع إلى الأصل إنّما هو في هذه الصورة فقط، لا في صورة عدم الإطلاق لدليل البدل الاضطراري مطلقاً كما في المتن.

و أمّا كون الأصل هو البراءة، ففيه كلام، توضيحه: أنّ الاضطرار تارة يرتفع في الوقت، و أُخرى في خارجه.

ففي الأوّل تجري قاعدة الاشتغال المقتضية لوجوب الإعادة، لكونه من صغريات التعيين و التخيير، حيث إنّ الصلاة مع الطهارة المائية مثلا مفرِّغة للذمّة قطعاً، بخلاف الصلاة مع الترابية، فإنّ مفرِّغيتها لها مشكوكة، فلا يكتفي بها عقلًا في مقام الامتثال.

37

و قوله عليه الصلاة و السلام: «التراب أحد الطهورين» و «يكفيك عشر سنين» (1) هو الاجزاء، و عدم وجوب الإعادة أو القضاء.

و لا بد في إيجاب الإتيان به ثانياً من دلالة دليل بالخصوص (2).

و بالجملة: فالمتبع هو الإطلاق (3) لو كان، و إلّا فالأصل و هو يقتضي البراءة من إيجاب الإعادة، لكونه شكاً في أصل التكليف (4)، و كذا عن إيجاب القضاء بطريق أولى (5)، نعم لو دل دليله على أنّ سببه فوت الواقع و لو لم يكن هو فريضة (6) كان‏

(1) راجع الوسائل كتاب الطهارة الباب الرابع عشر من أبواب التيمم.

(2) يعني: غير دليل المأمور به الواقعي الأوّلي الّذي هو المبدل.

(3) أي: إطلاق دليل البدل لو كان، و إلّا فالمتبع هو الأصل العملي.

(4) كونه شكّا في أصل التكليف إنّما هو لأجل سقوط الأمر الواقعي حال الاضطرار بسبب عدم القدرة على امتثاله الموجب لقبح الخطاب، فوجوب الإعادة حينئذٍ تكليف جديد مشكوك فيه، فتجري فيه البراءة، هذا إذا ارتفع الاضطرار قبل خروج الوقت، و إذا ارتفع بعده، فوجوب القضاء أيضا تكليف جديد ينفي بالبراءة.

(5) لعل وجه الأولوية هو ترتب القضاء على فوت الواجب في وقته، فلو لم يجب الفعل في وقته، فعدم وجوب قضائه في خارج الوقت أولى، فتدبر.

(6) يعني: و ان لم يكن الواقع الفائت فريضة فعلًا.

____________

و في الثاني تجري البراءة في وجوب القضاء، للشك في تحقق موضوعه و هو فوت الفريضة في الوقت، حيث إنّ من المحتمل انقلاب الواقع إلى المأمور به الاضطراري، فلم يفت فريضة في الوقت حتى يجب قضاؤها، و من المحتمل عدم انقلابه إليه، فيصدق الفوت الموجب لقضائه، فيكون الشك حينئذٍ في التكليف و هو مجرى البراءة، هذا كله فيما يجري فيه الأصل و هو إهمال الدليلين، و أمّا في غيره، فالمرجع هو الإطلاق مطلقاً كما عرفت آنفا.

38

القضاء واجباً عليه لتحقق سببه (1) و ان أتى بالغرض (2) لكنه مجرد الفرض (3) [1].

(1) المراد بالسبب هو الموضوع، و مرجع ضمير- سببه و دليله و سببه- هو إيجاب القضاء.

(2) أي: الغرض القائم بالمأمور به الواقعي الحاصل بالمأمور به الاضطراري.

(3) لأنّ دليل القضاء و هو قولهم عليهم الصلاة و السّلام: «ما فاتتك من فريضة فاقضها كما فاتتك»، و «من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته» ظاهر في فوت الفريضة الفعلية، لا فوت الواقع بما هو هو.

____________

[1] يمكن أن يقال باجزاء المأمور به الاضطراري عن الإعادة و القضاء في جميع الموارد إلّا إذا قام نصّ خاص على وجوب أحدهما، و توضيحه منوط بتقديم أُمور:

الأول: أن الاضطرار لا يصدق إلّا في الموقتات مع استيعابه للوقت، إذ بدونه مع كون المطلوب صرف الوجود في تمام الوقت المضروب له لا اضطرار حينئذٍ إلى صرف الوجود، للقدرة عليه في بعض الوقت، و كذا الحال في غير الموقتات مع وجوب الفور فيها، فصدق الاضطرار فيها منوط بذلك، إذ بدون وجوب الفور لا اضطرار كما لا يخفى.

