منتهى الدراية في توضيح الكفاية - ج8

- السيد محمد جعفر الجزائري المزيد...
653 /
1

الجزء الثامن‏

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

المقصد الثامن في تعارض (1) الأدلة و الأمارات‏

(تعارض الأدلة و الأمارات) (1) هذا هو الصحيح المذكور في النسخة الأصلية المصححة بقلم المصنف «قده» فالتعبير ب «مبحث التعادل و الترجيح» كما في بعض نسخ الكتاب لعله من سهو الناسخ أو الطابع.

ثم إن في عبارة المتن جهات من البحث نتعرض لبعضها في التوضيح و لبعضها في التعليقة.

فمنها: جعل مباحث التعادل و الترجيح من مقاصد علم الأصول لا خاتمة مباحثه.

و منها: أولوية التعبير ببحث تعارض الأدلة من التعبير ببحث التعادل و الترجيح.

و منها: إرادة معنى واحد من الأدلة و الأمارات هنا أو إرادة معنيين.

و قبل التعرض لهذه الجهات لا بأس ببيان الوجه الموجب للبحث عن التعادل و الترجيح، فنقول و به نستعين: إنّ همّ الفقيه من تنقيح مباحث الأصول هو تحصيل الحجة على الحكم الشرعي، و لا ريب في أنّ فعلية كل حجة- بمعنى جواز الاستناد إليها في مقام الاستنباط- تتوقف على وجود المقتضي للحجية و فقد المانع عنها.

و توضيحه: أن استنباط الحكم الشرعي من أخبار الآحاد- التي هي عمدة أدلة الفقه- منوط بأمور:

الأول: حجية خبر الواحد، بأن يكون خبر العدل أو الثقة طريقا الإحراز صدور الحكم‏

6

..........

الشرعي من النبي و الولي صلى اللّه عليهما و آلهما».

الثاني: ظهور الألفاظ الواردة في الخبر في معانيها و عدم إجمالها، كدلالة صيغة «افعل» على الوجوب، و دلالة صيغة «لا تفعل» على الحرمة، و دلالة الجملة الشرطية على المفهوم، و ألفاظ العموم على العموم، و عدم دلالة الأمر الواقع عقيب الخطر أو توهمه على الوجوب، و غير ذلك من الأمور المبحوث عنها في مباحث الألفاظ الراجعة إلى تعيين صغريات الظهورات.

الثالث: حجية ظواهر الألفاظ بنحو الكبرى الكلية، سواء وردت في الكتاب أم في السنة، في قبال من يدّعي اختصاص حجية الظواهر بمن قصد إفهامه، أو غير ذلك.

الرابع: علاج تعارض الأخبار، لما يتراءى من التنافي بين الأخبار المأثورة عن الأئمة المعصومين «عليهم أفضل صلوات المصلين» خصوصا في أبواب العبادات.

أما الأمر الأول فيتكفله بحث خبر الواحد، إذ قد عرفت هناك وفاء الأدلة- من الكتاب و السنة المتواترة إجمالا و السيرة العقلائية الممضاة شرعا- بإثبات اعتبار خبر الثقة أو الموثوق به.

و أما الأمر الثاني فيتكفله العرف و اللغة، و قد تقدم في مباحث الألفاظ جملة منها.

و أما الأمر الثالث فيبحث عنه في مسألة حجية ظواهر الألفاظ، و أنّ ظواهر الكتاب و السنة تكون حجة في حقنا كحجيتها في حق الموجودين في عصر التخاطب.

و بتمامية هذه الأمور الثلاثة يتمّ المقتضي لحجية خبر الواحد، فإذا تصدى المجتهد للاستنباط و لم يكن للخبر معارض كان الخبر حجة فعلية أي منجّزا للواقع على تقدير الإصابة، و معذّرا عنه على تقدير الخطأ. و إن كان للخبر معارض أو معارضات لم يجز التمسك به إلّا بعد علاج التعارض، و ذلك لقصور أدلة حجية الخبر و ظاهر الكلام عن شمولها لحال التعارض بناء على ما هو الحق من حجية الأمارات على الطريقية، و حينئذ يكون أحد الخبرين المتعارضين حجة شأنية لا حجة فعليّة، و من المعلوم أن ما يصلح للاستناد إليه في مقام الاستنباط هو الحجة الفعلية لا الاقتضائية، و تتوقف هذه الحجية الفعلية- في الأخبار المتعارضة- على قيام دليل ثانوي على حجية أحد الخبرين تعيينا أو تخييرا. و هذا المقصد الثامن يتكفل البحث عن هذا الدليل الثانوي، و يعيّن وظيفة

7

..........

الفقيه الّذي يواجه الأخبار المتعارضة في كثير من الأبواب، و يلزم البحث حينئذ عن جهات:

منها: أن الأصل في تعارض الخبرين هو التخيير أو التساقط.

و منها: حجية المتعارضين في المدلول الالتزامي أعني نفي الثالث و عدمها.

و منها: عدد المرجحات و اعتبار الترتيب بينها و عدمه.

و منها: التعدي عن المرجحات المنصوصة إلى كل ما يوجب أقربية أحد المتعارضين إلى الواقع و عدمه.

و منها: حكم معارضة أكثر من خبرين و مسألة انقلاب النسبة. و غير ذلك مما سيأتي بحثه في هذا المقصد إن شاء اللّه تعالى.

إذا اتضح ما ذكرناه من شدة الحاجة إلى تنقيح مسائل تعارض الأدلة لدخلها في الاستنباط، فلنعد إلى ما أردنا بيانه من الجهات الثلاث، فنقول:

(أما الجهة الأولى:) فمحصّل الكلام فيها: أنه قد جعل جمع من الأصحاب المسائل الباحثة عن أحكام تعارض الأدلة في خاتمة مباحث علم الأصول، كما جعلها جمع من المقاصد، فمن الطائفة الأولى صاحب المعالم و القوانين و الفصول و شيخنا الأعظم، ففي المعالم و الرسائل: «خاتمة في التعادل و الترجيح» و في القوانين: «خاتمة في التعارض و التعادل و الترجيح» و في الفصول: «خاتمة في تعارض الأدلة». و من الطائفة الثانية العلامة في محكي التهذيب و المحقق الرشتي في البدائع‏ (1) و المصنف «(قدّس سرّهم)».

و الظاهر أن ما صنعه المصنف أولى، إذا البحث عنه بعنوان الخاتمة ربما يكون ظاهرا في خروجه عن مسائل علم الأصول كخروج الأمور المبحوث عنها في المقدمة- كمسألة الاشتراك و الصحيح و الأعم و المشتق و نحوها- عن مسائل العلم، مع وضوح انطباق ضابط المسألة الأصولية عليه، فان تعريف علم الأصول- سواء أ كان هو «العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الكلية» أم كان هو «ما يبحث فيه عن عوارض الأدلة» أم غيرهما- ينطبق على أحكام تعارض الأدلة، فلا وجه لجعلها خاتمة العلم. إلّا إذا أريد اختتام مسائل علم الأصول بها، لا خروجها عن حاقّ مباحثه.

____________

(1) بدائع الأفكار، ص 406

8

..........

و في المقام احتمال ثالث له وجه وجيه، و هو ما نبّه عليه سيدنا الفقيه الأعظم الأصفهاني «قده» من أنه ينبغي جعل هذا المقصد الثامن تتمة لمباحث حجية خبر الواحد، لرجوع البحث فيه إلى حجية الخبر المعارض و عدمها، كحجية خبر غير المعارض، فراجع تقرير بحثه الشريف‏ (1).

(و أما الجهة الثانية،) فتقريبها: أنهم جعلوا عنوان هذه المباحث تارة «التعادل و الترجيح» بلفظ المفرد، أو «التراجيح» بصيغة الجمع، المذكورين في عدة من كتب الأصول، و أخرى «تعارض الأدلة» كما في المتن و عدّة أخرى من العبارات. و الظاهر أولوية التعبير الثاني من الأوّل، لأن «تعارض الأدلة» عنوان جامع لكل من المتعارضين المتعادلين في المزايا، و الواجد أحدهما لمزيّة دون الآخر. و مع كون نفس الكلي- مع الغض عن خصوصيات أفراده- ذا حكم فالأنسب جعل نفسه عنوان البحث دون أفراده، و من المعلوم أن لنفس التعارض أحكاما، مثل كون الأصل فيه التساقط أو التخيير، و مثل أولوية الجمع بينهما مهما أمكن من الطرح، و نحوهما.

مضافا إلى مناسبة هذا العنوان لما ورد في بعض أخبار العلاج أعني به مرفوعة زرارة التي فيها «الخبران المتعارضان».

و لعلّ نظر المحقق القمي «قده»- في الجمع بين الألفاظ الثلاثة المذكورة- إلى التنبيه على تكفل هذا البحث لأحكام نفس الكلي و أفراده معا، فتأمل جيّدا.

(و أما الجهة الثالثة،) فتقريبها: أنهم اصطلحوا على تسمية الطريق المعتبر في الأحكام بالدليل و في الموضوعات بالأمارة، فخبر الثقة إن كان مؤدّاه حكما شرعيا كوجوب صلاة الجمعة كان الخبر دليلا، و إن كان موضوعا خارجيا- بناء على اعتباره فيها- سمّي أمارة كسائر الطرق المثبتة للموضوعات كالبينة و الإقرار. لكن الظاهر أن المقصود بهما في المتن أمر واحد، لأن موضوع البحث في باب التعارض هو الأخبار التي هي أدلة الأحكام، و عليه يكون عطف «الأمارات» على «الأدلة» تفسيريا.

فان قلت: ان الفقيه كما يثبت له منصب الإفتاء بالأحكام الكلية كذلك يثبت له التصدي للقضاء و فصل الخصومة، و حينئذ فكما يلزمه تعيين حكم الخبرين المتعارضين‏

____________

(1) منتهى الوصول، ص 251

9

..........

و الشهرتين المتعارضتين في مقام الإفتاء، فكذلك يلزمه تعيين حكم البينتين المتعارضتين من تقديم بيّنة الداخل و عدمه. و عليه يكون «تعارض الأدلة» للإشارة إلى وظيفته في مقام الإفتاء، و «تعارض الأمارات» إلى وظيفته في مقام القضاء، فلا يكون العطف حينئذ تفسيريا.

قلت: لا ريب في ثبوت المنصبين للفقيه بل و غيرهما بناء على عموم ولايته، لكن المقصود بالبحث في مسألة التعادل و الترجيح هو إثبات حجية أحد الخبرين و عدمها، لا علاج تعارض مطلق الطرق حتى يندرج حكم تعارض البينتين و نحوهما في هذا البحث [1].

____________

[1] و هنا جهات أخرى كما قلنا آنفا:

(منها:) أن العرض المناسب هنا هو كون الدليلين في رتبة واحدة من حيث شمول دليل الحجية لهما، فلا يكون لأحدهما تقدم رتبي كالعلية على الآخر. و أما العرض بمعناه اللغوي و هو الإظهار فإرادته في المتعارضين، بدعوى «أن كلّا من الخبرين يظهر نفسه للآخر» خالية عن المناسبة، ضرورة أن هذا الإظهار ثابت في الحجج و غيرها من الأصول غير المعتبرة كالمسببية و الروايات الضعاف التي يقطع بعدم حجيتها حتى بدون التعارض، مع وضوح كون الموضوع في باب التعارض خصوص الخبرين الجامعين لشرائط الحجية، و انحصار المانع عن شمول دليل الاعتبار فعلا لهما بوجود التعارض فقط، و عدم كون تعارض الخبرين من صغريات تعارض الحجة و اللاحجة.

(فالمتحصل:) أن المراد بتعارض الدليلين هو الدليلان اللّذان يكونان في رتبة واحدة بأن لا يكون أحدهما في طول الآخر و معلولا له.

نعم للإظهار مناسبة إن أريد به إبراز مفاد كلّ من المتعارضين بنحو الإنجاز و إيجاد المراد، حيث إن كلّا منهما في مقام إبراز مفاده في نظام الوجود، فإطلاق الإظهار حينئذ لا بأس به، إذا المفروض قابلية كل منهما للحجية، و المانع عن فعليتها هو التعارض.

و أما العرض الّذي هو أحد أبعاد الجسم في مقابل الطول و العمق فالظاهر أنه لا مناسبة بينه و بين المعنى المقصود من تعارض الأدلة، و إن قيل بها، بتقريب: «ان كلّا من المتعارضين في عرض الآخر من حيث الدليليّة و الحجية». لكن هذا البيان أقرب إلى ما ذكرناه- إن لم يكن عينه- من إرادة وحدة المتعارضين رتبة و عدم علّية أحدهما للآخر، و الأمر سهل.

(و منها:) أن التعارض عنوان عام يشمل الروايتين المتعارضتين و غيرهما كتعارض الآيتين‏

10

..........

..........

____________

و الفتويين و الإجماعين و الشهرتين و نحو ذلك. لكن لمّا كان موضوع الاخبار العلاجية خصوص الروايات المتعارضة أوجب ذلك تخصيص البحث بتعارض الأخبار.

(و منها:) أن حقيقة التعارض هي التزاحم في مقام التشريع الّذي هو فعل الشارع. و الوجه في هذا التعارض هو تزاحم الملاكات الداعية إلى الجعل، كما إذا اقتضى فعل من جهة تشريع الوجوب له، و من أخرى تشريع الحرمة له، و هذا هو التزاحم الآمري المصطلح عليه بالتعارض. و أمّا التزاحم المأموري المصطلح فهو التزاحم في مقام الامتثال بعد تشريع الحكمين بلا مانع، و عجز المكلف عن امتثالهما كوجوب إنقاذ الغريقين و إطفاء الحريقين و نحوهما.

و من هنا يظهر وجه اعتبار واجدية كل من الخبرين المتعارضين لشرائط الحجية، للزوم وجود المقتضي لجعل الحكم في كل منهما. و به يخرج اشتباه الحجة بغير الحجة عن باب التعارض كما مرّ آنفا.

(و منها:) أن التعارض- سواء فسّر بتنافي مدلولي الدليلين أم بتنافي الدليلين في مقام الدلالة- صفة لنفس الدليلين كما في بعض الأخبار العلاجية، لوضوح أن الدليل مجموع الحاكي و المحكي، فالتعارض صفة لنفس الدليلين و لو باعتبار منافاة مدلوليهما، كتعارض شخصين على شي‏ء يريده أحدهما و لا يريده الآخر، فإنه يصدق عليهما أنهما متعارضان باعتبار التنافي بين مراديهما. و عليه فالوصف بحال الموصوف لا بحال المتعلق.

11

فصل (1): [تعريف التعارض‏]

التعارض هو تنافي (2)

(تعريف التعارض:) (1) الغرض من عقد هذا الفصل تعريف التعارض الّذي هو موضوع الأحكام الآتية في هذا المقصد، ثم بيان ما يترتب على هذا التعريف من عدم شموله لموارد الجمع الدلالي و التوفيق العرفي مما يكون بين المدلولين منافاة و تمانع لكن ليس بين نفس الدليلين تمانع، و الصور الرئيسية التي ادّعى المصنف عدم صدق تعريف التعارض عليها ثلاث:

الأولى: موارد حكومة أحد الدليلين على الآخر.

الثانية: موارد التوفيق العرفي بين الدليلين بالتصرف في أحدهما تارة، و في كليهما أخرى.

الثالثة: موارد حمل أحد الدليلين على الآخر كما في النص و الظاهر و القرينة و ذي القرينة. و سيأتي تفصيلها إن شاء اللّه تعالى بعد الفراغ من تعريف التعارض.

(2) اعلم أن الموجود في كلمات القوم في تعريف التعارض عناوين ثلاثة:

(أولها:) و هو المنسوب إلى المشهور «تنافي المدلولين على وجه التناقض أو التضاد» ففي القوانين: «تعارض الدليلين تنافي مدلوليهما» و في الفصول: «تنافي مقتضاهما».

(ثانيها:) ما أفاده شيخنا الأعظم «قده» بقوله: «و غلب في الاصطلاح على تنافي الدّليلين‏

12

..........

و تمانعهما باعتبار مدلولهما ...».

