منتهى الدراية في توضيح الكفاية - ج4

- السيد محمد جعفر الجزائري المزيد...
662 /
1

الجزء الرابع‏

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

المقصد السادس في بيان الأمارات المعتبرة شرعاً (1) أو عقلا (2)

و قبل الخوض في ذلك (3) لا بأس بصرف الكلام إلى بيان بعض ما للقطع من (4) الأحكام و ان كان خارجاً (5)

(1) سواء أ كان تأسيسياً كجعل الحجية لخبر العادل و اليد و نحوهما و ان لم توجب الوثوق و الاطمئنان، أم إمضائياً كحجية خبر الثقة الموجب للاطمئنان العقلائي.

(2) كحجية الظن في حال الانسداد بناء على الحكومة.

(3) أي: في بيان الأمارات.

(4) بيان ل «ما» الموصول، و المراد ببيان بعض أحكام القطع هو البحث عن أن حجيته ذاتية أو مجعولة، و أن استحقاق العقوبة يترتب على مخالفته مطلقاً و ان كان مخطئاً أو على صورة موافقته للواقع فقط، و غير ذلك مما سيأتي بيانه.

(5) وجه الخروج عدم انطباق ضابط المسألة الأصولية- و هي ما يقع كبرى لقياس تكون نتيجته حكماً كلياً فرعياً- على مباحث القطع، و ذلك لأن العلم بالحكم الشرعي من آثار المسألة الأصولية و لوازمها، فكيف يكون موضوعاً

6

من مسائل الفن [1]

لها. و بعبارة أخرى: العلم بالحكم معلوم للمسألة الأصولية و نتيجة لها، فهو متأخر عنها، فلو فرض كونه موضوعاً لها كان متقدماً عليها، و هو محال. و عليه فلا يصح أن يقال: «صوم شهر رمضان مثلا معلوم الوجوب، و كل معلوم الوجوب واجب، فالصوم واجب» لعدم كون العلم بالوجوب علة للوجوب و لا معلولا له كما هو شأن الكبرى، فان قولنا: «كل متغير حادث» علة للنتيجة- و هي حدوث العالم- كعلية قولنا: «كل مقدمة الواجب واجبة» لوجوب الوضوء مثلا الّذي هو نتيجة قياس صغراه «الوضوء مقدمة الواجب» و كبراه «كل مقدمة الواجب واجبة».

و كوجوب صلاة الجمعة مثلا الّذي هو نتيجة قياس صغراه «وجوب صلاة الجمعة مما قام عليه خبر العادل أو الثقة» و كبراه «كل ما قام على وجوبه خبر العادل واجب».

و بالجملة: فالقطع بالحكم- كوجوب الصوم المتقدم- لا يقع كبرى لقياس استنباط الحكم الكلي الفرعي. و كذلك القطع بالموضوع، فلا يصح أن يقال:

«هذا معلوم الخمرية و كل معلوم الخمرية حرام» ليستنتج منه حرمة الخمر، ضرورة أن الحرمة تعرض ذات الخمر لا معلوم الخمرية حتى يقع كبرى لقياس الاستنباط.

____________

[1] قد يقال: ان مسألة التجري من مسائل علم الأصول بتقريب: أن البحث في التجري إذا كان بحثاً عن تعنون الفعل المتجري به بعنوان قبيح ملازم للحرمة بقاعدة الملازمة اندرج في مسائل الفن.

لكن فيه أولا: أن المسألة الأصولية هي نفس الملازمة بين حكم العقل و الشرع كمسألة حجية خبر الثقة، دون البحث عن قبح شي‏ء عقلا، فانه راجع‏

7

و كان أشبه (1) [1]

(1) لأنه يبحث في القطع عما يترتب على فعل المقطوع به أو تركه من‏

____________

إلى تنقيح صغرى من صغريات قاعدة الملازمة، فهو كالبحث عن كون راوي الخبر ثقة في الخروج عن المسائل الأصولية.

و الحاصل: أن البحث عن الملازمة بين القبح العقلي و الحرمة الشرعية داخل في علم الأصول، و أما البحث عن ثبوت القبح العقلي لفعل بعنوان التجري مثلا و عدمه فهو داخل في المبادي.

و ثانياً:- بعد الغض عن ذلك- أنه أجنبي عن قاعدة الملازمة، إذ مصبها خصوص الحكم العقلي الواقع في سلسلة علل الأحكام، لا معلولاتها كالمقام، فان قبح التجري كقبح المعصية انما هو لأجل كونه تمرداً على المولى و مخالفة لما اعتقده من التكليف، و من المعلوم أن هذا القبح واقع في سلسلة معلولات الأحكام لا عللها.

نعم تندرج مسألة حجية العلم الإجمالي- و كونها بنحو الاقتضاء أو العلية أو التفصيل بين وجوب الموافقة القطعية و حرمة المخالفة كذلك بالاقتضاء في الأول و العلية التامة في الثاني- في علم الأصول كحجية الأمارات غير العلمية، لأن مرجع البحث فيه إلى أصل الحجية أو كيفيتها أو كميتها.

و أما البحث عن قيام الأمارات غير العلمية مقام القطع الطريقي و عدمه فهو من المباحث المتعلقة بالأمارات و أجنبي عن أحكام القطع و أبحاثه من غير فرق في ذلك بين تنزيل الأمارة منزلة القطع و بين تنزيل المؤدى بما هو مؤدى الأمارة منزلة الواقع المقطوع به. فالأولى ذكر قيام الأمارات غير العلمية مقام القطع الطريقي في مباحث الأمارات كما لا يخفى.

[1] التعبير بالأشبه لا يخلو من المسامحة بعد وضوح تعدد جهات البحث‏

8

بمسائل الكلام، لشدة (1) مناسبته (2) مع المقام (3)، فاعلم: أن البالغ (4) [1]

استحقاق الثواب و العقاب، و من الواضح أن البحث عن ذلك من المسائل الكلامية.

(1) تعليل لقوله: «لا بأس» و وجه المناسبة: اشتراك الأمارات مع القطع في الطريقية، و في إحراز الوظيفة من الفعل أو الترك.

(2) أي: مناسبة بعض ما للقطع من الأحكام.

(3) أي: بيان الأمارات المعتبرة شرعاً أو عقلًا.

(4) وجه العدول عن «المكلف» الموجود في عبارة فرائد الشيخ الأعظم (قده) إلى «البالغ» كما ذكره هنا هو ما صرح به في حاشيته على الرسائل بقوله:

«ان من الأقسام من لم يتنجز عليه التكليف كموارد البراءة، و من المعلوم أن المكلف الفعلي لا ينقسم إلى الأقسام التي منها الجاهل غير المتنجز عليه التكليف، لأن القسم عين المقسم مع زيادة قيد».

____________

في القطع الموجب لكونه مسألة كلامية تارة و أصولية أخرى، و عليه فالأولى أن يقال: «ان مسألة القطع و ان كانت من جهة كلامية، لكن لما كان فيها جهة أصولية أيضا صح إدراجها في علم الأصول». و ما في حاشية بعض المدققين (قده) من بيان وجه الأشبهية بقوله: «حيث ان مرجع البحث إلى حسن معاقبة الشارع على مخالفة المقطوع به صحت دعوى أنها أشبه بمسائل الكلام» غير ظاهر، حيث ان ما أفاده (قده) بيان لوجه كونه من نفس المسائل الكلامية، لا لأشبهيته بها، فتدبر.

[1] المراد به خصوص المجتهد، كما أنه الظاهر من «المكلف» في عبارة شيخنا الأعظم أيضا- خلافاً لما اختاره المصنف في حاشية الرسائل‏

9

..........

و توضيح ذلك: أن المصنف (قده) حمل «المكلف» الموجود في عبارة الشيخ الأعظم (قده) على المكلف الفعلي، و هو لا يشمل جميع الأقسام التي منها الشاك في الحكم الواقعي غير المنجز الّذي تجري فيه البراءة، و من المعلوم:

أنه لا بد من وجود المقسم- و هو المكلف- في جميع الأقسام، لأن كل قسم هو المقسم مع زيادة قيد، و لما لم يكن الشاك في الحكم مكلفاً فعلياً فقد عدل عن جعل المقسم المكلف إلى جعله البالغ الّذي وضع عليه القلم، لشمول «البالغ» لجميع الأقسام حتى الشاك.

____________

بقوله: «و لا خصوص من بلغ درجة الاجتهاد»، لما فيه من الضعف كما سيظهر- فلا يشمل العامي، لأن الموضوع و ان كان بحسب الظاهر عاماً، إلّا أن أخصية المحمول قرينة على كونه خاصاً أيضا، إذ لا يعقل حمل الخاصّ على العام، ضرورة عدم اتحاده مع الموضوع المصحح لحمله عليه كقولنا: «الحيوان إنسان» فانه يمتنع أن يكون الإنسان بخصوصيته متحداً مع الحيوان مع بقائه على عمومه. و هذا نظير ما دل على وجوب الحج على المكلف المستطيع، فانه لا شك في لزوم تقييد المكلف مطلقاً- سواء كان المقيد عقلياً أم نقلياً- بخصوص المستطيع و ان كان هو أعم منه و من غيره. و عليه، فالمكلف و ان كان بإطلاقه شاملا للمجتهد و غيره، إلّا أن انقسامه إلى القاطع بالحكم و الظان به و الشاك فيه يقيده بخصوص المجتهد، لتوقف تشخيص الظن المعتبر عن غيره و تنقيح مجاري الأصول للشاك على الاجتهاد، لعدم حصول الشرائط لغير المجتهد، فلا محالة يختص المكلف في المقام بالمجتهد. و حجية القطع بالحكم على المكلف مطلقاً و ان لم يكن مجتهداً لا توجب إرادة مطلق المكلف و ان كان عامياً، و ذلك‏

10

..........

..........

____________

لأن المكلف المنقسم إلى مجموع الأقسام أعني القاطع و الظان و الشاك ليس إلّا المجتهد كما هو واضح.

و الحاصل: أن المكلف الناظر إلى الأدلة الّذي يحصل له العلم بالحكم أو الظن به أو الشك فيه ليس إلّا المجتهد.

و مما ذكرنا يظهر ضعف دعوى «أعمية المكلف من المجتهد و العامي، غاية الأمر أن المجتهد نائب عن العامي في استنباط الأحكام، لا أن عجزه يوجب اختصاص المكلف بالمجتهد» و ذلك لأن المجتهد حين مراجعة الأدلة و استنباط الأحكام الكلية منها لا يرى نفسه نائباً عن الغير في استنباطها، بل هو غافل عن النيابة غالباً فلا يقصدها مع أنها متقومة بالقصد، بل يكون رجوع الجاهل إليه أمراً فطرياً ارتكازياً من باب رجوع الجاهل إلى العالم، لا من باب رجوع المنوب عنه إلى النائب، إذ الاجتهاد واجب كفائي، فالمجتهد المستنبط للحكم يأتي بواجبة الكفائي، كسائر الواجبات الكفائية التي يأتي بها هو و غيره من المكلفين عن أنفسهم لا عن غيرهم نيابة، فلا ربط لباب النيابة بالمقام أصلا.

كما يظهر غموض دعوى الأعمية أيضا ببيان آخر و هو: «أن المجتهد ينقح مجرى الأصل بحسب وظيفته، فان وظيفة المجتهد هي وظيفة الإمام (عليه السّلام) و هي بيان الأحكام المجعولة لموضوعاتها في الشريعة المقدسة بنحو القضايا الحقيقية ...» و ذلك لأن القيود المذكورة للمكلف قرينة على اختصاصه بالمجتهد. و أما أن بيان الأحكام بنحو العموم وظيفة العالم كوظيفة الإمام (عليه السّلام)، فهو أجنبي عما نحن فيه، و لا يقتضي عموم المكلف لغير المجتهد،

11

الّذي وضع عليه القلم إذا التفت (1)

(1) هذا القيد لإخراج الغافل، بداهة عدم كونه موضوعاً لشي‏ء من هذه الأحكام، و ذلك لأن المقصود من بيان الأقسام المذكورة من القاطع و الظان و الشاك هو تعيين الوظيفة فعلا أو تركاً بمستند عقلي أو شرعي، و ليس هذا شأن الغافل، إذ الاستناد متقوم بالالتفات كما هو واضح. ثم ان المراد بالالتفات هو الالتفات الإجمالي [1] في مقابل الغفلة، و المعنى: أنه إذا خطر بباله أن للفعل الكذائي حكماً من الأحكام في مقابل من يكون غافلا عنه بالمرة، فاما أن يحصل له بعد المراجعة إلى الأدلة العلم بذلك الحكم أو الظن به أو استقرار الشك فيه.