الثاني: أن تشريع الحكم الاضطراري دليل إنّي على اشتمال متعلقه على مصلحة لازمة الاستيفاء في الوقت، و عدم الاهتمام بما يفوت في الوقت من مصلحة الجزء أو الشرط المضطر إلى تركه، إذ مع الاهتمام به لا وجه لتشريع الحكم الاضطراري المفوِّت له، فلا بد أن تكون المصلحة القائمة بالجزءِ أو الشرط المتروك اضطراراً ساقطة كخطابه، أو غير لازمة الاستيفاء، فوجوب العمل ثانياً لتدارك مصلحة المضطر إليه محتاج إلى تشريع ثانوي، و لا يفي به تشريع المبدل أوّلًا، لسقوط الأمر بالجزء أو الشرط المضطر إلى تركه، و عدم كاشف عن بقاء مصلحته حتى يستكشف منه بقاء التشريع، لاحتمال دخل القدرة في ملاكه كدخلها في خطابه.

39

..........

..........

____________

و استصحاب المصلحة لا يُجدي في بقاء الخطاب، لأنّ الشك في حدوث التكليف بعد ارتفاع الاضطرار، لا في بقائه بعده، ضرورة سقوط التكليف الأوّلي بالجزء أو الشرط، للاضطرار، فليس الشك في بقاء التكليف حتى يثبت باستصحاب المصلحة بل الأمر بالعكس، لأنّ مقتضى الاستصحاب عدم تشريع الحكم بعد ارتفاع الاضطرار.

الثالث: أن الاضطرار رافع للحكم المتعلق بالجزء أو الشرط مطلقاً سواء أ كانت القدرة شرطاً للملاك و الخطاب معاً، أم شرطاً للخطاب فقط كما هو الغالب من قبح مطالبة العاجز، فإنّ دليل الاضطرار من عمومه و خصوصه كدليلي الضرر و الحرج من الأدلة النافية للحكم، و بضمه إلى أدلة أجزاءِ المأمور به الواقعي و شرائطه يتحصّل أن المأمور به في حال العذر هو ما عدا الجزء أو الشرط المضطر إلى تركه.

و لا يرد هنا إشكال المثبتية الوارد على أصل البراءة في الأقل و الأكثر الارتباطيين بناءً على كون تقابل الإطلاق و التقييد تقابل التضاد، لا العدم و الملكة، و ذلك لكون دليل الاضطرار من الأدلة الاجتهادية، لا الأصول العملية، كما لا يخفى.

الرابع: أنّه لا يجب استيفاء الملاكات غير المطالبة، فإنّ العقل الحاكم بحسن الإطاعة إنّما يحكم بحسن امتثال العبد لأحكام مولاه، و الأغراض الداعية إلى التشريع ليست أحكاماً، فلا يجب على العبد موافقتها. نعم إذا أحرز العبد تمامية الملاك، و لكن المولى لا يقدر على إنشاء الحكم لمانع خارجي حكم العقل حينئذٍ بلزوم موافقة الغرض.

و بالجملة: مجرد الغرض مع عدم مانع للمولى عن الإنشاء لا يوجب عقلًا إطاعة أصلًا.

الخامس: أنّ المبدل الموقت إن كانت مطلوبيته بنحو صِرف الوجود في الوقت‏

40

..........

..........

____________

المضروب له، فاللازم الإتيان به على النهج المعتبر فيه، فلو كان في أول الوقت مضطرّاً ثم ارتفع الاضطرار بحيث تمكن في الوقت من الإتيان بالمبدل الاختياري، فليس له الإتيان بالبدل الاضطراري، إلّا مع قيام دليل خاص على الاجزاء و الاكتفاء به.

إذا عرفت هذه الأمور تعرف أنّ مقتضى القاعدة إجزاء المأمور به الاضطراري عن الواقعي في جميع الأبدال الاضطرارية إذا كان العذر مستوعباً لوقت المبدل، و مجرد العلم ببقاء مقدار من المصلحة- فضلا عن احتماله- لا يقتضي وجوب القضاء، لما عرفت من عدم الدليل علي وجوب موافقة الغرض ما لم يطالب به المولى، و مجرد وجوده ليس علة تامة للطلب حتى يكون برهاناً لِميّاً على وجوب القضاء، و ذلك لاحتمال عدم إمكان استيفاء المصلحة الباقية إلّا بصرف الوجود، لا بغيره من وجودات الطبيعة، فأوّل وجوداتها تقوم به المصالح كلها دون غيره.

و مما ذكرنا يظهر حكم الحج مع العامة مع اقتضاء التقية لذلك، و أنّه كسائر الأبدال الاضطرارية، بل أولى منها، لما ثبت من سعة دائرة التقية كما سيأتي.

و لا يخفى أن مورد النزاع في إجزاء المأمور به الاضطراري عن الواقعي إنّما هو فيما إذا لم يكن الاضطرار من الأوصاف المنوِّعة للمكلف الموجبة لاختلاف الأحكام كالمسافر و الحاضر، و إلّا فلا معنى للإجزاء عن الأمر المتعلق بموضوع آخر.

و القول بكون المختار و المضطرّ كالمسافر و الحاضر ضعيف، لاستلزامه قضاء البدل الاضطراري إذا فات في وقته على ما فات، فيجب أن يقضي الصلاة مع الطهارة الترابية إذا فاتت كذلك مع التمكن من قضائها مع المائية.