(ثالثها:) ما أفاده الماتن. و لا ريب في مغايرة تعريف المصنف لما أفاده المشهور، و في مغايرته لتعريف شيخنا الأعظم تأمل سيأتي بيانه.

و تحقيق ما أجمله المصنف هنا، و وجه عدوله عن تعريف المشهور منوط بالبحث في مقامين، الأول: في توضيح الألفاظ الواردة في التعريف. الثاني: في الفرق بين تعريف المشهور و تعريف الماتن، و وجه عدوله عنه.

(أما المقام الأول:) فنقول فيه: ان الكلمات المحتاجة إلى البيان هي التنافي و الدلالة و التناقض و التضاد.

أما التنافي فهو كالتعارض على وزن «التفاعل» من النفي، و النفي في اللغة هو الطرد و الدفع‏ (1)، و هذا المعنى هو المقصود في باب التعارض، لأنّ كل واحد من المدلولين ينفي الآخر و لو بالدلالة الالتزامية الشرعية كما سيظهر، أو لأنّ كل واحد من الدليلين يطرد الآخر و يزاحمه في حجيته الفعلية. لكن التعارض أخص من التنافي، لأنّ التنافي- و هو عدم الاجتماع في الوجود- بالذات يتحقق في المدلولين المتمانعين كالوجوب و الحرمة، أو الوجوب و عدمه، و لا يصدق التعارض على هذا التمانع، فلا يوصف الوجوب و الحرمة بأنهما متعارضان و إن وصفا بأنهما متنافيان، بل يوصف ما دلّ على الوجوب و ما دلّ على الحرمة بالمعارضة، فيقال: تعارض الخبران، و لا يقال: تعارض الحكمان، فالتعارض من أوصاف الدال- بما هو دال- بالذات لا بالعرض.

و أما كلمة «الدلالة» ففيها جهتان:

الأولى: أنها تطلق على معنيين: أحدهما: الحكاية، و الكشف، و هذا في قبال الكلام المجمل، فالدلالة متقومة بالظهور.

و الآخر: الحجية، أي ظاهر الكلام المتصف بالحجية. و بعبارة أخرى: يراد بالدلالة ظاهر خصوص الدليل دون غيره مما لا يكون دليلا، و معنى التنافي في الدلالة هو تمانع الدليلين المتعارضين في الاندراج تحت دليل الاعتبار، فإذا دلّ أحد الخبرين على وجوب‏

____________

(1) مجمع البحرين، 1- 418

13

..........

جلسة الاستراحة، و الخبر الآخر على عدم وجوبها امتنع شمول أدلة حجية خبر الثقة لكليهما، لامتناع التعبد بالمتناقضين، الموجب لبطلان اقتضاء دليل الاعتبار الحجيةَ الفعليةَ لكل منهما بعينه، للزوم اجتماع النقيضين، و لأحدهما المعيّن، لكونه ترجيحا بلا مرجح، فيزاحم كل منهما الآخر في الحجية الفعلية و في شمول عموم أدلة الاعتبار له، و هذا هو التنافي في الدلالة.

و الشاهد على إرادة هذا المعنى من الدلالة لا مطلق الكشف و الحكاية هو تصريح المصنف فيما سيأتي بعدم التعارض في موارد الجمع الدلالي كالعام و الخاصّ المنفصل عنه، لوضوح أن الخاصّ المنفصل لا يصادم ظهور العام في عمومه، و إنما يزاحمه في حجيته بالنسبة إلى مورد الخاصّ، فلو كان المناط في تنافي الدلالتين اختلاف ظهورهما لزم إدراج موارد الجمع الدلالي و تقديم أقوى الحجتين على الأخرى في تعريف التعارض، مع أنه لا ريب في خروجها عنه. و ينحصر وجه خروجها عنه في إرادة الحجة من الدلالة، إذ لا تمانع بين حجية كل من العام و الخاصّ.

نعم لا ريب في أن المنسبق من كلمة الدلالة هو الحكاية و الكشف لا الحجية، إلّا أن مقصود الماتن منها هو الحجية، فانه «قده» جعل التعارض من حالات الدليل لا من عوارض المدلول.

الجهة الثانية: أن المراد بالدلالة ليست هي خصوص الدلالة اللفظيّة المنحصرة في المطابقية و التضمنية و الالتزامية، بل المراد بها مطلق ما كان حجة و لو لم ينطبق عليه ضابط الالتزام من اللزوم العقلي كما في العمى و البصر، أو العرفي كما في وجود حاتم الطائي.

و يشهد لهذا التعميم ما أفاده بقوله: «عرضا» و صرّح به في حاشية الرسائل من درج العلم الإجمالي بكذب أحد الخبرين- مع تعدد موضوعيهما- في موضوع التعارض.

و أما كلمة التناقض فواضحة، لأنها عبارة عن تقابل السلب و الإيجاب في شي‏ء واحد، و اعتبر في استحالته اجتماع الوحدات الثمانية أو الأزيد منها.

و أما كلمة «التضاد» فقد قسّم المصنف التضاد إلى الحقيقي و العرضي، و لكن المشهور أرادوا به التضاد الحقيقي خاصة كالتناقض حيث لم يوصفوه بالحقيقي‏

14

..........

و العرضي.

و كيف كان فالتضاد الحقيقي كالتناقض يشترط فيه اتحاد الموضوع كاجتماع الوجوب و الحرمة في فعل واحد. و التضاد العرضي لا يعتبر فيه اتحاد الموضوع، بل يمتنع تحقق أمرين وجوديين في موضوعين في نظام الوجود كما سيأتي مثاله في موارد العلم الإجمالي بكذب أحد الدليلين.

ثم إن المعتبر من اتحاد الموضوع في التناقض و التضاد الحقيقي- كما أفاده في حاشية الرسائل- هو الاتحاد في الجملة ليشمل التعارض التبايني و العموم و الخصوص المطلق و العموم و الخصوص من وجه، كما سيأتي.

هذا شرح الألفاظ الواردة في تعريف المصنف للتعارض.

و قد ظهر بما ذكرناه: أنه تعريف جامع لأفراد التعارض و مانع للأغيار أي لموارد التوفيقات العرفية.

(و أما المقام الثاني-) و هو الفرق بين تعريف التعارض بما أفاده المشهور و المصنف و وجه عدوله عنه- فنقول: أما الفرق بين التعريفين فهو: أن ظاهر تعريف المشهور كون التعارض من صفات المدلولين، و كون توصيف الأمارتين و الدليلين بالتعارض توصيفا بحال المتعلق كما ورد التصريح به في كلمات بعضهم كالمحقق السيد علي القزويني‏ (1)، فيصح حينئذ جعل التعارض وصفا للدليلين، لأنه كتوصيف اللفظ بالكلية و الجزئية مع كونهما من أوصاف المعاني و المفاهيم لا الألفاظ.

و ظاهر تعريف المصنف «قده» أن التعارض وصف لنفس الدليلين كالخبرين اللذين وصفا بالتعارض في بعض نصوص الباب كقوله: «إذا ورد عنكم الخبران المتعارضان» و منشأ هذا التنافي في الحجية هو تمانع المدلولين، فيكون الوصف بحال الموصوف حقيقة، إذ الموصوف بالتعارض يكون نفس الأمارتين كالخبرين لا مدلوليهما، غاية الأمر أن تنافي المدلولين حيثية تعليلية و واسطة ثبوتية لتوصيف الدليلين بالتعارض كوساطة النار لحرارة الماء، فان قولنا: «الماء حار» حمل حقيقي و إسناد إلى ما هو له. و هذا بخلافه على تعريف المشهور، فإن تنافي المدلولين فيه حيثية تقييدية في تعارض الأمارتين‏

____________

(1) حاشية القوانين، ص 196

15

..........

و يكون واسطة في عروضه على الدليلين كوساطة حركة السفينة لحركة الجالس فيها، فإنّه يصح سلبها عن الجالس فيها حقيقة، إذ المتحرك هو السفينة دون جالسها، إلّا بناء على معنى آخر للحركة غير مقصود عرفا.

هذا تقريب الفارق بين تعريف المصنف و المشهور.

و أما وجه عدوله عن تعريف المشهور فأمران، اقتصر في المتن على ذكر واحد منهما، و تعرض لكليهما في حاشية الرسائل في مقام تحسين تعريف الشيخ للتعارض:

أحدهما: ما تقدم آنفا من أنه لو كان التعارض «تنافي المدلولين» كما أفاده المشهور كان التعارض وصفا لمتعلق الدليلين لا لأنفسهما. و لو كان التعارض ما أفاده الشيخ من «أنه تنافي الدليلين باعتبار تنافي المدلولين» كان التعارض وصفا لنفس الموصوف أعني الدليلين، و كان منشأ تنافيهما تمانع مدلوليهما، فيسري التنافي من المدلولين إلى الدالّين‏ (1).

ثانيهما- و هو العمدة- أن تعريف المشهور يعمّ موارد الجمع الدلالي و التوفيق العرفي، مع أنه لا ريب في عدم إجراء أحكام التعارض- من التوقف و الترجيح و التخيير- عليها.

و هذا بخلاف تعريف التعارض بتنافي الدليلين. و توضيحه: أن تنافي الدليلين قد يكون بدويّا زائلا بالتأمل بحيث لا يتحير العرف في الجمع بينهما و العمل بهما، و قد يكون مستقرّا لا يرى العرف سبيلا إلى الجمع بينهما. و الظاهر أن موضوع الأخبار العلاجية و الأبحاث الآتية هو التعارض المستقر الّذي يوجب استمرار تحيُّر العرف في الجمع بين المتعارضين كما إذا كان أحدهما يأمر بشي‏ء و الآخر ينهى عنه.

و على هذا فالتعريف المناسب لهذا الموضوع المأخوذ في أخبار العلاج هو أن يقال:

«التعارض تنافي الدليلين» لا تعريفه ب «تنافي المدلولين» لأن تعريف المشهور يشمل كلّ دليلين متنافيين مدلولا و إن لم يكن بينهما منافاة دلالة و إثباتا- أي في مقام الحجية- كما إذا كان بينهما حكومة أو جمع عرفي على أنحائه، فلا بد من إجراء أحكام التعارض عليهما من التخيير أو الترجيح، مع أنه ليس كذلك، لخروجهما عن باب التعارض.

و هذا بخلاف تعريف المتن، فإنّه لا يشمل مثل هذين الدليلين. و لنذكر شاهدين على الدعوى المتقدمة.

____________

(1) حاشية الرسائل، ص 255

16

..........

الأول: موارد حكومة أحد الدليلين على الآخر، نظير ما دلّ على حكم الشكوك في الركعات مثل قوله (عليه السلام): «إذا شككت فابن علي الأكثر» و ما دلّ على نفي الشك عمّن كثر شكّه، كقوله (عليه السلام): «لا شك لكثير الشك» فإنّ مدلولي هذين الدليلين متنافيان، بمقتضى تقابل الموجبة الكلية مع السالبة الجزئية، فالخطاب الأوّل المثبِت للحكم يشمل كثير الشك و غيره، و الخطاب الثاني النافي للحكم مخصوص بكثير الشك، فيتصادم المدلولان- في كثير الشك- بالنفي و الإثبات. و مقتضى تعريف المشهور إجراء أحكام التعارض عليهما، لأنهما دليلان متنافيان بحسب المدلول، مع أنه لا ريب- عند الجميع- في عدم عدِّ هذين الدليلين من المتعارضين. و الوجه في عدم تعارضهما عدم تنافيهما في مقام الدلالة و الحجية، فإنّ الدليل الحاكم شارح و مبيِّن للمراد الجدّي من الدليل المحكوم كما سيأتي توضيحه في (ص 28) و عليه فلا محذور في شمول دليل حجية خبر الثقة لكلا الخبرين المتقدمين. و ينحصر التخلص عن هذا النقض- الوارد على تعريف المشهور للتعارض- في العدول إلى تعريف المتن.

الثاني: موارد الجمع الدلالي، كما إذا ورد «أكرم الأمراء و لا تكرم زيدا الأمير» لتمانع المدلولين في «زيد الأمير» بالنفي و الإثبات، لاقتضاء الأمر بإكرام الأمراء على نحو العام الاستغراقي مطلوبية إكرامه، و اقتضاء النهي مبغوضيته، فيندرجان في باب التعارض بناء على تعريف المشهور له، و يخرجان عنه بناء على تعريف المصنف للتعارض، و ذلك لعدم تنافيهما دلالة، لكون الثاني- لأخصيته- مخصّصا و قرينة على عدم إرادة «زيد» من العام.

و الحاصل: أن تعريف المشهور ينتقض بموارد الحكومات و التوفيقات العرفية لتحقق التنافي بين المدلولين أو المداليل مع عدم إجراء أحكام التعارض- من التخيير و الترجيح- على هذه الموارد قطعا، فيتعين تعريف التعارض بالتنافي في مرحلة الدلالة و الإثبات كي لا يرد النقض المزبور.

هذا ما يتعلق بتوضيح ما أفاده المصنف من تعريف التعارض، و وجه عدوله عن تعريف المشهور. و أما تعريف شيخنا الأعظم «قده» للتعارض فهو إما ملحق بتعريف المشهور، و إما متحد مع تعريف الماتن، كما سيأتي بيانه في التعليقة إن شاء اللّه تعالى.

17

الدليلين‏

(1) تنافي الدليلين إما أن يكون بحسب المدلول المطابقي و طرد كلّ منهما لتمام ما يدل عليه الآخر، و إما أن يكون بحسب المدلول التضمني أي تمانع الدليلين في بعض مدلوليهما، و إما أن يكون بحسب المدلول الالتزامي. فالأوّل- و هو التنافي في المدلول المطابقي- أظهر مصاديق التعارض، نظير ما دلّ على استحباب القنوت في ركعتي الشفع و ما دلّ على عدم استحبابه فيهما.

و نظير ما دلّ على انفعال البئر و الماء القليل بملاقاة النجاسة، و ما دلّ على عدم انفعالهما بها. و يصدق تعريف التعارض عليهما سواء أ كان بمعنى تنافي المدلولين أم تنافي الدليلين في مقام الإثبات.

و الثاني- أي التنافي في المدلول التضمني- نظير العامّين من وجه، و هو كثير في الأخبار، فمنها ما قيل: من تعارض قوله (عليه السلام): «أفضل صلاة المرء في بيته إلّا المكتوبة» مع قوله (صلى اللَّه عليه و آله و سلم): «صلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة فيما عداه إلّا المسجد الحرام» و وجه التعارض واضح، فإنّ الأفضل للمتنفِّل بمكة و المدينة الصلاة في داره بمقتضى إطلاق الخبر الأوّل، كما أن الأفضل له هو الإتيان بالنافلة في أحد المسجدين بمقتضى إطلاق الخبر الثاني الشامل للمكتوبة و النافلة، فمورد الاجتماع هو التنفل في المسجدين.

و الثالث- أي التنافي في المدلول الالتزامي- يجري في الالتزام الشرعي تارة، و في الالتزام العقلي أخرى. أما الدلالة الالتزامية الشرعية، فكما إذا دلّ دليل على وجوب القصر في أربعة فراسخ، و دلّ دليل آخر على وجوب الصوم فيها، فإنّهما من حيث المدلول المطابقي لا منافاة بينهما، لتعدد الموضوع. لكن الملازمة الشرعية بين الإفطار و القصر الثابتة بدليل خارجي- و هو قوله (عليه السلام): «كلّما قصّرت أفطرت، و كلما أفطرت قصّرت»- أوجبت التنافي بينهما، و حينئذ فما يدل على وجوب القصر ينفي التزاما وجوب الصوم، كما أن ما يدل على وجوب الصوم ينفي التزاما وجوب القصر.

و أما الدلالة الالتزامية العقلية، فكما إذا دلّ دليل على وجوب شي‏ء، فانه يدل بالالتزام العقلي على وجوب ما يتوقف عليه، و إذا ورد ما يدلّ على عدم وجوب تلك المقدمة دلّ‏

18

أو الأدلة (1) بحسب (2) الدلالة و مقام (3) الإثبات على (4) وجه التناقض‏

على عدم وجوب ذلك الشي‏ء لا محالة مع فرض بقاء التوقف، فيتعارضان من حيث الدلالة الالتزامية العقلية (1).

