منهاج الأصول‏ / تقريرات - ج5

- محمد إبراهيم الكرباسي المزيد...
427 /
3

الجزء الخامس‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف الأولين و الآخرين محمد و أهل بيته الطيبين الطاهرين.

الاستصحاب‏

و هو الأصل الرابع من الأصول العملية التي هي وظائف مقررة للشاك في مقام العمل، و الكلام فيه يتوقف على بيان أمور:

الامر الأول- في بيان حقيقته و ماهيته،

فنقول: قد اختلف القوم في تعريفه فمنهم من قال: «هو ابقاء ما كان» و عرفه غيره بقوله: «هو اثبات الحكم في الزمان الثاني تعويلا على ثبوته في الزمان الأول» أو انه «اثبات حكم في زمان لوجوده في زمان سابق عليه» أو انه كما عرفه البعض: «ثبوته في وقت أو حال و الحكم على بقائه بعد ذلك الوقت» الى غير ذلك من التعاريف.

قال الاستاذ (قدس سره) في الكفاية: ان عباراتهم في تعريفه و ان كانت شتى إلّا انها تشير الى مفهوم واحد و معنى فارد، و هو: «الحكم ببقاء حكم او موضوع ذي حكم شك في بقائه».

4

أقول: أما ما ذكره فهو حسن، بناء على ان الاستصحاب من الامارات لا من الاصول، و ذلك خلاف ما هو المختار من أنه من الاصول كما سيأتي ان شاء اللّه تعالى فان الحكم المذكور مؤدى الاستصحاب لا نفسه، و كيف كان فقد ذكر الشيخ الانصاري (قده):

ان أسدها و أخصرها «إبقاء ما كان» و المراد بالابقاء: الحكم بالبقاء، بمعنى الحكم ببقاء حكم شرعي أو موضوع ذي حكم شرعي كان ثابتا سابقا ثم يشك في بقائه.

و لكن لا يخفى ان هذا التعريف- ابقاء ما كان- يتم بناء على ما سلكه المتقدمون من كون الاستصحاب من الأدلة الظنية، و ان حجيته كسائر الامارات، اذ هو على هذا المسلك ترجع حجية الاستصحاب الى حكم العقل ببقاء ما هو ثابت سابقا، و ذلك من باب الظن، فيكون كسائر الامارات الظنية: كالاستحسان و نحوه، المستفاد منها الظن على القول بحجيتها اما من باب الكشف أو من باب الحكومة، لرجوع ذلك الى تصديق العقل بالبقاء حقيقة، غاية الأمر أن الوجه في حجية مثل هذا الظن بالبقاء هو بناء العقلاء أو السيرة أو دليل الانسداد على تقرير الكشف حيث انه يكون من الامارات و الأدلة الاجتهادية دون التعبدية، و لو كان الوجه في حجيته هو الانسداد على تقرير الحكومة كان من الأدلة العقلية المحضة.

و على كل يرجع ذلك بأي نحو كان من الوجهين الى حكم العقل بالبقاء الحقيقي و ان كان هذا الحكم ظنيا، و لذا سيأتي أن ذلك يكون مثل الامارات التي هي حجة، و يترتب عليه أن مثبتاتها حجة لاحرازها الواقع، فتترتب اللوازم العقلية و العادية، كما انه يتم هذا التعريف بناء على أن الاستصحاب من الامور التعبدية باستفادة ذلك من الاخبار

5

الدالة على حرمة نقض اليقين بالشك، و ان المراد من اليقين هو المتيقن بأن يكون اليقين المأخوذ في لسان الدليل بنحو المرآتية الى نفس المتيقن فمرجعه الى حكم الشارع ببقاء ما كان فيشمله هذا التعريف كما شمله على المسلك الأول.

و ان كان هناك فرق بين المسلكين في المراد من البقاء فانه على الأول يكون المراد منه الحكم ببقاء الواقع حقيقة و ان كان حكما ظنيا و على الثاني يكون المراد منه هو الحكم ببقاء الواقع أيضا إلّا انه ليس بنحو الحقيقة بل بنحو التعبد و الادعاء من باب المجاز كما يقوله السكاكي إلّا ان هذا الفارق لا يضر في شمول التعريف له، و بالجملة التعريف يتم على المسلكين غاية الأمر الاختلاف باعتبار ما ينطبق عليه من كونه مصداقا حقيقيا أو مصداقا ادعائيا و بذلك يتضح الفرق بين المسلكين في ثبوت اللوازم العقلية و العادية على الاول دون الثاني.

و أما لو بنينا على أن اليقين في لسان الدليل هو نفسه و ليس مرآة للمتيقن، فلا يرجع الى الحكم ببقاء ما كان ثابتا سابقا اذ مرجع حرمة نقض اليقين بالشك في لسان الدليل هو انه يجب اعتبار اليقين ببقاء ما كان حال الشك تعبدا، للحكم ببقاء نفس ما كان سابقا متعلقا لليقين و عليه لا يستفاد منه أن وجوده سابقا مشعر بالعلية للبقاء فتختلف حقيقة الاستصحاب، و ذلك أنه على المسلكين الأولين يكون نفس وجوده الواقعي الذي هو متعلق اليقين موجبا لوجوده في اللاحق، و على المسلك الاخير لا يكون كذلك فان وجوده ليس كما استفيد من دخل الوصف بأنه مشعر للعلية (1).

____________

(1) لا يخفى ان المستفاد من الروايات- على المسلك الأخير- هو حفظ اليقين و عدم نقضه في مقام العمل، و ليس المراد من اليقين‏

6

فظهر مما ذكرنا ان هذا التعريف لا يكون جامعا لجميع المسالك اللهم إلّا أن يقال ان الأدلة المتكفلة للتنزيلات الشرعية و ان كان المقصود الاصلي منها النظر الى مقام العمل و الجري العملي إلّا ان دليل التنزيل تارة يكون خطابه موجها الى المكلف، بأن ينزل شيئا بمقام آخر بأن يكون نفس ذلك التنزيل بلحاظ العمل على عهدة المكلف كما هو مفاد أدلة حجية خبر العادل، بناء على ان مفادها تنزيل خبر العادل منزلة العلم بالواقع، و كما هو مفاد لا تنقض اليقين بالشك، بناء على أن المكلف ينزل غير اليقين بمنزلة اليقين، و اخرى يكون مفاده الانتساب الى الشارع بأن ينزل شيئا بمنزلة شي‏ء، كما في قوله: «الطواف في البيت صلاة» و حيث أن مفاد أخبار الاستصحاب من قبيل الأول فيصير مفادها هو الأمر باليقين بالبقاء تعبدا، بمعنى البناء على اليقين بالبقاء

____________

كونه من الصفات النفسانية، فانه من الواضح ان اليقين انتقض بعروض الشك وجدانا، و عليه: لا مانع من دعوى جامعية هذا التعريف للاستصحاب على اختلاف الانظار في وجه حجيته، بتقريب: انه بناء على اخذه من بناء العقلاء يكون بمعنى الحكم بالبقاء حيث ان التزامهم في الجري العملي على بقاء ما كان بملاحظة وجوده سابقا ما لم يظهر الخلاف كما انه بناء على اخذه من حكم العقل يكون معناه: ادراكه عقلا و تصديقه ضمنا ببقاء ما كان بملاحظة غالبية وجوده لا حقا بعد ثبوته سابقا، و اما بناء على أخذه من باب التعبد و حرمة نقض اليقين بالشك فيكون معناه الحكم الانشائي من الشارع في مرحلة الظاهر- بمعنى التعبد ببقاء ما علم حدوثه سابقا و شك في بقائه في الزمان اللاحق.

و بعبارة أخرى ان الابقاء الذي هو مدلول الهيئة عبارة عن‏

7

و التصديق به في عهدة المكلف، و المفروض ان الحكم بالبقاء ليس إلّا التصديق به اما وجدانا أو ادعاء تعبديا.

و عليه يصح على هذا المبنى أيضا أن يقال: «ان الاستصحاب هو الحكم بالبقاء و التصديق به و لو ادّعاءً» كما يصح أيضا اطلاق مشتقاته فيقال: زيد يستصحب، أو استصحب، أو الحكم يستصحب و لكن ربما يشكل على ذلك بأن مفاد أدلة الاستصحاب هو البناء على البقاء و هو ليس حكما بالبقاء، لأنه يكون من قبيل عقد القلب و هو أمر لا يرتبط بالتصديق.

____________

الحكم بالبقاء، و ذلك معنى عام يشمل حكم الشارع و تعبده بالبقاء، و حكم العقل و تصديقه الظنى به، و حكم العقلاء و بقاءهم على الالتزام بالبقاء.

و بالجملة: قد أخذ مفهوم الابقاء في التعريف بالمعنى العام، و ان الاختلاف انما هو في المصاديق، و بهذا يجاب عما يقال من أن تعريفه بذلك لا ينطبق عليه لما عرفت من ان اختلاف المصاديق لا يضر بوحدته إذا اعتبر الاستصحاب من الامارات، من غير فرق بين كون أماريته بالظن النوعي أو الظن الشخصي، اذ اعتباره بذلك يجعله امارة على الحكم و كاشفا عنه، فلا معنى لتعريفه بنفس الحكم، على ان اركان الاستصحاب ثلاثة: يقين سابق، و شك لا حق، و الحكم بالبقاء، فلو سلمنا دلالته على الحكم باعتبار ملازمته لكونه امارة فيكون تعريفه بالحكم بالبقاء تعريفا بالملزوم، إلّا ان الركنين و هما: اليقين السابق و الشك اللاحق، لا يستفادان من التعريف.

أما اذا اعتبر اصلا عمليا فلا يستفاد من التعريف ذلك، إذ ظاهره ان المراد من الحكم: الحكم الواقعي مع أن مجعول الشارع‏

8

و لكن يمكن دفعه بان الحكم لم يؤخذ في التعريف بل هو من تعبير الأصحاب، و انما المأخوذ في التعريف هو «ابقاء ما كان» و حينئذ يصح اطلاق الابقاء من المكلف بنحو اسناد البقاء اليه، و لو من جهة بقائه، بل ربما يقال بامكان تصحيح التعريف بناء على ان مفاد الأدلة تنزيل الشارع غير اليقين منزلة اليقين، باعتبار ان المكلف في مقام العمل ممن يطاوع الشارع، فيصح ان يقال في حقه انه استصحب مطاوعة للشارع.

هذا غاية ما يمكن توجيه التعريف به، و انه أسدّ ما في الباب كما لا يخفى.

____________

حكم ظاهري، على ان اليقين في الزمان السابق و الشك في الزمان اللاحق لا يستفادان من التعريف، مضافا الى ما ذكره المحقق النائيني (قدس سره) في محاضراته الاصولية من انه ليس مفاد الاستصحاب ذلك، اذ لو كان مفاده هو الحكم بدوام ما ثبت لزم كونه من الأحكام الواقعية، و المفروض ان مفاده حكم ظاهري كما هو المستفاد من الأخبار من حيث اعتبار الشك فى الحكم بالبقاء، مع أن التعريف لا يستفاد منه ذلك، فلذا قال (قده): ان الأولى في تعريفه أن يقال:

«ان الاستصحاب عبارة عن عدم نقض اليقين السابق المتعلق بالحكم او الموضوع من حيث الأثر و الجري العملي بالشك في بقاء متعلق اليقين».

و حاصل الجواب عن ذلك: أن التعريف كان باللازم الذي هو مفاد الأخبار، و لا مانع من أن يكون التعريف باللازم، كما أن مفاد البقاء تارة يكون حقيقيا بناء على أخذه من العقل، أو تعبديا بناء على أخذه من الأخبار، فان الاختلاف في ذلك لا يغير من وحدة-

9

الأمر الثاني هل يعد البحث في حجية الاستصحاب من المسائل الاصولية

أو من القواعد الفقهية، أو من مبادئ الأحكام؟

فنقول: ان المدار في كون المسألة اصولية، تارة تكون واقعة في طريق استنباط الحكم الشرعي الكلي مطلقا، بمعنى انه توجب ثبوت العلم بالحكم الشرعي الواقعي، سواء كانت موجبة للعلم به بلا وساطة شي‏ء أو مع الوساطة، كالامارات الظنية، فانها تثبت الحكم الشرعي الكلي بعد معلومية حجيتها. و أخرى يكون المدار في كونها أصولية وقوعها في طريق استنباط الحكم الشرعي الكلي في مقام التطبيق على الموارد، و ذلك يختص بالمجتهد لاحتياجه الى الفحص عن الأدلة في تطبيقها على الموارد في الشبهات الحكمية.

