البرنس في باريس‏

- محمد مقداد الورتتاني المزيد...
395 /
3

[هوية الكتاب‏]

البرنس في باريس‏

رحلة الى فرنسا و سويسرا 1913

محمّد المقداد الورتتاني‏

حرّرها و قدّم لها: د. سعيد الفاضلي‏

4

يشرف على هذه السلسلة:

نوري الجرّاح‏

5

«و من عوايد أروبا سفر العروسين وقت الزفاف، و لعلهم يرون فيه راحة من تكاليف المنزل و قبول المهنئين. و المسافرون يركن بعضهم إلى بعض بداعي الحاجة و الإعانة، و في السفر يعلم الإنسان قيمة نفسه، و احتياجه إلى بني جنسه، و الإنسان مدني بالطبع. يعمد هاذان الرفيقان، في مبدأ تعارفهما، للاجتماع العمري على وجه الأرض، إلى الترافق في سفر قصير يستفيدان منه لزوم إعانة كل منهما للآخر في سفر الحياة الطويل و حاجته الشديدة إليه، و لكي يعلما أن ليس لهما ثالث يعتمدان عليه في شؤونهما أو له حظ في القرب من منزلة اتحادهما.».

نص الرحلة ص 86

«... و كلما زاد النهار ازداد الاضطراب، و أتعب الدوار الركاب و بالأخص أصحاب الدرجة الرابعة الذين على سطح السفينة، فقد ابتلت حقائبهم و أمتعتهم التي طفت عليها الأمواج فأصعدوهم على سطح بيوت الأكل و مجالس الراحة بعدا عن تيار الماء و اختطاف الأمواج حيث مجالس الرتبة الأولى و الثانية بأسفل بطن السفينة، و أما الرتب الأخيرة و الرخيصة ففي أعلاها عرضة للحر و القر. و كذلك مجالس التمثيل حيث أهل الدرجة الأولى ينظرون للمرسح و أدوار الرواية أفقيا على مساواة سطح مجالسهم. و صار منظر السفينة محزنا، حيث لا يرى إلا ركاب مبتلي الثياب، و آخرون بدواير السفينة يتجرعون ما في بطونهم من آلام الدوار.».

نص الرحلة ص 94

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

استهلال‏

تهدف هذه السّلسلة بعث واحد من أعرق ألوان الكتابة في ثقافتنا العربية، من خلال تقديم كلاسيكيّات أدب الرّحلة، إلى جانب الكشف عن نصوص مجهولة لكتاب و رحّالة عرب و مسلمين جابوا العالم و دوّنوا يوميّاتهم و انطباعاتهم، و نقلوا صورا لما شاهدوه و خبروه في أقاليمه، قريبة و بعيدة، لا سيما في القرنين الماضيين اللذين شهدا ولادة الاهتمام بالتجربة الغربية لدى النّخب العربية المثقفة، و محاولة التعرّف على المجتمعات و النّاس في الغرب. و الواقع أنه لا يمكن عزل هذا الاهتمام العربي بالآخر عن ظاهرة الاستشراق و المستشرقين الذين ملأوا دروب الشّرق، و رسموا له صورا ستملأ مجلدات لا تحصى عددا، خصوصا في اللغات الإنكليزية و الفرنسية و الألمانية و الإيطالية، و ذلك من موقعهم القوي على خارطة العالم و العلم، و من منطلق المستأثر بالأشياء، و المتهيئ لترويج صور عن «شرق ألف ليلة و ليلة» تغذّي أذهان الغربيين و مخيّلاتهم، و تمهّد الرأي العام، تاليا، للغزو الفكري و العسكري لهذا الشرق. و لعل حملة نابليون على مصر، بكل تداعياتها العسكرية و الفكرية في ثقافتنا العربية، هي النموذج الأتمّ لذلك.

فقد دخلت المطبعة العربية إلى مصر مقطورة وراء عربة المدفع الفرنسي‏

8

لتؤسس للظاهرة الاستعمارية بوجهيها العسكري و الفكري.

على أن الظّاهرة الغربية في قراءة الآخر و تأويله، كانت دافعا و محرضا بالنسبة إلى النخب العربية المثقفة التي وجدت نفسها في مواجهة صور غربيّة لمجتمعاتها جديدة عليها، و هو ما استفز فيها العصب الحضاري، لتجد نفسها تملك، بدورها، الدوافع و الأسباب لتشدّ الرحال نحو الآخر، بحثا و استكشافا، و تعود و معها ما تنقله و تعرضه و تقوله في حضارته، و نمط عيشه و أوضاعه، ضاربة بذلك الأمثال للناس، و لينبعث في المجتمعات العربية، و للمرة الأولى، صراع فكري حاد تستقطب إليه القوى الحيّة في المجتمع بين مؤيد للغرب موال له و متحمّس لأفكاره و صياغاته، و بين معاد للغرب، رافض له، و مستعدّ لمقاتلته.

و إذا كان أدب الرحلة الغربي قد تمكّن من تنميط الشرق و الشرقيين، عبر رسم صور دنيا لهم، بواسطة مخيّلة جائعة إلى السّحري و الأيروسيّ و العجائبيّ، فإنّ أدب الرحلة العربي إلى الغرب و العالم، كما سيتّضح من خلال نصوص هذه السلسلة، ركّز، أساسا، على تتبع ملامح النهضة العلميّة و الصناعيّة، و تطوّر العمران، و مظاهر العصرنة ممثلة في التطور الحادث في نمط العيش و البناء و الاجتماع و الحقوق. لقد انصرف الرّحالة العرب إلى تكحيل عيونهم بصور النهضة الحديثة في تلك المجتمعات، مدفوعين، غالبا، بشغف البحث عن الجديد، و بالرغبة العميقة الجارفة لا في الاستكشاف فقط، من باب الفضول المعرفي، و إنما، أساسا، من باب طلب العلم، و استلهام التجارب، و محاولة الأخذ بمعطيات التطور الحديث، و اقتفاء أثر الآخر للخروج من حالة الشّلل الحضاريّ التي وجد العرب أنفسهم فريسة لها. هنا، على هذا المنقلب، نجد أحد المصادر الأساسية المؤسّسة للنظرة الشرقية المندهشة بالغرب و حضارته، و هي نظرة المتطلّع إلى المدنيّة و حداثتها

9

من موقعه الأدنى على هامش الحضارة الحديثة، المتحسّر على ماضيه التليد، و التّائق إلى العودة إلى قلب الفاعلية الحضارية.

إنّ أحد أهداف هذه السّلسلة من كتب الرحلات العربية إلى العالم، هو الكشف عن طبيعة الوعي بالآخر الذي تشكّل عن طريق الرحلة، و الأفكار التي تسرّبت عبر سطور الرّحالة، و الانتباهات التي ميّزت نظرتهم إلى الدول و الناس و الأفكار. فأدب الرحلة، على هذا الصعيد، يشكّل ثروة معرفيّة كبيرة، و مخزنا للقصص و الظواهر و الأفكار، فضلا عن كونه مادة سرديّة مشوّقة تحتوي على الطريف و الغريب و المدهش مما التقطته عيون تتجوّل و أنفس تنفعل بما ترى، و وعي يلمّ بالأشياء و يحلّلها و يراقب الظواهر و يتفكّر بها.

أخيرا، لا بد من الإشارة إلى أن هذه السّلسلة التي قد تبلغ المائة كتاب من شأنها أن تؤسس، و للمرة الأولى، لمكتبة عربية مستقلّة مؤلّفة من نصوص ثريّة تكشف عن همّة العربيّ في ارتياد الآفاق، و استعداده للمغامرة من باب نيل المعرفة مقرونة بالمتعة، و هي إلى هذا و ذاك تغطي المعمور في أربع جهات الأرض و في قارّاته الخمس، و تجمع إلى نشدان معرفة الآخر و عالمه، البحث عن مكونات الذات الحضارية للعرب و المسلمين من خلال تلك الرحلات التي قام بها الأدباء و المفكرون و المتصوفة و الحجاج و العلماء، و غيرهم من الرّحالة العرب في أرجاء ديارهم العربية و الإسلامية.

محمد أحمد السويدي‏

10

مثال مدينة باريز و فرساي‏paris et Versailles .

11

المقدّمة

هو محمد بن الناصر بن عمار الورتتاني نسبة إلى قبيلة ورتتان من بربر جنوب الكاف قرب مدينة أبة (1) بتونس، «بضم أوله و تشديد ثانيه و الهاء:

اسم مدينة بإفريقية بينها و بين القيروان ثلاثة أيام، و هي من ناحية الأربس، موصوفة بكثرة الفواكه و إنبات الزعفران» (2). و يوهم كلام الزركلي السابق أن أصل الورتتاني بربري، بينما هو نفسه يقول عن أهله إنهم من ذرية عيسى بن الأكحل من الساقية الحمراء بالمغرب الأقصى‏ (3). و يضيف معرفا بقبيلته و أجداده: «و لقبيلنا امتياز بانتحال العلوم و الأخذ بطرق الصلاح، وجدنا الأعلى هو علي بن القروي صالح تلك الجهة ... و ابنه القروي جدنا الأدنى هو عالم جهته وثقة نشأته» (4). و أضاف أنهم كانوا «مستوطنين بين قبائل أبة و القصور و شرقي فحص مرماجنه و جبل الحناش» (5).

____________

(1) الأعلام، خير الدين الزركلي، 7/ 107.

(2) معجم البلدان، لياقوت الحموي: 1/ 85.

(3) البرنس في باريز: 22. ملحوظة: كل الإحالات على هذه الرحلة تخص هذا الكتاب.

(4) المصدر السابق: 22- 23.

(5) المصدر السابق: 22.

12

و لا تشير المصادر التي اعتمدتها إلى سنة ميلاده، غير أن إشارة وردت في الرحلة تؤكد أنه ولد قبيل احتلال فرنسا لتونس 1881 م. يقول أثناء حديثه عن مرور عساكر فرنسا ببلدته و سير والده و بعض الأعيان في ركاب حملة الاحتلال إنه كان دون الاثعار، بدأ في التعلم‏ (6). درس بجامعة الزيتونة، و ذكر أنه زاول «علمي التاريخ و الجغرافيا باعتناء المدرسة الخلدونية» (7). و من أبرز من تلقى عنهم محمد ابن الخوجة (8) و البشير صفر الذي ترأس بعثة المدرسة الصادقية إلى فرنسا (9) كما تولى رئاسة الأوقاف‏ (10). و سيدي محمد النخلي القيرواني الذي أخذ عنه اللسان و المنطق و العروض‏ (11)، و سيدي الصادق ابن القاضي الذي أخذ عنه أصول الفقه‏ (12). كما ذكر من أساتذته الشيخ سالم بوحاجب‏ (13). و من مؤشرات نشاطه الأدبي و مشاركته العلمية عضويته في النادي الأدبي للشيخ الخضر حسين‏ (14).

و من المناصب التي تولاها محمد المقداد الورتتاني: نائب الأوقاف بالقيروان‏ (15)، مدرس متطوع بالمسجد الأعظم‏ (16) كما كان مستشارا في مجلس مستشفى‏

____________

(6) المصدر السابق: 21.

(7) المصدر السابق: 2.

