الدارس في تاريخ المدارس‏ - ج1

- عبد القادر بن محمد النعيمي الدمشقي المزيد...
500 /
3

[الجزء الاول‏]

[فاتحة الكتاب‏]

بسم اللّه الرحمن الرحيم [و به نستعين‏]

الحمد للّه اللطيف بخلقه، و الشكر للّه الكريم برزقه. المدح للّه على أحكامه في قسمه، المانّ على خلقه بنعمه. و صلى اللّه على سيدنا محمد سيد المرسلين، و خاتم النبيين. و رضي اللّه تعالى عن الآل و الصحب و التابعين و تابعيهم باحسان إلى يوم الدين.

أما بعد فلما رأيت غالب أماكن الخير الموقوفة بدمشق الشام اندرست، و بعضها أخذت الأيام بهجتها و البقاع انطمست، سنح لي أن أشرع في جمع تراجم تحيى لها ذكرا، و تذيع لطيّ عرفها بين الأنام نشرا، فإذا شيخنا الامام العالم المؤرخ المحقق المدقق محيي الدين أبو المفاخر عبد القادر بن محمد النعيمي‏ (1) الشافعي قد سبقني إلى جمع ذلك، و لم يبق في استيعابه طريقا للسالك، متع اللّه المسلمين بحياته، و أعاد علينا و عليهم من جزيل بركاته، و لكنها عنده في مسودّتها إلى الآن، فسألته في تبييضها على طول الزمان، فتعلل بضعف الحال، و همّ العيال، ثم أمرني بتعليق ذلك ناسجا على منواله، فقابلت أمره بامتثاله، غير أني ربما اختصرت تراجم متصدريها الأعلام، اعتمادا على الطبقات و تواريخ الاسلام، و ها أنا أشرع فيما أراد مستعينا برب العباد فأقول: قد روينا في مسند الفردوس‏ (2) و غيره من رواية يونس بن‏

____________

(1) ترجمته في شذرات الذهب 8: 153- توفي 927 هجرية.

(2) للديلمي و هو تحت الطبع في دار الكتب العلمية بيروت و ينتظر صدوره كاملا نهاية عام 1405 هجرية.

4

عطاء من ولد الصدائي الصحابي عنه قال رضي اللّه عنه سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: من طلب العلم تكفّل اللّه له برزقه، و يونس المذكور ذكره الذهبي‏ (1) في الضعفاء و المتروكين قال العلامة شمس الدين البرماوي‏ (2): أي من طلب علم دين اللّه ليحفظه على خلقه، تكفل اللّه برزقه معونة له لأن حافظ العلم كالنائب عن اللّه تعالى.

و اعلم أن اللّه تعالى وليّ رزق غير طالب العلم، لكن لطالب العلم خصوصية و هي الكفالة و هي ضمان كفايته، و ارسالها له عفوا من غير معاناة أسبابه، و هذا يشاهد المحصلون عيانا، و قد أقيم لهم بناء المدارس و الأوقاف و نحوها بما حصل به كفايتهم تدرّ عليهم بلا نصب، بخلاف غيرهم من الناس، و الكفاية بالرزق خير الرزق.

و في غريب الحديث لابن قتيبة (3) أن ساعة من العالم على فراشه يتفكر في علم اللّه تعالى أحب إلى اللّه تعالى من عبادة العابدين أربعين عاما و في هذا قال الامام الشافعي (رحمه اللّه تعالى) الاشتغال بالعلم أفضل من صلاة النافلة انتهى.

و أفادني تلميذ شيخنا العلامة زين الدين أبو الخير مفلح بن عبد اللّه الحبشي المصري ثم الدمشقي الشافعي (رحمه اللّه تعالى)، أن اللّه تعالى جعل العلم و الجور غالبا بالمدن، و جعل الرزق و الجهل غالبا بالبر: فبعلم علماء المدن يسوق اللّه تعالى إليهم الرزق من البرّ، و بجهل جهال أهل البرّ يسوق اللّه تعالى إليهم الجور من المدن اه. فحينئذ العلم سبب لسوق الرزق إلى أهله، و إلى بقية أهل المدن من الترك و غيرهم من العوام فسبحان اللّه الحكم الخبير.

____________

(1) صاحب كتاب تاريخ الاسلام، و العبر، و مؤلفات كثيرة في الرجال شذرات الذهب 6:

164 توفي 749 هجرية.

(2) محمد بن عبد الدايم، بن عيسى، شذرات الذهب 7: 197 توفي 831 هجرية.

