نتائج الأفكار في الأصول‏ / تقريرات - ج6

- السيد محمد جعفر الجزائري المزيد...
403 /
3

الجزء الخامس‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه ربّ العالين و الصلاة و السلام على نبيّنا محمّد و عترته الطاهرين و لعنة اللّه على أعدائهم اجمعين من الآن إلى يوم الدين.

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

بسم الله الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه الذي وفقنا للاشتغال بالعلم الذي هو نور يقذفه اللّه في قلب من يشاء، و الصلاة و السلام على سيد الرسل و هادي السبل و عترته أئمة الخلق و شفعاء يوم الجزاء.

(الشك فى المكلف به)

و بعد:

فلما انتهت المباحث المتعلقة بالشك في أصل التكليف الذي قد عرفت كونه من مجاري أصل البراءة، يقع الكلام في المقام الثاني المتكفل لمباحث الشك في المكلف به بعد العلم بأصل التكليف.

فنقول و به نستمد و نستعين و بولي أمره صلى اللّه عليه و على آبائه الطاهرين نتوسل و نستغيث:

6

[الإشارة إلى مجاري الاصول‏]

اعلم أنّه قد تقدم في صدر الكتاب‏ (1) ضبط مجاري الاصول و أنّ الشك إما أن يلاحظ فيه الحالة السابقة أو لا؟ و على الثاني إما أن يكون الشك في أصل التكليف أو في متعلقه، و على الثاني: إما أن يمكن فيه الاحتياط أو لا؟ و الأول:

مجرى الاستصحاب، و الثاني: مجرى البراءة، و الثالث: مجرى قاعدة الاحتياط و الرابع: مجرى قاعدة التخيير، و الحصر في هذه الاصول عقلي كنفس مجاريها، إذ الشارع إمّا أن يتصرف في الشك و يعدمه في عالم التشريع و يجعله كالعدم، و إمّا أن يحكم عليه مع بقائه، و الحكم عليه إمّا بالفعل و إمّا بالترك، و إمّا بالتخيير، فإن كان بإلغاء الشك في عالم التشريع فهو الاستصحاب، و إن كان بالحكم عليه فعلا فهو الاحتياط، أو تخييرا فهو أصالة التخيير، أو تركا فهو البراءة.

[ضابط الشك في المكلف به‏]

و كيف كان فالكلام يقع في ضابط الشك في المكلف به من حيث إنّ المعلوم لا بد أن يكون خصوص النوع كالوجوب و الحرمة، بأن يعلم الوجوب مثلا و تردد متعلقه بين أمرين أو امور أو يعلم الحرمة و تردد متعلقه كذلك أو أعم من النوع، بأن يعلم الإلزام الجامع بين هذين النوعين كما إذا علم إجمالا بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال أو حرمة شرب التتن أو بوجوب نفقة البنت المتولدة من الزنا على الزاني أو حرمة النظر إليها ان عدت اجنبيّة، فإنّ العلم الإجمالي بالإلزام في مثل هذه الأمثلة بناء على عدم كونه كالشك البدوي منجز فيجب الاحتياط في المثالين بترك شرب التتن و الدعاء عند رؤية الهلال و الإنفاق على المتولدة من الزنا و ترك النظر إليها.

مقتضى كلام الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(2) في مباحث العلم الإجمالي المذكورة في مباحث القطع كون المدار في الشك في التكليف هو عدم العلم بنفس الإلزام، لبنائه في تلك المباحث عند بيان صور العلم الإجمالي على جريان قاعدة الاحتياط فيما إذا علم إجمالا بوجوب أحد شيئين و حرمة آخر كالمثالين المذكورين، لكن ظاهر كلامه (قدّس سرّه)

____________

(1) راجع: المجلد الرابع/ 15.

(2) فرائد الاصول/ 16.

7

في أول الاشتغال حيث قال‏ (1): (الموضع الثاني في الشك في المكلف به مع العلم بنوع التكليف) إلى آخره، هو كون المدار في الشك في المكلف به هو العلم بنوع التكليف و عدم كفاية العلم بجنسه، و هذان الكلامان غير خاليين عن التهافت، و لذا جعل‏ (2) مجرى البراءة في ضبط مجاري الاصول عدم العلم بالتكليف أصلا، و لو بجنسه فيكون العلم بالجنس و لو مع عدم العلم بفصله من الشك في المكلف به.

و كيف كان فلا ينبغي الإشكال في أنّ العلم بجنس التكليف فقط مع إمكان الاحتياط منجز بناء على تنجيز العلم الإجمالي كما هو الحق على ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى، و إن لم نقل بكون ضابط الشك في المكلف به هو العلم بنوع التكليف كما تقدم عن الشيخ (قدّس سرّه) فتدبر.

و بالجملة فيمكن أن يكون غرض الشيخ (قدّس سرّه) من التعبير بالنوع هنا لكونه القدر المتيقن من الشك في المكلف به الذي يجب فيه الاحتياط عند القائلين به في الشك في المكلف به، بخلاف العلم بالجنس- أعني الإلزام- فإنّه محل الخلاف، و ان قوّى الشيخ (قدّس سرّه) في مباحث القطع لزوم الاحتياط فيه.

مضافا إلى ان التعبير بالنوع لا ينفي مرجعيّة قاعدة الاشتغال في العلم بجنس التكليف.

و يمكن إرجاع الجنس إلى النوع حيث إنّ التكليف هو النوع و هو غير معلوم و لا يعلم أنّ الحكم المتعلق بالدعاء عند رؤية الهلال و شرب التتن هل هو الوجوب أو الحرمة، و التعبير بالجنس مبني على المسامحة بناء على مبنى القول بإنشاء النسبة، و كون الوجوب و الحرمة منتزعين عن إنشاء النسبة الظاهر في كونه بداعي الجد بعد عدم قيام دليل على خلاف هذا الظاهر، من كونه بداعي التعجيز و التسخير و غيرهما، فإنّ الأحكام على هذا المبنى من أبسط البسائط، فلا جنس و لا فصل و لا

____________

(1). فرائد الاصول/ 240.

(2) هذا مستفاد من إطلاق كلامه: «إمّا أن يكون الشك فيه في التكليف أو لا».

فرائد الاصول/ 2.

8

نوع لها، و على كل حال فلا فرق في محل البحث أعني مورد قاعدة الاشتغال بين العلم بخصوص الوجوب أو الحرمة و الشك في متعلقه المردد بين شيئين أو أشياء، و بين العلم بتعلق أحد هذين الحكمين إجمالا بأحد شيئين كالدعاء عند رؤية الهلال و شرب التتن، فان كلا القسمين داخلان في الشك في المكلف به و خارجان عن حريم الشك في التكليف الذي هو مجرى البراءة.

[عدم كفاية العلم بالكبريات الشرعية في تنجز الخطابات‏]

ثم إنّ من الواضح عدم كفاية العلم بالكبريات الشرعيّة في تنجز الخطابات و إحداث الداعي إلى امتثالها و لزوم إحراز صغرياتها في تحريك تلك الخطابات، فإنّ مجرد العلم بحرمة الخمر لا يكفي في الزجر عن ارتكاب مائع شك في كونه خمرا أو خلّا، و الزجر عن شرب المائع المعتاد شربه في هذا الزمان كالمياه الغازية بمجرد احتمال اشتماله على جزء محرم من الخمر أو غيره، بل التحريك و التحرك و البعث و الانبعاث مترتبان على العلم بالكبرى و الصغرى معا، فإذا علم بحرمة الخمر التي استنبطها الفقيه من الأدلة، و علم بخمريّة مائع خاص يحصل الانبعاث و الانزجار و يتألف حينئذ قياس و هو أنّ هذا خمر و كل خمر يجب الاجتناب عنه أو نجس، فهذا نجس أو واجب الاجتناب، و المتكفل لإثبات الكبرى هو الفقيه و للصغرى هو العامي، فإنّ تشخيص موضوع الحكم راجع إلى العامي دون الفقيه كما لا يخفى.

و بالجملة فلا إشكال في عدم محركيّة العلم بنفس الكبريات الشرعيّة إلّا في ظرف العلم بصغرياتها، و العلم بالصغريات إن كان تفصيليا فلا ريب في اعتباره و تنجز الخطابات به، و لا مجال معه لشي‏ء من الاصول لعدم انحفاظ موضوع الاصول و هو الشك في العلم التفصيلي، فجعل الحكم الظاهري فيه غير معقول.

و إن كان إجماليا سواء كانت الشبهة وجوبيّة أم تحريميّة فقيه بحث من حيث كفايته في تنجيز المعلوم بالإجمال و عدمها و أنّه هل يكون العلم الإجمالي كالتفصيلي مطلقا أم في خصوص حرمة المخالفة القطعية أم يكون كالشك البدوي من دون أن يكون مقتضيا و لا علة لشي‏ء من وجوب الموافقة القطعية و حرمة المخالفة القطعية.

9

«الشبهة التحريمية»

الكلام في الشبهة المحصورة

ثم إنّ أقسام الشك في المقام كثيرة يأتي البحث عن جميعها إن شاء اللّه تعالى.

[منجزية العلم الإجمالي‏]

و الكلام فعلا في خصوص الشبهة الموضوعيّة التحريميّة بأن علم بالحرمة و تردد متعلق متعلقها المعبر عنه أيضا بالموضوع الخارجي بين شيئين أو أشياء كما إذا علم إجمالا بوجود خمر في أحد الإنائين اللذين يكونان في محل الابتلاء، فقيل بعدم منجزيّة العلم الإجمالي أصلا، و قيل بمنجزيته كالعلم التفصيلي في الجهتين كصاحب الكفاية (1) (قدّس سرّه) حيث ذهب إلى ان العلم الإجمالي كالتفصيلي في كل من وجوب الموافقة القطعية و حرمة المخالفة كذلك ان كان الحكم المعلوم إجمالا فعليا من جميع الجهات أي واجب المراعاة و الحفظ حتى في ظرف الشك.

[أدلة القائلين بجواز المخالفة القطعية، و الإشكال عليها]

و قيل بكونه كالعلم التفصيلي في خصوص حرمة المخالفة القطعية دون وجوب الموافقة القطعية فيجوز الترخيص في بعض الأطراف، ففي العلم الإجمالي بالحرمة في الشبهة الموضوعيّة أقوال ثلاثة:

أمّا القول الأول: فقد تمسكوا له بجملة من الروايات:

[ظهور الأخبار في جواز المخالفة القطعية]

منها: ما تدل‏ (2) على جواز أخذ ما علم باشتماله على الحرام إجمالا من الروايات الدالة على جواز الأخذ من الظلمة و السراق و نحوهما، و لا يكون جواز

____________

(1) كفاية الاصول/ 358.

(2) وسائل الشيعة 17/ 213- 221، الباب 51- 53 من أبواب ما يكتسب به.

10

الأخذ إلّا لعدم منجزيّة العلم الإجمالي و كونه كالشك البدوي في عدم العبرة به أصلا لا من جهة حرمة المخالفة القطعية و لا من جهة وجوب الموافقة كذلك.

و فيه أولا: عدم دلالة تلك الطوائف على العلم باشتمال خصوص المأخوذ على الحرام حتى تكون دليلا على عدم تنجيز العلم الإجمالي، و كون المعلوم إجمالا كالمشكوك بدوا.

و ثانيا: أنّ اليد أمارة على الملكيّة، فجواز الأخذ يكون مستندا إليها لا إلى عدم تنجيز العلم الإجمالي فتدبر.

و منها: قولهم (عليهم السّلام)(1) «كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف انه حرام» فإنّ إطلاق الشي‏ء يشمل المشتبه المقرون بالعلم الإجمالي و المجرد عنه، فإنّ كل واحد من أطراف الشبهة المحصورة التي هي مورد البحث مشكوك الحل و الحرمة فتجري فيه قاعدة الحل حتى يعرف كونه مصداقا للحرام.

و منها: قولهم (عليهم السّلام)(2) «كل شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه» فإنّ هذه الرواية أظهر من سابقتها في المقصود بقرينة كلمة (بعينه) لقوة ظهورها في إناطة الحرمة بالعلم التفصيلي بمتعلقها بحيث تقبل الإشارة الحسيّة إليه، فالخمر المردد بين مائعين أو أكثر لا يشار إليه بأن يقال: هذا خمر، بل يقال: الخمر موجود بين الإنائين أو أزيد، و هذا المقدار لا يكفي في تنجز الحرمة.

و في كليهما ما لا يخفى، أمّا في الأول: فلأنّ المعرفة أعم من التفصيلي و الإجمالي، فإطلاقها يشمل كلا من العلم التفصيلي و الإجمالي، فالمعلوم إجمالا يجب الاجتناب عنه كالمعلوم تفصيلا.

____________

(1) لا يوجد حديث بهذا النص، نعم ورد بهذا المضمون بعض الأخبار كما تقدم في المجلد الرابع، فراجع المجلد الرابع/ 84.

(2) وسائل الشيعة 24/ 236، الحديث 30425، باختلاف يسير.

11

و أمّا في الثاني: فلأنّ ظهورها في اعتبار العلم التفصيلي بالحرام في التنجز و تميزه بحيث يمكن الإشارة الحسيّة إليه، و إن كان مما لا ينكر، كما أنّه لا إشكال في عدم توجه إشكال التصويب إليه لأنّه في الأحكام دون الموضوعات و المفروض في الشبهة الموضوعيّة، فان العلم بالخمر أو النجس مثلا يمكن أن يكون دخيلا في الحكم بالحرمة و المانعيّة كما دلّ الدليل على اعتبار العلم بالنجاسة في مانعيتها للصلاة، و الدور و التصويب يكون موردهما نفس الأحكام لعدم تعقل دخل العلم بشي‏ء في نفسه، أما دخل العلم بشي‏ء في آخر فلا محذور فيه أصلا.

