منهاج الأصول‏ / تقريرات - ج1

- محمد إبراهيم الكرباسي المزيد...
323 /
1

-

2

الجزء الاول‏

المقدمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على خير خلقه أجمعين المبعوث لتأسيس قواعد الدين و على عترته الكرام الطيبين الطاهرين و لعنة اللّه على اعدائهم و مخالفيهم من الاولين و الآخرين الى قيام يوم الدين.

و بعد فيقول الراجي عفو ربه الرحيم محمد ابراهيم بن الحاج الشيخ علي الكرباسي هذا ما استفدناه من تقرير بحث الاصول لدى استاذنا الذي انتهت اليه رئاسة التدريس فى القرن الرابع عشر شيخ الفقهاء و المجتهدين آية اللّه فى العالمين العلامة المحقق الشيخ ضياء الدين العراقي متع اللّه الاسلام بطول بقائه و الذي شرع في اول مباحثه في شهر ذي القعدة الحرام سنة 1341 هجرية كتبناه تخليدا لذكره و حبا لانتفاع الهيئة العلمية بغرر فوائده و درر فرائده و قد سميناه بمنهاج الاصول الاستنباط احكام آل الرسول (ص) راجيا من المولى أن يجعله خالصا لوجهه الكريم فانه الموفق و المعين.

و قد رتبته على مقدمة و مقاصد و خاتمة أما المقدمة ففي‏

بيان امور:

الأول: أن موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية،

و المراد

3

بالعارض ما يقابل الذاتي أي مطلق الخارج عن الشي‏ء المحمول عليه و جمعه عوارض و قد قسموا العوارض على ستة أقسام ثلاثة ذاتية و ثلاثة غريبة، اما الذاتية فالعارض اولا و بالذات كالتعجب اللاحق للانسان و العارض بواسطة أمر داخل مساو كالنطق اللاحق للانسان بواسطة الادراك و العارض بواسطة أمر خارج مساو للذات كالضحك اللاحق للانسان بواسطة التعجب.

و اما الغريبة كالعارض بواسطة أمر أعم خارج أو أخص أو مباين و اختلفوا فى الأمر السابع و هو العارض بواسطة امر داخل أعم كعروض الحركة على الانسان بواسطة الحيوان و بالجملة الملاك فى الذاتي الاستناد الى الذات و الغريب ما لا يستند الى الذات هكذا ذكر أهل الميزان و الحق كما ذهب اليه الاستاد المحقق الخراساني (قدس سره) من جعل المناط في الذاتي أن لا يكون في البين واسطة فى العروض‏ (1) سواء كانت واسطة فى الثبوت كما اذا كانت الواسطة علة لعروض‏

____________

(1) و هي أي الواسطة في العروض على ثلاثة أقسام اما أن تكون مع ذيها موجودتين بوجودين و الاشارة الى احدهما غير الاشارة الى الآخر كالحركة بالنسبة الى الجالس في السفينة أو أن تكون الواسطة مع ذيها موجودتين بوجودين إلا ان الاشارة الى أحدهما عين الاشارة الى الآخر كبياضية البياض فانها تعرض على ذات الابيض و ثانيا و بالعرض تعرض على الجسم، فالجسم و البياض موجودان بوجودين إلا ان الاشارة الى احدهما عين الاشارة الى الآخر. و ثالثها أن تكون الواسطة مع ذيها موجودتين بوجود واحد كالوجود العارض على الماهية فيقال الماهية موجودة و الظاهر ان مراده (قدس سره) من الواسطة العروضية هو القسم الاول دون القسم الثاني و الثالث فانهما يعدان من الواسطة في الثبوت و يظهر الفرق بين أهل الميزان و بين ما ذكره المحقق الخراساني (قدس سره) في عروض الحرارة-

4

العرض على موضوعه بحسب الأمر و الواقع كالحمى العارضة على الانسان بواسطة اختلال المزاج أو في الاثبات كما اذا كانت الواسطة علة للعلم بعروض العرض على موضوعه كالاقيسة المؤدية الى حصول العلم بالنتيجة و عليه فيشكل على اهل الميزان من ان الوسائط المذكورة ان كانت واسطة في العروض فكلها غريبة حينئذ لكونها بالعرض و المجاز و ان كانت واسطة في الثبوت فكلها ذاتية حتى في الأمر المباين.

توضيح ذلك هو ان نسبة المحمول الى الموضوع على قسمين قسم يكون نسبته اليه حقيقية بان ينسب الى الشي‏ء ما من حقه أن ينسب اليه كنسبة الانبات الى اللّه تعالى في قوله انبت اللّه البقل و قسم آخر تكون النسبة اليه مجازيه كنسبة الانبات الى الربيع في قولك انبت الربيع البقل، فالعرض الغريب داخل في هذا القسم بجميع أقسامه، و اما القسم الأول فلا يخلو ان يكون الموضوع فيه اما تمام الموضوع للمحمول أو جزئه، اما الأول فكعروض القول المفرد على الكلمة فان الكلمة بما هي تمام الموضوع للقول المفرد، و هذا القسم لا يخلو اما ان يكون زيادة على كونه موضوعا يكون علة تامة كعروض الاحتياج على الممكن فان الممكن زيادة على كونه تمام الموضوع هو علة تامة له، و اما ان لا يكون علة تامة بل علة نسبة المحمول للموضوع هو شي‏ء آخر كعروض الفاعلية على الكلمة فان عنوان الكلمة ليس لها دخل في عروض الفاعلية عليها بل بواسطة جعل الجاعل، كما ان عروض الاحكام على فعل المكلف اذا كان تمام الموضوع بناء على أن الاحكام مجعولات للشارع‏

____________

- على الماء بواسطة النار فانها عرض غريب على رأي أهل الميزان لكون الواسطة مباينة و ذاتية على رأيه لكون النار من الوساطة الثبوتية و هناك فروق أخر ذكرناها في حاشيتنا على الكفاية.

5

فان ذلك العنوان أي فعل المكلف ليس له دخل فى عروض الأحكام و ان الذي له الدخل هو جعل الشارع. نعم اذا قلنا انها ليست مجعولات شرعية بل الشارع كشف عما هو الواقع فتكون من قبيل الأول اي كون العنوان ذا مدخلية في نفس العروض، فهذا القسم بكلا قسمية لا اشكال في كونه ذاتيا لكون نسبة العرض الى الموضوع نسبة حقيقية، و أما اذا لم يكن كذلك فان كان اعم او أخص أو مباينا فغريب و ان كان مساويا فذاتي على خلاف فيه، و أما الثاني و هو ما اذا كان جزء الموضوع كعروض الوجوب على الصلاة فانها مركبة من الفعل مع الموالاة، فالوجوب عارض على الفعل الذي هو جزء من الموضوع فحينئذ لا يخلو اما ان يكون عروض الوجوب على الفعل عروضا استقلاليا فيكون عروضه عليه مجازا إذ من حقه ان ينسب الى الفعل مع الموالاة فنسبته الى الفعل وحده نسبة الى غير ما هو له فتكون النسبة مجازية فيعد من الاعراض الغريبة و اما ان يكون عروضه على الفعل عروضا ضمنيا باعتبار أن عروضه على الصلاة يكون منبسطا على جميع اجزائها فلكل جزء حصة من الوجوب فيعد عرضا ذاتيا إذ على هذا الوجه ينسب الى ما هو له إلا انه لا يعد مثل هذا عرضا ذاتيا لاعتبار الاستقلال في العرض الذاتي فمن هذا يظهر لك ان العرض الذاتي يشترط فيه شيئان الاستقلال في العروض و الانتساب الحقيقي فلا يكفي أحدهما دون الآخر، ثم ان المشهور عرفوا الذاتي بانه ما يعرض للشي‏ء لذاته أو لما يساويه فبقولهم لما يساويه أخرجوا ما كان بواسطة أمر أعم أو أخص او مباين فاشكل عليهم صاحب الفصول حيث قال ما لفظه:

(المراد بالعرض الذاتي ما يعرض الشي‏ء لذاته أي لا بواسطة في العروض سواء احتاج الى واسطة فى الثبوت و لو إلى مباين أعم أولا أما الأول فكالاحكام‏

6

الشرعية الطارئة على افعال المكلفين باعتبار و على الادلة باعتبار بواسطة جعل الشارع و خطابه و هو أمر مباين للافعال و الادلة و ان كان له نوع تعلق بهما و أعم من كل منهما لتحققه في الاخرى) و لا يخفى ان ما ذكره من الجعل الذي هو واسطة في ثبوت الأحكام للفعل مبني على كون الاحكام مجعولة للشارع.

و اما بناء على انها غير مجعولة بل الشارع كشف عنها، فعروض الاحكام على الأفعال تكون ذاتية و ليست بغريبة لكون الانتساب اليها بالحقيقة فتكون من الاعراض الذاتية و بالجملة ان العرض الذاتي يعتبر فيه الانتساب الحقيقي و ان يكون مستقلا فيه بان لا يكون ضمنيا، و عليه يظهر الاشكال فيما ذكره الاستاذ في ان الموضوع نفس موضوعات مسائله عينا و ما يتحد معها خارجا و ان كان يغايرها مفهوما تغاير الكلي و مصاديقه و الطبيعي و أفراده.

بيان ذلك ان العرض الذاتي هو ما يعرض على الموضوع الذي هو جامع لشتات المسائل و حاوي لمتفرقاتها مثلا الكلمة التي هي موضوع علم النحو الجامعة للفاعل في قولهم كل فاعل مرفوع و لغيره مقتضى كونها موضوعا يقتضي عروض الرفع على الكلمة عروضا ذاتيا مع انه لا يكون ذاتيا لما عرفت من أن العرض الذاتي يشترط فيه الانتساب الحقيقي و الاستقلال في الانتساب مع ان الرفع في المقام عرض على الكلمة بما انها جزء لان الرفع حسب الفرض قد عرض على الكلمة مع الفاعلية، فعروضه على الكلمة يكون عروضا ضمنيا لا استقلاليا و لأن التزمت بعروض الرفع على الكلمة عروضا استقلاليا فحينئذ انتفى الشرط الأول.

و عليه فيكون النسبة مجازية و لازم ذلك ان عروض الاعراض على الكلمة التي هي موضوع علم النحو يكون من الاعراض الغريبة فتخرج عن الاعراض الذاتية، و قس عليه موضوع علم الفقه فان الوجوب العارض على فعل المكلف بواسطة عروضه‏

7

على الصلاة يكون من العرض الغريب لان نسبته اليه بالعرض و المجاز لو كان استقلاليا و لا يكون من العرض الذاتي لو كان ضمنيا، و هكذا في سائر العلوم فان الاعراض تعرض على الموضوعات الخاصة الذي يكون الموضوع جزء منها فيكون عروضها على الموضوع عرضا غريبا اللهم إلا ان يقال ان هذه العناوين الخاصة المأخوذة في موضوعات المسائل لم تأخذ بنحو التقييد حتى يكون الموضوع جزء منها و انما أخذت بنحو التعليل فتكون هذه العناوين من الجهات التعليلية، فحينئذ يكون العرض العارض على نفس الموضوع عرضا حقيقيا و مستقلا في الانتساب، فقولنا الفاعل مرفوع ليس معناه ان الرفع عرض على الكلمة مع الفاعلية و انما الرفع حقيقة و استقلالا عرض على نفس الكلمة و سبب ذلك هو كونه فاعلا، فالفاعلية جهة تعليلية لا جهة تقييدية و هذا يجري في جميع مسائل العلوم، فان العوارض العارضة على الموضوعات الخاصة تلك الخصوصيات لم تؤخذ بنحو التقييد و انما اخذت بنحو التعليل. و بما ذكرنا يندفع الاشكال الوارد على أهل الميزان من ان العارض على موضوع العلم بواسطة امر اخص يكون من الغريب فتخرج جميع المسائل من العلوم و حاصل الدفع أن تلك الخصوصيات انما هي جهات تعليله لا جهات تقييدية فتكون اعراضا ذاتية كعروض الضحك على الانسان بواسطة التعجب فان التعجب من الجهات التعليلية فتكون من الواسطة في الثبوت، و العرض حينئذ يعرض على نفس موضوع العلم و ليس عارضا على الاخص و عروضه على الاعم بسبب اتحاده الكلي مع افراده و الطبيعي مع مصاديقه كما ادعاه الاستاذ (قدس سره).

و بالجملة ان الحيثية ان أخذت بنحو التقييد فالاعراض العارضة على موضوع المسألة عروضها على موضوع العلم من الاعراض الغريبة لكونها من الواسطة في العروض الذي ملاكه الانتساب الى الموضوع بالعرض و المجاز لعدم الاتحاد بين موضوع‏

8

المسألة مع موضوع العلم اذ الفرد مع التشخص غير الكلي، و ان اخذت الحيثية بنحو التعليل كما هو الظاهر فتكون الاعراض العارضة على موضوع المسألة عارضة على موضوع العلم عروضا حقيقيا و تكون تلك الوسائط جهات تعليله من غير حاجة الى الاتحاد خارجا و التغاير مفهوما (1). فظهر مما ذكرنا ان المراد من الواسطة في العروض ان يكون نسبة العرض الى موضوعه بالعرض و المجاز

____________

(1) و لكن لا يخفى ان هذا انما يتم بالنسبة الى مثل عروض الرفع و النصب و الجر على الكلمة بواسطة الفاعلية و المفعولية و المضاف اليه، و اما مثل عروض الاحكام على فعل المكلف المأخوذة فيها تلك العناوين بنحو التقييد كعروض الوجوب على الصلاة و نحوه المأخوذ فيه عنوان الصلاتية جهة تقييديه، فعروض تلك الاحكام عليه بالعرض و المجاز لو كان بنحو الاستقلال.