فان بنينا على الأول في تمييز المسألة الأصولية عن غيرها فذلك يختلف باختلاف المسالك و الانظار في حجية الاستصحاب، بيان ذلك:

____________

- المفهوم لعدم التغاير في مفهوم (الابقاء)، اذ الظاهر من مفهوم (ابقاء ما كان) هو الحكم بالبقاء. و بما ان التعبير (بما كان) مشعر بالحكم بالبقاء لأجل تحقق علة وجوده في الزمان اللاحق، أو لقيام الدليل على بقاء المستصحب في الزمان الثاني، فعليه يستفاد منه اعتبار الشك الذي هو أحد أركان الاستصحاب، و هو أعم من الظن الفعلي.

و بما ذكرنا ظهر انه لا مانع من كون هذا التعريف جامعا، بناء على أن المراد بالحكم بالبقاء في مقام العمل و لازمه اعتبار الشك فيه فتأمل جيدا.

10

انه بناء على اعتباره من باب الظن يحكم العقل بالملازمة الظنية من حيث الحدوث و البقاء، فتارة يكون النزاع بين المثبتين و النافين في ثبوت الظن من حكم العقل بالملازمة الغالبية و عدم ثبوت ذلك، لعدم حكم العقل بتلك الملازمة، فتدخل مسألة الاستصحاب في مبادئ مباحث الاصول و ليست منها، لما هو معلوم من أن البحث فيها عن أصل وجود الملازمة الظنية فهو بحث عن مفاد (كان التامة) و ليس بحثا عن مفاد (كان الناقصة) إذ من الواضح ان البحث عن استنباط الحكم الشرعي الكلي انما يتحقق بعد كون القاعدة المستنبطة حجة، و قد علم حجيتها، فيستنبط الحكم الشرعي بجعلها كبرى، و يكون المورد من صغرياتها.

و أما مع الشك في حجية الكبرى فلا تثبت حجية الصغرى، و عليه فلا يستنتج الحكم الشرعي.

و أخرى يكون النزاع بين المثبتين و النافين في حجية هذا الظن بعد ثبوت الملازمة الظنية، فتعد المسألة من المسائل الاصولية، بناء على أن حجية مثل هذا الظن شرعا لأجل سيرة العقلاء، أو دليل الانسداد على تقرير الكشف، لوقوعها في طريق استنباط الحكم الشرعي الكلي فيوجب العلم به تعبدا.

و أما بناء على حجيته من باب دليل الانسداد على تقرير الحكومة فلا يدخل في المسائل الاصولية لكون نتيجته لا توجب العلم بالحكم الشرعي و لا تقع في طريق الاستنباط. نعم بناء على أن وقوعها في طريق استنباط الحكم الشرعي أعم مما يترتب عليه العلم بوساطة أو بلا وساطة فحينئذ يمكن عده في مباحث الأصول، و من هنا تعرف أن البحث في دليل الانسداد و لو بناء على الحكومة لا مانع من عده من‏

11

مباحث الاصول و لا موجب لدعوى أن ذكره في الاصول من باب الاستطراد.

و أما بناء على حجية الاستصحاب من باب الأخبار فأما أن نقول أن المستفاد من قوله لا تنقض اليقين بالشك هو جعل اليقين في ظرف الشك، بمعنى جعل اليقين في حال الشك و اثبات اليقين بالحكم الواقعي تعبدا كما هو كذلك في جعل الامارة، و ان كان فرق بين الجعلين فانه في جعل الامارة من باب تتميم الكشف مع نفي الشك و مفاد دليل الاستصحاب جعل اليقين في ظرف الشك، أي جعله حجة مع حفظ الشك تعبدا، إلا أن هذا الفرق غير فارق في جعل الحجية و أنه من باب تتميم الكشف.

فعليه يكون الاستصحاب من القواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية و لازم ذلك أن يعد من المسائل الاصولية لوقوعه في طريق الاستنباط، و أما أن نقول إن مفاد دليل الاستصحاب تنزيل المشكوك منزلة المتيقن كما ذهب إليه الشيخ الأنصاري (قدس سره) فعده من المسائل الاصولية محل اشكال إذ مفاد (لا تنقض اليقين بالشك) ليس إلا التعبد بنفس الحكم الأول الذي كان متيقنا.

فعليه يكون الاستصحاب من القواعد الفقهية كقاعدة الطهارة و كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف انه حرام فيكون الاستصحاب في الشبهات الحكمية حال الاستصحاب في الشبهات الموضوعية فلا يكون من المسائل الاصولية حيث أن مضمون الاستصحاب حينئذ قاعدة فقهية ظاهرية تنطبق على مواردها كقاعدة الضرر و الحرج و قاعدة الطهارة و غيرها مما يكون استفادة الحكم الجزئي من باب التطبيق لا الاستنباط الذي هو ملاك المسألة الاصولية (1).

____________

(1) قلنا في الجزء الأول من الكتاب بأن ملاك المسألة الاصولية

12

و أن بنينا على التمييز الثاني الذي هو اضافته الى وقوعه في طريق الاستنباط بأن يكون في مقام التطبيق و ذلك يحتاج إلى الفحص لكي يمكن تطبيقه و هو يختص بالمجتهد و لا ينفع المقلد فنقول: انه بناء على مسلك الظن فان كان باعتبار تحصيله فهو من قبيل المبادئ و ليس من مسائل الاصول، و إن كان باعتبار حجيته بعد تحقق الملازمة

____________

هي كبريات لو انضمت الى صغراها لأنتجت حكما كليا شرعيا، و بقولنا كبريات تخرج مسائل سائر العلوم كالقواعد العربية و الرجال و نحوها فانها بأجمعها ليست كبرى القياس و انما تلتئم صغرى للقياس فهي تعد من المبادئ للاصول لا من مسائله مثل علم الرجال الذي هو مقدمة للاستنباط، بخلاف علم الاصول في بحثه عن خبر الثقة فانه متكفل لتشخيص خبر الثقة عن غيره، و الواقع في صغرى القياس خبر الثقة لا مطلقا، كما لو أخبر الثقة عن وجوب صلاة مثلا فنقول صلاة الظهر قد أخبر الثقة بوجوبها و كل ما اخبر الثقة بوجوبه فيجب الاتيان به.

و هكذا علم القواعد العربية فانه يقع في طريق الاستنباط بضم علم الاصول و لهذا قلنا ان علم الاصول هو الجزء الأخير من العلة لاستنباط المسألة الفقهية و لذا أضيف اليه فيقال أصول الفقه.

و من هنا يعلم أن البحث عن ظهور الأمر في الوجوب و النهي في الحرمة ليسا من مسائل الاصول و انما هما من المبادئ و انما ذكرت هذه المسائل في الاصول من باب الاستطراد، و بقولنا انتجت حكما كليا يخرج ما يكون القياس ينتج حكما جزئيا فان ذلك يعد من القواعد الفقهية و ليس من المسائل الاصولية، و لذا قلنا ان ما ينتج حكما كليا يختص بالمجتهد و لا ينفع المقلد دون ما ينتج أحكاما جزئية، حيث أن‏

13

يكون البحث عنه حينئذ من المسائل الاصولية المختصة بالمجتهد و لا ينفع المقلد إذ التطبيق انما يتحقق بعد الفحص و ذلك لا ينفع المقلد.

و أما بناء على استفادة حجية الاستصحاب من الأخبار فلا اشكال في عده من المسائل الاصولية من غير فرق بين القول بتنزيل اليقين بنفسه منزلة الشك أو بلحاظ المتيقن لما عرفت ان النتيجة هي استفادة الحكم الكلي في مقام تطبيقه و هو يختص بالمجتهد إذ لا يمكن أن يكون أمر التطبيق بيد المقلد لكون ذلك لا يتحقق إلا بعد الفحص و اليأس عن الدليل المعارض و المقلد عاجز عن ذلك.

لا يقال إنه اذا كان لازم الملاك في المسألة الاصولية ذلك فينبغي‏

____________

الأحكام لما كانت كلية تحتاج في تعلقها بعمل المكلفين الى مئونة زائدة تنطبق على ما في الخارج و ذلك لا يتحقق إلا بالفحص فلا يكون من شئون المقلد و انما هي وظيفة المجتهد بخلاف الحكم الجزئي فانه يتعلق بعمل المكلف من غير احتياجه إلى مئونة شي‏ء.

و حاصل الكلام أن الميزان في المسألة الأصولية حكم كلي يتعلق بعمل المكلف بالوساطة و هو تطبيقه على الموارد الجزئية بخلاف القاعدة الفقهية فان نتيجتها حكم جزئي يتعلق بعمل المكلف بلا وساطة و ذلك ملاك المسألة الفقهية و لأجل ذلك ميز بين الاستصحاب الجاري في الشبهات الحكمية و الأصل الجاري في الشبهة الموضوعية، فان الأول من المسائل الأصولية حيث إنه ينتج حكما كليا بخلاف الثاني فانه ينتج حكما جزئيا.

نعم وقع الاشكال أن الدليل للاستصحابين هو رواية (لا تنقض اليقين بالشك) مع انه يلزم أن يكون من قبيل استعمال اللفظ في اكثر من معنى واحد، حيث انه لا جامع بين الحكم الكلى و الحكم الجزئي‏

14

أن تعد قاعدة الطهارة من المسائل الاصولية لجريانها في الشبهات الحكمية لأنا نقول نتيجة المسألة الاصولية لا تقيد بباب خاص فلا اشكال.

و أما الاستصحاب الجاري في الشبهات الموضوعية فلا اشكال انه من المسائل الفقهية كما هو معلوم ان نتيجة ذلك هو أمر جزئي كما

____________

و لكن لا يخفى انه لا موقع لهذا الاشكال حيث إن اليقين و الشك في الرواية ينحل إلى قضايا متعددة حسب تعدد العمل باليقين و الشك فعليه تختلف النتيجة حسب تعلق اليقين و الشك فان كان اليقين متعلقا بالحكم الكلي كما هو كذلك في الشبهات الحكمية تكون النتيجة مسألة أصولية، و ان تعلق اليقين و الشك بالحكم الجزئي كما هو في الشبهات الموضوعية فتكون المسألة قاعدة فقهية، و هذا الذي ذكرناه لا يفرق فيه بين أن يكون مدرك الاستصحاب هو بناء العقلاء او السيرة أو مدركه الأخبار فان المائز بين المسألة الأصولية و الفقهية انما هو بالنتيجة.

و هكذا الحال في حجية الظواهر فان كان الظاهر يتعلق في مثل الاقرار بالأوقاف و نحوها التي هي ظواهر جزئية تعد من مسائل الفقه و إن كان الظاهر في مثل خبر الثقة الذي هو من الامور الكلية تعد من المسائل الاصولية، و عليه فالحق هو التفصيل بين الاستصحاب الجاري في الشبهات الحكمية و الاستصحاب الجاري في الشبهات الموضوعية فان الأول من المسائل الاصولية بخلاف الثاني فانه من المسائل الفقهية، فدعوى الشيخ الانصارى (قده) كون مسألة الاستصحاب من المسائل الفقهية بتقريب ان الاستصحاب في الأحكام عبارة عن نفس الأحكام و الدليل عليه (لا تنقض اليقين بالشك) محل نظر إذ الاستصحاب ليس هو الحكم الشرعي و إنما هو مدرك للحكم و انه مفاد قوله (ع): (لا تنقض‏

15

لو شككنا بعدالة زيد مع العلم بعدالته في الزمان السابق فانه يحكم ببقائها و هو أمر جزئي و لذا يصح جريانه في كل يقين و شك حتى بالاضافة الى نفسه فلو شك المقلد في بقاء وضوئه بعد اليقين يبني على وضوء نفسه و إن كان مجتهده يعلم بعدم بقاء وضوئه.

____________

اليقين بالشك) فيكون من المسائل الاصولية لكونه مستنبطا للحكم لا نفسه فلا تغفل.