لكن يبعد الأخذ بظاهر هذه الرواية، لأنّ قضيّة الجمع بينها و بين أدلة الأحكام الأولية تقيد موضوعيّة متعلقاتها للأحكام بالعلم بها كما عرفت، و لازم التقييد هو العلم بعدم الحرمة الواقعيّة عند الشك في متعلقها، فمع الشك في خمريّة كل مشكوك الخمريّة نقطع بعدم الحرمة لا أنّ الحرمة مشكوكة، مع أنّ ظاهر قوله «كل شي‏ء فيه حلال و حرام» و جعل غاية الحل العلم بكونه مصداقا لطبيعة الحرام هو كون موضوع الحرمة ذات الشي‏ء لا بوصف كونه معلوما، فلا يبقى أساس للاصول العمليّة التي موضوعها الشك في الحكم الواقعي، إذ بناء على ظاهر الرواية لا شك في الحكم حتى يرجع فيه إلى الأصل بل عدم الحكم الواقعي معلوم، و هذا كما ترى فلا بد من طرح هذا الظاهر كما لا يخفى.

و بالجملة لا تنافي بين ما دلّ على عدم خلو واقعة عن حكم و بين ظاهر ما دلّ على اعتبار العلم في الحرمة لأنّها مطلقة قابلة للتقييد، و هذه الروايات تقيدها في خصوص الحرمة بالعلم، فالبول و الخمر و الكذب و الغيبة المعلومة حرام لا نفس هذه الامور، فالحرمة الواقعيّة لا تعرض هذه الأشياء و غيرها من العناوين المحرمة إلّا بعد العلم بها، فالعلم جزء لموضوع الحرمة، و من المعلوم أنّ الحكم متاخر رتبة عن الموضوع و عن كل ما له دخل في الموضوع شطرا أو شرطا، فقبل العلم لا حكم واقعا

12

كما في جميع شرائط الأحكام من غير فرق بين الشرائط الخاصة و العامة.

و على هذا يكون العلم الإجمالي بالحرام المردد بين شيئين أو أزيد كالشك البدوي في عدم التنجيز، إذ المفروض إناطة الحرمة بالعلم التفصيلي بموضوعها كإناطة بعض الأحكام الوضعيّة كالمانعيّة بالعلم كما في النجاسة الخبثيّة على ما في بعض الروايات كصحيح عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)(1) الدال على صحة صلاة من صلى و في ثوبه عذرة انسان أو كلب أو سنور في حال الجهل بالنجاسة.

[الاستدلال بأخبار التثليث على حرمة المخالفة القطعية، و الرد عليه‏]

فإن قلت: أنّ هذه الروايات الظاهرة في دخل العلم التفصيلي بالموضوع في الحكم بالحرمة تنافي ما دلّ من أخبار التثليث‏ (2) على ترتب العقوبة على ارتكاب الشبهات.

وجه التنافي: أنّ تلك الروايات صريحة في وجود الشبهات و ظاهرة في لزوم الاجتناب عنها و مختصة بالشبهات الموضوعيّة أيضا، و روايات دخل العلم التفصيلي في الحرمة تنفى المشتبه، ضرورة أنّه مع عدم العلم التفصيلي بموضوع الحرمة لا حرمة واقعا يقينا فلا شبهة في البين و المفروض تصريح أخبار التثليث بوجود الشبهات التحريميّة، فلا محيص إلّا عن رفع اليد عن ظواهر هذه الأخبار و الاعتماد على أخبار التثليث.

قلت: نعم أخبار التثليث مختصة بالشبهات التحريميّة لكنها أعم من الموضوعيّة و الحكميّة، و الأخبار المذكورة مختصة بالشبهات الموضوعيّة التحريميّة فتخصصها بغير الموضوعيّة فتختص أخبار التثليث بالشبهات الحكميّة التحريميّة، فلا محذور في الأخذ بظاهر هذه الروايات و مقتضاها عدم اعتبار العلم الإجمالي بموضوع الحرمة، و كونه‏

____________

(1) وسائل الشيعة 3/ 475، الحديث 4218.

(2) وسائل الشيعة 27/ 157، الحديث 33472 و 27/ 162، الحديث 33491.

13

كالشك البدوي.

فإن قلت: يلزم من أخذ العلم التفصيلي في الموضوع تأسيس فقه جديد لسقوط الاصول العمليّة عن الأثر إذ لا موضوع لها، إذ مع عدم العلم التفصيلي بموضوع الحرمة لا يوجد موضوع الحرمة فلا شك في الحرمة حتى يرجع فيه إلى الأصل، و هذا خلاف مسلك العلماء قديما و حديثا المستقر على إجراء الاصول في المشتبهات، فاللازم حينئذ طرح هذه الأخبار أو تأويلها.

قلت: إنّما يلزم هذا المحذور إذا كان العلم بالموضوع دخيلا في الحكم حتى لو كانت الشبهة حكمية، لكن الأمر ليس كذلك لظهور هذه الروايات في خصوص الشبهة الموضوعيّة التحريميّة دون الشبهات الحكميّة وجوبيّة كانت أم تحريميّة، فمحذور لزوم تأسيس فقه جديد من دخل العلم التفصيلي في موضوع الحرمة غير متوجه أصلا كعدم توجه محذور الدور و التصويب لوضوح عدم ورودهما في اعتبار العلم بالموضوع كالعلم بالنجاسة في الحكم بالمانعيّة كما أشرنا إليه آنفا و ورودهما مختص بما إذا كان العلم بشي‏ء دخيلا في نفس متعلقه كالعلم بوجوب صلاة الجمعة مثلا في نفس هذا الوجوب كما تقدم توضيحه في مبحث القطع.

و الحاصل: أنه لا مانع من الأخذ بظاهر ما دل على اعتبار العلم التفصيلي في موضوع الحرمة المقتضي لعدم اعتبار العلم الإجمالي.

نعم المانع هو منافاته لصدر الحديث و هو قوله (عليه السّلام) «كل شي‏ء فيه حلال و حرام» فإنّ ظاهره وجود القسمين فعلا و هو لا يستقيم إلّا إذا كان معروض الحرمة و الحل ذات الشي‏ء كاللحم المنقسم إلى المذكى و الميتة مع قطع النظر عن العلم، إذ لو كان العلم دخيلا في الحرمة لم يكن وجود القسمين فعليا، فالصدر يدل على وجود الحل و الحرمة واقعا مع الغض عن العلم فيكون العلم لا محالة قيدا لموضوع الحكم الظاهري فيكون محصله حينئذ أنّ مشكوك الحل و الحرمة لأجل اشتباه الموضوع‏

14

حلال حتى تعلم انه من القسم الحرام. فحينئذ تتنجز الحرمة بالعلم بموضوعها تفصيلا (1).

و بالجملة فظهور الصدر في وجود الحرمة و الحليّة الواقعيتين المتعلقتين بذوات الأشياء مع الغض عن العلم بالموضوعات المحرمة من الميتة و الخمر و الارنب و غيرها غير قابل للانكار، فلا يصح أن تكون الغاية أعني قوله (عليه السّلام) «حتى تعرف» مقيدا لما دلّ بإطلاقه على حرمة الخمر و غيره من المحرمات حتى تكون نتيجة التقييد إناطة حرمة الخمر و غيره بالعلم بالموضوعات لأنّه مع عدم العلم بالموضوعات لا حرمة واقعا و لا كبرى في نفس الأمر حتى يكون الشك في الصغرى مع العلم بالكبرى كما هو محل البحث في الشبهة المحصورة التحريميّة إذ الكبرى هي حرمة الخمر المعلوم تفصيلا، و مع عدم العلم التفصيلي بالخمريّة لا كبرى و لا صغرى، فلا ينقسم الشي‏ء انقساما فعليا إلى الحرام و الحلال فلا محالة يكون العلم شرطا في تنجز الحرام الواقعي و يتحد مفاده مع حديث الرفع‏ (2) و نحوه من أدلة البراءة مما أخذ في موضوعه عدم العلم بالواقع و حيث إنّ المعرفة التي جعلت غاية للحكم الظاهري أعم من العلم التفصيلي و الإجمالي فيكون العلم الإجمالي منجزا كالتفصيلي، فلا ينهض شي‏ء مما ذكروه في عدم تنجيز العلم الإجمالي و كونه كالشك البدوي من الأخبار المشار إليها على مدعاهم.

____________

(1) لا يخفى أنّه لو كان الصدر «كل شي‏ء لك فيه حلال و حرام» كان ظاهرا في وجود القسمين فيه بالفعل مع الغض عن العلم، لكن مع عدم كلمة (لك) يمكن أن يكون التقسيم الفعلي باعتبار كون العالمين و الجاهلين، فإنّه يصح حينئذ أن يقال: «اللحم المنقسم إلى حرام للعالمين و حلال للجاهلين فهو لك حلال حتى تعلم ...»، فلا يدل الصدر على عدم دخل العلم في موضوع الحرمة فلا بد من رفع اليد عن الأخبار المزبورة بإعراض الأصحاب عن ظاهرها.

(2) وسائل الشيعة 15/ 369، الحديث 20769.

15

بل الأخبار (1) الواردة في التصرف في أموال عمّال بني اميّة المخلوطة بالحرام بعد ضم النصوص‏ (2) الواردة في تطهير المال المخلوط بالحرام بالخمس تدل على حرمة المال الحلال المختلط بالحرام إلّا بعد تطهيره بالخمس إن لم يكن الحلال بنفسه متعلقا للخمس، و إلّا فلا بد من إخراج خمسين منه كما حرر في محله.

نعم قوله (عليه السّلام): «حتى تعرف الحرام منه بعينه» ظاهر في كون المنجز للحرمة الواقعيّة هو العلم التفصيلي بمتعلق الحرمة بحيث يقبل الإشارة الحسيّة بأن يقال: هذا بعينه حرام.

إلّا أن يقال كما ذكره الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(3): بأنّ كلمة (بعينه) تأكيد للمعرفة بأن يكون المراد العلم بالحرمة لا غير العلم، و لو الظن المتاخم به، فلا تفيد حينئذ كلمة بعينه شيئا زائدا على أصل المعرفة المجعولة غاية، سواء كانت تفصيليّة أم اجماليّة.

لكن الإنصاف أنّ ما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) خلاف الظاهر جدا، فدعوى ظهور الروايات المشتملة على كلمة بعينه بل صراحتها في اعتبار العلم بمتعلق الحرمة في تنجز الحرمة الواقعيّة، غير مجازفة.

و المتحصل منها حينئذ- بعد ما عرفت من عدم دخل العلم بذوات المحرمات في الحكم بالحرمة واقعا و أنّ العلم دخيل في تنجز الحرمة الواقعيّة بقرينة العناوين المأخوذة في طوائف عديدة من الأخبار كعنوان اختلاط الحلال بالحرام، و عنوان الاشتباه و عنوان الاجتماع، و مثل كل شي‏ء فيه حلال و حرام الظاهر في كون نفس الشي‏ء مشتملا على محرم و محلل كمقدار من الدنانير المحتوية على الحرام و الحلال،

____________

(1) وسائل الشيعة 17/ 213- 221، الباب 51- 53 من أبواب ما يكتسب به.

(2) وسائل الشيعة 9/ 505 و 506، الباب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

(3) فرائد الاصول/ 241.

16

حيث إنّ الاشتباه و نحوه من هذه العناوين أقوى شاهد على عدم دخل العلم في الحرمة الواقعيّة، إذ مع دخله فيها لا يتصور الاشتباه بل نفس الشك في خمرية شي‏ء مثلا يوجب العلم بعدم الحرمة- هو: أنّ الحرمة الواقعيّة لا تتنجز إلّا بالعلم التفصيلي بموضوعها بعينه بحيث يمكن الإشارة الحسيّة إليه، بأن يقال: هذا هو الحرام، فالعلم الإجمالي بموضوع الحرمة مرددا بين أشياء محصورة لا ينجز الحرمة، فهذه الروايات المشتملة على كلمة (بعينه) يستفاد منها عدم اعتبار العلم الإجمالي، و قد عرفت ما في توجيه الشيخ (قدّس سرّه) لكلمة بعينه من مخالفته للظاهر جدا.

فلا محيص عن التخلص من هذا الظهور إلّا بدعوى معارضة هذه الروايات المتضمنة لكلمة بعينه بالأخبار المجردة عن هذه الكلمة الظاهرة في إطلاق المعرفة المجعولة غاية لحلية المشتبه لكل من العلم التفصيلي و الإجمالي، و بالروايات الآمرة بالاجتناب عن أطراف العلم الإجمالي في موارد كإهراق الماءين المشتبهين و الأمر بالتيمم‏ (1)، و النهي عن الصلاة في الثوبين المشتبهين‏ (2)، و غيرهما مما يدل على تنجيز العلم الإجمالي، و بعد المعارضة لا مجال للأخذ بظواهر ما اشتمل من الأخبار على لفظة بعينه، و تبقي الأخبار المطلقة التي جعلت الغاية مطلق المعرفة الشاملة للعلم التفصيلي و الإجمالي على حالها.

و لا بأس ببيان محصل وجه المناقشة في الاستدلال بالأخبار المشار إليها على عدم تنجيز العلم الإجمالي في الشبهة المحصورة الموضوعيّة التحريميّة، فنقول و به نستعين:

أمّا خبر جواز أخذ المال من السارق و عمال بني اميّة و أمثال هؤلاء ممن يختلط

____________

(1) وسائل الشيعة 1/ 151 و 155، الحديث 376 و 388.

(2) المبسوط 1/ 12، و لعل المراد منه الأمر بتكرار الصلاة في الثوبين المشتبهين كما ورد في مكاتبة صفوان: وسائل الشيعة 3/ 505، الحديث 4298.

17

ماله بالحرام، فلإمكان أن يكون جواز الأخذ لأجل أماريّة أيديهم على الملكيّة، و العلم الإجمالي إنّما يكون منجزا إذا لم يكن في بعض أطرافه ما يوجب انحلاله من أصل مثبت للتكليف أو أمارة كذلك‏ (1)، مضافا إلى أنّ العلم الإجمالي في مثل هذه الموارد لا يكون منجزا لعدم اجتماع شرائط التنجيز فيه، ضرورة عدم كون جميع الأطراف موردا للابتلاء، فيكون مورد هذه الأخبار خارجا عن مفروض البحث من اجتماع الشرائط في العلم الإجمالي، و مع ذلك لم يكن منجزا استنادا إلى هذه الروايات.

و أمّا أخبار جواز التصرف في المال الحلال المختلط بالحرام فهي مقيدة بما دلّ‏ (2) على لزوم تطهيره بالخمس، و من المعلوم أنّ تقيد جواز التصرف فيه بإخراج خمسه دليل على وجوب الاجتناب عن الكل قبل تخميسه.