و دعوى ان اخذ تلك الحيثيات بنحو التقييد تفيد العينية بتقريب أن ما به الاشتراك عين ما به الامتياز فهو و ان كان صحيحا في حد نفسه بان تكون تلك الجهات. موجبة لاستعداد المعروض لعروض تلك العوارض بمعنى ان الكلمة من حيث الاعراب و البناء تصير مستعدة لحمل تلك العوارض عليها إلا ان تلك الحيثيات لا تنوع الاستعداد في ناحية الموضوع بان تكون كل حيثية توجب استعدادا خاصا لكي يحمل عليها تلك العوارض بل هي صالحة لحمل العوارض الأخر في حال استعدادها لهذه العوارض فالكلمة المقيدة بحيثية الاعراب و البناء مستعدة لحمل عوارض الصحة و الاعلال مضافا الى ان هذه الحيثية المأخوذة في ناحية الموضوع انما تصحح العينية اذا كانت عين الخصوصيات مع انها متباينة تباينا ذاتيا فان خصوصية الصلاتية التي هي من مقولة الفعل مع خصوصية الصيام التي هي من مقولة الترك تباينا كليا. و بالجملة اخذ الحيثية التقييدية لا يرفع الاشكال. نعم لا مانع من كونها مما يحصل بها التمايز و أخذ الحيثية التعليلية و ان رفع الاشكال من جهة

9

بنحو يصح سلبه و المراد من الواسطة في الثبوت ما يكون سببا لعروض العرض على موضوعه و تكون العوارض العارضة على الموضوع بتلك الواسطة عرضا ذاتيا سواء احتاج في عروض الواسطة على ذيها الى شي‏ء ام لا فما فسره بعض الاعاظم (قدس سره) من ان المراد من الواسطة في العروض هو ما تحتاج الواسطة في عروضها الى شي‏ء كالضحك العارض على الانسان بواسطة التعجب المحتاج في عروضه الى توسط ادراك الكليات و فسر الواسطة في الثبوت بما لا يحتاج في عروض الواسطة على ذيها الى شي‏ء كعروض التعجب على الانسان بتوسط ادراك الكليات فان عروض التعجب على الانسان غير محتاج الى عروض ادراك الكليات عليه في غير محله اذ كما يجوز أن تكون الواسطة الاولى سببا لعروض الواسطة على الموضوع كذلك تكون سببا لعروض العرض على الموضوع فان الادراك الذي هو سبب لعروض التعجب على الانسان ايضا سبب لعروض الضحك على الانسان و لا ينافى وجود سبب آخر كالتعجب مثلا لجواز ان يكون احدهما مقتضيا و الآخر شرطا اذ الواسطة في الثبوت عبارة عن كونها واقعة في مقام الثبوت مطلقا سواء كانت مقتضية ام شرطية مضافا الى انه لو سلم كون العروض بما ذكر فلا نسلم ان ذلك‏

____________

- إلا انه لا يطرد بالنسبة الى مثل عروض الوجوب على الصلاة، و اما الاتحاد في الوجود و التغاير مفهوما فهو رافع للاشكال عند من التزم بان موضوع العلم هو الكلي المتحد مع موضوعات المسائل، و قد عرفت أن الالتزام بذلك في مثل علم الفقه غير معقول اذ لا يعقل وجود جامع يجمع موضوعات مسائله التي تفترق مقولاتها بعضها عن بعض على ان هذا الاشكال انما نشأ من الالتزام بان موضوع كل علم كلي و ان ذلك الكلي هو الجامع للمسائل أما لو لم نلتزم بذلك اصلا و اكتفينا بوحدة الغرض أو وحدة الاعتبار. فلا مجال حينئذ للاشكال.

10

موجب للغرابة مع ان الواسطتين من الجهات التعليلية الموجبة لكون الانتساب حقيقيا بنحو لا يصح سلبه الذي هو ملاك العرض الذاتي كما لا يخفى.

تمايز العلوم‏

ذكروا ان تمايز العلوم بحسب تمايز الموضوعات فان علم الفقه يمتاز عن علم الاصول بموضوعه فان موضوع الفقه فعل المكلف و موضوع علم الاصول هو الادلة كما انهما غير علم النحو لتغاير موضوعه عنهما و قد اشكل عليهم باتحاد موضوع علم النحو مع علم الصرف و علم البلاغة فان الموضوع في كل منهما هو الكلمة فيلزم تداخل العلوم بعضها مع بعض و اجيب عنه بان تمايز الموضوعات بالحيثيات فان الكلمة أخذت موضوعا لعلم النحو من حيث الاعراب و البناء و في الصرف من حيث الصحة و الاعلال و في المعاني و البيان من حيث الفصاحة و البلاغة (1).

____________

(1) ذكر بعض الاساطين من مشايخنا (قدس سره) بما حاصله أخذ الحيثية فى موضوعية الموضوع و بها يكون التمايز بيان ذلك يظهر بعد ذكر امور الاول ان الحيثية اما تقييدية و أما تعليلية و ثالثة حيثية تكون عنوانا للموضوع كما يقال الماهية من حيث هي ليست إلا هى و المراد بها في المقام هي الحيثية التقييدية بمعنى انها داخلة بالمقيد بها بنحو توجب له استعدادا و قابلية لان يحمل عليه العرض مثلا الكلمة من حيث الاعراب و البناء معرب و مبني و الكلمة من حيث الصحة و الاعلال صحيحة و معتلة و الكلمة من حيث الفصاحة و البلاغة فصيحة و بليغة لا بمعنى أخذها في ناحية الموضوع و إلّا فلا معنى للحمل للزوم حمل الشي‏ء على نفسه الثاني ان انضمام الحيثيات توجب تكثر الموضوع و تعدده بعد ما كان امرا واحدا كالكلمة فانها عنوان وحداني و لكن تتعد باعتبار انضمام الحيثيات فالكلمة من حيث الاعراب و البناء التي هي موضوع علم النحو غير الكلمة من حيث الصحة-

11

و صاحب الفصول (قدس سره) لم يأخذ الحيثية في ناحية الموضوع فقال ما لفظه (فهم و ان اصابوا في اعتبار الحيثية للتمايز بين العلوم لكنهم أخطئوا في اخذها قيدا للموضوع و الصواب أخذها قيدا للبحث و هي عند التحقيق عنوان اجمالي المسائل الذي تقرر في العلم) و الظاهر ان المراد من الحيثية المأخوذة في البحث هي منتزعة من المحمولات و لذا قال الاستاذ و لا بالمحمولات اشارة الى ما قاله صاحب الفصول على ما استظهره (قدس سره) منه و يرد عليه ان ذلك غير صالح للتميز به لعدم كونه مميزا في بعض العلوم كمسألة التحسين و التقبيح العقليين المبحوث‏

____________

- و الاعلال الذي هو موضوع علم الصرف و هكذا في علم البيان اخذ في موضوعه حيثية الفصاحة و البلاغة و بالجملة انضمام الحيثيات الى الكلمة توجب تعددها الثالث ان هذه الحيثية بها جهة الاشتراك و بها جهة الامتياز فما به الاشتراك عين ما به الامتياز كالاعراض فان السواد الشديد و الضعيف يشتركان في السواد و بالسواد يمتازان فالمائز بين الضعيف و الشديد بالشدة و هي مرتبة من السواد و ليس السواد الضعيف عبارة عن السواد و عدم الشدة بل للسواد مرتبة ضعيفة و مرتبة شديدة اذا عرفت ذلك فاعلم ان موضوع العلم يتقيد و يتحصص بالحيثية و مع كل حصة يكون موضوعا لعلم خاص و بهذه الحيثية التي قيدت الموضوع تكون جامعة لجميع المسائل و بها تنطبق على موضوعات المسائل بنحو العينية لا بنحو الكلي و فرده مثلا الكلمة لما كانت عامة و تقيدت بحيثية الاعراب و البناء و جعلت موضوعا للعلم انطبقت على موضوعات المسائل انطباقا عينيا فان البحث عن الفاعل مثلا ليس لخصوصية في نفسه من تقدم و تأخر بل بما هو معرب و مبني و هكذا في جميع ابواب النحو فانها تشترك بحيثية الاعراب و البناء و تمتاز بعضها عن بعض بهذه الحيثية فباب الفاعل مع باب المفعول او المضاف اليه يشتركان في الاعراب و يمتازان في الاعراب ايضا و قد اوضحنا ذلك في تقريراتنا لبحثه (قدس سره).

12

عنها في الاصول و الكلام مضافا الى ما ذكره الاستاذ (قدس سره) ما لفظه و إلا كان كل باب بل كل مسألة من كل علم علما على حده كما هو واضح. انتهى.

و لاجل ذلك التزم الاستاذ (قدس سره) بان تمايز العلوم انما هو بالاغراض الداعية الى التدوين فوحدتها بوحدة الغرض و تعددها بتعدده و دعوى انه يلزم تعدد العلم الواحد لتعدد اشخاص الاغراض ممنوعة اذ الغرض الواحد مثل صون اللسان عن الخطأ في المقال يترتب على جل مسائل العلم فدخل كل مسألة في الغرض دخل جزء في الكل بخلاف موضوعات المسائل و محمولاتها نسبتها الى موضوع العلم و محموله نسبة الفرد لنوعه و بالجملة ليس الملحوظ شخص الغرض و انما الملحوظ نوعه و هو لا يترتب إلا على جل المسائل و لا يخفى انما ذكره (قدس سره) يتم بناء على ان الواحد لا يصدر منه إلا الواحد فالغرض الواحد يكشف عن مؤثر واحد كما ان الغرضين يكشفان عن مؤثرين فاذا فرض ان الغرض الواحد كاشفا عن وحدة ذي الغرض فحينئذ يكون التمايز بين العلوم بالموضوع بحسب الأمر و الواقع دون مرحلة الاثبات و القوم يقصدون بالتمايز بين العلوم بحسب نفس الامر و الواقع دون مرحلة الاثبات فحينئذ صح لنا دعوى ان تمايز العلوم بالموضوعات و الطريق الى معرفة ذلك انما هو بالتمايز بالاغراض و مراد الاستاذ (قدس سره) بالتمايز بالاغراض انما هو في مقام الاثبات دون مرحلة الواقع فالموضوع الذي هو المؤثر يعلم اجمالا من غير حاجة الى معرفة اسمه و عنوانه الخاص بل يصح أن يعبر عنه بكل ما دل عليه و لو بمعرفة الغرض المترتب عليه فان ذلك معرفة له بوجه اذ معرفته باسمه و عنوانه بالخصوص ليس له دخل في موضوعيته هذا و ان تم ما ذكره (قدس سره) إلا انه مبني على جريان قاعدة الواحد لا يصدر منه إلا الواحد فانه على تقدير تسليمها فانما هي في الامر البسيط لا مثل المقام الذي هو جامع عنواني يترتب على جل‏

13

المسائل و لا يستكشف منه الجامع بين موضوعات المسائل مضافا الى ان الغرض في المقام يترتب على العلم بالمسائل لانفسها و لو سلم ترتبه عليها فليس ترتبا بنحو العلية و المعلول و انما ترتبه عليها ترتب اضافة لذيها فان القواعد بتعلمها توجب استعدادا لترتب الفائدة و الغرض فان نفس القواعد لا تترتب عليها هذه الفائدة مطلقا بل مع ضم تعلمها و تطبيقها على أن تصوير جامعا معنويا يجمع موضوعات المسائل بالنسبة الى بعض العلوم أمر غير معقول فان علم النحو موضوعه الكلمة و الكلام و الكلمة جزء من الكلام و لا يعقل وجود جامع بين الجزء و الكل و تخلص بعضهم عن ذلك في ان موضوع علم العربية هو الكلام لا يرفع الاشكال اذ الكلام مركب من سنخ الالفاظ و من سنخ المعاني كالنسبة و لا يعقل وجود جامع بين ما هو من سنخ الألفاظ و بين ما هو من سنخ المعاني كما ان علم البيان موضوعه الفصاحة و البلاغة و الفصاحة جزء من البلاغة و لا يعقل جامع بين الجزء و الكل و هكذا في علم المنطق فان موضوعه التصور و التصديق و لا جامع بينهما و كذا في الفقه فان فعل المكلف لا يكون جامعا بين الصلاة التي هي من مقولة الافعال و الصيام الذي هو من التروك فالحق ان يقال بان الموجب لجمع المسائل يختلف باختلاف نظر المدوّن فتارة يكون نظره الى موضوع خاص و يبحث عن عوارضه و اخرى يكون نظره الى محمول خاص كالنافع و يقصد البحث عما يعرض النافع عليه و اخرى يكون نظره الى غرض خاص من دون نظر الى الموضوع و المحمول فعلى الأول يكون التميز بالموضوع و على الثاني يكون بالمحمول و على الثالث فالتميز بالغرض بل ربما يقال انه لا يحتاج الى ذلك اصلا بل يصح للمدوّن ان يكوّن وحدة اعتبارية فان المركب من اجزاء متمايزة تعتبر فيه وحدة اعتبارية فالمدوّن لما دوّن تلك المسائل المتمايزة اعتبرها علما واحدا فبهذا الاعتبار تعتبر

14

تلك المسائل علما و ان ترتبت عليها اغراض عديدة فوحدته منوطة بالوحدة الاعتبارية كما لا يخفى.

موضوع علم الاصول‏

اختلف الاصوليون في موضوع علم الاصول بين قائل بان موضوعه الادلة الاربعة بقيد الدليلية و ينسب الى صاحب القوانين (قدس سره) و بين قائل بذوات الادلة و ينسب الى صاحب الفصول و الفرق بين القولين يظهر في البحث عن دليليتها فانه بحث عن جزء الموضوع على الاول فيعد من المبادي و بحث عن احواله على الثاني و يعد من مسائل العلم و قول ثالث بان موضوع علم الاصول كلي ينطبق على موضوعات مسائله لا خصوص الادلة و به قال الاستاذ (قدس سره) مستدلا عليه بان اكثر مباحث الاصول بما يعم الادلة كعمدة (1) مباحث تعادل و التراجيح و مسألة حجية خبر الواحد فان البحث عنهما ليس بحثا عن عوارض السنة ان اريد منها السنة المحكية و انما البحث عنها من عوارض الحاكي و ارجاع البحث فيهما الى عوارض المحكي بان البحث فيهما عن ثبوت السنة الواقعية (2) في غير محله فان‏

____________

(1) التعبير بالعمدة لاخراج بعض المباحث غير المهمة فيها كالبحث عن تعارض الآيتين فانه من عوارض الكتاب الذي هو احد الادلة.