(8) المصدر السابق: 2. توفي ابن الخوجة سنة 1325 ه. انظر ترجمته في: عنوان الأريب عما نشأ بالبلاد التونسية من عالم أديب: الشيخ علي النيفر، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 1، 1996، 2/ 1002- 1007.

(9) الحركة الأدبية في تونس، محمد بن الفاضل بن عاشور، الدار التونسية للنشر، 1972: 62.

(10) المصدر السابق: 101.

(11) المصدر السابق: 101.

(12) المصدر السابق: 30.

(13) البرنس في باريز: 46. توفي الشيخ بوحاجب سنة 1924.

(14) البرنس في باريز: 107.

(15) الأعلام: 7/ 107.

(16) البرنس في باريز: 190.

13

القيروان‏ (17). و تنم مضامين رحلته هذه عن ثقافة تراثية غنية، و خاصة التاريخ، و عن إلمام باللغة الفرنسية (18) و تاريخ فرنسا، و هو أمر عاديّ بالنسبة للفترة التي نشأ فيها الورتتاني، إذ أصبحت اللغة الفرنسية بعد الاحتلال هي اللغة الوحيدة للتعلم‏ (19).

و قد اعترف له بعض المستعربين ممن حاورهم أثناء رحلته بحسن الاطلاع على تاريخ فرنسا مبديا سروره بذلك‏ (20).

و توفي محمد المقداد الورتتاني سنة (1371 ه- 1951) (21) عن حوالي سبعين سنة (22). و قد خلف مجموعة من المؤلفات:

* المفيد السنوي، في جزءين. (مطبوع).

* رسالة في تاريخ الشابية بالقيروان.

* دراسة في تاريخ الأطعمة التونسية في العصر الحفصي. (مخطوط).

* الرحلة الأحمدية. (مطبوع). و هي في وصف رحلة أحمد باشا باي إلى فرنسا (23). كما ذكر أن له رسالة عن حمة قربص‏ (24).

* البرنس في باريز، و هي رحلته إلى فرنسا و سويسرا و إليها يساق الحديث فيما يلي.

____________

(17) البرنس في باريز: 189 و 285.

(18) أشار إلى تعلمه اللغة الفرنسية: البرنس في باريز: 242.

(19) الحركة الأدبية و الفكرية في تونس: 47.

(20) البرنس في باريز: 242.

(21) الأعلام: 7/ 107. و جعلت باحثة وفاته سنة 1952: الرحالة العرب و حضارة الغرب في النهضة العربية الحديثة، نازك سابايارد، مؤسسة نوفل بيروت، ط 1، 1979: 501. و الأرجح المثبت أعلاه.

(22) انظر الهامش رقم 6 أعلاه.

(23) الأعلام: 7/ 107.

(24) البرنس في باريز: 33.

14

البرنس في باريز:

يمثل هذا الكتاب امتدادا لمتن رحلي تونسي إلى أوربا أثيل نتج عن انفتاح مبكر لهذا القطر في القرن التاسع عشر على الآخر الأوربي مقارنة مع باقي أقطار الشمال الغربي لإفريقيا. حيث عمّ لدى النخبة المثقفة إذ ذاك الشغف بتلقف الأحاديث عن أوربا و أخبارها من أفواه الذين سمحت لهم الفرص النادرة بالسفر إليها ... كما شاع الإقبال على مطالعة ما ظهر من كتب الشرقيين الذين سبقوا إلى التعرف على الحياة الغربية و دونوا وصفها و جهروا بالدعوة إلى الاقتداء بمحاسنها في الكتب التي وضعوها عن رحلاتهم و طبعت في المطابع المصرية، و أهمها رحلة الشيخ رفاعة الطهطاوي» (25).

و من أهم ثمرات هذا النتاج الرحلي التونسي نذكر:

1. رحلة أحمد باشا إلى فرنسا 1846 م، و قد قام أحمد بن أبي الضياف بتدوين ملاحظاته عليها «و على عمران فرنسا ورقي الأخلاق فيها و ازدهار الاقتصاد و غيرها» (26).

2. أقوم المسالك إلى معرفة الممالك، خير الدين التونسي، و طبعت بتونس سنة 1867 (27).

3. رحلة باي تونس إلى فرنسا، محمد الخيار، تونس، 1895 (28).

4. الرحلة الناصرية، محمد بن الخوجة، و هي رحلة باي تونس إلى فرنسا سنة 1895، طبعت بتونس‏ (29).

____________

(25) الحركة الأدبية و الفكرية في تونس: 34.

(26) المرجع السابق.

(27) الرحلة في الأدب العربي، التجنس، آليات الكتابة، خطاب المتخيل، شعيب حليفي، دار القرويين، البيضاء، ط 2، 2003: 339.

(28) المرجع السابق: 343.

(29) الحركة الأدبية و الفكرية في تونس: 91. الرحلة في الأدب العربي: 343.

15

5. الاستطلاعات الباريسية، محمد السنوسي في رحلته إلى باريس 1889، تونس 1310- 1892 (30).

6. الرحلة الأندلسية، علي الورداني التونسي، نشرت بجريدة الحاضرة التونسية (31)، و هي تسجيل لرحلته سنة 1888 إلى إسبانيا في بعثة علمية برفقة العلامة محمد محمود التركزي الشنقيطي‏ (32)، و ذلك أن السلطان عبد الحميد لاهتمامه بكتب العربية الموجودة في إسبانيا، بعث الشنقيطي لتسجيل قائمة بأهم الكتب الموجودة بها (33).

و جدير بالذكر أن إيراد هذه العناوين تمثيلي فقط لا يروم الاستقصاء بقدر ما يتوخى تجلية المناخ الذي كتبت فيه رحلة «البرنس في البرنس».

و هذه الرحلة تدوين للسفر الذي قام بها محمد المقداد الورتتاني إلى كل من فرنسا و سويسرا سنة 1331 ه- 1913 م، وزار خلاله 18 مدينة (34)، و كان برفقته الشيخ أحمد ابن السعيد، و هو مثقف و متقن للفرنسية (35). و قام بطبعها بالمطبعة الرسمية بتونس في السنة الموالية (1332 ه: 1914 م). و دامت الرحلة شهرا كاملا، إذ صرح أنها «لم تتجاوز أيامها في تراب العدوة الشمالية شهرا واحدا» (36). كان نصيب‏

____________

(30) الرحالون العرب و حضارة الغرب في النهضة العربية الحديثة: 492.

(31) المرجع السابق: 483.

(32) الحركة الأدبية و الفكرية في تونس: 92.

(33) الوسيط في تراجم أدباء شنقيط، أحمد بن الأمين الشنقيطي، بعناية فؤاد سيد، مكتبة الخانجي للطبع و النشر و التوزيع، ط 4، 1989: 392. و من الطريف أن صاحب الوسيط أشار إلى أن التركزي الشنقيطي كان في خصام دائم مع الأديب التونسي المرافق له، و أن تعب هذه الرحلة ضاع سدى لإصرار التركزي على تمكينه من مكافأته قبل تسليم القائمة و امتناع السلطان عن الإذعان لهذا الشرط: المرجع السابق: 292- 293.

(34) البرنس في باريز: 3.

(35) البرنس في باريز: 54.

(36) البرنس في باريز: 3.

16

باريس منها ثلث هذه المدة (37) إذ أقام بهذه المدينة 12 يوما (38)، كما يسعفنا نص الرحلة بعدة مؤشرات محدّدة لزمانها كقوله إن يوم 8 جوان هو اليوم الثالث من الرحلة (39)، مما يعني أن بدايتها كانت يوم 5 جوان 1913 م. أما نهايتها فكانت بعد حوالي شهر (40) من ذلك إذ يشير إلى أن تاريخ رجوعه هو 7 جويلية (41).

و تضافر عاملان دفعا بالورتتاني للقيام برحلته هذه، أولهما الرغبة في التعرف على فرنسا و استطلاع عوائدها و حضارتها بما يفيد وطنه تونس‏ (42)، و الثاني هو الاستجابة لدعوة بعض أصدقائه في كل من فرنسا و سويسرا (43). أما كتابة الرحلة فقد حثه عليها أصدقاؤه من المثقفين سواء قبل سفره أو بعده، فقد أهاب به بعضهم أن يسجل مشاهداته و يلخصها في محاضرة يعقبها نشر (44). و قد وطن الكاتب النفس على الاستجابة لهذه الرغبة فعمد إلى تدوين بعض مواد رحلته «بمفكرة السفر» (45)، غير أن تزامن عودته مع زمن الحر جعله يؤخر تحريرها إلى فصل الشتاء (46). و استمرت هذه العملية سنة كاملة، يقول الورتتاني في ختام الكتاب:

«نجز بعون الله في مثل شهري الرحلة، رجب و جوان، من العام الموالي سنة 1332 ه

____________

(37) المصدر السابق: 219.

(38) المصدر السابق: 219. و يشير إلى أنه بارح باريز يوم 29 جوان: 220.

(39) البرنس في باريز: 85.

(40) أشار إلى تحكم مدة رخصته الإدارية في قصر مدة الرحلة و هي رخصة دامت شهرين: المصدر السابق: 55 و 248.

(41) المصدر السابق: 292.

(42) البرنس في باريز: 3.

(43) المصدر السابق.

(44) المصدر السابق: 4.

(45) المصدر السابق: 309.

(46) المصدر السابق: 3- 4.

17

- 1914 ما توخينا رسمه و انتخبنا رقمه» (47). و قد أهدى الكاتب رحلته إلى الشيخ سيدي الطاهر ابن عاشور قاضي قضاة المالكية بتونس‏ (48)، إذ جعله بمثابة التهنئة بهذه الولاية بدل «قصيدة من الشعر الذي أكثر له منه أرباب الود و الأدب» (49).

و لا بد لنا، و لكل قارئ، من وقفة عند عنوان الرحلة غير العادي «البرنس في باريز»: البرنس، بالضم»، كل ثوب رأسه منه ملتزق به دراعة كان أو ممطرا أو جبة، يقال إن اشتقاقه من البرس: القطن» (50). و الدراعة ضرب من الثياب و قيل جبة مشقوقة (51) و يطلق عليه في المغرب أيضا السلهام: لباس كالمعطف له غطاء للرأس و ليست له أكمام‏ (52). و يعرف الورتتاني في رحلته البرنس بما يشابه ما سبق مضيفا أنه «من الثياب الموضوعة على الأكتاف كالدرع» (53)، و أنه «في الحواضر يوضع على الأكتاف، على ما فيه من المشقة و إشغال اليدين، و في غيرها يسلك في العنق على الطريقة الأولى له» (54).

و يبرر الورتتاني تضمين اسم البرنس في عنوان رحلته قائلا: «لما كان هو الوحيد شهرة في المملكة عنونت به كتاب الرحلة ليعلم بمجرد سماع الاسم مرجع جنسية و وطن صاحب الرحلة» (55). و قبل ذلك يؤكد أن البرنس إلى زمن كتابة الرحلة «عام في طبقات المملكة التونسية، حتى أن من كانت وظيفته تقضي عليه بلباسها

____________

(47) المصدر السابق: 309.

(48) المصدر السابق: 6- 7.

(49) المصدر السابق: 7.

(50) لسان العرب: برنس.