16

الأمر الثالث في بيان الفرق بين الاستصحاب و قاعدة اليقين‏

يمتاز الاستصحاب عن قاعدة اليقين بأن ملاك القاعدة هو أنه يرد الشك على مورد اليقين فمتعلق الشك هو متعلق اليقين و انما يختلف زمان عروض الوصفين لاستحالة عروضهما على محل واحد في زمان واحد بخلاف الاستصحاب فان معروض اليقين غير معروض الشك‏ (1).

____________

(1) لا يخفى ان الاستصحاب عبارة عن اجتماع اليقين و الشك في مورد واحد حتى يحكم بالبقاء من غير فرق بين أن يكون مبدأ حدوث اليقين قبل حدوث الشك كما لو علم بعدالة زيد يوم الخميس و شك في يوم الجمعة بعدالته، و بين ما كان مبدأ حدوث اليقين بعد حدوث الشك كما لو حدث الشك يوم الجمعة بطهارة ثوبه و استمر الشك إلى يوم السبت ثم حدث له يقين يوم السبت بطهارة ثوبه يوم الخميس، و بين ما كان مبدؤهما متقارنين زمانا كما لو علم يوم الجمعة بطهارة ثوبه يوم الخميس و في ذلك الآن شك في طهارته السابقة ففي أن يوم الجمعة حصل له يقين بطهارته يوم الخميس و في ذلك الآن شك في بقائها فاجتمع اليقين و الشك زمانا بآن واحد يوجب صدق الشك في البقاء فتتحد القضية المتيقنة مع القضية المشكوكة موضوعا و محمولا و وجودا خارجيا لكي يصدق تعلق الشك بما تعلق به اليقين السابق فلا يكفي الاتحاد في الموضوع و المحمول و لو مع تعدد في الوجود الخارجي إذ لا يتصور فيه الشك في البقاء لما هو معلوم انه مع تعدد

17

فمعروض اليقين هو الحدوث و معروض الشك هو البقاء فهما قضيتان مختلفتان حقيقة، إحداهما متيقنة متحققة في الزمان السابق، و الثانية مشكوكة متحققة في الزمان اللاحق و ان اتحدا في مقام الذات موضوعا و محمولا بحسب الخارج الموجب لاتحاد القضية المشكوكة مع المتيقنة لكي يتعلق الشك بما هو متيقن سابقا، و حينئذ تصدق القضية المشكوكة ابقاء للقضية المتيقنة بخلاف قاعدة اليقين التي هي الاتحاد الذاتي و الحقيقة خارجا فلا يكفي في الاستصحاب الاتحاد ذاتا مع التعدد الخارجي لعدم صدق البقاء لو حصل التعدد، فلذا قلنا في محله انه لا يجري الاستصحاب الكلي و ليس المراد فيه بوحدتهما وجودا و مرتبة إذ عليه لا يتصور فيه الشك في البقاء و ذلك من لوازم قاعدة اليقين.

____________

الوجود يكون اليقين تعلق بفرد و الشك تعلق بفرد آخر.

و من هنا قلنا أن الاستصحاب في القسم الثالث لا يجري لكونه من قبيل تعلق اليقين بفرد سابقا و الشك في وجود فرد آخر فلم تتحد القضية المشكوكة مع القضية المتيقنة لكي يصدق عليها ابقاء ما كان، إذ الحكم ببقاء فرد لاحق لا يصدق عليه أنه ابقاء للفرد السابق فما تعلق به اليقين غير ما تعلق به الشك.

نعم زمان المشكوك غير زمان المتيقن بمعنى أن معروض الوصفين زمانهما متعدد فان معروض اليقين هو الحدوث و معروض الشك هو البقاء و يستفاد من الأخبار سبق زمان المتيقن على زمان المشكوك فلو كان زمان المتيقن متأخرا و زمان المشكوك متقدما- كما لو علم بأن صيغة افعل حقيقة في الوجوب عند المتشرعة و لكن شك في أنها موضوعة لغة له أو أنها موضوعة لمطلق الطلب ثم نقلت لخصوص الوجوب في زمان‏

18

و بالجملة بين قاعدة اليقين و الاستصحاب تعاكس، فان في قاعدة اليقين الاتحاد بين متعلق الشك و اليقين واحد وجودا و انما الاختلاف في عروض الوصفين زمانا. و في الاستصحاب الاختلاف في معروضي الوصفين، و دعوى أن الاستصحاب لا ينطبق على الأحكام الشرعية حيث عرفت أن موضوعات الأحكام انما هي موجودات ذهنية و لو كانت على نحو المرآتية للخارج فيكون ظرف محمولاتها ذهنيا لا خارجيا لما عرفت أن الخارج ظرف اتصافها لا ظرف عروضها. ففي ظرف عروض محمولاتها لا يتصور لموضوع القضيتين وحدة خارجية لا فعلية و لا فرضية فكيف يصدق تعلق الشك في القضية المشكوكة بما يتعلق به اليقين، فلا بد في هذا المقام من الاتحاد بحسب الذات دون الخارج ممنوعة اذ لا يخفى انه يكتفى بوحدة منشأ انتزاعهما في مقام الانصاف في الخارج في صدق البقاء و النقض‏

____________

المتشرعة المتأخرة عن الصدر الأول، فيقال بأن الأصل عدم النقل و معناه جر اليقين اللاحق الى الزمن المتقدم و يسمى بالاستصحاب القهقري، فان اعتبار مثل ذلك يحتاج الى دليل و لا تنفع فيه أخبار الاستصحاب إذ ليس من باب عدم نقض اليقين بالشك المتعدد فيه المتيقن و المشكوك زمانا و بذلك يفترق عن قاعدة اليقين فانه فيها يتعدد زمان الوصفين مع اتحاد زمان متعلقهما بأن يكون في الزمان اللاحق شاكا في نفس ما تيقنه سابقا بوصف وجوده السابق، كما لو تيقن بعدالة زيد يوم الجمعة ثم شك يوم السبت بعدالته في يوم الجمعة، فلا يكون مثل هذا اليقين ابقاء لما كان.

و بعبارة أخرى في الاستصحاب يتعلق اليقين بالحدوث و الشك ببقائه، بخلاف قاعدة اليقين فان اليقين و الشك يتعلقان في الحدوث‏

19

فالقضية التكليفية تصدق على القضية المشكوكة- في مقام الانتزاع- انها ابقاء للقضية المتيقنة فيشملها دليل حرمة النقض لكونه متصورا في مرحلة اتصاف الموضوع لحكمه في الخارج لا مرحلة العروض.

و أما امتياز الاستصحاب عن قاعدة المقتضي و المانع فواضح حيث أنه يتحد متعلق الشك و اليقين في الاستصحاب و يتغاير في قاعدة المقتضي و المانع، و سيأتي ان شاء اللّه ان مفاد الأخبار- كقوله (ع):

(لا تنقص اليقين بالشك) هو الاستصحاب لا قاعدة اليقين.

____________

و يسمى ذلك بالشك الساري، أي يسري الشك إلى وجوده في السابق مثلا لو تيقن بعدالة زيد في يوم الجمعة ثم يوم السبت شك في حدوث عدالته في يوم الجمعة فمعناه ارتفع اليقين السابق بسراية الشك إليه فذلك هو قاعدة اليقين، و أما لو لم يرتفع اليقين بحدوث العدالة و انما تعلق الشك ببقائها لا بأصل الحدوث فهو الاستصحاب.

و أما الفرق بين الاستصحاب و قاعدة المقتضي و المانع فواضح حيث أن في هذه القاعدة تغايرا بين المتعلقين ذاتا و وصفا فان اليقين تعلق‏

20

الأمر الرابع في ان حجية الاستصحاب هل هي من باب الظن أم لا؟

فنقول: إن ظاهر كلمات من قال بحجية الاستصحاب من باب الظن أراد به الظن النوعي لا الظن الشخصي و يستدل لذلك بوجوه:

الأول: انه لو اعتبر الظن الشخصي انتقض بمثل الماء الذي يستصحب كريته تارة و أخرى يستصحب قلته كما لو كان الماء في حوض و انتهى إلى قطعة مخصوصة يشك من كريته و قلته فان في قلته يستصحب الكرية لو كان مسبوقا بالكرية و يستصحب قلته لو كان مسبوقا بالقلة فلو كان اعتبار الاستصحاب من باب الظن الشخصي أي الفعلي فلا يعقل حصول الظن فعلا في مثله في الحالتين مع العلم بمقدار من الماء كما هو واضح.

____________

بالمقتضي و الشك تعلق بالمانع بخلاف الاستصحاب فان بين المتعلقين اتحادا ذاتا و وصفا.

و سيأتي ان شاء اللّه تعالى أن مفاد الأخبار هو الاستصحاب و لا دلالة لها على قاعدة اليقين و لا على قاعدة المقتضي و المانع. كما أنه لا يستفاد منها معنى يعم الاستصحاب و قاعدة اليقين لعدم امكان ذلك.

كما أن الأخبار الدالة على الاستصحاب أجنبية عن قاعدة المقتضي و المانع. لأن في مورد القاعدة لا يصدق نقض اليقين بالشك لعدم ترتب آثار المتيقن لتغاير متعلقيهما فان متعلق اليقين هو المقتضي و الشك هو المانع و سيأتي توضيح ذلك ان شاء اللّه تعالى.

21

الثاني أنه لازم اعتبار الظن الشخصي استحالة تعارض الاستصحابين إذ لا يعقل حصول الظن الشخصي لحالتين متناقضتين أو متضادتين عند تحقق الاستصحابين المتقارنين.

الثالث: انه على اعتباره يلزم عدم تعقل حكومة أحد الاستصحابين على الآخر كما في حكومة الاستصحاب السبي على المسببي بقول مطلق إذ لا كلام لهم في تقديم السببي على المسببي، و في جميع هذه الوجوه نظر.

أما الأول فلا يتم إلا اذا كان مقتضى الظن ببقاء القلة في الأول و الكرية في الثاني متحققين في زمان واحد في ماء الحوض الواحد بأن يكون مسبوقا بالقلة و الكثرة في زمان واحد، فانه في مثله يقع التمانع بين النقيضين في تأثير الظن الفعلي فان الماء البالغ إلى حد خاص الجاري فيه استصحاب القلة تارة و الكرية أخرى فانه مستحيل عقلا حصول الظن الفعلي في أحدهما بالخصوص مع حصوله في الآخر فانه من الظن الفعلي بالنقيضين و ذلك محال كالقطع بتحققهما في الاستحالة.

و أما إذا كان الاستصحاب جاريا في زمانين بأن يكون في زمان مسبوقا بالقلة و في زمان آخر مسبوقا بالكثرة فلا محذور في جريانهما إذ لا يلزم منه اجتماع الظن بطرفي النقيض كما هو كذلك في المقام فان الماء الشخصي البالغ إلى حد خاص في زمان يكون مسبوقا بالقلة فيجري فيه استصحاب القلة و في زمان آخر يكون مسبوقا بالكثرة فيجري استصحاب الكثرة، فجريان كل في زمان لا يمنع جريان الآخر في الزمان الآخر فلا يلزم المحذور المتقدم من تحقق الظن بطرفي النقيض، و لكن لا يخفى أن هذا المسلك أي الظن الشخصي مبني على تحقق الملازمة بين الحدوث و البقاء فحينئذ يلزم محذور الظن بطرفي النقيض الذي هو

22

من المستحيلات الأولية، ففي الفرض المذكور أن ملازمة الظن بالكرية تارة و القلة أخرى و لو في زمانين من المستحيلات بل لو فرض ماءان في مكانين نقطع بتساويهما مقدارا كان أحدهما مسبوقا بالقلة و الآخر مسبوقا بالكرية لا يعقل تحقق الظن في أحدهما مع الظن بالآخر إذ مع القطع بتساوي الماءين يوجب القطع بعدم وجود المقتضي لأحد الظنين.