(2) و قد اوضحه بعض السادة الاجلة (قدس سره) بان الثبوت اضافة بين الثابت و المثبت له فتارة النظر يكون الى الثابت فيعد من احواله و عوارضه و اخرى يكون النظر الى المثبت له فيكون من عوارضه و احواله كالقطع فتارة يضاف الى القاطع فيقال السكين تقطع الخشب و اخرى يضاف الى المقطوع فيقال الخشبة تنقطع بالسكين فهذا الاختلاف يوجب اختلافا في ناحية الموضوع ففى الاول في-

15

البحث فيهما حينئذ عن ثبوت الموضوع الذي هو مفاد كان التامة فيعد من المبادي و لا يعد من مسائل العلم فانها مفاد كان الناقصة التي مفادها نسبة المحمول للموضوع بعد الفراغ عن وجوده و بعبارة اخرى السؤال تارة يقع بهل البسيطة كالسؤال عن اصل وجود الشي‏ء و اخرى يقع بهل المركبة كالسؤال عما يعرض عليه بعد الفراغ عن وجوده و الجواب عن الأول يعبر عنه بمفاد كان التامة فيقال كان زيد في جواب هل وجد زيد و الجواب عن الثاني يعبر عنه بمفاد كان الناقصة فيقال كان زيد قائما و البحث في مسائل العلم بحث عن عوارض الموضوع بعد الفراغ عن أصل وجوده واقعا و العلم لا يبحث عن ثبوت الموضوع واقعا فلو بحث عنه فهو يعد بحثا عن مبادي العلم و ما يقال بان البحث في حجية الخبر انما هو بحث عن الثبوت التعبدى و الثبوت التعبدي هو مقاد كان الناقصة فهو و ان كان صحيحا إلا انه من عوارض الحاكي لا المحكي و بالجملة ان اردنا من السنة السنة المحكية أي نفس قول المعصوم أو فعله أو تقريره فالبحث عن خبر الواحد ليس بحثا عن عوارض‏

____________

- بيان حدة السكينة و في الثاني في بيان صلابة الخشب و ان كانت احدى الاضافتين تلازم الاخرى إلا ان جهة العروض يختلف و هكذا في المقام فان البحث في ان السنة تثبت بخبر الواحد كما تثبت بالخبر المتواتر غير البحث في ان خبر الواحد مثبت للسنة كما ان الخبر المتواتر يثبتها لتغاير الموضوع فيهما ففي الاول بحث عن عوارض السنة بخلاف الثاني فانه بحث عن عوارض الخبر فغرض الشيخ (قدس سره) من الارجاع جعل البحث في خبر الواحد من قبيل الاول و لكن لا يخفى ان ما ذكره (قدس سره) فانه صحيح في نفسه إلا انه لا يثبت إلا امكانه و اما الذي يبحث عنه في خبر الواحد هو كون الاضافة الى المثبت فحينئذ يكون الموضوع هو الخبر فالبحث عنه بحث عن الحاكي للسنة الواقعية.

16

الموضوع و ان اردنا من السنة الحاكي و المحكي فهو و ان كان من عوارض السنة إلا أن البحث في غير واحد من مسائلها كمباحث الالفاظ و جملة من غيرها لا يخص الادلة بل يعم غيرها اقول ما المراد من ان السنة تثبت بخبر الواحد فان كان المراد ان خبر الواحد موجد لها واقعا فهو أمر غير معقول حيث انه من سلسلة المعلولات و لا يعقل ان يكون من سلسلة العلل و ان كان المراد من الثبوت الثبوت التعبدي فهو ايضا خارج عن مسائل العلم و لا يكون من قبيل مفاد كان الناقصة لان مفادها البحث عما يعرض على الموضوع بعد الفراغ عن وجوده و البحث عن الوجود التعبدي ليس بحثا عما يعرض على الشي‏ء بعد الفراغ عن وجوده اذ الوجود التعبدي لا يلازم الوجود الواقعي مضافا الى ان الثبوت التعبدي من عوارض الحاكي اي الخبر على اطلاقه محل نظر اذ يكون من عوارض الحاكي بناء على ان دليل التنزيل فى الامارات ناظر الى جعل المؤدي منزلة الواقع فانه حينئذ من عوارض الحاكي و اما بناء على انه ناظر الى ان احتمال المطابقة منزل منزلة العلم فلا يتم ما ذكره (قدس سره) من انه من عوارض الحاكي و انما هو من عوارض السنة المحكية بيان ذلك ان احتمال المطابقة لو صار علما تكوينا لزم تبدل السنة الواقعية من الصفة الاولى اي كونها محتملة الى صفة اخرى و هي كونها معلوم فالتبدل يكون من حاله الى حالة اخرى من حالات السنة الواقعية و هكذا بالنسبة الى جعل الشارع فانه لما جعل احتمال المطابقة علما معناه بدل ذلك الاحتمال الى علم تعبدي و هذا التبديل صار من احوال السنة الواقعية و لازم ذلك تبدل الصفة المحتملة الى كونها معلوم ان قلت ان اتصاف كل شى‏ء بصفة انما يعد من الحالات بعد الفراغ من وجوده في العلم الحقيقي فضلا عن العلم الجعلي و مع فرض عدم وجوده فكيف يكون من حالاته قلنا لا يقصد من البحث عن احوال السنة إلا البحث عن حالها على تقدير وجودها واقعا في‏

17

قبال من يدعي جعل مثل هذه الحالة من حالات الخبر الحاكي لها دونها و بالجملة البحث في هذه الصفة اي الصفة المعلومية متحققة ام ليست بمتحققة بحث عن عوارض نفس السنة الواقعية المحكية و اما ما ذكره أخيرا من الاستدلال على كون الموضوع فى علم الاصول هو الكلي المنطبق على جميع المسائل لا خصوص الادلة بما لفظه (إلا ان البحث في غير واحد من مسائلها كمباحث الالفاظ و جملة من غيرها لا يخص الادلة بل يعم غيرها و ان كان المهم معرفة أحوال خصوصها) بتقريب أن جهة البحث في تلك المباحث مثل أن الأمر يدل على الوجوب أو المرة أو الفور و امثال ذلك المذكورة في مباحث الالفاظ و غيرها من المباحث العقلية كحسن العقاب و قبحه هي مباحث عامة لا تختص بالادلة الأربعة و ان كان المهم من تلك المسائل هو الأمر الموجود في الكتاب و السنة و كون وجود هذه الامور المهمة في المسائل لا يوجب اختصاص جهة البحث و حيث ان صاحب الفصول قال بان موضوع علم الاصول الادلة الأربعة التزم بان البحث عنها باعتبار وقوعها في الكتاب و السنة و قد أورد عليه بان الاعراض اللاحقة للجنس بتوسط أمر أخص من الاعراض الغريبة فيلزم من ذلك خروج جل المسائل عن العلم و الجواب عنه بان اعتبار وقوعها في الكتاب و السنة ليست جهة تقييدية و انما هي من الجهات التعليلية فتلك الاعراض اللاحقة للجنس باعتبار وقوعها في الكتاب و السنة لا تعد من الأعراض الغريبة و اما جهة البحث فهو و ان كان عاما إلا انه لا يكون فيه جهة عموم بنحو يشمل غير الأدلة لما هو معلوم أن الغرض في كل شي‏ء هو ما يتعلق به الارادة اولا على نحو يكون موجبا لتحصيل المقدمات فالمقدمات انما هي للتوصل الى ذيها فالارادة التوصلية تتعلق بما يوصل الى الغرض و من هنا نقول ان دائرة ذي الغرض لا بد و أن يكون بمقدار دائرة الغرض و عليه الغرض من البحث ليس إلا

18

هو اعتبار وقوعها في الكتاب و السنة فسعة الغرض يوجب سعة البحث و ضيقه يوجب ضيق جهة البحث فمن هنا صح لنا دعوى ان الغرض لما كان استنباط الاحكام الشرعية و انه مترتب على خصوص الأوامر و النواهي الموجودة في الكتاب و السنة لا على مطلق الامر فيستكشف منه انه لا يؤخذ قدرا جامعا ما يشمل الكتاب و السنة و غيرهما لما في الغرض من خصوصية لا تترتب على الأمر الجامع هذا غاية ما يوجه به كلام الفصول إلا انه مبني على ان نسبة الغرض الى ما يترتب عليه نسبة تأثير و تأثر فوحدته يوجب وحدة المؤثر و تعدده يوجب تعدده و قد عرفت منا سابقا ان ذلك لو سلم فانما هو فى الأمر البسيط لا مثل المقام الذي هو جامع عنواني فوحدته لا توجب وحدته هذا و الذي يمكن ان يقال أن مباحث الاصول تنقسم الى ثلاثة أقسام مباحث الالفاظ كالامر للوجوب أو للفور و مثل ذلك و مداليل بنحو كان للفظ دخل فيها كاجتماع الأمر و النهي و دليلية الدليل كمباحث الحجج كمثل حجية خبر الواحد و نحو ذلك فلو قلنا بمقالة المحقق القمي القائل بان الموضوع هو الادلة بقيد الدليلية فالبحث عن الحجج تدخل في مباحث المبادي لان البحث فيها ليس من عوارض الموضوع بل بحث عن جزء من الموضوع فتخرج عن مسائل العلم و تخرج ايضا عن مباحث المداليل و كذا مباحث الالفاظ بناء على ان عوارض الجنس من العوارض الغريبة فلا يبقي لعلم الاصول مسألة يبحث عنها بل كلها تكون من المبادي و اما لو قلنا بمقالة الفصول من ان الموضوع هو ذوات الادلة فلا يرد عليه الاشكال بمباحث الحجج كمباحث ظواهر الكتاب و مباحث العقل فان البحث فى تلك المباحث يكون من عوارض الموضوع، نعم يرد عليه خروج مباحث المداليل و اما بقية مباحث الحجج كمثل حجية الشهرة و حجية الاستصحاب فان تلك المباحث تخرج لان‏

19

البحث فيها ليس من عوارض الأدلة و من هنا التزم الاستاذ (قدس سره) بان موضوع علم الاصول ما يعم هذه المسائل المتشتتة بحيث يكون ذلك الجامع هو الضابط للمسائل الاصولية و مع عدم شموله لا يعد من مسائل الاصول و قد عرفت منا سابقا عدم الالتزام باخذ جامع موضوعي او محمولي او الغرض بل يكفي لجمع تلك المسائل المتشتتة وحدة اعتبارية كما لا يخفى.

تعريف علم الاصول‏

عرف القوم الاصول بانه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الاحكام الشرعية و الاستاذ (قدس سره) جعل هذا التعريف مؤيدا لما اختاره من ان موضوع علم الاصول كلي ينطبق على موضوعات مسائله لا خصوص الادلة إذ لو كان الموضوع خصوص الادلة لقيدت القواعد في التعريف بها و انما جعله مؤيدا لا دليلا لجواز ان يكون التعريف بالاعم‏ (1) و حيث ان هذا التعريف لا يكون جامعا لعدم شموله لحجية الظن بناء على الحكومة و الاصول العملية في الشبهات الحكمية اضاف اليه (قدس سره) (او التي ينتهي اليها فى مقام العمل).

بيان ذلك أن المراد من الاستنباط ان القاعدة توجب تحصيل العلم بالواقع تعبدا فيستفاد منها الحكم الشرعي الواقعي مثلا حجية الامارة يستكشف منها الحكم‏

____________

(1) مضافا الى ان هذه تعاريف لفظية لا يقصد منها إلا شرع الاسم فحينئذ لا يستكشف شي‏ء منها بل ربما يقال ان ذكر الاحكام الشرعية يغني عن تقيد القواعد بالادلة حيث انها مستنبطة من الادلة و لكن لا يخفى ان كون الاحكام الشرعية تستخرج من الادلة لا يوجب اختصاص القواعد في التعريف بالادلة بل هي مطلقة تشمل الادلة و غيرها فافهم.

20

الواقعي فما لم يستكشف منه ذلك خارج عن دائرة الاستنباط كالظن بناء على الحكومة بمعنى أن منشأ حجيته حكم العقل بوجوب العمل على طبق الظن فيكون مفاده حكما ظاهريا عقليا فلم يقع في طريق الاستنباط بخلاف ما اذا قلنا بان نتيجة دليل الانسداد هي الكشف فانها يتوصل بها الى الحكم الشرعي كما يتوصل من بقية الامارات اليه و هكذا الحال بالنسبة الى الاصول العملية العقلية كالبراءة و الاشتغال و التخيير الجارية في الشبهات الحكمية فانها لا يتوصل بها الى الحكم الشرعي سواء قلنا بانها عقلية او انها من باب جعل المماثل و اما استفادة الحكم الشرعي منها فليس من التوصل بها اليه بل من باب تطبيق الكلي عليه و اما الاصول الجارية فى الشبهات الموضوعية كالشك بان هذا المائع خمر او خل فليست من الاصول و انما هي احكام فرعية جزئية فظهر مما ذكرنا أن الظن بناء على الحكومة و الاصول العملية الجارية فى الشبهات الحكمية لا تدخل تحت تعريف المشهور و من شأنه أن يكون جامعا لجميع المسائل فلذا اضاف (قدس سره) او التي ينتهي اليها في مقام العمل اذ لا وجه لدعوى كون هذه المباحث المهمة ذكرت في الاصول استطرادا ثم أنه (قدس سره) عرف علم الاصول بانه صناعة يعرف بها القواعد التي يمكن ان تقع في طريق استنباط الاحكام فلم يدخل العلم في التعريف لما هو معلوم ان حقيقة كل علم مسائله فلذا يتعلق به العلم تارة و الجهل اخرى فيقال عالم بالنحو و جاهل به فلو كان العلم داخلا فى حقيقة الفن فلا يتعلق العلم او الجهل به اللهم إلا ان يقال ان للشي‏ء وجودات عديدة وجود واقعي و وجود علمي و وجود كتبي فالفن له وجود واقعي و هو نفس القواعد و وجود علمي و هو العلم بها فاخذ المشهور العلم في التعريف باعتبار وجوده العلمي و اما قوله التي يمكن أن تقع فى طريق الاستنباط فقد خالف المشهور فى ذلك حيث ان ظاهر الاستنباط المأخوذ

21

فى تعريف المشهور هو الاستنباط الفعلي فلا يشمل ما يكون له استنباط شأني كاستصحاب المسبب مع استصحاب السبب مع ان ذلك من المسائل الاصولية فهو داخل تحت قوله التي يمكن نعم ترك لفظ الممهدة في غير محله لكونها مانعة من شمول التعريف للعلوم العربية و نحوها لانها تقع في طريق الاستنباط و لكنها لم تمهد لذلك كما أن اتيان لفظة صناعة فى غير محلها للزوم خروج المسائل المشتملة على نفس القواعد من العلم لعدم كونها صناعة و تختص مسائل العلم بما يكون من قبيل الاقيسة على انه يظهر من تعريفه ترتب غرضين على علم الاصول و هما استنباط الاحكام الشرعية و الانتهاء فى مقام العمل و عليه ينبغي ان يجعل علم الاصول علمين لتعدد الغرض إذ لا جامع بين الاحكام الواقعية المستنبطة من الادلة و بين الاحكام الظاهرية المنتهى اليها فى مقام العمل و من هنا عدلنا عن تعريفه لعلم الاصول الى تعريفه بالقواعد الممهدة التي يمكن ان تقع فى طريق تحصيل وظيفة المكلف في مقام العمل و منه يعلم.