(51) لسان العرب: درع.

(52) الإكسير في فكاك الأسير، محمد بن عثمان المكناسي، تحقيق و تعليق محمد الفاسي، منشورات المركز الجامعي للبحث العلمي، الرباط، 1965 ه: الصفحة 21.

(53) المصدر السابق: 279.

(54) المصدر السابق: 277.

(55) المصدر السابق.

18

الخاص بها فإنه يتبرنس في أوقات راحته و خلواته‏ (56). على أن هناك أسبابا أخرى تعضد هذا الاختيار منها أن البرنس في أوربا محترم و عزيز و غريب في الوقت نفسه‏ (57)، هذا بالإضافة إلى اختصاص البرنس بالسفر، يقول الورتتاني: «و لعل البرنس و القفطان‏ (58) صارا في تنازع فاقتسما الأمر، فالبرنس للسفر، و هو المناسب للركوب و كثير المنافع في الحر و القر، و اختص القفطان بالإقامة و الحواضر» (59).

و قد أشاد صديق أحمد الرحالة المصري في تقريظه الرحلة بالبرنس و التزام الورتتاني به في فرنسا قائلا:

و هل جمال الفتى في غير ملبسه‏* * * مهما أقام و مهما حلّ في أمم‏

فاحفظ شعارك و الزم ما عرفت به‏* * * فالبرنس الحلو في باريز ذو قيم‏ (60)

و مما يميز «البرنس في باريز» تضمنها توثيقا فوتوغرافيا هاما و كثيفا (61). و قد حقق الورتتاني ذلك تطبيقا للشروط التي يرى لزوم توفرها في الرحالة، و التي خصها بفصل كامل‏ (62). فمن هذه الشروط حمل القلم و استعماله «فيكتب به الراحل كل ما يرى أو يسمع، حتى إذا عاد وجد خزينة كبرى من تلك المفكرات يستمد منها لتحرير

____________

(56) المصدر السابق.

(57) المصدر السابق: 211 و 231 و 263.

(58) لفظ تركي أصله خفتان: ثوب فضفاص سابغ مشقوق المقدم يضم طرفيه حزام: معجم المصطلحات و الألفاظ العلمية، مصطفى عبد الكريم الخطيب، مؤسسة الرسالة للطباعة و النشر و التوزيع، بيروت، ط 1، 1996: 164 و 352.

(59) البرنس في باريز: 277.

(60) المصدر السابق: 310.

(61) انظر ملحق الصور بآخر الكتاب.

(62) البرنس في باريز: 295- 308.

19

كتاب رحلته بأصح مصدر و أوفى بيان» (63). و اصطحاب آلة التصوير التي سماها «مرآة التصوير التي تمثل إلى العين ما لا يقدر القلم على وصفه، يأخذ بها المسافر صور البلدان و الأشخاص و الأشجار و الأنهار و الجبال و المعامل» (64). و تتصدر هذه المادة التوثيقية الفوتوغرافية صورة المؤلف و خريطة مبينة لمسار رحلته‏ (65). و جدير بالذكر أن المؤلف لم يكتف بما أخذه بنفسه من صور، بل عمد التزود بوثائق و صور من أفراد و هيئات أشار إليهم جميعا في كلمة الشكر في ختام الرحلة إذ يقول: «و قبل أن أضع القلم من كتب ملحقات هاته الرحلة أشكر الجمعيات و الأفراد الذين أمدونا بما رجوناه منهم من المعونة على تحرير مسألة أو نقل صورة و إعارة طوابع بعض المناظر كإدارة ليزانال في باريز، و شركة ل ل و شركة ن د بواسطة أصحاب المطبعة الفرنساوية بتونس مسيو نمورا و بونيسي، و جمعيات تقدم البلدان في مرسيليا و كرونوبل و ارياج و إيكس ليبا و جنيف و مقاطعات الرون، و عائلة دالبيرتو في كرونوبل، و المسيو رونز في فاراين انركون، و المسيو بول ناظر مدرسة اللغات الشرقية بباريز و المسيو كابار بمجلس السينات، و المسيو ناظر اللابرا و المسيو كيوم في إيسودان، و عائلة دوبوردايز في طولوز، و الدكتور إمان في مونبليي» (66).

و ختمت الرحلة بتقريظ لصديق أحمد و آخر كان نشر في جريدة الزهرة تضمن قصيدة للشاعر صالح سويسي مطلعها:

قل سيروا في الأرض، تحريض لمعتبر* * * فقوض الرحل إن العز في السفر

(67)

و يحفل الكتاب بالإحالات على رحالة سابقين قدماء و معاصرين للورتتاني،

____________

(63) المصدر السابق: 304.

(64) المصدر السلبق: 306.

(65) انظر الصورتين الأوليين في ملحق الصور بآخر الكتاب.

(66) البرنس في باريز: 309- 310.

(67) المصدر السابق: 314.

20

و كثيرا ما اقتطف من رحالة تونسيين سابقين لجيله بقليل أو مجايلين له زاروا أوربا، و نذكر في هذا الإطار خير الدين التونسي و محمد الخضر حسين و محمد ابن الخوجة و محمد السنوسي و غيرهم. و قد ختم الكاتب رحلته بما يشبه دليل السفر للمتوجه من مواطنيه إلى أوربا متوقفا فيه عند أدق الجزئيات و المحاذير (68).

مضامين الرحلة:

تعد رحلة «البرنس في باريز» من أغنى الرحلات العربية إلى أوربا في القرن العشرين مادة و من أشملها وصفا و أكثرها دقة و تقصيا. و قد استهلها صاحبها بمقدمة مسهبة تتخللها استطرادات طويلة استقصى فيها الأسباب الذاتية و الموضوعية المختلفة الداعية إلى السفر (69)، و وضع لتدوينها خطة تقوم على انتخاب ما دونه «بمفكرة السفر و استحضره الفكر مما سمعته الأذن و وقع عليه البصر، و كذلك ما نفثته القريحة أو جادت به الحافظة مما له علاقة بالموضوع، أو مناسبة تهم المشروع» (70).

و لعل ذلك هو ما يبرر استطرادات المؤلف المتنوعة، و خاصة منها التاريخية و الجغرافية سواء ما تعلق منها بأوربا أو البلاد العربية، و هو أمر يتناسب و تأكيده ضرورة استعانة الرحالة بهذين العلمين لح (71) لخ. و خصّ الورتتاني مدينة القيروان بنصيب الأسد من استطراداته لأن الحديث عن هذه المدينة عنده «متى عنت المناسبة هو طرف من تلك الحملة، و قوس دائرة الرحلة» لح (72) لخ. بل هو من صميم مسار الرحلة حتى يكون الكلام شاملا لمبدأ خط السفر و منتهاه» (73).

____________

(68) انظر المصدر السابق: 295- 307.

(69) المصدر السابق: 10- 47.

(70) المصدر السابق: 309.

(71) المصدر السابق: 297- 301.

(72) المصدر السابق: 6.

(73) المصدر السابق.

21

و الملاحظ أن الورتتاني غالبا ما يستدعي التاريخ العربي و معالمه أثناء توقفه عند المنجزات الأوربية من طائرات و مكتبات و مستشفيات و غيرها. و هو كثيرا ما يستشهد بكلام ابن خلدون في تفسير الظواهر السياسية معتمدا نظريته في العمران البشري و العصبية (74). كما أنه حلى رحلته بمتن شعري كبير تعود جملة معتبرة منه لصديقه الشاعر صالح سويسي المتوفى سنة 1941 م‏ (75). وورد لدى الزركلي أن ديوانه غير مطبوع‏ (76)، في حين أنه مطبوع بتونس سنة 1911 بعنوان «زفرات الضمير» (77). هذا بالإضافة إلى شواهد شعرية من مختلف العصور يوردها الورتتاني كلما اعتبرها مناسبة للسياق، فضلا عن أشعار له هو، و إن كانت قليلة (78).

و زيادة على وصف المدن و القرى التي حل بها و حال سكانها و عاداتهم‏ (79) و المقارنة بينهم أحيانا، تطرق الورتتاني لوصف معالم كثيرا ما تكرر ورودها في رحلات العرب إلى فرنسا بصفة خاصة، كمدينة باريس و مدرسة اللغات الشرقية (80) التي وصف ماجريات امتحانا حضره بها، و المكتبة الوطنية بباريس‏ (81)، و متحف اللوفر (82)،

____________

(74) المصدر السابق: 186 و 195 و 209 مثلا.

(75) الأعلام: 3/ 191.

(76) المرجع السابق.

(77) الحركة الأدبية و الفكرية في تونس: 95.

(78) البرنس في باريز: 87- 88- 128.

(79) انظر مثلا: ص 270.

(80) البرنس في باريز: 155.

(81) المصدر السابق: 164.

(82) المصدر السابق: 170.

22

و المسلة المصرية (83)، و التروكاديرو (84)، و كنيستي نوتردام و لا مادلين‏ (85) و الأوبرا (86) و غيرها. و قد استقصى تاريخ كل هذه المعالم و مكوناتها و طريقة عملها بتدقيق مثير.

و هو في أغلب المواضيع المطروقة مولع بإيراد الإحصاءات مما يبرر كثرة الجداول المتخللة للرحلة.

بعد إنهاء المقدمات، يستهل الورتتاني رحلته بتبرير شدّه الرحال إلى أوربا مجوزا إياه ما دام الإنسان «آمنا على نفسه و دينه و ماله» (87)، و يبدو بذلك داخلا في جدال فقهي يخص حليّة السفر، إلى أو الإقامة، في بلد الكفر باعتبارها دار حرب، و ضرورة هجر المسلم لها قياسا على هجرة النبي (صلى الله عليه و سلم) مكة (88)، و عضد الورتتاني موقفه بالاستشهاد بسفر العلماء و السفراء إلى الممالك غير الإسلامية. بل أخذ على المتأخرين عدم فهمهم لما وصفه العلماء الأوائل بدار الحرب إذ تلقفوا كلامهم، في نظره، «بدون إمعان النظر فنزلوا المسألة على السفر لغير بلاد الإسلام مطلقا، و غضوا النظر عن كلمة دار الحرب. فإن دار الحرب هي بلد القوم العدو الذين بيننا و بينهم القتال بحيث من ظفر منهم بواحد منا كان غير آمن على نفسه و ماله» (89).

و واضح أن تعامل الورتتاني مع الفرنسيين‏ (90) هو الذي أملى هذا الفهم عليه، و معلوم أن دار الحرب «هي بلاد المشركين الذين لا صلح بينهم و بين المسلمين» (91).

____________

(83) المصدر السابق: 181.

(84) المصدر السابق: 184.

(85) المصدر السابق: 185.

(86) المصدر السابق: 198.

(87) المصدر السابق: 52.

(88) يرى المازري مثلا حرمة إقامة المرأة ببلد الكفر لأنها تخشى على دينها و نفسها: شرح الزرقاني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1411 ه. 4/ 503.

(89) البرنس في باريز: 52.

(90) انظر مثلا الصفحات: 3 و 14 و 23 و 63 من البرنس في باريز.

(91) لسان العرب: حرب.

23

إلا إذا اعتبر المؤلف معاهدة 1881 صلحا، و قد ساق مجموعة من آراء الفقهاء منها كراهة السفر إلى بلد الكفر إذا لحقت المسافر مذلة (92).