____________

حيث ان هنا مقامين مترتبين:

أحدهما: استنباط الحكم علماً أو ظناً من الأدلة أو تعيين وظيفة الشاك التي يقتضيها الأصل العملي.

ثانيهما: بيان ذلك الحكم المستنبط أو الوظيفة العملية لغيره، و كلامنا فعلا في المقام الأول، و من المعلوم أنه وظيفة المجتهد فقط.

و بعبارة أوضح: استنباط الأحكام من أدلتها وظيفة المجتهد. و أما الأحكام المستخرجة منها فهي لكونها أحكام اللّه تعالى لموضوعاتها مشتركة بين الكل، و لذا يجب تبليغها إلى العباد، فشك كل شاك بين الاثنتين و الثلاث مثلا و ان كان موضوعاً لوجوب البناء على الأكثر، إلّا أن استنباط هذا الوجوب مختص بالمجتهد. و كما إذا قيل: «يجب بيع مال الموكل أو المولى عليه بالقيمة السوقية» فان أمر تشخيص هذه القيمة بيد أهل الخبرة، و لا فرق في الغير الّذي يرجع إليه بين المجتهد كما إذا كان الرجوع في الحكم الشرعي، و بين غيره كأهل الخبرة بالقيم و الأسعار كما إذا كان الرجوع فيهما لا في نفس الحكم الشرعي.

[1] و منه يظهر غموض ما أفاده سيدنا الأستاذ (قدس سره) في مجلس‏

12

..........

..........

____________

الدرس من «أن المراد بالالتفات هو التفصيليّ الحاصل من النّظر إلى الأدلة، دون الإجمالي الملازم للتكليف الدال عليه لفظ المكلف، إذ الغافل يقبح تكليفه، فلا وجه لجعل المكلف أعم من المجتهد» و ذلك لأن الالتفات شرط تنجز التكليف لا أصله، لما ثبت في محله من اختلاف كيفية دخل الشرائط من البلوغ و العقل و القدرة و العلم في التكليف. و عليه فالمراد «بالمكلف» في كلام الشيخ أيضا هو البالغ العاقل، لأنه الّذي وضع عليه قلم التكليف، لا خصوص من تنجز عليه. فعدول المصنف عما في الرسائل من «المكلف» إلى قوله: «البالغ» ان كان لأجل دخل الالتفات في نفس التكليف الموجب لتوضيحية قوله: «إذا التفت» التي هي خلاف الأصل في القيود ففيه ما مر آنفاً من أن الالتفات شرط تنجز التكليف لا نفسه. و ان كان عدوله إليه لوجه آخر فلا بدّ من النّظر فيه.

و عليه فالغافل مكلف أيضا، غايته أنه معذور في مخالفة التكليف، لعدم تنجزه عليه. و يشهد لذلك وجوب قضاء الصوم و الصلاة عليه مع فوتهما غفلة عن وجوبهما حتى خرج الوقت و ان قلنا بكون القضاء بفرض جديد، ضرورة توقف صدق الفوت على ترك الواجب في وقته، فلو كان الالتفات كالبلوغ و العقل شرطاً في أصل التكليف لم يكن وجه لوجوب القضاء عليه، إذ لا واجب حينئذ واقعاً حتى يصدق الفوت على تركه عن غفلة، فيتعين إرادة الالتفات الإجمالي هنا المقابل للغفلة، لا التفصيليّ الّذي يترتب على مراجعة الأدلة. فالنتيجة: أن «المكلف» لا يدل على دخل الالتفات في نفس التكليف، و لو كان المراد الالتفات التفصيليّ، فلا وجه لأن يقال: «اما أن يحصل له القطع ...» بل لا بد أن‏

13

إلى حكم فعلي (1) [1] واقعي (2)

(1) و هو البالغ مرتبة البعث و الزجر، و التقييد به لإخراج غيره من الاقتضائي و الإنشائي، لعدم ترتب أثر على القطع بهما كما سيأتي.

(2) و هو الحكم الشرعي الكلي المجعول للأشياء بعناوينها الأولية كالماء و الحنطة و نحوهما، أو الثانوية كالضرر و الحرج و غيرهما، و ذلك الحكم اما تكليفي كالوجوب و الحرمة، و اما وضعي كالملكية و الصحة و نحوهما.

____________

يقال: «الملتفت إلى الحكم الشرعي اما قاطع و اما ظان و اما شاك» و ذلك لأن ظاهر «يحصل» ترتب حصول القطع أو الشك على الالتفات، فلا بدّ أن يكون المراد بالالتفات الإجمالي منه حتى يصح أن يقال: «اما يحصل له ... إلخ».

و لا يرد على ما أفاده (قده) من إرادة الالتفات التفصيليّ ما قد يتوهم من «منافاة الالتفات التفصيليّ للشك الّذي جعل من أقسام الالتفات» و ذلك لأن المراد بالتفصيلي ليس هو العلم التفصيليّ حتى ينافي الشك الّذي جعل من أقسامه، بل ما يترتب على النّظر إلى الأدلة، و من المعلوم أن المترتب عليه اما علم و اما ظن و اما شك مستقر تجري فيه الأصول العملية، بخلاف الالتفات الإجمالي، فانه في معرض الزوال، لتبدله بأحد هذه الأقسام الثلاثة، و هو منجز، و لذا لا يجري فيه الأصل قبل الفحص عن الأدلة. و قد ظهر مما ذكرنا: أن قيد الالتفات احترازي، لما مر من انقسام المكلف إلى الغافل و الملتفت.

[1] لا وجه للتقييد بالفعلي المراد به ما وجد موضوعه خارجاً كوجود الاستطاعة بالنسبة إلى وجوب الحج، حيث ان وجوبه حينئذ فعلي بوجود موضوعه، و ذلك لأن الحكم الّذي يراد استنباطه أعم من الحكم الموجود موضوعه في الخارج حين الاستنباط، ضرورة أن المجتهد يستنبط هذا الحكم و حكم ما لم يوجد

14

أو ظاهري (1) [1]

(1) كمفاد الأصول الشرعية. و بالجملة: ما أفاده المصنف هنا مبني على أمرين:

الأول: أن مؤدى الطريق و الأصل العملي يكون حكماً شرعياً مقطوعاً به كالحكم الشرعي الّذي يتعلق به القطع الوجداني.

الثاني: تعميم الحكم في المقام للواقعي و الظاهري، لعدم اختصاص أحكام القطع من وجوب المتابعة و حرمة المخالفة و غيرهما بما إذا تعلق بالحكم الواقعي.

____________

موضوعه خارجاً على نهج واحد، كما إذا استنبط وجوب الزكاة على من ملك أربعين شاة و ان لم يكن أحد مالكاً لها فعلًا، و هذا الحكم مع عدم كونه فعلياً مورد ابتلاء المجتهد في مقام الفتوى، فالحكم الّذي يلتفت إليه المجتهد أعم من الفعلي و الإنشائي.

و ان أراد المصنف (قده) بالإنشائي ما ينشأ بداعي الامتحان و نحوه دون البعث و الزجر فهو خارج موضوعاً عن الحكم، و تسميته به مجاز.

فالمتحصل: أن الحكم بقسميه المزبورين داخل في محل البحث، و التقييد بالفعلي ان أريد به إخراج الإنشائي بمعنى جعل الحكم على موضوعه المقدر وجوده كما هو شأن القضية الحقيقية فهو غير سديد. و ان أريد به إخراج الحكم المنشأ بداع آخر غير داعي البعث و الزجر فهو خارج موضوعاً عن الحكم، و لا حاجة في إخراجه إلى التقييد بالفعلي.

[1] و يرد على تعميم الحكم للواقعي و الظاهري:

أولا: أنه مبني على الحكم الظاهري، و هو محل تأمل، بل المصنف أنكره في موارد الطرق و الأمارات كما سيأتي في محله إن شاء اللّه تعالى.

15

..........

..........

____________

و ثانياً:- مضافاً إلى عدم صحة جعل الطرق و الأصول في عرض القطع و عدم صيرورتهما مثله مندرجين في القطع بالحكم، لوضوح كونهما في طوله لا في عرضه، كبداهة تأخر الأصول رتبة عن الطرق- أنه يهدم أساس التقسيم، حيث ان القطع بالوظيفة الفعلية موجود في جميع موارد الطرق و الأصول العقلية و النقليّة، فالمكلف حينئذ عالم دائماً بوظيفته الفعلية، و لا يبقى معه مجال للتقسيم أصلًا، إذ لا بد في صحته من وجود المقسم في جميع الأقسام، فلو أريد من الحكم خصوص الواقعي كان التقسيم سليماً عن الإشكال، بخلاف ما لو أريد به ما هو أعم من الواقعي و الظاهري، فانه لا يصح أن يقال: «المكلف الملتفت اما عالم بالحكم الظاهري و اما غير عالم به» ضرورة أنه عالم بوظيفته الفعلية دائماً و لا يتصور الشك فيها أصلًا، فينهدم أساس التقسيم الثنائي الّذي صنعه المصنف (قدس سره).

و مما ذكرنا ظهر عدم تصور الجهل بالوظيفة الفعلية أصلا.

و ثالثاً: أنه لا يلزم- بناء على تقسيم الشيخ (قده)- تداخل الأقسام كما ادعاه المصنف (قده) و ذلك لأن مراده بالظن هو الظن المعتبر، لتصريحه بذلك في أول البراءة، و أن حكم غير المعتبر منه حكم الشك، كما أن مراده بالظن هو النوعيّ منه كما هو صريح كلامه في غير موضع من كتابه.

و عليه فالطريق المعتبر- و ان لم يفد الظن الشخصي- داخل في الظن، فلا يدخل الظن في الشك و لا العكس.

فغرض الشيخ (قده) من التقسيم: أن الملتفت إلى الحكم الشرعي اما يحصل له القطع الوجداني به أو التعبدي، و اما لا يحصل له شي‏ء منهما، و مرجعه على‏

16

متعلق به (1) أو بمقلديه (2) [1]

(1) كأكثر الأحكام المشتركة بينه و بين مقلديه.

(2) خاصة، كأحكام الدماء الثلاثة.

____________

الأخير الأصول المقررة للشاك مطلقاً سواء حصل له الظن أم الشك، فهذا التقسيم يكون بحسب حالات المكلف، و هو أولى من تقسيم المصنف، لمحفوظية ما بين الأدلة من الطولية في تقسيم الشيخ دونه و ان كان تقسيمه الثلاثي أمتن من الثنائي.

[1] يعني: أن الأحكام التي يستنبطها المجتهد لا تختص به بل تعم مقلديه، توضيحه: أن عناوين موضوعات الأدلة و الأصول لا تنطبق الا على المجتهد، فانه الّذي جاءه النبأ أو جاءه الحديثان المتعارضان، و هو الّذي أيقن بالحكم الكلي و شك في بقائه، و هكذا، إلّا أن محذوره عدم ارتباط حكم المقلد بالمجتهد، لأن من له تصديق عملي و نقض عملي أو إبقاء عملي في جملة من الموارد هو المقلد كأحكام الدماء الثلاثة، فالمعنون بعنوان الموضوع- و هو المجتهد- ليس له تصديق عملي ليخاطب به، و من له تصديق عملي- و هو المقلد- لا ينطبق عليه العنوان ليتوجه إليه التكليف.

و بالجملة: فاختصاص المكلف بالمجتهد- كما هو مقتضى المتن- يوجب محذور خروج أدلة الأحكام التي لا يبتلي بها المجتهد و يختص الابتلاء بها بالمقلد عن دائرة الأدلة التي يستنبط منها المجتهد الأحكام الفقهية.