ملاك المسألة الاصولية

و هو ما يمكن ان يقع فى طريق تحصيل الوظيفة الكلية للمكلف في مقام العمل سواء أ كان حكما واقعيا كمفاد الامارات أو حكما ظاهريا كمجاري الاصول بناء على جعل المماثل او حكما عقليا كالظن بناء على الحكومة و كالأصول العملية بناء على عدم جعل المماثل و لا يخفى أن جريان نتيجة المسألة الاصولية غير مختصة بباب خاص و لذا تخرج بعض القواعد الفقهية عن الاصول كقاعدة الطهارة و ما يضمن بصحيحة يضمن بفاسده و كل ما لاقى نجسا تنجس و امثال هذه القواعد المختص جريانها بباب خاص نعم قاعدة الضرر و الحرج يجريان فى ابواب الفقه إلا

22

ان مفادهما الحكم الجزئي و لا ينتجان الحكم الكلي و بالجملة ان ملاك المسألة الاصولية هي الوظيفة الكلية التي تكون ناظرة الى اثبات الحكم بنفسه أو بكيفية تعلقه بموضوعه فما كان متعلقا بنفس الموضوع خارج عن المسائل الاصولية كعلم الرجال و العلوم العربية و المشتق و أمثال ذلك و اما المفاهيم و العام و الخاص و امثالهما فهي داخلة فى المسائل الاصولية فان البحث فيها ليس في نفس الموضوع و انما هو فى كيفية تعلقه‏ (1) و اما جعل الملاك فى المسألة الاصولية هو وظيفة المجتهد فهو غير صالح بان يكون هو الميزان لانتقاضه بشروط الصلح و الشروط المخالفة للكتاب أو السنة و نحو ذلك فانها قواعد فقهية مع أن تطبيقها بيد المجتهد و سيأتي له مزيد توضيح في الاستصحاب ان شاء اللّه تعالى.

____________

(1) لا يخفى ان المفاهيم و العموم و الخصوص و المطلق و المقيد و أمثالها البحث فيها راجع الى نفس الموضوع لانه يبحث فيها عن سعته و ضيقه و ذلك راجع اليه و من هنا التزمنا فى حاشيتنا على الكفاية بان الملاك في المسألة الاصولية هي كبرى لو انضمت الى صغراها لانتجت حكما كليا شرعيا و عليه تخرج القواعد العربية و الرجالية و امثالهما فانها لو انضمت الى صغرياتها لا تنتج مسألة كلية شرعية إلا بتوسط علم الاصول و من ذلك تعرف ان علم الاصول بالنسبة الى علم الفقه كالجزء الأخير من العلة و لذا أضيف الاصول اليه فقالوا أصول الفقه و منه يعلم تعريفه بالعلم بكبريات لو انضمت الى صغرياتها لانتجت مسألة كلية شرعية كما انه منه يعلم مرتبة علم الاصول من سائر العلوم و تقدمه على علم الفقه.

23

الامر الثاني فى الوضع‏ (1)

الوضع نحو اختصاص اللفظ بالمعنى و ارتباط خاص بينهما ناش من تخصيصه تارة و من كثرة الاستعمال اخرى و تعريفه بهذا أصوب من تعريف بعض بتخصيص اللفظ بالمعنى اذ هو يختص بالتعيين و لا يشمل التعيني الناشئ من كثرة

____________

(1) لا يخفى أن وجه مناسبة ذكر الوضع و أقسامه في مقدمة فن الأصول هو انك قد عرفت أن فن الاصول يبحث عما يترتب عليه الاستنباط و من جملة ما يترتب عليه الاستنباط مباحث الالفاظ كقولنا الأمر يدل على الوجوب و النهي على الحرمة و صيغة أفعل على الوجوب و امثال تلك المباحث اللفظية و بما ان البحث فيها يتعلق بالدلالة و انها وضعية ناسب ذكر الوضع و أقسامه في المقدمة و اما دلالة الالفاظ على المعاني هل هي ذاتية بنحو لا تحتاج الى وساطة شي‏ء آخر فهي دعوى مجازفة اذ لا معنى لدعوى انها من لوازم الذات بل يمكن ان يدعى بان دلالة اللفظ على معناه لمناسبة ذاتية تقتضيها و إلا لزم الترجيح بلا مرجح و لازم هذه الدعوى ان الواضع للالفاظ هو علام الغيوب لانه المطلع على تلك الخصوصيات و المناسبات الذاتية و أوصله الى الخلق اما بالالهام أو بالوحي فالخلق يضع اللفظ للمعنى سواء كان ملتفتا الى المعنى أو لم يكن و أيد ذلك بان المعانى غير متناهية فيلزم ان تكون الالفاظ غير متناهية و لا يقدر على ذلك الاعلام الغيوب و لا يخفى ما فيه فان وضع الالفاظ للمعانى هو السبب لدلالة اللفظ على معناه بحيث لولاه لما دل من غير حاجة الى المناسبة الذاتية بين اللفظ و المعنى فانه ليس إلا من تصادف الاشياء و بواسطة تعدد الاشخاص من زمن آدم الى يومنا هذا حصل تعدد الوضع فان كل طبقة يضعون لفظا خاصا الى المعانى فلم تكن الاوضاع المتعددة بهذه الكثرة صدرت من شخص واحد لكي يقال ان هذه الكثرة لا يمكن حصولها-

24

الاستعمال ثم لا يخفى ان معرفة الوضع موقوفة على معرفة خصوصيات تعريفه إذ معرفة المعرف موقوف على معرفة المعرف فاعلم ان الاختصاص الواقع بين شيئين أما خارجية أو ذهنية الأولى كالهيئة الحاصلة لاجزاء السرير فانه هيئته تحصل من ضم جزء الى آخر و مثله التقابل الحاصل من مقابلة شى‏ء لآخر الثانية كنسبة الكلي الى فرده فانه لا وجود له في الخارج بل الذي له حظ من الوجود خارجا هو الفرد الخارجي الذي هو منشأ لانتزاع هذه النسبة التي موطنها الذهن و الوضع من قبيل الثاني فان الخارج ليس ظرفا لهذا الاختصاص بل ظرفا لمنشئه و هو اما الجعل أو كثرة الاستعمال نظير الملكية فان الاختصاص فيها ليس الخارج ظرفا له بل لمنشئها و هو الجعل، و لا يخفى ان اختصاص اللفظ بالمعنى من قبيل المرآة بالنسبة الى المرئي بنحو يكون اللفظ فانيا فى المعنى فبالقاء اللفظ يكون ملقيا للمعنى و انه هو هو و لذا يسري قبح المعنى الى اللفظ و حسنه يسري اليه لما بينهما من الاتحاد و العينية و سببه هو وحدة اللحاظ الواقع بين اللفظ و المعنى لا من قبيل الامارة و ذيها او الملكية و المالك اذ الاثنينية بينهما متحققة و لذا لا يسري الحسن و القبح من احدهما الى الآخر فمن هنا عبر الاستاذ بان الوضع نحو اختصاص اللفظ بالمعنى ثم ان هذا الربط و العلقة الحاصلة بين اللفظ و المعنى الناشئة من الجعل هي واقعية لها تقرر فى عالم الاعتبار و لذا يتعلق بها العلم تارة و الجهل اخرى فهي كالملازمة الذاتية

____________

- من شخص واحد و بالجملة وضع اللفظ للمعنى ليس للخصوصية الذاتية و انما هو لفظ مخصوص وضع للمعنى من باب الصدقة و الاتفاق مع انه لو التزمنا بالمناسبة الذاتية بين اللفظ و المعنى لزم وجود المناسبة بين المتباينين في بعض الالفاظ المشتركة كالقرء للحيض و الطهر و ذلك باطل قطعا.

25

بين الزوجية و الاربعة فانها ذاتية و لو لم تكن هناك أربعة و ليست من الامور الانتزاعية التي لا تقرر لها لا في عالم الاعتبار و لا في عالم الاعيان بل لمنشئها تقرر كنفس الزوجية المنتزعة من الاربعة و بالجملة عالم الاعتبار كعالم الاعيان فكما ان عالم الاعيان له تقرر و واقع كذلك عالم الاعتبار فان تقرره و وجوده فى وعاء الاعتبار فهو متأصل في عالمه كما أن التقرر فى عالم الاعيان له تأصل فى عالمه غايته أن تأصله انما يكون بتعلق الارادة التكوينية الالهية و تأصل الأول انما يكون بالاعتبار فهو يوجد بنفس اعتبار من بيده الاعتبار، هذا و ينسب الى المحقق النهاوندي (قدس سره) جعل الوضع منتزعا من تعهد الواضع ارادة المعنى عند ذكر اللفظ فيكون من قبيل الاحكام الوضعية عند القائل بانها منتزعة من الأحكام التكليفية مثل أن يقال الملكية منتزعة من قول الشارع من حاز فلا يجوز لغيره التصرف فيما حازه فمن هذا القول ينتزع اختصاص واقع بين المحاز و المحيز و هو عبارة عن الملكية و لكن لا يخفى انا نمنع كون الأحكام الوضعية تابعة للاحكام التكليفية لان المستفاد من قول الشارع الناس مسلطون على اموالهم و لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفسه الجعل المستقل و ذلك ان المال المضاف الى الغير هو معنى الملكية قد أخذ موضوعا للتكليف و هو الحرمة و لا شبهة أنه لا يعقل انتزاع الملكية من هذا الحكم لان المفروض أخذه موضوعا للحكم فهو متقدم على الحكم فكيف ينتزع من أمر متأخر عنه فلا بد ان ينتزع من حكم آخر متقدم عليه و لازمه اجتماع المثلين على موضوع واحد و اذا بطل ذلك تعين كونه مسبوقا بجعل مستقل على انه لو قلنا بالتبعية فى الأحكام الوضعية لا نقول بها في مقامنا اذ أن ارادة الواضع التعهدية لا تخلو اما ان تكون مسبوقة بجعل و هو الذي نسميه بالوضع فهو المدعى و اما ان لا تكون مسبوقة بجعل فاما ان تكون هذه الارادة نفسيه و إما غيرية اما الأول فلا اشكال في بطلانه اذ ليس غرض‏

26

الواضع من وضع اللفظ سوى فهم المعنى من اللفظ فلا بد و ان تكون غيرية و اذا صارت الارادة المتعلقة باللفظ ارادة غيرية فلا بد و ان تكون ناشئة من كون اللفظ مقدمة الى المعنى و كونه مقدمة لا بد و ان يكون مسبوقا بجعل، اذ ليس دلالة اللفظ على المعنى ذاتية و حينئذ ننقل الكلام الى ذلك الجعل و لا يعقل كونه ناشئا من الارادة الأولى لانها متفرعة فلا بد و ان تكون ناشئة من ارادة اخرى و ليست تلك الارادة ارادة نفسية بل غيرية و غيريتها لا بد و أن تكون من جهة مقدميتها و مقدميتها لا بد لها من جعل و ننقل الكلام الى ذلك الجعل فاما ان ينتهي الى جعل مستقل او يتسلسل فالوضع لا بد و ان يكون ناشئا من جعل أو من كثرة الاستعمال فالناشئ من الجعل هو التعيين و بعضهم توهم ان العلاقة الوضعية لا تحصل من كثرة الاستعمال و ان الوضع يحصل من أحد الاستعمالات لان الاستعمالات السابقة على حصول العلاقة الوضعية انما هي مع القرينة الموجبة لها و مع فرض وجود القرينة لا تكون موجبة للدلالة الوضعية فلا بد و انها تحصل من استعمال خاص و يظهر ذلك من صاحب الفصول حيث عرف الوضع بتعيين اللفظ بالدلالة على المعنى بنفسه أدعى ان التعيين تارة يكون بالقصد و هو الوضع التعييني كالمرتجل و اخرى من غير قصد و هو التعيني كما فى المنقولات بالغلبة و لكن لا يخفى ان الوجدان حاكم بان العلقة الوضعية كما تحصل من الجعل كذلك تحصل من مجموع استعمالات بنحو يكون كل استعمال له الدخل فى تحصيل تلك العلاقة فان الاستعمالات السابقة على العلقة الوضعية و ان كانت مع القرينة إلا انها تضعف تلك القرينة بنفس الكثرة و منها يحصل الانس بين اللفظ و المعنى بنحو يستغنى عن القرينة فهي كما تحصل من كثرة الاستعمال تحصل من الجعل و لذا الاستاذ (قدس سره)، عرف الوضع بالاختصاص الحاصل من الجعل او من كثرة الاستعمال و جعل الاختصاص هو مجمع للقسمين‏

27

و قال بهذا صح تقسيمه اليهما و لا يخفى ان هذا التقسيم انما هو باعتبار السبب كالملكية فانها تنقسم باعتبار السبب الى قسمين فتارة تكون اختيارية كالحاصلة من الايجاب و القبول و اخرى تحصل من سبب غير اختياري كالحاصلة من الارث ثم لا يخفى ان الوضع تارة يكون بالتصريح كأن يقول الواضع وضعت هذا اللفظ الخاص للمعنى الخاص و اخرى يكون حاصلا بالكناية كالحاصل من الاستعمال بداعي الوضع و دعوى انه لا يعقل حصوله من نفس الاستعمال لكونه يلزم الجمع بين اللحاظين و هو اللحاظ الآلي و اللحاظ الاستقلالي ممنوعة لأن لحاظ الآلية انما تعلق بشخص اللفظ و المعنى و اللحاظ الاستقلالي متعلق بطبيعة اللفظ و المعنى فاللحاظان لم يجتمعا فى محل واحد.