و نسجل توقا من المؤلف طيلة الرحلة إلى التواصل مع أوربا واعيا بتخلف بني جلدته. بل هو يتمنى، و هي أمنية لها سمة رمزية دالة، لو صار البحر المتوسط «كله يبسا أو جعل له نفق تحت الأرض بين إفريقيا و أوربا ... لتسريح أمم القارات من و يلاته و أرباب الأسفار من نكباته ... و تتعارف الأمم المفرق ما بينها بحد سيفه ...

و يرى كل فريق صاحبه عيانا و يتعرف لغته و خلقه و عوائده و تنقشع سبل الوهم من بعض أفكار قوم في احتقار قوم آخرين» (93).

و يسجل الورتتاني انتشار الحضارة في كل أنحاء أوربا إذ «لا يخلو بلد من آثار مع مكتب للتعليم و معبد ديني و مستشفى صحي و محل للتمثيل و نزل للمسافرين» (94).

و قد لخص مجالات إعجابه بأوربا في:

1. عمران الأرض و خضرتها (95) إلى حد اعتبار فرنسا كلها بستانا واحدا (96)، و هو أمر مألوف في رحلات العرب إلى أوربا متكرر الورود فيها مما لا يحتاج معه إلى التمثيل.

2. انتشار المعرفة و تعميمها (97).

3. الانكباب على العمل المتواصل.

____________

(92) البرنس في باريز: 52. و قال الماوردي إن المسلم إذا قدر على إظهار الدين في بلد الكفر فقد صارت به دار إسلام: فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، محب الدين الخطيب، دار المعرفة، بيروت، 1379 ه: 7/ 229.

(93) البرنس في باريز: 60- 61.

(94) المصدر السابق: 176.

(95) المصدر السابق: 308.

(96) المصدر السابق: 103.

(97) المصدر السابق.

24

4. حسن معاملة الغريب‏ (98).

5. و قد خص باريز بأكبر إشادة إذ أعجب بحركتها الدائبة و كثرة سكانها و غناهم، و بوسائل النقل و سريان النظام بها (99)، و ذوق أهلها في المنازل و الملابس‏ (100).

كما أبدى إعجابه بجنيف و نظافة سويسرا بصفة عامة (101). على أن أهم ما يستوقفنا من مواقف الورتتاني من حضارة البلاد المزورة و معالمها:

- موقفه الإيجابي من المسرح و اعتباره مجديا خاصة للناشئة (102)، بخلاف كثير من سابقيه و معاصريه من الرحالة من شمال غرب إفريقيا، يقول: «التمثيل يصور التاريخ و ينشر الأدب و يحيي اللغة، و استحضار الصورة الغريبة له تأثير في ذوق اللسان العربي، و ترتاح له النفوس و توده» (103).

- إشادته بفوائد الرسم أو الصور الدهنية، كما سماها، فبها في نظره «يحفظ التاريخ و تظهر مقدرة الخيال» (104). بل إنه حاول تقديم تفسيره الخاص لا بتسامة الموناليزا (105). و كانت هذه اللوحة قد تعرضت للسرقة ذلك العام و وجد «الحديث على ضياعها من متحف اللوفر مستفيضا» (106). و ومما قاله الشاعر صالح سويسي في شأنها ضمن قصيدة بعثها للورتتاني أثناء رحلته:

جوكندا؟؟؟ تبا لسارق رسمها* * * رسم على ملك الجمال تقدما

____________

(98) المصدر السابق.

(99) المصدر السابق: 155.

(100) انظر المصدر السابق: 138- 139. و 260. مثلا.

(101) المصدر السابق: 12.

(102) المصدر السابق: 163 و 197.

(103) المصدر السابق: 197.

(104) المصدر السابق: 218.

(105) المصدر السابق: 173- 174.

(106) المصدر السابق: 172. و قد قرأ و الرحلة تهيأ للطبع أنه عثر عليها بإيطاليا: المصدر السابق: 175.

25

يا متحفا مالي أرى بك وحشة* * * و أرى فؤادك بالفراق تكلما

«فمحمد» يبدي إليك توجعا* * * و تصبرا عند الزيارة مثلما (107)

غير أنه يعود في مواضع أخرى من الرحلة فيحد من غلواء هذين الحكمين العامين فلا يحبذ من الرسم إلا ما وافق الواقع‏ (108). و من الطريف أنه لما أنكر وجود تمثال من الرخام، في متحف مدينة تولوز، مكشوف السوأتين‏ (109) أضاف قائلا: «مع أن ثيابه منحازة إلى جانب منه، فلم أدر لما ذا أبعدت عنه‏ (110). فكأن النحات أعجزه أمر تحريك هذه الثياب لتغطية سوأتي التمثال في هذا العمل الفني!

و على الرغم من طابع الانفتاح و الإعجاب بالحضارة الغربية الذي طبع لقاء الورتتاني بأوربا، فإن خطابه لم يخل من تلك النفحة الدينية الصوفية المألوفة لدى أغلب الرحالة المسلمين إلى أوروبا الحديثة، تلكم النفحة التي تعتبر كل المعالم الحضارية المدهشة للمطّلع عليها مجرد قشور «لا تساوي جناح بعوضة أو قيمة خردلة من نعيم الآخرة» (111). فمع كل الإعجاب الذي كاله لمضيفيه، نجده ينبه في مقطع صغير متفرد إلى افتقارهم إلى الاطمئنان الروحي فيقول: «و لو تتبعت أحوال هؤلاء و اطلعت على باطن أعمالهم لوجدتهم في عناء و أفئدتهم تردد لا راحة في الدنيا» (112).

____________

(107) المصدر السابق: 174- 175.

(108) المصدر السابق: 218.

(109) المصدر السابق: 241.

(110) المصدر السابق.

(111) البرنس في باريز: 128.

(112) المصدر السابق.

26

- وصفه الدقيق لحركات الراقصين و سكناتهم بأحد العروض التي حضرها (113) وصفا موضوعيا خاليا من الانتقاد.

- إعجابه بمشاركة المرأة في الحياة العملية (114)، و قد لخص مكانتها قائلا:

«و المرأة في فرانسا هي كل شي‏ء و لها كل شي‏ء، فالجوهر و الحرير و الزينة، و إن شئت قلت المال للمرأة، و التقدم للمرأة و الفؤاد للمرأة، و المنزل للمرأة و نفوذ الكلمة للمرأة، و الحرية للمرأة» (115).

و رغم ملاحظة الورتتاني جمال النساء و حسن ذواتهن، على حد تعبيره، و نعومة أجسامهن و بياض بشرتهن و غير ذلك من الأوصاف‏ (116)، فإنه مع ذلك ظل متمسكا بعفته حريصا على إعلانها، فهو يحمد الله لأنه لم يجر «طلقا مع الهوى» (117)، بل إنه كاد ينساق لإغراءات باريز لو لا أنه استرجع، يقول: «ثم راجعت نفسي و قرأت‏ رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا، و كففت نفسي عن الإغراق في إدامة النظر إلى فتنة الحياة الدنيا» (118).

و قد دخل الورتتاني في حوار مع بعض النساء الفرنسيات في مواضيع تعدد الزوجات، و عدم رؤية المرأة قبل الزواج و تليم المرأة و رفع الحجاب عنها في المجتمعات الشرقية (119).

بيد أن نساء مدينة تولوز خلفن في نفسه انطباعا سلبيا، فقد سجل قيامهن بالأعمال المبتذلة و معاناتهن من التعاسة (120)، و وقف على أحوال منهن غريبة

____________

(113) المصدر السابق: 201.

(114) المصدر السابق: 205.

(115) المصدر السابق: 199.

(116) المصدر السابق: 261.

(117) المصدر السابق: 219. و انظر أيضا: 260- 261.

(118) المصدر السابق: 138.

(119) المصدر السابق: 134- 135 و 290.

(120) المصدر السابق: 236.

27

يلخصها قوله: «و شأن المرأة غريب في طولوز، إن نساء طولوز ممتلئات الأجسام لحما و ثيابا ... و يظهر العرج فيهن كثيرا فتراهن ظالعات ضليعات، و لهن شوارب كالرجال و لحى يختلفن فيها كثرة و قلة.» (121) و لذلك شبههن بالسعالي‏ (122).

و مما تميز به الورتتاني وصفه رياضة مصارعة الثيران بدقة و إسهاب ذاكرا الأسماء التي تطلق على المشاركين فيها، إلا أنه اتخذ منها موقفا سلبيا منتقدا تعذيب الحيوان، معرّضا بجمعية الرفق بالحيوان التي لا تعمل على مناهضة هذه الرياضة، مشبها إياها، بسخرية، بمحكمة العدل الدولية (123) التي لا تمنع الحروب و لا تعدّ ملجأ للهروب‏ (124).

و رغم ثقافة الورتتاني الفرنسية، فإنه وقف عاجزا عن فهم عمل البورصة و كيفية كسب الناس الأموال من خلالها، فشبهها بالكيمياء التي «لها أسرار ... لكن لا يعرفها إلا أربابها» (125)، و لم ير فيها سوى اختلاط للناس «و غوغاء بدون انتظام و لا فهم كلام» (126).

كما حضر جلسة مجلس النواب بباريز يوم 23 جوان 1913 مدعوا من وزارة الخارجية و بعض النواب، و قد وصف المجلس و مكوناته و هيئة الجلوس و مدة انتخاب النواب. و كان موضوع الجلسة مناقشة تمديد الخدمة العسكرية من سنتين إلى ثلاث في ظروف مواجهة التهديد الألماني الذي سبق اندلاع الحرب العالمية الأولى‏ (127).

____________

(121) المصدر السابق.

(122) المصدر السابق.

(123) و التي كانت حديثة عهد بالافتتاح 1913، انظر إشارته إلى إسهام الدول في تأثيث مقرها: المصدر السابق: 152- 153.

(124) المصدر السابق: 251- 256.

(125) المصدر السابق: 208.

(126) المصدر السابق: 251- 256.

(127) و صادف الورتتاني قبل ذلك مظاهرات ضد هذا القانون: المصدر السابق: 106.

28

و كان جان جوريس، الزعيم اليساري المشهور، خطيب الحزب الاشتراكي‏ (128)، و جدير بالذكر أن جوريس من أبرز السياسيين الفرنسسين الذين كانوا يواجهون سياسة فرنسا الاستعمارية في المغرب‏ (129).

و من المؤكد أن تقديم هذه الرحلة الزاخرة بالمعلومات و المواقف لا يغني عن الاطلاع عليها، و لعل مسك الختام أن يكون تعليق محمد الفاضل ابن عاشور على هذا الكتاب النفيس، إذ اعتبره «مظهرا جليلا لسمو فن التحرير في تسجيل الرحلات الفردية الخاصة في أوربا» (130) و «أكمل صورة قلمية لنظر العربي الناهض إلى أوربا لوصف المسالك و المشاهد و التأثرات النفسية و المناظر الطبيعية و الحياة الاجتماعية، مع إثارة المقارنات التفصيلية بين الماضي الإسلامي و الحاضر الأوربي في كل ناحية من نواحي الحضارة ... و لو لا ما شحنت به من الاستطرادات البعيدة لذكر أمور شؤون الحياة العادية بتونس لكان مثالا كاملا لفن الرحلة، على أن هذا لم ينزل بهذا الكتاب عن كونه أرقى مثال و أمثل صورة في كل ما كتب من الرحلات التونسية» (131). في القرن العشرين‏ (132).