(1) كاختلاف أخبار الحبوة في مقدارها من كونه سبعة أو أربعة أو ثلاثة أو اثنين‏ (2)، فإنه لمّا كانت الروايات في مقام تحديد الحبوة فلا محالة يقع التعارض بينها، لأنّ كلّا منها ينفي بالدلالة الالتزامية الناشئة من التحديد- الظاهر في الحصر- ما يثبته الآخر، فراجع.

و كروايات العارية، فإنّ بعضها ينفي الضمان فيها مطلقا (3)، و بعضها ينفيه إلّا في عارية الذهب و الفضة (4)، من غير فرق في ذلك بين المسكوك و غيره، و بعضها ينفيه إلّا في عارية الدرهم، فإنه مضمون على المستعير مطلقا سواء شرط عليه الضمان أم لا (5)، و بعضها ينفيه إلّا في عارية الدنانير سواء اشتراط الضمان على مستعيرها أم لا (6). و سيأتي تفصيل تعارض أكثر من دليلين في مسألة انقلاب النسبة إن شاء اللّه تعالى.

(2) متعلق ب «تنافي» يعني: أن التعارض وصف الأدلة لا المداليل، و قد تقدم بيانه عند توضيح الوجه الثاني من وجهي عدول المصنف عن تعريف المشهور.

(3) الظاهر أنه عطف تفسيري للدلالة المراد بها الحجية التي يثبت بها الحكم الشرعي.

(4) الظاهر أنه متعلق بمحذوف مثل «كائنا» و نحوه، و ليس متعلقا بالتنافي، و غرضه من قوله: «على وجه التناقض أو التضاد» بيان منشأ تعارض الدليلين في مرحلة الإثبات، لا بيان كيفية تعارض نفس الدليلين من أنه على وجه التناقض تارة، و على وجه التضاد أُخرى.

____________

(1) بحر الفوائد، 4- 4

(2) الوسائل، ج 17، الباب 3 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد، ص 439 إلى 441

(3) الوسائل، ج 16، كتاب العارية، الباب 1، الحديث: 3، ص 236

(4) المصدر، الباب 3، الحديث: 2، ص 239

(5) المصدر، الحديث: 3، ص 240

(6) المصدر، الحديث: 1، ص 239

19

أو التّضاد (1)

و توضيحه: أن التعارض و إن كان وصفا لنفس الدليلين- لا وصفا للمدلولين- كما مرّ مشروحا، لكن الواسطة الثبوتية لتعارض الخبرين هي تنافي المدلولين، و من المعلوم أن تنافي المدلولين يكون بنحو التناقض تارة كما في دلالة أحدهما على وجوب شي‏ء و الآخر على عدم وجوبه، و يكون بنحو التضاد أخرى، كما في دلالة أحدهما مثلا على استحباب صلاة العيدين جماعة في عصر الغيبة و دلالة الآخر على حرمتها بناء على تضاد الوجوب و الاستحباب.

و يشهد لما ذكرناه من أن مراد المصنف بيان منشأ التعارض لا جعل التناقض و التضاد في نفس الحجية- حتى يشكل بما سيأتي بيانه في التعليقة من كون التعارض في الحجية على وجه التضاد دائما كما أفاده شيخنا المحقق العراقي- تعبيره في الفوائد، قال فيها:

«التعارض و إن كان هو تنافي الدليلين بحسب المدلول، للتناقض أو التضاد بين المدلولين» (1). و هذا صريح في أن التعارض و إن لم يكن تنافي المدلولين كما زعمه المشهور، بل هو تعارض الدليلين، لكن منشأ تعارض الدليلين تناقض مدلوليهما تارة و تضادهما أخرى. و يستفاد هذا من عبارة الحاشية أيضا، قال فيها: «و لا ينافي ذلك- أي كون التعارض وصفا قائما بنفس الدليلين- كون المنشأ تنافي المدلولين، لسراية التنافي إليهما بما هما دليلان ...» [1] (2).

(1) الوجه في زيادة قيد «التضاد» و عدم الاقتصار على التنافي بنحو التناقض هو: أنّ التنافي الّذي فسّر به التعارض لمّا كان موهما لاختصاص التعارض بالتناقض- لأن مقتضى التنافي هو النفي و الرفع الّذي هو نقيض كل شي‏ء- دعا الشيخ و المصنف و غيرهما «(قدّس سرّهم)» إلى أخذ قيد التضاد في تعريفه ليعمّ التعارض مطلق التمانع بين المداليل.

و دعوى عدم الحاجة إلى قيد «التضاد» لأن الدليلين الدالين على المتضادين بالمطابقة

____________

[1] أورد شيخنا المحقق العراقي «قده» و غيره على تعريفي المشهور و المصنف بما محصله: أما الإشكال على تعريف المشهور فبلزوم الاقتصار على قيد التناقض، إذ بعد تعميم المدلول للمدلول‏

____________

(1) الفوائد المطبوعة مع حاشية الرسائل، ص 324

(2) حاشية الرسائل، ص 255

20

..........

يدلان على المتناقضين بالدلالة الالتزامية، فتقييد التنافي بالتناقض كاف في عموم التعريف للمتضادين غير مسموعة، لعدم ثبوت كفاية الدلالة الالتزامية في الحدود إن لم‏

____________

الالتزامي يكون تمانع المدلولين دائما على وجه التناقض و إن كانا دالّين بالمطابقة على حكمين متضادين كالوجوب و الحرمة، إلا أنّهما دالّان على أمرين متناقضين بالالتزام. و أما الإشكال على تعريف المصنف فبلزوم إلغاء قيد التناقض، فان المدلولين و ان كانا متناقضين، لكن لمّا كان التعارض في مرحلة الحجية- و هي أمر وجودي- فلا وجه حينئذ لتوسعة التنافي بكونه على وجه التناقض‏ (1).

لكنه لا يخلو من غموض، و ذلك أما ما أورد على تعريف المشهور، فالظاهر- كما ذكرناه في التوضيح- أنّ أخذ قيد التضاد مع دلالة التناقض عليه، إنما هو للزوم كون الحدّ تاما في وفائه بالمحدود و كونه أجلى منه. و الاقتصار على كلمة التناقض باعتبار دلالته الالتزامية على ما لو كان تقابل الحكمين بالتضاد بعيد عن قانون التعريف.

و أما الإشكال على تعريف الماتن- بالاقتصار على كلمة التضاد و إلغاء قيد التناقض- فقد تقدم بيانه في التوضيح من أنه ناظر إلى تناقض المدلولين تارة و تضادهما أخرى، و ليس ناظرا إلى تنافي الحجتين حتى يكون بنحو التضاد دائما.

و أما توجيه أخذ التناقض في تعريف الماتن «فيما دلّ أحد الخبرين على وجوب شي‏ء و الآخر على عدمه بلحاظ استحقاق العقوبة على الترك و عدم استحقاقه، فانهما متناقضان» (2) فلا موجب للالتزام به بعد ما عرفت من كلام المصنف في الفوائد. مع أن شيئا من استحقاق المؤاخذة و عدمه ليس مدلول الخبرين، بل هو أثر الحكم الإلزامي، و الظاهر إناطة التعارض بنفس مؤدى الدليلين لا بلازمهما و ما يترتب عليهما من استحقاق المؤاخذة، فإن موضوع الأخبار العلاجية المذكور فيها هو الخبران المتعارضان، و إرجاع الخبرين إلى استحقاق العقوبة و عدمه كما ترى.

هذا مضافا إلى اختصاص هذا التوجيه بالخبرين الدالّين على الحكمين الإلزاميّين و عدم شموله لسائر الأخبار المتعارضة.

____________

(1) نهاية الأفكار، 4- 372

(2) نهاية الدراية، 3- 141 و 142

21

حقيقة أو عرضا (1)،

يكن اللازم من البيِّن بالمعنى الأخص، لبناء الحدّ على تعريف المحدود و رفع الخفاء عنه.

(1) هاتان الكلمتان متعلقتان بقوله: «التضاد» فالمقصود أن التنافي على وجه التضاد إما حقيقي و إما عرضي. و قد عرفت أن فرض التعارض في موارد التضاد العرضي فارق آخر بين تعريفي المصنف و المشهور للتعارض، فانهم اقتصروا على التضاد الحقيقي، و لذا قال شيخنا الأعظم «قده» بعد تعريف التعارض: «و كيف كان فلا يتحقق إلّا بعد اتحاد الموضوع، و إلّا لم يمتنع اجتماعهما» و لكن المصنف «قده» فرض قسمين للتضاد، قال في حاشية الرسائل ذيل كلمة «التضاد» ما لفظه: «حقيقة، بأن يمتنع واقعا اجتماعهما و لو بحسب الشرع. أو علما بأن علم إجمالا كذب أحدهما ...» (1).

و كيف كان فالمراد بالتضاد الحقيقي هو تنافيهما بحسب مفهومهما لا بسبب أمر خارجي، كما عرفت في مثال استحباب الجماعة في صلاتي العيدين و حرمتها. أو المراد بالتضاد العرضي هو تمانع الدليلين بسبب أمر خارجي- مانع عن شمول دليل الاعتبار لهما- كالعلم الإجمالي بكذب أحد الخبرين من دون أن يكون بين نفس المتعلقين و لا حكميهما- اللذين علم إجمالا بكذب أحد الخبرين الدالين عليهما- تناقض و لا تضاد.

و قد عدّ المصنف له في الحاشية صورتين، فقال بعد عبارته المتقدمة آنفا: «بأن علم إجمالا كذب أحدهما كتعارض دليلي الظهر و الجمعة يومها، و القصر و الإتمام في بعض الموارد. و كذا لو علم إجمالا كذب أحد الخبرين و لو كان أحدهما في أبواب الطهارات و الآخر في الدّيات».

أما الصورة الأولى فقد مثّل المصنف لها بتعارض دليلي الظهر و الجمعة يومها. و القصر و الإتمام في بعض الموارد. و أما الصورة الثانية فكما إذا دلّ أحد الخبرين على انفعال البئر بملاقاة النجاسة، و دلّ الآخر على استحباب الوضوء نفسيّا، فإنه لا تنافي ذاتا بين مدلولي هذين الدليلين، لتعدد موضوع الحكمين، و لم تثبت ملازمة بينهما كما ثبتت بين القصر في الصلاة و الإفطار. لكن العلم الإجمالي بكذب أحدهما يمنع عن حجيتهما معا كالدليلين المتناقضين و المتضادين. و لو لم يكن هذا العلم الإجمالي لم يكن مانع عن حجيتهما معا.

____________

(1) حاشية الرسائل، ص 256

22

بأن (1) علم كذب أحدهما إجمالا مع عدم امتناع اجتماعهما أصلا (2).

و المتحصل من كلام المصنف في تعريف التعارض هو: أن التعارض يوصف به الأدلة لا المداليل، يعني تمانع الدليلين في شمول دليل الاعتبار لهما، و هو منحصر في صور ثلاث:

الأولى: أن يكون منشأ تعارض الدليلين تناقض مدلوليهما كالوجوب و عدمه.

الثانية: أن يكون منشؤه تضاد المدلولين حقيقة كالوجوب و الحرمة.

الثالثة: أن لا يكون منشؤه تنافي المدلولين أصلا، بل العلم الإجمالي بكذب أحد المتعارضين أوجب التعارض بين الدليلين و عدم شمول دليل الاعتبار لهما، و يطلق على هذا القسم التعارض بالعرض.

(1) هذا تفسير للتضاد العرضي، و قد عرفت انطباقه على صورتين كما نقلناه عن حاشية الرسائل، و مثّل كثير من الأصوليين للعلم الإجمالي بكذب أحد الدليلين بنظائر مثال استحباب الوضوء و انفعال ماء البئر [1].

(2) يعني لا عقلا و لا شرعا. لكنّه على هذا التعميم يخرج عن التعارض موضوعا و حكما، فالأولى إسقاط كلمة «أصلا» أو إبدالها ب «عقلا» حتى تندرج صورة العلم الإجمالي في باب التعارض حكما كما سيأتي في التعليقة.

____________

[1] لعل الأولى التمثيل للتعارض بالتضاد العرضي- الّذي هو خارج حقيقة عن التعارض و داخل فيه عرضا أي لدليل خارجي- بالصورة الأولى من هاتين الصورتين و هي مثال صلاتي الظهر و الجمعة، حيث إنه لا تنافي بينهما بعد تعددهما موضوعا، و إمكان تشريع الوجوب لهما معا، لكن الشارع لمّا لم يوجب يوم الجمعة إلّا إحداهما، فكل من دليليهما يثبت مؤداه مطابقة، و ينفي مؤدى الآخر التزاما، فيثبت التناقض بينهما بالدلالة الالتزامية، فدليل وجوب الظهر يدل مطابقة على وجوبه و التزاما على عدم وجوب الجمعة، و كذا العكس. و من المعلوم أن هذا التناقض نشأ من الدليل الخارجي القائم على وحدة الفريضة في ظهر يوم الجمعة، كما أن تضاد المتعلقين نشأ أيضا من هذا الدليل الخارجي، إذ لا تضاد حقيقة بينهما، و التضاد لم ينشأ إلّا من وحدة التكليف.

و نظير هذا المثال الماء القليل المتنجس المتمم كرّا بطاهر، فإنه لا مانع عقلا من نجاسة المتمّم و طهارة متمِّمه، لاستصحابهما. إلّا أنه ادّعي الإجماع على عدم كون الماء الواحد محكوما بحكمين،

23

..........

..........

____________

فتأمل.

و بالجملة: فبسبب الدليل الخارجي تندرج نظائر دليلي الظهر و الجمعة في التعارض، إذ به يتحقق التنافي بينهما و هو التناقض الناشئ من الدلالة الالتزامية و يجري عليهما أحكام التعارض.

و أما التمثيل لهذا القسم- أي: العلم الإجمالي بكذب أحد الدليلين- بمثل انفعال البئر و استحباب الوضوء نفسيا- ففيه: أنه و ان كان في نفسه صحيحا، لكنه أجنبي عن باب التعارض، ضرورة أن مجرد العلم الإجمالي بكذب أحد الدليلين لا يوجب تناقضا و لا تضادا في المتعلقين و لا في حكميهما حتى يصدق عليهما تعريف التعارض، فان صدقه على الدليلين منوط بتناقضهما أو تضادهما حقيقة كالوجوب و عدمه أو الوجوب و الحرمة، أو عرضا كتناقض دليلي الظهر و الجمعة الناشئ من حكم الشارع بكون الفريضة إحداهما، فانه يوجب مناقضة مدلول كل منهما مطابقة لمدلول الآخر التزاما على التقريب المتقدم آنفا.

و كالتناقض الناشئ من الملازمة الشرعية بين حكمين كوجوب القصر و الإفطار، فإذا دلّ دليل على وجوب القصر مطابقة كان دالا على عدم وجوب الصوم التزاما، كما أنه إذا قام دليل على وجوب الصوم مطابقة كان دالا على عدم وجوب القصر التزاما، فيقع التعارض بين الدلالة المطابقية لكل منهما مع الدلالة الالتزامية للآخر، فالقصر واجب بالدلالة المطابقية لأحد الدليلين و غير واجب بالدلالة الالتزامية للدليل الآخر، و كذا الإتمام.

فصور التعارض التي تجري فيها أحكام التعارض منحصرة في تنافي الدليلين بالتناقض أو التضاد حقيقة كما مر آنفا، أو عرضا إمّا لحكم الشارع بوحدة الحكم كما في مثال الظهر و الجمعة، و إمّا لحكمه بالملازمة بين حكمين كوجوب القصر و الإفطار على ما مرّ آنفا.