و بالجملة لا يمكن الأخذ بإطلاق تلك الروايات، و الغض عن مقيداتها.

و أمّا خبر مسعدة بن صدقة (3) الدال على عدم وجوب الاجتناب عما ذكر فيه، و البناء على الحل فيها فهو أجنبي عن مورد البحث إذ فيه:

أولا: عدم تحقق العلم الإجمالي في الأمثلة المذكورة فيه.

و ثانيا: كون الجواز فيها مستندا إلى الأصل الموضوعي أو الأمارة الدالين على الحل فيها.

و أمّا الخبر المشتمل على حليّة كل شي‏ء حتى يعلم الحرام بعينه الظاهر في عدم اعتبار العلم الإجمالي بالحرمة، ففيه: ما عرفت من أنّه معارض بما دلّ على كون غاية

____________

(1) فما أفاده صاحب العروة (قدّس سرّه) في حاشيته على المكاسب من أنّه لو لا إعراض المشهور عن هذه الروايات لقلنا بعدم وجوب الاجتناب عن أطراف الشبهة المحصورة التحريميّة، ضعيف لما عرفت من كون الجواز في هذه الروايات مستند إلى اليد.

(2) وسائل الشيعة 9/ 505 و 506، الباب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

(3) وسائل الشيعة 17/ 89، الحديث 22053.

18

الحليّة مطلق المعرفة الشاملة للعلم التفصيلي و الإجمالي، و بما دلّ على وجوب الاجتناب عن أطراف الشبهة المحصورة في موارد:

منها: ما دلّ‏ (1) على وجوب الاجتناب عن الثوب الذي علم إجمالا بنجاسة بعضه و ترك الصلاة فيه، فإنّ موضع النجس غير معلوم بعينه، و مع ذلك يجب الاجتناب عنه، فوجوب الاجتناب حينئذ يكشف عن تنجيز العلم الإجمالي.

اللهم إلّا أن يقال: إنّ وجوب الاجتناب عنه إنّما هو لأجل لزوم إحراز شرط صحة الصلاة أعني الطهارة الخبثيّة لا لأجل تنجيز العلم الإجمالي، فمع الشك البدوي في النجاسة يجب إحراز شرط الصحة بعلم أو علمي أو أصل كقاعدة الطهارة أو استصحابها.

و منها: ما دلّ‏ (2) على لزوم الاجتناب عن الجبن المخلوط بالجبن المأخوذ من الميتة فإنّه لا يستقيم إلّا بناء على وجوب الاجتناب عن أطراف العلم الإجمالي.

إلّا أن يقال: إنّ مورده هو الخلط الذي هو أخص من الاشتباه مع عدم الاختلاط الذي هو مورد البحث، فإنّ كلامنا في تردد موضوع الحرمة بين محصورة بحيث يكون المعلوم الإجمالي محتمل الانطباق على كل واحد من الأطراف كما في الإنائين المشتبهين، و اللحم المشتبه بلحم آخر مع العلم إجمالا بكون أحدهما ميتة و غير ذلك من الأمثلة.

لكن الإنصاف أنّ الخلط و إن كان أجنبيا عن الاشتباه المبحوث عنه في الشبهة المحصورة، و ليس دليلا على وجوب الاجتناب عن الشبهة المحصورة التحريميّة، لكنه يصلح لمعارضة الخبر الدال على اعتبار معرفة الحرام بعينه لأنّه يدلّ على وجوب الاجتناب في صورة اختلاط الحرام بالحلال، و قوله (عليه السّلام): «حتى تعرف الحرام منه‏

____________

(1) وسائل الشيعة 3/ 402- 404، الباب 7 من أبواب النجاسات.

(2) وسائل الشيعة 24/ 235، الحديث 30424.

19

بعينه» يدل على عدم وجوب الاجتناب عن الحرام المخلوط بالحلال إلّا بعد معرفة الحرام تفصيلا (1) و هذه الرواية أصح سندا و أظهر دلالة من الخبر المتضمن لاعتبار العلم التفصيلي بالحرام، فيؤخذ بها و يطرح ذاك الخبر.

و منها: ما دلّ‏ (2) على لزوم الاجتناب عن الإنائين المشتبهين و التيمم، فإنّه لو لا تنجيز العلم الإجمالي لم يكن وجه لوجوب الاجتناب و انتقال الفرض إلى التيمم.

و منها: ما دلّ‏ (3) على لزوم الاجتناب عن اللحم المشتبه بغير المذكى.

و منها: ما دلّ‏ (4) على لزوم الاجتناب عن قطيع غنم لأجل العلم الإجمالي بحرمة غنم واحد في القطيع، فإنّه لو لا وجوب الاجتناب عن أطراف العلم الإجمالي لم يكن وجه لوجوب الاجتناب عن جميع القطيع حتى يتعين الحرام بالقرعة، فإنّ الاستشهاد إنّما هو بوجوب الاجتناب عن تمام القطيع قبل القرعة حيث إنّ الحكم بوجوب الاجتناب عن تمام القطيع لا يستقيم إلّا بتنجيز العلم الإجمالي.

فلا يرد الإشكال على هذا الاستدلال بأنّ التعدي عن المورد إلى غيره غير ظاهر، و لذا لا يكون الحكم بالقرعة في غير صورة اشتباه الغنم المحرم كالابل و البقر مسلما.

وجه عدم الورود أنّ الكلام ليس في القرعة بل بالحكم الذي تضمنته الرواية قبل القرعة من وجوب الاجتناب عن الكل.

____________

(1) فإنّ ظاهر قوله (عليه السّلام) كل شي‏ء فيه حلال و حرام هو اشتمال نفس الشي‏ء على أجزاء محللة و أجزاء محرمة، و تأويله بالصنف و النوع حتى يشمل الشبهة المحصورة خلاف الظاهر، فقوله كل شي‏ء فيه حلال و حرام يقتضي عدم منجزية العلم الإجمالي.

(2) وسائل الشيعة 1/ 151، الحديث 376 و 1/ 155، الحديث 388.

(3) يستفاد من مفهوم روايات الباب 36 من أبواب الأطعمة المحرمة، وسائل الشيعة 24/ 187.

(4) وسائل الشيعة 24/ 169 و 170، الحديث 30261 و 30264.

20

و بالجملة فهذه الروايات الآمرة بوجوب الاجتناب عن أطراف الشبهة المحصورة في موارد عديدة دليل على تنجيز العلم الإجمالي.

فصار المتحصل من جميع ما ذكرنا أنّ ما أفاده الشيخ (قدّس سرّه)(1) من وجود المقتضى لوجوب الاجتناب عن أطراف العلم الإجمالي و هو عموم دليل حرمة العنوان المعلوم إجمالا و عدم المانع لقصور ما استدل به على جواز ارتكاب الأطراف من الروايات المشار إليها متين جدا.

فإنّ ما توهم كونه مانعا من الأخبار المشار إليها و دالا على عدم تنجيز العلم الإجمالي، فقد عرفت عدم ظهور أكثرها في جواز ارتكاب أطراف الشبهة المحصورة و معارضة الظاهر منها بما هو أصح سندا منها.

فمقتضى القاعدة بعد ما تقدم من عدم دخل العلم في الحرمة و كون الأحكام ثابتة لنفس العناوين الواقعيّة من الخمر و الميتة و الخنزير و غيرها من دون توقف حرمتها على العلم بتلك العناوين على ما يستفاد من قوله (عليه السّلام)(2): «كل شي‏ء فيه حلال و حرام» و الأخبار المشتملة على اختلاط الحلال بالحرام و اجتماعهما و اشتباههما- من دلالتها على عدم كون العلم دخيلا في الحرمة- هو وجوب الاجتناب عن الحرام المعلوم إجمالا بين امور محصورة.

لكن الإنصاف إمكان المناقشة في الاستدلال بالأخبار المشار إليها على وجوب الاجتناب عن جميع أطراف الشبهة المحصورة التحريميّة، لاحتمال دخل خصوصيّة المورد في الحكم بوجوب الاجتناب فيها إذ لا قطع بعدم دخل خصوصيّة الموطوئية في وجوب الاجتناب عن تمام القطيع حتى يتعدى عنه إلى الغنم المغصوب المشتبه بين القطيع، كما أنّ خصوصيّة المورد من جهة عدم إمكان إحراز الغنم الموطوء

____________

(1) فرائد الاصول/ 240 و 241.

(2) وسائل الشيعة 24/ 236، الحديث 30425.

21

بأمارة و لا أصل شرعي و لا عقلى توجب اختصاص القرعة به بخلاف المغصوب، فإنّه يمكن رفع الحرمة بالمصالحة و نحوها، و لذا لا يقال فيه بالقرعة، و كذا لزوم الاجتناب عن استعمال الإنائين المشتبهين و اللحم المشتبه بغير المذكى، فإنّ احتمال خصوصيّة المورد كاف في عدم جواز التعدي عن موردهما إلى سائر الشبهات المحصورة التحريميّة، و دعوى القطع بعدم الخصوصيّة على مدعيها.

فصارت النتيجة عدم دليل شرعي على منجزيّة العلم الإجمالي في جميع الشبهات المحصورة التحريميّة، فلا يكون في البين ما يعارض قوله (عليه السّلام) «حتى تعرف الحرام منه بعينه»، حتى نرفع اليد عنه، و قد عرفت أنّ مقتضاه عدم تنجيز العلم الإجمالي و كونه كالشك البدوي.

فلا محيص حينئذ إلّا عن رفع اليد عن ظهور كلمة بعينه في اعتبار العلم التفصيلي في التنجز بمنافاته لحكم العقل، إذ المفروض كون موضوع الحرمة ذوات الأشياء من دون دخل للعلم بها في عروض الحرمة عليها، فمع العلم بالموضوع لا محيص عن ترتب الحكم عليه لعدم تخلف الحكم عن موضوعه كعدم تخلّف المعلول عن علته، فإذا شرب المائعين اللذين يعلم بخمريّة أحدهما إجمالا فلا ريب في استحقاقه للعقاب عقلا للعلم بارتكاب الحرام الواقعي المعلوم له بين الإنائين، فترخيص الشارع حينئذ لارتكابهما ترخيص في المعصية و مناف للأدلة الأولية المشرعة للحرمة من دون دخل للعلم فيها.

و بالجملة فمناقضة الترخيص في جميع الأطراف للحرمة الواقعيّة تقتضي رفع اليد عن ظاهر كلمة (بعينه) في بعض الروايات و التصرف فيها، فالموجب لرفع اليد عن هذا الظهور هو التناقض اللازم من الترخيص، فمقتضى القاعدة العقليّة منجزيّة العلم الإجمالي في الشبهة المحصورة.

لا يقال: إنّ مقتضى القاعدة قبح المخالفة القطعية عقلا الحاصلة من ارتكاب‏

22

جميع الأطراف دون بعضها، فيمكن ارتكاب الأطراف إلّا بمقدار الحرام فيكون ذلك بدلا عن الحرام الواقعى على تقدير المصادفة، و يكون جعل البدل و الترخيص في ارتكاب الحرام الواقعي مشتملا على مصلحة تسهيليّة توجب تدارك المفسدة الواقعيّة كما في الأمارات المؤدية إلى خلاف الواقع، فإنّ المصلحة السلوكيّة في الأمارات يتدارك بها المفسدة أو المصلحة الواقعيّة.

فإنّه يقال: نعم جعل البدل ممكن ثبوتا لكن يحتاج إلى دليل خاص يجعل بعض الأطراف بدلا عن الواقع، و لا يمكن ذلك بالدليل العام كقوله (عليه السّلام) «كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف أنّه حرام» لأنّ نسبته إلى كل من المشتبهات على حد سواء، لكون كل منها مشكوك الحكم، و في رفعه منة، فأركان البراءة في كل منها موجودة بلا إشكال فترجيح بعضها على الآخر ترجيح بلا مرجح.

كما لا يمكن استكشاف جعل البدل بالجمع بين أدلة حرمة العناوين الأولية و بين الأخبار المشار إليها الدالة على جواز ارتكاب جميع الأطراف، فإنّ الجمع بينهما يقتضى المصير إلى جواز ارتكاب البعض و إبقاء مقدار الحرام لئلا يقع في محذور ارتكاب الحرام الواقعي المعلوم.

و ذلك لما في هذا الجمع أوّلا: من كون تلك الأخبار ناظرة إلى الحكم الظاهري للشك في الحكم الواقعي، و تلك الأدلة ناظرة إلى الأحكام الواقعيّة من دون نظر إلى موضوع الحكم الظاهري، فتأمل.

و ثانيا: من معارضة الأخبار المجوزة للأخبار المانعة عن الارتكاب، فلا تبقى سليمة عن معارضة تلك الأخبار الناهية عن الارتكاب حتى يجمع بينها و بين الأدلة الأولية.

[شبهة التخيير بين الاصول‏]

فإن قلت: يمكن الاستدلال على الترخيص في بعض الأطراف بنفس عمومات أدلة الاصول، ببيان: أنّ الاصول المتعارضة كالأمارات المتعارضة التي يبنى فيها على‏

23

التخيير سواء قلنا فيها بالسببيّة أم الطريقيّة، غاية الأمر أنّ التخيير فيها على الأول على القاعدة كالتخيير في الواجبين المتزاحمين المتساويين ملاكا، و على الثاني على التعبد لأجل الأخبار العلاجيّة، و الأصلان المتعارضان لما كان التعارض بين إطلاقيهما و من المعلوم عدم إمكان جعل الإطلاقين، فمقتضى قاعدة أنّ الضرورات تتقدر بقدرها هو رفع اليد عن الإطلاقين، و يكون الحاصل حينئذ جريان الأصل في أحدهما حين عدم جريانه في الآخر كما في الترتب بين الواجبين، فيكون الأصلان المتعارضان كالخبرين المتعارضين، و رفع الإطلاقين ينتج التخيير، فالأصل يجري في بعض الأطراف تخييرا.

و بالجملة يقيد إطلاق أدلة الاصول في مورد التعارض بقيد عدمي و هو عدم جريان الأصل في الطرف الآخر.