و جدير بالذكر أن هذه الرحلة تتضمن معلومات و مواقف تستحق التصحيح‏

____________

(128) و صادف الورتتاني قبل ذلك مظاهرات ضد هذا القانون: المصدر السابق: 106.

(129) انظر في هذا الشأن مثلا: اليسار الفرنسي و الحركة الوطنية المغربية 1905- 1955، جورج أوفيد، ترجمة محمد الشركي و محمد بنيس، دار توبقال للنشر، ط 1، 1987.

(130) الحركة الأدبية و الفكرية في تونس: 124.

(131) المرجع السابق: 124- 125.

(132) المرجع السابق: 125.

و في رواية: «مثل العالم مثل الحمة تأتيها البعداء و تتركها ...»

واضح أن المدة لا تصل إلى ستة قرون.

انظر دائرة أسماء الرياح في ملحق الصور.

يعني بذلك الجمرك.

29

و التعليق، غير أن خطتنا القاضية بإخراج الكتاب بأمانة، كما ارتضاه صاحبه، جعلنا لا نتوقف عند ذلك مما قد يزيد هذا المطبوع تضخما، و الكتاب أصلا ضخم، معتمدين في الانتباه لكل ذلك على حصافة القارئ.

30

مولف كتاب الرحلة محمد المقداد الورتتاني‏

MOIIAMMED EL- MOKDAD EL- OUARTANI Auteur du Livre" Le Barnous a` Paris"

صورة المؤلف‏

31

نموذج من خط محمد المقداد الورتتاني مقتطف من الأعلام لخير الدين الزركلي‏

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

مسار الرحلة

تبدأ رحلة الورتتاني يوم 6 جوان/ يونيه 1913 م، الساعة الثانية بعد الزوال، أما نهايتها فكانت بعد شهر من ذلك أي يوم 7 جويليه/ يوليوز من السنة نفسها. و قد كان نصيب باريس من هذه المدة ثلثها، أي 12 يوما.

تبدأ الرحلة من القيروان، بلد الرحالة، ثم حلق الوادي، قرية بضاحية تونس. و يتحدد مسارها في أوروبا في دولتين هما سويسرا و فرنسا، وزار فيهما 18 مدينة:

- مرسيليا،(Marseille) .

- كرونوبل،(Grenoble)

- أرياج ليبا (ليبان)،(Uriage -les -Bains) .

- جبال شارطروز،(Les montagnes de la chartreuze)

+ قرية صان لورون دوبون،(St .Laurent -du Pont)

+ قرية صان بيايير،(St .Pierre) .

- إيكس ليبا (إيكس ليبان)،(Aix -les -Bains)

- جنيف،(Gene ?ve) .

34

- فيفي،(Vevey) .

- منترو،(Montreux) .

- جنيف.

- بولكارد (الحدود السويسرية الفرنسية)،(Bellegarde) .

- شامبري،(Chambe ?ry) .

- كرونوبل.

- ليون،(Lyon) .

- باريز،(Paris) .

- كليرمون أنركون،(Clermont en Argonne) .

- فاراين أنركون.(Varennes en Argonne) .

- ليون.

- صان كايزر،(Saincaize) .

- إيسودان،(Issoudun) .

- فيشي،(Vichy) .

- ليموج،(Limoges) .

- طولوز،(Toulouse) .

- مونبليي.(Montpellier) .

- نيم،(NIME) .

- أرل،(Arles) .

- مرسيليا.

- حلق الوادي.

35

ديباجة المؤلف‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد لله الذي أمر بالسير في الأرض. و أثاب على المباح بحسن النية ثواب المندوب و الفرض. نحمده أن جعلنا شعوبا و قبائل. لتعارف الأواخر و الأوائل. فمنهم الراقي و المنحط، و المفرط و المفرّط و الوسط. اختلفوا لاختلاف الوظائف و الطوائف و النحل و الأجناس، في شارات الأكسية و حلل اللباس. و لاختلاف حرارة و برودة الطقس، على حسب البعد و القرب من خطوط الأرض المسامتة لسير الشمس. فأوجبت الأقطار الباردة على أبنائها الانكباب على العمل، ودعت الجهات الحارة سكانها إلى التمتع بنظر الكواكب و الإخلاد غالبا إلى الراحة التي يعقبها الكسل. كما اختلفوا لهذا الشأن، في النباهة و الغفلة و السمات و الألوان. و اختلاف الألوان و اللغات، له سبحانه و تعالى من أعظم الآيات. و نشكره أن جعل ما في الأرض من ماء و مرعى، لسكانها متاعا و نفعا. و نشهد أن لا إله إلّا الله الواحد الذي خلق لنا ما في الأرض جميعا، و تفضل بإرسال محمد (صلى الله عليه و سلم) رسولا و شفيعا. و على آله الأخيار، و أصحابه المنساحين في الأقطار، و التابعين و تابع التابعين حفظة الآثار. و بعد فيقول كاتبه محمد المقداد ابن الناصر بن عمار الورتتاني إن النفوس البشرية تواقة إلى الأخبار. و تجشم‏

36

أخطار الأسفار، و لو إلى ما وراء البحار. علما بأنها هبطت من المحل الأرفع، إلى هذا الفضاء الأوسع. و تلقت بالجسد الغير المجانس لها على كره منها لتنال العلوم بواسطته و لتستفيد بالتلبس به و تعود عالمة بما لم تعلم. فهبوطها لا شك ضربة لازب لتكون سامعة لما لم تسمع، و تعود عالمة بكل خفية في العالمين فخرقها لم يرقع. غير أن المعلوم بواسطة المشاهدة أصح من المعلوم بواسطة السمع فقط، و الفرق يتبين من التأمل في حالة وصول المعلوم إلى الذهن بواسطة الحواس مباشرة كما في الأول و بواسطة المخبر في بعض المعلومات كما في الثاني. و آفات الأخبار كثيرة. فالاقتصار على السماع لا يفيد الثمرة المقصودة و المأمور بتحصيلها بالسير في الأرض (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها). فالحقيقة تتجلى باستعمال العاملين النافعين و هما السمع و البصر كالعلم بالشي‏ء و تصحيحه و تطبيقه، و كم من معلومات لا يصدق فيها الخبر الخبر، و كم من أوهام خبرية تزيلها معلومات المشاهدة و السفر. ما دامت الاستفسارات ناقصة و القياسات في الغالب مخطئة، فتعارف الأمم ببعضها و استطلاع الحقائق و الوقوف على بواطن الأمر مما يقرب التوادد و يزيل الشحناء و يذهب بما يلصق في فكر إحدى الأمتين مما يعده ذنبا أو عيبا أو نقصا أو توحشا في جانب الأمة الأخرى. و الفوائد لا تحصل و الاقتباس لا يتم إلّا بالتعارف و البحث. و ما اكتساب التجارب و صحة الأبدان و تهذيب النفوس و نيل المعارف إلّا بالأسفار و اتساع المدارك. لذلك كله كلما خلوت و نفسي إلّا و ناجتني في هذا الغرض و أفضت لي بذات صدرها و أفاضت في شرح فعلها و مصدرها، و الجسد طوع يمين النفس شأن السلطة من المدبر الحكيم و النور على الظلمة و العالم على الجاهل و الدائم على الفاني و القوي على الضعيف:

لو لا حجاب أمام النفس يمنعها* * * عن الحقيقة فيما كان في الأزل‏

لأدركت كل شي‏ء عز مطلبه‏* * * حتى الحقيقة في المعلول و العلل‏

و بعد مزاولتي علمي التاريخ و الجغرافيا باعتناء بالمدرسة الخلدونية ازدادت حاجة

37

النفس إلى السفر و الترقي إلى الخبر من الخبر و تقوت بسلاح معلوماتها على الجسد الضعيف. أما الانكباب على مطالعة هذين العلمين «و الكتب حصون العقلاء إليها يلجئون، و بساتينهم بها يتنزهون»، و ذلك بعد زمن التعليم على أستاذي المدرسة المذكورة: النابغة سيدي البشير صفر و البارع سيدي محمد بن الخوجة و هما بالمنزلة المعلومة في سعة الاطلاع و إصابة المرمى في التقرير و بلاغة التحرير. فقد زادني شوقا على شوق إلى مشاهدة أحوال الممالك و طبائع سكان الأرض و أخلاقهم و معارفهم، و موازنة حاضرهم بغابرهم و قياس درجة رقيهم و انحطاطهم بالنسبة لغيرهم. و هذا الأمر كما سيتبين بعد هذا أحد موجبات الأسفار و النزوح عن الديار. و عقدت النية على السفر إلى أروبا أمّ القارات و معلمة الأمم و مدبرة الممالك و مالكة البحار. و جعلت مقدمة ذلك مملكة فرنسا لما يبلغنا عنها من ملاءمة أخلاق سكانها و غزارة المعارف بها، و استبحار العمران بعواصمها و انتشار الحرية و الثروة في أمتها، سيما وهاته الدولة العظيمة و الأمة النبيهة هي حامية الحمى و مدبرة القطر و معلمة أبنائه. فيهم التونسي أن يدرس و يتعرف مملكتها و حضارتها و يسافر إلى وطنها و يستطلع عوائدها و يرى نواياها و آمالها في السير بهذه المملكة في طرق الحضارة و الأمن و يشاهد منزلة سكانها الأدبية و المادية من علم و مال، و كل ذلك مما يعود بالفائدة المتعددة في عالم الاجتماع «و الإنسان مدني بالطبع». و قد سهلت لنا أروبا امتطاء البحار و الانتفاع بالبخار، و التطلع إلى العلوم و الأخبار، و الميل إلى مشاهدات نتائج هذا العصر و البحث عن الآثار، سيما و التونسي في فرانسا، و بالأحرى في باريز، محترم و عزيز، و سيأتي ذكر ذلك في الحديث على أخلاق تلك الأمة النبيلة، و عاصمتها الجميلة. ثم مملكة سويسرة لما يقال عن جمال مناظر الجبال و البحيرات بها و أمن قاصدها و راحة بال زائرها، و إنجازا لوعد البعض ممن دعانا لمشاهدة تلك الممالك ممن عرفناه من سكان هاتين المملكتين. و إجابة دعوة الأودّاء إلى الأقطار النائية و زيارة المتعارفين عادة قديمة في البشر، و سيأتي ذكرها من بين دواعي السفر. فشاهدت في رحلة قصيرة لم تتجاوز أيامها في تراب العدوة الشمالية من البحر الأبيض شهرا واحد ثمانية عشر مدينة بفرنسا و سويسرة. و هي «1» مرسيليا و «2» كرونوبل و «3» شامبري و «4» إيكس ليبا و «5» جنيف و «6» فيفي و «7» منترو و «8» باريس و «9» و كليرمو أنركون‏