فتلخص من جميع ما ذكرناه أُمور:

الأول: أن مقتضى القاعدة إجزاء البدل الاضطراري عن المبدل الاختياري.

الثاني: أن مورد الاضطرار هو الموقت مع استيعاب الاضطرار للوقت، أو

41

..........

..........

____________

غير الموقت مع وجوب الفور فيه.

الثالث: أن مجرد بقاء شي‏ء من الملاك لا يستلزم التشريع.

الرابع: أن الاضطرار ليس منوِّعاً كالسفر.

الخامس: أن مورد الإجزاء هو الاضطرار المستوعب، إلّا إذا قام دليل خاص على الإجزاء في غيره، و مقتضاه حينئذٍ كفاية الاضطرار غير المستوعب في التنزل عن المبدل الاختياري إلى البدل إلى البدل الاضطراري.

السادس: عدم جواز البدار مع عدم العلم بارتفاع الاضطرار في الوقت، و إناطة جوازه بالعلم بعدم ارتفاعه فيه، إلّا في موارد التقية، فإنّ مقتضى إطلاق أدلتها، و كذا ما دل على الحث عليها و المداراة معهم هو جواز البدار، فلاحظ النصوص الواردة في التقية.

السابع: أنّ الإجزاء لا يحتاج إلى دليل، بل يكفي فيه كون المأمور به الاضطراري تمام الوظيفة، و هذا يثبت بحكومة دليل الاضطراري على دليل الاختياري فتدبر.

خاتمة لا يخفى أنّه لمّا كانت مسألة الحج مع العامة تقية من صغريات المأمور به الاضطراري مع كونها من المسائل الابتلائية أحببت أن أتعرض لها تزييناً للكتاب بفرع من فروع علم الفقه الشريف سائلًا منه سبحانه و تعالى التوفيق لتنقيحها، و تحقيق ما هو الحق فيها، فنقول و به نستعين: ينبغي قبل الخوض في المقصود تقديم أُمور:

الأول: أنّ كلًّا من الجزء و الشرط يتصور ثبوتاً على نحوين:

أحدهما: أن يكونا مطلقين بمعنى دخلهما في جميع الحالات بحيث يوجب‏

42

..........

..........

____________

تعذره سقوط الأمر بالمركّب أو المشروط، لدخله في قوام ماهية المركّب أو المشروط كقصد القربة في العبادة، فلا تجري قاعدة الميسور في العبادة التي تعذّر فيها مقوِّمها و هو قصد القربة، لإناطة جريانها بصدق الميسور عرفاً على الباقي، و لا يصدق عليه إذا كان المعسور مقوِّماً للماهية، كما هو واضح.

ثانيهما: أن يكونا مقيّدين بحال التمكن، و هذا القسم ليس دخيلًا في قوام الماهية، فتجري فيه قاعدة الميسور، و لعل وجه عدم العمل بعموم هذه القاعدة و إناطة جريانها في كل مورد بعمل المشهور هو: أنّ عملهم بها في مورد كاشف عن عدم كون المعسور فيه مقوِّماً للماهيّة، كما أنّ عدم عملهم بها في بعض الموارد يكشف عن كون المعسور فيه مقوِّماً لها، فعملهم بها في مورد و عدم عملهم بها في آخر كالدليل على أنّ المعسور غير مقوِّم للماهية في الأول، فتجري فيه القاعدة، و مقوِّم لها في الثاني، فلا تجري فيه.

هذا بحسب مرحلة الثبوت، و أمّا مقام الإثبات فمقتضى إطلاق الدليل هو الجزئية أو الشرطية المطلقة المعبر عنها بالركنية، فتعذره يوجب خروج فاقده عن مصاديق الطبيعي المأمور به المستلزم لعدم الإجزاءِ، إذ لا موجب له بعد فرض عدم انطباق المأمور به عليه. هذا إذا كان للدليل إطلاق، و إلّا كما إذا كان لُبيّا، فالمرجع الأصل العملي المقتضي لعدم الجزئية أو الشرطية في حال التعذر، لكون الشك حينئذٍ في ثبوت الحكم لا سقوطه حتى تجري فيه قاعدة الاشتغال، كما لا يخفى.

الثاني: أنّ إطلاق دليل الحكم لكل من الوضعي و التكليفي محكّم. أما إذا كان أحدهما مسبباً عن الآخر، كمانعيّة لبس الحرير للرجال في الصلاة، حيث إنّها مترتبة ظاهراً على حرمة لبسه لهم، و لذا ترتفع بارتفاع حرمته لضرورة من برد، أو مرض، أو حرب، أو غير ذلك، إذ لو كانا معلولين لعلة ثالثة لم يكن ارتفاع أحدهما موجباً لارتفاع الآخر، كما هو واضح، قال في العروة في شرائط لباس المصلّي:

43

..........

..........

____________

«المسألة- 38- إذا انحصر ثوبه في الحرير، فان كان مضطراً إلى لبسه لبرد أو غيره فلا بأس بالصلاة فيه»، أو العكس و هو ترتب التكليف كوجوب الوفاء بالعقد على الوضع كالملكية الحاصلة بالعقد فواضح لكون دليل العلة دليل المعلول، و بالعكس و هو أقوى من دلالة أحد المتلازمين على الآخر.