و لكن هذا الاشكال يرجع الى الاشكال الثاني بل يكون من صغريات مورد العلم الاجمالي بخلاف أحد الاستصحابين و الجواب عن ذلك هو الجواب عن الاشكال الثاني فنقول: ان منشأ التعارض تارة يكون للتزاحم بين المقتضيين بما هما مقتضيان و ذلك من حيث المدلولين و اخرى لا يكون كذلك بل يكون من جهة حصول المانع فيهما فان كان من قبيل الأول لا يعقل تحقق الظن الفعلي بهما قطعا للزوم الظن بطرفي النقيضين و هو من المستحيل عقلا، و ان كان من قبيل الثاني فلا محذور فيه فان المقتضي لتحقق الظن بهما موجود و انما المانع بحسب وجود الملازمة الغالبية بين الحدوث و البقاء و ذلك متحقق في كلا الاستصحابين. فعليه لا مانع من القول بتحقق التعارض بين الاستصحابين كما انه لا مانع من القول بحكومة أحدهما على الآخر كالسبي الذي هو حاكم على المسببي‏ (1).

____________

(1) و الانصاف أنه لا يعقل تحقق المعارضة أو الحكومة بين دليلين لكون منشأ حجيتهما من باب تحقق الظن الفعلي لعدم معقولية تحقق الظن بطرفي النقيضين أو الضدين للزوم اجتماع صفتين فعليتين متناقضتين أو متضادتين و ذلك مستحيل تحققه، إذ كيف يعقل حصول الظن الفعلي بعدم اللازم في فرض حصوله بالملزوم و بالعكس، و سيجي‏ء

23

نعم تبقى جهة من الاشكال الثالث و هو أن في بعض الأحوال يوجب الظن بالمعلول الظن بالعلة كما أنه في بعض الأحوال القطع بالمعلول يوجب القطع بالعلة كما لو انحصرت معرفة النار بالدخان.

إلّا ان ذلك انما يتحقق فيما اذا كان الانتقال الى علته منحصرا بالمعلول و اما اذا لم يكن كذلك بل يكون الانتقال الى العلة بمقتض آخر غير مقتضى المعلول كما فيما نحن فيه فلا يوجب القطع بها، و لكن لما كانت العلة بالطبع متقدمة عليه و مقتضى الانتقال اليها أيضا بالفرض متحقق في رتبة مقتضى الانتقال من المعلول و هذا يمنع من تأثير مقتضى الانتقال من المعلول على خلاف ما تقتضيه علته، و لازم ذلك الظن بطرفي النقيض و هو باطل قطعا.

و كيف كان فهذه الوجوه لا يستفاد منها القول بالظن النوعي لما عرفت انه لا مانع من القول بحجية الاستصحاب من باب الظن الشخصي حيث ان مدرك هذا المسلك دعوى حكم العقل بالملازمة بين الحدوث و البقاء و لو من باب الغلبة، و لذا نقول بأن العقل يحكم ببقاء ذات ما حدث و ان ما حدث باق، فيكون الاستصحاب من الأدلة العقلية، و عليه لا مانع من القول بكون الظن من باب الظن الشخصي.

هذا غاية ما يقال في اعتبار الظن من باب الظن الشخصي، و لكن لا يخفى ان اشكال تحقق الملازمة بين الحدوث و البقاء في الماء البالغ قدرا خاصا للظن الفعلي بالكرية تارة و القلة أخرى و لو في زمانين من المستحيل، فعليه لو اردنا أن نقول بالظن الشخصي اما ان لا نقول‏

____________

ان شاء اللّه تعالى ان التعارض أو الحكومة تتحقق بناء على اعتبار الظن من باب الظن النوعي أو حجية الاستصحاب من باب الأخبار.

24

بجريان أحد الاستصحابين أو عند أحدهما نغفل عن جريان الآخر، على أنه لا يتحقق التعارض بين الاستصحابين و لا حكومة استصحاب السببي على المسببي لاستحالة تحقق اجتماع ظنين متنافيين أو تعارضهما نعم لو قلنا باعتبار الاستصحاب من باب الأخبار فلا مانع من ذلك اذ لا مانع من التعبد بطرفي النقيض في زمانين كما انه يصح تحقق المعارضة و الحكومة بل حتى لو قلنا باعتبار الاستصحاب من باب الظن النوعي كما لا يخفى.

25

الامر الخامس في انه يعتبر في الاستصحاب بقاء الموضوع فنقول:

لو شك في بقائه لا معنى لابقاء الحكم للقطع بأن الشك في بقاء الموضوع يوجب القطع بعدم بقاء الحكم. و من هنا وقع الاشكال في استصحاب الأحكام الكلية من غير فرق بين أن يكون مدرك الاستصحاب النقل أو العقل بتقريب: ان الشك في بقاء الحكم الكلي ناشئ من اختلاف الحالات و تبدلها، و ذلك يوجب الشك في بقاء موضوعها حيث أن موضوع الأحكام الكلية هو المفاهيم الكلية، و اختلاف الحالات يوجب الاختلاف في ناحية المفهوم الذي أخذ موضوعا للحكم.

و بعبارة أخرى ان القيود التي تؤخذ في القضية بحسب الحقيقة ترجع إلى الموضوع و ان كان ظاهر القضية رجوعها الى الحكم حيث إن لها دخلا في الحسن و القبح و المصلحة و المفسدة، و لازم دخولها في مصلحة التكليف دخولها في موضوع التكليف و إلا فبدونه يلزم إطلاق مصلحة الموضوع، و لازمه عدم دخلها في مصلحة التكليف و هو خلف.

لا يخفى أنه فرق بين القيود الراجعة الى ناحية الموضوع و القيود الراجعة الى ناحية الحكم، فان الأولى لها دخل في مصلحة التكليف كالزوال و الاستطاعة بالنسبة الى الصلاة و الحج، بخلاف قيود الحكم فان لها الدخل في تحقق المحتاج اليه و هو وجود ما هو متصف بالمصلحة كالطهور و الستر بالنسبة الى الصلاة لعدم صلاحية رجوع مثل هذه القيود الى ناحية المصلحة و ان أوجبت تضييقا في ظرف الحكم و المصلحة

26

و يمتنع اطلاقهما إلّا انها توجب ضيقا لاستحالة تقييد الموضوع بحكمه ففي مثل هذا الموضوع قد أخذ فيه الحكم على نحو التوأمية لا مطلقا و لا مقيدا، لما عرفت من أن كل عرض يعرض على الذات يوجب تضييقا في ذات المعروض بنحو لا يكون له اطلاق يشمل حال عدمه و لا يكون قيدا فصليا فيكون الموضوع في امثال هذه القضايا نفس الذات القابلة للبقاء حتى مع اليقين بانتفاء قيد حكمه فضلا عن الشك بانتفائه فمع الشك في قيديته يجري فيه الاستصحاب كسائر أعراضه الخارجية لأجل الشك في بقاء عللها، و دعوى ان الموضوع و ان كان غير مقيد بقيود الحكم لكنه لا اطلاق له لكي يشمل حال عدم القيد فيكون الشك في قيدية الحكم موجبا للشك في انتفاء الموضوع ممنوعة، إذ مناط بقاء الموضوع في الاستصحاب هو نظر العرف لا ينظر العقل إذ لو كان بنظر العقل فلا محيص في نفيه عند الشك، حيث إن الشك في الموضوع يكفي فيه مجرد عدم اطلاق الموضوع بما هو موضوع الشامل لحال عدم القيد.

و بعبارة أخرى ان ذات الموضوع في الاستصحاب هو ذات ملحوظة في الحالتين لا بوصف كونها معروضة لليقين و الشك و لازم ذلك تجديد متعلق اليقين و الشك من هذه الجهة لكي يتعلق الشك بعين ما تعلق به اليقين كما هو كذلك بالنسبة الى جريان الاستصحاب في الأعراض الخارجية، فكما يجري فيها يجري في الأحكام الكلية من غير فرق بينهما و ان كان الفرق بالنسبة الى القيود فانها في الاعراض بوجودها الخارجي علل عروضها على محالها و في الاحكام علل اتصاف الموضوعات باحكامها.

نعم يتم هذا الاشكال على ما ذكره الشيخ (قده) من عدم تصوير الواجبات المشروطة و ارجاعها بحسب اللب الى المطلقة، و اما بناء على‏

27

ما سلكه الاستاذ في الكفاية من تصوير الواجب المشروط فيمكن له الالتزام بما ذكرنا من انه يتحد الموضوع في المقام بنحو الدقة حيث ان الموضوع في الاستصحاب يتجرد عن وصف اليقين و الشك لكي يصدق عليه تعلق اليقين بعين ما تعلق به الشك، و لو لا ذلك لا يتصور اجتماع اليقين و الشك في زمان واحد بل يمنع استصحاب الاعراض الخارجية كسواد الجسم و بياضه و هو كما ترى.

و عليه لا بد من اعتبار الذات المحفوظة في حالتي اليقين بعروض العارض و شكه لكي يصدق تعلق الشك بعين ما تعلق به اليقين، و حينئذ الاستصحاب كما يجري في الأعراض الخارجية يجري في الأحكام الكلية من غير فرق بينهما، إلا من جهة أن القيود بوجوداتها الخارجية في الأعراض علل عروضها على محالها، و في الأحكام علل اتصاف الموضوعات بأحكامها لا علل عروضها عليها لعدم احتياجها الى وجود قيودها خارجا في مقام العروض و انما يحتاج في هذه المرحلة هو الوجود اللحاظي و كيف كان لا حاجة الى ما ذكر الاستاذ في الكفاية من أن المنظور في الموضوع في الاستصحاب الى النظر العرفي لا الدقي لما عرفت من انه لو اعتبرنا النظر الدقي فالموضوع متحقق وحده حقيقة و دقة.

28

الأمر السادس في انه هل يشترط فعلية الشك أم يكفي التقديري؟ فنقول:

(1) ان الاستصحاب عند الأصحاب يتقوم بركنين:

أحدهما- اليقين السابق و هو تارة يلاحظ باعتبار نفس اليقين، و اخرى يلاحظ باعتبار المتيقن، فعلى الأول لا بد في الاستصحاب من فعلية اليقين و الشك إذ ذلك قوام حقيقة الاستصحاب فلا يتحقق مع الغفلة لعدم حصوله معها، و اما بناء على تعلق حرمة النقض بالواقع بجعل اليقين المأخوذ في الدليل بنحو المرآتية للواقع فيمكن دعوى كفاية التقديري في الاستصحاب.

ثانيهما- الشك في بقائه كما هو معتبر في جميع موارد الاصول و الامارات، و هذا مما لا اشكال فيه و انما الاشكال في انه ما المراد بالشك هل هو الفعلي أو الأعم منه و من التقديري؟ و يترتب على ذلك انه لو تيقن بالحدث في زمان و غفل عنه و دخل في الصلاة ثم بعد الفراغ حصل له الشك في انه تطهر من الحدث قبل الصلاة ام لا و لكنه بحيث لو التفت الى ذلك في الصلاة لشك فالظاهر عدم كفاية التقديري منه فلا يجري الاستصحاب في حقه كعدم كون الشك فعليا فيجري في حقه‏

____________

(1) استنادا إلى أن كل عنوان أخذ موضوعا في لسان الدليل يستفاد منه الفعلية، و في المقام قد أخذ متعلق المتعلق أي متعلق النقض‏

29

قاعدة الفراغ فلا تجب الاعادة و القضاء، نعم يجب تجديد الوضوء بالنسبة الى الصلاة الآتية.

و أما بناء على كفاية الشك التقديري فلا بد من الحكم بالبطلان و وجوب الاعادة و القضاء عند الالتفات الى حاله لجريان استصحاب الحدث قبل الصلاة في حال الغفلة و مقتضاه الحكم بفساد الصلاة، و لكن الظاهر ان ما ذكر من الثمرة لا يترتب على التقديرين، و ذلك‏

____________

الذي هو فعل المكلف المتعلق به الحرمة و متعلق النقض هو اليقين و الشك فعلية حرمة النقض و وجوب الابقاء الذي هو الاستصحاب متوقفة على فعلية الشك و اليقين ففي مورد لا شك و لا يقين فعليين لا استصحاب، إلّا ان ترتب الثمرة يحصل بجريان استصحاب الحدث التقديري فيمن تيقن الحدث و غفل ثم صلى و بعد الصلاة شك في الحدث فيحكم بالبطلان لو قلنا بعدم كفاية الشك التقديري في الاستصحاب و يحكم بالصحة لو قلنا بكفاية التقديري في الاستصحاب محل نظر، إذ لا ترتبط الصحة و البطلان بجريان الاستصحاب و عدمه و انما الذي له الدخل في الصحة و البطلان جريان قاعدة الفراغ و عدمه في موارد الغفلة، بيان ذلك: ان قاعدة الفراغ تارة نقول بجريانها في موارد الغفلة، كما هو المستفاد من قوله (ع): «كل ما مضى من صلاتك و طهورك فذكرته تذكرا فامضه و لا اعادة عليك» و قوله (ع): «انما الشك اذا كنت في شي‏ء لم تجزه» فيحكم بالصحة و إن قلنا بجريان الاستصحاب التقديري لحكومة قاعدة الفراغ حسب الفرض.