38

و «10» فرين أنركون و «11» فرساي و «12» إيسودان و «13» فيشي و «14» ليموج و «15» طولوز و «16» مونبيلي و «17» نيم و «18» أرل. و عقب الرجوع أشار البعض من أرباب الفضل بإلقاء مسامرة بالقيروان فيما يبقى بفكر التونسي إذا سافر إلى أروبا و عما لم يعهد في مملكتنا التونسية. غير أن رجوعي إلى القيروان في أيام الحر الذي كانت درجته في أوائل شهر جويليه 44 سانتيكراد، و الالتجاء إلى شاطئ سوسة الجميل حال دون إنجاز ذلك. و لما دخل الشتاء و راجعت مفكراتي وجدت من بينها ما كاتبني به بعض النبهاء بالقيروان في أثناء السفر بفرانسا في الحث على الاعتناء بتدوين كتابة في مشاهدات السفر، فكان ذلك لي منشّطا من أهل الذكاء الفطري القيرواني الذي عرفه الإمام مالك رضي الله عنه في القرن الثاني من الهجرة في أبناء هاته المدينة الطيبة حيث قال: مدن الذكاء ثلاثة المدينة و القيروان و الكوفة. لذلك كنت كلما حضرت مجلسا جليلا أو رأيت مشهدا عظيما أو اطلعت على أثر معتبر في أثناء السمر وددت أن يكون معي من بعض أصدقائي الأجلاء. و في مقدمتهم من خصوص القيروان نادرة الزمان و فخار القيروان الشيخ باش مفتي سيدي محمد صدام ممن يقدرون الأشياء حق قدرها و يعظم التونسيون بأمثالهم في أعين رجال الممالك الأجنبية متى اطلعوا على كفاءة التونسي و مقدرته. و أذكر هنا قطعة من إحدى الرسائل القيروانية لبعض أفاضل الأصدقاء و سيأتي ذكر بعض القصائد الشعرية و غرابة وصولها في المكان الذي تضمنت لزوم زيارته في قصر ليزانفاليد الذي به مدفن نابليون بونبارت بباريز.

الحمد لله‏

من القيروان في 24 رجب و في 29 جوان سنة 1331 ه/ 1913 م، مولانا الشيخ سيدي محمد المقداد

السلام عليكم و رحمة الله، فقد تاقت النفس للقياكم و التأنس بمجالسكم اللطيفة و مذاكرتكم الجميلة التي لا تخلو كل كلمة منها من حكم و فوائد جمة شأن أصحاب الآراء الثاقبة و المدارك العالية و الأفكار السليمة، شأن الرجال المصلحين، الذين كتبوا

39

على أنفسهم خدمة الوطن و الدين. هذا و إن إيابكم بأمن الله و سلامته منتظر بفراغ صبر لقص ما شاهدتموه في هاته السياحة المباركة من اللطائف و الغرائب و العجائب التي لا بد لها من الفائدة الكبيرة على الأحباب و الأصحاب، و المأمول أن يكون ذلك ملخصا في مسامرة يعقبها نشر بقلمكم المسهب المتعود منه حسن البيان فيما يمليه الجنان. إلى أن قال: و إن تكن القصص مشفوعة بالصور الفوتغرافية، و هو مما لا يشك فيه، فالحظ أسعد و الفائدة أكبر و الرسوخ أثبت و التأثير أقوى. إلى أن قال: أيها الرحالة إنكم بمسامرة تلقونها في العاصمة العتيقة في المدينة الأثرية، ألا و هي مدينة «القيروان» مضطجع أولئك الأبطال الباسلين الذين جابوا السهل و الوعر و احتقروا أشعة شموس إفريقية المحرقة و رمالها الصالية، مسامرة تستهل بذكر شي‏ء من تاريخ هاته العاصمة صاحبة الماضي الذي لا يقايس و لا يشابه حالتها اليوم. مسامرة تبعثون بها نشاطا في السكان و يتحققون بها وجوب الكد و العمل، و يجارون الأمم الحية في معترك الحياة و يستنتجون برهانا من أعمال الشعب الفرانسي ناشر لواء حمايتهم الذي ما برح يناديهم بالنهوض و العمل، مصرحا بتذليل كل صعوبة يلاقونها في سبيل تقدمهم، ممدا يد الحنو و الشفقة لانتشالهم من مخالب الجهل و الفقر. إلى أن قال:

و أعيد لكم سلامي و تحيتي إلى الملتقى عن عود حميد بسلامة الله ه. و لم أسمع كلمة قبل سفري جمعت بين الحنان و متانة الود، و بين الحث على الاستفادة و الإفادة من السفر مثل ما صدر لي من الشريف المفضال العالم النقاد سيدي محمد ابن عاشور ليلة الموادعة و نحن حول مائدته، و في دائرة نادي فصاحته، قائلا: اجعل سفرك قصيرا و حدثنا كثيرا. فأظهر بفصل خطابه و بلاغة قوله في الجملة الأولى التعطف و دلائل المحبة، و هي إنما تظهر من الصديق المحق و تؤثر على المخاطب في مثل هاته المواقع. و أبان في الجملة الثانية هدية السرور التي يرجع بها الراحل إلى وطنه و ليست بعض بضائع باريز، التي مثلها في تونس ليس بعزيز. و ما هي النقطة المهمة المرادة من السفر. و رغبته في الحديث الكثير من السفر القصير إيماء إلى أن الفائدة لا تتوقف على السفر الطويل. كما تواردت علي من خارج المملكة المكاتبات ممن عرفتهم في إعطاء رأيي فيما شاهدته و إظهار كتابة فيما قيدته أثناء الترحال ليطلعوا على‏

40

ذلك. و القوم كما علمت أهل ولع بكل جديد و بما يتحدث به عنهم و ما يقال في عالم الاجتماع. فنشرت في هاته الرسالة بعضا مما قيدته أو عاينته من خصب الأرض الذي يملؤ العين إعجابا و ابتهاجا قبل كل شي‏ء و درجة الهواء و كثرة العمران و وفرة المعارف و تهذيب الأخلاق و نمو الثروة و مواصلة العمل، و ألمعت في كل مناسبة إلى طرف من غابر القيروان و حاضرها حتى يكون الكلام شاملا لمبدأ خط السفر و منتهاه، و ربما كان المطالع في حاجة إلى العلم بالقيروان و الحديث عنها. و القيروان ملأت الأسماع قديما و حديثا بالاعتبار و الآثار. و سأقص عليك ذكر اعتناء الملوك و العلماء بزيارتها. و في عهد الأغالبة وصل إليها وفد سلطان فرانسا شارلمان، و في أواخر القرن الثالث عشر أتاها قنصل الأنكلير بالجزاير 1293، و أحد علماء الآثار من فرنسا 1294، و المسيو كسلان القنصل الفرنساوي الباحث عن الآثار عام 1298 قبيل الحماية. و ما بين هذين الزمنين من الأحد عشر قرنا أمر لا يحصى عدّه. و ها هي اليوم في دور الحماية قد ازدادت سمعتها و عظم احترامها و قدرها الزائرون بالمشاهدة حق قدرها، لذلك أصبحت وجهة سكان القارات القديمة و الجديدة، يحجونها فرادى و جماعات نساء و رجالا. و لا يقل عددهم في السنة عن أربعة آلاف، يستعظمون جامعها الذي مضى عليه فوق الأحد عشر قرنا، و يستغربون تخريم ألواح منبره الجاثم من أواسط القرن الثالث على يمين المحراب المقامة جدرانه الداخلية من أواسط القرن الأول، و يستحسنون شكل ماجلها الأغلبي الكثير الأضلاع المقارن للمنبر في تاريخ نشأته، و يتمتعون بصفاء أديم سمائها و طيب هوائها و قوة كهرباء شمسها و بريق نجومها، و يقتنون من مصنوعات بسطها و صور بناآتها، و يركبون جمالها و يسرون بجمالها.

و كثيرا ما يسألون عن كمية سكانها و درجة ثروتها و مصنوعاتها و مجمل تاريخها و عوائدها و نظام إدارتها. و قد جعلت عنوان هاته الرحلة «البرنس في باريز» و سبب التسمية ظاهر، و الكلام بالأواخر. و الحديث على القيروان متى عنّت المناسبة هو طرف من تلك الجملة، وقوس من دائرة الرحلة، و تقدمت إلى من افتخرت به المملكة التونسية على الأقطار «مثلما سمت مملكة الأندلس و هي في دور شبابها و زهرة علومها منذ ألف عام بقاضيها و عالمها و خطيبها المنذر بن سعيد في العقد الرابع من القرن الرابع في أيام الملك الناصر الأموي»، فأصبح القطر التونسي في ظل مولانا الأمير

41

المعظم سيدنا محمد الناصر باشا باي أدام الله دولته و أمد بالسعادة مملكته، في دور جديد و عصر سعيد في العقد الرابع من القرن الرابع بعد الألف بولاية العالم الجليل و الخطيب المصقع، و البليغ اللسن و الشاعر المفلق، و السياسي المدرب و المصلح المتنور الصديق الوفي و النحرير اللوذعي الشيخ سيدي الطاهر ابن عاشور قاضي قضاة المالكية بالمملكة التونسية، فرسمت هذا الكتاب باسمه تذكارا بعام ولايته لهاته الخطة و أداء لما توجبه روابط الوداد من التهنئة التي جعلت هدية هذا الكتاب عنوانا عنها بدل قصيدة من الشعر الذي أكثر له منه أرباب الود و الأدب. و قد رسمت من تلك القصايد ما أرسل به صديقنا النحرير الفاضل الشيخ سيدي الخضر بن الحسين من دمشق الشام برسم التهنئة و ما نظمه الصديق الماجد الأديب سيدي عبد العزيز المسعودي الكاتب بالقسم الأول بالحكومة التونسية (برد الله ثراه)، و هما ركنان من النادي الأدبي الذي يجمعنا منذ عشرين سنة أقام أركانه، و أشاد بنيانه، و نظم عقده و ألف بين قلوب أعضائه متين الود و وفي العهد الشيخ قاضي القضاة أمده الله بروح منه وها أنا أخاطبه متذكرا أيام النادي و متمثلا بما لبعض الأدباء:

لقيتك في «ناد» و أنت رئيسه‏* * * و بابك للأعلام مجتمع الوفد

فإن لم ندر فيه الكؤوس فإننا* * * أدرنا به للأنس مستعذب الورد

جمعتنا حلقات العلم به في نصف ما قطعنا من الطريق، فقضينا معه من أدوار الحياة الدور الذهبي الذي هو من العشرين إلى الأربعين. و ها نحن مستقبلون مسافات بقية السفر في هذا العالم، و نسأله تعالى فيها الحفظ و العصمة و دوام النعمة. و إليك قصيدة أحد الركنين من النادي الأدبي الذي أصبحت أخاطبه بمثل ما خاطب به ابن الخطيب صاحبه ابن خلدون و قد بعدت داره و شط مزاره:

بنفسي و ما نفسي علي رخيصة* * * فينزلني عنها المكاس بأثمان‏

حبيب نأى عني وصم لأنثني‏* * * و راش سهام البين عمدا فأضناني‏

42

قال ابن الحسين الشاعر المجيد:

بسط الهناء على القلوب جناحا* * * فأعاد مسود الحياة صباحا

أبه محيا الدهر أنك مونس‏* * * ما افتر ثغرك باسما وضاحا

و نعد ما أوحشتنا في سالف‏* * * خالا بوجنتك المضيئة لاحا

لو لا سواد الليل ما ابتهج الفتى‏* * * إن أبصر المصباح و الإصباحا

أنست تحت سماء تونس مزنة* * * تحيي بلامع برقها الأرواحا

نشأت بترقية ابن عاشور إلى‏* * * أوج القضاء ليستجد صلاحا

أنباؤها تغشى و أفئدة الورى‏* * * تحسو على نغماتها أفراحا

يا طاهر الهمم احتمت بك خطة* * * تبغي هدى و مروءة و سماحا

سحبت رداء الفخر واثقة بما* * * لك من نوايا تعشق الإصلاحا

ستشد بالحزم الحكيم إزارها* * * و الحزم أنفس ما يكون و شاحا

و تذود بالعدل القذى عن حوضها* * * و العدل أقوى ما يكون سلاحا

في الناس من ألقى قلادتها إلى‏* * * خلف فحرم ما ابتغى و أباحا

43

بادر قضاياها بفهمك إنه‏* * * فهم يرد من العويص جماحا

و إذا أقمت العقل قسطاسا فما* * * يلفي لديك أولوا الخداع مراحا

يا من ترفع أن يسوس مباحثا* * * بالفكر إلا أن تكون صحاحا

بصر الزمان بأنك الشهم الذي‏* * * يملي عليه سعادة و فلاحا

فتفتقت أزراره عن أنعم‏* * * نقشت على قلب الحسود جراحا

وسعت إليك نظارة البيت الذي‏* * * من روضه نشر المعارف فاحا

فاطرح عليها ثوب جد إنها* * * ظلت تمج كما علمت مزاحا

و إذا الشهامة خالطت جأش امرئ‏* * * جعلته يصدع بالحقوق صداحا

يا من تموج نظمه بفصاحة* * * فترشفت منه المسامع راحا

أنسى و لا أنسى إخاءك إذ رمى‏* * * صرف الليالي بالنوى أشباحا

أسلو و لا أسلو علاك و لو أتت‏* * * لبنان تهدي نرجسا و أقاحا

كأس الهناء عصرتها من مهجة* * * شربت من الود العتيق قراحا

أو لم نكن كالفرقدين تقارنا* * * و الصفو يملأ بيننا أقداحا

44

دامت يد الأنعام تكسبكم حلى‏* * * شرف و تطلق للقريض سراحا

و ها هي قصيدة ثاني الركنين من النادي الأدبي و قد بت أنشد في شأنه (رحمه الله):

لو كان يدري الميت ما ذا بعده‏* * * بالحي منه بكى له في قبره‏

غصص تكاد تفيض منها نفسه‏* * * و يكاد يخرج قلبه من صدره‏

قال المسعودي برد الله ثراه:

حري باليراعة أن تناجي‏* * * عبارات المسرة بابتهاج‏

و تنسج للهناء بها برودا* * * فتغني الطرس عن حلل الديباج‏

فهذا الفوز إذ أوتيت علما* * * و حكما قد توقد كالسراج‏

و أصبحت العدالة في انتصار* * * و دست الشرع نحوك في انفراج‏

علوت منصة للحكم فيه‏* * * فكنت لعز هامته كتاج‏

و حاكيتم ضياء البدر لما* * * تطلع نيرا و الليل داج‏

و كنت لإفريقية خير قاض‏* * * نفى ظلما و قوّم ذا اعوجاج‏

45

و بشر كل من علم المزايا* * * و كان إلى ارتقائك خير راج‏

و أثنى الكل عن ملك نبيل‏* * * تخيّركم لإمحاق اللجاج‏

خطوتم منذ نشأتكم بخط* * * قويم للسيادة ذي انتهاج‏

و غذيت المعارف مع كمال‏* * * فأمزجتا بكم أي امتزاج‏

و زان خلالكم خلق زكي‏* * * و مجد للنبوءة ذو انعراج‏

و هاك اليوم قد أحييت ذكرا* * * لجدكم المقدس بانبلاج‏

فإهنأ بالمنى وليهن قطر* * * بهذا الفوز و الخير المفاجي‏

و عفوا إذ تأخر وفد شعري‏* * * عن الإتيان نحوك و التناجي‏

فإن الجسم أتعبه سقام‏* * * فأصبح و هو منحرف المزاج‏

و لو لا مسرتي مسكت يراعي‏* * * لما سكن اليراع من ارتجاج‏

بقيتم و الإله لكم حفيظ* * * و عيشك و السعادة في ازدواج‏

بواعث السفر و دواعيه‏

قدمت الكلام في هذا الموضوع المبتكر في بواعث السفر بين يدي الحديث على‏

46

أيام الترحال و أرجو أن تكون فيه فائدة و لم أر من رسمه في طالعة كتاب، أو نوع و مثل جزيئات الأسباب باستيعاب. و إن لم أبسط القول كما ينبغي في هذا المجال المتسع و اقتصرت على ما أمكن و قنعت برسم المثال و تخطيط الأساس، و عسى أن أشبع القول في مناسبات قابلة إن شاء الله تعالى، و هو ولي الإعانة و التوفيق. غالبا يكون السفر للأسباب الآتية:

1. المال- كالتجارة، التغلب و الاستيلاء، ما ينشأ عنه من نزوح بعض السكان الأصليين، الاستجداء بالشعر و التأليف.

2. العلم- كطلب الفنون و الصنائع، حضور المؤتمرات، المداواة، تطلّب الأقاليم الملائمة للصحة في بعض الفصول، استطلاع أحوال الأمم النائية و معارفها و درجة عمرانها، و هو سفر الاعتبار و الاطلاع على الآثار.

3. الدين- كالحج و الهجرة، الفرار من الاضطهاد في المال أو النفس في أيام الحروب.

4. لشئون سياسية- كتولي الخطط بالأقطار البعيدة، السفارة بالهدايا أو للصلح أو للاستنجاد، تبادل الزيارات بين الملوك، النفي و الأسر.

5. لأمور أدبية- كزيارات الأقارب و الأودّاء لإزالة الشوق و تمكين المحبة و الوفاء بالعهد. أسفار الزفاف عند بعض الأمم.

1- فالتجارة قديمة العهد يميل لها الأفراد و الجماعات و السفر لها إذا كان متخطيا ما جاور أو قرب تكون الأرباح فيه أكثر. أما التجارة البسيطة فتكون حتى للمجاور أو في جهات القطر، و أفراد هذا القسم و إن كانوا أكثر إلا أن ربحهم أقل لكون حياتهم في أمن و معاناتهم للشوق و المشاق أقل، و أوفر ما تكون الأرباح في الفجاج المخوفة، و المسافة الغير المعروفة، و الأمم الغير المألوفة، و بقايا من تلك فيما بين المملكة التونسية و سودان الصحراء الكبرى، و هي بلاد التبروسن الفيل و ريش النعام و غير ذلك مما خص الله به تلك الأصقاع التي سادت فيها السذاجة و اسودت فيها الأجسام و اكفهرت العقول بقدر ما صفا فيه الجو و ضحكت النجوم و تجملت الغزالة. و لصاحبنا السيد علان النبيه النشيط نزيل قابس الآن «و الذكاء و التجارة من قديم في الشرق‏

47

عموما و العراق خصوصا» علم بما يروج في تلك الأقاليم و يجلب منها، و خبرة بطرقها و حداء نوقها، حدثنا عنها كثيرا بغرائب و عجائب، و ربما كان من أسباب الأرباح الطائلة في التجارة الحروب في بعض الأقار لكثرة الحاجة و انقباض المخاطر بماله و حياته و قلة الناض و مثل ذلك سنوات الجدب و المجاعة. و في جميع هاته الأحوال تباع النفائس ما عدا المأكولات و مواد الحرب بثمن بخس لما قررناه، و الغريب أن الحرب موت لأجل الحياة، و ارتفاع الأسعار فيها لمواد الحياة و الموت. و قد سافر الأنبياء (عليهم السلام) و العلماء للتجارة و هي من أسباب الغنى و علامة على نشاط الأمم و حزم الأفراد. و قد قرروا أن السواد الأعظم من الذين رفعوا منار العرب و العربية و وضعوا قواعد الفخر الباقي كانوا من أهل السياحة و التجارة. و من أروبا الآن تسير القطارات و السفن مفعمة بالمصنوعات إلى أطراف القارات و في يد أفرادهم و هم يجوبون في كل مكان كتب بها أمثلة و صور و أسعار كل ما يطلب ترويجا للبضاعة و استدرارا للأموال‏ وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا. و القيروان من قديم محط ركاب التجارة من المشرق و المغرب و السودان لتوسط الموقع و ثروة السلطنة و تعدد نتايج قطرها و مصنوعات سكانها. من ذلك جيد الحبوب و رفيع الزيت وفايق التمر وفاره الحيوان و غريبه، و أنواع الطّيب و أصناف المنسوجات الصوفية المتقنة. و إلى الآن شي‏ء من ذلك كالبسط بالقيروان و القطيفة بالهمامة و الأردية و الأكسية و البرد و البرانس الخفيفة بالجريد و شبه هذه بجربة. و البرانس الشتوية بالكاف و دقة. و ابن خلدون أشار إلى هذا في شأن جربة بقوله: و اختصت جربة بالنسج و عمل الصوف للباسهم فيتخذون منه الأكسية المعلمة للاشتمال و غير المعلمة للباس و يجلب منها إلى الأقطار. و الرياسة بها على الكل لبني النجار من الأنصار من جند مضر، ولاه معاوية على طرابلس سنة ست و أربعين فقدم إفريقية و فتح جربة سنة سبع بعدها. و للمصنوعات الخزفية و نقوشها و أشكالها من عهد الرومان بإفريقيا رونق بديع لا زالت بقايا منه في المتاحف و يستخرجها إلى الآن سكان البادية من مقابرهم بما لا يقل لونها الأحمر القاني عن المصنوعات الملونة الآن بنابل ظرفا و بهاء. و من أهم صادرات القيروان بالخصوص الصوف لكثرة الحيوان الذي يجد في ساحتها و بسائطها نبتا طيبا و مناخا فسيحا.

و من المشتهرين الآن بالأسفار من القيروان إلى أروبا للتجارة السيد الحاج حسين‏

48

النخلي الذي تكررت رحلاته إلى الشرق و الغرب. و من تونس صديقنا الماجد السيد الحبيب ابن الشيخ النشيط الشهير المتجول في القارات الثلاث. و صاحبنا النشيط السيد محمد جمال بتونس الذي اجتمعت به في فيشي ناسجا على منوال والده الحازم ينشر البضايع الشرقية في المصيف بأروبا و في الشتاء في صحراء الجزائر ببسكرة التي يقصدها الأروباويون، فهو يصطاف بلد الثلج و يشتو بلد التمر. و التجارة ربح و راحة، و السيد الشاذلي الخلصي بتونس و السيد عبد الرحمان اللوز بصفاقس، و السيد علاله ابن الحاج الرحالة سنويا بالعطورات التونسية إلى أروبا. و قد شاهدت مركز دكانه في المجكستي بباريز و حسن الذوق في تنسيقه و طيب الرايحة التي قاد بها الأنظار، و جمع حوله سكان باريز في الليل و النهار. و في تجارة الكتب و السفر لجلبها و ترويجها، و بالأخص للنفيس منها و العتيق الغريب يد طولى لصاحبنا السيد محمد الأمين الكتبي، و شيخ الجميع الثقة الخبير سيدي الحاج محمد المبزع الذي شد الرحال إلى الهند و بغداد و القسطنطينية و أروبا. و في القديم سافر محمد بن سعدون القيرواني في أواسط القرن الخامس بقصد التجارة فطاف بلاد المغرب و الأندلس و هو من أهل العلم و التأليف.