ئو أما إذا لم يكن أحدهما مترتباً على الآخر، فلعدم مانع من الإطلاق بعد وجود جامع بين الحكمين، فإنّ المنع لو وجد لشمل كلًّا من التكليفي و الوضعي كشمول الجواز و الحِلّ لكليهما أيضا، فإنّ الحِلّ يتعلق بفعل المكلف سواء أ كان تصرفاً خارجياً كالأكل و الشرب و اللبس، أم اعتبارياً كالبيع و نحوه، فمعنى حلية الفعل مطلقاً هو عدم المنع عنه، فكما لا مانع عن حِلّه تكليفاً فكذلك لا مانع عن حِلّه وضعاً، و لذا يصح التمسك بمثل قوله تعالى: «أحل اللَّه البيع»، و قوله (صلوات اللَّه و سلامه عليه):

«الصلح جائز بين المسلمين» لنفي ما شك في شرطيته شرعاً مع كون الشرطية حكماً وضعياً، فلا ظهور في الحلية و الجواز في خصوص الحلية التكليفية.

و بالجملة: فإطلاق دليل الحكم لكل من التكليفي و الوضعي محكّم ما لم تقم قرينة على الاختصاص بأحدهما، كما هو ظاهر.

الثالث: أنّ الإجزاء الموجب لسقوط الأمر إمّا مترتب على كون المأتي به مصداقاً حقيقياً للطبيعي المأمور به و هو واضح، و إمّا مترتب على كون المأتي به فرداً ادعائياً له بجعل الشارع كالأبدال الاضطرارية من الصلوات العذرية، و الوضوءات الجبيرية و غيرهما، فينتفي الإجزاء بانتفائهما، و مع الشك في جعل الشارع فرديته للمأمور به يرجع إلى قاعدة الاشتغال، لكون الشك في وادي الفراغ، و مقتضى الشغل اليقيني لزوم تحصيل الفراغ القطعي، كما لا يخفى.

الرابع: أنّ التقية في الجملة من العناوين الثانوية كالنذر، و الشرط، و الضرر

44

..........

..........

____________

و الحرج و غيرها الحاكمة على أدلة أحكام العناوين الأوّلية سواء أ كانت تلك الأحكام استقلالية كحُرمة شرب الخمر، و حرمة التصرف في مال الغير، أم ضمنية كالجزئية أم غيرية كالشرطية و المانعية، و سواء أ كان الجزء أو الشرط ممّا له دخل مطلق و هو المسمّى بالركن أم لا، و لحكومتها على تلك الأدلة يحكم بصحة صلاة من يسجد تقية على ما لا يصح السجود عليه عندنا، مع أنّ السجدتين من كل ركعة ركن، و مقتضى الركنية بطلان الصلاة بتركه، أو بالإتيان به فاسداً، و كذا يحكم بصحة صلاة من توضأ تقية بالنبيذ، أو مسح كذلك على الخفين، مع أنّ الطهارة الحدثية من الخمسة التي تعاد الصلاة منها، إلى غير ذلك من موارد ترك الركن فيها تقية، فلاحظ.

الخامس: أنّ التقية و إن كان لها إضافات عديدة بالنسبة إلى المتقي، و المتّقى منه، و المتّقى به، لكنها تنقسم بحسب ذاتها إلى قسمين: أحدهما: التقية الخوفية سواء أ كان الخوف على النّفس، أم العرض، أم المال، و سواء أ كان ذلك على نفس المتّقي أم غيره من أهله، أو إخوانه المؤمنين، و سواء أ كان الضرر الّذي يخاف منه عاجلًا أم آجلا، لإطلاق الضرورة و الخوف الواردين في أخبار التقية.

ثانيهما: التقية المداراتية (هذا هو المنضبط في كلماتهم، لكن الأولى- المدارية-، لسقوط التاء في النسبة كالمكي و الجهيني و نظائرهما، لكن قيل: غلط مشهور خير من صحيح مهجور، فتدبر) التي شرعت لجلب المحبة و تأليف القلوب و توحيد الكلمة، و مورد البحث في مسألة الحج مع العامة هو القسم الأوّل. إذا عرفت هذه المقدمات، فاعلم: أنّ الكلام يقع في مقامين: الأوّل: في الدليل الاجتهادي، و الثاني في الأصل العملي.

أما المقام الأول ففيه مبحثان:

الأول: في الأدلة العامة، و الثاني في الأدلة الخاصة.

45

..........

..........