قلت: هناك فرق بين الخبرين المتعارضين و بين الأصلين المتعارضين في أطراف العلم الإجمالي، فإنّ دليل الحجية في الخبر الواحد صالح لأن يشمل كلا الخبرين و المانع إنما هو التعارض، فيرفع اليد عن إطلاق الدليل و نحكم بالتخيير بين الخبرين- لو سلّم- و أما دليل الأصل فلا يصلح لشمول شي‏ء من أطراف العلم الإجمالي رأسا حيث يستلزم التعارض بين الصدر و الذيل و سوف يتضح هذا الكلام بعد ذلك.

و كيف كان، فمحصل الكلام أنّ هنا مقدمات تنتج تنجيز العلم الإجمالي في الشبهة المحصورة:

الاولى: أنّ الحكم لا يتخلف عن موضوعه لأنّ الحكم كالمعلول التكويني في تبعيته لعلته و عدم تخلفه عنه، إذ لو تخلف الحكم عن موضوعه يلزم الخلف و المناقضة حيث يلزم عدم موضوعيّة ما فرض موضوعا و الموضوع هو ما له دخل في الملاكات كالبلوغ و العقل، و أما القدرة فهي دخيلة في حسن المطالبة كما أنّ العلم دخيل في تنجز الحكم دون الملاك.

24

الثانية: أنّ الحكم ليس منوطا بالعلم و ليس العلم جزء لموضوع الحكم بل الموضوع هو ذوات الأشياء بعناوينها الأولية كالخمر و الميتة و الدم و نحوها من العناوين المحرمة، لظهور الأدلة في ترتب الأحكام على العناوين الواقعية من دون أخذ العلم في موضوعها.

الثالثة: أنّ العلم يكون موضوعا لحكم العقل بحسن الإطاعة لأنّ العلم يوجب تنجز الحكم و وصوله إلى العبد و معه لا عذر في المخالفة، فلو خالف حينئذ لا يقبح مؤاخذته عقلا، و هذا حكم عقلي ضروري لا يستتبع حكما مولويا و إن قلنا بقاعدة الملازمة، لأنّ موردها علل الأحكام و ملاكاتها دون معلولاتها التي هي مرحلة الإطاعة و المعصية كما قرر في محله.

الرابعة: أنّ مجرد العلم بالكبريات الشرعيّة كالعلم بحرمة الخمر أو الميتة مثلا لا يكون كافيا في تنجز الأحكام، و إلّا يلزم انقلاب القضايا السالبة المحصلة إلى المعدولة و انسداد باب البراءة في الشبهات الموضوعيّة، ضرورة أنّ العلم بنفس الكبرى إن كان كافيا في التنجيز فيرجع الشك إلى المحصل.

توضيحه: أنّ كفاية العلم بنفس الكبرى في حكم العقل بالتنجيز مساوقة لمطلوبية الوصف البسيط العدمي مثل لا شاربيّة المكلف للخمر المستفاد من قوله:

(لا تشرب الخمر) و من المعلوم أنّ تحصيل العلم بهذا النعت العدمي منوط بترك الأفراد المعلومة و المظنونة و المشكوكة و الموهومة، فالشك في فرديّة شي‏ء للخمر يرجع إلى الشك في المحصل الذي حرر في محله مرجعية قاعدة الاشتغال فيه، فينسد باب البراءة حينئذ فمرجعية البراءة في الشبهات الموضوعية منوطة بكون القضايا الشرعية خارجية و عدم كونها من القضايا الحقيقية.

و بالجملة فتنجز الحكم بحيث يكون موضوعا لحكم العقل بلزوم الإطاعة و استحقاق العقوبة على المخالفة موقوف على العلم بالكبرى و الصغرى معا.

25

الخامسة: أنّ العلم الإجمالي عبارة عن قضية معلومة و قضيتين أو قضايا مشكوكة مانعة الخلو، ففي صورة العلم بخمرية أحد الإنائين إجمالا يقال: حرمة الخمر معلومة للعلم بوجود الخمر هنا، و الخمر إما هذا الإناء و إما ذاك الإناء، و لا يخلو الحال من أحدهما، فلا يمكن رفعهما كما هو شأن كل قضية مانعة الخلو، كقولنا: هذا العدد إما زوج و إما فرد، و في المقام نقول الخمر الموجود إما هذا و إما ذاك.

إذا عرفت هذه الامور فاعلم: أنّ مقتضاها لزوم الاجتناب عقلا عن أطراف الشبهة المحصورة إذ المفروض أنّ العلم بالموضوع المحرم يوجب العلم بالحرمة و إلّا يلزم الخلف أو النسخ و المفروض عدمهما و العلم بالحرمة موضوع لحكم العقل بحسن الإطاعة و قبح المعصية، و من المعلوم تعلقه بفرد الخمر و ليس من تعلقه بنفس الطبيعة حتى يقال بعدم كفاية العلم بالكبرى في وجوب الإطاعة و تنجيز الحكم، ضرورة تحقق العلم بوجود فرد من أفراد الخمر في الدار، فترخيص الشارع في ارتكاب الكل مستلزم للترخيص في المعصية التي حكم العقل المستقل بقبحها لأنّه حاكم حكما تنجيزيا بقبح المعصية في كل مورد علم بالحكم.

و بالجملة لا محيص عن الالتزام بتنجيز الحكم بسبب العلم الإجمالي بعد الإذعان بالامور المذكورة، فلا يمكن إجراء الأصل في الأطراف بدعوى انحفاظ رتبة الحكم الظاهري فيها، حيث إنّ كلا من الأطراف مشكوك الحكم للشبهة الموضوعية و الأصل الجاري في كل منها لا يرتبط بالأصل الجاري في الآخر نظير أصالة عدم الجنابة التي يجريها كل واحد من واجدي المني في الثوب المشترك.

و المفروض أنّ كل واحد من الأصلين ليس بنفس مفاده مضادا للمعلوم حتى لا ينحفظ به رتبة الجعل كما في أصالة الإباحة في الفعل المردد حكمه بين الوجوب و الحرمة لوضوح المضادة بين إباحة الفعل و بين وجوبه أو حرمته.

26

[عدم إمكان إجراء الأصل في الأطراف بدعوى انحفاظ رتبة الحكم الظاهري‏]

وجه عدم الإمكان: هو أنّ انحفاظ رتبة الحكم الظاهري منوط بامور ثلاثة:

أحدها: الشك.

ثانيها: عدم مانع من الجعل كما في أصالة الإباحة في الفعل الدائر حكمه بين المحذورين.

ثالثها: عدم محذور في مرحلة الامتثال بمعنى عدم لزوم الترخيص في المعصية.

و من المعلوم فقدان هذا الأمر في الشبهة المحصورة التحريمية لأنّ جريان الأصل النافي في كل واحد من الأطراف مستلزم للقطع بالمعصية، و هذا مانع عن جريان الأصل و موجب لعدم انحفاظ رتبة الحكم الظاهري في الشبهة المحصورة، فتدبر.

و الحاصل أنّه لا إشكال في أنّ الاصول تجري في الشبهات البدوية كما حرر في محله و اندفعت عويصة الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري بوجوه ذكرناها في محلها،- مع ما فيها من الإشكالات، و ذكرنا هناك وجها صحيحا- كما لا شبهة في عدم جريانها في صورة العلم التفصيلي بالحكم لكون الترخيص حينئذ ترخيصا في المعصية و هو مخالف لحكم العقل المستقل الضروري بقبح المعصية، مضافا إلى كون الترخيص في الترك مع العلم التفصيلي بالحرمة موجبا للتناقض واقعا و اعتقادا معا في صورة المصادفة و اعتقادا فقط في صورة المخالفة كما لا يخفى.

و أمّا العلم الإجمالي بالحكم الإلزامي فهل هو كالشك البدوي في جريان الاصول أم كالعلم التفصيلي في عدم جريانها أم هو برزخ بينهما- فيكون كالعلم التفصيلي في حرمة المخالفة القطعية و كالشك البدوي في إمكان الترخيص في بعض الأطراف، و أمّا في جميعها فلا، للزوم المعصية إذا كان المعلوم إجمالا حكما إلزاميا كما إذا علم إجمالا بنجاسة أحد الإنائين فإنّ استصحاب الطهارة فيهما معا يوجب الترخيص في المعصية التى قبيح عقلا من غير فرق بين الاصول تنزيلية كانت كالاستصحاب و قاعدتي التجاوز و الفراغ، أم غيرها كقاعدتي الطهارة و الحل، و كذا

27

أصل البراءة فإنّ الاصول النافية للتكليف تنزيلية كانت أم غيرها لا تجري في جميع أطراف العلم الإجمالي المتعلق بحكم إلزامي.

[العلم الإجمالي بالحكم غير الإلزامي‏]

و أمّا إذا كان المعلوم إجمالا حكما غير إلزامي كما إذا علم إجمالا بطهارة أحد الإنائين المسبوقين بالنجاسة فعدم جريان استصحاب النجاسة فيهما مبني على فقدان الشرط الثاني من شرائط انحفاظ رتبة الحكم الظاهري أعني عدم مانع من الجعل كما تقدم آنفا بناء على كون الاستصحاب أصلا تنزيليا بأن يكون مفاد دليل الاستصحاب البناء على كون المشكوك هو الواقع فإنّه حينئذ لا معنى للبناء على بقاء النجاسة واقعا في كليهما مع العلم بانتقاضها في أحدهما فلا يجري استصحاب النجاسة فيهما، و مع عدم البناء على التنزيل و كون الاصول طرا على نسق واحد و عدم الفرق بين أصالة البراءة و بين الاستصحاب فيجري استصحاب النجاسة فيهما و قضية استصحابها في الإنائين هو وجوب الاجتناب عن ملاقيهما.

و بالجملة فعلى مبنى التنزيل لا فرق في عدم جريان الاستصحاب بين الإنائين المسبوقين بالنجاسة و بين الإنائين المسبوقين بالطهارة مع العلم بنجاسة أحدهما لفقدان الشرط الثاني أعني وجود المانع من الجعل فيهما، غاية الأمر أنّه في معلومي النجاسة يكون لفقدان الشرط الثاني، و في معلومي الطهارة يكون لفقدان شرطين و هما الثاني و الثالث.

و على مبنى عدم التنزيل و كون الاصول على نهج واحد يفرق بين معلومي الطهارة و بين معلومي النجاسة بجريان استصحاب النجاسة في الثاني إذا علم إجمالا بطهارة أحدهما لعدم مانع من الجعل، فالشروط الثلاثة المعتبرة في جريان الاصول من الشك و عدم المانع من الجعل و عدم لزوم المعصية موجودة، و عدم جريان استصحاب الطهارة في معلومي النجاسة إذا علم بطهارة أحدهما لفقدان الشرط الثالث أعني لزوم الترخيص في المعصية.

28

و نظير المقام في عدم جريان الاصول النافية في أطراف العلم الإجمالي الفرع المعروف، و هو ما إذا علم إجمالا بترك سجدتين في صلاته، و لم يعلم بكونهما من ركعة أو ركعتين و كان حصول هذا العلم بعد الفراغ و تخلل المنافي، فإنّه يعلم إجمالا إما بوجوب الإعادة، و إمّا بوجوب قضاء السجدتين، فإنّ قاعدة الفراغ لا تجري لمنافاتها للعلم الإجمالي بوجوب أحد الأمرين، لأنّ قاعدة الفراغ تثبت صحة الصلاة و عدم وجوب شي‏ء و هو مناف للمعلوم بالإجمال، و أما قاعدة التجاوز فهي متعارضة لأنّ نسبتها إلى كل ركعة على حد سواء و مقتضاها عدم فوت شي‏ء من سجدات الصلاة فلا يشملها دليل الاعتبار، فتصل النوبة إلى الاصول المحكومة و هي قاعدة الاشتغال التي مقتضاها وجوب الإعادة و أصالة البراءة التي تقتضي عدم وجوب قضاء السجدتين للشك في وجوبهما الذي هو مورد البراءة، فينحل العلم الإجمالي ببركة قاعدة الاشتغال المثبتة لأحد طرفي العلم الإجمالي أعني وجوب الإعادة.

[وجود المقتضي لوجوب الاجتناب‏]

و بالجملة فما أفاده الشيخ (قدّس سرّه)(1) من وجود المقتضي لوجوب الاجتناب عن المعلوم، أعني ترتب الحكم الواقعي على نفس الموضوع من دون دخل للعلم في نفس الحكم و لا في موضوعه، لما عرفت من إطلاق أدلة الأحكام الشامل للجاهل و العالم، و من المعلوم أنّ الحكم الواقعي الثابت على موضوعه تلزم مراعاته في صورة العلم به و لو إجمالا في غاية المتانة، فالترخيص في جميع الأطراف ترخيص في المعصية و هو قبيح على الحكيم، فالاصول النافية لا تجري في جميع الأطراف لفقدان الشرط الثالث فيها و هي عدم استلزامها للترخيص في القبيح العقلي، و هذا من غير فرق بين الاصول التنزيلية و غيرها.

نعم يمكن الإذن في ارتكاب بعض الأطراف بعينه بدليل خاص لكنه خارج عن البحث، ضرورة أنّ هذا الإذن يوجب العلم بكون الماذون فيه هو المباح و غيره‏

____________

(1) فرائد الاصول/ 240.

29

هو الحرام لعلم المولى بالحرام الواقعي، فإذا أذن في ارتكاب واحد معين يستكشف من هذا الإذن أنّ المأذون فيه هو المباح الواقعي، و إن كان الاذن في أحدهما لا بعينه يرجع ذلك إلى جعل البدل و الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية.

ثم الإذن في الواحد المعين إن كان بالقرعة فيحتمل إن تكون كالعلم بالترخيص في المعين لظهور بعض الأخبار في عدم خطأ القرعة، و إن كان بالبينة فيكون من جعل البدل لعدم العلم بإصابتها للواقع.

و كيف كان، فإمكان جعل البدل و الترخيص في بعض الأطراف يكشف عن كون العلم الإجمالي مقتضيا بالنسبة إلى وجوب الموافقة القطعية، و عدم كونه علة تامة لوجوبها كعليتها لحرمة المخالفة القطعية.