(3) صدر الكتاب مؤخرا عن دار الكتب العلمية في مجلدين، و ابن قتيبة هو ابو محمد عبد اللّه ابن مسلم بن قتيبة الدينوري توفي 276 هجرية شذرات الذهب 2: 169.

5

وفد استخرت اللّه تعالى في جمع كتاب في ضبط الأماكن التي وقفها بدمشق ساق اللّه تعالى الخير على يديه و وقفوا على ذلك أوقافا دارّه، تدرّ كل حين على حكم ما وقفوها عليه إعانة لنشر علم علماء الشريعة الغراء، و مآخذها الزهراء، جزاهم اللّه تعالى أحسن الجزاء، و جعل حظهم في الآخرة موفور الأجزاء، و أتقى مقاصدهم على مدى الدهر بعمارة وقفهم إلى يوم الدين بمحمد و آله و صحبه و حزبه المفلحين آمين.

و سميته تنبيه الطالب و إرشاد الدارس لأحوال مواضع الفائدة بدمشق كدور القرآن و الحديث و المدارس، و ما يلتحق بذلك من الربط و الخوانق و الترب و الزوايا من بيان أماكنها، و أوقاف إنشائها، و تراجم واقفيها، و ذكر أوقافهم و شروطهم، إن وقع لي ذلك لما في ذلك من المزايا مرتبا لذكر الأماكن المذكورة على حروف المعجم على ترتيب كل نوع منها كما تقدم.

و هو أني أذكر دور القرآن، ثم دور الحديث، ثم مدارس الأئمة الأربعة، لكني أبدأ بمدارس أئمتنا الشافعية ثم الحنفية ثم المالكية ثم الحنابلة، ثم أذكر مدارس الطب، ثم الربط، ثم الخوانق، ثم الترب، ثم الزوايا، و أذكر تراجم المتصدرين بكل واحدة منها من حين أنشئت واحدا بعد واحد إلى آخر وقت ما أدركته، حسبما اطلعت عليه في ذلك كله من كلام الائمة، و حسبما رأيته و حققته. و أما الجوامع و المساجد فهي كثيرة جدا لا يسعني ذكرها في هذا الكتاب، و إن مدّ اللّه تعالى في العمر أفردتها في مجلد من كلام الحافظ ابن عساكر و من بعده إلى آخر وقت مع الاسهاب و الاطناب. و اللّه سبحانه و تعالى أسأل أن يسهل علي تيسير كل عسير، إنه على كل شي‏ء قدير.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

فصل دور القرآن الكريم‏

1- دار القرآن الخيضرية

شمالي دار الحديث السكرية بالقصّاعين أنشأها في سنة ثمان و سبعين و ثمانمائة قاضي القضاة قطب الدين أبو الخير محمد بن محمد بن عبد اللّه بن خيضر الخيضري الدمشقي الشافعي الحافظ، و رتب فيها الفقراء و الجوامك و الخبز، و وقف على تربته لصيق المنجكية بمحلة مسجد الذبان و على مطبخ باب الفراديس و مطبخ بني عديسة بالمدينة المنورة- على الحالّ بها أفضل الصلاة و أتم السلام- أوقافا دارة. ولد سنة احدى و عشرين و ثمانمائة بدمشق و نشأ يتيما في حجر والدته، و حفظ القرآن و التنبيه، و اشتغل بتحصيل الحديث و سمع بمكة المشرفة و القدس و بعلبك و مصر و تخرج فيه بابن حجر (1)، و تفقه بالتقي ابن قاضي شهبة (2) و غيره، أخذ النحو عن البصروي و خرج له التحرير و فهرس مشيخة، و له مؤلفات منها طبقات الشافعية، و شرح الألفية أي ألفية العراقي‏ (3) و شرح التنبيه و ولي تدريس دار الحديث الأشرفية و وكالة بيت المال و كتابة السرّ و قضاء الشافعية. توفي (رحمه اللّه تعالى) سنة أربع و تسعين و ثمانمائة و دفن بتربته بالقاهرة.

____________

(1) الحافظ شهاب الدين ابو الفضل احمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني صاحب فتح الباري و كتب كثيرة في علم الرجال و الحديث. شذرات الذهب 7: 270. توفي 852 هجرية.

(2) تقي الدين ابو بكر بن شهاب الدين احمد بن محمد بن قاضي شهبة توفي 851 هجرية شذرات الذهب 7: 269.