____________

أما المبحث الأوّل، فحاصله: أنّ ما استدل أو يمكن أن يستدل به على صحة الحج مع العامة في التقية الخوفية وجوه: أحدها: قوله (صلى اللَّه عليه و آله) في حديث رفع التسعة عن الأُمة: «و ما اضطروا إليه» (1) بتقريب: أنّ الاضطرار إلى ترك الشرط الّذي هو يوم عرفة، و إيجاد الوقوف في غيره كيوم التروية يرفع شرطية يوم عرفة للوقوف بالنسبة إلى المتّقي الّذي هو من مصاديق المضطر، فيصير الوقوف للمتّقي مطلقاً غير مشروط بيوم عرفة، و مقتضى سقوط الشرطية هو الإجزاء، و عدم وجوب الإعادة، هذا.

و أورد عليه تارة بأنّ الاضطرار إلى فعل شي‏ءٍ أو تركه لا يقيِّد الواقع حتى يكون المضطر إليه مأموراً به في قبال الواقع كالصلاة السفرية التي هي مأمور بها كالحضرية، و المفروض أنّ الإجزاء مترتب على التقييد الّذي هو أجنبي عن الاضطرار، لأنّ شأنه رفع الخطاب بمناط قبح مطالبة العاجز مع بقاء المصلحة الواقعية على حالها، فلا موجب للاجزاء.

و أخرى: بأنّه بعد تسليم التقييد يختص ذلك بالأجزاء و الشروط المقيدة بحال التمكن، لأنّ ما ثبت دخله المطلق حتى في حال العجز عنه يكون سقوطه موجباً لانتفاء الحكم عن المركّب و المشروط، و المفروض أنّ للوقت شرطية مطلقة للوقوف، لما دلّ من النص و الإجماع على فوات الحج بعدم إدراك الوقوفين في وقتهما، فلا مجال للتشبث بحديث الرفع لإجزاء الحج مع العامة، بل عليه الإعادة في القابل إن بقيت استطاعته إليه أو استطاع سابقاً، و ان كانت استطاعته في هذا العام كشف ذلك عن عدم تشريع وجوب الحج عليه فيه.

و ثالثة: بما عن المحقق النائيني (قده) من اختصاص الحديث بالوجوديات، لأنّ شأنه رفع الموجود اضطراراً أو إكراهاً، و تنزيله في صقع التشريع منزلة المعدوم، فالتكتف الواقع في الصلاة تقية، أو تناول المفطر نسياناً، أو إكراهاً في الصوم معدوم‏

____________

(1) رواه الصدوق في باب التسعة من الخصال، الحديث- 9-.

46

..........

..........

____________

شرعاً أي لا حكم له، فالمانعية الثابتة للتكتف و نحوه في الصلاة، و كذا الإفطار للصوم مرفوعة في حال الاضطرار، فالحديث ينزِّل التكتف مثلًا منزلة عدمه في عدم تأثيره في بطلان الصلاة، و ليس شأن الحديث تنزيل المعدوم منزلة الموجود كالمقام، إذ المفروض كون المضطرّ إليه هو ترك الشرط لا فعله، فلا ينزل الحديث عدم الوقوف في يوم عرفة منزلة وجوده فيه، لعدم شمول الرفع للعدميات حتى يستدل به في المقام للإجزاء، و لذا لا يمكن تصحيح الصلاة الفاقدة لجزء أو شرط نسياناً أو اضطراراً بحديث الرفع بوجه، ضرورة أنّ جريانه في نسيان السورة مثلا يكون من تنزيل المعدوم منزلة الموجود و هو خلاف ما يقتضيه الحديث من الرفع الّذي مرجعه تنزيل الموجود منزلة المعدوم.

و جريانه في المركّب من السورة و غيرها أعني الصلاة الفاقدة للسورة نسياناً يقتضي تنزيل الموجود و هو الصلاة منزلة المعدوم، و لازمه الوضع و هو إعادة الصلاة، و من المعلوم أنّ شأن الحديث الرفع، لا الوضع، مع أنّه لا خلاف الامتنان. و جريانه في نفس الجزئية أو الشرطية في غير محله، لعدم تعلق النسيان بها كما هو واضح.

و أنت خبير بما في الجميع:

إذ في الأول: أنّ الرفع في الكل إلّا فيما لا يعلمون، بل فيه أيضا على وجه بوزان واحد، و من المعلوم أنّ الرفع فيها واقعي، فالشرطية في حال الاضطرار مرفوعة واقعاً، و لازمه الاجزاء، لصيرورة الفاقد للشرط اضطراراً مأموراً به واقعاً، فيكون مجزياً. و لا يرد عليه: أنّ لازمه جواز القضاء على حذوِ المضطرّ إليه، لأنّه فات كذلك كما هو شأن موضوعية العنوان كالمسافر و الحاضر، و ذلك لإمكان انحصار المصلحة الاضطرارية بالوقت الأدائي الكاشف عنه وجوب القضاء على النحو الاختياري، فلا وجه لرفع اليد عن الظهور السياقي في الرفع الواقعي كما لا يخفى.

و في الثاني أنّ قضية حكومة حديث الرفع على أدلة الأجزاء و الشرائط هو

47

..........

..........