اقسام الوضع‏ (1)

لا يخفى ان الملحوظ حال الوضع اما ان يكون خاصا فيوضع اللفظ له فهو الوضع الخاص و الموضوع له خاص كوضع الأعلام و اما ان يكون عاما فاما ان يوضع له اللفظ فهو الوضع العام و الموضوع له عام كوضع اسماء الاجناس و اما ان يلحظ

____________

(1) قيل ان هذا التقسيم راجع الى الوضع التعيينى دون التعييني لان تصور المعنى الموضوع له و وضع اللفظ له أو لمصاديقه لا يكاد يتأتى إلا بالنسبة الى الوضع التعييني و لكن لا يخفى أنه كما يجري هذا التقسيم بالنسبة الى الوضع التعيينى يمكن جريانه في الوضع التعينى لان الاستعمال بمنزلة الوضع في توقفه على تصور المستعمل فيه قبل الاستعمال فكل من يستعمل يلاحظ قبل الاستعمال معنى خاصا فيستعمل اللفظ فيه لو في مصاديقه و يجري على ذلك بقية المستعملين إلا ان كيفية تصور المعنى بالنسبة الى المستعملين غير منضبطة لكي يدعى ان الوضع تابع للاستعمال.

28

العام و يوضع اللفظ لأفراده و مصاديقه فهو الوضع العام و الموضوع له خاص و لم يعقل تصور قسم رابع و هو الوضع الخاص و الموضوع له عام لأن الخاص ليس وجها و عنوانا للعام بخلاف العام فانه من وجوه الخاص لأن تصور العام تصور للخاص بوجهه و ان اردت توضيح ذلك فلاحظ الحكم اذ ان نسبة الحكم الى موضوعه كنسبة الوضع الى الموضوع له فكما أن في الوضع يحتاج الى تصور الموضوع له كذلك في الحكم لا بد من تصور المحكوم عليه و تصوره اما بحقيقته او بعنوانه فتارة يؤخذ موضوعا كليا من دون نظر الى الأفراد و المصاديق كمثل الانسان نوع و اخرى يؤخذ الموضوع شخصيا كمثل اكرم زيدا و ثالثة يؤخذ عنوانا مشيرا الى الوجودات الخاصة من دون خصوصية للعنوان مثل اكرم من في الصحن فان عنوان من فى الصحن لم يؤخذ إلا للاشارة الى الاشخاص الموجودين في الصحن فالتقسيم في الحكم انما هو من جهة موضوعه و إلا فالحكم الناشئ من الارادة يكون شخصيا لكونها شخصية و هذه الأقسام الثلاثة المتصورة فى الحكم بعينها متصورة فى الوضع لما عرفت ما بينهما من السنخية و اما الصورة الرابعة فلا يعقل جريانها بالنسبة الى الحكم بان يؤخذ الخاص موضوعا للحكم على ما يعمه كذلك لا تجري بالنسبة الى الوضع فلا يعقل ان يجعل الخاص بما هو خاص مرآة للعام لكونه أخفى معرفة نعم يوجب تصوره تصور العام بكنهه فيوضع اللفظ له و دعوى ان العام بما هو عام ايضا لا يعقل ان يكون مرآة للخاص فمقتضى ذلك انكار الوضع العام و الموضوع له الخاص ممنوعة فانك قد عرفت ان معرفة العام معرفة للخاص بوجه و نعني بذلك أن يكون معرفته بالعناوين الاجمالية لا المفاهيم العامة بيان ذلك هو انه فرق بين المفاهيم العامة كالانسان و الحيوان و الحجر و الشجر و العناوين الاجمالية كعنوان ما يشار اليه و نحوه فان المفاهيم العامة تكشف عن‏

29

الحصص الموجودة فى ضمن الافراد المشتركة فى نوع واحد او جنس واحد من دون كشف لخصوصيات تلك الحصص اذ هي تعتبر جهة زائدة عنها فلذا لو أطلق الكلي و اريد منه الخصوصية يكون الاستعمال مجازيا بخلاف العناوين الاجمالية كمثل (من في الصحن) (و من في الدار) او عنوان ما يشار اليه فانها تحكي عن تلك الخصوصيات لانها عناوين اجمالية منتزعة من تلك الخصوصيات المفصلة فتكون نسبة الخصوصيات الى تلك العناوين الاجمالية نسبة تفصيل الى اجمال و ان شئت توضيح الفرق بين القسمين فانه يظهر فيما لو وقعت الجهة الجامعة فى حيز الامر فانه على القسم الأول لو اردت التقرب بالخصوصية فهو تشريع محض حيث ان تلك الخصوصية على ذلك التقدير غير متعلقة للامر كما لو قال صلي على الاطلاق فانه لا يصح التقرب بخصوصية المسجدية مثلا لما عرفت من أن الخصوصية لم تدخل في حيز الخطاب بخلاف ما لو وقعت العناوين الاجمالية فى حيز الأمر فانه لك التقرب بتلك الخصوصيات كما لو قال صلي فى احد المساجد فلا شك فى صحة التقرب حينذاك بخصوصية المسجدية لوقوعها في حيز الخطاب اذا عرفت الفرق بين القسمين فاعلم ان ما يجعل مرآة للافراد و يكفي لحاظه عن لحاظ الافراد و هو القسم الثاني الذي هو عنوان اجمالي منطبق على الخصوصيات انطباق المجمل على المفصل لا ما يكون من قبيل الأول فان لحاظه ليس مرآة للافراد لعدم كشفه عن تلك الخصوصيات فاتضح مما ذكرنا ان الاشكال يتم لو كان المراد من العام الكلي لا العنوان المجمل ثم لا يخفى ان الوضع العام و الموضوع له عام يتصور على نحوين الأول ان تكون الجهة الجامعة المحفوظة بين الافراد تلحظ في الذهن معراة عن تلك الخصوصيات كالانسانية و الحيوانية فانها في الخارج لا توجد إلا مع خصوصية و توجد في الذهن معراة عن خصوصيات الخارج و التعدد الموجود فى الخارج‏

30

لا يضر بتلك الوحدة المسماة بالجهة الجامعة الثاني ان تكون الجهة الجامعة المحفوظة بين الحصص و الخصوصيات لا توجد معراة عن الخصوصية في الذهن فضلا عن الخارج و تكون تعريتها عين تحليتها كوضع الحروف فانه على القول بكونه من الوضع العام و الموضوع له عام يكون من هذا النحو فان المعنى الحرفي لما كان من الامور النسبية و الربطية فلا يعقل تحققه فى عالم الذهن إلا مع الخصوصية حتى مع لحاظه مجردا عن الخصوصية و هذا معنى تعريته عين تحليته فان ملاحظته معرى عن الخصوصيات لا بد و ان يكون موجودا بالوجود الخاص في الذهن فيكون محلى بالوجود، و لا يخفى ان ضم الخصوصيات المتكثرة لا تضر بالوحدة الجامعة و بالطبيعة السارية و لو اضر بتلك الوحدة لأضر التكثر الموجود في افراد الانسان خارجا بطبيعة الانسان التي هي وحدة جامعة بين افراد الانسان فالمعنى الحرفي فى عالم الذهن كالانسان فى عالم الخارج من دون تفاوت بينهما هذا كله فى اقسام الوضع بحسب الامكان و اما بحسب الوقوع فاعلم انه لا ريب فى وقوع القسم الأول و هو الوضع الخاص و الموضوع له خاص كوضع الاعلام و في وقوع الثاني و هو الوضع العام و الموضوع له عام بالمعنى المشهور كوضع أسماء الاجناس و اما على النحو الغير المشهور فسيأتي ان شاء اللّه تعالى، انه كوضع الحروف و اما القسم الثالث: و هو الوضع العام و الموضوع له خاص فاختلفوا في وقوعه و عدمه و الذي قال بوقوعه مثل له بالحروف و ما الحق به من الأسماء.

فى المعنى الحرفى‏ (1)

اما الحروف فقد توهم انها من قبيل الوضع العام و الموضوع له خاص كما توهم ان‏

____________

(1) اما الحروف فاختلفوا فى وضعه على اقوال احدها ما ينسب الى الحاجب-

31

الوضع كالموضوع له عامان و المستعمل فيه فيها خاصا و الاستاذ (قدس سره) قال بان الحروف موضوعة للمعنى العام و المستعمل فيه عام و الخصوصية انما جاءت من قبل الاستعمال و استدل على ذلك بتوضيح منّا بان الخصوصية التي اوجبت جزئية المعنى الحرفي اما خارجية او ذهنية اما الخارجية كما ينسب الى بعض المحققين فواضح‏

____________

- و العضدى ان الوضع عام و الموضوع له خاص، ثانيها ما ينسب الى بعض القدماء بان الوضع و الموضوع له عامان و المستعمل فيه خاص ثالثها ما ينسب الى الرضي بان الحروف لا معنى لها و انما هي علامات كالرفع علامة للفاعلية و النصب علامة للمفعولية و الكسرة علامة للمضاف اليه و قد اوضحه بعض من تأخر بما حاصله ان الحروف انما جعلت علامة لان يراد من المدخول معنى غير ما وضع له مثلا: الدار تلحظ بما انها موجودة بالعين و اخرى تلحظ بما انها موجودة بالاين فكلمة (في) في قولنا دخلت في الدار علامة على ان يراد من المدخول اي الدار هو الوجود الايني لا الوجود العيني كما جعلت الضمة علامة للفاعلية و الفتحة علامة للمفعولية و الكسرة للمضاف اليه و لا يخفى ان هذا القول الاخير مخالف للوجدان فان المستفاد من الدار ليست الظرفية بل نفس الوجود العيني و انما الاينية و الظرفية مستفادة من كلمة في، و بالجملة ان الظرفية اما ان تكون داخلة في مفهوم الدار او تدل عليه كلمة (في) و الاول باطل فتعين الثاني و اما القول الثاني فهو باطل عند المحققين فانه لا معنى للوضع بخصوص معنى لا يستعمل فيه اللفظ و انما يستعمل فى معنى آخر و يكون مجازا بلا حقيقة كما ان القول الاول لم يعهد من القدماء و انما حدث من بعض من تأخر و اول من نسب اليه هذا القول العضدى و الحاجبى و السبب فى تنبههما الى ذلك هو انه لما رأيا ان المعنى الحرفي عبارة عن مصداق الابتداء لا مفهومه اذ مفهومه هو المعنى الاسمي و لم يكن من قبيل الوضع الخاص و الموضوع له خاص لانه يلزم ان تكون الاوضاع غير متناهية و لا من قبيل الوضع العام و الموضوع له العام للزوم كون الاستعمال فى-

32

البطلان اذ كثير (1) ما يكون المستعمل فيه فيها كليا كما لو كانت الحروف متعلقة للامر كمثل سر من البصرة الى الكوفة فان من و الى الواقعتين عقيب الامر لم يستعملا إلا في الكلي اذ لا يعقل تعلق الأمر بما هو موجود خارجي و من هنا التجأ صاحب هذا القول الى كونه جزئيا اضافيا بان تصور كلى الابتداء و وضعها لخصوصيات الابتداء و ان كانت كليا و فيه اولا ان هذا لا يخرج الموضوع له عن كونه عاما سوى انه اقل افرادا و ثانيا لزوم استعمال اللفظ في اكثر من معنى في نحو سرت و اكلت من البصرة و الى هذا اشار الاستاذ (قدس سره) بقوله و هو كما ترى و ان كانت الخصوصية ذهنية كما يدعيها في الفصول بتقريب ان الوجود على نحوين وجود فى الخارج و وجود في الذهن و الوجود الخارجي على نحوين وجود جوهري و هو

____________

- الخصوصيات مجازا بلا حقيقة فلذا اخترعا هذا النحو من الوضع فقالا ان الواضع لاحظ كلي الابتداء الذي هو المعنى الاسمي و جعل لفظة من و الى و على بازاء خصوصيات الابتداء و الانتهاء و الاستعلاء و لا ينافي كون المعنى الاسمي كما هو المعنى الاسمي مرآة و وجها للمعنى الحرفى اذ المرآة مع المرئى لا يلزم توافقهما في ذلك كما انه يمكن ان يكون المرآة امرا كليا و المرئى هو الجزئيات و الخصوصيات.

(1) و التعبير بالكثرة لاخراج الادوات الواقعة فى حيز الاخبار كمثل سرت من البصرة الى الكوفة لان الأخبار لا بد و ان تكون عن امر واقع محقق خارجي و الاستعمالات الكثيرة في الحروف الواقعة تلو الاوامر و فى حيز الانشاءات فلذا عبر بالكثرة، اللهم إلا ان يقال بان الحروف الواقعة في حيز الاخبار أيضا مستعملة في الكلي و الخصوصية استفيدت من دال آخر كاستعمال اسماء الاجناس في حيز الاخبار فانه لا اشكال في كونها مستعملة في المعنى الكلى و الخصوصية استفيدت من دال آخر فعليه الاولي ترك لفظة الكثيرة فى عبارة الاستاد.