و اخرى نقول بعدم جريانها في تلك الموارد و اختصاصها بموارد ذكر المكلف و التفاته كما هو المستفاد من تعليل قوله (ع): «هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك».

30

أما بملاحظة الشك الفعلي الحاصل بعد العمل فلا معنى لجريان الاستصحاب من جهة حكومة قاعدة الفراغ، و أما بملاحظة الشك التقديري قبل العمل فلا ينفع استصحاب الحدث لبطلان العمل المترتب عليه وجوب الاعادة بالنسبة الى ذلك.

و بتقرير آخر: ان الاستصحاب أما ان يكون حجة عقلية كالقطع أو تعبديا كالامارات، فالأثر المترتب على كل جهة سواء كان أثرا عقليا أو شرعيا انما يترتب ما دامت الحجة قائمة لا مطلقا حتى بعد انقطاعها و زوالها بانكشاف الخلاف أو بالنسخ، مثلا الاستصحاب في كل آن انما يثمر و يجب ترتب الأثر عليه في آن جريانه لا مطلقا حتى في الأثر المترتب بعد وجود الشي‏ء في غير هذا الآن، و مع زوال الاستصحاب في ظرف ترتبه، كما لو فرضنا انه قد تيقن الحدث في زمان ثم تيقن الطهارة في الزمان المتأخر و صلى في حالة تيقنه بالطهارة فمقتضى حجية اليقين يحكم بصحة عمله و عدم وجوب الاعادة.

و لكنه لو زال بعد ذلك تيقنه بالطهارة و شك بالشك الساري بالطهارة بعد الحدث فلا موقع لان يقال إنه في ذلك الزمان أيضا يحكم‏

____________

فلا يحكم بالصحة إذ الحكم بفساد الصلاة و وجوب الاعادة لا يتوقف على جريان الاستصحاب التقديري بل يكفي الاستصحاب الجاري بعد الصلاة عند الالتفات الى حاله، فان متعلقه هو الحدث السابق على الصلاة و ذلك يكفي في الحكم ببطلان الصلاة على تقدير عدم جريان قاعدة الفراغ كما هو المفروض.

و بالجملة ان هذه المسألة من فروع جريان قاعدة الفراغ في موارد الغفلة، لا من فروع جريان الاستصحاب التقديري و عدم جريانه فلا تغفل.

31

بصحته و عدم وجوب الاعادة، بل بمقتضى استصحاب الحدث الى زمان الشك يحكم الآن بفساد عمله من الأول و تجب الاعادة عليه فعلا كما فيما نحن فيه لو تيقن الحدث قبل الصلاة بزمان ثم حصل الشك الفعلي في بقائه قبل الصلاة فبمقتضى الاستصحاب في هذا الآن انه يشترط صحة عمله بالطهارة و انه لو دخل فيه بلا طهارة اوجب عليه الاعادة ظاهرا و لو كان في الواقع صحيحا و لكنه لو غفل بعد ذلك و دخل في العمل فلا يجري في حقه الآن الاستصحاب لغفلته ثم بعد الفراغ لو حصل له الشك الفعلي فلا يجب عليه الاعادة بنفس الاستصحاب قبل العمل في هذا الزمان بعد ما انقطع عنه بغفلته السابقة على العمل لانقطاع أثر الحجة بانقطاعها بالغفلة، فحينئذ لا بد من ملاحظة حال الفعل و هو شكه الفعلي.

و حيث إن مورد قاعدة الفراغ هو الشك الحادث بعد العمل و هذا الشك ليس حادثا بعده بل انما هو نفس الشك الفعلي قبل الصلاة الذي طرأت عليه الغفلة ثم تذكره بعد الصلاة فلا تجري فيه قاعدة الفراغ، فحينئذ يجري في حقه الآن استصحاب بقاء الحدث فيستكشف به وقوع الصلاة فاسدة فيترتب عليه وجوب اعادة الصلاة، و الوجه في وجوب الاعادة هو أن الاستصحاب بعد الفعل قبل العمل و إلّا لو قلنا بجريان قاعدة الفراغ و حكومتها على الاستصحاب بعد العمل لقلنا بصحة العمل حينئذ.

اذا عرفت ذلك فنقول:

في فرض مورد النزاع لما كان الشك الحادث بالفعل حادثا بعد العمل فباعتبار وجوده الفعلي بعد العمل لا يجري فيه الاستصحاب بل‏

32

تجري قاعدة الفراغ لحكومتها قطعا و لا تنفع ملاحظة الحالة قبل الصلاة التي كان الشك تقديريا فيها، اذ لا ثمرة في جريانه لترتب الاثر في زمان بعد الفراغ.

بيان ذلك ان حجية كل طريق من امارة أو اصل معتبر انما يجب اتباعه و يترتب عليه الاثر من كونه منجزا أو معذرا انما هو في ظرف وجوده و بقائه على حجيته لا في ظرف انعدامه أو خروجه من الحجية، و عليه بناء على كفاية الشك التقديري الموجب لجريان استصحاب الحدث في حال الغفلة قبل الصلاة فانه لا يوجب إلّا بطلان الصلاة سابقا.

و أما وجوب الاعادة أو القضاء فيما بعد الفراغ فهو ليس من الامور المرتبة على الاستصحاب المذكور و انما هو من آثار الاستصحاب الجاري بعد الفراغ.

و انما أثر ذلك الاستصحاب هو عدم جواز الدخول في الصلاة و جواز قطعها لو دخل فيها و هو غافل فاذا كان الاستصحاب الجاري بعد الفراغ محكوما بقاعدة الفراغ فمن حين الفراغ لا بد من الحكم بالصحة لأجل القاعدة لا البطلان لعدم جريان الاستصحاب في ذلك الحين و لا اثر للحكم ببطلانه سابقا بعد كون العمل محكوما بالصحة بمقتضى القاعدة.

و دعوى انه المانع من الحكم بصحة الصلاة و عدم جريان القاعدة هو الحدث الاستصحابي السابق على طرو الغفلة ممنوعة، إذ ذلك لا يمنع عن الصحة لزواله بطرو الغفلة قبل الشروع بالصلاة لعدم صلاحية مانعية الحدث الاستصحابي السابق عن صحة الصلاة، كما انه ليس صالحا لمانعية جريان قاعدة الفراغ حيث ان الشك متجدد بعد الفراغ‏

33

و بالجملة تنحصر المانعية عن صحة الصلاة في عدم جريان قاعدة الشك بعد الفراغ لاختصاص القاعدة في جريانها في صورة الشك الحادث بعد الفراغ من العمل بحيث لا يكون مسبوقا بالالتفات و الشك قبل العمل و ان غفل حين الشروع فيه فيظهر من ذلك أنه لا مجال لمثل هذه الثمرة بين القولين بعد أن كان الشك بالحدث متحققا بعد الفراغ من الصلاة فمن حين الفراغ تجري فيه قاعدة الشك بعد الفراغ المقتضية لصحتها و الحاكمة على اصالة فسادها بعد الصلاة من غير فرق بين القول باعتبار الشك الفعلي من جريان الاستصحاب أو لكفاية الشك التقديري، فمن ذلك يظهر النظر في كلام الشيخ الانصاري (قده) من ترتب الثمرة و تعليل بطلان الصلاة و عدم جريان قاعدة الشك بعد الفراغ بسبق الأمر بالطهارة و النهي عن الدخول بالصلاة، نعم يمكن أن نترتب الثمرة بين القولين فيما لو علم بالطهارة فشك فيها قبل الصلاة ثم غفل و صلى و بعد الفراغ من الصلاة حصل له الشك للعلم الاجمالي بتوارد الحالتين عليه قبل الصلاة فانه بناء على كفاية الشك التقديري في الاستصحاب يحكم عليه بالصحة و عدم وجوب الاعادة.

و أما بناء على اعتبار الشك الفعلي فلا طريق لنا إلى احراز صحة صلاته و بطلانها لحصول الشك المفروض بالعلم الاجمالي بتوارد الحالتين و لا مجال لجريان الاستصحاب لعدم جريانه مع العلم الاجمالي أو لسقوطه بالمعارضة، و أما قاعدة الشك بعد الفراغ فهي غير جارية لاختصاص جريانها بصورة الشك الحادث بعد الفراغ عن العمل.

إذا عرفت ذلك فاعلم انه يقع الكلام في بيان الاستصحاب في مقامين:

مقام الأول في تنقيح محل النزاع و بيان الاقوال:

34

الثاني في أدلة الاستصحاب.

[تقسيم الاستصحاب‏]

أما الاول فنقول ينقصم الاستصحاب تارة باعتبار المستصحب و أخرى باعتبار الدليل الدال عليه و ثالثة باعتبار الشك المأخوذ فيه.

أما الأول فالمستصحب تارة يكون وجوديا و أخرى عدميا، و على التقديرين فتارة يكون حكما شرعيا و اخرى يكون موضوعا ذا حكم شرعي، و على الأول تارة يكون حكما كليا و اخرى حكما جزئيا، و على التقديرين فتارة يكون من الأحكام التكليفية و أخرى من الأحكام الوضعية.

و اما بالاعتبار الثاني فالدليل الدال على ثبوت المستصحب تارة يكون عقليا و اخرى يكون شرعيا، و على الثاني تارة يكون لفظيا كالكتاب و السنة و أخرى يكون لبيا كالاجماع.

و أما بالاعتبار الثالث فالشك في بقاء المستصحب تارة يكون من جهة المقتضي بمعنى الشك في قابلية المستصحب في نفسه للبقاء و أخرى يكون في الواقع مع القطع ببقاء قابلية المستصحب، و على الثاني يكون الشك في جود الرافع تارة و أخرى في رافعية الموجود، و قد وقع الخلاف بالنسبة إلى كل واحد من هذه الاقسام كما يستفاد من كلمات الاصحاب إلا ان العمدة من تلك الأقوال قولان مشهوران بين الاصحاب:

أحدهما القول بالحجية مطلقا، و ثانيهما عدمها مطلقا.

و أما باقي التفصيلات فيظهر بطلانها من بيان القول المختار، نعم ينبغي لنا بيان ما فصله شيخنا الانصار (قده) من التفصيل بين الأحكام الشرعية المستندة إلى الأحكام العقلية و بين غيرها فقال بعدم الحجية فى الأول دون الثاني، و اخرى بالتفصيل بين المقتضي و الرافع و قال‏

35

بالحجية في الثاني دون الأول. و سيأتي ان شاء اللّه الكلام على كلتا الجهتين.

[الاستصحاب العدمى‏]

و أما ها يقال بأن استصحاب العدم ليس محلا للنزاع بل هو أمر مسلم عندهم كما يظهر من كلماتهم من استصحاب عدم النقل و عدم القرينة و عدم النسخ و أمثالهما مما هو مسلم عندهم فهو محل نظر، إذ تلك الأمور انما تكون مسلمه عندهم لو بنينا على حجيته من باب الظن فتكون من صغريات الباب. غاية الأمر خرجت تلك الأمور بالاجماع و لا يلزم من اخراجها اخراج جميع الاستصحابات العدمية.

و أما لو بنينا على حجيته من الاخبار خرجت من صغريات الباب لما هو معلوم ان مثبتات تلك الأمور حجة عند جميع الاصحاب مع انه لو كان مدرك حجية هذه الامور هي الاخبار فلا تكون مثبتاتها حجة و لا بد من استكشاف حجية تلك الامور من سيرة العقلاء، و لا صلة لذلك بأدلة الاستصحاب.