و قد دفع هذا المحذور بعض المدققين من المحشين (قده) بما أفاده هنا و في مباحث الاجتهاد و التقليد من: «أن أدلة الإفتاء و الاستفتاء توجب تنزيل المجتهد منزلة المقلد، فيكون مجي‏ء الخبر إليه بمنزلة مجي‏ء الخبر إلى مقلده،

17

..........

..........

____________

و يقينه و شكه بمنزلة يقين مقلده و شكه، فالمجتهد هو المخاطب عنواناً و المقلد هو المخاطب لباً، و إلّا لكان تجويز الإفتاء و الاستفتاء لغواً».

أقول: لا ريب في أن جميع الأحكام الفقهية من الطهارة إلى الدّيات مورد ابتلاء المجتهد من حيث الاستنباط و استخراجها من أدلتها و ان لم يكن بعضها محل ابتلائه من حيث العمل كأحكام الدماء الثلاثة، فان وظيفته من حيث انه مجتهد استخراج الأحكام المجعولة لموضوعاتها على نحو القضية الحقيقية سواء كانت متعلقة بعمل نفسه أم مقلده، فيقول: «ان الحائض ذات العادة العددية مثلا إذا رأت الدم بعد أيام العادة و لم يتجاوز العشرة و شك في كون الزائد حيضاً، فلتبن علي حيضيته» أو «كل من شك في حلية شي‏ء أو طهارته فليبن علي حليته أو طهارته».

و على هذا، فالأدلة متوجهة إلى المجتهد من حيث كونه ناظراً فيها و مستنبطاً للأحكام منها سواء كانت الأحكام المستخرجة منها متعلقة بعمل نفسه أم غيره، و معه لا حاجة إلى دعوى تنزيل المجتهد منزلة المقلد.

مضافاً إلى كونها خلاف الظاهر، حيث ان أدلة الإفتاء و الاستفتاء ظاهرة في حجية فتوى المجتهد على غيره تعبداً أو إرشاداً إلى ما هو المرتكز عند العقلاء من رجوع الجاهل بكل فن إلى العالم به، فانها مساوقة لقوله تعالى: «فاسألوا أهل الذّكر» و نظائره.

و الحاصل: أن ظاهر أدلة الإفتاء هو بيان الأحكام و تبليغها إلى العباد، و تنزيل المفتي منزلة المستفتي أجنبي عن ظاهرها، و لا ينتقل الذهن العرفي العاري عن الأوهام إليه. و كذا ظاهر أدلة الاستفتاء، فان ظهورها في حجية الفتوى و لزوم الأخذ بها مما لا مساغ لإنكاره، و مع هذا الظهور لا يلزم اللغوية حتى‏

18

فاما أن يحصل له القطع أولا، و على الثاني (1)

(1) و هو ما إذا لم يحصل له القطع بالحكم مطلقاً لا الواقعي و لا الظاهري، يعني: أنه على الثاني لا بد من رجوع البالغ المذكور إلى ما يستقل به العقل من اتباع الظن ان ثبتت حجيته من باب الحكومة- أي: حكم العقل بحجيته، لا من باب الكشف أي: كشفه عن حكم الشارع بحجيته، إذ بناء على الكشف يكون الظن من الأمارات الشرعية لا العقلية، فيندرج في القسم الأول و هو حصول القطع له بالحكم الظاهري- فانه إذا انقطعت يد المكلف عن حكم الشارع و وصلت النوبة إلى حكم العقل كان المكلف قاطعاً بحكمه، لكنه حكم ظاهري مقطوع به لا واقعي. و ان لم تثبت حجيته من باب الحكومة أيضا، فلا بد من انتهائه إلى الأصول العقلية من البراءة و الاشتغال و التخيير، هذا.

و قد عدل المصنف (قده) في المتن عما صنعه الشيخ الأعظم (قده) من تقسيم المكلف الملتفت بحسب حالاته إلى ثلاثة أقسام: القاطع بالحكم و الظان به و الشاك فيه، و جعله قسمين: أحدهما: من يحصل له القطع بالحكم، ثانيهما:

من لا يحصل له القطع به. و توضيح ما أفاده في هذين القسمين: أن البالغ الّذي وضع عليه قلم التكليف إذا التفت إلى حكم شرعي سواء كان واقعياً أم ظاهرياً، فاما أن يحصل له القطع بذلك الحكم أولا، فان حصل له القطع به وجب عليه عقلا متابعة قطعه، و يدخل الحكم المستفاد من الأمارات و الأصول الشرعية في الحكم الّذي يقطع به. و ان لم يحصل له القطع به، فان ثبت اعتبار الظن عقلا- كما إذا تمت مقدمات الانسداد على الحكومة- تعين العمل بظنه، و ان لم يثبت اعتباره كذلك، فينتهي إلى الأصول العقلية من البراءة و أخويها

____________

تلجئونا دلالة الاقتضاء إلى الالتزام بالتنزيل المزبور، فالأولى إسقاط «متعلق به أو بمقلديه» حتى لا يقع أحد في حيص و بيص.

19

لا بد من انتهائه (1) إلى ما استقل به العقل من اتباع الظن لو حصل له‏

كما لا يخفى. ثم ان الحصر في هذين القسمين عقلي، لدورانه بين النفي و الإثبات ضرورة أنه بعد تعميم الحكم للواقعي و الظاهري لا يخرج البالغ الملتفت إلى الحكم الشرعي عن القاطع و غيره.

نعم بناء على اختصاص الحكم بالواقعي كما هو ظاهر كلام الشيخ الأعظم (قده)- حيث جعله مورداً للقطع و الظن و الشك- تعين كون التقسيم ثلاثياً، و ذلك لأن الحكم الواقعي هو الّذي يصلح لتعلق الشك به. و أما الحكم الظاهري فلا يتعلق به الا القطع، و لا معنى لتعلق غير القطع به، و حينئذ فالملتفت اما أن يحصل له القطع بالحكم الواقعي أو الظن به أو الشك فيه.

ثم بين المصنف وجه العدول عن تثليث الأقسام إلى تثنيتها بقوله: «و انما عممنا» و أنه ان كان و لا بد من تثليثها فاللازم تثليث آخر غير تثليث الشيخ (قده)، و سيأتي توضيحه.

(1) هذا الضمير و ضمير «له» راجعان إلى «البالغ» و ضمير «به» راجع إلى «ما» الموصول في «ما استقل» و قوله: «من اتباع» بيان للموصول، و فاعل «حصل» ضمير راجع إلى الظن، و الواو في قوله: «و قد تمت» للحال، يعني:

أن انتهاء البالغ المذكور إلى ما استقل به العقل من اتباع الظن مشروط بثلاثة أمور: أحدها: حصول الظن له. ثانيها: تمامية مقدمات انسداد باب العلم و العلمي. ثالثها: كون تماميتها على نحو يحكم العقل باعتبار الظن، لا أن يكشف عن حكم الشارع باعتباره كما أشرنا إليه و سيأتي تفصيله في محله إن شاء اللّه تعالى، فإذا انتفى أحد هذه الأمور لم ينته إلى الظن كما أشار إليه بقوله:

«و إلّا فالرجوع».

20

و قد تمت مقدمات الانسداد على تقدير الحكومة، و إلّا (1) فالرجوع إلى الأصول العقلية من البراءة و الاشتغال و التخيير على تفصيل يأتي في محله إن شاء اللّه تعالى.

و انما عممنا (2) متعلق القطع، لعدم اختصاص أحكامه (3) بما إذا كان متعلقاً بالاحكام الواقعية، و خصصنا (4) بالفعلي، لاختصاصها (5)

(1) يعني: و ان لم يحصل له الظن، أو حصل و لم تتم مقدمات الانسداد، أو تمت لكن على نحو الكشف دون الحكومة، فلا بد للبالغ المذكور من الرجوع ... إلخ.

(2) شروع في بيان وجه العدول عن تقسيم الشيخ الأعظم (قده) لحالات المكلف إلى القطع و الظن و الشك إلى ما في المتن، و هي أمور: أولها و ثانيها راجعان إلى بيان وجه العدول عن التقسيم الثلاثي إلى الثنائي، و ثالثها إلى وجه العدول عن تثليث الشيخ إلى تثليث آخر.

أما الوجه الأول المشار إليه بقوله: «و انما عممنا» فحاصله: أنه لا وجه لتخصيص متعلق القطع بالحكم الواقعي، بل لا بد من تعميمه للواقعي و الظاهري، فالحكم الظاهري الثابت في موارد الأمارات و الأصول الشرعية يندرج في الحكم المقطوع به، و عليه فيكون العلم و الطرق و الأصول في رتبة واحدة.

(3) أي: أحكام القطع.

(4) أي: و خصصنا الحكم بالفعلي، و هذا هو الوجه الثاني من وجوه العدول عن التقسيم الثلاثي إلى الثنائي، توضيحه: أنه لا بد من تخصيص الحكم بالفعلي، لأن القطع بغيره- سواء كان اقتضائياً أم إنشائياً- لا يترتب عليه أثر فضلا عن الظن به أو الشك فيه.

(5) أي: لاختصاص أحكام القطع بما إذا تعلق بالحكم الفعلي فقط.

21

بما إذا كان متعلقاً به على ما ستطلع عليه، و لذلك (1) عدلنا عما في رسالة شيخنا العلامة أعلى اللّه مقامه من تثليث الأقسام.

و ان أبيت إلّا عن ذلك (2) فالأولى أن يقال: «ان المكلف اما أن يحصل له القطع أولا، و على الثاني اما أن يقوم عنده طريق معتبر أولا» لئلا يتداخل الأقسام (3) [1] فيما يذكر لها من الأحكام، و مرجعه‏

(1) أي: و لأجل ما ذكر من تعميم متعلق القطع للحكم الواقعي و الظاهري و تخصيصه بالفعلي عدلنا ...، و حاصله: أن وجه العدول عن تثليث الشيخ الأعظم (قده) للاقسام إلى تثنيتها هو عموم أحكام القطع لما إذا تعلق بالحكم الواقعي و الظاهري، و اختصاص أحكامه بما إذا تعلق بالحكم الفعلي.

(2) أي: و ان أبيت التقسيم إلّا عن كونه ثلاثياً اما بدعوى أن المراد بالحكم خصوص الحكم الواقعي، فيكون هو مورداً للحالات الثلاث القطع و الظن و الشك، فيتم تثليث الأقسام، و اما بدعوى أنه لو سلم تعميم الحكم للواقعي و الظاهري فمقتضاه تثنية التقسيم، لكن تقييده بالفعلي يقتضي كون التقسيم وحدانياً، و ذلك لأن المكلف حينئذ قاطع بالحكم الفعلي دائماً، فليس هناك إلّا قسم واحد، لكن لما لم يلتزم به أحد- مع ما فيه من الإشكال- فلا بد من تثليث الأقسام.

(3) هذا هو الثالث من وجوه العدول عن تثليث الشيخ (قده) و قد ذكرنا أنه يبين أولوية تثليث آخر من تثليث الشيخ (قده). و حاصل هذه الأولوية:

____________

[1] قد عرفت في التعليقة على قول المصنف (قده): «أو ظاهري» تقريب عدم لزوم تداخل الأقسام.

22

على الأخير (1) إلى القواعد (2) المقررة (3) عقلا أو نقلا لغير القاطع و من (4)

أنه- بناء على تثليث الشيخ (قده)- يلزم تداخل موارد الأمارات و الأصول، و ذلك لأنه (قده) جعل مدار الرجوع إلى الأمارات هو الظن، و مدار الرجوع إلى الأصول هو الشك. مع أنه ليس كذلك، بل المعيار في الرجوع إلى الأمارة هو الدليل المعتبر و ان لم يفد الظن، كما أن المعيار في الرجوع إلى الأصل العملي هو عدم الدليل المعتبر و ان حصل الظن بالحكم الواقعي من أمارة غير معتبرة، لا خصوص الشك المتساوي طرفاه.