و أما مجرد العلم الإجمالي بكذب أحد الدليلين من دون حصول التنافي بينهما لا مطابقة و لا التزاما- كالدليلين الدالّ أحدهما على انفعال ماء البئر بالملاقاة و الآخر على الاستحباب النفسيّ للوضوء- فلا يوجب اندراجهما في باب تعارض الخبرين و جريان أحكامه عليهما، بل يعامل معهما معاملة العلم الإجمالي، فإن كانا دالّين على الحكم الإلزامي كدلالة أحدهما على وجوب جلسة الاستراحة و الآخر على حرمة شرب التتن جرى عليهما حكم العلم الإجمالي من لزوم الاحتياط بناء على كون العلم بجنس التكليف كالعلم بنوعه في التنجيز.

و إن كان أحدهما دالّا على الحكم الإلزامي و الآخر على الترخيصي جرى فيه أصل البراءة، لرجوع الشك فيه إلى الشك في التكليف.

24

..........

..........

____________

و كيف كان فلنعد إلى ما وعدنا بيانه من اختلاف تفسير التعارض بما أفاده الشيخ و المصنف «قدهما» و عدمه، ثم تعقيبه بما أورد على كل منهما، فنقول و به نستعين: قال شيخنا الأعظم:

«و غلب في الاصطلاح على تنافي الدليلين و تمانعهما باعتبار مدلولهما، و لذا ذكروا ...» و قريب منه تعريف الماتن في الفوائد كما تقدم في (ص 19). و قال المحقق الميرزا الآشتياني «قده»: «و ان كان الظاهر على ما صرّح به شيخنا الأستاذ في مجلس البحث عدم اتصاف المدلول به عندهم، و كون هذا التعريف مبنيّا على الإشارة إلى كون تنافي الدليلين إنما هو باعتبار مدلوليهما» (1). و على هذا فقد تفطّن الشيخ الأعظم لعدم اتصاف المدلولين بالتعارض و إن اتّصاف بالتنافي و التمانع، و أنّ التعارض وصف لنفس الدليلين و الأمارتين. و هذه النكتة المحكية عن مجلس درسه الشريف جهة أُخرى في تعريف الشيخ للتعارض بتنافي الدليلين، غير ما أفاده المصنف في حاشية الرسائل من وجهين تقدّما في التوضيح، و هما: كون الوصف بحال الموصوف، و خروج موارد التوفيقات العرفية.

و أما الفرق بين التعارض و التنافي- بنظر شيخنا الأعظم- فقد تقدم مجمله في التوضيح و أوضحه المحقق الأصفهاني «قده» في تعليقته بما محصله: أنّ التنافي ينسب تارة إلى المدلولين من الوجوب و الحرمة أو الوجوب و عدمه، و أخرى إلى الدليلين بما هما دليلان و حجتان، فيكونان متنافيين في الحجية و الدليليّة، و ثالثة إلى الدليلين بما هما كاشفان عن أمرين متنافيين لتلوّن الدال بلون المدلول لفنائه فيه. و التنافي و هو عدم الاجتماع في الوجود يكون في الأولين بالذات و في الثالث بالعرض.

أما تنافي الوجوب و الحرمة فلوضوح امتناع اجتماعهما. و أما تنافي الدليلين و الحجتين كذلك فلامتناع حجيتهما معا، خصوصا إذا كانت الحجية بمعنى جعل الحكم المماثل، لأوله حينئذ إلى اجتماع الوجوب و الحرمة الفعليين في موضوع واحد، و هو محال.

و أما كون تنافي الدالين بما هما كاشفان بالعرض فلأنهما غير متمانعين في الوجود، إذ ليس الكلام في الكاشفين القطعيين أو الظنيين بالظن الفعلي حتى يستحيل اجتماعهما بالذات، بل في الكاشفين بالكشف النوعيّ، و من المعلوم إمكان اجتماعهما في الوجود، إذ التنافي في مطابقهما لا في نفسهما، و يكون توصيف الدال و الكاشف بالتنافي بالعرض، لما بين الكاشف و المنكشف من الاتّحاد جعلا و اعتبارا. و عليه يكون تنافي المدلولين واسطة في عروض التنافي على الدالين، لا واسطة في الثبوت.

و التعارض إن كان كالتنافي فهو ينسب إلى المدلول و الدليل بالذات و إلى الكاشف بالعرض،

____________

(1) بحر الفوائد، 4- 3

25

..........

..........

____________

لسراية حكم المدلول إلى الدال. و ان كان التعارض أخص من مطلق التنافي- كما هو الصحيح- لعدم اتصاف المدلول كالوجوب و الحرمة بالتعارض بل بالتمانع و التنافي، و كذلك الحجية، فإنّها لا توصف أيضا بالتعارض، بل بالمنافاة و شبهها، و إنما المتصف بالتعارض ما دلّ على الوجوب و ما دلّ على الحرمة، فيقال: «تعارض الخبران» لا «تعارض الحكمان» فهو من أوصاف الدال بما هو دال بالذات لا بالعرض و ان كان تنافيهما بالعرض من جهة سرايته من المدلول إليهما.

و عليه يتجه ما أفاده الماتن من كون التعارض تنافي الدليلين في مقام الدلالة و الإثبات، خصوصا إذا كان التعارض من العرض بمعنى الإظهار، فان لكل من الدالين المتنافيين ثبوتا، و يظهر كل منهما نفسه على الآخر، بخلاف المدلولين، فإنّه لا ثبوت إلّا لأحدهما، فلا معنى لإظهار كل منهما نفسه على صاحبه‏ (1).

و بهذا البيان يظهر وجه تصرف شيخنا الأعظم في تحديد المشهور للتعارض بجعله تنافي الدليلين لا المدلولين. و ليس وجهه ما أفاده المصنف في حاشية الرسائل من خروج موارد الحكومة عنه، و إن كان الشيخ قد أخرج بعض تلك الموارد عن التعارض أيضا بعد اعتبار اتحاد الموضوع في المتعارضين.

و على هذا فالظاهر أن التعارض عند الشيخ و المصنف «(قدّس سرّهما)» بمعنى واحد من حيث اتصاف الدليل به لا المدلول، و يكون تقابل المدلولين بالتناقض أو التضاد واسطة ثبوتية و حيثية تعليلية لتعارض الدليلين، لا حيثية تقييدية و واسطة في العروض حتى يكون التعارض قائما بالمدلولين حقيقة، و بالدليلين عناية و بالعرض.

و بهذا يظهر غموض ما في حاشية المحقق المشكيني «قده» من فرض تغاير تعريفي الشيخ و المصنف «قدهما» للتعارض، و بيان الفرق بينهما ب «كون التعارض من صفات نفس الدليلين حقيقة و ان كان منشؤه هو تنافي المدلولين على الأوّل. و من صفات المدلولين حقيقة على الثاني، فيكون تنافي المدلولين على الأوّل من الحيثيات التعليلية و واسطة في الثبوت، و توصيف الدليلين به توصيفا بحال الموصوف، و لا يصح سلبه عنه مثل توصيف الماء بالحرارة بواسطة النار. و من الحيثيات التقييدية و واسطة في العروض ... على الثاني» (2). و ذلك لأن منشأ هذه التفرقة هو قول الشيخ بعد ذكر تنافي الدليلين: «باعتبار مدلولهما» مع أن هذه الكلمة تناسب كلّا من الحيثية التعليلية

____________

(1) نهاية الدراية، 3- 140

(2) كفاية الأصول المحشّاة بحاشية المحقق المشكيني، 2- 377

26

..........

..........

____________

التي التزم بها الماتن، و الحيثية التقييدية التي قال بها المشهور كما سبق بيانه في التوضيح.

و لا وجه لحمل هذه الكلمة على خصوص إرادة الحيثية التقييدية و الواسطة في العروض مع التئامها مع كل من الحيثيتين، خصوصا بعد تصريح الشيخ- على حسب حكاية تلميذه الثقة المحقّق الآشتياني «قده»- بكون التعارض وصفا للأدلة لا للمداليل. فلو سلِّمت قرينية كلمة «باعتبار مدلولهما» في كلام الشيخ الأعظم على إرادة الوساطة في العروض اتجه ذلك بالنسبة إلى كلمة التنافي و المنافاة و شبههما، فان تنافي المدلولين و تمانعهما بالذات يسري إلى الدالين و الحاكيين، فيكون تنافي الكاشفين بالعرض، و هذا لا ربط له بمادة التعارض الّذي لا يوصف به المدلولان أصلا، إذ ليس المتصف بالتعارض إلّا نفس الأدلة كالخبرين المتصفين بالتعارض في الأخبار العلاجية.

فتحصّل من أول البحث إلى هنا: أن للتعارض تحديدين أحدهما للمشهور، و الآخر للشيخ و المصنف و من تبعهما.

و أما عدول المصنف عن تعريف المشهور لإخراج موارد الجمع العرفي، فأورد عليه أوّلا: بعدم التنافي بين المدلولين في تلك الموارد كما حكي عن المحقق النائيني «قده». أو في خصوص الورود و الحكومة، فإنّهما خارجان عن التعارض موضوعا، و سائر موارد الجمع العرفي خارجة عنه حكما كما ذهب إليه المحقق العراقي‏ (1). و عليه فلو كان التعارض بمعنى تنافي المدلولين لم ينتقض بموارد الجمع العرفي حتى يقتضي ذلك تفسيره بتنافي الدليلين أو التنافي في مقام الدلالة، فالمراد بتنافي المدلولين تمانعهما في الصدق، و هذا هو التعارض المستقر، لا مطلق التنافي حتى البدوي الزّائل بإعمال النّظر العرفي.

و ثانيا: بما أفاده شيخنا المحقق العراقي «قده» من أن تعريف المصنف و إن أخرج موارد الجمع العرفي عن موضوع التعارض، لكن لا وجه لإخراج أحكام الجمع و تمييز موارده عن مقاصد الباب، لمحض عدم إعمال المرجحات السندية أو التخيير في مواردها، ليكون التكلم في أحكام الجمع و ما يتعلق به في هذا البحث لمحض الاستطراد (2).

لكن لا محذور في الاستطراد، إذ لا بد من تمييز موارد الجمع العرفي عن غيرها، و البحث عن موجبات قوة الظهور، و حيث لم يبحث عنها في موضع آخر فلا مناص من تنقيحها في هذا المقصد.

____________

(1) نهاية الأفكار، 4- 378 و 383

(2) مقالات الأصول، 2- 184، نهاية الأفكار، 4- 371

27

و عليه (1) فلا تعارض بينهما بمجرد تنافي مدلولهما (2) إذا كان بينهما حكومة رافعة للتعارض (3) و الخصومة، بأن (4) يكون أحدهما قد سيق ناظرا

(موارد خروج الجمع الدلالي عن تعريف التعارض:) (الموارد الأول: حكومة أحد الدليلين على الآخر) (1) أي: و بناء على تعريف التعارض بتنافي الدليلين لا المدلولين لا تعارض بين الدليلين إذا كان المدلولان متمانعين متنافيين لكن لم يكن بينهما معارضة في مقام الدلالة و الحجية. و هذه العبارة كما أنّها تبيّن وجه عدول الماتن عن تعريف المشهور للتعارض إلى تعريفه بتنافي الدليلين في مقام الدلالة كما سبق توضيحه في (ص 15) عند بيان الفرق بين التعريفين، كذلك تبيِّن ثمرة التعريف المزبور، و خروج موارد الحكومات و التوفيقات العرفية عن موضوع التعارض مما يتحقق فيه منافاة بين المدلولين، لكنها لا تسري إلى دليل الحجية، لإمكان الجمع العرفي بين المدلولين.

(2) هذا الضمير و ضميرا «بينهما» في الموضعين راجعة إلى الدليلين.

(3) المقصود به تنافي المدلولين لا التعارض المصطلح عنده و هو تنافي الدليلين، لأنه «قده» يريد إخراج موارد الحكومة- التي يتحقق فيها التنافي بين المدلولين لا الدليلين- عن تعريف التعارض، فلا بد أن يراد بكلمة «التعارض» تنافي المدلولين حتى يتجه خروج موارد الحكومة عن التعارض المصطلح الّذي هو تنافي الدليلين.

(4) هذا إشارة إلى تعريف الحكومة الرافعة لتعارض الدليلين. و قد سبق منّا توضيح الحكومة و الورود و التوفيق العرفي- الشامل لهما و للتخصيص و لحمل الظاهر على الأظهر، و حمل أحد الحكمين على الاقتضائي و الآخر على الفعلي- في المقام الثاني من تتمة الاستصحاب‏ (1) كما سبق شرح الحكومة و ما يميِّزها عن التخصيص و الورود في قاعدة «لا ضرر» (2).

____________

و ليس الاستطراد في هذه الأمور فحسب، لوجود جملة أخرى من المباحث التزموا بالبحث عنها استطرادا في علم الأصول، لعدم البحث المستوفى عنها في مقامات أخرى، فالمهم البحث عن كون التعارض تنافي الأدلة أو المداليل، فلو اقتضت الصناعة تعريفه بتمانع الأدلة لم يكن إشكال الاستطراد موجبا للعدول عنه إلى تعريف المشهور.

____________

(1) راجع الجزء السابع من هذا الشرح، ص 760 و ما بعده‏

(2) راجع الجزء السادس من هذا الشرح، ص 614 إلى 616

28

..........

و مع ذلك لا بأس ببيان معنى الحكومة، فلعل الإعادة لا تخلو عن الفائدة، فنقول:

الحكومة هي كون أحد الدليلين ناظرا إلى دليل آخر و متعرِّضا لبيان كمية موضوع ذلك الدليل الآخر تعميما أو تخصيصا، فالتعميم يكون بإدخال ما ليس موضوعا في الدليل المحكوم بالتوسعة فيه و جعل فردٍ آخر لموضوع الحكم، و التخصيص يكون بإخراج بعض أفراد موضوع الدليل المحكوم و رفع الحكم عن ذلك البعض. و سيأتي بيان مثالين للتعميم و التخصيص.

و هذا التعريف هو ما أفاده المصنف هنا و في الحاشية و الفوائد، و هو موافق لما في كلمات شيخنا الأعظم «قده»، لكن الماتن خالفه في أمر آخر، و هو: أن ظاهر كلام الشيخ- بل صريحه- لزوم تقدّم صدور الدليل المحكوم على الدليل الحاكم. و ناقشه المصنف بعدم اعتبار هذا القيد، فلو سبق بيان الحاكم و تأخّر بيان المحكوم انطبق عليه ضابط الحكومة أيضا. فلنذكر أوّلا مثالين للحكومة و ثانيا كلام الشيخ، و ثالثا إشكال المصنف عليه.

أما مثال الحكومة المضيِّقة المخصِّصة لموضوع الحكم في الدليل المحكوم فهو كما إذا دلّ دليل على أن «الشاك بين الثلاث و الأربع يبني على الأربع» و دليل آخر على أن «كثير الشك ليس بشاك» فان الدليل الثاني حاكم على الأوّل، لكونه رافعا لموضوعه، فان الحكم بالبناء على الأربع حكم للشك على تقدير وجوده بنحو القضية الشرطية، يعني «كلّما شك المصلِّي بين الثلاث و الأربع- سواء كان كثير الشك أم قليله- وجب عليه البناء على الأربع» و دليل كثير الشك يهدم ذلك التقدير، لدلالته على «أن كثير الشك ليس بنظر» الشارع من أفراد الشاك» فلا يثبت له حكم «الشاك بين الثلاث و الأربع» من البناء على الأربع.

و هذه الحكومة المضيِّقة و إن كانت مشتركة مع التخصيص في كون كلّ من الحاكم و الخاصّ ذا دلالة مستقلة على مضمونه، إلّا أنها تفترق عن التخصيص بأن الحاكم ناظر إلى المحكوم و متعرض لبيان كمية موضوعه و متفرع عليه، بخلاف الخاصّ، فانه ليس متفرعا على العام.

29

..........

مضافا إلى: أن لساني العام و الخاصّ لسان المعارضة، و لذا يكون تقديم الخاصّ على العام بحكم العقل من باب الأخذ بأقوى الدلالتين، و لساني الحاكم و المحكوم لسان الملاءمة و المسالمة كما عرفت في المثال المتقدم، حيث إن الدليل المحكوم يدل على ثبوت الحكم على تقدير وجود موضوعه، و لا يدل على وجود ذلك التقدير أو عدمه، و الدليل الحاكم يهدم ذلك التقدير.