و مثل هذا التوهم توهم آخر منسوب الى بعض المحققين ان استصحاب العدم الأزلي الثابت قبل التكليف أو قبل الشرع من جهة عدم المقتضي للحكم مما لا اشكال فيه بتقريب ان الاستصحاب سواء كان بالنسبة إلى الأحكام او الموضوعات انما يجري بلحاظ الأثر الذي يكون أمر وضعه و رفعه بيد الشارع و في غير ذلك لا موقع لجريان الاستصحاب فمرجع استصحاب الحكم الى جعل المماثل للحكم الثابت سابقا في ظرف الشك في بقائه بلسان التعبد به.

و عليه لا بد من أن يكون نفس ابقاء ذلك الحكم و رفع بقائه بيد الشارع لكي يمكن له أن يجعل مثله في ظرف الشك بلسان التعبد ببقائه، فاذا ظهر ذلك فنقول أن تقي الحكم تارة يكون مستندا إلى‏

36

وجود المانع بمعنى ابقاء مقتضي الحكم تاما في ملاك الجعل و التشريع بحيث لا قصور في تمامية المقتضي لملاك الجعل و لكنه مع ذلك لما كان هناك مانع في نظر الشارع من الحكم فلهذا نفي الحكم و لم يجعله ففي مثله كان نفس الحكم و وضعه بيد الشارع لأن الفرض ان المقتضي للحكم كان تاما في الاقتضاء و الملاك فاذا كان تاما في الملاك فليس في البين الالحاظ المانع فينتفي الحكم من جهة لحاظ المانعية و يثبته من جهة عدم لحاظ مانعيته فيكون أمر وضعه و رفعه بيده و اخرى كان عدم الحكم من جهة عدم المقتضي و الملاك بحيث لا ملاك للحكم أصلا ففي مثله لا يكون نفي الحكم بيد الشارع بل كان منتفيا بانتفاء ملاكه قهرا فكما أنه ليس له وضعه لاستحالة تحقق المعلول بلا علة و إذا كان عدم الحكم سابقا من قبيل هذا القسم كالأعدام الثابتة قبل التكليف أو الشرع فلا مجال لاستصحاب بقاء العدم على حاله لعدم كون رفعه و وضعه بيد الشارع فلا معنى للتعبد بعدم الحكم بلسان إبقاء العدم الذي ليس بيده و من هذه الجهة لا يكون الاستصحاب في العدميات قابلا للنزاع في عدم حجيته.

و لكن لا يخفى أن دفع هذا التوهم يتوقف على ما هو مفاد الكلية المستفادة من الأدلة الدالة على جعل الطرق و الاستصحاب من قوله «لا تنقض اليقين بالشك» من دون اختصاص لدليل الاستصحاب فنقول: ان مفاد قوله لا تنقض اليقين بالشك أو قوله صدق العادل عبارة عن اثبات اليقين بالشي‏ء في ظرف الشك تعبدا فاذا كان الشي‏ء مما يشك في بقائه فبدليل الاستصحاب يثبت اليقين بهذا البقاء في ظرف الشك و يرجع ذلك إلى رفع ما ينافي اليقين به تعبدا و حينئذ نقول انه اذا شك في بقاء العدم الأزلي على حاله فحقيقة هذا الشك مركب‏

37

من تحقق احتمالين أحدهما بقاء العدم على حاله و ثانيهما انتقاضة بالوجود كما هو واضح.

و من البديهي أن ما لا ينافي اليقين بالبقاء ليس إلّا الاحتمال الأول لأن احتمال البقاء لا يناقض اليقين به و انما يناقض اليقين به خصوص الاحتمال الثاني و هو احتمال الانتقاض بالوجود فمعنى جعل اليقين تعبدا في ظرف الشك ليس إلا القاء هذا الاحتمال و نفيه فاذا كان الأمر كذلك فاحتمال انتقاض العدم الأزلي بالوجود لا يتصور إلا في المرتبة المتأخرة عن كون محتملة مما تحقق فيه ملاك الحكم و صار مقتضيه تاما في الاقتضاء على فرض ثبوته واقعا و إلّا فمع عدم كون محتمله مما لا يتحقق فيه الملاك فلا يعقل انتقاضه بالوجود بحسب الواقع و حينئذ كان وضعه و رفعه بابقاء العدم على حاله بيد الشارع لأنه كما أن وجوده الواقعي المحتمل لو كان واقعا كان عن مقتض فمن هذه الجهة كان وضعه بيد الشارع فكذلك رفع هذا الوجود و ابقاء العدم الأزلي في هذه المرتبة كان بيد الشارع، إذ كل ما يكون وضعه بيد الشارع يكون رفعه بيده.

[التفصيل بين استصحاب حال العقل و الشرع‏]

و أما تفصيل الشيخ (قده) بين استصحاب حال العقل فقال بعدم حجيته و بين استصحاب حال الشرع فقال بحجيته فمنشؤه هو اعتبار وحدة الموضوع في الاستصحاب لكي تكون القضية المتيقنة عين القضية المشكوكة و إلا مع عدم اتحاد القضيتين لا يجري الاستصحاب مطلقا لانه يكون من قبيل اسراء حكم من موضوع الى آخر.

بيان ذلك ان المأخوذ في لسان الدليل تارة يكون مناط اتحاد القضية المشكوكة مع المتيقنة هو الموضوع الواقعي و أخرى يكون مناط الاتحاد هو الموضوع العرفي فعلى الأول يكون عندنا مجال للتفصيل المذكور دون الثاني حيث‏

38

ان الموضوع الواقع في لسان الدليل لو كان من قبيل الأول كما لو أخذ في الدليل نفس الموضوع مثل قوله (الماء ينجس إذا تغير) فالاستصحاب لو شك في بقاءه على النجاسة لزوال تغيره من قبل نفسه لا لعارض فيكون الموضوع في الدليل هو الماء.

و أما إذا فرض أخذه في لسان الدليل الماء المتغير ينجس فلا يجري الاستصحاب بعد زوال نغيره لعدم بقاء الموضوع الذي هو الماء المتغير هذا بالنسبة إلى لسان الدليل.

و أما بالنسبة إلى حكم العقل يقبح الكذب أو حسن الصدق النافع فتارة لا يكون موضوعه ذات الكذب أو الصدق بل هو العنوان الضار أو النافع بما هو ضار و نافع بعنوان الموضوعية فاذا شك في بقاء الضرر في الأول و النفع في الثاني لا يكون الموضوع بما هو الموضوع باقيا فلا مجال للاستصحاب. و أخرى يكون المناط في الموضوع هو العرفي كما لو كان الموضوع في الحكم بالحرمة الشرعية في الكذب الضار هو ذات الكذب.

و اما الضرر المأخوذ فيه انما هو حاله فيكون الموضوع باقيا في حال الشك فيجري فيه الاستصحاب مضافا إلى أن لازم ذلك هو التفصيل بين استصحاب حال الشرع و بين حال الاجماع.

إذ المنشأ لذلك موجود في المقامين توضيح ذلك. هو ان الملاك هو عدم احراز بقاء الموضوع ففيما اذا قام الاجماع على نجاسة الماء المتغير فالموضوع هو الماء بوصف التغيير فيكون الموضوع ذات الماء المتغير فالموضوع هو الماء بوصف التغير فمع زوال تغيره لا يجري الاستصحاب لعدم احراز الموضوع لما هو معلوم ان الاجماع دليل لبي يؤخذ بالقدر المتيقن فمع الشك في قيد من قيود الموضوع يشك في بقاء الموضوع‏

39

مع ان الشيخ (قده) لم يعد ذلك من الأقوال المفصلة في المسألة بل نسب ذلك إلى بعضهم لانه قال ان الاستصحاب حال الاجماع لا يكون داخلا في محل النزاع بل أكثر الأصحاب على عدم حجيته و قد عرفت ان عدم الحجية فيه كاستصحاب حال العقل من انه مرتب على جعل المدار على الموضوع في لسان الدليل هو الموضوع الواقعي لا العرفي و سيأتي ان المختار على اعتبار الموضوع العرقي فلا مانع من جريان استصحاب الحكم الشرعي المستند إلى حكم العقل هذا و لكن المذكور في كلام الشيخ (قده) هو عدم جريان استصحاب الحكم الشرعي المستند إلى حكم العقل بوجه أخر غير ما ذكرنا (1) فقال ما لفظه و لم أجد

____________

(1) لا يخفى أنه وقع الخلاف في استصحاب الاحكام الشرعية المستندة إلى حكم العقل فقال الشيخ بعدم جريانه خلافا للمحقق الخراساني صاحب الكفاية و الاستاذ المحقق النائيني فقالا باستصحابه و الحق التفصيل بين ما كون الأحكام العقلية مستقلة مع قطع النظر عن حكم الشارع كالحكم بحسن العدل و قبح الظلم فان العدلية و المعتزلة حكموا باستقلاله خلافا للاشاعرة حيث أنكروا ذلك و بين ما لا تكون مستقلة و انما يكون حكم العقل كاشفا عن الحكم الشرعي بادراك ملاكه و عليه يكون الحكم الشرعي المستكشف و ليس تابعا للحكم العقلي و انما هو متقدم عليه حيث انه استكشف بادراك ملاكه فعلى الأول لا يجري الاستصحاب حتى بالاضافة الى الحكم الشرعي حيث انه لما كان مستكشفا من الحكم العقلي بالملازمة فيدور مدارها وجودا و عدما فمع فرض عدم جريان الاستصحاب في الحكم العقلي لأجل تبدل عنوان الموضوع لزوال الخصوصية كما لو فرض تبدل عنوان الظلم فلا مجال لاستصحاب حرمته شرعا المستكشفة من حكم العقل بقبح الظلم مثلا بخلاف ما اذا-

40

من فصّل بينهما الا في تحقق الاستصحاب مع ثبوت الحكم بالدليل العقلي و هو الحكم العقلي المتوصل به إلى حكم شرعي تأملا نظرا إلى أن الاحكام العقلية كلها مبينة مفصلة من حيث مناط الحكم و الشك في بقاء المستصحب و عدمه لا بد و أن يرجع إلى الشك في موضوع الحكم لان الجهات المقتضية للحكم العقلي بالحسن و القبح كلها راجعة إلى قيود فعل المكلف الذي هو الموضوع فالشك في حكم العقل حتى لأجل وجود الرافع لا يكون إلا للشك في موضوعه و الموضوع لا بد أن يكون محرزا معلوم البقاء في الاستصحاب كما سيجى‏ء و لا فرق فيما ذكرنا بين أن يكون الشك من جهة الشك في وجود الرافع و بين أن يكون لأجل الشك في استعداد الحكم لان ارتفاع الحكم العقلي لا يكون إلا بارتفاع موضوعه فيرجع الأمر بالاخرة إلى تبدل العنوان أ لا ترى أن العقل إذا حكم بقبح الصدق الضار فحكمه يرجع إلى أن الضار من حيث إنه ضار حرام و معلوم أن هذه القضية غير قابلة للاستصحاب عند الشك في الضرر مع العلم يتحققه سابقا لأن قولنا المضر قبيح حكم دائمي لا يحتمل ارتفاعه أبدا و لا ينفع في اثبات القيح عند الشك في بقاء الضرر، و لا يجوز أن يقال أن هذا الصدق كان قبيحا سابقا فيستصحب قبحه،

____________

- كان من قبيل الثاني فانه لا مانع من جريان استصحاب الحكم الشرعي المستكشف بادراك ملاكه لاحتمال أن يكون ملاك الحكم الشرعي أوسع مما أدركه العقل أو يكون له ملاكان مستقلان و العقل قد أدرك أحدهما و عليه يمكن أن يقال بأن ما ذكره الشيخ الأنصاري من منع جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي المستكشف من الحكم العقلي راجع إلى القسم الأول و ما ذكره المحقق الخراساني في الكفاية و وافقه الاستاذ النّائينيّ راجع إلى القسم الثاني فلا تغفل.

41

[استكشاف الحكم الشرعى عن العقل‏]

لان الموضوع في حكم العقل بالقبح ليس هذا الصدق، بل عنوان المضر، و الحكم عليه مقطوع البقاء (و هذا) بخلاف الأحكام الشرعية فانه قد يحكم الشارع على الصدق بكونه حراما و لا يعلم أن المناط الحقيقي فيه باق في زمان الشك أو مرتفع فيستصحب الحكم الشرعي».