و هذا بخلاف تثليث المتن، فانه لا يلزم منه تداخل أصلا، لما عرفت من أن المعيار في الرجوع إلى الأمارة- كخبر العادل- هو الدليل المعتبر على حجيتها لا افادتها للظن، و في الرجوع إلى الأصل عدم الدليل المعتبر في مورده لا الشك، فلا يتداخل شي‏ء من موارد الأمارات في شي‏ء من موارد الأصول، مثلا الظن الحاصل من الشهرة الفتوائية بحكم شرعي- مع عدم إحراز حجيتها بعلم أو علمي- يلحقه حكم الشك من الرجوع إلى الأصل العملي، و بالعكس، كالشك الّذي اعتبر في مورده الأمارات و الطرق كالظنون النوعية التي تجتمع أحياناً مع الشك كأمارية اليد على الملكية، فانه يرجع إليها لقيام الدليل المعتبر على حجيتها و ان لم تفد الظن في بعض الموارد.

(1) أي: و مرجع المكلف عند عدم القطع و عدم قيام طريق معتبر إلى ...

(2) أي: الأحكام الشرعية المتعلقة بالموضوعات العامة كالاستصحاب و البراءة الشرعيين.

(3) أي: الثابتة تلك الأحكام بدليل عقلي كالبراءة بمناط قبح العقاب بلا بيان، أو نقلي كالبراءة بمناط مثل حديث الرفع.

(4) معطوف على «القاطع» يعني: أو غير من يقوم عنده الطريق المعتبر.

23

يقوم [يقدم‏] عنده الطريق على تفصيل يأتي في محله إن شاء اللّه تعالى حسبما يقتضي دليلها (1).

و كيف كان (2) فبيان‏

أحكام القطع و أقسامه يستدعي رسم أمور:

الأول‏

:

لا شبهة (3) في وجوب العمل على وفق القطع‏

(1) أي: دليل تلك القواعد، فان دليل أصالة البراءة يقتضي الرجوع إليها في الشك في نفس الحكم، و دليل أصالة الاشتغال يقتضي الرجوع إليها في الشك في الفراغ، و هكذا.

(2) أي: سواء كان التقسيم ثنائياً أو ثلاثياً على مذهب الشيخ أو المصنف (قدس سرهما).

(3) لا يخفى أن للقطع جهات عديدة: إحداها: كشفه عن الواقع بحيث لا يرى القاطع حجاباً بينه و بين الواقع، بل لا يكون ملتفتاً إلى قطعه، و انما يرى الواقع المنكشف فقط كانعكاس الصورة في المرآة، و هذا الكشف الجزمي لا يكون بالجعل و الإعطاء، لأنه ذاتي له.

ثانيتها: حكم العقل بحسن المؤاخذة على مخالفة القطع و قبحها على موافقته، لأنه بعد انكشاف الواقع تمام الانكشاف لا يراه العقل معذوراً في مخالفته لتمامية الحجة عليه، و هذا الانكشاف الذاتي التام هو الموجب لتنجزه.

ثانيتها: حكم العقل بحسن المؤاخذة على مخالفة القطع و قبحها على موافقته، لأنه بعد انكشاف الواقع تمام الانكشاف لا يراه العقل معذوراً في مخالفته لتمامية الحجة عليه، و هذا الانكشاف الذاتي التام هو الموجب لتنجزه.

ثالثتها: انبعاث المكلف نحو العمل المقطوع به أو انزجاره عنه، و هذا الأثر مترتب على الجهتين الأوليين، لأنه بعد انكشاف الواقع و تنجزه يرى القاطع نفسه تحت خطر المخالفة، فينبعث إلى الفعل أو ينزجر عنه. و قد عرفت أن الجهة الأولى ذاتية، لتقوم القطع بالطريقية و الكشف، و الثانية عقلية، و الثالثة فطرية بمناط دفع الضرر الّذي يكون الفرار عنه جبلياً لكل ذي مسكة و شعور،

24

عقلا (1) و لزوم (2) الحركة على طبقه جزماً، و كونه (3) موجباً لتنجز التكليف الفعلي فيما أصاب باستحقاق (4) [2] الذم و العقاب على مخالفته،

و لا يختص بالإنسان، بل الحيوان كذلك، و لذا يفر مما يضره، فيفر من السبع إذا أحس بوجوده في قربه. فإذا قطع المكلف بوجوب شي‏ء أو حرمته، و أدرك عقله حسن المؤاخذة على مخالفته جرى بحسب فطرته على طبق قطعه بالانبعاث إلى الفعل أو الانزجار عنه، و هذا الأثر هو المسمى بالجري العملي، و قد بين المصنف (قده) في المتن اثنتين من هذه الجهات الثلاث، إحداهما: لزوم العمل عقلا، و ثانيتهما: كون القطع موجباً لتنجز الواقع.

(1) قيد لقوله: «وجوب» و هذا إشارة إلى الجهة الأولى من الجهتين المتقدمتين. و قد تعرض شيخنا الأعظم لبيانها بقوله: «لا إشكال في وجوب متابعة القطع و العمل عليه ما دام موجوداً، لأنه بنفسه طريق إلى الواقع ... إلخ» [1].

(2) معطوف على «وجوب العمل» و الظاهر أنه تفسير له و ليس أثراً آخر للقطع.

(3) معطوف على «وجوب العمل» أي: و لا شبهة في كون القطع موجباً لتنجز ... إلخ، و هو إشارة إلى الجهة الثانية من الجهتين المتقدمتين.

(4) متعلق ب «لتنجز» يعني: أن التنجز اعتبار ينتزع عن حكم العقل باستحقاق‏

____________

[1] لا يخفى أن مقتضى قوله (قده): «ما دام موجوداً» هو دوران وجوب العمل بالقطع مدار وجوده حدوثاً و بقاء، و لازم ذلك ارتفاع تنجيز العلم الإجمالي بخروج بعض الأطراف عن مورد الابتلاء أو بالاضطرار إلى بعضها المعين أو غيره مطلقاً و ان كان بعد العلم الإجمالي، لانتفاء العلم في الجميع. و ليكن هذا في ذكر منك.

[2] ظاهر العبارة أن تنجز التكليف معلول لاستحقاق الذم و العقاب،

25

و عذراً (1) فيما أخطأ قصوراً (2) [1] و تأثيره في ذلك (3) لازم، و صريح الوجدان به (4) شاهد و حاكم،

الذم ... إلخ.

(1) معطوف على قوله: «موجباً» و هو مصدر بمعنى الفاعل، أي: و معذراً.

(2) إشارة إلى ما يأتي في التعليقة من أن الحجية ثابتة لبعض أفراد القطع و هو الحاصل من مقدمات موجبة للقطع عند متعارف الناس.

(3) أي: و تأثير القطع في وجوب العمل على طبقه لازم لا ينفك عنه.

(4) أي: بهذا اللزوم، و حاصله: أن صريح الوجدان و الضرورة شاهدان على أن القطع بالوجوب أو الحرمة مثلا يحرك القاطع نحو الفعل أو الترك، بحيث يرى نفسه مذموماً على مخالفة قطعه، و مأموناً من الذم و العقوبة عند موافقته من غير فرق في ذلك بين أقسام القطع و أسبابه، خلافاً لجمع من أصحابنا المحدثين- على ما نسب إليهم- من عدم اعتبار القطع الحاصل من المقدمات العقلية، لكن هذا الخلاف على تقدير صحة النسبة إليهم في غاية الضعف و السقوط كما سيأتي في محله.

____________

مع أنه ليس كذلك، إذ استحقاقهما و كذا تنجز التكليف معلولان للتكليف الواصل بالحجة إلى المكلف، فحق العبارة أن تكون هكذا: «و كونه موجباً لتنجز التكليف أي: وصوله إلى المكلف، و لحكم العقل باستحقاق الذم ...».

[1] و النسبة بين لزوم العمل على طبق القطع و بين حجيته عموم مطلق لأعمية لزوم العمل من الحجية، حيث انه ثابت لكل فرد من أفراد القطع، بخلاف الحجية التي تترتب عليها المنجزية و المعذرية، فانها ثابتة لبعض أفراده، ضرورة أن التأمين من العقوبة في صورة الخطأ مختص بالقطع المخطئ عن قصور، فإذا كان عن تقصير في مقدماته لا يكون ذلك القطع المخالف مؤمناً و معذراً.

26

فلا حاجة إلى مزيد بيان و إقامة (1) برهان.

و لا يخفى أن ذلك (2) لا يكون بجعل جاعل،

(1) معطوف على «مزيد بيان» توضيح وجه عدم الحاجة إلى البرهان هو:

أن البرهان لا بد أن ينتهي إلى العلم، و إذا انتهى إلى العلم فالبحث يقع في اعتبار هذا القطع، لأنه مثل القطع الأول، فإذا توقف على برهان آخر مفيد للقطع لزم التسلسل، لأن حكم الأمثال فيما يجوز و ما لا يجوز واحد، و إلّا لزم الدور، فإذا فرض أن الحجية من لوازم ذات القطع و منتزعة عن ذاته كلوازم الماهية، نظير دهنية الدهن و مشمشية المشمش و غير ذلك، فلا حاجة إلى إقامة البرهان على ثبوت الحجية له، هذا كله في مقام الإثبات.

(2) أي: وجوب العمل على وفقه، و غرضه من هذه العبارة: إثبات امتناع تناول يد الجعل لحجية القطع إثباتاً بمعنى جعلها له، و نفياً بمعنى سلب الحجية عنه، و قد استدل على ذلك بوجهين:

الأول: ما أشار إليه بقوله «لعدم جعل تأليفي» و توضيحه: أن الجعل على قسمين: أحدهما: الجعل البسيط، و هو الإيجاد بمفاد «كان» التامة، كجعل زيد- أي: إيجاده- و لا ريب في أن القطع مجعول بهذا المعنى، ضرورة كونه حادثاً لا قديماً، و لكن ليس هذا الجعل مورداً للبحث.

ثانيهما: الجعل التأليفي، و هو الإيجاد بمفاد «كان» الناقصة بمعنى جعل شي‏ء لشي‏ء، و يتحقق ذلك في الأعراض المفارقة و المحمولات غير الضرورية، كجعل زيد عالماً أو عادلًا- أي إثبات العلم أو العدالة له- و هذا الجعل لا يتصور في المحمولات البينة الثبوت للموضوعات بحيث تكون ذات الموضوع علة تامة لوجود المحمول، كما لا يعقل في المحمولات الممتنعة الثبوت للموضوعات‏

27

لعدم (1) جعل تأليفي حقيقة بين الشي‏ء و لوازمه، بل عرضاً (2) بتبع [يتبع‏] جعله (3) بسيطاً.

و الجعل بهذا المعنى هو محل الكلام، و قد منعه المصنف في القطع بوجهين سيأتي بيانهما.

و بالجملة: فمرجع البحث في الحقيقة إلى أن هذا المحمول- أعني وجوب العمل على وفق القطع- هل هو بيّن الثبوت لموضوعه- أعني نفس القطع- أم لا، فعلى الأول يمتنع الجعل، و على الثاني لا يمتنع.

(1) هذا هو الوجه الأول، و حاصله: أن الجعل التأليفي يتصور في المحمولات المفارقة ليستند ثبوتها لموضوعاتها إلى الجعل كالعالم و العادل المحمولين على زيد مثلا.

و أما المحمولات التي هي من لوازم موضوعاتها و لا تنفك عنها، بل هي ضرورية الثبوت لها، فلا تقبل الجعل أصلا كالزوجية للأربعة، حيث انها مجعولة بجعل نفس الأربعة، و لا يعقل جعلها لها لا تكويناً و لا تشريعاً، لا إثباتاً و لا نفياً، لأن الغرض منه هو إيجاد محمول لموضوع بحيث يستند وجود المحمول له إلى الجعل، و هذا الغرض حاصل بدونه، فيصير لغواً، لعدم تأثيره في وجود المحمول للموضوع لا حدوثاً و لا بقاء و يلزم الخلف أيضا، إذ المفروض كون الحجية من اللوازم التي لا تنفك عن القطع، و من المعلوم أن مورد الجعل التأليفي هو المحمولات القابلة للانفكاك عن موضوعاتها، فيلزم الخلف من جعل الحجية له.

(2) معطوف على «حقيقة» يعني: أن جعل اللازم لا يكون بنحو الحقيقة بل يكون بالعرض و المجاز و بتبع جعل ملزومه، لأن الجعل الحقيقي قائم بنفس الملزوم.