33

ما يكون فى نفسه لنفسه و وجود عرضي و هو ما يكون في نفسه لغيره و الوجود الذهني من هذه الجهة كالوجود الخارجي على نحوين فان الوجود الذهني عين اللحاظ ذاتا و انما يختلفان اعتبارا فهو اما ملحوظ استقلالا و اما ملحوظ تبعا اما الملحوظ استقلالا فهي المعاني الاسمية و الملحوظ تبعا هي المعاني الحرفية فاللحاظ الذهني الآلي المأخوذ بالمعنى الحرفي يوجب خصوصيته و تشخصه فيكون جزئيا ذهنيا و اورد عليه الاستاذ بامور ثلاثة الاول: ان اللحاظ ان أخذ في الموضوع له أو فى المستعمل فيه بنحو يكون جزء من المعنى الحرفي انه يلزم فى استعمال واحد لحاظان لحاظ مقوم للاستعمال و لحاظ هو جزء من المعنى و حينئذ اما ان يتحدا او يتغايرا فان اتحدا فهو دور باطل للزوم تقدم الشي‏ء على نفسه و ان تغايرا فهو مخالف للوجدان لانا لا نجد في انفسنا فى استعمال واحد من لحاظين و انما هو لحاظ واحد جاء من قبل الاستعمال و الى ذلك أشار بقوله كما ترى. الثاني انه لو قلنا بان من موضوعة للابتداء مع لحاظ الآلية بنحو يكون جزء المعنى فيلزم عدم صحة تعلق الأمر بما هو مقترن بالاداة فانه باقترانه بالاداة يخرج متعلقه أي متعلق الأمر عن المقدورية التي هي شرط فى تعلق الأمر مثلا لو قال المولى سر من البصرة الى الكوفة و قلنا بان من موضوعة للمعنى المقيد باللحاظ الآلي و هذا اللحاظ هو نفس الوجود الذهني فيكون مفاد الأمر ايجاد ما هو موجود بالوجود الذهني فى الخارج و من الواضح انه لا يعقل انطباق ما هو مقيد فى الذهن على ما فى الخارج إلا بتجريده من اللحاظ الذهني و معه ينطبق على ما في الخارج و الالتزام بذلك في مقام الامتثال بعيد غايته و ثالثا هو أنه لو أوجب لحاظ الآلية جزئية المعنى الحرفي لم لا يوجب لحاظ الاستقلال جزئية المعنى الاسمي فيستكشف من عدم دخل لحاظ الاستقلال فى المعنى الاسمي عدم دخل لحاظ الآلية فى المعنى الحرفي فعليه ان‏

34

المعنى الاسمي و الحرفي متفقان بحسب الحقيقة و انما يختلفان بحسب اللحاظ و اللحاظ ليس مأخوذا فى كل من المعنيين انتهى ما أوضحنا به كلام الاستاذ (قدس سره) و تحقيق المقال يتوقف على نقل عبارة الفصول لكي يتبين لك ان هذه الايرادات لا تتوجه عليه قال ما لفظه فان التحقيق ان الواضع لاحظ فى وضعها معانيها الكلية و وضعها بازائها باعتبار كونها آلة و مرآة لملاحظة حال متعلقاتها الخاصة فلاحظ فى وضع من مفهوم الابتداء المطلق و وضعها بازائه باعتبار كونها آلة و مرآة لملاحظة متعلقاتها الخاصة من السير و البصرة مثلا فيكون مداليلها خاصة لا محالة انتهى كلامه و بذلك ايضا صرح في موضع آخر و توضيح كلامه هو ان كل موضوع بالنسبة الى حكمه مثل زيد قائم مثلا لا يعقل أخذ الحكم في موضوعه لان الحكم متأخر عن الموضوع و لو أخذ فيه يلزم ان يكون في رتبة الموضوع و المفروض أنه متأخر عنه مضافا الى انه يلزم انقلاب القضايا الممكنة ضرورية لأن ثبوت المحمول للموضوع بشرط المحمول ضروري كما تأتي الاشارة اليه في بحث المشتق ان شاء اللّه تعالى، و ايضا لا يعقل أخذ الموضوع مطلقا حتى يشمل حال الاجتماع مع ضد الحكم فان زيدا في (زيد قائم) لم يؤخذ مطلقا حتى يشمل حال اتصافه بالقعود بل يؤخذ الموضوع في القضية مهملا لا مطلقا و لا مقيدا بل حصة مضيقة التي هي توأم مع القيد و من هنا صح ان يقال ان الفرد المقيد بالتشخص مطلق باعتبار الاحوال اذ الفرد الشخصي له احوال من القيام و القعود و النوم و اليقظة و بالجملة ان الوجود الخارجي يحصص الماهية و يجعلها حصصا متعددة مثل ماهية الانسان الموجودة في زيد و عمر و بكر فالحصة فى زيد غير الحصة فى بكر فلذا لا ينطبق احدهما على الآخر فكذلك الوجود الذهني فانه يحصص الماهية و يجعلها جزئيات مختلفة فان لحاظ زيد أول الظهر غير لحاظه اول المغرب و يؤيد ذلك انه لو شككنا ان زيدا الملحوظ لحظته أول الظهر او اول‏

35

المغرب لكن علمنا اجمالا بوجود زيد في أحد الوقتين فى الذهن فالعلم الاجمالي تعلق بزيد الممكن انطباقه على كل من اللحاظين و لو لم يمكن الانطباق لما حصل ذلك العلم الاجمالي فالابتداء لما لوحظ تبعا صار الابتداء جزئيا اذ نفس تقيده باللحاظ جعله حصة يمتنع الصدق على كثيرين و تقيده باللحاظ الآلي ضيق دائرة الابتداء بحيث لا يشمل الابتداء المستقل و لم يؤخذ اللحاظ في الابتداء لما عرفت ان الموضوع له تقدم على المحمول رتبة فلا يعقل أخذه فيه فلحاظه ليس مأخوذا على نحو الشطرية حتى يمتنع انطباقه على الخارج فلم يمكن الامتثال بل هو بواسطة اللحاظ صيره حصة ضيقة أي لا ينطبق على سائر الحصص الذهنية و لا ينافي كونه كليا ينطبق على كثيرين بحسب الوجود الخارجي اذا عرفت ذلك ظهر لك انه لا مورد للاشكالات الثلاث اما الاشكال الاول فلا مجال له لعدم تعدد اللحاظ اذ لم يؤخذ اللحاظ جزء من المعنى الحرفى نعم ضيق دائرته كما ان الاشكال الثاني من عدم صدق الامتثال على الخارجيات إلا بالتجريد في غير محله لعدم أخذه فى المعنى حتى يحتاج الى تجريد كما ان الاشكال الثالث من النقض بان لحاظ الآلية كلحاظ الاستقلالية غير وارد لما عرفت أن اللحاظ ليس دخيلا و انما ضيق دائرة الموضوع فلحاظ الاستقلالية ضيق دائرة الابتداء بنحو لا يصدق على المعنى الحرفي و لحاظ الآلية ضيق دائرة الابتداء و جعله لا يشمل غيره و بالجملة أن كل مفهوم مقيد باللحاظ الخاص لا يشمل المفهوم الآخر المقيد بغيره نعم يرد على صاحب الفصول انه تخرج مفاهيم الاسماء من متحد المعنى و تدخل فى متكثر المعنى كالحروف و لكن لا يخفى انك قد عرفت مما ذكرنا ان الوضع العام و الموضوع له عام على نحوين نحو يلحظ معرى عن الخصوصيات و نحو يلحظ مندكا في ضمن الافراد بحيث يكون وجوده الذهني كالوجود الخارجي و الوضع في الحروف على النحو الثاني و حينئذ يرتفع‏

36

اشكال كون الاسماء من متكثر المعنى لأن الحصص المتكثرات الملحوظة استقلالا مشتركات فى جامع مندك فى الخصوصيات فيوضع اللفظ لذلك الجامع للخصوصيات و هو معنى وحداني و هكذا المعنى الحرفي فهو و المعنى الاسمي و ان اشتركا فى وجود جامع مندك وضع اللفظ له و لكن افترقا من حيث اللحاظ فلحاظ الآلية المعتبرة في المعنى الحرفي ضيق دائرة ذلك الجامع كما أن لحاظ الاستقلالية ضيق دائرته بنحو لا يستعمل احدهما فى محل الآخر و من هنا قال الاستاذ (قدس سره) فى مقام الفرق بين المعنى الاسمي و الحرفي ما لفظه الفرق بينهما انما هو فى اختصاص كل منهما بوضع حيث انه وضع الاسم ليراد منه معناه بما هو هو و فى نفسه و الحرف ليراد منه معناه لا كذلك بل بما هو حالة لغيره كما مرت الاشارة اليه غير مرة فالاختلاف بين الاسم و الحرف في الوضع يكون موجبا لعدم جواز استعمال احدهما في موضع الآخر و ان اتفقا فيما له الوضع انتهى، و قد اورد عليه بعض المعاصرين بان اشتراط الواضع للمعنى الحرفي بلحاظ الآلية و للمعنى الاسمي بلحاظ الاستقلالية ان اوجبا تقييد الموضوع في كل منهما فلا مانع من استعمال احدهما فى موضع الآخر استعمالا مجازيا و ان كان هذا الاشتراط لا يوجب تقيد الموضوع و انما هو اشتراط عملي كالشروط في ضمن العقود فلا يجب الالتزام بها بعد أن كان استعمال احدهما في موضع الآخر لا يوجب الخروج عن الموضوع له مضافا الى انه يلزم ارتفاع النقيضين اذ هو فى حد ذاته ليس مستقلا و لا غير مستقل و ارتفاع النقيضين باطل و لكن لا يخفى ان شرط الوضع ليس كسائر الشروط بل هو يوجب تضيق الموضوع بيان ذلك ان الاستعمالات المترتبة على الوضع انما هي من قبيل الاغراض فان الغاية من وضع لفظ لمعنى هو استعمال ذلك اللفظ في المعنى فاذا اعتبر الواضع امرا في ناحية الاستعمال يكون الاستعمال مقيدا بشى‏ء خاص فلا بد و ان يتقيد

37

الموضوع له مثلا ان لحاظ الآلية لما اعتبره الواضع في ناحية استعمال (من) في الابتداء فحينئذ يتقيد و يتضيق الغرض من وضع (من) فى الابتداء فيتضيق دائرة الموضوع له و بالجملة ان تضيق ناحية الغرض يوجب تضيق ما رتب عليه الغرض كما ان سعته يوجب سعته فاستعمال من في مقام الابتداء يعد غلطا و مستهجنا و لا يكون من المجاز و اما اشكال ارتفاع النقيضين فالاستقلالية و عدمها انما هو من شئون الاستعمال لا من شئون المستعمل فيه فاذا لم يكن من شئون المستعمل فيه فلا مانع من ارتفاع النقيضين كالجدار مثلا فانه لا يحكم عليه بالبصر فلا يصح ان يحكم عليه بالعمى لانه ليس من شأنه ذلك فالاستقلالية و الآلية من كيفيات اللحاظ و ليس لهما دخل فى المعنى الموضوع له و المستعمل فيه نعم يوجب تضيق دائرته لان الاستعمال حسب ما عرفت هو الغرض من الوضع و سعته يوجب سعته كما ان ضيقه يوجب تضييقه فالمعنى الاسمي و الحرفي على ما ذكره و ان اتحدا بحسب المعنى إلا انه لا يجوز استعمال احدهما فى موضع الآخر و التحقيق حسب ما يؤدي اليه النظر الدقيق ان معاني الحروف مع المعاني الاسمية تغاير بالهوية لان معاني الاسماء معان مستقلة و ليست من سنخ النسب و الاضافات بخلاف معاني الحروف فانها معان ربطية غير ملتفت اليها، بيان ذلك هو ان المفاهيم الاسمية انما هي معان مستقلة غير محتاجة في تقومها الى شي‏ء بخلاف المعاني الحرفية فانها معان غير مستقلة في مقام المفهوم و ليست معان متحصلة فى مقام اللحاظ و انما هي لحاظها تبعا للغير مثلا زيد قائم النظر الاستقلالي لم يتعلق إلا بالطرفين و اما النسبة التي بين الطرفين لم تلحظ إلا تبعا للطرفين فلو لوحظت النسبة استقلالا خرجت النسبة عن المعنى الحرفي و عدت من المعاني الاسمية فان قولنا نسبة القيام الى زيد قضية حمليه موضوعها نفس النسبة قد لوحظت مستقلا لكونها من احد الطرفين و خرجت عن حقيقة

38

النسبة و الربط بل هي صارت تحتاج الى ربط يرتبط مع كلمة اخرى و الى هذا يرجع من عرف المعنى الحرفي بانه لوحظ حالة لغيره فالمعنى الحرفي ليس إلا الربط الحاصل بين الطرفين الملحوظ اليهما بالنظر الاستقلالي و الملحوظ الى المعنى الحرفي الذي هو الربط و النسبة بين الطرفين لحاظا تبعيا و الذي يدل على كون معاني الحروف معان ربطية ما تجده انه قبل الاتيان بالادوات معان غير مرتبطة كزيد و قائم و السير و البصرة فبمجي‏ء الادوات ترى ان هذه المعاني غير المرتبطة قد ارتبطت بعضها مع بعض بقولنا سرت من البصرة و ارتبطت البصرة و الكوفة بقولنا الى الكوفة فيحصل من ذلك جملة واحدة و هي قولنا سرت من البصرة الى الكوفة مضافا الى انا لو قلنا ابتداء سيري من البصرة هل تجد في نفسك ان فى القضية تكرارا و لو كانت من موضوعه لما وضع لفظ الابتداء لزم فى هذا التركيب تكرار و هو مخالف للوجدان و ربما اشعر بما قلنا بأن من للابتداء و فى للظرفية و لم يعبر عن ذلك بان من هو الابتداء و في هو الظرفية و ان شئت توضيح ذلك فاعلم ان الموجود اما جوهر او عرض و العرض باقسامه التسعة باعتبار الموضوع على قسمين منها قائمة فى الخارج بشي‏ء واحد كالحمرة فان في وجودها الخارجي لا بد من افتقارها الى جسم تعرض عليه و ان كان وجودها الذهني لا يفتقر الى شي‏ء كالاعراض غير النسبية و اما ان تكون محتاجة في تحققها الى طرفين كالنسب فانها مفتقرة الى المنسوب و المنسوب اليه و الاضافات فانها مفتقرة الى مضاف و مضاف اليه فالفرق بين المعنى الاسمي العرضي و الحرفي كالفرق بين النحو الاول من الاعراض و بين النحو الثاني منها فان معاني الاسماء من قبيل الاول لانها تتقوم في الخارج بشى‏ء واحد و معاني الحروف من قبيل الثاني فانها معان ربطية لها تقوم بشيئين مثل ان يقال ابتداء سيري من البصرة فان الابتداء لما كان معنى‏

39

اسميا فيتقوم بشي‏ء واحد و هو سيري و من لما كان معناها ربطا فاحتاجت الى تقومها بشيئين و هما السير و البصرة و تختلف باختلاف أطرافها فان زيدا على السطح غير عمر على السطح و تعدد هذه النسبة في الذهن باختلاف الأطراف و لو كان بحسب الخارج متحدين و ينطبقان على شي‏ء واحد مثل زيد على الفرس و انسان على الفرس. و الحاصل ان معاني الحروف و معاني الاسماء بينهما تمام المباينة لما عرفت ان معاني الحروف معاني ربطية و محتاجة فى تقومها الى طرفين بخلاف معاني الاسماء فانها مستقلة و لا تحتاج فى تقومها الى الطرفين.