و أما مثال الحكومة الموسِّعة فهو: كما إذا دلّ الدليل على إناطة وجوب قصر الصلاة و الإفطار بالمسافة الامتدادية، و دلّ دليل آخر على أن المسافة التلفيقية هي المسافة الامتدادية، فإنّ حكومة ما دلّ على موضوعية الثمانية التلفيقية موسِّعة لموضوع دليل حكم الثمانية الامتدادية. و للحكومة الموسعة و المضيقة في الفقه أمثلة كثيرة.

و أما عبارات الشيخ الأعظم «قده» في تحديد الحكومة فلاحظها في قاعدة لا ضرر و خاتمة الاستصحاب و أول بحث التعادل و الترجيح، قال في الموضع الأخير: «و ضابط الحكومة أن يكون أحد الدليلين بمدلوله اللفظي متعرضا لحال الدليل الآخر و رافعا للحكم الثابت بالدليل الآخر عن بعض أفراد موضوعه، فيكون مبيِّنا لمقدار مدلوله مسوقا لبيان حاله ... إلخ». و ظاهر هذه الجملة الأخيرة اعتبار تقدم صدور المحكوم على الحاكم.

و أظهر من هذه العبارة قوله بعد العبارة المتقدمة- المشتملة على ما دلّ على نفي الشك عن كثير الشك و عدم الشك بعد الفراغ عن العمل و غيرهما-: «فلو فرض أنه لم يرد من الشارع حكم الشكوك لا عموما و لا خصوصا لم يكن مورد للأدلة النافية لحكم الشك في هذه الصور» بل هذا الكلام صريح في اعتبار تقدم المحكوم على الحاكم في تحقق الحكومة [1].

____________

[1] إذ بناء عليه يتفرع الحاكم على المحكوم تفرّع المفسِّر، على المفسّر، لأنه يبيِّن كمية موضوعه سعة و ضيقا، فلو لم يرد قبل الحاكم دليل كان الحاكم لغوا، إذ لا معنى لأن يكون مبيِّنا لكمية موضوع ليس له عين و لا أثر. فقول الشيخ: «فلو فرض أنه لم يرد من الشارع حكم الشكوك ... إلخ» كالصريح في إرادة ورود المحكوم متقدما على الحاكم زمانا، فإرادة التقدم عليه رتبة كما أفاده سيدنا الأستاذ «قده» (1) خلاف الظاهر، و لا بد من مزيد التأمل.

____________

(1) حقائق الأصول، 2- 552

30

..........

و وجّهه المصنف في الحاشية بقوله: «و لعلّ منشأ توهم التفرع عليه و اللغوية بدونه كون الحاكم بمنزلة الشرح، و تبعيته للمشروح لا تحتاج إلى بيان و شرح» (1) و بيانه: أن الدليل الحاكم شارح فعلي للدليل المحكوم، لأنه يتعرض لحاله و يبيِّن كمية موضوعه، و من المعلوم أن الشارح بالفعل منوط بالمشروح بالفعل، لأنّ الشارحية و المشروحية متضايفتان، و المتضايفان متكافئان في القوة و الفعلية، فلو لم يتقدم المشروح بالفعل لم يكن معنى للشارح بالفعل. و هذا البيان يقتضي استحالة تأخر المحكوم عن الحاكم، لوحدة المتضايفين في القوة و الفعلية، و هذا غير اللغوية التي وردت في عبارة الشيخ، فان اللغو ليس محالا في نفسه، بل لقبح صدوره من الحكيم يمتنع وجوده.

و لكن المصنف ردّ هذا التوجيه في الحاشية و أورد على كلام شيخنا الأعظم كما في المتن بأن أظهر أفراد الحكومة- بنظره «(قدّس سرّه)»- حكومة أدلة الأمارات على أدلة الأصول العملية، مع أنه لا يلزم لغوية جعلها و لو لم تشرّع الأصول العملية إلى يوم القيامة بديهة، لوجود الفائدة التامة في جعل الأمارات و استقلالها التام في الإفادة. و هذا شاهد على عدم اعتبار تقدم المحكوم على الحاكم أو تقارنه معه في انطباق ضابط الحكومة على الدليل الحاكم.

و أما التوجيه المتقدم عن الحاشية من اقتضاء الشارحية الفعلية وجود المشروح الفعلي، فجوابه- أزيد مما تقدم في التوضيح- هو ما أفاده المحقق الأصفهاني بقوله: «ان التضايف بين الشارح بالذات و المشروح بالذات لا المشروح بالعرض. و المشروح المقوِّم للشارح في مقام شارحيته- و هو وجوده العنواني- له ثبوت فعلي بثبوت الشارح بالذات، و المتأخر بالزمان هو المشروح بالعرض، كالمعلوم بالذات و المعلوم بالعرض، كما لا منافاة بين تأخر الشارح بالذات عن المشروح بالحمل الشائع بالزمان» (2).

و لعلّ عبارة شيخنا الأعظم ناظرة إلى غالب موارد الحكومة من تقدم المحكوم زمانا على الحاكم، أو إلى إرادة تقدمه ذاتا، قال المحقق الآشتياني: «و لا يعتبر فيها تأخر الحاكم عن المحكوم كما ربما يتوهم من بيان شيخنا في الكتاب ...» (3) لكنه ظاهر كلام الشيخ لو لا صريحه، و ليس إيهاما حتى يوجّه بالتقدم الذاتي أو الرتبي.

____________

(1) حاشية الرسائل، ص 257

(2) نهاية الدراية، 3- 143

(3) بحر الفوائد، 4- 6

31

..........

بل أصل دعوى تفرع الحاكم على المحكوم ممنوعة، فان الحاكم قد يكون ذا مفاد مستقل، و لا نظر له إلى مدلول دليل آخر- بالمعنى الّذي يظهر من كلام الشيخ للنظر- و لأجل هذا التزم المصنف بورود أدلة الأمارات على أدلة الأصول العملية كما سبق شرحه في تتمة الاستصحاب، فراجع كلماته هناك و في الحاشية و الفوائد (1).

و ليعلم أن مناقشة الماتن في مقالة شيخنا الأعظم «قده»- من حكومة الأمارات على الأصول- أمران:

أحدهما: ما تقدم في آخر الاستصحاب و سيأتي في المتن قريبا من إنكار أصل حكومتها عليها، لأن المعتبر عند الشيخ في حكومة أحد الدليلين هو النّظر- بمدلوله اللفظي- إلى مدلول الدليل المحكوم، و المفروض فقدان هذا النّظر بين أدلة الأمارات و الأصول.

ثانيهما: ما أفاده المصنف هنا بقوله: «مقدما أو مؤخرا» و حاصله- كما مر تفصيله- أنه على فرض انطباق ضابط الحكومة نقول: بعدم اعتبار سبق صدور المحكوم على الحاكم، و لا يلزم لغويته لو صدر قبل المحكوم، و لذا لا يكون جعل الأمارات لغوا قبل تشريع الأصول العملية، فتأمل في كلمات المصنف كي لا تتوهم وحدة الإشكالين و أولهما إلى أمر واحد.

(بقي التنبيه) على بعض أحكام الحكومة، و هو: أن قوام الحكومة حيث كان بتعرض الدليل الحاكم لما يراد من موضوع الدليل المحكوم تعميما أو تخصيصا، فلذا تخرج مواردها عن موضوع التعارض كخروج موارد ورود أحد الدليلين على الآخر من جهة عدم تواردهما على موضوع واحد.

فالدليل الحاكم يشبه القرينة المنفصلة من جهة و المتصلة من جهة أخرى.

أما كونه بنظر العرف في حكم القرينة المتصلة الحاكية مع ذيها عن معنى واحد فلأن الحاكم و إن كان منفصلا عن المحكوم و غير مانع عن ظهوره في مؤداه، إلّا أنه بلحاظ شارحيته له لا يغاير مدلول المحكوم. و أما كونه كالقرينة المنفصلة، فلأن المدلول و إن كان واحدا لبّا، لعدم مغايرة الشارح للمراد من المشروح، إلّا أن الدال على هذا المدلول الواحد متعدد، لفرض الانفصال و استقرار ظهور كلا الدالين. و بهذا تصير الحكومة برزخا بين القرينة المنفصلة و المتصلة، فمن حيث‏

____________

(1) حاشية الرسائل، ص 256 و 325

32

..........

وحدة المدلول تشبه المتصلة و من حيث تعدد الدال تشبه المنفصلة.

و يترتب على هذا أمران:

أحدهما: تعيّن الأخذ بمدلول الحاكم بعد الفراغ عن إثبات حكومته و إن كان أضعف دلالة على مؤداه من المحكوم، من غير ملاحظة النسبة بين دليلي الحاكم و المحكوم، و لا ملاحظة قوة الظهور و ضعفه، بل يقدم الحاكم- بعد ثبوت نظره- و لو كانت نسبته إلى موضوع دليل المحكوم العموم من وجه. و هذا بخلاف باب التخصيص و سائر موارد الجمع، فان تقديم الخاصّ و الأظهر يكون بمناط تقديم أقوى الدلالتين، و لذا يتوقف في تقديم الخاصّ في فرض مساواته للعام في الدلالة، و قد يقدم العام على الخاصّ في المقدار الّذي كان العام نصّا فيه أو أقوى ظهورا من الخاصّ.

و بهذا تظهر جهة أخرى فارقة بين بابي الحكومة و التخصيص، و هي: أن في باب الحكومة لا يخرج سند المحكوم عن الاعتبار حتى لو فرض اقتضاء دليل الحاكم طرح ظهور المحكوم رأسا بحيث لا يبقى تحت ظهوره شي‏ء من مدلوله، لأنه بعد شرح مراده بمفاد الحاكم كان بحكم القرينة المتصلة في تعيين المراد من الدليل المحكوم، و دليل التعبد بسنده لا يلغى عن الاعتبار، إذ ينتهي الأمر إلى العمل بمراده و لو بتوسيط شارحه. و هذا بخلاف باب الجمع الدلالي، فان دليل الأظهر لا يكون شارحا لمراد العام، بل العام الظاهر باق بعد على ظهوره في المراد منه مع احتمال كون المراد الواقعي على طبق ظهوره، غاية الأمر أنّه يجب رفع اليد عن حجيته عند قيام حجة أقوى على خلافه، و لازمه حينئذ بقاء مقدار من الدلالة بحاله لزوما ليكون هو المصحح للتعبد بسنده، و إلّا يلزم طرح سنده أيضا، لأنه في حكم التعبد بسند المجمل الّذي لا معنى له.

و الحاصل: أن باب الحكومة الشارحة للمراد من ظهور آخر تختلف عن باب الجمع بين الدليلين المنفصلين بمناط الأظهرية و قوة الدلالة، و عن باب القرائن المتصلة الشارحة للمراد و الكاشفة عن المقصود باللفظ (1).

هذا ما أفاده شيخنا المحقق العراقي «قده» و هو في غاية المتانة بحسب الكبرى، لكون الحاكم بمنزلة قرينة المراد. لكن الظاهر عدم الظفر به في أدلة الأحكام، فان الحكومات فيها إما موسعة و إما مضيقة، و يلحق الثاني حكم التخصيص من لزوم بقاء مورد للعمل بالعامّ و المحكوم.

الأمر الثاني: الظاهر عدم سراية إجمال الحاكم إلى المحكوم فيما لا يسري إجمال الخاصّ‏

____________

(1) مقالات الأصول، 2- 185 و 186، نهاية الأفكار، 4- 382

33

إلى بيان كمية ما أريد من الآخر (1) مقدّما (2) كان أو مؤخّرا.

أو كانا (3) على نحو إذا عُرضا على العرف وفّق بينهما بالتصرف‏

(1) أي: من الدليل الآخر و هو الدليل المحكوم.

(2) هذا و «مؤخرا» حالان من «الآخر» المراد به الدليل المحكوم، و اسم «كان» ضمير راجع إلى «الآخر» يعني: أن الحكومة- الرافعة للتعارض و الخصومة- تتحقق فيما إذا سبق أحد الدليلين للنظر إلى الآخر، سواء أ كان زمان صدور الدليل المحكوم مقدما على الدليل الحاكم- كما يعتبره الشيخ الأعظم- أم مؤخرا. و هذه نقطة الخلاف بين الشيخ و المصنف في اعتبار سبق المحكوم على الحاكم و عدمه.

(المورد الثاني: التوفيق العرفي) (3) معطوف على «إذا كان» و بيان للمورد الثاني مما لا يكون فيه تمانع بين الدليلين في مقام الدلالة و إن كان التنافي بين نفس المدلولين ثابتا. و هذا هو التوفيق العرفي و الحكومة العرفية بنظر المصنف، لا الحكومة الاصطلاحية المنوطة بكون أحدهما ناظرا إلى الآخر و شارحا له.

و قد ذكر لهذا التوفيق العرفي فرضين: أحدهما: توفيق العرف بين الدليلين- المتعارضين بدوا- بالتصرف في أحدهما، و ثانيهما: بالتصرف في كليهما. و المقصود فعلا بيان الفرض الأول، يعني: فلا تعارض بين الدليلين اللذين يكونان على نحو إذا عرضا المردد بين الأقل و الأكثر إلى العام، لفرض حجية أصالة العموم في جميع أفراد العام، و المزاحم لهذه الحجية هو القدر المتيقن من الخاصّ المجمل. و كذا الحال في باب الحكومة، فإذا ورد «أكرم العالم» ثم ورد «العالم الفاسق ليس بعالم» فان إطلاق العالم في الدليل المحكوم شامل لمرتكب الصغيرة لا عن إصرار. و الشارح و إن كان مجملا، و لعله يتوهم سراية إجماله إلى المحكوم قضية للتضايف بين الشارح و المشروح، إلّا أن الصحيح عدم سرايته، لأن شارحية الحاكم مقصورة على مقدار دلالته، و المفروض دلالته على الأقل و هو مرتكب الكبيرة، و أما غيره فلا مزاحم لأصالة الإطلاق في دليل المحكوم، فيؤخذ به.

هذا ما أفاده المصنف في الحاشية (1) و هو متين.

____________

(1) حاشية الرسائل، ص 258.

34

في خصوص أحدهما (1) كما هو مطّرد (2) في مثل الأدلة المتكفلة لبيان أحكام الموضوعات بعناوينها الأوّلية مع مثل الأدلة النافية للعسر و الحرج و الضرر و الإكراه و الاضطرار مما (3) يتكفل لأحكامها بعناوينها الثانوية، حيث (4) يقدّم في مثلهما الأدلة النافية، و لا تلاحظ

على العرف جمع بينهما بالتصرف في خصوص أحدهما، و لا يبقى متحيّرا في العمل بهما، كما هو الحال في الأدلة المتكفلة للأحكام الأوّلية- كوجوب الوضوء و نحوه- مع الأدلة الثانوية النافية للعسر و الحرج و الضرر و غيرها، فإنّها ترفع الأحكام الأوّلية، فيرتفع وجوب الوضوء بدليل نفي العسر و نحوه إذا صار الوضوء ضرريّا أو حرجيا. فيصير الحكم الأوّلي اقتضائيا و الحكم الثانوي فعليا.

و هذا الجمع هو المسمى بالتوفيق العرفي و الحكومة العرفية، و ذلك مطّرد في جميع الأحكام الأولية و الثانوية التي يكون بين موضوعاتها ترتُّب و طولية كوجوب الوضوء في المثال المتقدم، فان موضوعه- و هو نفس الغسلتين و المسحتين- مقدم على عارضه من الضرر و الحرج و نحوهما من العناوين الثانوية.

(1) هذا الضمير و ضمير «بينهما» راجعان إلى «الدليلين».

(2) هذا لا يخلو من تعريض بمختار الشيخ الأعظم «قده» القائل بحكومة أدلة نفى الضرر و الحرج على أدلة الأحكام الأولية، و قد نبّه المصنف عليه في قاعدة لا ضرر بقوله:

«و من هنا لا يلاحظ النسبة بين أدلة الأحكام، و تقدم أدلته على أدلتها، مع أنها عموم من وجه، حيث إنه يوفق بينهما عرفا بأن الثابت للعناوين الأوّلية اقتضائي ... إلى أن قال: هذا- أي التقديم- و لو لم نقل بحكومة دليله على دليله، لعدم ثبوت نظره إلى مدلوله» فراجع.