(3) أي: جعل الشي‏ء الملزوم بسيطاً أي إيجاده بمفاد «كان» التامة.

28

و بذلك (1) [و لذلك‏] انقدح امتناع المنع عن تأثيره (2) أيضا (3). مع (4) أنه يلزم منه اجتماع الضدين اعتقاداً مطلقاً (5) و حقيقة (6) في صورة الإصابة كما لا يخفى‏

(1) يعني: و بامتناع الجعل التأليفي بين الشي‏ء و لوازمه ظهر امتناع سلب الحجية عن القطع كامتناع إثباتها له، لأنه بعد فرض كون المحمول- أعني الحجية- من لوازم الموضوع- و هو القطع- فكما لا يمكن إثبات الحجية له بالجعل كذلك لا يمكن نفيها عنه، و إلّا لزم أن لا تكون من لوازم ذات القطع، و هذا خلاف الفرض.

(2) يعني: عن تأثير القطع في وجوب العمل على وفقه.

(3) يعني: كامتناع جعل تأثيره في وجوب العمل على وفقه، و هذا إشارة إلى اشتراك امتناع سلب الحجية عنه مع امتناع جعلها له، و قد مر توضيحه بقولنا: «و بامتناع الجعل التأليفي ... إلخ».

(4) هذا ثاني الوجهين المستدل بهما على امتناع جعل الحجية للقطع و سلبها عنه، و حاصله: أن نفي الحجية عنه مستلزم لاجتماع الضدين اعتقاداً- أي:

بحسب اعتقاد القاطع- لا واقعاً، و ذلك لأنه إذا تعلق قطعه بحرمة شرب ماء الشعير مثلا مع فرض حليته واقعاً، فمقتضى هذا القطع حرمة شربه، و إذا ردع الشارع عن حجيته كان مقتضى ردعه جواز شربه، و من المعلوم أن الحرمة و الجواز متضادان، و كيف يمكن صدورهما من الشارع؟ (5) إشارة إلى صورتي إصابة القطع و خطائه.

(6) أي: واقعاً، و هو معطوف على «اعتقاداً» يعني: و يلزم اجتماع الضدين حقيقة في صورة إصابة القطع، كما إذا قطع بحرمة شرب الخمر مع فرض حرمته واقعاً، فإذا نهى الشارع عن متابعة قطعه هذا لزم اجتماع الضدين واقعاً

29

ثم لا يذهب عليك (1) أن التكليف ما لم يبلغ مرتبة البعث و الزجر

و اعتقاداً.

فالمتحصل: أن امتناع سلب الحجية عن القطع مستند إلى وجهين:

الأول: امتناع انفكاك اللازم عن ملزومه.

الثاني: لزوم اجتماع الضدين من نفي الحجية عنه اعتقاداً مطلقاً، و حقيقة في صورة الإصابة.

و قد ظهر من مجموع كلمات المصنف (قده) أن القطع علة تامة للحجية لا مقتض لها، و قد أثبت الأول بما أفاده من أن الحجية من لوازم ذات القطع، و أبطل الثاني بما ذكره هنا من استحالة الردع عن حجيته حتى يكون اعتباره موقوفاً على عدم المانع و هو الردع.

(1) غرضه توضيح ما أفاده إجمالا في ثاني الوجهين من وجوه العدول عن تثليث الشيخ إلى تثنية التقسيم بقوله: «و خصصنا بالفعلي».

و حاصله: أن المصنف صرح في حاشية الرسائل في أول مباحث الظن و في فوائده المطبوعة مع الحاشية بأن للحكم مراتب أربع: الأولى: الاقتضاء.

الثانية: الإنشاء. الثالثة: الفعلية. الرابعة: التنجز. و المراد بالاقتضاء شأنية الحكم للوجود بمعنى وجود ملاك يقتضي إنشاء الحكم له، كمعراج المؤمن، فانه يقتضي إنشاء الشارع وجوب الصلاة لاستيفاء ذلك الملاك. و المراد بالإنشاء جعل الحكم مجرداً عن البعث و الزجر، بأن تجاوز عن مرتبة الاقتضاء و بلغ هذه المرتبة، فالحكم موجود إنشاء و قانوناً من دون بعث للمولى أو زجر فعلا، كأكثر أحكام الشرع مما لم يؤمر الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم بتبليغه، لعدم استعداد المكلفين لها، و كأحكام الدول و قوانينها الكلية التي ينشئها من بيده تأسيس القوانين من دون بعث و لا زجر إلّا بعد حين، كما لا يخفى. و المراد

30

لم يصر فعلياً، و ما لم يصر فعلياً لم يكد يبلغ مرتبة التنجز [1] و استحقاق (1)

بالفعلية بعث المولى و زجره، بأن يقول: «افعل» أو «لا تفعل» مع عدم وصوله إلى المكلف بحجة معتبرة من علم أو علمي، فلا توجب مخالفته حينئذ ذماً و لا عقاباً.

و المراد بالتنجز وصول هذا الحكم- البالغ مرتبة البعث أو الزجر- إلى العبد بالحجة الذاتيّة أو المجعولة، فتكون مخالفته حينئذ موجبة لاستحقاق العقوبة.

إذا عرفت هذه المراتب الأربع، فاعلم: أن وجوب العمل بالقطع عقلا، و قضاء الضرورة و الوجدان باستحقاق العقوبة على مخالفته، و المثوبة على موافقته انما هو فيما إذا تعلق القطع بالمرتبة الثالثة و هي البعث و الزجر ليكون الحكم منجزاً بسبب وصوله إلى العبد بالقطع به، فلو لم يتعلق القطع بهذه المرتبة بل تعلق بما قبلها من الاقتضاء و الإنشاء لم يكن هذا القطع موضوعاً للحجية في نظر العقل، لعدم صدق الإطاعة و العصيان على موافقته و مخالفته. و على هذا، فالقطع لا يكون موضوعاً للأثرين المذكورين في المتن- أعني وجوب العمل على طبقه و كونه موجباً للتنجز- إلّا إذا تعلق بمرتبته الفعلية. فقد ظهر من جميع ما ذكرنا: وجه تقييد المصنف الحكم بالفعلي في قوله: «إذا التفت إلى حكم فعلي واقعي أو ظاهري ...».

(1) معطوف على «التنجز».

____________

[1] لا يخفى ما في جعل التنجز من مراتب الحكم من الغموض، حيث ان الحكم هو المجعول التشريعي في قبال المجعول التكويني، و من المعلوم أن التنجز- و هو وصول ذلك المجعول الشرعي بحجة من علم أو علمي إلى المكلف- أجنبي عن هوية الحكم، نظير العلم بسواد جسم. مضافاً إلى تأخر التنجز عنه، لعروضه عليه، فلا يكون من مراتب الحكم، كعدم كون العلم بالسواد من مراتب السواد.

31

العقوبة على المخالفة و ان كان ربما يوجب موافقته استحقاق المثوبة (1) و ذلك لأن (2) الحكم ما لم يبلغ تلك المرتبة لم يكن حقيقة بأمر و لا نهي، و لا مخالفته (3) عن عمد بعصيان، بل كان (4) مما سكت اللّه عنه كما

(1) حيث ان هذه المثوبة مترتبة على مجرد الانقياد و التخضع للمولى، لا على نفس الفعل حتى يكون من الإطاعة الحقيقية التي هي عبارة عن موافقة الحكم الفعلي، فاستحقاق المثوبة يفترق عن استحقاق العقوبة في أن موافقة الحكم غير الفعلي توجب استحقاق المثوبة، لكن مخالفته لا توجب استحقاق العقوبة.

و بعبارة أخرى: ينشأ استحقاق المثوبة من المرتبة الثالثة، و استحقاق العقوبة من المرتبة الرابعة.

(2) تعليل لاختصاص حجية القطع بما إذا تعلق بالحكم الفعلي كما مر بيانه، و المراد ب «تلك المرتبة» مرتبة الفعلية.

(3) هذا الضمير و الضمير المستتر في «يكن» راجعان إلى الحكم.

(4) أي: بل كان الحكم غير الفعلي مما سكت اللّه عنه.

____________

و الحاصل: أن التنجز من عوارض الحكم الّذي هو فعل اختياري للشارع و ليس من مراتبه، كالسواد الضعيف الّذي هو من مراتب السواد.

و كذا الحال في الاقتضاء، فانه ليس من مراتب المجعول التشريعي، بل المقتضي للحكم- و هو الملاك- من الأمور الخارجية الأجنبية عن المجعولات الاعتبارية التشريعية.

و عليه فليس للحكم الا مرتبتان: الإنشاء و الفعلية بمعنى البعث و الزجر، لأنهما من أفعال الشارع، دون الاقتضاء و التنجز اللذين هما أجنبيان عن الفعل التشريعي للشارع.

32

في الخبر (1)، فلاحظ و تدبر.

نعم (2) في كونه بهذه المرتبة (3) مورداً للوظائف المقررة شرعاً للجاهل إشكال لزوم اجتماع الضدين (4)

(1) المروي عن مولانا أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلين: «ان اللّه حد حدوداً فلا تعتدوها، و فرض فرائض فلا تعصوها فسكت عن أشياء لم يسكت عنها نسياناً، فلا تتكلفوها رحمة من اللّه بكم» (1).

(2) حاصل هذا الاستدراك: أنه لا مانع من اختصاص الحكم بالفعلي و عدم كون غيره من مرتبتي الاقتضاء و الإنشاء أمراً و لا نهياً إلّا ما يلزم من جعله مورداً للأصول العملية من إشكال اجتماع المثلين أو الضدين. توضيحه: أن الحكم الواقعي في مواردها مع فعليته و عدم تنجزه- لعدم قيام حجة عليه- ان كان مطابقاً لما يقتضيه الأصل كما إذا فرض أن شرب التتن حلال واقعاً و اقتضى الأصل العملي- و هو أصالة البراءة- حليته ظاهراً أيضا لزم اجتماع الحكمين الفعليين المثلين في موضوع واحد، و من المعلوم استحالة اجتماع المثلين كالضدين.

و ان كان مخالفاً لما يقتضيه الأصل كما إذا فرض حرمة اللقلق واقعاً و حليته ظاهراً بمقتضى أصالة الحل لزم اجتماع الضدين و هما الحرمة الواقعية و الحلية الظاهرية، و سيأتي التعرض لهذا الإشكال مع جوابه في الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري إن شاء اللّه تعالى.

(3) أي: المرتبة الفعلية، و ضمير «كونه» راجع إلى الحكم.

(4) كما إذا اقتضى الأصل طهارة الكتابي و حلية ذبيحته مع فرض نجاسته و حرمة ذبيحته واقعاً.

____________

(1) الوسائل، كتاب القضاء، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 16.

33

أو المثلين (1) على ما يأتي تفصيله إن شاء اللّه تعالى مع ما هو التحقيق في دفعه في التوفيق بين الحكم الواقعي و الظاهري، فانتظر.

الأمر الثاني (2)

[1]

قد عرفت أنه لا شبهة في أن القطع يوجب‏

(1) كما إذا اقتضى أصالة الاشتغال وجوب السورة في الصلاة- بناء على مرجعيتها في الأقل و الأكثر الارتباطيين- مع وجوبها واقعاً أيضا.

التجري (2) الغرض من عقد هذا الأمر التعرض لأمرين: الأول: حكم مخالفة القطع غير المصيب و أنها هل توجب استحقاق العقوبة أم لا؟ و هذا هو المسمى بالتجري.

الثاني: حكم موافقة القطع غير المصيب، و أنها هل توجب استحقاق المثوبة أم لا؟ و هو المسمى بالانقياد. و لعل وجه تسمية هذا البحث بالتجري لا الانقياد هو سهولة الأمر في ترتب الثواب على الانقياد، دون استحقاق العقوبة على التجري، حيث انه محل الكلام و النقض و الإبرام.