و اما دلالة المعاني الحرفية على الربط و النسب هل هي ايجادية أو اخطارية أدعى بعض الاعاظم بانه من لوازم كون معان الحروف نسبية أن تكون ايجادية لأنها قبل مجي‏ء الادوات معان غير مرتبطة بعضها مع بعض فبمجي‏ء الادوات حدث الارتباط بين المعاني و ادعى ان جميع معاني الحروف ايجادية لا يفرق فيها فما يتراءى من صاحب الحاشية من اختصاص الايجادية ببعض الحروف و اخراج النسب عن الايجادية لما لاحظ ان النسبة الكلامية تحكي عن النسبة الخارجية فتارة تطابقه تكون صادقة و اخرى لا تطابقه تكون كاذبة فاذا كانت نسبة الكلامية تحكي عن النسبة الخارجية فتخرج عن الايجادية ثم دفع هذا التوهم بان المعنى الحرفى هو النسبة الكلامية و النسبة الخارجية سنخ آخر فمعنى المطابقة بين فردين بل و سنخين من النسب تحصل بينهما المطابقة تارة و عدمها اخرى فالمطابقة لا تخرج النسبة الكلامية عن كونها ايجادية هذا و لكن التحقيق ان معاني الحروف معان اخطارية كالاسماء من دون تفاوت بينهما من هذه الجهة.

بيان ذلك هو أن المعاني حسب ما هو مقرر في محله عبارة عن نفس الطبيعة المهملة المعراة عن كل خصوصية حتى لحاظ كونها معراة و انما الخصوصيات‏

40

استفيدت من دال آخر كلفظة من و عن و على فالقضية المركبة من الأسماء و الافعال و الحروف لوحظت اولا ثم تكلم المتكلم و بعد تكلمه صارت القضية قضية حملية كسرت من البصرة الى الكوفة كاشفة عما لوحظ اولا فالسير كاشف عن معناه الملحوظ و من كاشفة عن التقيد الموجود الملحوظ من السير و البصرة و هذا الكشف انما هو اخطاري و لو كان التقيد المستفاد من لفظة من ايجاديا لم لا يكون الاطلاق و الارسال المستفاد من مقدمات الحكمة ايضا ايجاديا لان حال التقيد كحال الاطلاق و ببيان اوضح انك اذا لاحظت الحجر فوق الحجر تجد فى نفسك هيئة متحققة بين الحجرين فاذا اردت القاء هذه الهيئة بلفظ يحكيها فتقول الحجر على الحجر فليس للهيئة الملقاة ما يحكيها إلا لفظة على و إلا مع تصور نفس الحجرين من دون تصور للهيئة القائمة بينهما لا يوجد بينهما ارتباط فان الروابط الذهنية كالروابط الخارجية فكما انها لا يعقل تحققها بنفس الربط في الكلام مثلا فى الخارج زيد و القيام فلو لم يكن بين زيد و القيام نسبة تربط زيد بالقيام لما حصلت بتحققها فى الجملة الكلامية كذلك الربط فى الذهن فانه لو لم يلحظ و يتصور لا يعقل تحققه من الربط الموجود فى الجملة لان الغاية من الاحتياج الى الوضع هو القاء المعاني بالالفاظ و تلقى تلك المعاني على ما هو عليه من دون زيادة فيها اذ مقتضى المرآتية و الحكاية هو هو فمع عدم تصور الربط بين المعاني كيف يحصل ذلك الربط من الاستعمال اذ معنى الاستعمال هو القاء المعنى الموجود بلفظه من غير فرق بين كون المعاني موجودة فى الخارج فتلقيها كما هي فى الخارج و بين كون المعانى موجودة فى عالم الاعتبار فتلقيها على ما هي عليه في عالم الاعتبار و بين كونها موجودة فى الذهن فتلقيها على ما هي عليه في عالم الذهن و بالجملة الالفاظ انما جعلت لالقاء المعاني الموجودة و وجود كل شي‏ء بحسبه فلا توجد ما هو غير

41

موجود و حينئذ لو كانت تلك المعاني لوحظت مرتبطة بعضها مع بعض فتلقى تلك المعاني المرتبطة بالفاظ تدل على تلك المعاني و لفظ يدل على الربط فتقول الحجر على الحجر فتجد في نفسك انك قد لاحظت الحجرين مع لحاظ هيئة قائمة بينهما فكل من لفظ الحجرين دل على ما هو الملحوظ و كلمة (على) دلت على تلك الهيئة الملحوظة و هذا أمر وجداني يلتفت اليه كل من له أدنى تأمل مضافا الى انه لو كانت الحروف فى الجملة الكلامية توجد الربط بين المعاني لزم أن لا يتعلق الطلب بالمعاني المقيدة بتلك الادوات الموجدة للربط لأخذ ما لا يتأتى إلا من قبله فى متعلقه و هو بديهي البطلان للزوم تقدم الشي‏ء على نفسه.

فظهر مما ذكرناه أن جميع معاني الحروف اخطارية من غير فرق بينها و دعوى أن ذلك انما يجري بالنسبة الى المركبات التقييدية كغلام زيد مثلا دون المركبات التامة كزيد قائم بتقريب ان فى الأولى تدل على نسبة محققه موجودة فتكون حاكية لها بخلاف المركبات التامة فانها ليس لها نسبة محققة بل توجد النسبة بنفس التكلم بالجملة فلم تكن حاكية و لعل نظر صاحب الحاشية الى ذلك ممنوعة لان كل نسبة تامة او ناقصة مركبة من معاني الاسماء و الحروف لا بد من ملاحظتها اي تلك المعاني الاسمية مقيدة بتلك النسب سواء كانت ناقصة أم تامة فمع ارادة اظهار ما لاحظه اولا تلقى بالفاظ اسمية تدل على المعاني الاسمية الملحوظة و ادوات تدل على ما لاحظه تبعا للمعاني الحرفية فبالنسبة الى المركبات التقييدية لما كان لها واقع محقق فيكون الملحوظ فانيا في ذلك الأمر الواقعي و مع فنائه فبه دلت عليه تلك الالفاظ بالعرض و المجاز اذ هو دال حقيقة على ما هو ملحوظ اولا و بفناء هذا الملحوظ فى الامر الواقعي دل عليه عرضا بخلاف المركبات التامة فانه ليس لها واقع محقق لكي يكون الملحوظ فانيا فيه فعدم وجود الدلالة العرضية لا يوجب ايجادية

42

المركبات التامة و وجودها لا يوجب كون المركبات الناقصة إخطارية و بالجملة انهما مشتركان فى الدلالة و الحكاية عما هو ملحوظ في الذهن قبل التكلم بالفاظ لمركب و ان افترقا ان فى التقييدية لها واقع محقق و في التامة ليس لها واقع محقق و هذا الافتراق لا يوجب الفرق بينهما إلا بالنسبة الى الدلالة العرضية على ما هو الواقع و هو اجنبي عن الحكاية عما فى الذهن الدال عليه بالدلالة الذاتية التي هي مناط الحكاية و الاخطار. و من ذلك تعرف ايضا أنه لا فرق بين بعت الانشائية و الخبرية فان كلا منهما تلحظ قبل النطق بالجملة اللفظية فهي كاشفة عما هو متصور في عالم الذهن و بما أن الخبرية لها واقع محقق يكون الملحوظ فى الذهن فانيا فى الامر الواقع المحقق و بسبب ذلك دلت الجملة اللفظية عليه دلالة عرضية دون الجملة الانشائية فليس لها هذه الدلالة فعدم وجودها لا يوجب جعل الجمل الانشائية ايجادية و مثلها أدوات النداء و التمني و التشبيه فانها في كل ذلك ليس لها واقع يكون الملحوظ فانيا فيه فعدم وجوده لا يوجب جعل هذه الادوات من الايجادية فدعوى الفرق بين هذه الادوات و بين غيرها من الادوات كمن و على و من و الى بالالتزام بايجادية الاولى و اخطارية الثانية بتقريب انا نرى بالوجدان ان النداء و التمني و التشبيه غير متحققات قبل مجى‏ء الادوات و انما تتحقق و توجد بعد مجيئها فالنداء قبل قولك يا زيد ليس متحققا و انما يتحقق بقولك يا زيد و هكذا في التمني و التشبيه فتكون هذه الادوات موجدة لمعانيها بنفس التلفظ ممنوعة لما عرفت من عدم الفرق فى الحروف لانها باجمعها دالة على معانيها الملحوظة في الذهن من غير فرق بين ان يكون لها واقع محقق لكي يكون ذلك الملحوظ فانيا فيه فتكون تلك الالفاظ دالة عليه دلالة عرضية و بين ان لا يكون لها واقع محقق كمثل أدوات النداء و التمني و التشبيه و الاستفهام و نحوها فانها ليس لها واقع محقق فلعدم وجوده تنتفي الدلالة العرضية

43

و انتفائها لا يوجب ايجاديتها مضافا الى ان هذه المعاني لو حصلت من الجملة اللفظية الموجبة لايجادية هذه الادوات لزمت ان تكون من شئون الاستعمال فتكون متأخرة عنه مع انها نفس المستعمل فيه و لازم ذلك أن يكون سابقا على الاستعمال فيلزم ان يكون شيئا واحدا متقدما و متأخرا و هو باطل بالضرورة على ان ما نتصوره فى النفس من مفاهيم الاسماء إما مرتبطة بعضها مع بعض او غير مرتبطة فان كانت مرتبطة فلا معنى لكون الحروف توجد الربط بين المفاهيم الاسمية لانه يلزم تحصيل الحاصل و ان تصورناها غير مرتبطة فلا يعقل احداث الربط بينها لان الموجود بحسب وعائه من الواقع او الاعتبار أو الذهن لا ينقلب عما هو عليه بعد أن فرض ان الالفاظ تحضر المعاني الموجودة و تلقيها الى المخاطب على ما هي عليه من غير ان تقلبه و يؤيد ما ذكرنا ما فى الرواية المروية عن مولانا امير المؤمنين عليه السلام الحرف ما انبأ عن معنى لا اسم و لا فعل فان التعبير بما انبأ فيه دلالة على كون الحروف كلها اخطارية و ان كان يروى انه قال الحرف ما اوجد معنى في غيره و بعض الاعاظم رجح هذه النسخة لكونها موافقة لما حققه من كون الحروف ايجادية و لكن لا يخفى انها قابلة للتأويل فان الالفاظ لما كانت قوالبا للمعاني و ان النسبة اللفظية تكشف عن النسبة الذهنية كشفا بنحو المرآة و المرئي فالقضية الملفوظة هي القضية المعقولة فتكون متحدة معها. فحينئذ تكون تلك الهيئة المخصوصة كأنها قد وجدت بنفسها.

فظهر مما ذكرنا ان الفرق بين المعنى الاسمي و الحرفي انما هو بالهوية فان معاني الاسماء معان مستقلة و ليست من سنخ النسب و الاضافات بخلاف معاني الحروف فان معانيها ربطية و من سنخ النسب و الاضافات فلا يحل احدهما محل الآخر من غير فرق بين القول بانها ايجادية او اخطارية بل لو قلنا بان معاني الحروف هي‏

44

معاني الاسماء حقيقة و لكن يختلفان من ناحية الاستعمال فلا يجوز استعمال احدهما في موضع الآخر لما عرفت منا سابقا ان الغرض من الوضع هو الاستعمال و ضيق الغرض يوجب ضيق ذي الغرض كما ان سعته يوجب سعته فاستعمال احدهما فى فى موضع الآخر يعد غلطا اذا عرفت ذلك فاعلم ان الموضوع له فى الادوات هل هي الخصوصيات المحفوفة أو الجامع بين تلك الاضافات و الخصوصيات.

و الذي يقتضيه التحقيق ان تلك الخصوصيات خارجة عن الموضوع له و هو الجهة الجامعة بين تلك الاضافات. بيان ذلك ان معاني الحروف ليست مستقلة و انما هي قائمة بالمعانى الاسمية كقيام العرض بالموضوع فكما ان العرض في مقام تحصله و تقومه لا يحتاج الى الموضوع و انما يحتاج اليه فى مقام وجوده فكذلك المفاهيم الحرفية فانها فى مقام تقومها لا تحتاج الى المعنى الاسمي و انما تحتاج اليه فى مقام الاستعمال و مقام الاستعمال نحو من انحاء الوجود و لا ينفك ايجادها عن المعنى الاسمي بل حتى اذا لوحظت معراة و قد ذكرنا ان تعريتها عين تحليتها فهو بالنسبة الى الوجود الذهني كالانسان فى الخارج لا بد و ان يكون مع خصوصية من تلك الخصوصيات و هي لا توجب تعدد المعنى فان المعنى الحرفي في الذهن لا يحصل إلا مع خصوصية و يتحصص بحصة خاصة و هذا لا يضر بتلك الوحدة الجامعة بين تلك الخصوصيات فيكون وضعها لتلك الجهة الجامعة على نحو ما تصورنا من الوضع العام و الموضوع له عام بان يكون الجامع بين الافراد جامعا مندكا فى ضمن الخصوصيات بنحو يكون وجوده فى الذهن على نحو وجود الطبيعة فى الخارج بنحو يرى مندكا فى الخصوصيات.