(3) بيان ك «مثل الأدلة النافية» و ضميرا «أحكامها، بعناوينها» راجعان إلى «الموضوعات» و المقصود من الأدلة النافية هو نفي الضرر و الحرج و رفع الإكراه و الاضطرار و نحوها.

(4) تعليل لقوله: «وفّق بينهما بالتصرف» يعني: أن العرف يوفِّق بينهما بأنه يقدِّم في‏

35

النسبة بينهما أصلا (1)، و يتفق (2) في غيرهما (3) كما لا يخفى.

أو بالتصرف (4) فيهما، فيكون مجموعهما قرينة على التصرف فيهما،

مثل العناوين الأولية و الثانوية خصوص الأدلة النافية، و يحمل أحكام العناوين الأوّلية على الاقتضائية و الثانوية على الفعلية، من غير ملاحظة النسبة بينهما، فيقدم دليل حكم العنوان الثانوي على دليل حكم العنوان الأوّلي و إن كانت النسبة بينهما عموما من وجه. و عليه فيقدم دليل نفي الضرر على دليل وجوب الوضوء مع كون النسبة بينهما عموماً من وجه، و يحكم بعدم وجوب الوضوء الضرري.

و لو كان بين هذين الدليلين تعارض كان اللازم إجراء قانون التعارض في المجمع في المتعارضين بالعموم من وجه، فعدم رعاية ضابط التعارض فيه دليل على خروجهما عن باب التعارض موضوعا.

(1) غرضه أن عدم لحاظ النسبة دليل على عدم كونهما متعارضين، و إلّا كان اللازم ملاحظة النسبة بينهما و إجراء أحكام التعارض في مورد الاجتماع.

(2) معطوف على «مطرد» يعني: كما يتفق التوفيق العرفي بالتصرف في خصوص أحد الدليلين في غير أدلة أحكام العناوين الأوّلية و الثانوية، كما إذا كان أحد العنوانين بنظر العرف- و لو بمناسبة الحكم و الموضوع- مقتضيا للحكم و الآخر مانعا عنه، نظير ما قيل‏ (1) من: «أكرم العلماء و لا تكرم الفساق» فإنّ العرف يقدِّم حرمة الإكرام في العالم الفاسق على وجوب إكرام العلماء، لما يراه من كون العلم مقتضيا لوجوب الإكرام و الفسق مانعا عنه [1] مع عدم كون أحد العنوانين في طول الآخر كالعنوان الأوّلي و الثانوي.

(3) أي: غير العناوين الأوّلية و الثانوية.

(4) معطوف على «بالتصرف في خصوص أحدهما» و بيان للفرض الثاني للتوفيق‏

____________

[1] لا يخلو من غموض، إذ كما يكون العلم مقتضيا لوجوب الإكرام كذلك يكون الفسق مقتضيا لحرمته، فيندرج مورد الاجتماع في تعارض المقتضيين، فلا بد من إجراء أحكام التعارض فيهما، و لا مجال للتوفيق العرفي بينهما بحمل «أكرم العلماء» على الحكم الاقتضائي و «لا تكرم الفساق» على الحكم الفعلي، فيندرج مثل هذا المثال فيما اشتمل عليه بعض الأخبار العلاجية من الخبرين اللذين أحدهما يأمر و الآخر ينهى.

____________

(1) حقائق الأصول، 2- 553

36

أو في (1) أحدهما المعيّن و لو كان من الآخر

العرفي و الحكومة العرفية، و لهذا الفرض صورتان، إحداهما: كون مجموع الدليلين قرينة على التصرف في كليهما، و ثانيتهما: كون مجموعهما قرينة على التصرف في أحدهما المعين، و المقصود فعلا بيان الصورة الأولى منهما، و حاصلها: أن من الموارد الخارجة عن تعارض الدليلين ما إذا وفّق العرف بينهما بالتصرف في دلالتهما معا بأن يكون كل منهما قرينة على التصرف في الآخر، و مثِّل له بما ورد من «أن ثمن العذرة سحت، و لا بأس بثمن العذرة» بتقريب: أن العرف يوفّق بينهما بحمل العذرة في الأوّل بمناسبة الحكم و الموضوع على عذرة الإنسان، و في الثاني على عذرة البهائم، فان الحرمة تناسب عذرة الإنسان لنجاستها، و الجواز يناسب عذرة البهائم لطهارتها، فيكون العذرة في دليل الحرمة كالنصّ في عذرة الإنسان و ظاهرا في عذرة غيره، و في دليل الجواز كالنص في عذرة البهائم و ظاهرا في عذرة الإنسان، فيرفع اليد عن ظاهر كل منهما بنص الآخر، فتكون النتيجة حرمة بيع عذرة الإنسان و جواز بيع عذرة غيره، هذا ما قيل [1].

(1) معطوف على «فيهما» و هذا إشارة إلى الصورة الثانية من الفرض الثاني من موارد

____________

نعم يمكن التمثيل للتوفيق العرفي بما دلّ على انفعال الماء القليل بالملاقاة و ما دلّ على عدم انفعال الماء ذي المادة بها، فإن مورد الاجتماع- و هو القليل ذو المادة- محكوم بعدم الانفعال، إذ المادة بنظر العرف كالكرّيّة من موانع الانفعال، فيقدّم على أدلة الانفعال مع عدم طولية القلة و المادة كالعنوان الأوّلي و الثانوي، لكونهما في عرض واحد، و مع ذلك يوفِّق العرف بينهما بحمل انفعال القليل بالملاقاة على الحكم الاقتضائي، و حمل عدم انفعال ذي المادة على الحكم الفعلي.

[1] الظاهر أن من قال بهذا الجمع في المثال المذكور أراد أن يُدرجه في باب النص و الظاهر و جعل الأوّل قرينة على التصرف في الثاني. لكن الظاهر أجنبيّة المثال عنه، لكون التيقن الّذي أُريد به النص هنا ناشئا من أمر خارجي و هو الحكم، لا من نفس اللفظ مع الغض عما يترتب عليه من الحكم، و المفروض أن لفظ «العذرة» في كلا الدليلين أمّا نصّ في معنى و إمّا ظاهر فيه، و لا يمكن أن يكون في أحد الدليلين نصا في معنى و في الآخر نصّا في معنى آخر. إلّا أن يلحق التيقن الخارجي بالنص الّذي نشأت نصوصيته من نفس اللفظ.

و لكن هذا الإلحاق يحتاج إلى الدليل، و مع فرض عدم الدليل على الإلحاق يكون مقتضى الجمع الدلالي بينهما الحمل على الكراهة الشديدة لو لم يقم دليل على خلافه، و لم يثبت اختصاص موارد استعمال «السحت» بخصوص الحرام.

37

أظهر [و لو كان الآخر أظهر] [1]

التوفيق العرفي الخارجة عن باب التعارض، و حاصلها: أنه قد يوفق العرف بين الدليلين بالتصرف في أحدهما المعين و إن كان أظهر من الآخر، كما إذا لزم من التصرف في الدليل غير الأظهر قلة المورد له أو عدمه، كما إذا قال: «أكرم الأمير و لا تكرم الفساق» فان دلالة الثاني على معناه و إن كانت بسبب الوضع أظهر من دلالة الأوّل على معناه لكونه بالإطلاق، لكن الدليل الأوّل يقدم عليه في مورد الاجتماع- و هو الأمير الفاسق- و يحكم بوجوب إكرامه، إذ التصرف في «أكرم الأمير» بعدم وجوب إكرام الأمير الفاسق يوجب قلة أفراده، و اختصاص وجوب الإكرام بالأمير العادل، و هو إما معدوم و إما نادر ملحق به، فلا محيص حينئذ من التصرف في «لا تكرم الفساق» مع أظهريته، و إخراج الأمير الفاسق عن دائرته.

و كيف كان فقد أخرج المصنف «قده» موارد عديدة عن باب التعارض:

أحدها: الحكومة.

ثانيها: التوفيقات العرفية التي منها: التصرف في أحد الدليلين بالخصوص كما في أدلة أحكام العناوين الأوّلية، فإنّ المطّرد هو التصرف فيها بحملها على الاقتضائية، و إبقاء أدلة أحكام العناوين الثانوية على ظاهرها من الفعلية.

و منها: التصرف في كلا الدليلين.

و منها: التصرف في أحدهما المعين و إن كان أظهر من الآخر من حيث الدلالة، و ذلك لجهة خارجية توجب ذلك كلزوم عدم مورد أو قلّته للدليل الآخر الظاهر لو لم يتصرف في الأظهر، و قد مرّ آنفا مثال هذا و ما قبله.

____________

[1] لا يخفى اختلاف نسخ الكفاية في المقام، ففي بعضها «و لو كان الآخر أظهر» و في بعضها «لو كان الآخر أظهر» بإسقاط الواو، و في بعضها كحاشية العلامة الرشتي «قده» (1): «و لو كان من الآخر أظهر». و هذا هو الصواب و الملائم لكلمة «و لو» الوصلية على تقدير اشتمال العبارة عليها، لدلالتها على الفرد الخفي. إذ مقتضى القاعدة التصرف في الدليل الظاهر بقرينة الدليل الأظهر، فالتصرف في الأظهر يعدّ فردا خفيّا من التوفيقات العرفية بين الدليلين، و مقتضى الإيجاز إسقاط كلمة «من الآخر» بأن يقال: «و لو كان أظهر».

و لو كانت عبارة المتن هكذا: «أو في أحدهما المعين لو كان الآخر أظهر» كان المراد بها العام‏

____________

(1) هو العالم الجليل الشيخ عبد الحسين من تلامذة المصنف «قدهما».

38

و لذلك (1) تقدم الأمارات المعتبرة على الأصول الشرعية (2)، فانه (3) لا يكاد

(1) أي: و لأجل كون الدليلين على نحو إذا عرضا على العرف وفّق بينهما- بالتصرف في أحدهما المعيّن من دون أن يرى تهافتا بينهما- تقدّم الأمارات المعتبرة غير العلمية على الأصول الشرعية من الاستصحاب و غيره، حيث أن العرف لا يرى موضوعا للأصول مع قيام الدليل و الأمارة على وفاقها أو خلافها، فان موضوع أصالة الحل مثلا هو مشكوك الحل و الحرمة، و الخبر المعتبر الدال على الحرمة يرفع الشك الّذي هو موضوع أصالة الحل، و تدخل الحرمة في الغاية- و هي قوله (عليه السلام): «حتى تعلم أنه حرام»- و تخرج عن المغيّا و هو قوله (عليه السلام): «كل شي‏ء لك حلال».

و كذا الحال في الاستصحاب، فان رفع اليد عن اليقين السابق بالخبر المعتبر غير العلمي القائم على خلافه ليس نقضا لليقين بالشك، بل هو من نقض اليقين باليقين، و هذا التوفيق العرفي هو المسمّى بالورود.

(2) تقييد الأصول بالشرعية لأجل إخراج الأصول العقلية، فانه لا خلاف بين الشيخ و المصنف «(قدّس سرّهما)» في ورود الأمارات عليها، و إنما الخلاف بينهما في وجه تقدم الأمارات على الأصول الشرعية، فالشيخ يقدّمها بالحكومة و المصنف بالورود، و عليه يكون التقييد بالشرعية ناظرا إلى كلام الشيخ.

(3) الضمير للشأن، و هذا بيان وجه التوفيق العرفي، و محصله: أن ضابط التعارض- و هو تحيّر العرف في الجمع بين الدليلين- مفقود هنا، حيث إنّه لا يلزم من تقديم الأمارات على الأصول محذور- و هو تخصيص أدلة الأصول الشرعية- أصلا، لأن التخصيص إخراج حكمي مع حفظ الموضوع كقوله: «أكرم الأمراء إلّا زيدا» مع كون زيد من الأمراء. و في المقام لا يكون دليل الأمارة مخصّصا لدليل الأصل، بل يكون رافعا

____________

و الخاصّ و المطلق و المقيد و غيرهما من الدليلين اللذين يكون أحدهما أظهر من الآخر، فان المتعين حينئذ التصرف في غير الأظهر. و الظاهر بل المعلوم عدم إرادة مثل العام و الخاصّ من هذه العبارة، لأنه صرّح بخروج العام و الخاصّ و المطلق و المقيد و مثلهما بعد ذلك بقوله: «و لا تعارض» أيضا إذا كان أحدهما قرينة على التصرف في الآخر ... مثل العام و الخاصّ و المطلق و المقيد أو مثلهما ... إلخ» فالمتعين أن يكون الصواب ما ضبطه العلامة الرشتي «قده» و قد تقدم آنفا.

39

يتحير أهل العرف [1] في تقديمها (1) عليها بعد ملاحظتهما، حيث (2) لا يلزم منه محذور تخصيص أصلا. بخلاف العكس (3)، فانه يلزم منه محذور

لموضوعه، فليس هنا إلّا دليل واحد و هو الأمارة، دون دليلين حتى يتحير العرف في الجمع بينهما، و سيأتي عند شرح كلمات المصنف مزيد توضيح لذلك إن شاء اللّه تعالى.

(1) أي: في تقديم الأمارات على الأصول، و ضمير «ملاحظتهما» راجع إلى «الأمارات و الأصول».

(2) بيان لوجه عدم تحير العرف، و حاصله- كما مر آنفا- هو: عدم لزوم محذور من تقديم الأمارات على الأصول أصلا، لارتفاع موضوع الأصول بها إمّا وجدانا بناء على حجية الأمارات ببناء العقلاء، حيث إنّها تفيد الاطمئنان الّذي هو علم عادي نظامي. و إمّا تعبدا بناء على حجيتها من باب تتميم الكشف و إلغاء احتمال الخلاف شرعا، فان الشك الّذي هو موضوع للأصول يرتفع في كلتا الصورتين، فيبقى دليل الأمارة حينئذ بلا مانع، لعدم لزوم محذور تخصيص في دليل الأصل بعد انتفاء موضوعه، و هو المراد بقوله:

«حيث لا يلزم منه محذور تخصيص أصلا». و ضمير «منه» راجع إلى «تقديمها».

(3) و هو تقديم الأصول الشرعية على الأمارات، حيث إنه يلزم من هذا التقديم محذور و هو التخصيص بلا وجه أو بوجه دائر.

أمّا الأوّل فتقريبه: أن خبر الثقة إذا قام على حرمة شرب المتن مثلا كان حجة، لكونه‏

____________

[1] فيه: ان عدم تحير العرف و إن كان مسلّما، لكنه ليس لأجل الجمع بينهما كما هو مقتضى الجمع العرفي، بل إنما هو لأجل عدم الموضوع لأحد الدليلين المانع عن جريانه و الموجب لانحصار الدليل في الآخر، فموضوع تحيّر العرف في موارد ورود أحد الدليلين على الآخر مفقود.

و إرادة المعنى العام للتوفيق العرفي- و هو مطلق الجمع بين الدليلين- لا تجدي في توجيه قوله «قده»: «و لذلك تقدم الأمارات المعتبرة ... إلخ» حيث إن معنى هذا الكلام «و للتوفيق العرفي تقدّم» و قد عرفت عدم الموضوع لهذا التوفيق في الدليلين الوارد أحدهما على الآخر. بل لا سبيل لإرادة هذا المعنى العام هنا، لأنه «قده» جعل تقديم الأمارة على الأصل من التوفيق العرفي بمعناه الأخص، لا معناه العام الشامل للحكومة و التخصيص و الورود، فتأمل في العبارة.

ثم إن في التعبير بالتخصيص هنا مسامحة بناء على إرادة الورود المصطلح كما سبق التنبيه عليه في باب الاستصحاب، فلاحظ.

40

التخصيص بلا وجه أو بوجهٍ دائر (1) كما أشرنا إليه في أواخر الاستصحاب (2).

و ليس (3) وجه تقديمها حكومتها،

مشمولا لعموم أدلة حجية خبر الواحد، و البناء على عدم اعتباره حينئذ تخصيص لعموم أدلة حجيته اقتراحا و من دون وجه، إذ لا موجب لرفع اليد عن الحجية و هي أصالة العموم.