____________

ارتفاع شرطية الوقت للوقوفين في حال الاضطرار، كارتفاع مانعية المسح على الخفين بأدلة التقية، و ما دلّ على فوت الحج بفوات الوقوفين محكوم بحديث الرفع، لأنّه من أدلة شرطية الوقت للوقوفين، فالاضطرار يرفع هذه الشرطية، و مع الغض عن حكومة الحديث و البناء على التعارض يرجع في المجمع إلى أصالة عدم الشرطية كما لا يخفى.

و في الثالث: أنّ للعناوين المذكورة في الحديث من الإكراه، و الاضطرار، و غيرهما نحو تقرر و ثبوت بحيث يصح إسناد الرفع التشريعي إليها، بأن يقال: إنّ نفس عنوان الاضطرار مثلًا مرفوع في وعاء التشريع من دون نظر إلى المعنون من كونه وجودياً أو عدمياً، فالعدمي ان كان ذا أثر شرعي يرتفع بالإكراه، أو الاضطرار، كما أنّ الوجوديّ كذلك، فكما يجري حديث الرفع في الوجوديّ كالتكتف و نحوه من الموانع و ينفى‏ أثره و هو المانعية، فكذلك يجري في العدمي كترك السورة و نحوها من الأجزاء و الشرائط، و يرفع أثر هذا الترك و هو البطلان، فوزان ترك السورة مثلا اضطراراً من تقية أو غيرها وزان التكتف و قول آمين فيها، كذلك في صحة إسناد الرفع إليهما، و في المقام كذلك، فإنّ الاضطرار إلى ترك الوقوف في يوم عرفة يرفع أثره أعني البطلان، فيقع الوقوف في غير يومها صحيحاً، فلا يعاد.

و الحاصل: أنّ حديث الرفع إنّما يرفع أثر المضطر إليه الثابت له لو لا الاضطرار سواء أ كان نفس المضطر إليه وجودياً كالتكتف، و قول آمين، و نحوهما من الموانع، أم عدمياً كترك جزء أو شرط، و أثره المرفوع في الوجوديّ هو المانعية، و في العدمي هو نفي الجزئية أو الشرطية المقتضي للإجزاء، و عدم وجوب الإعادة، فالاضطرار إلى ترك الوقوف في يوم عرفة يرفع البطلان، فلا يحتاج إلى إعادته في يومها، فيثبت صحة الوقوف في غير يوم عرفة اضطراراً من دون توقفه على إثبات‏

48

..........

..........

____________

الشرط، و تنزيل المعدوم منزلة الموجود، حتى يرد عليه: أنّ هذا وضع لا رفع، و هو خلاف ما يقتضيه الحديث من الرفع و تنزيل الموجود منزلة المعدوم، كما لا يخفى.

و بالجملة: فالإشكال على جريان الحديث في ترك الجزء أو الشرط من هذه الناحية مندفع.

نعم يمكن الإشكال على جريانه في تركهما من ناحية أُخرى، و هي: أنّ الرفع لمّا كان تشريعياً، فلا بد من وروده على ما يكون وضعه و رفعه بيد الشارع، و من المعلوم عدم أثر شرعي لترك الجزء أو الشرط حتى يرفعه حديث الرفع، و إنّما أثره البطلان و هو عدم انطباق المأمور به على الفاقد للجزء أو الشرط، و ليس ذلك أثراً شرعياً، و كذا وجوب الإعادة، لأنّه حكم عقليّ مترتب على بقاء الأمر الأول الّذي لم يتحقق امتثاله بفاقد الجزء أو الشرط.

كما يُشكل أيضا جريان الحديث في الجزئية، أو الشرطية، أو منشئهما الّذي هو من الأحكام الشرعية التي تنالها يد التشريع.

تقريب الإشكال: أنّ المضطرّ إليه هو تركهما، لا حكمهما حتى يُرفع بالاضطرار، و لا أثر شرعياً للترك الّذي هو المضطر إليه حتى يرفعه الاضطرار، فلا يصح أن يقال في ترك القراءة نسياناً أو اضطراراً: إنّ الجزئية مرفوعة، لما عرفت من عدم ترتب أثر شرعي على نفس الترك الّذي هو مورد الاضطرار.

و عليه فحديث الرفع يجري في وجود المانع و يرفع أثره الشرعي و هو المانعية، و لا يجري في ترك الجزء أو الشرط، لعدم أثر شرعي للترك حتى يتعلق به الرفع، فالتمسك بحديث الرفع لصحة الوقوف و إجزائه مع العامة في غير يوم عرفة غير سديد، لأنّ المضطر إليه هو ترك شرط الوقوف، و قد عرفت أنّه ليس لترك الجزء أو الشرط أثر شرعي حتى يرفعه حديث الرفع، و اللَّه العالم.

49

..........

..........