و الحاصل أنّ الاصول النافية لا تجري في جميع أطراف العلم الإجمالي لتعارضها إما لقصور الدليل عن شمولها كما في الاستصحاب لمناقضة صدر الروايات و هو قولهم:

«لا تنقض اليقين بالشك» (1) مع الذيل و هو قولهم: «و لكن تنقضه بيقين آخر» حيث إنّ مقتضى الصدر و هو جريان الاستصحاب في معلومي الطهارة إذا علم إجمالا بنجاسة أحدهما لكون كل منهما معلوم الطهارة سابقا و مشكوكها بقاء، ينافي ما يقتضيه الذيل من نقض اليقين باليقين، إذ المفروض العلم بانتقاض يقين الطهارة بيقين النجاسة في أحدهما فمقتضى الصدر جريان الاستصحاب فيهما، و مقتضي الذيل عدم الجريان لكونه من نقض اليقين باليقين، و ليس هذا إلّا التناقض و التهافت بين الصدر و الذيل فيسقط الدليل بالنسبة إلى الاستصحاب في جميع الأطراف، و مع فقدان دليل الاعتبار لا وجه لجريان الاستصحاب، و معنى التعارض هو عدم شمول دليل الاعتبار للمتعارضين لعدم إمكان جمعهما في الجعل كما مرّ مرارا، هذا حاصل الوجه الذي أفاده الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في منع جريان الاصول في تمام الأطراف، و ما ذكره‏

____________

(1) وسائل الشيعة 1/ 245، الحديث 631.

30

يرجع إلى المانع الإثباتي و هو قصور الدليل عن الشمول.

و إمّا لمانع ثبوتي و هو التضاد في الجعل كما هو مبني الميرزا النائيني (قدّس سرّه) حيث إنّ بناءه على كون الاستصحاب أصلا تنزيليا.

تقريب المنع: هو أنّ جعل علمين تعبديين على خلاف العلم الوجداني غير معقول، فإنّ جعل العلم تعبدا بطهارة الإنائين لسبق طهارتهما مع العلم الوجداني بانتقاض الطهارة في أحدهما مما لا يعقل.

و أمّا جريان الأصل في بعض الأطراف فإن كان بالدليل العام فهو غير ممكن، ضرورة أنّه مع العلم بانتقاض اليقين السابق في بعض الأطراف يشك في فردية كل من الأطراف لعموم لا تنقض لاحتمال انطباق الانتقاض المعلوم على كل منهما فيكون فردية كل منها للعام مشكوكة و لا يجوز التمسك بالدليل حينئذ، لكونه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، هذا بالنسبة إلى أحد الأطراف لا بعينه، و أما بالنسبة إلى بعض الأطراف بعينه فوجه عدم شمول الدليل العام له هو قبح الترجيح بدون مرجح كما لا يخفى.

و إن كان بغير الدليل العام فقد يكون بإذن خاص كقوله: أذنت لك في ارتكاب الإناء الأحمر مثلا، و قد يكون بقيام البينة على كون المحرّم خصوص الإناء الأبيض مثلا، فعلى الأول: تخرج الشبهة إلى العلم لأنّ الإذن في ارتكاب المعين مع علم المولى بالنجس مثلا يرفع الاشتباه و يوجب العلم التفصيلي بالمحرم الواقعي.

و على الثاني: قد يقال بكونه من جعل البدل بأن يقال: إنّ البينة إذا قامت على خمرية ما ليس بخمر واقعا و المفروض حجية البينة فلا محالة يصير غير الخمر قائما مقام الخمر فيجب الاجتناب عنه بدلا عن الخمر الواقعي، فالموافقة القطعية حاصلة في هذه الصورة، غاية الأمر أنّ للموافقة القطعية مصداقين: أحدهما وجداني و هو ترك جميع الأطراف أو فعلها، و الآخر تعبدي و هو ما حكم الشارع بكونه خمرا، فالاجتناب عنه كالاجتناب عن الحرام الواقعي إذ المقصود من تنجيز العلم الإجمالي‏

31

هو الفرار عن محذور الهلاكة الاخروية، و هذا الغرض يحصل بالترخيص و التأمين في بعض الأطراف بجعل البدل، لكن الحق عدم المجال لجعل البدل.

[المانع الثبوتي في عدم جريان الاصول في جميع الأطراف‏]

و بالجملة فالاصول لا تجري في جميع الأطراف سواء كان لمانع إثباتي كما هو مبنى الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) أم لمانع ثبوتي كما عن الميرزا النائيني (قدّس سرّه).

و الحق ما أفاده الميرزا النائيني (قدّس سرّه) من كون المانع عن جريان الاصول في أطراف العلم الإجمالي هو المانع الثبوتي أعني التنافي في مقام الجعل دون الإثباتي أي قصور الدليل، و ذلك لأنّ الترخيص في جميع الأطراف ينافي الحرمة المعلومة إجمالا في بعض الأطراف، و إن كان الترخيص في كل طرف بعينه على ما هو قضية الانحلال، لا ينافي الحرمة المعلومة إجمالا، لأنّ مفاد كل أصل في كل طرف شخصي، لا جمعي كما في أصالة الإباحة فيما دار أمر حكمه بين الوجوب و الحرمة فإنّ أصالة الإباحة مع وحدتها تنافي كلا من الحرمة و الوجوب جمعا، و لذا لا تجري في الدوران بين المحذورين، بخلاف المقام فإنّ الأصل في طرف مفاده نفي الحكم عن ذاك الطرف بعينه من دون نظر له إلى نفي الحكم عن الطرف الآخر، و كذا الأصل الجاري في الطرف الآخر.

[عدم جريان الأصل في بعض الأطراف‏]

فالمانع من جعل الاصول في جميع الأطراف هو استلزام هذا الجمع في الجعل للإذن في ارتكاب القبيح و هو الترخيص في المعصية، و هذا مانع ثبوتي يعبر عنه بالتعارض على ما هو الحق في ضابطه من كون التعارض هو التنافي في مقام الجعل و التشريع كما إذا كان شي‏ء واحد ذا مصلحة و مفسدة، فإنّ الاولى تقتضي جعل الوجوب لذلك الشي‏ء و الثانية تقتضي جعل الحرمة له و لا يتمكن المولى من إجابة دعوة هذين المقتضيين معا، فالتعارض عبارة عن تزاحم المقتضيين و تنافي مدلولي الدليلين، و تنافي الدليلين في مرحلة الدلالة و الإثبات تابع لتهافت المدلولين، و أما التزاحم فهو عبارة عن تنافي المجعولين في مقام الامتثال دون أصل الجعل و التشريع.

32

و الحاصل: أنّ المانع في كل من الأصل الذي يكون بوحدته منافيا للمعلوم الإجمالي كأصالة الإباحة و في المقام لا يكون كل أصل بنفسه منافيا للمعلوم بالإجمال واحد و هو المانع عن الجعل و التشريع، غاية الأمر أنّ المانع في الأول يكون في جعل أصل واحد كأصالة الإباحة و في الثاني يكون في مجموع الاصول، و من المعلوم أنّ تنافي المدلولين يستلزم التنافي في مرحلة الدلالة فقصور الدليل عن شموله لجميع الأطراف يكون لأجل قصور في أصل الجعل، و على هذا المبنى لا فرق في عدم جريان الاصول بين استلزام المعصية كما إذا كان المعلوم بالإجمال حكما إلزاميا كالعلم بنجاسة أحد الإنائين اللذين كانا طاهرين و بين عدم استلزامها، كما إذا كان المعلوم غير إلزامي كما إذا علم إجمالا بطهارة أحد الإنائين اللذين كانا متنجسين، فإنّ الاستصحاب لا يجري في كلتا الصورتين مع أنّه لا يلزم من جريانه في الصورة الثانية ترخيص في المعصية، ضرورة أنّه لا يلزم من استصحاب نجاستهما إلّا الاجتناب عن طاهر واقعي، و ذلك لا يضر كما لا يخفى.

هذا تمام الكلام في جريان الاصول جمعا في تمام الأطراف.

[عدم جريان الأصل في بعض الأطراف تخييرا]

و أما جريان الأصل في بعض الأطراف تخييرا بالأدلة العامة كقولهم (عليهم السّلام):

«كل شي‏ء لك حلال ...» (1) و «رفع ما لا يعلمون» (2) و نحو ذلك فقد التزم بعض ببيان أنّ الممنوع هو عدم جريان الاصول جمعا دون جريانها في بعض الأطراف بأن يجري الأصل في بعض حال عدم جريانه في الآخر و بالعكس نظير التخيير في الخبرين المتعارضين و الواجبين المتزاحمين.

و حاصل تقريبه: أنّ الممنوع من جعل الاصول في الأطراف هو إطلاق الجعل بأن يكون الأصل جاريا في كل طرف سواء جرى في الطرف الآخر أم لا، و هذا

____________

(1) وسائل الشيعة 17/ 89، الحديث 22053.

(2) وسائل الشيعة 15/ 369، الحديث 20769.

33

الإطلاق غير مجعول كإطلاق وجوب كل من المتزاحمين فيقيد هذا الإطلاق، و يقال:

الأصل يجري في هذا الطرف إن لم يجر في ذاك، و بالعكس، و هذا لا مانع منه، فبنفس أدلة الاصول يمكن استكشاف جعل التخيير في الاصول.

و بالجملة فلما كان بعض الأصحاب من المتقدمين قائلين بالتخيير في جريان الاصول في أطراف العلم الإجمالي فلا بأس بمزيد اهتمام في بيانه و التعرض له فنقول و به نستعين و بولي أمره (صلوات الله عليه) و على آبائه الطاهرين نتوسل:

أنّه من المسلم كون مفاد الأصل الجاري في كل مشكوك سواء كان مشكوكا بدويا- كما في الشبهة الموضوعية كالشك في خمرية مائع و خليته- أم مقرونا بالعلم الإجمالي- كما في أطراف الشبهة المحصورة التي هي محل البحث شخصيا لا جميعا- فالأصل الجاري في طرف مفاده حلية ذلك الطرف بالخصوص من دون نظر إلى حلّية الطرف الآخر، و كذا الأصل الجاري في الآخر فرتبة الحكم الظاهري من حيث الشك محفوظة في جميع الأطراف كما أنّ من المسلم انحلال القضايا الشرعية كقوله لا تشرب الخمر إلى أحكام عديدة بتعدد أفراد الخمر، إذ مع عدم الانحلال ينسد باب البراءة في الشبهات الموضوعية رأسا إذ مفاد لا تشرب الخمر هو ترك الطبيعة، و من المعلوم عدم تحقق العلم بحصول هذا الترك إلّا بترك كل ما احتمل كونه فردا للخمر فتكون الشبهات الموضوعية أسوأ حالا من الشبهات الحكمية في جريان البراءة، إذ الحكم في الشبهات الحكمية مجهول رأسا فيجري فيه حديث ما لا يعلمون و نحوه بخلاف الشبهات الموضوعية فإنّ أصل الحكم الكلي معلوم و الشك في الموضوع فلا تجري فيها البراءة.

فإجراء البراءة في الشبهات الموضوعية منوط بتسليم الانحلال ليكون الشك في الحكم حتى يرجع فيه إلى البراءة و على هذا التقدير أي الانحلال يسهل الخطب في اللباس المشكوك فيه مع البناء على جريان البراءة في الأقل و الأكثر الارتباطيين، فإنّه‏

34

بعد البناء على هذا المبنى لا بد من الالتزام بجريان البراءة في اللباس المشكوك فيه، لصغروية الشك في كون اللباس مأخوذا من المأكول أو غيره للشبهة الموضوعية فتجري البراءة في تقيد الصلاة بعدم ذلك المشكوك فيه، و الغرض الإشارة إلى أنّ تسليم جريان البراءة في الشبهات الموضوعية و الأقل و الأكثر الارتباطيين ينافي الاحتياط في مسألة اللباس المشكوك فيه.

و كيف كان فبعد تسليم الانحلال، و كون مفاد كل أصل شخصيا و عدم كون جعل مفاد الأصل في بعض الأطراف منافيا لحكم العقل بقبح الترخيص في المعصية لا بد من الالتزام بجريان الأصل في بعض و التخيير في الاصول في أطراف العلم الإجمالي نظير التخيير في الواجبين المتزاحمين.

و أمّا تقريب استفادة التخيير فيمكن أن يكون تارة من الدليل و أخرى من المدلول.

أمّا الأول: فهو أنه يدور الأمر بين التخصيص الأفرادي و الأحوالي و بين التخصيص الأحوالي فقط، و من المعلوم أنّه يتمسك في الشك في التخصيص الزائد بالعموم نظير ما إذا قال: أكرم العلماء، ثم قال: لا تكرم زيدا و عمروا و شك في أنّهما خرجا في جميع الحالات بأن لا يريد إكرامهما مطلقا أو في حال دون حال بأن أراد عدم إكرام كل منهما في ظرف إكرام الآخر، لا أنّه أراد عدم إكرام كل منهما مطلقا سواء أكرم الآخر أم لا، و المتيقن من التخصيص هو الأول دون الثاني، فيقتصر عليه، و المقام كذلك لأنّه يدور الأمر بين تخصيص أدلة البراءة بالطرفين معا بأن لا تجري في شي‏ء منهما مطلقا و بين تخصيصها بأحدهما في ظرف جريانها في الآخر فيقال: إنّ البراءة لا تجري في هذا الطرف إن جرت في الآخر و بالعكس، نظير قوله في المتزاحمين أنقذ هذا إن لم تنقذ ذلك و بالعكس، بناء على كون التخيير شرعيا ناشئا من نفس الخطابين بعد سقوط منشأ التزاحم و هو إطلاقهما دون نفسهما لأنّ الضرورات تتقدر

35

بقدرها.

و أمّا الثاني: فهو أنّ المصلحة التسهيلية لا يمكن استيفاؤها في جميع الأطراف فتستوفى بمقدار الإمكان و هو بالنسبة إلى بعض الأطراف بجريان الأصل فيه، نظير باب التزاحم بناء على كون التخيير ناشئا من حكم العقل به لأجل تمامية الملاكين، و عدم القدرة على استيفائهما معا لا يوجب رفع اليد عنهما معا فيكون التخيير حينئذ عقليا لسقوط الخطابين معا و بقاء الملاكين، هذا حاصل تقريب وجه التخيير من الدليل و الكاشف أو المدلول و المنكشف.