ثم ان المصنف تعرض في البحث عن التجري لجهات ثلاث الأولى:

كلامية و الثانية: أصولية و الثالثة: فقهية، و لما كان أقرب هذه الجهات عنده الجهة الكلامية جعلها عنوان البحث، و قال: «فهل يوجب استحقاق العقوبة في صورة عدم الإصابة»، يعني: أنه إذا قطع بحرمة فعل أو بوجوبه، فهل يوجب قطعه- في صورة عدم الإصابة- استحقاق العقوبة على التجري بمخالفته كما يستحقها عند إصابة قطعه للواقع، و كذا هل يوجب قطعه استحقاق المثوبة على الانقياد بموافقته كما يستحقها عند موافقة القطع المصيب للواقع أم لا يوجب هنا شيئاً؟ و أما الجهتان الأخريان فسيأتي منه التعرض لهما.

____________

[1] لا يخفى أن هذا البحث المسمى بالتجري و ان ذكر في مباحث القطع لكنه لا يختص به بل يعم مخالفة كل ما يجب متابعته بنظر العبد سواء كان علماً

34

..........

..........

____________

بقسميه من التفصيليّ و الإجمالي، كما إذا علم إجمالا بخمرية أحد إناءين و خالف علمه و شرب أحدهما أو كليهما ثم انكشف عدم خمريتهما. أم أمارة غير علمية كالبينة، أم أصلا عملياً، فإذا قامت بينة على خمرية مائع، أو جرى فيها الاستصحاب كما إذا علم بخمريته و شك في انقلابه خلا، فلو خالف البينة أو الاستصحاب و شربه ثم تبين عدم خمريته كان متجرياً.

بل يجري التجري أيضا في مخالفة الاحتمال المنجز للتكليف كارتكاب الشبهات البدوية قبل الفحص عن الأدلة، ضرورة أن مناط التجري- و هو مخالفة ما يراه حجة بلا عذر شرعي- موجود في الجميع بناء على ما هو الحق من حجية الأمارات و الطرق الشرعية من باب الطريقية لا السببية، إذ على هذا المبنى الصحيح لا يكون مؤدى الطريق حكماً في قبال الحكم الواقعي بل هو نفس الواقع مع الإصابة و معذر في ترك الواقع مع الخطأ.

نعم بناء على حجيتها من باب السببية يكون المؤدى حكماً، فمخالفة الأمارة المؤدية إليه عصيان حقيقة و خارج عن عنوان التجري، و تخلف الأمارة حينئذ عن الواقع ليس من انكشاف الخلاف كما هو كذلك بناء على الطريقية بل من باب تبدل الموضوع كتبدل المسافر بالحاضر. و كذا الحال في الأصول العملية، فانها وظائف مقررة للجاهل من حيث كونه جاهلا بالواقع، و الأصول قررت له ما دام جاهلا تسهيلا لوظيفته و علاجاً لحيرته حتى ينكشف له الواقع، فالأصول معذرة للشاك، لا أنها أحكام مجعولة في قبال الواقع بحيث يكون الشاك و العالم موضوعين لحكمين كسائر الموضوعات نظير الفقير و الغني. و سيأتي في الأصول العملية مزيد توضيح لذلك إن شاء اللّه تعالى.

35

استحقاق العقوبة (1) على المخالفة و المثوبة (2) على الموافقة في صورة الإصابة (3) فهل يوجب استحقاقها (4) في صورة عدم الإصابة على التجري (5) بمخالفته و استحقاق المثوبة على الانقياد بموافقته أو لا يوجب شيئاً؟

الحق أنه (6) يوجبه،

(1) حيث قال في الأمر الأول: «... باستحقاق الذم و العقاب على مخالفته».

(2) حيث قال: «و ان كان ربما يوجب موافقته استحقاق المثوبة» فانه يفهم منه ترتب استحقاق الثواب على القطع بالحكم الفعلي بالأولوية القطعية من استحقاقه على القطع بالحكم الإنشائي.

(3) أي: إصابة القطع للواقع.

(4) أي: استحقاق العقوبة.

(5) متعلق ب «استحقاقها» يعني: فهل يوجب القطع غير المصيب استحقاق العقوبة على التجري بمخالفته أم لا؟ و ضميرا «بمخالفته، بموافقته» راجعان إلى القطع.

(6) أي: أن القطع يوجب الاستحقاق. و محصل ما أفاده المصنف: أنه لا فرق في استحقاق العقوبة عقلا على مخالفة القطع بين اصابته و خطائه، و أن عصيان المولى و التجري الّذي هو قصد مخالفته يرتضعان من ثدي واحد، لكون المناط فيهما- و هو هتك حرمة المولى و العزم على عصيانه و الخروج عن رسوم عبوديته- واحداً، ضرورة أن مجرد ترك الواقع لا يوجب ذماً و لا

____________

ثم ان تعرضهم لمبحث التجري في أحكام القطع اما لأنه أجلى الحجج و أقواها، و اما لعدم تسلم حجية الأمارات غير العلمية من باب الطريقية، للقول بكون حجيتها من باب السببية، فمخالفتها حينئذ عصيان لا تجرّ.

36

..........

عقوبة ما لم يكن عن إرادة العصيان و الطغيان على المولى، و لذا لا عقاب قطعاً على ترك الواقع في الشبهات البدوية المستند إلى ترخيص الشارع.

و لأجل أن يتضح استحقاق المتجري للعقاب نقول: ان للفعل الخارجي نظير شرب الخمر عناوين ثلاثة، و لا بد من ملاحظتها حتى يظهر أن استحقاق العقوبة مترتب على أي واحد منها.

الأول: عنوان الشرب من حيث هو شرب بلا إضافته إلى شي‏ء.

الثاني: كون هذا الشرب مضافاً إلى الخمر بحيث يصح أن يحمل عليه بالحمل الشائع عنوان شرب الخمر الّذي هو مبغوض المولى.

الثالث: كونه مخالفة لما نهاه الشارع عنه بعد تنجزه عليه. و من المعلوم أن مناط استحقاق العقاب ليس هو الأول، و لا الثاني. أما الأول، فلان استحقاقه لو كان لصدق عنوان الشرب- المجرد عن الإضافة إلى مائع خاص- للزم استحقاقه على شرب كل مائع، لصدق عنوان الشرب بما هو شرب على تناول كل مائع، و هو بديهي الفساد. و أما الثاني، فلأنه لو كان الموجب لاستحقاق العقاب مجرد عنوان شرب الخمر للزم استحقاقه على شربه حالة الجهل به أو الغفلة عنه كاستحقاقه على الشرب حال العلم و الالتفات، لصدق عنوان شرب الخمر في الجميع، مع أنه ليس كذلك قطعاً. فتعين أن يكون المناط في استحقاق العقاب هو العنوان الثالث- أي شرب الخمر المعلوم تعلق النهي به- إذ به يصير العبد خارجاً عن رسوم العبودية و يكون بصدد الطغيان على مولاه، و من المعلوم أن هذا المناط موجود في حق المتجري كوجوده في حق العاصي، فان المتجري أيضا في مقام الطغيان على مولاه و هتك حرمته لفرض اعتقاده جزماً بأن ما يشربه هو الخمر المبغوض للمولى و ان صادف كونه خلا أو ماء، فلا بد من القول باستحقاقه للعقاب، لاشتراكه مع العاصي فيما هو الملاك‏

37

لشهادة الوجدان بصحة مؤاخذته (1) و ذمه على تجريه و هتك حرمته لمولاه [1] و خروجه عن رسوم عبوديته، و كونه بصدد الطغيان و عزمه على العصيان، و صحة مثوبته (2) و مدحه على إقامته بما هو قضية عبوديته من العزم (3) على موافقته و البناء على إطاعته و ان قلنا بأنه لا يستحق مؤاخذة [مؤاخذته‏] أو مثوبة [مثوبته‏] ما لم يعزم (4) [2]،

لاستحقاق العقوبة.

هذا بالنسبة إلى التجري، و يجري الكلام بعينه في الانقياد، فان المناط في استحقاق المثوبة في صورتي الإطاعة و الانقياد- و هو العزم على موافقة المولى بامتثال أوامره و نواهيه- موجود في كليهما.

(1) الضمائر من هنا إلى قوله: «و ان قلنا بأنه» راجعة إلى القاطع المستفاد من العبارة.

(2) معطوف على «صحة مؤاخذته» يعني: أن الوجدان يشهد بوحدة مناط استحقاق العقوبة في المعصية الحقيقية و الحكمية، و وحدة مناط استحقاق المثوبة في الإطاعة الحقيقية و الحكمية من دون تفاوت بينهما أصلا.

(3) بيان للموصول في «بما هو قضية».

(4) هذا تعريض بما أفاده شيخنا الأعظم (قده) حيث قال في الجواب‏

____________

[1] الصواب أن تكون العبارة هكذا: «و هتكه لحرمة مولاه» أي: و هتك العبد لحرمة مولاه، لأن الحرمة للمولى لا للعبد. كما أن الصواب أيضا في قوله:

«على إقامته» أن يقال: «على قيامه بما هو قضية ...» أو «على إقامته على ما هو ...».

[2] بل لا يستحقهما و لو مع العزم على الجري على مقتضى سوء سريرته‏

38

..........

عن دليل المحقق السبزواري (قده) ما لفظه: «فالظاهر أن العقل انما يحكم بتساويهما في استحقاق المذمة من حيث شقاوة الفاعل و خبث سريرته مع المولى، لا في استحقاق المذمة على الفعل المقطوع بكونه معصية».

____________

لأن المناط في استحقاق العقوبة بنظر العقل هو الطغيان و التمرد و الخروج عن زي العبودية و رسومها، لكونها من مصاديق الظلم على المولى، و من المعلوم عدم صدقه على مجرد قصدهما. كما أن من المعلوم كون قبح التجري ذاتياً، لأنه ظلم، و ليس بالوجوه و الاعتبار كما عليه الفصول. كما أن من المعلوم أيضا وحدة مناط استحقاق العقوبة في العاصي و المتجري و هو هتك المولى و الطغيان عليه، فلا تعدد لمناطه في العاصي حتى يلتزم لأجله بتداخل العقابين كما عليه الفصول أيضا، لأن الظلم الّذي هو قبيح عقلا و مناط لحكمه باستحقاق العقوبة قطعاً لا ينطبق إلّا على ما إذا تلبس بالفعل المتجري به. و به يظهر غموض ما في المتن من ترتب الاستحقاق على مجرد القصد المزبور، لعدم كونه ظلماً على المولى و تضييعاً لحقه و ان كان مستحقاً للذم على ذلك القصد.

كما يظهر أيضا غموض ما أفاده بعض الأعاظم (قده) من قوله: «فعدم الاعتناء يكون عدم الاعتناء بالحجة لا بهما، فيكون جرأة من العبد على مولاه فيكشف عن سوء سريرته و خبث طينته، لا أنه خالف مولاه و عصاه، إذ المفروض أنه ليس في البين شي‏ء من قبل المولى كي يصدق عليها المخالفة» إذ لم يثبت كون المخالفة من حيث هي مناطاً لاستحقاق العقوبة، بل سببية المخالفة له انما هي لكونها مصداقاً للتمرد على المولى و لهتك حرمته، و لذا لو خالف الحكم غير المنجز عليه كما في الشبهات البدوية بعد الفحص لم يستحق العقوبة مع صدق‏

39

..........

و حاصله: أن المتجري الّذي يخالف قطعه لا يستحق إلّا المذمة و اللوم على المنكشف و هو سوء السريرة و خبث الباطن، و أما نفس الفعل فلا يترتب عليه شي‏ء أصلا. و هذا بخلاف ما عليه المصنف، فانه (قده) و ان التزم باستحقاق المذمة على سوء السريرة و لكن ذلك منوط بعدم العزم عليه، و أما إذا عزم على مخالفة قطعه فيترتب عليه استحقاق العقوبة، لأنه عازم على الطغيان على مولاه و هو مما يستقل العقل بقبحه.

و قد أوضح ذلك في حاشيته على الرسائل، فقال: «و بالجملة: صفتا التجري و الانقياد ما دامتا كامنتين في العبد و لم يصِر بصدد إظهارهما و ترتيب الأثر عليهما لم يستحق الا اللوم و المدح كسائر الصفات الذميمة و الأخلاق الحسنة، و إذا صار بصدد الإظهار استحق- مضافاً إلى ذلك- العقوبة و المثوبة على أول مقدمة اختيارية من المقدمات التي يفعلها القلب و يتوقف عليها صدور الأفعال بالاختيار ...».