و أما الثاني فبيانه: أن عدم حجية الخبر الدال على حرمة شرب التتن مثلا- و خروجه عن عموم دليل حجيته مع كونه فردا فعليا له- منوط بمخصّصيّة دليل الأصل له، و من المعلوم توقف مخصصيته على حجيته حتى يصلح لتخصيص الحجة و هي أصالة العموم، و حجيته أيضا موقوفة على مخصصيته، إذ لا سبيل إلى رفع اليد عن أصالة العموم إلّا بمخصّصيّة دليل الأصل لها، فتوقف المخصصية على الحجية و بالعكس دور.

(1) قد عرفت تقريب كليهما. و قد سبق توضيحه ببيان أوفى في بحث الاستصحاب فلاحظ ما ذكرناه هناك‏ (1).

(2) قال: «المقام الثاني أنه لا شبهة في عدم جريان الاستصحاب مع الأمارة المعتبرة في مورده ... و التحقيق انه للورود ... إلخ» فانه قد ذكر هناك أمرين: أحدهما ورود الأمارة على الاستصحاب. ثانيهما لزوم إشكال من تقدم الاستصحاب على الأمارة، و هو عدم الوجه في تقديمه عليها إلّا على وجه دائر.

ثم إنه «قده» قد ذكر في أواخر هذا المقام الثاني: «و أما التوفيق فان كان بما ذكرنا فنعم الاتفاق، و إن كان بتخصيص دليله بدليلها فلا وجه له» و هذا الكلام قرينة على إرادة الورود من التوفيق العرفي هنا، فلا يرد عليه أن هذا التوفيق العرفي ينافي ما اختاره هناك من ورود الأمارة على الاستصحاب. لكن هذا الوجيه لا يخلو من شي‏ء كما بيّناه في التعليقة.

(3) يعني: و ليس وجه تقديم الأمارات على الأصول الشرعية حكومة الأمارات عليها كما ذهب إليه الشيخ «قده» حيث إنه قال بعد بيان ورود الأمارات على الأصول العقلية:

«و ان كان مؤداه- أي مؤدى الأصل- من المجعولات الشرعية كالاستصحاب و نحوه كان ذلك الدليل حاكما على الأصل بمعنى أنه يحكم عليه بخروج مورده عن مجرى الأصل».

و محصل تقريب الحكومة التي عرفت ضابطها من عبارة الشيخ التي نقلناها سابقا (في صفحة 29) هو كون أحد الدليلين متعرِّضا بمدلوله اللفظي لحال الدليل الآخر و رافعا

____________

(1) الجزء السابع، ص 764 إلى 767

41

لعدم (1) كونها ناظرة إلى‏

للحكم الثابت بالدليل الآخر عن بعض أفراد موضوعه، نظير ارتفاع حكم الشك الثابت بدليله- كالبناء على الثلاث أو الأربع مثلا- بما دل على أنه «لا شك لكثير الشك» أو «مع حفظ الإمام» أو «بعد المحل». ففي المقام إذا كان مقتضى الاستصحاب حلية شي‏ء و قام خبر الثقة مثلا على حرمته كان هذا الخبر حاكما على استصحاب الحلية أي مخرجا له عن الحلية و موجبا لنقض اليقين باليقين أي بالحجة، لا بالشك.

و بالجملة: فالدليل الحاكم يرفع تعبدا الشك الّذي هو موضوع الاستصحاب و غيره من الأصول الشرعية. و هذا الكلام ظاهر في إرادة حكومة نفس الأمارة على أدلة الأصول، لا حكومة دليل اعتبارها على أدلة الأصول، و المصنف ناقش في حكومة كل من الأمارة و دليل اعتبارها بما سيأتي.

(1) أي: لعدم كون الأمارات ناظرة، و هذا تعليل لنفي الحكومة التي ادعاها الشيخ الأعظم «قده» و حاصله: عدم انطباق الضابط المذكور في كلامه للحكومة على المقام.

و ينبغي بيان منشأ نزاع المصنف و الشيخ في حكومة أحد الدليلين على الآخر، فانه قد تكرر من الماتن مناقشة كلام الشيخ في حكومة قاعدة «لا ضرر» على أدلة الأحكام الأولية، و كذا في حكومة الأمارة على الاستصحاب، و حكومته على مثل أصالتي الحل و البراءة، و ألجأته هذه المناقشة إلى اختيار الجمع بوجه آخر من التوفيق العرفي أو الورود.

و قد بيّن المصنف مرامه في مواضع من حاشية الرسائل مختصرا و في الفوائد مفصّلا (1)، و محصل ما أفاده فيهما هو: أن ما اعتبره شيخنا الأعظم في تفسير الحكومة من «كون أحد الدليلين متعرضا بمدلوله اللفظي لحال الدليل الآخر» متين جدا، فلا يكون أحد الدليلين حاكما على الدليل الآخر ما لم يكن تفسير مدلول الدليل المحكوم و تبيين كمية موضوعه مدلولا لفظيا للدليل الحاكم، فإذا لم يكن هذا النحو الخاصّ من التفسير و الشرح لم ينطبق ضابط الحكومة على هذين الدليلين، بل كان بينهما تعارض يقتضي رعاية حكمه من التخيير أو الترجيح أو تقديم أحدهما بمناط آخر كالتوفيق العرفي، و لا يكفي في الحكومة دلالة الدليل الحاكم على أمر واقعي ينطبق على موضوع الدليل المحكوم عقلا، لكن بدون النّظر و الشرح و التفسير بالدلالة اللفظية.

____________

(1) لاحظ حاشية الرسائل، ص 169 و 235 و 256، و الفوائد المطبوعة مع الحاشية، ص 324 و 325

42

..........

و بيان وجه عدم الكفاية: أن مدلولي الحاكم و المحكوم متنافيان، و الرافع لهذا التنافي هو الشرح و النّظر و التعرض المتقوِّم بها الحكومة، و إنما يتحقق النّظر إذا كان الدليل الحاكم بمدلوله اللفظي حاكيا عن حال موضوع الدليل المحكوم سعة و ضيقا، و مفسِّرا له، و مبيِّنا لكمية ما يراد منه.

هذا بحسب الكبرى. و أما تطبيقه على المقام ببيان انتفاء ضابط الحكومة بين الأمارة و الأصل، فتوضيحه: أن الشارع جعل الأمارة حجة في ظرف الجهل بالواقع، و حكم بعدم الاعتناء باحتمال مخالفته للواقع، و حجية الأمارة في هذه الحال حكم مستقل غير متفرع على جعل أصالة الحل في ما اشتبهت حليته و حرمته، و معنى حجية الأمارة- حسب الفرض- إلقاء احتمال خلاف ما أخبر به العادل أو الثقة، و معنى هذا الإلقاء هو عدم ترتيب الحكم المجعول لاحتمال الخلاف عليه. لكن دلالة الأمارة على نفي حكم الاحتمال إنما هو بمقتضى دلالته الالتزامية الثابتة في دليل الأصل أيضا، لأن دليل الأصل مثل «كل شي‏ء لك حلال» يدل أيضا على انتفاء غير الحلية من الأحكام، فان الدليل على ثبوت حكم خاص يدل على انتفاء ما ينافي ذلك الحكم، فتقع المعارضة بين الدلالتين لا الحكومة.

فان قلت: الأمارة ناظرة إلى الأصل العملي و متعرضة لحكم مورده، و ذلك لأنّه إذا أخبر العادل بحرمة شرب التتن مثلا، فمدلوله المطابقي هو حرمة شربه، و مدلوله الالتزامي اللفظي هو نفي ما عدا الحرمة- أعني الحلية الظاهرية التي هي مفاد الأصل- الثابتة لموضوعها و هو الشرب المشكوك في حكمه الواقعي. و هذه الدلالة منتفية في جانب دليل الأصل، فان خلاف الحلية الظاهرية في موضوعها هو الحرمة الظاهرية أو عدم الحلية الظاهرية، و إلغاؤها لا ربط له بإلغاء حرمة شرب التتن المترتبة على ذات الشرب لا على المحتمل.

قلت أوّلا: ان النّظر المعتبر في الدليل الحاكم عند شيخنا الأعظم «قده» هو الدلالة اللفظية التي يعبر عنها بالشرح و التفسير، و النّظر بهذا المعنى مفقود في الأمارات. ففرق بين تعرض أحد الدليلين لذات مدلول الآخر و بين تعرضه له بما هو مدلوله، و الرافع للمنافاة- المسمى بالحاكم- هو الثاني لا الأول، و المفروض أن الأمارة لا بمدلولها و لا

43

على أدلتها (1) بوجه (2). و تعرُّضها (3) لبيان حكم موردها لا يوجب (4) كونها (5)

بدليل اعتبارها ليست شارحة لما يراد من مثل «كل شي‏ء لك حلال».

و ثانيا: ان النّظر إن كان أعم من الدلالة الالتزامية العقلية لزم أن يكون دليل الأصل أيضا حاكما على الأمارة، ضرورة أن مقتضى الأصل هو الحلية التي هي مورد الأمارة الدالة على الحرمة، و من المعلوم منافاة الحلّ و الحرمة، و دلالة كل منهما بالالتزام العقلي على نفي الآخر. و هذا معنى حكومة كل من الدليلين المتنافيين- بحسب المفاد- على الآخر، و هو كما ترى. و عليه فلا بد أن يراد بالنظر الدلالة اللفظية دون العقلية الثابتة في كل دليل، حيث ان مدلوله المطابقي ثبوت الحكم لموضوعه، و مدلوله الالتزامي العقلي نفي غير ذلك الحكم عن موضوعه، و قد عرفت انتفاء النّظر اللفظي في الأمارات سواء أ كان المقصود حكومة نفس الأمارة على الأصل أم حكومة دليلها على دليله.

قال في الفوائد في توضيح تفسير الشيخ للحكومة: «ضرورة أن مجرد تعرض أحد الدليلين لذات مدلول الآخر- لا بما هو مدلوله- لا يرفع المنافاة بينهما، و لا يوجب أن يعامل معهما معاملة الشارح و المشروح، بل لا بد من ملاحظة أحكام التعارض من التخيير أو تقديم الراجح على المرجوح، و ذلك لأن التعرض لذلك ثابت لكل واحد منهما كما هو الشأن في كل متنافيين في المدلول، غاية الأمر أنّه في أحدهما بمنطوقه و مدلوله المطابقي على الفرض، و في الآخر بمفهومه و لازم معناه ...».

(1) أي: أدلة الأمارات.

(2) أي: بشي‏ء من الدلالات اللفظية الشارحة لمعنى الكلام.

(3) يعني: و مجرد تعرض الأمارات لبيان حكم مورد الأصول ... إلخ. و هذا إشارة إلى توجيه الحكومة، و إثبات النّظر للأمارات بما ذكرناه آنفا من قولنا: «فان قلت: الأمارة ناظرة إلى الأصل العملي ...» و ضمير «موردها» راجع إلى الأصول.

(4) خبر «و تعرضها» و دفع لتوجيه حكومة الأمارات على الأصول بما تقدم في «ان قلت» و هذا الدفع يرجع إلى وجهين، أولهما ما عرفته بقولنا: «قلت أوّلا ... إلخ» و قوله: «لا يوجب» إشارة إلى هذا الوجه الأوّل.

(5) أي: كون الأمارات، و ضمائر «لها، أدلتها» في الموضعين راجعة إلى الأصول.

44

ناظرة إلى أدلتها و شارحة لها، و إلّا (1) كانت أدلتها أيضا دالّة و لو [1] بالالتزام (2) على أن حكم مورد الاجتماع فعلا (3) هو مقتضى الأصل لا الأمارة، و هو (4)

(1) هذا إشارة إلى الوجه الثاني المتقدم بقولنا: «و ثانيا: ان النّظر إن كان أعم من الدلالة الالتزامية ... إلخ».

يعني: و إن أوجب تعرض الأمارات لحكم مورد الأصول كونها شارحة لأدلة الأصول و ناظرة إليها كانت أدلة الأصول أيضا ... إلخ. وجه هذه الدلالة الالتزامية هو: أن المنافاة بين الأحكام الظاهرية الثابتة بالأمارة و الأصل توجب دلالة كل واحد من الأمارة و الأصل- بالالتزام العقلي- على نفي ما عداه، فدليل حرمة شرب التتن مثلا يدل مطابقة على الحرمة و التزاما عقليا على نفي حليته، و دليل حليته يدل أيضا مطابقة على حليّته و التزاما عقليا على نفي حرمته، فيتحقق التعارض بينهما في مورد الاجتماع كشرب التتن المحكوم بالحرمة بمقتضى الأمارة، و بالحل بمقتضى الأصل، و ينهدم أساس الحكومة.

و عليه فقوله: «و إلّا كانت ... إلخ» جواب نقضي لنظر الأمارة إلى الأصل، حيث إن هذا النّظر لا يختص بالأمارة، بل يشترك الأصل مع الأمارة في هذا النّظر، فيلزم حكومة كلّ من الأمارة و الأصل على الآخر، و هذا واضح البطلان.

(2) أي: الالتزام العقلي الناشئ من تنافي الحكمين المدلولين بالأمارة و الأصل.

(3) قيد قوله: «حكم» يعني: أن دليل الأصل- كأصالة الحل- يدل التزاما عقليا على أنّ الحكم الفعلي- في مورد اجتماع قاعدة الحل و الأمارة على حرمة شرب التتن مثلا- هو الحلّ الّذي يقتضيه أصالة الحل، لا الحرمة التي تقتضيها الأمارة.

(4) أي: و كون حكم مورد الاجتماع فعلا مقتضى الأصل لا الأمارة مستلزم عقلا نفى مقتضى الأمارة و هي الحرمة في مثال شرب التتن، و غرضه توضيح الإشكال على ما أفاده‏

____________

[1] الظاهر زيادة كلمة «و لو» لأنّها وصلية و تدل على فرد خفي، و المفروض انحصار الدلالة هنا في فرد واحد و هو الالتزامية، فإن دليل أصالة الحل مثلا لا يدلّ مطابقة إلّا على حلية المشكوك فيه، فلو دلّ على عدم حرمته كان ذلك دلالة التزامية عقلية ناشئة من تنافي الحلّ و الحرمة و تضادهما، و الحاكم بعدم اجتماعهما هو العقل من غير دلالة لفظية عليه.

45

مستلزم عقلا نفي ما هو قضية الأمارة، بل (1) [1] ليس مقتضى حجيتها إلّا

الشيخ من حكومة الأمارات على الأصول الشرعية بتطبيق الحكومة على كل من الأمارة و الأصل بناء على تعميم النّظر في الحكومة للالتزام العقلي كما تقدم، لكن لا معنى لحكومة كل من الدليلين على الآخر، بل ليس هذا إلّا التعارض.

(1) هذا إشارة إلى توهم و دفعه. أما التوهم الّذي مرجعه إلى تصحيح الحكومة التي أفادها الشيخ «قده» من ناحية دليل حجية الأمارة- لا من ناحية نفس الأمارة التي كان البحث المتقدم بلحاظ حكومتها على الأصل- فهو: أن نفس الأمارة كخبر الثقة الدال على حرمة شرب التتن مثلا و إن لم يكن مؤداها ناظرا إلى دليل الأصل مثل «كل شي‏ءٍ لك حلال حتى تعلم أنه حرام» حتى تصح دعوى الحكومة. إلّا أنّ دليل حجية الأمارة- كآية النبأ و غيرها- ناظر إلى دليل الأصل، لأنّ مقتضى دليل حجيتها نفي احتمال خلاف مؤدى الأمارة كحرمة شرب التتن في المثال، فان احتمال خلافه- الّذي هو موضوع أصالة الحلّ منفيّ بدليل حجية خبر الثقة، و هذا النّظر النافي لموضوع الأصل يوجب حكومة دليل الأمارة عليه، فيتم حينئذ حديث حكومة الأمارات على الأصول، كما أفاده الشيخ «قده» هذا حاصل التوهم.