لكن في التقريب المزبور مغالطة واضحة إذ لا سبيل إلى استفادة التخيير لا من المدلول و لا من الدليل.

و أمّا الأول: فلأنّ مفاد إطلاق أدلة الاصول هو التعيينية و جريان الأصل في كل طرف بعينه، و التخييرية مضادة للتعيينية و مباينة لها مفهوما فلا تدل أدلة الاصول على التخييرية.

و دعوى: إرادة الخطابين المشروطين التعيينيين من أدلة الاصول بتقريب: أنّ إطلاق المجعول في الاصول لما كان مقتضيا للجمع لأنّها بمنزلة أن يقال: هذا الإناء حلال سواء كان الإناء الآخر حلالا أم لا، و كذا العكس، و من المعلوم أنّ هذين الإطلاقين غير مجعولين لاستلزامهما لمحذور الترخيص في ارتكاب القبيح العقلي و هو المعصية، و مقتضى تقدير الضرورة بقدرها هو رفع اليد عن منشأ التعارض و التنافي أعني الإطلاقين دون أصل الخطابين لعدم نشوء التهافت عنهما فيكون المحصل حينئذ أنّ الأصل يجري في هذا الطرف إن لم يجر في ذلك، و بالعكس فينقلب إطلاق الخطاب إلى الاشتراط، و هذا هو المراد بالتخيير.

مدفوعة: بما اشتهر في محله من أنّ الحكم المشروط يصير مطلقا بحصول الشرط، و من المعلوم أنّ لازم ذلك حجيّة الأصلين معا في كلا طرفي العلم الإجمالي إذا

36

ترك كلا الطرفين إذ المفروض أنّ جريان الأصل في كل منهما كان مشروطا بعدم جريانه في الآخر فإذا لم يجر العبد شيئا من الأصلين في الطرفين بأن ترك الطرفين معا، يحصل شرط جريان كل من الأصلين فيكون الأصلان كلاهما معتبرين، و قد عرفت أنّهما يستلزمان الترخيص في المعصية.

أمّا الثاني: فلأنّه في صورة العلم الإجمالي بالحرام لا يحرز المصلحة التسهيلية أصلا إذ لا طريق إلى استكشافها مع العلم إجمالا بالحرام الموجب لتنجز وجوب الاجتناب عنه و المفروض أنّ الحكم بالتخيير منوط بإحراز وجود الملاك التام في كل واحد من الأطراف حتى تكون تمامية الملاكين كاشفة عقلا عن وجود خطاب تخييرى بعد فرض عدم قدرة العبد على استيفاء كليهما، و وجود هاتين المصلحتين التسهيليتين في المقام أعني صورة العلم الإجمالي بالحرام غير معلوم بل معلوم العدم لأنّ المشكوك المطابق للواقع لا مصلحة فيه أصلا، لأنّ الترخيص فيه يكون إذنا في المعصية المحتملة إذ المفروض تنجز الخطاب الواقعي بالعلم الإجمالي فيندرج الأصلان حينئذ في باب التعارض و لا وجه لمقايستهما بباب الواجبين المتزاحمين، إذ المفروض العلم بتمامية الملاكين فيهما بعد وضوح دخل القدرة في حسن الخطاب فقط و عدم ارتباطهما بالملاك أصلا، فالملاك التام موجود في كل من المتزاحمين سواء قدر العبد على استيفائهما معا أم لا، و هذا بخلاف الترخيص في أطراف العلم الإجمالي فإنّ المصلحة الداعية إلى جعل الترخيص و الإذن ليست محرزة في كل واحد من الأطراف كما كانت كذلك في الواجبات المتزاحمة.

و بالجملة فلا طريق إلى إحراز جريان الاصول تخييرا في أطراف العلم الإجمالي.

فتلخص مما ذكرنا عدم الوجه في جريان الاصول جمعا في أطراف العلم الإجمالي، و لا تعيينا في بعض الأطراف و لا تخييرا، و شبهة التخيير مندفعة جدا،

37

فتدبر.

[ما أفاده الميرزا النائيني (قدّس سرّه) في دفع شبهة التخيير، و الرد عليه‏]

و أمّا دفع شبهة التخيير بما أفاده الميرزا النائيني (قدّس سرّه) من عدم شاهد عليه لا من ناحية الدليل و لا من ناحية المدلول بما محصله: أنّ مقتضى الدليل هو اعتبار كل أصل تعيينا و ليس في الأدلة ما يقتضي جريانه تخييرا هذا من ناحية الدليل، و أما انتفاء الشاهد من طرف المدلول فحاصل تقريبه: أنّ انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري منوط بامور ثلاثة:

الأول: الشك. و الثاني: الجعل. و الثالث: عدم لزوم المخالفة القطعية العملية.

و الأمر الأول و إن كان محفوظا في جميع أطراف العلم الإجمالي إلّا أنّ الأمر الثاني مفقود في الاصول التنزيلية، و الثالث في غير التنزيلية، و مفاد الأصل و هو تطبيق العمل على مؤداه مع البناء على أنّه الواقع كما في الاصول التنزيلية أو بدون هذا البناء كما في الاصول غير التنزيلية غير متطرق في جميع الأطراف، لعدم انحفاظ الأمر الثالث و هو عدم المخالفة القطعية، و في بعض الأطراف لا دليل عليه، و إن كان ممكنا فلا شاهد على التخيير بين الاصول في أطراف العلم الإجمالي لا من ناحية الدليل و لا من ناحية المدلول.

ففيه: ما لا يخفى لما عرفت من إمكان إقامة الشاهد على التخيير من ناحية كل من الدليل و المدلول:

أمّا الدليل: فلأنّه بعد عدم إمكان الأخذ بإطلاق أدلة اعتبار الاصول في أطراف العلم الإجمالي، لاستلزام الإطلاق المقتضي لجريان الأصل بعينه في كل طرف سواء جرى الأصل في الطرف الآخر أم لا للمخالفة القطعية، يصير حكم العقل الضروري بقبح المعصية مخصصا عقليا مكتنفا بالكلام للإطلاق الأحوالي الثابت لاعتبار كل أصل، و بعد تقييد هذا الإطلاق تكون النتيجة اعتبار كل أصل في ظرف عدم الآخر، و قد قرر في محله: أنّه إذا دار الأمر بين تخصيص و تخصيصين فالمتيقن هو

38

الأقل و ينفى الشك في التخصيص الزائد بأصالة العموم، و في المقام يدور الأمر بين تخصيص أدلة الاصول في أطراف العلم الإجمالي أفراديا و أحواليا بحيث لا تجري فيها في حال من الحالات و بين تخصيصها أفراديا فقط بأن خرج الأصل في بعض الحالات و هو حال جريان الأصل في الطرف الآخر على التقريب الذي عرفته.

و بالجملة فالشاهد على التخيير من ناحية الدليل موجود، و أما من ناحية المدلول فلما عرفت من أنّ المصلحة التسهيلية تقتضي جريان الاصول تخييرا، فما أفاده الميرزا النائيني (قدّس سرّه) في دفع الشبهة المزبورة مما لا يمكن المساعدة عليه‏ (1).

بل يمكن أن يقال بالتخيير في الاصول مطلقا حتى في التنزيلية منها و أنّ المانع هو المخالفة القطعية فقط، إذ الممنوع من جعل الاصول التنزيلية هو جعلها جمعا لمنافاتها للمحذور العقلي، و أما جعل أحدها تخييرا كاستصحاب النجاسة في أحد الإنائين اللذين علم بطهارة أحدهما فلا ينافي العلم الإجمالي بطهارة أحدهما كما لا يخفى.

فالعمدة في دفع شبهة التخيير في الاصول ما ذكرناه من عدم إحراز المصلحة التسهيلية في أطراف العلم الإجمالي إذ لا طريق إلى إرادة الشارع هذه المصلحة مطلقا حتى موارد العلم الإجمالي، و مع عدم إحرازها يشك في وجود ما يقتضي الجعل، فالمانع من الجعل عدم المقتضي، هذا تقريب انتفاء الشاهد من ناحية المدلول.

و أمّا انتفاؤه من ناحية الدليل فلأنّ ارتفاع الإطلاق الأحوالي إن كان بتقييد إطلاق كل من دليلي اعتبار الأصلين مثلا ليكون خطاب كل من الأصلين مشروطا بعدم الآخر كغيره من الخطابات التعيينية المشروط كل منها بعدم متعلق الآخر.

____________

(1) أقول: و يرد عليه مضافا إلى ما أفاده الاستاذ (مد ظله) أنّه في أثناء بيان وجه انتفاء الشاهد من ناحية المدلول اعترف بأنّ التخيير و إن كان ممكنا إلّا أنّه لا دليل عليه، فخلط بين وجهي انتفاء الشاهد من ناحية الدليل و المدلول فلاحظ.

39

[الترخيص في بعض الأطراف بنحو البدل‏]

ففيه: أنّ لازم ذلك حجية الأصلين معا في ظرف الاجتناب عن الطرفين معا لحصول شرط كل من الأصلين، و قد عاد المحذور و هو الترخيص في المعصية كما هو واضح.

و إن كان بتقييد أحدهما المعين دون الآخر ففيه: أنّه ترجيح بلا مرجح حتى المرجح الخارجي لا الذاتي.

و إن كان بتقييد أحدهما لا بعينه ففيه: أنّه يكون من قبيل اشتباه الحجة باللاحجة فيسقط دليل الاعتبار رأسا إذ لا يعلم المشروط الذي هو الحجة من غيره الذي ليس بحجة.

و إن كان بنحو التخيير لا الاشتراط فحيث أنّ التخيير فرع إحراز المقتضي بالكسر و تماميته كما في انقاذ الغريقين المؤمنين، و قد عرفت عدم إحراز المقتضي في المقام فلا وجه للحكم بالتخيير فيه فما هو الممكن أعني التخيير لا يدل عليه الدليل، و ما يدل عليه الدليل أعني التعيينية غير ممكن.

فتلخص مما ذكرنا عدم جريان الاصول جمعا للزوم المخالفة القطعية العملية و لا تخييرا لعدم الدليل و إن كان ممكنا عقلا، و عليه فالعلم الإجمالي علة تامة لحرمة المخالفة القطعية و مقتض لوجوب الموافقة القطعية، لإمكان جريان الأصل النافي في بعض الأطراف إن قام دليل عليه، فإنّ العلم الإجمالي بالتكليف ليس بأولى من العلم التفصيلي به مع وضوح جريان الأصل فيه كما في جريان قاعدة التجاوز، فإنّ المشكوك فعله من أجزاء الصلاة مع العلم بوجوبه تفصيلا تجري فيه قاعدة التجاوز النافية لوجوب تدارك المشكوك فيه.

إيقاظ: لا يخفى أنّه بناء على كون المانع من جريان الاصول لزوم المخالفة القطعية يلزم جريان الأصل في بعض أطراف العلم الإجمالي إذا فقد أو تلف البعض‏

40

الآخر منها لعدم العلم بالمخالفة حينئذ مع أنّ بنائهم على عدم الجريان و لزوم الاجتناب عن الباقي، و هذا لا يستقيم إلّا بناء على كون المانع عن جريان الاصول نفس العلم بالتكليف لا المخالفة القطعية.

ثم إنّه أنّه قد ظهر مما ذكرنا عدم المجال لاستفادة الترخيص في بعض الأطراف تخييرا من الأدلة العامة كحديثي الرفع‏ (1) و الحجب‏ (2) و غيرهما، فهل يمكن الترخيص في البعض بالأدلّة الخاصّة أم لا؟ فنقول: إن دلّ الدليل الخاص على الترخيص في البعض المعين فلا إشكال في إمكانه و عدم لزوم محذور عقلي، لكنه يوجب ارتفاع الإجمال و تبدل العلم الإجمالي بالتفصيلي لعدم تعقل الإذن في ارتكاب الحرام الواقعي المنجز ممن يعلم بالواقع، فالإذن في ارتكاب أحد الأطراف بعينه يوجب انحلال العلم الإجمالي بالتفصيلي و هو خارج عن مفروض البحث.

و إن كان دالا على الترخيص في بعض الأطراف تخييرا فهو مما لا يمكن الإذعان به مع فرض تنجيز العلم الإجمالي الذي معناه تنجز احتمال انطباق المعلوم بالإجمال على كل طرف، إذ بعد ما تقدم من كون فعلية الحكم بفعلية الموضوع و عدم دخل شي‏ء فيه، و بعد صيرورة العلم دخيلا في التنجز و لزوم رعاية الاحتمال في الأطراف، لكون الاحتمال في كل طرف بمنزلة العلم لا يعقل الترخيص في بعض الأطراف.

و دعوى: عدم منافاة الترخيص المزبور للعلم الإجمالي المنجز كما عن الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(3) بتقريب: أنّ الإذن في ارتكاب الحرام الواقعي لا يقبح مع جعل البدل بجعل الحلال الواقعي بدلا عنه، فالمفسدة التي تترتب على ارتكاب الحرام‏

____________

(1) وسائل الشيعة 15/ 369، الحديث 20769.

(2) وسائل الشيعة 27/ 163، الحديث 33496.

(3) فرائد الاصول/ 242.

41

الواقعي مجبورة باجتناب الحلال الواقعي، فالعلم الإجمالي منجز غاية الأمر أنّ للامتثال نحوين:

أحدهما: الامتثال الوجداني الحاصل في العلم الإجمالي بترك جميع الأطراف، و في العلم التفصيلي بترك المعلوم تفصيلا.

و الآخر: الامتثال التعبدي الحاصل باجتناب ما جعله الشارع بدلا عن الحرام الواقعي.

و بالجملة الشارع يريد امتثال الحكم المعلوم إجمالا إما بنفسه و إما ببدله، فجعل البدل لا ينافي منجزية العلم الإجمالي أصلا، بل يؤكده.

غير مسموعة: بأنّ جعل البدل و إن كان ثبوتا بمكان من الإمكان، إذ لا يمتنع أن يكون الاجتناب عن الحلال في ظرف الشك و عدم العلم التفصيلي بالحرام واجدا لمصلحة توجب تدارك المفسدة المترتبة على ارتكاب الحرام كما في جعل التيمم بدلا عن الطهارة المائية في ظرف عدم التمكن منها دون سائر الحالات، فيكون بدلا ما دام العذر عن استعمال الماء باقيا، و لذا تقضى الصلاة التي فاتت في حال عدم القدرة على الطهارة المائية مع الوضوء أو الغسل لأنّ التيمم بدل موقت و محدود بالعذر، فمع ارتفاعه لا بدلية فيه.