و مما ذكرنا يظهر لك فساد دعوى ان معانى الحروف لما كانت من سنخ النسب فلا يدلها في تقومها من طرفين فتكون الخصوصيات دخيلة في الموضوع له‏

45

و لكن لا يخفى ان تقومها انما يحتاج اليه فى مقام وجودها و اما فى مقام الماهية فلا يحتاج في تقومها الى تلك الخصوصيات كالاعراض فانها فى مقام وجودها تحتاج الى موضوع يقوم به العرض و لا يحتاج في مقام ماهيته من موضوع يقوم به‏

و لا يخفى ان هذا الذي ذكرناه لا يفرق بين كون الحروف ايجادية أو اخطارية فان الايجادية تقتضي التشخص و هو مساوق للوجود و التخصص فى مقام الوجود لا يجعله من متكثر المعنى و يخرجه عن متحد المعنى فدعوى انه بناء على كونها ايجادية لا بد من القول بجزئيتها فى غير محلها اذ ذلك مبني على عدم وجود الكلي الطبيعي فى الخارج و ان الموجود هو الاشخاص فحينئذ يكون التشخص فى مرتبة سابقة على الوجود. و اما بناء على ان الكلي الطبيعى موجود فى الخارج و اما التشخص مساوق للوجود فيكون الايجاد قد تعلق بشي‏ء واحد و تحققه عبارة عن وجوده فى الخارج مشخصا بالخصوصيات فتكون تلك الخصوصيات خارجة عن ذلك المعنى الوحدانى.

و بالجملة ان هذه المتكثرات لما كانت تشترك بجامع مندك في الخصوصيات بنحو لا توجد إلا مع الخصوصية فحينئذ يمكن ان تتصور تلك الجهة الجامعة معراة عن الخصوصيات و يوضع اللفظ للجامع المندك في ضمن تلك الخصوصيات و لو كان ما تصوره معراة هو محلا بالخصوصية و بهذا المعنى تتصف الحروف بالكلية و تكون من متحد المعنى. فما ذكره صاحب القوانين من ان الحروف لا تتصف بكلية و لا بجزئية لأن معاني الحروف تبعية غير مستقلة بالمفهومية. و اذا كانت كذلك فلا تتصف بهما و قوى ذلك بعض الافاضل بان معاني الحروف ايجادية و هي توجب الجزئية فلا تتصف بكلية ابدا و رده بعضهم بان معاني الحروف انما هي من سنخ النسب و الاضافات و كلية النسبة تتبع الاطراف فاذا كانتا كليتين كمثل‏

46

مسيري من البصرة خير تكون النسبة كلية فان من تكلم لم يلحظ السير المعين من نقطة معينة فهي تابعة للاطراف فيصح اتصافها بالكلية و الجزئية تبعا للاطراف فقد عرفت الجواب عن ذلك بما ذكرنا من تصور الوضع العام و الموضوع له عام على غير المشهور بان يتصور المعنى معرى عن الخصوصيات و يجعله مرآة لتلك الحصص المقترنة بتلك الخصوصيات المشتركة بحقيقة واحدة و ان كان ما تصوره مقترنا بالخصوصية ذهنا فيوضع اللفظ لتلك الحقيقة الجامعة فتكون كلية بهذا المعنى و الخصوصية المقترنة ليست لها الدخل فى الموضوع له. نعم يلتزم بما ذكر اذا لم نتصور غير المشهور من الوضع العام و الموضوع له عام فانه بناء عليه تلحظ الطبيعة معراة عن الخصوصية و مجردة عنها ذهنا و هو يكون مرآة لتلك الخصوصيات و يوضع اللفظ لذلك المعنى العام و حيث ان معانى الحروف لا يتصور فيها ذلك اذ كل ما يتصور من تلك المعاني لا بد و ان تكون محفوفة بتلك الخصوصية فليس فيها جهة جامعة تلحظ مستقلا من دون الخصوصية الذهنية فلذا لا بد من الالتزام بان يجعل المعنى الاسمي العام مرآة للمعنى الحرفي بان تتصور كلي الابتداء مثلا الذي هو معنى اسمي و تجعله مرآة لتلك الخصوصيات و تضع اللفظ لتلك الخصوصيات فيكون من قبيل الوضع العام و الموضوع له خاص و لكن لا يخفى ان ذلك مبني على ان العام يصلح للمرآتية للخصوصيات و قد عرفت انه غير صالح للمرآتية لعدم كشفه عن الخصوصيات. نعم العنوان الاجمالي بما انه منتزع عن الخصوصيات يصلح للمرآتية مضافا الى ان لازم ذلك ان يكون المعنى الحرفي مصداقا للمعنى الاسمي و ينطبق عليه انطباق الكلي على فرده و قد عرفت منا سابقا ان التغاير بينهما تغاير بالهوية و لا يصح استعمال احدهما فى موضع الآخر فلو استعمل احدهما في موضع الآخر يكون مستهجنا و غلطا و لو كان من قبيل الكلي‏

47

و فرده لصح استعمال المعنى الاسمي المفروض كليته فى المعنى الحرفي المفروض كونه مصداقا له و يعد ذلك من المجاز و هو واضح البطلان لما عرفت من المباينة بينهما.

و أما كون المعاني الحرفية كلية كالمعاني الاسمية بمعنى انها لا يمتنع فرض صدقها على كثيرين فهو مبني على ما ذكره الاستاذ من عدم الفرق بين المعاني الاسمية و المعاني الحرفية إلا من ناحية الاستعمال بان يشترط الواضع بان يستعمل الحرف فى الموضوع له الاسم في حال كونه حالة للمعنى الاسمي و يستعمل الاسم فى المعنى الحرفي فى حالة ملاحظته له فى نفسه.

و اما بناء على ما اختاره بعض الاعاظم من انها عبارة عن الربط و النسب فاطلاق الكلية على المعانى الحرفية باعتبار عدم دخول الخصوصيات فى المعنى الموضوع له و لا يطلق عليها الكلية بمعنى الصدق على الكثيرين لان ذلك تنافي ايجادية المعنى الحرفي و دعوى ان الايجادية توجب دخول الخصوصيات فى المعنى الموضوع له فى غير محلها لان تلك الخصوصيات لها دخل فى مقام الاستعمال لا فى تقومه و تجوهره إذ هو كالعرض فان تقومه بالموضوع انما هو في مقام تحققه في الخارج لا فى مقام تجوهره و تقرره.

و اما على ما ذكرنا من ان الموضوع له في الحروف هو تلك الجهة الجامعة المتحققة في ضمن الخصوصيات التي لا ينفك تحققها إلا فى ضمن الخصوصيات حتى في مقام الذهن فلا يمكن تصورها منفصلة عن الخصوصيات و إلا خرج عن كونها معنى حرفي فعدم كونه كليا بمعنى عدم صدقه على كثيرين من الوضوح بمكان.

نعم بمعنى عدم دخول الخصوصيات في المعنى الموضوع له و تكون تلك الجهة الجامعة هي الموضوع له يصح اطلاق الكلية عليه و يكون من متحد المعنى بمساعدة العرف عليه لان استعماله بتلك الجزئيات بلحاظ واحد مضافا الى ان استعماله في المعنى‏

48

العام لا يكون بالعناية و المجاز كقولنا سر من البصرة الى الكوفة فان (من) قد استعملت في الكلي كاستعمالها في الجزئى الحقيقي كقولنا سرت من البصرة و هل تجد بينهما فرقا و ذلك شاهد على ان (من) استعملت في المقامين بمعنى واحد و ليس إلا القدر المشترك الذي لا يمكن تحققه خارجا و ذهنا إلا مع خصوصية ذهنية او خارجية و لا ينافي كون القدر المشترك لا يتحقق إلا مع الخصوصية كونه هو الموضوع له لان الخصوصية لها دخل فى تحققه و وجوده و ليست داخلة فى حقيقته و ماهيته و تلك الحقيقة الكلية هي الموضوع له الاداة الملحوظة باللحاظ الاصلي في ضمن لحاظ الاطراف و ليس المعنى الحرفى ملحوظا مع الاطراف بنحو المرآتية لكي يكون مغفولا عنه و كيف يكون كذلك مع انه جزء من الكلام المقصود بالافادة بل يكون هو المقصود الاصلي و لذا صح تقيده فجاز التمسك بالاطلاق اذ التقيد و الاطلاق امران اضافيان و سيأتى إن شاء اللّه تعالى صحة رجوع القيد الى الهيئة التي هي معنى حرفي في الواجب المشروط و استفادة المفهوم من الجملة الشرطية لدلالتها على تعليق سنخ الحكم على الشرط لينتفي بانتفائه.

و دعوى ان الايجادية تلازم كون المعاني الحرفية مغفولا عنها في غير محلها لان الايجادية لا تنافي اللحاظ الاصلي اذ المعنى الحرفي حينئذ ليس إلا الربط بين المفاهيم الاسمية و هذا هو مقصود بالاصالة و لم يؤخذ المعنى الحرفي بالنسبة الى المعنى الاسمي بنحو المرآتية كاستعمال الالفاظ فى معانيها الملازم لكون تلك المعانى مغفولا عنها. و الحاصل ان المعنى الحرفي بالنسبة الى المعاني الاسمية ان كان بنحو المرآتية فيكون مغفولا عنه كما ادعاه بعض الاعاظم (قدس سره) فلا يصح ارجاع القيد في الواجب المشروط الى الهيئة و يلزم ارجاعه الى المادة لان التقييد يستدعي ان لا يكون المقيد من المعانى المغفول عنها فاذا لم يصح التقيد فلا يصح الاطلاق و ان كان‏

49

بالنسبة الى المعاني الاسمية ملحوظا بالاصالة على ما هو المختار فيصح ارجاع القيد الى الهيئة في الواجب المشروط. اللهم إلا ان يقال بأن الموضوع له في الحروف خاصا اذ عليه يكون جزئيا حقيقيا فلا يصح تقييده فلا يصح اطلاقه، و لكن لا يخفى ان من يقول بأن الموضوع له خاص لا يقول بأنه جزئي حقيقي بل جزئي اضافى و هو لا ينافي الكلية فمع كونه كليا لا مانع من تقييده اذا كان ملحوظا بالاصالة فحينئذ يتمسك بالاطلاق مضافا الى انه لو كان مراد القائل بكون الموضوع له خاصا هو الجزئي الحقيقي فلا اطلاق بالنسبة الى الاطلاق الافرادي و اما بالنسبة الى الاطلاق الاحوالي فلا مانع من التمسك بالاطلاق فحينئذ يمكن تقييده. و معنى الاطلاق الاحوالي هو ان الفرد الخارجي يوجد اما معلقا او غير معلق لا انه بعد وجوده خارجا يكون له اطلاق و يتقيد بالتقيد الاحوالي‏

الخبر و الانشاء

قال الاستاذ (قدس سره) ان الخبر و الانشاء كالحروف و الأسماء من حيث أنهما يشتركان في الموضوع له و يفترقان في ناحية الاستعمال و توضيح ذلك يحتاج الى مقدمة و هي ان كل شي‏ء له مرتبتان مرتبة الايجاد و مرتبة الوجود، و مرتبة الوجود متأخرة عن مرتبة الايجاد رتبة فان الشي‏ء اذا تحرك من كتم العدم الى الوجود كان ايجادا و ان اعتبر قد تلبس بقالب الوجود كان وجودا فالاسم مفردا او مركبا تركيبا ناقصا لما كان يحكى عن مسماه فيكون دالا على الوجود لا على نفس الايجاد لأنه يحكى عن المسمى فارغا عن الوجود فغلام زيد مثلا يطلق على الشخص بعد كونه غلاما موجودا و كذلك زيد فانه يطلق على مسماه بعد الفراغ عن كونه موجودا بخلاف المركبات التامة من الأسماء فانها تدل على نفس الايجاد و الى‏

50

ذلك يرجع قولهم ان الأوصاف قبل العلم بها اخبار كما ان الاخبار بعد العلم بها أوصاف. و الذي يدل على ان المركبات التامة هي عبارة عن ايقاع النسبة هو أنها من سنخ التصديقات و التصديق هو اذعان بالنسبة، و الاذعان يتعلق بالايجاد لا بالوجود، و ربما يطلقون على القضية اسم التصديق فيقال قضية تصديقية و لا يختص هذا الاطلاق بخصوص قضية خاصه بل يشمل كل قضية حتى المشكوكات و الموهومات و الكواذب و يستكشف من ذلك أنها تدل على الايجاد لا الوجود.

اذا عرفت ذلك فاعلم أن الجمل مطلقا خبرية كانت او انشائية يستفاد منها هو ايقاع النسبة فلا يكون فرق بينها بحسب الذات و الفرق بين الخبرية و الانشائية بانه تارة يقصد فيراد الحكاية عن شي‏ء و اخرى يقصد الوسيلة الى تحقق مضمونها مثلا بعت دالة على ايقاع النسبة و هي مشتركة بين الخبر و الانشاء و لكن إن قصد بها الحكاية فهي خبر و ان قصد بها الوسيلة الى تحقق مضمونها فهي انشاء فيكون الفرق بينهما بحسب الاستعمال لا بحسب الذات كانقسامهما الى الجد او الهزل فتارة يحكيان عن جد و أخرى يحكيان عن الهزل و السخرية و الجد فى الانشاء ربما يكون منشأ لترتب الآثار كما اذا أنشأ البيع و اجتمعت شرائطه يكون منشأ لترتب الملكية و قد لا يكون منشأ لترتب الأثر كالبيع الفضولي مع عدم تعقبه للاجازة

فتلخص مما ذكرنا أنه عندنا مراتب أربع الأولى ايقاع النسبة الكلامية، الثانية الحكاية عن الواقع و الموجودية، الثالثة الجد و الهزل، الرابعة الوقوع‏

أما المرتبة الاولى فهي تشترك فيها جميع الجمل خبرية كانت او انشائية و هي من مقومات الجملة كالموضوع و المحمول.

اما المرتبة الثانية فهي الفارقة بين الخبر و الانشاء حيث ان الخبر ايقاع النسبة بقصد الحكاية و الانشاء ايقاع النسبة بقصد الموجدية و هي من قيود الاستعمال‏