و أما دفعه- المشار إليه بقوله: «بل ليس مقتضى ... إلخ»- فتقريبه الراجع إلى نفى النّظر اللفظي للأمارة المقوِّم لحكومتها على الأصل هو: أن شيئا من مؤدى الأمارة و حجيتها لا يدل لفظا على نفي مقتضى الأصل. أما مؤداها فلأنه ليس إلّا الحكم الواقعي.

و أما حجيتها فلأن مقتضاها ليس إلّا لزوم العمل شرعا بمقتضى الأمارة، أي جعل الحكم المماثل على طبق مؤداها، دون تتميم الكشف و إلغاء احتمال الخلاف و تنزيل الظن منزلة

____________

[1] الظاهر ان الأولى تبديل «بل» ب «إذ» لأن السياق يقتضي علّية «بل ليس مقتضى حجيتها ... إلخ» لقوله: «لا يوجب كونها ناظرة ... إلخ» فكأنه قيل: «ان تعرض الأمارة لمورد الأصل لا يوجب النّظر إلى دليل الأصل، لأن منشأ هذا النّظر إمّا نفس الأمارة و إمّا حجيتها، و لا نظر لشي‏ءٍ منهما إلى الأصل. أمّا الأمارة فلأنه لا دلالة لها إلّا على الحكم الواقعي كحرمة شرب التتن. و أما حجيتها فلأنه لا دلالة لها إلّا على لزوم العمل على طبق الأمارة أي جعل حكم مماثل لمؤدّاها. و شي‏ء منهما لا نظر له إلى دليل الأصل».

فينحل جواب المصنف عن النّظر الّذي أفاده الشيخ «قدهما» إلى جوابين: أحدهما نقضي، و هو

46

نفي ما قضيّته عقلا (1) من دون دلالة عليه (2) لفظا، ضرورة (3) أن نفس‏

العلم، و شي‏ء منهما لا نظر له لفظا إلى مؤدى الأصل.

نعم تشريع الحرمة مثلا التي هي مؤدى الأمارة مناف عقلا لتشريع الحلية في مورد الأصل. و كذا العكس، فان حكم الأصل كحلية شرب التتن مثلا ينافي أيضا عقلا مؤدى الأمارة و هي حرمته.

و بالجملة: فليس المراد بالحجية نفي احتمال الخلاف و تتميم الكشف حتى يكون ناظرا إلى موضوع الأصل، بل المراد بها لزوم العمل على طبق مؤدى الأمارة كما هو أحد المباني في حجية خبر الواحد.

(1) قيد ل «نفى» و المراد بالموصول الحكم، و ضمير «قضيته» راجع إلى الحكم، يعني: بل ليس مقتضى حجية الأمارة إلّا نفي الحكم الّذي يقتضيه الأصل، و هذا النفي عقلي لا لفظي، و عقليته إنما هي لتنافي مدلولي الأمارة و الأصل كالحرمة و الحلية.

(2) أي: من دون دلالة على ما يقتضيه الأصل كالحلية لفظا، بل الدلالة عقلية كما مرّ آنفا.

(3) تعليل لنفي الدلالة اللفظية، يعني: أن هذه الدلالة لا بد أن يكون الدال عليها نفس الأمارة أو دليل اعتبارها، و شي‏ء منهما لا يدل عليها، إذ الأمارة لا تدل إلّا على الحكم الواقعي كحرمة شرب التتن، و دليل اعتبارها- المشار إليه بقوله: «و قضية حجيتها ليست ... إلخ»- لا يدل إلّا على جعل الحكم الظاهري المماثل لمؤدى الأمارة، و هذا مراده ب «لزوم العمل على وفقها شرعا» و عليه فلا يدل شي‏ء من الأمارة و دليل حجيتها لفظا على نفي ما يقتضيه الأصل، و نتيجة ذلك عدم حكومة الأمارة على الأصل.

____________

الّذي أشار إليه بقوله: «و إلّا كانت أدلتها أيضا ... إلخ».

و ثانيهما: حلِّي، و هو ما أشار إليه بقوله: «بل ليس مقتضى حجيتها ... إلخ» و هذا الجواب مبني على كون الحجية بمعنى جعل الأحكام على طبق مؤديات الأمارات، فحرمة شرب التتن مثلا المدلول عليها بخبر الثقة و كذا لزوم العمل بها لا نظر لهما لفظا إلى الحلّ الّذي هو مقتضى أصالة الحل. نعم لا تجتمع الحرمة و الحلية في موضوع واحد من باب استحالة اجتماع الضدين عقلا، و هذا أجنبي عن النّظر أي الدلالة اللفظيّة المعتبرة في الدليل الحاكم كما مرت الإشارة إليه غير مرة.

47

الأمارة لا دلالة له (1) إلّا على الحكم الواقعي (2)، و قضية حجيتها ليست إلّا لزوم العمل على وفقها شرعا [1] المنافي (3) عقلا للزوم العمل على خلافة (4)، و هو (5) قضية الأصل، هذا.

مع احتمال أن يقال (6): إنّه ليس قضية الحجية شرعا إلّا لزوم العمل على‏

(1) أي: للأمارة، و الصناعة تقتضي تأنيثه، لكنه لم يؤت به مؤنّثا حتى في النسخة المطبوعة على النسخة الأصلية.

(2) واقعيّته إنّما هي بلحاظ ثبوته للشي‏ء بعنوانه الأوّلي كشرب التتن، لا بعنوانه الثانوي و هو مشكوك الحكم حتى يكون حكما ظاهريا.

(3) نعت ل «لزوم» في قوله: «إلّا لزوم العمل».

(4) الأولى تأنيث الضمير، لرجوعه كرجوعه ضميري «حجيتها، وفقها» إلى الأمارة.

(5) أي: و خلاف الأمارة- كالحلية- يكون مقتضى الأصل.

(6) هذا جواب آخر عن نظر الأمارة عقلا إلى الأصل، و نفي مفاده لأجل تضاد

____________

[1] فيشترك الأصل و الأمارة في كيفية الحجية، لأنّها حينئذ جعل الحكم شرعا لكلّ من مؤدى الأمارة و الأصل، فلا فرق بينهما في كيفية الحجية و في دلالة كل منهما على مدلوله مطابقة و على نفى الآخر التزاما، فلا ورود و لا حكومة للأمارة على الأصل، بل لا بد من معاملة التعارض بينهما.

لكنه كما ترى لا يمكن الالتزام به.

و لعل الأولى في الإشكال على النّظر المعتبر في حكومة الأمارة على الأصول أن يقال أوّلا: انه لا نظر في البين، لا في نفس الأمارة إن كان المقصود حكومتها على الأصل، و لا في دليل اعتبارها إن كان الغرض حكومته على الأصل، إذ الأمارة لا تدل إلّا على الحكم الواقعي، و دليل الحجية لا يدل إلّا على جعل حكم مماثل لمؤدى الأمارة.

و ثانيا: ان النّظر على فرض وجوده مشترك بين الأمارة و الأصل، لأن الحجية في كليهما بمعنى واحد و هو جعل الحكم الظاهري. و المنافاة بين الحكمين الظاهريين- اللذين أحدهما مؤدى الأمارة كالحرمة و الآخر مفاد الأصل كالحلية- توجب طرد كل منهما للآخر، و هذا الطرد ليس هو النّظر اللفظي المعتبر في حكومة أحد الدليلين على الآخر، بل هو حكم عقلي ناش من تضاد نفس الحكمين المدلول عليهما بالأمارة و الأصل.

48

وفق الحجة عقلا، و تنجز الواقع مع المصادفة، و عدم تنجزه في صورة المخالفة.

و كيف كان (1) ليس (2) مفاد دليل الاعتبار هو وجوب إلغاء احتمال الخلاف‏

الحكمين. و حاصل هذا الجواب إنكار جعل الحكم المماثل للأمارة حتى يكون مضادا لما يقتضيه الأصل و تنفيه الأمارة عقلا، و تصير حاكمة على الأصل. توضيحه: أن من مباني حجية الأمارات غير العلمية جعل الحجية لها التي هي من الأحكام الوضعيّة القابلة للجعل بالاستقلال شرعا كما تقدم في مباحث الاستصحاب. و ليس مقتضى الحجية إلّا تنجز الواقع مع الإصابة و العذر مع الخطاء، من دون جعل حكم شرعي مماثل للمؤدى كالحرمة حتى ينافي هذا الحكم ما يقتضيه الأصل كالحلية و يكون ناظرا إليه و نافيا له بالالتزام العقلي.

و بالجملة: فليس للمؤدى حكم حتى ينفي عقلا ما يقتضيه الأصل، و تحكم عليه الأمارة. و الفرق بين الحجية في الأمارات و الأصول حينئذ هو: أن الحجية في الأمارات لا أثر لها إلّا التنجز مع الإصابة و العذر بدونها، بخلاف الحجية في الأصول، فان مقتضاها جعل الحكم الظاهري فيها.

و أما ما تقدم من قوله «قده»: «بل ليس مقتضى حجيتها ... إلخ» فقد عرفت أن مقصود المصنف منه جعل الحجية في الأمارات و الأصول بمعنى واحد- و هو جعل الحكم الظاهري في كلتيهما- حتى يدل كل منهما بالالتزام العقلي على نفي ما يقتضيه الآخر.

فصار المتحصل إلى هنا: عدم الوجه في حكومة نفس الأمارة و لا دليل اعتبارها على الأصل، لانتفاء النّظر المعتبر في تحقّق الحكومة، و قد مرّ وجه عدم النّظر اللفظي بل و لا العقلي لا في الأمارة و لا في دليلها.

(1) يعني: سواء قلنا بكون الحجية مقتضية لجعل المؤدى في الأمارات كما هو المنسوب إلى المشهور، أم قلنا بكون الحجية- كما احتمله هنا و اختاره في محله- بمعنى تنجيز الواقع مع الإصابة و التعذير بدونها، لا مجال لحكومة الأمارة على الأصل إلّا بمعنى آخر في الحجية و هو تتميم الكشف و تنزيل الظن منزلة العلم.

(2) غرضه تسليم الحكومة على تقدير دلالة دليل الاعتبار على إلغاء احتمال الخلاف،

49

تعبدا كي يختلف الحال (1)،

و تنزيل الأمارة منزلة القطع كما أفاده الشيخ «قده». لكن الإشكال في إثبات هذا المبني.

و كيف كان فلمّا اعترف المصنف بالحكومة على هذا المبنى تصدّى لدفع الإشكال الّذي أوردوه على الحكومة على ذلك المبنى أيضا، و قد أفادهما في حاشية الرسائل توضيحا لحكومة الأمارة على الأصل الّتي ادعاها شيخنا الأعظم «قده».

و محصل ذلك الإشكال: لزوم حكومة كل من الأمارة و الأصل على الآخر، حيث إن دليل اعتبار الأمارة القائمة على حرمة شرب العصير مثلا ينفي احتمال خلافها و هو احتمال حليته، كما أن دليل اعتبار الأصل المقتضي لحلية شرب العصير ينفي أيضا احتمال خلافها و هو الحرمة، و أنّ احتمال الحرمة يكون شرعا بمنزلة العدم لا يترتب عليه الحكم الشرعي المترتب عليه لو لا الأصل، و من المعلوم أنه لا معنى لحكومة كل من الدليلين على الآخر، بل هذا هو التعارض، فلا بد من معاملة التعارض مع الأمارة و الأصل.

(1) أي: حال دليل الاعتبار. و هذا إشارة إلى دفع الإشكال المزبور. و توضيح دفعه: أن الخبر الدال على حرمة العصير و كذا الخبر الدال على «حلية كل شي‏ء حتى تعلم أنه حرام» مشمول لأدلة حجية الخبر، و يعم الحكم بتصديق العادل كلّا منهما، و ما يدل بالمطابقة على وجوب تصديق العادل عملا يدل التزاما على إلغاء احتمال خلافه.

إلّا أنّ الوجه في حكومة أحد الخبرين- أي الأمارة- على الآخر- أعني الأصل- هو: أن الأمارة القائمة على حرمة شرب العصير بعنوانه الأوّلي يدل بالالتزام اللفظي على إلغاء احتمال خلافه، و لا معنى لإلغاء الاحتمال إلّا إلغاء حكمه و أثره شرعا، فهذه الأمارة تدلّ على إلغاء احتمال الحلية الواقعية- التي هي خلاف ما أخبر به العادل- و حكم هذا الاحتمال هو الحلية الظاهرية، بمقتضى «كل شي‏ء لك حلال». فالأصل العملي يعارض المدلول الالتزامي للأمارة.

و هذا بخلاف احتمال خلاف مفاد «كل شي‏ء لك حلال» فان خلاف الحلية الظاهرية في موضوعها هو عدم الحلية الظاهرية أو الحرمة الظاهرية أو الاحتياط، و من المعلوم أن إلغاء هذا الاحتمال أجنبي عن إلغاء حرمة شرب العصير المترتبة على ذات الشرب لا على المحتمل، إذ لا يمسّ الأصل العملي كرامة الواقع، فهو بالمطابقة يدل على حلّيّة الشي‏ء المشكوك الحكم حِلًّا و حرمة، و بالالتزام على نفي الحرمة الظاهرية. و لا منافاة بين حرمة

50

و يكون (1) مفاده في الأمارة نفي حكم الأصل، حيث (2) إنه حكم‏

شي‏ء واقعا و حليته ظاهرا على ما تقرر في الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري.

و عليه، فدليل وجوب التصديق في طرف الأمارة يدل بالالتزام على إلغاء مفاد الأصل، و لا يدل في طرف الأصل على إلغاء مفاد الأمارة، و حيث إن هذه الدلالة التزامية لفظية مأخوذة من اقتضاء نفس عنوان التصديق فيؤخذ بها و تتحقق الحكومة المتوقفة على نظر الحاكم بمدلوله اللفظي- و لو بالالتزام- إلى المحكوم.

و الظاهر أن الالتزام بحكومة الأمارة على الأصل مبني على أمرين، أحدهما: كفاية تعرّض الحاكم بمدلوله اللفظي- و لو بدلالته الالتزامية اللفظية- للدليل الآخر، دون العكس. و عدم توقف الحكومة على وجود كلمة «أعني» و أشباهها من أدوات الشرح و التفسير، لأن المهم هو التعرض بالدلالة اللفظية، و المفروض تحققها في المقام، فان الدلالة الالتزامية تكون من أقسام الدلالة اللفظية لا العقلية.

ثانيهما: كون الحجية في الأمارات من باب تتميم الكشف و إلغاء احتمال الخلاف، لا على مبنى تنزيل المؤدى منزلة الواقع و جعل الحكم المماثل، و لا على مبنى جعل الحجية.

لكن إثبات مبنى تتميم الكشف و جعل الظن منزلة العلم بنظر المصنف «قده» مشكل.

(1) بالنصب معطوف على «يختلف» و مفسّر له، و ضمير «مفاده» راجع إلى «دليل الاعتبار» و قد عرفت مفاد دليل الاعتبار في كل من الأمارة و الأصل، و أن مفاد دليل اعتبار الأمارة- بناء على كونه إلغاء احتمال الخلاف- ينفي الاحتمال الّذي هو موضوع الأصل، فيكون حاكما عليه كما ذهب إليه الشيخ «قده».

(2) يعني: حيث إن حكم الأصل كالحلية حكم احتمال الحرمة، و غرضه من هذه العبارة بيان كون مفاد دليل الاعتبار في الأمارة نفي حكم الأصل كالحلية. توضيحه: أن إلغاء احتمال خلاف الحرمة- التي هي قضية الأمارة- أعني به الحل الّذي هو مفاد الأصل يوجب انتفاء احتمال الحرمة الّذي هو موضوع أصالة الحل. بخلاف مفاد دليل الاعتبار في الأصل، فانه لا يكون مفاده فيه نفي حكم الأمارة أعني الحرمة واقعا حتّى يلغى احتمالها، بل مفاده في الأصل نفي احتمال كون الحكم الظاهري في محتمل الحرمة واقعا غير حلّيّته كإيجاب الاحتياط. و هذا الدليل لا ينفي ما تقتضيه الأمارة من حرمة الشي‏ء