____________

ثانيها: حسنة الفضلاء، قالوا: «سمعنا أبا جعفر (عليه السّلام) يقول: التقية في كل شي‏ء يضطر إليه ابن آدم فقد أحلّه اللَّه له» (1) بتقريب: أنّ الاضطرار رافع للمنع، و موجب للحلية التي هي أعم من التكليفية و الوضعيّة، فكل تصرف ممنوع تكليفاً و وضعاً جائزٌ و حلالٌ عند الضرورة سواءٌ أ كان ذلك التصرف خارجياً كالأكل، و الشرب، و اللبس، أم اعتبارياً كالبيع، و الهبة، و غيرهما، لشيوع استعمال الحِلّ في كل من التكليفي و الوضعي، كقوله تعالى: «أحل اللَّه البيع»، و «أُحلت لكم بهيمة الأنعام» (2)، فإنّه لا إشكال في حليّة البيع و بهيمة الأنعام تكليفاً و وضعاً، و كقوله (صلوات اللَّه عليه) في حديث: «الصلح جائز بين المسلمين» (3) إذ لا ينبغي الإشكال في شمول الجواز لكل من التكليفي و الوضعي، بل هو المراد أيضا في مثل قولهم (عليهم السّلام): «كل شي‏ء لك حلال» و نحوه مما يدل على قاعدة الحل، فالمائع المردد بين الخمر و الخل و نحوه من الشبهات الموضوعية، أو شرب التتن و نحوه من الشبهات الحكمية حلالٌ أي لا منع عن التصرف فيه بشربه، أو بيعه، أو غيرهما من أنحاء التصرفات الخارجية و الاعتبارية.

و بالجملة: فلا ينبغي الإشكال في شمول الحل لكل من التكليفي و الوضعي و تخصيصه بالتكليفي موقوف على قرينة، و عليه (فشرب) الخمر، و التكتف في‏

____________

(1) الوسائل ج 11 كتاب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، الباب 25 من أبواب الأمر و النهي و ما يناسبهما الحديث- 2-، رواه الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن ابن أذينة عن إسماعيل الجعفي، و معمر بن يحيى بن سالم و محمد بن مسلم و زرارة، و غير خفي على من راجع تراجم هؤلاء أنهم من الأجلة الذين يعتمد على رواياتهم، فلاحظ.

(2) سورة المائدة، الآية 1.

(3) الوسائل ج 13 كتاب الصلح الباب 3 الحديث 2 ص 164.

50

..........

..........

____________

الصلاة، و قول:- آمين-، و لبس الحرير، و الذهب، و غير المأكول فيها، و الإفطار عند سقوط الشمس عن دائرة الأُفق، و الوقوف بعرفات و المشعر في غير وقتهما لأجل التقية التي هي من الضرورات (حلال) أي غير ممنوع شرعاً، و من المعلوم أنّ الحلّية في بعضها تكليفية كشرب الخمر، و في الباقي وضعية، إذ حلّية التكتف و نحوه من الموانع يراد بها عدم المانعية التي هي من الأحكام الوضعيّة.

فحليّة الوقوف في غير وقته المجعول له أوّلًا عبارة عن جوازه أي عدم المنع عنه شرعاً، و هو لازم سقوط شرطية يوم عرفة للوقوف في حال التقية، و تنزيله منزلة الوقوف الواقع في وقته الأوّلي في كونه مصداقاً للوقوف المأمور به، و مسقطاً للتكليف.

و بهذا البيان يندفع ما قد يتوهم من أنّ الإجزاء عقليٌّ، فكيف يثبت بمثل قوله (عليه السّلام): «فقد أحلّه اللَّه». توضيح الاندفاع: أنّ المراد بالحلية هو الجواز المترتب على رفع الشرطية، و تنزيل فاقد الشرط منزلة واجده في كونه مصداقاً للطبيعي المأمور به، فلا مجال للتوهم المزبور أصلًا.

ثالثها: صحيحة أبي الصبّاح الكناني، قال: «و اللَّه لقد قال لي جعفر بن محمّد- (عليهما السّلام): انّ اللَّه علّم نبيّه التنزيل و التأويل، فعلّمه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و آله) علياً (عليه السّلام). قال:

و علمنا و اللَّه، ثمّ قال: ما صنعتم من شي‏ء أو حلفتم عليه من يمين في تقية فأنتم منه في سعة» (1)، بتقريب: أنّ الإتيان بالمأمور به فاقداً لجزء، أو شرط، أو واجداً لمانع تقية كترك السورة في الصلاة، أو الوقوف بعرفات في غير يوم عرفة، أو الإتيان بالصلاة مع التكتف، و كذا الحلف تقيّة كل ذلك يكون المكلّف منه في السعة المعلوم شمولها

____________

(1) الوسائل ج 16 كتاب الايمان الباب 12 ص 134 الحديث- 2- رواه الكليني عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عن سيف بن عميرة عن أبي الصباح، و هؤلاء كلهم ثقات، كما لا يخفى على من راجع تراجمهم.

51

..........

..........

____________

- خصوصاً بقرينة الحلف- للتكليف و الوضع، فإنّ السّعة ترفع الكفارة المترتبة على الحنث، و من البديهي كون شغل الذّمّة بالكفارة حكماً وضعيّاً، لا تكليفياً.