و الحاصل: أن في التجري مراحل ثلاث: الأولى: سوء السريرة. الثانية:

العزم على الجري على مقتضاها. الثالثة: التلبس بالفعل، و لا إشكال في استحقاق اللوم و المذمة على المرحلة الأولى، انما الخلاف في المرحلتين الأخيرتين، فان الشيخ الأعظم ينكر استحقاق المذمة على الفعل فضلا عن استحقاق العقوبة،

____________

المخالفة قطعاً، و عليه، فالمخالفة بنفسها لا تستلزم استحقاق العقوبة ما لم ينطبق عليها عنوان هتك حرمة المولى و التمرد عليه، و لا ريب في كون عدم الاعتناء بالحجة طغياناً على المولى و خروجاً عن رسوم العبودية، إذ لا موضوعية للحجة، و انما هي طريق لإحراز مرامه، فمخالفة الحجة مصداق الهتك و الطغيان و ان لم تكن عصياناً مصطلحاً.

40

على المخالفة أو الموافقة بمجرد (1) سوء سريرته أو حسنها و ان كان‏

و أما الماتن فقد التزم باستحقاق العقوبة على خصوص العزم على الفعل [1] كما تقدم في عبارته المنقولة من حاشية الرسائل من أن العزم أول مقدمة اختيارية من أفعال القلب و التي يتوقف عليها صدور الفعل الاختياري، و أن إظهار المخالفة يتحقق بهذا العزم.

(1) متعلق بقوله: «لا يستحق مؤاخذة» يعني: أن مجرد سوء السريرة و حسنها لا يوجبان استحقاق الثواب و العقاب و ان أوجبا اللوم و المدح بسبب الآثار المترتبة عليهما من العزم على المخالفة و الموافقة، بل الموجب لاستحقاق الثواب و العقاب هو العزم المزبور.

____________

[1] و بهذا العزم يستحق المثوبة على الانقياد أيضا فهو و التجري يرتضعان من لبن واحد، و لا بد من الالتزام باستحقاق الثواب عليه، و لذا أورد في حاشية الرسائل على ما أفاده شيخنا الأعظم في رابع تنبيهات البراءة حيث فرق بين الانقياد و التجري بقوله: «و لا يلزم من تسليم استحقاق الثواب على الانقياد بفعل الاحتياط استحقاق العقاب بترك الاحتياط و التجري في الإقدام على ما يحتمل كونه مبغوضاً» قال المصنف معلقاً على ذلك ما لفظه: «لا يخفى أن الظاهر بل المقطوع أن التجري و الانقياد كالإطاعة و العصيان توأمان يرتضعان بلبن واحد، فان كان الانقياد موجباً لاستحقاق الثواب فليكن التجري موجباً لاستحقاق العقاب.

نعم صحة التفضل بالثواب دون العقاب ربما يوجب تخيل التفاوت بينهما، و هو فاسد، لأن الكلام في الاستحقاق دون التفضل، و التفاوت بينهما بحسب أحدهما لا يستلزم التفاوت بينهما بحسب الآخر».

41

مستحقاً للوم [للذم‏] أو المدح بما يستتبعانه (1) كسائر الصفات و الأخلاق الذميمة أو الحسنة.

و بالجملة (2): ما دامت فيه صفة كامنة لا يستحق بها الا مدحاً أو لوماً [أو ذماً] و انما يستحق الجزاء بالمثوبة أو العقوبة مضافاً إلى أحدهما (3) إذا صار بصدد الجري على طبقها و العمل على وفقها (4) و جزم و عزم (5)، و ذلك (6) لعدم صحة مؤاخذته بمجرد سوء سريرته من‏

(1) الضمير راجع إلى «ما» الموصول المقصود به العزم على الموافقة أو المخالفة، و مرجع ضمير الاثنين هو سوء السريرة أو حسنها و الباء للسببية، يعني: أن سبب اللوم و المدح ليس نفس هاتين الصفتين، بل ما يترتب عليهما من العزم على المخالفة و تمرد المولى، و العزم على الموافقة و الانقياد للمولى.

(2) هذا حاصل ما أفاده آنفاً من عدم ترتب المثوبة أو العقوبة على مجرد سوء السريرة أو حسنها.

(3) أي: الذم و المدح. و قوله: «مضافاً» حال من الجزاء بالمثوبة أو العقوبة.

(4) هذا الضمير و ضمير «طبقها» راجعان إلى الصفة الكامنة.

(5) هما من مقدمات الإرادة، و الجزم حكم القلب بأنه ينبغي صدور الفعل بدفع الموانع، و العزم هو الميل السابق على الشوق المؤكد، فالعزم مترتب على الجزم، كما أن الجزم مترتب على التصديق بغاية الفعل، و التصديق بالغاية مترتب على العلم بها، و سيأتي مزيد توضيح لهذه الأمور إن شاء اللّه تعالى.

(6) تعليل لعدم صحة المؤاخذة بمجرد سوء السريرة و صحتها مع العزم على المخالفة، و حاصله: أن الوجدان الّذي هو الحاكم في باب الإطاعة و العصيان‏

42

دون ذلك (1) و حسنها [و حسنه‏] معه، كما يشهد به (2) مراجعة الوجدان الحاكم بالاستقلال في مثل باب الإطاعة و العصيان، و ما يستتبعان من (3) استحقاق النيران أو الجنان و لكن ذلك (4) مع بقاء الفعل المتجري به أو المنقاد به على ما هو عليه من الحسن أو القبح أو الوجوب [و الوجوب‏]

و توابعهما يشهد بصحة المؤاخذة على العزم على المخالفة، و عدم صحتها على مجرد سوء السريرة.

(1) أي: من دون العزم، و حسن المؤاخذة مع العزم، و ضميرا «مؤاخذته سريرته» راجعان إلى العبد.

(2) أي: بعدم صحة المؤاخذة إلّا مع العزم.

(3) بيان للموصول في «و ما يستتبعان» فان استحقاق النيران و الجنان مترتب على العصيان و الإطاعة، و هذه الأحكام كلها عقلية كما ثبت في محله.

(4) يعني: ما ذكرنا من عدم صحة المؤاخذة إلّا مع العزم يكون مع بقاء الفعل المتجري به ... إلخ، و هذا إشارة إلى الجهة الثانية في جهات البحث في التجري أعني الجهة الأصولية، و هي أن القطع بوجوب فعل أو حرمته هل يوجب حدوث مصلحة أو مفسدة فيه تقتضي وجوبه أو حرمته شرعاً أم لا؟ و حاصل ما أفاده المصنف أن الفعل المتجري به باقٍ على ما كان عليه واقعاً من المحبوبية أو المبغوضية، و لا يتغير عنه بسبب تعلق القطع به، فلا يحدث فيه عنوان المحبوبية أو المبغوضية بتعلقه به، و ليس كالضرر و الاضطرار من العناوين المغيرة للأحكام الأولية و عليه، فلا يصير شرب الماء مبغوضاً للشارع بسبب تعلق قطع العبد بخمريته، كما لا يصير قتل ولد المولى محبوباً له بسبب تعلق علم العبد بكونه عدواً للمولى و هكذا.

43

أو الحرمة (1) واقعاً بلا حدوث (2) تفاوت فيه بسبب تعلق القطع بغير ما هو عليه من الحكم (3) و الصفة (4)، و لا يغير (5) حسنه أو قبحه بجهة أصلا،

(1) هذا إشارة إلى الجهة الفقهية التي هي ثالثة جهات البحث عن التجري، و حاصل ما أفاده المصنف (قده) فيها: أن تعلق القطع بالمحبوبية أو المبغوضية لا يوجب اتصاف الفعل بالوجوب أو الحرمة، فالقطع بهما لا يؤثر في صفة الفعل المتجري به واقعاً من الحسن أو القبح، و لا في حكمه الشرعي من الوجوب أو الحرمة، و كذا القطع بالحكم كوجوب شي‏ء مثلا، فانه لا يؤثر في حكمه الواقعي.

و اعلم: أن المصنف استظهر من كلام شيخنا الأعظم في الرد على قبح التجري أن النزاع بحسبه في المسألة الفرعية، قال في حاشية الرسائل: «و يمكن أن يكون- أي النزاع- بالنظر إلى أنه بهذا العنوان هل يحكم عليه بالوجوب و الحرمة شرعاً، فيكون مسألة فرعية كما جعله (قده) هكذا على ما هو صريح كلامه- أي الشيخ-: و الحاصل: أن الكلام في كون هذا الفعل غير المنهي عنه واقعاً مبغوضاً للمولى من حيث تعلق اعتقاد المكلف بكونه مبغوضاً».

(2) تفسير لقوله: «مع بقاء الفعل المتجري به ...» و قوله: «بسبب» متعلق ب «حدوث» و ضمائر «قبحه، حسنه، فيه» راجعة إلى الفعل المتجري به أو المنقاد به.

(3) كما إذا قطع بحرمة شرب ماء الثلج مثلا مع كونه مباحاً واقعاً.

(4) كالقطع بمحبوبية شي‏ء مع عدم كونه كذلك واقعاً.

(5) يعني: و لا يغير تعلق القطع بغير ما عليه الفعل المتجري به من الحكم و الصفة حسن الفعل المتجري به أو قبحه أصلا.

44

ضرورة (1) أن القطع بالحسن أو القبح لا يكون من الوجوه و الاعتبارات التي بها يكون (2) الحسن و القبح عقلا، و لا ملاكاً (3) للمحبوبية و المبغوضية شرعاً، ضرورة (4) عدم تغير الفعل عما هو عليه من المبغوضية و المحبوبية للمولى بسبب قطع العبد بكونه محبوباً أو مبغوضاً له،

(1) هذا برهان لما ادعاه من عدم كون القطع مغيِّراً لحسن الفعل و قبحه، و لا لحكمه من الوجوب أو الحرمة أو غيرهما، و حاصل ما أفاده يرجع إلى وجهين:

أحدهما: حكم الوجدان بعدم تأثير القطع في الحسن أو القبح و الوجوب أو الحرمة، إذ ليس القطع من الوجوه و الاعتبارات الموجبة للحسن أو القبح عقلا، و عدم كونه ملاكاً للمحبوبية و المبغوضية شرعاً ليغير الحكم الواقعي بسبب تعلق القطع بخلافه. و أما حكم الوجدان بذلك فلما نجده من قبح قتل ابن المولى و ان قطع العبد بكونه عدواً له، و حسن قتل عدوه و ان قطع العبد بأنه صديقه.

(2) يعني: يثبت الحسن و القبح ف «يكون» هنا تامة.

(3) معطوف على محل قوله: «من الوجوه» يعني: أن القطع بالحسن أو القبح لا يكون ملاكاً للمحبوبية و المبغوضية شرعاً.

(4) هذا برهان إنّي على عدم كون القطع بالحسن أو القبح من الوجوه و الاعتبارات المحسنة و المقبحة عقلا و عدم كونه ملاكاً للمحبوبية و المبغوضية شرعاً. توضيحه: أن تغير الفعل المتجري به عما هو عليه واقعاً معلول لتعلق القطع به، فعدم تغيره مع تعلق القطع به- كما هو المفروض- يكشف إنّاً عن عدم كون القطع من تلك الوجوه و الاعتبارات، و عن عدم ملاكيته للمحبوبية و المبغوضية.

45

فقتل (1) ابن المولى لا يكاد يخرج عن كونه مبغوضاً له و لو اعتقد العبد بأنه عدوه، و كذا قتل عدوه مع القطع بأنه ابنه لا يخرج عن كونه محبوباً أبداً، هذا. مع أن (2) الفعل المتجري به أو المنقاد به بما هو

(1) هذا مزيد بيان لعدم كون القطع من العناوين المحسنة و المقبحة.