و حاصله أن استكشاف الحكم الشرعي من الحكم العقلي انما يكون من باب الملازمة بين الحكمين و من الواضح أن العلم بوجود أحد المتلازمين علم بوجود الآخر و كذلك في ظرف العدم و حيث انه لا إهمال و لا اجمال في حكم العقل إذ العقل لا يستقل بحسن شي‏ء أو قبحه إلا بعد الالتفات إلى موضوع حكمه بجميع خصوصياته مما له الدخل في حكمه فمع بقاء الموضوع بجميع الخصوصيات يكون الحكم العقلي مقطوع البقاء و كذلك الحكم الشرعي لما عرفت من التبعية و مع فقد قيد أو خصوصية فالحكم العقلي مقطوع الارتفاع و كذلك الحكم الشرعي فالحكمان دائما اما مقطوع البقاء و اما مقطوع الارتفاع فلا شك في البين حتى يجري الاستصحاب في الاحكام العقلية و الاحكام الشرعية المستندة اليها و قد أشكل عليه انه لا يلزم أن يكون مناط حكم العقل مبين عنده تفصيلا بل يمكن أن يدرك العقل في مورد على نحو الاجمال بأن يدرك أن في الكذب الضار مناط القبح فيحكم من جهة ذلك بقبحه و لو لم يعلم ان تمام المناط هو الضرر أو هو الكذب أو هما معا فحينئذ مع زوال الضرر يمكن فيه أن يقع الشك في قبحه فيشك في بقاء الحكم الشرعي و ان لم يكن هنا شك في حكم العقل لعدم الشك في بقاء مناطه و بهذا ظهر انه يمكن تصور الشك في بقاء الحكم في الشبهة الحكمية أيضا و ان كان ذلك من جهة الشك في بقاء الموضوع و المقصود من هذه الاشكال انه لا ينحصر الشك في بقاء الحكم الشرعي‏

42

المستند إلى الأحكام العقلية بخصوص الشبهات الموضوعية فقط بل يجري في الشبهات الحكمية أيضا. كما سيأتي عن قريب ثم انه يشكل على تفصيل الشيخ (قدس سره) بين أن يكون دليل المستصحب عقليا أو شرعيا لجريانه في الثاني دون الأول نظرا إلى ان الاحكام العقلية كلها مبينة و مفصلة من حيث مناط الحكم الشرعي و الشك في بقاء الحكم المستصحب و عدمه لا بد أن يرجع إلى الشك في موضوع حكم العقل لان الجهات المقتضية لحكم العقل بالحسن و القبح كلها راجعة إلى قيود فعل المكلف الذي هو الموضوع فالشك في حكم العقل و لو لاجل وجود الرافع لا يكون إلا الشك في موضوعه و من الواضع ان قوام الاستصحاب أن يكون الموضوع معلوم البقاء (1) و لكن لا يخفى ان ما يؤخذ في‏

____________

(1) و بتقريب آخر انه لا اهمال و لا اجمال في حكم العقل لعدم استقلاله بالحسن أو القبح إلا بعد الالتفات إلى موضوع حكمه مع جميع ما يحتمل دخله في حكمه فمع تحقق الموضوع المشتمل على جميع تلك الخصوصيات الموجودة فيه يكون حكم العقل مقطوع البقاء و هكذا الحكم الشرعي المستكشف منه و مع فقد قيد أو خصوصية فالحكم العقل مقطوع الارتفاع و كذلك الحكم الشرعي لما عرفت من تبعيته له فالحكمان العقلي و الشرعي دائما أما مقطوع البقاء أو مقطوع الارتفاع و ليس في المقام شك حتى يتحقق مورد الاستصحاب و لكن لا يخفى ان ما ذكره (قده) بناء على كون أخذ القيد في موضوع الحكم العقلي بالحسن و القبح له الدخل في مناط حكمه و اما لو قلنا بأن العقل يحكم حكما قطعيا بالحسن أو القبح مع اجتماع تلك القيود و الخصوصيات من دون أن يعلم بأن تلك القيود و الخصوصيات لها دخل في مناط حكمه و مع احتمال وجود المناط في فاقد القيد يحتمل بقاء-

43

الموضوع تارة يكون بنحو الوصفية و القيدية و اخرى بنحو الشرطية، فما كان من قبيل الأول بأن كان المأخوذ في الموضوع أجنبيا عن ذات‏

____________

- الحكم الشرعي و عدم انتفاءه و بانتفاء حكم العقل فيجري الاستصحاب في الحكم الشرعي فيترتب عليه أثار البقاء مضافا الى ما ذكره المحقق الخراساني في كفايته من أن الحكم الشرعي انما يتبع ما هو ملاك حكم العقل واقعا لا ما هو مناط حكمه فعلا إذ رب خصوصية لها دخل في استقلاله مع احتمال عدم دخله فبدونها لا استقلال له بشي‏ء قطعا مع احتمال بقاءه واقعا و معه يحتمل بقاء الحكم الشرعي فارتفاع حكم العقل لا يلازم ارتفاع حكم الشرع اذا الحكم الشرعي المستكشف انما يلازم حكم العقل في مقام الاثبات و الاستكشاف دون مقام الثبوت و نفس الامر لاحتمال أن لا يكون للخصوصيات الزائلة دخل في الملاك واقعا هذا و قد ذكر الاستاذ المحقق النائيني (قده) فى مجلس درسه الشريف في هذا المقام وجهين:

الاول: ان أخذ الخصوصية في موضوع حكم العقل من جهة كون الواجد لها هو المتيقن في اشتماله على الملاك مع عدم دخل تلك الخصوصية في الملاك فحكم العقل بحسن الواجد و قبحه فى الفاقد من قبيل الأخذ بالقدر المتيقن فان العقل انما حكم بقبح الكاذب مثلا من جهة ان الكذب الواجد للخصوصية هو المتيقن بقبحه و قيام المفسدة فيه مع أنه يحتمل أن لا يكون لخصوصية الضرر مثلا دخل في ملاك القبح و حينئذ لا مانع من جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي المستكشف لبقائه بعد زوال الخصوصية.

الثاني: أن الخصوصية التي لها دخل في ملاك الحكم العقلي مع زوالها تمنع من جريان الاستصحاب في الحكم العقلي و ليست مانعة-

44

الموضوع: كما لو أخذ التغير وصفا فمع زواله من قبل نفسه و شك في بقاء النجاسة لا يجري فيه الاستصحاب لأن الشك عندئذ يكون فى بقاء الموضوع و يشترط في الاستصحاب بقاء الموضوع، و ما كان من قبيل الثاني بأن يكون من قبيل المعلول لذات الموضوع: مثل عنوان الضرر الذي أخذ في الكذب الذي يحكم العقل بقبحه، و كعنوان النفع الذي هو معلول لعنوان الصدق الذي يحكم العقل بحسنه، ففي مثله موضوع الحكم العقل بقبحه أو حسنه الذي يستكشف به الحكم الشرعي هو ذات الكذب و الصدق.

و أما عنوان الضرر و النفع الموجبان للحكم بالقبح و الحسن فلم يؤخذا قيدا و انما أخذا بنحو الجهة التعليلية، حيث أن ذات الكذب أو الصدق في مثل المورد قد أخذ مقدمة و علة لتحقيق هذا العنوان المحكوم بقبحه أو حسنه: فتكون ذات الكذب محكومة بالقبح بمقتضى المقدمية قبحا غيريا و محرما شرعيا، و ذات الصدق واجب شرعي غيري و حسن غيري، و عليه إذا احتمل زوال عنوان الضرر أو عنوان النفع كانت نفس الذات بعينها باقيا، فلا يكون الشك في بقاء حكمه الغيري لاجل الشك في بقاء الموضوع فيشمله دليل الاستصحاب.

و مما ذكرنا يظهر بطلان ما يقال من أن القيود في الاحكام العقلية بجميعها ترجع إلى نفس الموضوع الذي هو فعل المكلف، فالشك في‏

____________

- من جريان الحكم الشرعي المستكشف به فان دخل تلك الخصوصية في ملاك الحكم الشرعي محل شك و عليه لا مانع من الرجوع الى الاستصحاب بعد تحقيق الموضوع في نظير العرف الذي هو المناط في تحققه، هذا و قد عرفت منا سابقا ان الحق هو التفصيل في الاحكام العقلية فلا تغفل.

45

[الاحكام الشرعية المستكشفة من العقل‏]

بقاء الحكم المستكشف من الحكم العقلي يرجع إلى الشك في بقاء موضوعه و لو كان لأجل الشك في الرافع، لما عرفت من أن دخل بعض القيود في الاحكام العقلية من الجهات التعليلية لعروض الحسن و القبح على نفس الذات، كما في مثل عنوان الضرر و النفع العارضين على الصدق و الكذب فان عروضهما موجب للحسن و القبح على نفس الذات بنحو الجهات التعليلية لا بنحو الجهات التقيدية، لما هو معلوم من أن هذه الجهات انما حصلت لكون الذات مقدمة لها فتكون الذات مصداقا للمقدمية من دون أن يكون لعنوان المقدمية دخل في موضوع الحكم فالموضوع حينئذ عبارة عن نفس الذات ففي مثله مما يقطع ببقائه في الزمان الثاني حتى مع القطع بانتفاء قيد حكمه فضلا عما لو شك فيه و دعوى عدم جريان الاستصحاب في الأحكام العقلية المستكشف منها الاحكام الشرعية من جهة عدم اتحاد وحدة الموضوع في القضية المشكوكة و المتيقنة لقيام احتمال تغاير الموضوع فى كل مورد يكون الشك فى بقاء الحكم الشرعي من جهة الشك في انتفاء ما له الدخل في موضوع الحكم قطعا أو احتمالا من غير فرق بين الشبهة الحكمية أو الموضوعية مثلا لو حكم الشارع على الصدق الضاد لكونه حراما و احتمل دخل ذلك الوصف في موضوع الحكم فالشك في بقائه على المقدمية لا يجري فيه الاستصحاب لعدم احراز بقاء الموضوع في الزمان الثاني ممنوعة إذ ذلك يتم على اعتبار وحدة الموضوع في القضية المشكوكة و المتيقنة على اعتبارها بنحو الدقة العقلية و أما بناء على اعتبار الوحدة العرفية كما هو مرتكز في أذهان المتشرعة في نظائره من أحكامهم العرفية بمناسبة الحكم للموضوع فلا قصور في جريان الاستصحاب فكما أنه يجري الاستصحاب في الحكم الشرعي‏

46

المستكشف من الدليل الشرعي كالموضوع المأخوذ في لسان الدليل كذلك يجري في الحكم المستكشف من الدليل العقلي و دعوى أن الحكم العقلي منتف قطعا لعدم ادراكه فعلا مع الشك في ملاك حكمه فغير ضائر بجريان الاستصحاب في الحكم الشرعي المستكشف منه لما هو معلوم ان استتباع الحكم الشرعي للحكم العقلي انما هو في مقام الكشف و الاثبات لا مقام الثبوت و انما هو في هذا المقام تابع لتحقق ملاكه واقعا و بالجملة لا مجال للتفصيل في جريان الاستصحاب بين كون دليل الحكم شرعيا أو عقليا.

مضافا إلى ان ذلك بناء على المنع من جريان استصحاب الاحكام المستكشفة من الأدلة العقلية لأجل الشك في بقاء الموضوع و اما بناء على عدم جريانه من حيث مناط الحكم و موضوعه بأن يكون مبنيا و مفصلا لعدم الحكم بشي‏ء حسنا أو قبيحا إلّا بأن يتشخص موضوعه و يعرف ما له الدخل في مناط حكمه مما لا دخل له فاذا كان مناط الحكم الشرعي و موضوعه هو مناط الحكم العقلي و موضوعه فلا يتصور فيه الشك في البقاء حتى يجري فيه الاستصحاب و لكن لا يخفى انه نمنع كون حكم العقل بالحسن و القبح لا بد أن يكون عن مناط محرز تفصيلا بل كما يكون ذلك يمكن أن يكون عن مناط اجمالي كما عرفت سابقا.