(3) الحافظ عبد الرحيم بن حسين العراقي المتوفى سنة 806 هجرية. شذرات الذهب 7: 55.

8

2- دار القرآن الكريم الجزرية

قيل انها بدرب‏ (1) الحجر قال الحافظ ابن حجر في سنة اربع و ثلاثين و ثمانمائة محمد بن محمد بن محمد بن يوسف الحافظ الامام المقري شمس الدين ابن الجزري‏ (2) ولد ليلة السبت الخامس و العشرين من شهر رمضان سنة احدى و خمسين و سبعمائة بدمشق و تفقه بها و لهج بطلب الحديث و القرآن و برّز في علم القراءات، و عمّر مدرسة للقراء و سماها دار القرآن و أقرأ الناس و عين لقضاء الشام مدة، و كتب توقيعه عماد الدين ابن كثير (3) ثم عرض عارض فلم يتم ذلك و قدم القاهرة مرارا و كان مثريا و شكلا حسنا و فصيحا بليغا، و أطال ترجمته توفي في أوائل سنة ثلاث و ثلاثين و ثمانمائة.

3- دار القرآن الكريم الدلامية

بالقرب من الماردانية بالجسر الابيض بالجانب الشرقي من الشارع الآخذ اليه بالصالحية و فيها تربة الواقف أنشأها الجناب الخواجكي الرئيسي الشهابي أبو العباس أحمد بن المجلس الخواجكي زين الدين دلامة ابن عز الدين نصر اللّه البصري أجل أعيان الخواجكية بالشام الى جانب داره و وقفها في سنة سبع و أربعين و ثمانمائة كما رأيته في كتاب وقفها و رتب بها إماما. و له من المعلوم مائة درهم، و قيما و له مثل الامام، و ستة أنفار من الفقراء الغرباء المهاجرين في قراءة القرآن و لكل منهم ثلاثون درهما في كل شهر و من شرط الامام الراتب أن يتصدى شيخا لاقراء القرآن للمذكورين و له على ذلك زيادة على معلوم الامامة عشرون درهما، و ستة أيتام بالمكتب أعلى بابها، و لكل منهم عشرة دراهم في كل شهر أيضا، و قرر لهم شيخا و له من المعلوم‏

____________

(1) راجع البداية و النهاية 13: 219.

(2) شذرات الذهب 7: 204.

(3) إسماعيل بن عمر صاحب كتاب البداية و النهاية توفي 774 هجرية شذرات الذهب 6:

231.

9

ستون درهما في كل شهر و قراءة البخاري في الشهور الثلاثة، و له من المعلوم مائة درهم و عشرون درهما، و ناظرا و له من المعلوم في الشهر ستون درهما، و عاملا و له من المعلوم كل سنة ستمائة درهم، و رتب للزيت في كل عام مثلها، و للشمع لقراءة البخاري و التراويح مائة درهم، و لأرباب الوظائف خمسة عشر رطلا من الحلوى و رأسي غنم أضحية، و لكل من الأيتام جبة قطنية و قميصا كذلك و منديلا، و قرر قاري‏ء يوم الثلاثاء من كل اسبوع و له في الشهر ثلاثون درهما و شرط على أرباب الوظائف حفظ حزب الصباح و المساء لابن داود (1)، يقرءونه بعد صلاة الصبح و العصر، و أن يكون الامام هو القارئ للبخاري و القارئ على ضريح الواقف، و القيم هو البواب و المؤذن ثم توفي (رحمه اللّه تعالى) في ثامن عشر المحرم سنة ثلاث و خمسين و ثمانمائة و قد قارب الثمانين و أول من باشر الامامة و المشيخة الشيخ شمس الدين البانياسي و قراءة الميعاد الشيخ شمس الدين ابن حامد (2).

4- دار القرآن الكريم الرشائية

بدرب الخزاعية شمالي الخانقاه السميساطية بباب الناطفانيين أنشأها رشأ بن نظيف بن ما شاء اللّه أبو الحسن الدمشقي في حدود سنة أربعمائة قال الصلاح الصفدي‏ (3) في كتابه (الوافي على الوفيات) في حرف الراء رشأ (4) بن نظيف بن ما شاء اللّه أبو الحسن الدمشقي المقري قرأ بحرف ابن عامر (5) على أبي الحسن بن داود الداراني‏ (6) و له دار موقوفة على القراء توفي (رحمه اللّه تعالى) سنة اربع و أربعين و أربعمائة انتهى ملخصا.