و بالجملة: فوجوب إعادة المأتيِّ به الفاقد لجزء أو شرط أو الواجد لمانع لأجل التقية ضيق على المكلّف، فلا بد من رفعه عنه بإطلاق السعة، فوجوب إعادة الوقوف الواقع في غير وقته تقية ضيق على المكلف، فهو مرفوع عنه، و لازم رفعه عنه هو إجزاءُ ما أتى به من الوقوف في غير يوم عرفة.

رابعها: حسنة بل صحيحة هشام بن سالم قال: «سمعت أبا عبد اللَّه (عليه السّلام) يقول ما عبد اللَّه بشي‏ءٍ أحب إليه من الخباء، قلت و ما الخباء؟ قال: التقية» (1) تقريب الاستدلال بها: انّ أحبَّ العبادات هي العبادة الواقعة على وجه التقية، و من البديهي امتناع اجتماع الأحبية مع البطلان، لكشف الفساد عن عدم المحبوبية، و المفروض كون العبادة المتّقى بها أحبَّ العبادات، فلا بد أن تكون صحيحة حتى تتصف بالأحبية، و إذا كانت صحيحة فهي مجزية لا محالة.

و بعبارة أخرى: المراد بالأحبية هي الأفضلية، و من المعلوم أنّ العبادة لا تتصف بالأفضلية إلّا بعد الفراغ عن صحتها، إذ لا معنى لاتصاف الفاسد بالأفضلية. و عليه فالوقوف الفاقد لشرطه و هو كونه في يوم عرفة تقية يتصف بالأحبية، و هل يعقل عدم الإجزاء مع هذا الوصف؟

و بالجملة: أفضلية العمل المتّقى به تكشف عن سقوط المتروك تقية من جزءٍ،

____________

(1) الوسائل ج 11 كتاب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر الباب 24 من أبواب الأمر و النهي و ما يناسبهما الحديث 14، رواه محمد بن علي بن الحسين في معاني الاخبار عن أبيه عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس بن عبد الرحمن عن هشام بن سالم، و هؤلاء كلهم أجلاء، كما هو ظاهر لمن راجع كتب الرّجال.

52

..........

..........

____________

أو شرط عن الجزئية أو الشرطية، و سقوط ما وُجد فيه من الموانع عن المانعية، فهو حينئذٍ مأمور به على وجهه، و قد أُتي به كذلك، فيكون مجزياً عقلا.

فالمتحصل: أن المستفاد من أحبية العبادة المتّقى بها من غيرها هو صحتها، و أنّ المفقود ليس جزءاً، أو شرطاً في حال التقية، و كذا الموجود ليس مانعاً كذلك، فالعمل حينئذٍ مجز لا محالة، لكونه مأموراً به على وجهه.

و قد ظهر مما ذكرنا: أنّه لا يُصغى إلى دعوى كون المستفاد من أدلة التقية مجرد الحكم التكليفي و هو وجوب الاتّقاء، و الحفظ عن العدو، فيكون وجوب العمل المتقى به تكليفاً محضاً، و أنّ التقية لا توجب صيرورة العمل مأموراً به شرعاً حتى يجزي، نظير قبح التجري عقلًا، فإنّ قبحه لا يسري إلى الفعل، بل هو باقٍ على ما كان عليه من الحكم قبل التجري، فكما لا يكون التجري من العناوين الثانوية المغيِّرة للأحكام الأولية، فكذلك التقية، فلا وجه للإجزاء أصلًا، و عدم الإجزاء كاشف عن فساد العمل.

وجه عدم السماع هو: أنّ الأحبيّة و هي الأفضلية لا تجتمع مع الفساد، بل تكشف عن الصحة التي هي من قبيل الموضوع للأفضليّة، كما عرفت تفصيله.

و الحاصل: أنّ أفضلية العبادة المأتيّ بها تقية تدل إنّاً على صحتها، و أنّها أفضل مصاديق العبادة الصحيحة، فكيف يمكن التّفوه بعدم الاجزاء.

خامسها: صحيحة معلّى بن خنيس على الأقوى، قال: «قال لي أبو عبد اللَّه (عليه السّلام):

يا معلّى: اكتم أمرنا، و لا تذعه، إلى أن قال (عليه السّلام): يا معلّى: انّ التقية ديني و دين آبائي، و لا دين لمن لا تقية له، يا معلّى: انّ اللَّه يحبُّ أن يُعبد في السّر كما يحب أن يُعبد في العلانية، و المذيع لأمرنا كالجاحد له» (1)، فإنّ الظاهر أنّ المراد بالعبادة سرّاً

____________

(1)- الوسائل ج 11 كتاب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، الباب 24 من أبواب الأمر و النهي و ما يناسبهما الحديث 23، رواه سعد بن عبد اللَّه في بصائر الدرجات عن أحمد بن محمد بن عيسى، و محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن حماد بن عيسى عن حريز بن عبد اللَّه عن المعلى بن خنيس، و رجال هذا السند كلهم ثقات كما في- جش- و- ست- نعم اختلفوا في وثاقة المعلى، و الّذي ظهر لنا بعد الفحص و التأمل وفاقاً لجماعة وثاقته كما حررنا ذلك في رسالة التقية.