لكن لا دليل على جعل البدل فيما نحن فيه، و إن كان اشتمال الاجتناب عن الحلال الواقعي على المصلحة في ظرف الشك بعيدا أيضا، فالإشكال على جعل البدل هو عدم الدليل عليه، و استبعاد اشتمال الاجتناب عن الحلال على المصلحة، لا ما قيل: من أنّ لازم جعل البدل وجوب الاجتناب عن الحلال الواقعي حتى بعد انكشاف كون مورد الارتكاب الحرام الواقعي و أنّ الباقي هو الحلال الواقعي، و ذلك لما عرفت من اقتصار البدلية بحال الشك كبدلية التيمم في خصوص حال العذر عن الطهارة المائية، فبعد الانكشاف لا يجب الاجتناب عن الحلال الواقعي كما أنّه يجب‏

42

عليه ترتيب آثار النجس على ما ارتكبه.

فتلخص مما ذكرنا أنّه بناء على مبنى فعلية الحكم بفعلية موضوعه و تنجزه بالعلم لا محيص عن الالتزام بعلية العلم الإجمالي كالتفصيلي لكل من وجوب الموافقة و حرمة المخالفة كذلك، و يستقيم حينئذ ما تقدم من بنائهم على وجوب الاجتناب عن الباقي الموجود في صورة تلف بعض الأطراف، و إلّا فيمكن أن يقال بعدم وجوب الاجتناب عما بقى من الأطراف لعدم العلم الإجمالي حينئذ لاحتمال أن يكون التالف هو الحرام، فالبناء على وجوب الاجتناب عن الباقي لأجل تنجز الاحتمال بالعلم الإجمالي، و لا يلائم بناؤهم على وجوب الاجتناب عن الباقي في صورة تلف البعض حكمهم بإمكان الترخيص في بعض الأطراف معللين له بأنّه لا يلزم مخالفة قطعية من الترخيص في البعض، و وجه عدم الملاءمة واضح جدا.

و أمّا ما إفادة المحقق الخراساني (قدّس سرّه)(1) في وجه التنجيز و عدم جواز الترخيص في بعض الأطراف و أنّ العلم الإجمالي علة تامة لكل من وجوب الموافقة القطعية و حرمة المخالفة كذلك من عدم قصور في العلم و انما القصور في المعلوم، فإن كان الحكم فعليا من جميع الجهات أي تجب مراعاته حتى في ظرف الشك فيه، فالعلم الإجمالي حينئذ كالتفصيلي في العلية للجهتين، و إلّا فيجوز الترخيص في جميع الأطراف فضلا عن البعض.

ففيه: أنّ الفعلية تدور مدار فعلية الموضوع كما حقق في محله.

فصار المتحصل من جميع ما ذكرنا بعد الالتزام بفعلية الحكم بوجود موضوعه، و إلّا يلزم الخلف و المناقضة، و عدم دخل العلم في الحكم و لا في موضوعية الموضوع.

أمّا الأول: فلاستلزامه التصويب.

____________

(1) كفاية الاصول/ 358.

43

و أمّا الثاني: فلإطلاق أدلة الأحكام الشامل للعلم بموضوع الحكم كالخمر و البول و الجهل به، أنّ العلم الإجمالي إذا كان علما بالحكم الفعلي يكون منجزا لا محالة و لا مجال معه للترخيص في جميع اطرافه لكونه ترخيصا في المعصية و لا في البعض لكونه ترخيصا في المعصية المحتملة إلّا بناء على جعل البدل.

و لكن قد عرفت عدم دلالة دليل عليه و سيأتي إن شاء اللّه تعالى بيان ما له دخل في كون العلم الإجمالي علما بالتكليف الفعلي ليكون العلم منجزا له من الشرائط الدخيلة في ذلك المحققة لموضوع حكم العقل باستحقاق العقاب على مخالفته من كون الأطراف موردا للابتلاء و غيره.

و بالجملة المدار في منجزية العلم الإجمالي هو كونه علما بالتكليف الفعلي، لأنّ التكليف حينئذ يصير منجزا.

[تفصيل صاحب الحدائق (قدّس سرّه) بين كون المشتبهين تحت حقيقة واحدة و غيره‏]

إذا عرفت هذه الامور تعرف عدم الوجه في تفصيل بعض الأصحاب كصاحب الحدائق (قدّس سرّه)(1) في منجزية العلم الإجمالي بين كون المشتبهين مندرجين تحت حقيقة واحدة و غير ذلك بالتنجيز في الأول دون الثاني.

و تأييد هذا التفصيل بما اختاره صاحب المدارك (قدّس سرّه)(2) من عدم وجوب الاجتناب عن الإناء إذا شك في وقوع النجاسة فيه أو في خارجه بتقريب: أنّ العلم الإجمالي إن كان منجزا مطلقا لم يكن وجه لعدم وجوب الاجتناب هنا، فيكشف الالتزام بعدم وجوب الاجتناب فيه عن اعتبار اندراج المشتبهين تحت حقيقة واحدة، و ليس الماء و ظهر الإناء مندرجين تحت حقيقة واحدة فلا يجب الاجتناب هنا.

و فيه ما لا يخفى، فإنّ الأصل في كلام صاحب المدارك (قدّس سرّه) هو صحيح علي بن‏

____________

(1) الحدائق الناضرة 1/ 517.

(2) المدارك 1/ 108.

44

جعفر (عليه السّلام)(1) فيمن رعف فصار الدم قطعا صغارا فأصاب الإناء فقال (عليه السّلام) بعدم وجوب الاجتناب عن الإناء إن لم يستبن فيه شي‏ء من الدم.

و من المعلوم أنّه يحتمل وجوها:

أحدها: أن يكون عدم وجوب الاجتناب لأجل كون موضوع وجوب الاجتناب الدم المرئي، بمعنى أن يكون بمثابة يمكن رؤيته فإن لم يكن بهذه المثابة لصغره لا يكون موضوعا لحكم الشارع، فلا يكون العلم حينئذ متعلقا بموضوع حكم شرعي.

ثانيها: أن يكون عدم وجوب الاجتناب عن الإناء لأجل فقدان بعض الامور الدخيلة في كون العلم الإجمالي علما بالتكليف الفعلي كعدم الأثر، لما سيأتي إن شاء اللّه تعالى من اعتبار وجود الأثر لكل واحد من الأطراف إذا كان المعلوم بالإجمال منطبقا عليه، و ليس المقام كذلك لأنّه في صورة انطباق النجس على ظهر الإناء فلا يترتب عليه أثر شرعي، بل الأثر الشرعي ثابت لخصوص ما في الإناء من الماء من عدم جواز شربه و التوضؤ به و غيرهما، فعدم وجوب الاجتناب عن الإناء حينئذ يكون لأجل عدم كون هذا العلم الإجمالي علما بالتكليف الفعلي فوجود هذا العلم كعدمه في عدم ترتب الأثر الشرعي عليه.

ثالثها: أن يكون عدم وجوب الاجتناب عن الإناء لأجل أنّ طرف العلم الإجمالي الأرض التي لا يترتب عليها أثر شرعي لكونها من المعادن مثلا، فلا يجوز التيمم بها و لا السجود عليها و يتعين التوضؤ، فيكون هذا الوجه نظير الوجه الثاني، غاية الأمر أنّ ذلك الوجه كان في فرض طرفية ظهر الإناء للإناء، و هذا الوجه في صورة طرفية الأرض المجاورة للإناء التي يحتمل وقوع الدم عليها، و إلّا فلو كان للأرض أثر شرعي كالسجود عليها فلا محيص عن وجوب الاجتناب عن كل من‏

____________

(1) وسائل الشيعة 1/ 150، الحديث 375.

45

الأرض و الإناء، لكون العلم الإجمالي حينئذ علما بالتكليف الفعلي و لو أراد استعمالهما في تحصيل الطهارة مع انحصار الماء و الأرض فيهما فليقدم التيمم على استعمال الماء، لأنّه إن قدم الوضوء ثم تيمم بالأرض لم يحصل له علم بالطهارة المسوغة للدخول في الصلاة، إذ لو كان الماء نجسا فقد تنجس مواضع التيمم و لا يصح التيمم مع نجاسة محاله.

و الحاصل أنّه مع هذه الاحتمالات كيف يسوغ جعل الصحيحة المزبورة مؤيدة لما ذكره صاحب الحدائق (قدّس سرّه).

[كون المدار في تنجيز العلم الإجمالي على كونه علما بالتكليف الفعلي‏]

فالحق أنّ المدار على كون العلم الإجمالي علما بالتكليف الفعلي، من دون فرق بين كون المشتبهين من أفراد حقيقة واحدة و بين كونهما من أفراد حقيقتين مختلفتين فإن لم يكن العلم الإجمالي علما بالحكم الفعلي فلا يجب الاجتناب عن شي‏ء من الأطراف بل يجوز ارتكاب جميعها لكون التكليف مشكوكا فيه، فتجري فيه البراءة و يخرج عن مورد أصالة الاشتغال.

نعم إذا لم يكن العلم الإجمالي علما بالتكليف الفعلي إما لحصوله في مورد لا يترتب عليه أثر شرعي كما إذا علم إجمالا بوقوع قطرة بول أو دم في أحد الإنائين اللذين علم تفصيلا بتنجس أحدهما بالبول، أو علم إجمالا إما بترك ركوع أو سجدة واحدة أو القراءة أو التشهد في صلاته و إما بترك القنوت و نحوه مما لا يترتب على تركه أثر من وجوب إعادة الصلاة أو وجوب قضاء المتروك نسيانا أو وجوب سجود السهو، فإنّ هذا العلم الإجمالي ليس علما بالحكم الفعلي، إذ لم يعلم ترك ما يترتب عليه الأثر الشرعي من ترك ركن أو غيره مما له القضاء أو سجود السهو حتى يعلم بالحكم الفعلي.

و إما لانحلاله كما إذا علم إجمالا بوقوع قطرة دم في أحد الإنائين ثم علمنا تفصيلا أو قامت البينة على نجاسة أحدهما المعين بحيث يحتمل وقوع القطرة فيه،

46

فحينئذ ينحل العلم الإجمالي.

و معنى انحلاله تبدل الصورة العلمية بالشك لصيرورة المعلوم إجمالا معلوما تفصيليا و شكا بدويا في الطرف الآخر، فحينئذ لا مانع من جريان الأصل النافي فيه، فالانحلال يكون حقيقيا دائما و يكون الانحلال مثل حدوث العلم بلا أثر في عدم كونه موجبا للعلم بالحكم الفعلي، غاية الأمر أنّه في الصورة الاولى لا نعتقد بكونه مؤثرا و منجزا من أوّل الأمر و في الثانية نعتقد بكونه ذا أثر لكن بعد هذا الاعتقاد ينكشف خطأ الاعتقاد.

[ضابط المميز لانحلال العلم الإجمالي‏]

و الضابط المميّز للانحلال عن حدوث العلم غير مؤثر هو أنّ المنجز للتكليف في بعض الأطراف إن كان سابقا على حدوث العلم كان العلم حادثا من دون أن يكون مؤثرا و إن كان متأخرا عنه ينحل به العلم الإجمالي.

تفصيله: أنّ المنجز السابق تارة يكون علما تفصيليا و اخرى يكون علما إجماليا، و ثالثة يكون أمارة، و رابعة يكون أصلا شرعيا تنزيليا أو غيره ففي جميع هذه الصور لا يكون لهذا العلم الإجمالي المتأخر أثر.

أمّا الأول: فهو كما إذا علم تفصيلا بنجاسة أحد الإنائين في يوم الخميس مثلا ثم علم إجمالا في يوم الجمعة بوقوع قطرة دم في ذلك الإناء أو إناء آخر.

و أمّا الثاني: فهو كما إذا علم إجمالا يوم الخميس بنجاسة أحد الإنائين بالدم و في يوم الجمعة علم إجمالا أيضا بوقوع قطرة دم إما في أحد هذين الإنائين و إما في إناء آخر بحيث يكون أحد الإنائين طرفا في كلا العلمين.

و أمّا الثالث: فهو كما إذا قامت البينة في يوم الخميس على نجاسة إناء معين و علم إجمالا في يوم الجمعة بوقوع قطرة دم إما في ذلك الإناء الذي قامت البينة على نجاسته و إما في إناء آخر.

و أمّا الرابع: فهو كما إذا كان إناء في يوم الخميس مستصحب النجاسة و علم في‏

47

يوم الجمعة بوقوع قطرة من الدم إما في ذاك الإناء و إما في إناء آخر.

هذا في الأصل التنزيلي، و أمّا الأصل غير التنزيلي فهو كما إذا وجب الاجتناب عن شي‏ء لكونه من الأموال التي يجب الاجتناب عنها شرعا عند الشك فيها لانقلاب أصالة البراءة فيها إلى أصالة الاحتياط، ثم علم إجمالا إما بغصبية ذلك الشي‏ء و إما بغصبية شي‏ء آخر، ففي جميع هذه الصور يحدث العلم الإجمالي غير مؤثر، إذ لو كان المعلوم بالإجمال منطبقا على الطرف الذي صار واجب الاجتناب بالمنجز السابق على العلم الإجمالي فلا يحدث بسبب هذا العلم الإجمالي المتأخر عن المنجز السابق أثر شرعي، و إن كان منطبقا على الطرف الآخر فهو مشكوك يجري فيه الأصل النافي من دون معارض لعدم جريان الأصل النافي في الطرف الذي تنجز وجوب الاجتناب عنه سابقا حتى يعارض الأصل الجاري في الطرف الآخر.