____________

(1) زين الدين ابو الفرج عبد الرحمن بن ابي بكر، توفي 856 هجرية. شذرات الذهب 7:

288.

(2) محمد بن عيسى بن ابراهيم توفي 778 هجرية.

(3) خليل بن أيبك بن عبد اللّه توفي 764 هجرية. شذرات الذهب 6: 200.

(4) شذرات الذهب 3: 271.

(5) ابو عمران عبد اللّه بن عامر اليحصبي توفي 118 هجرية. شذرات الذهب 1: 156.

(6) علي بن داوود القطان توفي 402 هجرية. شذرات الذهب 3: 164.

10

و قال الأسدي في كتابه (الاعلام بتاريخ الاسلام): في سنة أربع و أربعين و أربعمائة رشأ بن نظيف ولد في حدود سنة سبعين و ثلاثمائة و قرأ بحرف ابن عامر على أبي الحسن بن داود الداراني و قرأ بمصر و العراق بالروايات و سمع الحديث من عبد الوهاب الكلابي‏ (1) و أبي مسلم الكاتب‏ (2) و أبي عمرو بن مهدي‏ (3) و جماعة كثيرة روى عنه رفيقه أبو علي الأهوازي‏ (4) و عبد العزيز الكناني‏ (5) و أحمد بن عبد الملك المؤذن‏ (6) و آخرون، و قرأ عليه جماعة آخرهم موتا أبو الوحش سبيع ابن قيراط (7). قال الكناني و كان ثقة مأمونا انتهت إليه الرياسة في قراءة ابن عامر (رحمه اللّه تعالى). و قال الذهبي له دار موقوفة على القراء بباب الناطفانيين. و قال الكتبي‏ (8) هي التي جوار خانقاه السميساطية من الشمال. قلت و قد زالت عينها و أدخلت في غيرها توفي (رحمه اللّه تعالى) في المحرم انتهى. و أظنها الآن هي الإخنائية التي أنشأها قاضي القضاة بدمشق شمس الدين محمد ابن القاضي تاج الدين محمد ابن فخر الدين عثمان الاخنائي‏ (9) الشافعي و دفن بها في شهر رجب سنة ست عشرة و ثمانمائة. و كان باب الخانقاه السميساطية قديما هنا ثم حول في أيام تاج الدولة تتش‏ (10) إلى دهليز الجامع الأموي حيث هو الآن باذنه في ذلك.

____________

(1) ابو الحسين الكلابي عبد الوهاب بن الحسن توفي 396 هجرية. شذرات الذهب 3: 147.

(2) محمد بن احمد بن علي البغدادي توفي 399 هجرية. شذرات الذهب 3: 156.

(3) أبو عمر بن مهدي عبد الواحد بن محمد البزاز توفي سنة 410 هجرية. شذرات الذهب 3:

192.

(4) الحسن بن علي توفي 446 هجرية. شذرات الذهب 3: 274.

(5) عبد العزيز بن أحمد الكتاني توفي 466 هجرية. شذرات الذهب 3: 325.

(6) ابو صالح المؤذن النيسابوري. توفي سنة 470 هجرية. شذرات الذهب 3: 335.

(7) سبيع بن مسلم الدمشقي المقرئ الضرير توفي 508 هجرية. شذرات الذهب 4: 23.

(8) المؤرخ صلاح الدين محمد بن شاكر الداراني توفي سنة 764 هجرية. شذرات الذهب 6:

203.

(9) محمد بن محمد السعدي توفي 816 هجرية.

(10) ابو سعيد ابن السلطان ألب ارسلان توفي 488 هجرية. شذرات الذهب 3: 384.

11

5- دار القرآن الكريم السنجارية

تجاه باب الجامع الشمالي المسمى الناطفانيين قال ابن كثير في سنة خمس و ثلاثين و سبعمائة علاء الدين علي بن إسماعيل بن محمود السنجاري، واقف دار القرآن عند باب الناطفانيين شمالي الأموي بدمشق كان أحد التجار الصدق الأخيار ذوي اليسار المسارعين إلى الخيرات توفي (رحمه اللّه تعالى) بالقاهرة ليلة الخميس ثالث عشر جمادى الآخرة. و قال الحافظ البرزالي في سنة خمس و ثلاثين و سبعمائة و في الخامس و العشرين من جمادى الآخرة وصل الخبر إلى دمشق بموت علاء الدين السنجاري التاجر المشهور و كانت وفاته ليلة الخميس ثالث عشر جمادى الآخرة بالقاهرة و صلي عليه على باب زويلة و دفن عند قبر القاضي شمس الدين ابن الحريري‏ (1) الحنفي و كان رجلا جيدا فيه ديانة و برّ و أنشأ دار القرآن السنجارية قبالة باب الناطفانيين أحد أبواب الجامع الأموي بدمشق و رتب فيها جماعة يقرءون القرآن و يتلقونه و له مواعيد حديث و كتب إلي بموته زين الدين الرحبي و أنه مات فجأة و كانت جنازته حافلة و رؤيت له منامات صالحة انتهى.