و أكثر أصحاب الاغتراب في التجارة بالمملكة التونسية أهالي صفاقس و جربة و المنستير، و أبناء البلد الأخير مثل أبناء مدينة نابل و قرى الساحل ممن يستسهلون الاغتراب في طلب العلم و تولي الوظائف كما سيأتي في القسم السياسي.

و قد يكون السفر لطلب الرزق بالممالك البعيدة التي تحتاج لأرباب الحرف و الصنائع إما لثروة تلك المملكة و كثرة أعمالها التي تستلزم الاستعانة بأيدي أفراد البشر النائين أو لافتقار السكان الأصليين لمن يستخرج كنوز أراضيهم و يدير دولاب شئونهم الداخلية.

و هكذا كانت القارة الجديدة «أمريكا»، و لا زالت إلى الآن في دوري تأخرها و ترقّيها وجهة المهاجرين من القارات القديمة حتى عبر عنها بعض أرباب الرحلات ببلاد الذهب. و هذا المعدن الشريف نور يتهافت عليه فراش البشر في ليل الحياة المدلهمة التي لا يعرف صاحبها أين يذهب، و لا في أي مكان يبيت أو يصبح، فكلما لاحت له بارقة نجاح طار إليها.

49

و المهاجرون من أروبا لهذا الغرض على النسبة الآتية و أكثرهم من إيطاليا لكثرة النسل و حاجة الأمة، و أقل المفارقين لمملكتهم أمة فرنسا لثروة الأمة و حضارة العنصر و خصب التربة و حرية الجنس و عدل الحكومة. و حق لمن كانت هاته حالة أمته و مملكته أن لا يفارقها أو يرضى بما سواها بديلا، و أماني الحكماء و مدائح الشعراء تقول:

و كنت فيهم كممطور ببلدته‏* * * يسر أن يجمع الأوطان و الوطرا

و إليك جدولا في المهاجرين من أروبا بالنسبة للمائة ألف:

15 فرنسا

45 ألمانيا

50 هولانده‏

140 السويس‏

170 الدانمارك‏

480 السويد

530 إسبانيا

530 البرتكال‏

546 النمسا

590 انكلتيرا

840 النرويج‏

1120 إيطاليا

و في السنوات الأخيرة كثر سفر الراغبين في الاسترزاق إلى جهات المغرب الأقصى بعد ما مدت عليه دولة فرانسا جناح الحماية و ظلّ أمن السبل، و سرت فيه روح العمران، و تدرجت فيه حرية العمل و تعارفت أبناء البشر على أديم تربته. و الحياة ميدان عمل، فكما أن العلم يطلب و لو بالصين، و هو حياة للروح، كذلك منافع حياة

50

البدن و استدرار الأرزاق تركب إليها متون البحار إلى سائر الأقطار.

إذا نزل الربيع بأرض قوم‏* * * رعيناه و لو كانوا غضابا

2- و التغلب و الاستيلاء يكون في دور العصبيات أو الوطنية التي قامت مقامها في القرون الأخيرة، و اتساع المطامع و حب السيادة، و يكون على المجاور قبل البعيد حفظا لخط الرجعة، و يدل على ما للدولة أو الأمة من قوة الساعد و مضاء العزيمة و بذل الدماء العزيزة لتشترى بها الأموال الغزيرة. أما في دواخل المملكة الواحدة فهو عيث و فساد و من علامات ضعف الحكومة و انشقاق وحدة الأمة و افتراق كلمتها و اختلاف جماعتها و استعدادها للفقر للعاجل، و الانخذال أمام كل طارق أو منازل. و في دور الحماية انقطعت مشاغبات القبايل بالمملكة التونسية و تمهدت طرق الأمن و عمرت الطرقات في القفر مثل شوارع المدن.

و من الذين طوحت بهم الأسفار في الفتوحات من العرب فيما يرجع لإفريقيا عبد الله بن سعد بن أبي سرح سنة 27 و العبادلة الذين معه و أبناء فاطمة الزهراء، و جيشه الذي به عشرون ألفا اجتازوا صحراء برقة من مصر و تجازوا قابس و صمموا على سبيطلة بعد الاستراحة في بسايط القيروان الآن. و رجعوا بعد خمسة عشر شهرا بثلاثمائة قنطار من الذهب صلحا أو مليونين و نصف من الدنانير التي ضربها جرجير باسمه و صورته مستبدا على القسطنطينية، عدا ما ناب الفرس و هو ثلاثة آلاف دينار و فارسه ألف دينار و الراجل ألف و كذا الخمس أربعمائة ألف دينار. ثم جيش عقبة بن نافع عام 62 إلى شاطئ المحيط الأطلانتيكي الذي خاضه بقوايم فرسه بعد أن سبح في بحار الرمال بالسودان.

ثم موسى بن نصير سنة 93 من القيروان، و ابنه عبد العزيز من بعده إلى دروب جبال البيريني و فجاجها حتى مسك بعنان فرس موسى حنش الصنعاني و ذكره في عواقب الإبعاد في الترحال و ما جرى لعقبة من تألب أمم البربر عليه و سد الطرق في وجهه عند رجوعه. و معلوم أن الإيغال في الفتح و الإبعاد في السفر، من أسباب الخطر. و سيأتي ما جرى لأبي الحسن المريني ملك المغرب الأقصى لما رام ضم‏

51

إفريقية إلى سلطنته الطويلة العريضة البرية و البحرية. فآب موسى عام 94 و هو يجر الدنيا وراءه بذخاير ملوك إسبانيا على مائة و أربع عشرة عجلة تتداول عليها الأزواج في كل يوم بعد أن قال لحنش ما معناه: لو تركتموني لوقفت بكم على أبواب رومة، و هي أعظم مدينة بأروبا في عصرها.

ثم جيش أسد ابن الفرات في البحر عام 212 إلى جزيرة صقلية، ثم القايد جوهر الكاتب الصقلي رمى به المعز لدين الله العبيدي المغرب الأقصى فدوخه ثم شرق إفريقيا الأقصى، و هو مصر، فافتتحه عام 358. و أسس مع دعائم الملك جدران الجامع الأزهر عام 359، و نقل إليها المعز لدين الله كرسي خلافته عام 362 من صبرة منصورية أبيه الملاصقة لمدينة القيروان، و الآن مكسوة الأطلال بتين الهندي. و من الأفراد الذين نجحوا في التغلب على الممالك و تأسيس الدول بها عبد الرحمان الداخل الذي أقام خلافة بالأندلس بعد أن فرّ بدمه في ظهور الدولة العباسية و خلص إلى المغرب عام 138 و سماه أبو جعفر المنصور صقر قريش. كما قال فيه لمناسبة أخرى: الحمد لله الذي جعل البحر بيننا و بين هذا الشيطان. و إدريس الذي نجا في واقعة فخ بجهات مكة من العباسيين إلى إفريقية و ظهر أمره المغرب الأقصى عام 171، و أقام دولة له و لبنيه قاعدتها مدينة فاس. و عبيد الله المهدي عقد النية من مكة مع ابنه أبي القاسم على مداخلة البربر و الدخول لبلادهم، و بعد أن سجن في سجلماسة آل أمره إلى تأسيس خلافة عبيدية بالقيروان فوق الستين عاما، إلى أن انتقل رابع بنيه إلى مدينة القاهرة المعزية بمصر، و أناب يوسف بلكيز بن زيري بن مناد على إفريقية، و أوصاه على أن لا يرفع السيف على البربر و لا الجباية على أهل البادية و أن لا يولي أحدا من أقاربه. و لكن ذريته من بعده خالفوا الوصية فالتوى عليهم الأمر و انقسم ملكهم و نكروا الجميل أخيرا لأولياء نعمتهم، فعاد على المملكة من جراء ذلك ما سيتلى في استيلاء العرب من هلال على إفريقية بأواسط القرن الخامس.

و المهدي ابن تومرت الذي آب من آسيا مملوء الوطاب من تعاليم الإمام الغزالي و اخترق إفريقيا بحرا متفجرا من علم، و شهابا واريا من دين، و أسس الدولة الموحدية بالمغرب الأقصى التي ضمت جناحيها على عدوتي الأندلس و إفريقيا في أوايل القرن السادس.

52

أما الأمم التي تغلبت على إفريقية أي المغرب الأدنى المعروف بالمملكة التونسية و على البرابرة السكان الأصليين، و هم أبناء حام بن نوح الذي دعا عليه أبوه نوح بأن يكون ذريته عبيدا و خولا لولد أخويه سام و يافث، و كان دينهم المجوسية إلّا في بعض الأحايين يدينون بدين من غلب عليهم من الأمم، و لا يعلم عددهم و آماد أجيالهم إلّا من خلقهم. فيقال أول من غزاهم عرب اليمن و إن إفريقيا نسبة إلى إفريقش. قال الحموي: ذكروا أنه لما غزا المغرب انتهى إلى موضع واسع رحيب كثير الماء فبنى هناك مدينة و سماها إفريقية اشتق اسمها من اسمه، ثم نقل إليها الناس ثم نسبت تلك الولاية بأسرها إلى هذه المدينة، ثم انصرف إلى اليمن فقال بعض أصحابه:

سرنا إلى المغرب في جحفل‏* * * بكل قرم أريحي همام‏

نسري مع إفريقش ذاك الذي‏* * * ساد بعز الملك أولاد سام‏

قالوا فلما اختط المسلمون القيروان خربت إفريقية و بقي اسمها على الصقع جميعه.

ثم ملوك العرب الرعاة بمصر حوالي سبع عشرة مائة قبل المسيح، و لكن لم يبق من أثر مدون يخبر بتفاصيل هذا الاحتلال و تحقيقه.

و الفنيقيون بدأوا أمرهم بالتجارة بإفريقيا، و هي من مقدمات الاستيلاء للتعرف بطرق البلاد و الاطلاع على مكامن الضعف و ترقّب الفرص و اتخاذ البطانة و تسريب الأموال للأعوان و الأدلاء، فدامت دولتهم من سنة 880 ق م إلى سنة 146 ق م، ثم أمة الرومان من سنة 146 ق م إلى 439 سنة ب م ثم أمة الفندال 439- 534.

ثم الروم «الكريق» 534.

ثم العرب 27 ه، و قد تقدم ذكر عبد الله بن أبي سرح.

ثم قبايل الهلاليين لما أمر المعز بن باديس بلعن عبيد الله في الخطب، فخطب قاضي مدينة صبرة و إمام الجامع الأعظم بها القاضي محمد بن جعفر و قال: اللهم و العن الفسقة الكفار. و أمر السلطان خطيب جامع القيروان أن يفعل مثل ذلك على‏