(2) هذا ثاني الوجهين، و حاصله: أنه لو سلمنا كون عنوان «مقطوع المبغوضية» من العناوين المغيرة للواقع و موجباً للقبح، لكنه في خصوص المقام لا يصلح لتغيير الواقع، و ذلك لأن اتصاف فعل بالحسن أو القبح الفعليين منوط بالاختيار- و ان لم يكن اتصافه بالحسن أو القبح الاقتضائيين منوطاً به- فان الحسن و القبح من الأحكام العقلية المترتبة على العناوين و الأفعال الاختيارية، و هذا الشرط- و هو الاختيار- مفقود هنا، إذ العنوان الّذي يتوهم كونه مقبحاً هو القطع بالحكم كالحرمة أو الوجوب، أو بالصفة كالقطع بخمرية مائع، و من المعلوم أن القاطع لا يقصد ارتكاب الفعل الا بعنوانه الواقعي، لا بعنوان كونه مقطوعاً به، فإذا قطع بخمرية مائع و شربه فقد قصد شرب الخمر و لم يقصد شرب مقطوع الخمرية، و مع انتفاء هذا القصد الكاشف عن عدم الاختيار لا يتصف هذا الشرب بالقبح، لانتفاء مناط القبح فيه و هو قصد شرب معلوم الخمرية. بل يمكن أن يقال: بانتفاء الالتفات إلى هذا العنوان الطارئ- أعني معلوم الخمرية- بعد وضوح كون القطع كالمرآة طريقاً محضاً إلى متعلقه، و مع عدم الالتفات إلى هذا العنوان يستحيل القصد إليه، و مع امتناعه لا يتصور القصد المقوم للاختيار.

و بالجملة: فلا يصلح عنوان «مقطوع المبغوضية» لأن يكون موجباً لقبح الفعل، لكونه غير اختياري للفاعل المتجري على كل حال، اما للغفلة عن عنوان المقطوعية، و اما لعدم تعلق غرض عقلائي بقصد عنوان المقطوعية.

46

مقطوع الحرمة أو الوجوب لا يكون اختيارياً، فان (1) القاطع لا يقصده إلّا بما قطع أنه عليه من عنوانه الواقعي الاستقلالي (2) لا بعنوانه الطاري الآلي (3)، بل (4) لا يكون غالباً بهذا العنوان مما يلتفت إليه، فكيف يكون (5) من جهات الحسن أو القبح عقلا، و من مناطات الوجوب أو الحرمة شرعاً؟ و لا يكاد (6) يكون صفة موجبة لذلك إلّا إذا كانت اختيارية (7).

(1) تعليل لقوله: «لا يكون اختيارياً» و قد عرفت توضيحه.

(2) كعنوان الخمرية، و قوله: «من عنوانه» بيان للموصول في «بما قطع» و ضمائر «عنوانه، أنه، لا يقصده» راجعة إلى الفعل المتجري به أو المنقاد به، و ضمير «عليه» راجع إلى الموصول في «بما قطع» (3) و هو كونه مقطوعاً به كشرب معلوم الخمرية، و التعبير بالآلية لأجل أن العلم آلة للحاظ متعلقه و طريق إليه في قبال لحاظه مستقلا، و ضمير «بعنوانه» راجع إلى الفعل المتجري به أو المنقاد به.

(4) يعني: بل لا يكون الفعل المتجري به أو المنقاد به بعنوانه الطارئ الآلي مما يلتفت إليه، فلا يكون ارتكابه بهذا العنوان اختيارياً له و مراده (قده) بذلك: أن انتفاء الاختيار غالباً يستند إلى أمرين: أحدهما انتفاء القصد، و الآخر انتفاء الالتفات، و قد يكون من وجه واحد و هو انتفاء القصد فقط.

(5) يعني: فكيف يكون الفعل المتجري به أو المنقاد به بهذا العنوان الطارئ الآلي- مع كونه مغفولًا عنه- من جهات الحسن أو القبح؟ (6) الواو للحال، يعني: و الحال أنه لا يكاد يكون صفة موجبة لذلك- أي للحسن و القبح أو الوجوب و الحرمة- إلّا إذا كانت تلك الصفة اختيارية لا غير اختيارية كما في المقام.

(7) و حيث كان عنوان «المقطوع به» مغفولا عنه فلا يترتب عليه حسن و لا

47

ان قلت (1): إذا لم يكن الفعل كذلك (2)، فلا وجه لاستحقاق العقوبة على مخالفة القطع، و هل كان العقاب عليها (3) الا عقاباً على ما ليس بالاختيار.

قلت (4): العقاب‏

قبح، و لا وجوب و لا حرمة، لعدم كونه اختيارياً.

(1) هذا الإشكال ناظر إلى قوله: «و لا يكاد يكون صفة موجبة لذلك إلّا إذا كانت اختيارية» و حاصله: أن الالتزام بعدم كون الفعل المتجري به- بعنوان كونه معلوم الوجوب أو الحرمة- اختيارياً و بقائه على ما هو عليه واقعاً من الملاك ينافي ما اعترف به سابقاً من استحقاق العقوبة عليه، إذ من لوازم عدم اختيارية عنوان معلوم الحرمة أو الوجوب عدم استحقاق العقوبة على الفعل المتجري به المتصف بهذا العنوان غير الاختياري، و المفروض أيضا عدم كون الفعل بنفسه موجباً لاستحقاق العقوبة، و عليه فلا بد من رفع اليد عما تقدم من استحقاق العقوبة على الفعل المتجري به، أو الالتزام بصحة العقوبة على الأمر غير الاختياري.

(2) أي: بما هو مقطوع الحرمة أو الوجوب اختيارياً.

(3) أي: على مخالفة القطع.

(4) هذا دفع الإشكال، و حاصله: أن استحقاق العقاب ليس على نفس الفعل المتجري به حتى يورد عليه: بأن الفعل لا يكون اختيارياً لأجل الغفلة، فكيف يوجب استحقاق العقوبة عليه؟ بل استحقاقها انما يكون على قصد المخالفة و الطغيان و الخروج عن رسوم العبودية، فلا أساس لهذا الإشكال أصلا، إذ لو كان الاستحقاق على نفس الفعل توجه إشكال المنافاة المتقدم بيانه. و أما إذا ترتب‏

48

انما يكون على قصد العصيان [1]

الاستحقاق على مجرد القصد لم يلزم منافاة بين الاستحقاق و بين عدم اختيارية عنوان «معلوم الوجوب أو الحرمة» مثلا.

____________

[1] بل استحقاق العقوبة انما يكون على عنوان الهتك المنطبق على الفعل المتجري به، لا على مجرد سوء السريرة، و لا على العزم على الطغيان، و لا على كون الفعل معلوم الوجوب أو الحرمة، و لا على كونه مقطوع الخمرية، أو مقطوع المحبوبية أو المبغوضية، فان شيئاً من هذه العناوين لا يوجب استحقاق العقاب، بل الموجب له هو هتك حرمة المولى الّذي لا يصدق إلّا على الفعل الصادر من العبد بقصد التمرد و الطغيان، فلا يبقى مورد للإشكال على كون العقاب على قصد العصيان عقاباً على أمر غير اختياري.

و المناقشة في ذلك بأن الهتك أيضا خارج عن الاختيار، فلا يحسن إناطة استحقاق العقوبة به، حيث ان شرب الماء الّذي قطع بخمريته لم يقصد، و ما قصد و هو شرب الخمر لم يحصل، فالهتك المقصود غير حاصل، و الحاصل و هو شرب الماء غير مقصود. و بالجملة: فالهتك كقصد العصيان غير اختياري لا يصح أن يكون مناطاً لاستحقاق العقاب.

مندفعة بالقطع بأن شرب معلوم الخمرية مع كونه ماء واقعاً ليس من الحركة القسرية و لا الطبعية، بل من الحركة الإرادية و الفعل الاختياري المتصف بالقبح عقلا، لوضوح أنه يصدق على الفعل المتجري به كونه صادراً بالإرادة و الاختيار، و مجرد الخطاء في تطبيق الماء على الخمر لا يخرج هذا الشرب عن الأفعال الاختيارية الموجبة لحسن العقوبة عليها نظير ضرب زيد باعتقاد أنه عمرو، فان الخطاء في التطبيق لا يخرج هذا الضرب عن كونه فعلا إرادياً و ان لم يصدق عليه الفعل العمدي الموضوع في باب الجنايات لأحكام خاصة.

49

و العزم (1) على الطغيان، لا على الفعل الصادر بهذا العنوان (2) بلا اختيار (3).

ان قلت (4): ان القصد و العزم انما يكون من مبادئ الاختيار، و هي ليست باختيارية و إلّا لتسلسل.

(1) المراد به إرادة الطغيان و المخالفة، لا ما هو من مبادئ الإرادة، كالعلم بالغاية و التصديق بها، لكونه أجنبياً عن المقام.

(2) أي: بعنوان معلوم الوجوب أو الحرمة.

(3) متعلق بقوله: «الصادر» و المراد بعدم الاختيار هو عدم الالتفات و القصد معاً، أو عدم القصد فقط كما تقدم.

(4) حاصل هذا الإشكال: أنه لا بد أن يكون استحقاق العقوبة على نفس الفعل المتجري به لا على قصد العصيان كما قلتم، لأنه عقاب على أمر غير اختياري، حيث ان القصد من مبادئ الفعل الاختياري الّذي يتوقف على العزم و الإرادة اللذين ان كانا اختياريين احتاجا إلى عزم و إرادة آخرين، فان كانت الإرادة الثانية اضطرارية لزم أن تكون الإرادة الأولى أيضا اضطرارية، لأنهما مثلان، و حكم الأمثال فيما يجوز و ما لا يجوز واحد فيكون العقاب بالاخرة على أمر غير اختياري.

____________

فالنتيجة: أن تعنون الفعل المتجري به بعنوان هتك الحرمة صدر عن الاختيار بواسطة إحراز الحكم و لو كان مخالفاً للواقع، و هذا الإحراز جهة تعليلية لصدور الفعل عن النّفس بإرادة و اختيار، و هتك الحرمة ظلم على المولى، بخلاف قصد العصيان، فانه قصد للظلم لا نفسه، فلا يحسن إناطة استحقاق العقاب به.

و الحاصل: أن النّفس بقيّوميتها و فاعليتها تختار الهتك، فهو معلول للنفس، لا للإرادة بمعنى الشوق المؤكد، نعم قد ترجح النّفس بسببها الفعل على الترك.

50

قلت (1):- مضافاً إلى أن الاختيار و ان لم يكن بالاختيار، إلّا أن‏

و ان كانت اختيارية احتاجت إلى إرادة أخرى، فان كانت هذه الإرادة هي الأولى لزم الدور، و ان كانت غيرها لزم التسلسل.

و الحاصل: أنه لا يصح العقاب على القصد.

(1) دفع المصنف الإشكال المزبور بوجهين أحدهما حلي و الآخر نقضي، و قد أشار إلى الوجه الأول بقوله: «مضافاً» و حاصله: أن الاختيار و ان لم يكن بجميع مباديه اختيارياً، لاستلزامه الدور أو التسلسل كما تقدم، إلّا أنه لما كان بعض مباديه اختيارياً صحت إناطة الثواب و العقاب به، و توضيحه: أن ما يرد على القلب قبل صدور الفعل في الخارج أمور:

الأول: حديث النّفس، و هو خطور العمل كشرب الخمر و يسمى بالخاطر.

الثاني: خطور فائدته.

الثالث: التصديق بترتب تلك الفائدة عليه.

الرابع: هيجان الرغبة إلى ذلك الفعل و هو المسمى بالميل.

الخامس: الجزم و هو حكم القلب بأن هذا الفعل مما ينبغي صدوره بدفع موانع وجوده أو رفعها عنه.

السادس: القصد، و قد يعبر عنه بالعزم و هو الميل أعني عقد القلب على إمضاء صدور الفعل كما تقدم.

السابع: أمر النّفس و تحريكها للعضلات- التي هي عوامل النّفس- نحو صدور الفعل.

و الأربعة الأول- أعني حديث النّفس و تصور الفائدة و التصديق بترتبها و الميل- ليست باختيارية. و أما الجزم و القصد فهما من حيث الاختيار و الاضطرار مختلفان بحسب اختلاف حالات الإنسان في القدرة على الصرف و الفسخ بسبب‏