و بالجملة فالمنجز السابق سواء كان علما تفصيليا أم أمارة أم أصلا شرعيا تنزيليا أو غيره أم أصلا عقليا كما إذا كان المنجز السابق علما إجماليا يمنع عن تأثير العلم الإجمالي اللاحق، لكن هذا في صورة اشتراك المعلوم إجمالا و ما ثبت تنجزه بالمنجز السابق من حيث الأثر كما إذا كان المنجز السابق و ما علم بالعلم الإجمالي المتأخر، وجوب الاجتناب عن الدم مثلا دون ما إذا كان للمعلوم بالإجمال أثر زائد كما إذا كانت النجاسة الاولى الدم و النجاسة المعلومة إجمالا البول، فإنّه منجز كما لا يخفى.

و إن كان المنجز في بعض الأطراف متأخرا عن العلم الإجمالي عكس الفرض الأول أعني حدوث العلم غير ذي أثر فينحل به العلم الإجمالي سواء كان المنجز اللاحق علما تفصيليا كما إذا علم إجمالا بوقوع قطرة دم في أحد إناءين في يوم الخميس ثم حصل علم تفصيلي في يوم الجمعة بنجاسة أحدهما بعينه في يوم الأربعاء أو قامت أمارة على نجاسته أو أصل شرعي تنزيلي كما إذا حصل له العلم التفصيلي بنجاسته‏

48

يوم الثلاثاء و شك في بقاء نجاسته و ارتفاعها، فاستصحبت نجاسته، أو غير تنزيلي كما إذا ظهر كون أحد الطرفين من الدماء أو الأموال التي يجب الاحتياط فيها شرعا، أو أصل عقلي كما إذا تبين كون أحدهما طرفا في العلم الإجمالي السابق على هذا العلم الإجمالي، فإنّ العلم الإجمالي في جميع هذه الصور ينحل بالمنجز اللاحق بشرط أن يكون الثابت تنجزه بالمنجز اللاحق متقدما زمانا على زمان المعلوم إجمالا كالأمثلة المتقدمة، و إلّا فلا ينحل العلم الإجمالي، و لذا لا يحكم بالانحلال فيما إذا علم إجمالا بنجاسة أحد الإنائين بالدم يوم الخميس، ثم علم تفصيلا يوم الجمعة بوقوع قطرة دم في أحدهما المعين في يوم الجمعة فإنّه لا ينحل بهذا العلم التفصيلي المتأخر معلومه عن زمان المعلوم بالإجمال العلم الإجمالي السابق، لاحتمال كونه هو الإناء الذي وقع فيه الدم يوم الخميس، فإحداث هذا العلم التفصيلي للتكليف غير معلوم حتى ينحل به العلم الإجمالي الأول.

[في أنّ حقيقة الانحلال تبدل العلم بالحكم الفعلي بالشك فيه‏]

فتحصل أنّ حقيقة الانحلال عبارة عن تبدل العلم بالتكليف بالشك فيه، و حيث إنّ كل حكم تابع لفعلية موضوعه سواء كان واقعيا أم ظاهريا فإذا كان عالما بالتكليف ثم زال منشأ علمه فتبدل العلم بالشك كان الحكم الفعلي تابعا للشك، و كذا لو كان شاكا أوّلا ثم صار عالما فإنّ الحكم الفعلي تابع للحالة الفعلية.

فظهر مما سبق أنّه ليس معنى الانحلال عبارة عن تبدل الصورة العلمية و زوالها، ضرورة أنّ المدار في التنجيز ليس على بقاء تلك الصورة، بل على بقاء العلم بالحكم الفعلي لانفكاك التنجيز عن العلم الإجمالي أحيانا مع بقاء الصورة العلمية على حالها، كالأمثلة التي عرفتها في الانحلال بسبب المنجز الطارئ كما إذا علم إجمالا بنجاسة أحد الإنائين في يوم الجمعة، ثم علم تفصيلا بنجاسة أحدهما المعين في يوم الخميس، فإنّ الصورة العلمية و هي العلم إجمالا بوقوع النجاسة في أحدهما باقية حتى بعد العلم التفصيلي بنجاسة أحدهما المعين يوم الخميس، و مع ذلك لا يبقى أثر

49

لهذا العلم الإجمالي بعد حصول ذلك العلم التفصيلي بالانحلال، لتبدل العلم بالتكليف بالشك فيه، لأنّه بعد تحقق العلم التفصيلي لا يكون العلم الإجمالي علما بالتكليف على كل تقدير، إذ لو وقعت القطرة من الدم في الإناء الذي علم تفصيلا بنجاسته فلا تؤثر شيئا نظير وقوعها في البالوعة، نعم إن وقعت في الإناء الآخر تؤثر في وجوب الاجتناب عنه، لكن وقوعها فيه مشكوك فيصير وجوب الاجتناب بالنسبة إليه مشكوكا فتجري فيه قاعدة الطهارة مثلا بلا معارض لعدم جريانها في المعلوم تفصيلا وجوب الاجتناب عنه، و قد عرفت أنّ الحكم الفعلي تابع لموضوعه الفعلي، و المفروض أنّه بعد حصول العلم التفصيلي بنجاسة أحدهما المعين يصير المعلوم بالإجمال- أعني وقوع القطرة في أحدهما- مشكوك التأثير في وجوب الاجتناب، فيصير موضوع الحكم الظاهري أي الترخيص فعليا فتجري الاصول النافية بلا معارض، و قد تقدمت أمثلة انحلال العلم الإجمالي بالمنجز المتأخر عنه من العلم التفصيلي و الإمارة و الأصل التنزيلي و غيره، و لم يناقش فيها إلّا في خصوص ما إذا كان المنجّز المتأخر علما إجماليا كما إذا علم إجمالا بنجاسة أحد الإنائين يوم الجمعة ثم علم إجمالا بنجاسة أحد هذين أو إناء آخر يوم الخميس، فإنّه وقع الكلام في انحلال العلم الإجمالي الأول بالثاني و عدمه.

و وجه المناقشة في الانحلال حينئذ هو أنّ العلم الإجمالي الثاني حدث بعد تنجيز العلم الأول و تأثيره في وجوب الاجتناب عن الإنائين، و قد قرّر في محلّه أن العلم اخذ موضوعا بالنسبة إلى الأحكام العقلية كالتنجيز، فإذا تنجز وجوب الاجتناب بمنجز سابق و هو العلم الإجمالي الحاصل في صبح يوم الجمعة المتقدم على العلم الإجمالي الحاصل في زوالها فلا يرتفع التنجيز بالعلم اللاحق.

لكن التحقيق عدم الفرق بين الموارد المتقدمة في الانحلال، و أنّ العلم الإجمالي اللاحق كالعلم التفصيلي، و الأمارة و الأصل في رفع الأثر عن العلم الإجمالي السابق‏

50

من دون تفاوت بينها أصلا، ضرورة أنّ العلم إنما يكون حجة بما أنّه كاشف و طريق لا بما هو صفة، فحينئذ يكون المدار في التنجيز على تقدم المحكي و المنكشف لا تقدم الكاشف و الحاكي، و لذا ينحل العلم الإجمالي السابق بالعلم التفصيلي و الأمارة و الأصل المتأخر عن حدوث العلم الإجمالي إن كان مؤداها من نجاسة الإناء المعين مقدما زمانا على المعلوم إجمالا، كما إذا كان حدوث العلم الإجمالي و زمان معلومه يوم الجمعة و حدث العلم التفصيلي مثلا يوم السبت بنجاسة الإناء المعين من الإنائين اللذين هما طرفان للعلم الإجمالي يوم الخميس، فإنّه لا ينبغي الإشكال في الانحلال هنا مع تقدم العلم الإجمالي المنجز على العلم التفصيلي، فلو كان المدار في التنجيز على زمان العلم لا المعلوم فلا بد من إنكار الانحلال في جميع الموارد المذكورة لطرو العلم التفصيلي و غيره من المنجزات بعد العلم الإجمالي و هو كما ترى.

و لعل منشأ توهم عدم الانحلال بالعلم الإجمالي المتأخر هو القياس بالعلم التفصيلي اللاحق كما إذا علم إجمالا بنجاسة أحد الإنائين يوم الجمعة، ثم حصل له في يوم السبت العلم التفصيلي بوقوع قطرة دم في أحدهما المعين بحيث يكون زمان المعلوم التفصيلي يوم السبت، فإنّه لا إشكال في عدم انحلال العلم الإجمالي فيجب الاجتناب عن كليهما، و لا أثر لهذا العلم التفصيلي أصلا، فيقال بأنّ العلم الإجمالي اللاحق ليس بأولى و أعظم من العلم التفصيلي.

و أنت خبير بفساد هذا التوهم لما عرفت من أنّ المدار في التنجز على سبق المعلوم لا العلم، و عدم انحلال العلم الإجمالي بهذا العلم التفصيلي الذي معلومه متأخر عن المعلوم الإجمالي إنّما هو لأجل عدم إيجاب هذا العلم التفصيلي علما بالتكليف، لأنّ معلومه إن كان مما ينطبق عليه المعلوم بالإجمال فيكون كوقوع قطرة في بالوعة نجسة في عدم ترتب أثر شرعي عليه.

فالمتحصل: أنّ المنجز الطارئ سواء كان علما تفصيليا أم أمارة أم غيرهما إن‏

51

كان معلومه مقدما على المعلوم بالإجمال فينحل به العلم الإجمالي، و إن كان مؤخرا فلا يؤثر شيئا، و يبقى العلم الإجمالي على حاله مؤثرا، فالالتزام بعدم الانحلال مختص بهذه الصورة دون ما إذا كان معلوم المنجز اللاحق مقدما على المعلوم الإجمالي، فإنّ الانحلال حينئذ مما لا ينبغي أن يقع موردا للإشكال في شي‏ء من موارده و أمثلته، فتأمل في أطراف ما ذكرناه جيدا و اللّه تعالى هو العالم و الموفق و الهادي.

[انحلال العلم الإجمالي بالاصول المحكومة المتأخرة رتبة]

ثم إنّه لا فرق في انحلال العلم الإجمالي بالأصل المثبت بين كونه موجودا من أوّل الأمر كاستصحاب نجاسة أحد الإنائين اللذين علم إجمالا بنجاسة أحدهما و بين كونه في الرتبة المتأخرة عن الاصول النافية الحاكمة عليه بحيث لا تصل النوبة إليه إلّا بعد سقوط الاصول الحاكمة عليه؛

[في فرع فوت السجدتين مع دورانهما بين كونهما من ركعة و ركعتين‏]

نظير ما إذا علم بفوت سجدتين في صلاته و تردد كونهما من ركعة أو ركعتين، فتارة: يكون العلم الإجمالي حادثا في أثناء الصلاة و اخرى: بعدها، فإن كان في أثناء الصلاة كما إذا قام إلى الركعة الرابعة أو كان في ركوعها و حصل له هذا العلم الإجمالي، فالاصول النافية و هي قاعدة التجاوز بالنسبة إلى سجدات الركعات الثلاث السابقة أو سجدات الركعتين المأتي بهما تجري و تسقط بالمعارضة لمنافاتها للعلم بفوت سجدتين، إذ قضية قاعدة التجاوز التي لسانها إتيان المشكوك بعد تجاوز محله هي الإتيان بالسجدات في كل ركعة أو بالسجدتين في الركعتين و هو مناف للعلم الإجمالي بفوت سجدتين، و كذا استصحاب عدم الإتيان بالسجدة من كل ركعة و استصحاب عدم إتيان السجدتين من الركعة الواحدة لا يجري للمعارضة و إن كان مثبتا للتكليف.

و وجه سقوط الاستصحاب هو: كونه من الاصول التنزيلية التي قد عرفت عدم انحفاظ رتبة الحكم الظاهري فيها في أطراف العلم الإجمالي، إذ البناء على عدم فوت شي‏ء من السجدات في هذه الصلاة يضاد العلم بفوت سجدتين منها، فتصل النوبة حينئذ إلى الاصول المحكومة و هي قاعدة الاشتغال بالصلاة الحاكمة بلزوم‏

52

تحصيل العلم بالفراغ عما اشتغلت به الذمة قطعا المتوقف على إعادة الصلاة و عدم الاكتفاء بإتمام ما بيده و قضاء السجدتين فيثبت التكليف في أحد الأطراف بعينه و هو لزوم الإعادة و يكون وجوب قضاء السجدتين مشكوكا تجري فيه البراءة (1)، فالعلم الإجمالي ينحل بقاعدة الاشتغال التي لم تكن من أول الأمر لكونها متأخرة عن الاصول النافية الحاكمة عليها.

[عدم جريان قاعدة الفراغ في الفرع المزبور]

و إن كان حدوث العلم الإجمالي بعد الصلاة، فقاعدة الفراغ لا تجري لأنّها بنفسها و لوحدها تضاد المعلوم الإجمالي، لأنّ لسان قاعدة الفراغ الإتيان بالسجدات كلها و عدم فوت شي‏ء منها، و هذا اللسان يضاد العلم بفوت اثنتين منها نظير تنافي أصالة الإباحة للحكم الإلزامي المردد بين الوجوب و الحرمة فرتبة الشك في قاعدة الفراغ غير محفوظة لعدم الشك في الفوت، فلا موضوع للقاعدة.

[عدم جريان قاعدة الاشتغال في المقام‏]

و قاعدة الفراغ في كل سجدتين من ركعة واحدة و سجدتين من ركعتين متعارضة، لما عرفت من أنّ لسانها عدم فوت شي‏ء من السجدات و هو مستلزم للمخالفة القطعية العملية، و بعد سقوط قاعدة الفراغ و الاستصحاب بالتقريب المتقدم في صورة حدوث العلم في أثناء الصلاة تصل النوبة إلى الأصل المحكوم و هو قاعدة الاشتغال القاضي بلزوم إعادة الصلاة و أصالة البراءة المقتضية لعدم وجوب قضاء السجدتين، فينحل العلم الإجمالي بالأصل المثبت أعني قاعدة الاشتغال المحكومة بالاصول النافية.

و قد يقال بعدم وجوب الإعادة نظرا إلى أنّ قاعدة الفراغ تحرز صحة الصلاة من ناحية ترك السجدتين من ركعة واحدة، لا أنّها تجري في السجدات بحيث تحرز وجود السجدات كلها حتى يضاد العلم الإجمالي، بل قاعدة الفراغ تجري في بعض الحيثيات أعني صحة الصلاة من حيث فوت السجدتين من ركعة واحدة، فلا تجب‏

____________

(1) و إن كان الأحوط إتمام الصلاة و قضاء السجدتين ثم الإعادة.