فعليه لا مانع عن تحقق الشك في بقاء المناط و لو مع العلم بانتفاء بعض ما له الدخل في العلم بوجوده اجمالا فضلا عن الشك بانتفائه و لا ينافي ذلك انتفاء الحكم العقلي لعدم تحقق دركه للمناط لانتفاء بعض ما له الدخل و الجزم بانتفاء الحكم العقلي لا يضر بجريان الاستصحاب في الحكم الشرعي المستكشف منه لأن بقاء الحكم الشرعي‏

47

ثبوتا تابع لبقاء مناط القبح واقعا لا تابع لبقائه اثباتا هذا كله في استصحاب الحكم الشرعي المستكشف من الحكم العقلي.

و أما استصحاب الموضوع الذي حكم العقل بحسنه أو قبحه و الشارع حكم بوجوبه أو حرمته فيجري استصحابه إذا شك فيه من جهة بعض الامور الخارجية كما لو شك في بقاء وصف الاضرار في الكذب الذي حكم بقبحه.

و أما لو شك من جهة انتفاء بعض الخصوصيات التي يحتمل دخلها في الموضوع فالظاهر عدم جريانه في موضوعات الاحكام في الشبهات الحكمية لرجوع ذلك إلى الشك في نفس الموضوع المردد بين الواجد للقيد أو هو الاعم من الواجد و الفاقد فيكون من قبيل دوران أمره بين ما هو مقطوع البقاء و ما هو مقطوع الارتفاع و ذلك لا يجري فيه الاستصحاب إذ يكون من قبيل استصحاب الفرد المردد.

نعم لو كان الاثر مترتبا على ما تعنون بالعنوان الاجمالي. فيصح جريان الاستصحاب فيه إلّا ان المفروض ان الاثر مترتب على ما هو معروض الحكم واقعا.

و عليه لا يشك في بقائه هذا إذا كان الشك في بقاء الحكم العقلي من جهة الشك في بقاء قيديّته، أما إذا كان الشك في بقاء الملاك و المناط فتحقق الشك في غاية الامكان إذ من الممكن دعوى عدم تحقق الحكم العقلي و لكن ذلك لا يوجب عدم تحقق الحكم الشرعي المستند إلى الحكم العقلي فانه من الممكن الشك في تحقق مناط حكمه لما عرفت منا سابقا من امكانه و تحققه فما يظهر من الشيخ الانصاري (قده) من استشكاله في استصحاب الاحكام العقلية المستكشفة منها الشرعية من جهة الشك في بقاء الموضوع و صحة جريان الاستصحاب أو كان‏

48

بلسان الدليل اللفظي إذ فيه يكون لسان الدليل نفس ذات الكذب و الصدق و فى الدليل العقلي يكون موضوعه القبح الضار و حسن النافع فعليه مع الشك لا معنى لبقاء الموضوع بخلاف النحو الاول الذي يكون لسانه نفس الكذب و الصدق فيكون الشك في العنوان لا يوجب الشك في اصل الموضوع فلا مانع من استصحابه لبقاء الموضوع هذا لو كانت الملاحظة بالنسبة إلى الموضوع بحسب الدقة و اما لو كان لحاظه بحسب نظر العرف، فيمكن دعوى عدم الفرق بين ما يكون لسان الدليل لفظيا أو عقليا إذ يمكن أن يقال إنه بالنسبة إلى الحكم العقلي تؤخذ القيود بنحو التعليل و يكون الموضوع نفس الذات مثلا، إذ موضوع الحكم بالقبح و الحسن لاجل عنوان المضرية أو النافعية أخذا بنحو العلية فلا يكونان داخلين في الذات و إنما أخذا عنوانين مشيرين إلى الذات كما هو بالنسبة إلى الدليل اللفظي نعم حيث انهما مترتبان على الذات أوجبا ضيقا في اطلاق الذات فلا اطلاق في الذات لكي يشمل فاقد القيد كما أن الذات ليست مقيدة بهما و بالجملة الذات في المقامين لم تقيد بالقيود و انما الذات أخذت في لسان الدليل اللفظي غير مقيدة بها كما هو كذلك في لسان الدليل العقلي فلا يكون الشك في تلك العناوين شكا في بقاء الموضوع فافهم.

49

«التفصيل بين الشك في المقتضى و الرافع»

ثم ان الشيخ الانصاري (قده) فصل بين الشك في المقتضي و بين الشك في الرافع فقال بحجية الثاني دون الأول استنادا إلى أن تصحيح تعلق النقض باليقين لا المتيقن كما في قوله (ع) لا تنقض اليقين بالشك يحتاج إلى وجود المقتضي للبقاء في المتيقن و حينئذ يكون النقض واردا على اليقين باعتبار وحدة متعلق الشك و اليقين و إلّا يلزم أن يكون اليقين مجامعا للشك و استنادا الى ان صدق نقض اليقين بالشك انما يتحقق في زمان لاحق الذي يقع الشك فيه في بقاء المتيقن و لازم ذلك أن يكون المتيقن له جهة استمرار لكي يتعلق الشك بما تعلق به اليقين فيكون المتيقن في الزمان اللاحق كأنه متيقن الوجود من حين حدوث اليقين لوجوده و قد انتقض اليقين به لعروض الشك في المتعلق فحينئذ يصح بذلك النقض فاذا صح ذلك صح تعلق النهي به بقوله عليه السلام لا تنقض اليقين بالشك‏ (1). باعتبار البناء العملي‏

____________

(1) لا يخفى أن تفصيل الشيخ (قده) مبني على أن المراد من المقتضي ما يكون فيه قابلية المستصحب للبقاء و الاستعداد له لا المقتضي الذي هو من أجزاء العلة فانه انما يتحقق في الامور التكوينية و الكلام في المقتضي في الاحكام الشرعية و هي امور اعتبارية و لا ملاكات الاحكام التي هي المصالح و المفاسد إذ يلزم أن لا يجري الاستصحاب أبدا إذ ما من مورد الا و يشك في وجود الملاك لعدم معرفته أصلا و لا طريق لنا إلى معرفته إلا من الأئمة المعصومين (سلام اللّه عليهم) و لا موضوعات الاحكام المعبر عنها في الأحكام-

50

إلى غير ذلك من الوجوه التي يستفاد من الاخبار و سيأتي إن شاء اللّه ان جميع ما ذكر لا يثبت التفصيل المذكور و اما التعرض لباقي الأقوال في المسألة فلا يهمنا التعرض لها.

____________

- التكليفية بالشرائط و في الاحكام الوضعية بالأسباب حيث ان اعتبار بقاء الموضوع في الاستصحاب مما لا كلام فيه و لا معنى للتفصيل في الاستصحاب بيان ذلك أن المستصحب أما أن يكون من الموضوعات الخارجية أو من الأحكام الشرعية فان كان الأول فاما أن يعلم مقدار قابليته للبقاء و يكون الشك في طرو عارض كمثل الموت و عليه فتارة يعلم بأن له قابلية البقاء كالفيل مثلا مائة سنة و أخرى لا يعلم بمقدار قابليته للبقاء كالبق مثلا لعدم العلم بمقدار قابليته فان كان من قبيل الاول فمرجع الشك فيه الى الشك في الرافع للعلم بمقدار القابلية فحينئذ يقع الشك في الرافع و إن كان من قبيل الثاني فمرجعه إلى الشك في المقتضي لعدم العلم بمقدار القابلية و إن كان الثاني أي ما يكون الموضوع من الأحكام الشرعية فانه يعلم بجعله غاية للحكم و أخرى لا يعلم بعدم جعله غاية للحكم و ثالثة لا يعلم بجعل الغاية.

أما الأول فتارة يكون الشك من جهة الشبهة الحكمية و أخرى يكون من جهة الشبهة الموضوعية فما كان من قبيل الأول كمثل استتار القرص الذي جعل غاية لأداء صلاة الظهرين إلا انه لا يعلم المراد منه هل هو نفس استتار القرص أو ذهاب الحمرة المشرقية فالشك في ذلك يرجع إلى الشك في المقتضي لرجوعه إلى الشك في قابلية أصل بقاء الحكم و ما كان من قبيل الثاني فمرجعه إلى الشك في الرافع إذ بقاء قابلية وجوب صلاة الظهرين إلى الغروب ليس بمشكوك، و انما الشك في تحقق الغاية الموجب للشك في الرافع، و سر الفرق بين الصورتين هو أن الشك في القسم الثاني مسبوق بالعدم فيمكن استصحاب العدم-

51

و أما التفصيل بين الشبهات الحكمية و بين الشبهات الموضوعية لجريان الاستصحاب في الثاني دون الأول لتعارض استصحاب الوجودي مع استصحاب العدمي في موارد الشبهات الحكمية دون الموضوعية (1)

____________

- بخلاف القسم الأول حيث أن الشبهة حكمية ليس لها حالة سابقة متيقنة لكي يستصحب.

و أما القسم الثاني يعلم بعدم جعل الغاية و حينئذ يكون الحكم مرسلا و له قابلية للبقاء، و يكون الشك فيه لاجل احتمال عروض عارض يوجب ارتفاعه كالشك في بقاء الملكية بعد الفسخ في بيع المعاطاة فيستصحب لاثبات اللزوم، و لاجل ذلك ذكر الاستاذ المحقق النائيني (قده) بأن ما أورده السيد في حاشية المكاسب على الشيخ الانصاري من أن هذا الاستصحاب لاثبات اللزوم من الشك في المقتضي غير وارد على مبناه، لرجوعه إلى الشك في الرافع.

و أما القسم الثالث الذي لا يعلم أن للحكم غاية أم لا كما هو كذلك بالنسبة إلى جملة من الخيارات كخيار الغبن و خيار العيب و خيار الرؤية و غير ذلك مما يشك فيما يحتمل بأن يكون فوريا له زمان محدد و هو أول زمان يمكن أن يقع فيه الفسخ فمع تحقق الشك في ذلك يكون من الشك في المقتضي، و عليه لا يجري فيه الاستصحاب فلا تغفل.

(1) و قد أجاب الشيخ الانصاري (قده) بأن الزمان ان أخذ قيدا و مفردا جرى استصحاب العدم الازلي حيث أن العدم الأزلي يشمل يوما قبل الخميس و يوم الخميس و يوم السبت نعم خرج من العدم الازلي خصوص يوم الجمعة فلا يجري استصحاب الوجودي للعلم بارتفاعه و إن كان الزمان قد أخذ ظرفا فيجري استصحاب الوجودي و لا يجري-

52

بيان ذلك انه لو علم بوجوب الجلوس في يوم الجمعة ثم شك في وجوبه يوم السبت فيستصحب الوجوب الثابت يوم الجمعة و يعارضه استصحاب عدم الوجوب المتحقق يوم الخميس و دعوى عدم اتصال الشك باليقين في غير محله إذ يوم الخميس يتيقن بعدم الوجوب و في ذلك اليوم يشك في وجوب الجلوس يوم السبت و أما بالنسبة إلى الموضوعات فليس للشارع دخل في الجعل فاذا

____________

- استصحاب العدم لانتقاضه بالوجود المطلق و قد وافقه المحقق الخراساني (قده) على ذلك إلّا أنه قال ان ذلك في مقام الثبوت.

و أما مقام الاثبات فقد ادعى ان الزمان بحسب المتفاهم العرفي قد أخذ بنحو الظرفية و قد أجاب المحقق الاستاذ النّائينيّ (قده) عن ذلك بجوابين.

أحدهما عدم اتصال الشك باليقين و لا ينفع اتصال صفة اليقين بالشك و لذا لو تيقن أحد بعدالة زيد فنام ثم شك بعد انتباهته في بقاء عدالته فلا اشكال في جريان الاستصحاب مع أن صفة اليقين ليست متصلة بصفة الشك و عليه لا يمكن جريان استصحاب عدم التكليف في المقام لانفصال زمن المتيقن عن زمان المشكوك:

ثانيهما: أن جريان الاستصحاب انما ينفع إذا كان له أثر فان الجعل و إن كان أمرا حادثا إلّا ان عدمه ليس له أثر اذ الآثار العقلية و الشرعية انما تترتب على المجعول و لا تترتب على الجعل ثم لا يخفى ان هذه المعارضة انما تتحقق فيما عدا الاباحة.

و أما بالنسبة إلى الاباحة فلا مانع من جريان الاستصحاب فيها لعدم جريان الاستصحاب العدم الازلي إذ الاشياء قبل الشريعة كانت مطلقة غير ممنوعة حتى يرد النهي من الشارع كما هو مفاد قوله ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنه و كيف كان فليس في المقام-