6- دار القرآن الكريم الصابونية

خارج دمشق قبلي باب الجابية غربي الطريق العظمي و مزار أوس بن أوس الصحابي رضي اللّه عنه، و بها جامع حسن بمنارة تقام فيه الجمعة و تربة الواقف و أخيه و ذريتهما إنشاء المقر الخواجكي أحمد الشهابي القضائي ابن علم الدين ابن سليمان بن محمد البكري الدمشقي المعروف بالصابوني ابتدأ في عمارة ذلك في شهر ربيع الأول سنة ثلاث و ستين و ثمانمائة و فرغ منه في سنة ثمان و ستين و ثمانمائة و خطب به شيخنا قاضي القضاة جمال الدين يوسف ابن قاضي‏

____________

(1) محمد بن عثمان بن أبي الحسن توفي سنة 728 هجرية، شذرات الذهب 6: 88.

12

القضاة شهاب الدين أحمد الباعوني‏ (1) الشافعي في شعبان سنة ثمان و ستين و ثمانمائة و ذكر في خطبته فضل بناء المساجد ثم خطب بها صاحبنا العالم علاء الدين علي بن يوسف بن علي بن أحمد البصروي‏ (2) الشافعي إلى سنة تسعين و تولى إمامتها صاحبنا العالم عبد الصمد الجبرتي الحنفي ثم توفي فتولاها ابن معروف الجبرتي‏ (3) و شرط الواقف النظر في ذلك لنفسه ثم لذريته، ثم نصف النظر لحاجب دمشق كائنا من كان، و النصف الآخر للامام، و شرط قراءة البخاري في الثلاثة أشهر، و شرط في الخطيب أن يكون شافعي المذهب، و في الامام أن يكون من الطائفة المباركة الجبرتية، و أن يكون حنفيا و أن يكون معه عشرة فقراء من جنسه يقريهم القرآن الحكيم، و جعل للإمام في المكان المذكور قاعة لسكنه و عياله، و جعل للفقراء خلاوي عدة عشرة فإن لم يوجد الإمام من الجبرتية الحنفية فيمانيا فإن لم يوجد فحجازيا فإن لم يوجد فآفاقيا، و جعل للمنارة عدة سنة مؤذنين، و جعل قيما و بوابا و فراشا و جابيا للوقف، و بنى أيضا تجاه المكان المذكور بشرق مكتبا لأيتام عشرة بشيخ يقريهم القرآن العظيم، بمعاليم شرطها لهم معلومة تصرف عليهم من جهات عديدة منها: عدة قرى غربي مدينة بيروت تحت يد أمير الغرب بالعين المعجمة تعرف هذه القرى بالصابونية و منها جميع قرية مديرى بالغوطة من المرج الشمالي و منها قرية ترحيم بالبقاع عدة فدان و نصف فدان و منها بقرية الصويرة أربعة فدادين و منها القرعون في البقاع ربعها. و منها بقرية كحيل بحوران عدد ستة فدادين.

و منها بقرية الخيارة قبلي دمشق عدة فدان و نصف فدان. و منها بقرية السبينة الغربية عدة فدان و نصف و منها بقرية بيت الأبيار مزرعة تعرف بالسياف و منها بقرية جرمانا ربع بستان و منها بالوادي التحتاني بستان يعرف بالوثاب و منها بقرية عين ترمابستان واحد و منها بقرية سقبا عدة سبع قطع أرض‏

____________

(1) يوسف بن احمد بن ناصر توفي سنة 880 ه. شذرات الذهب 7: 330.

(2) العاتكي الدمشقي توفي سنة 905 ه، شذرات الذهب 8: 27.

(3) عمر بن معروف الجبرتي توفي سنة 946. شذرات الذهب 8: 266.

13

و منها بقرية حمّورية بستان واحد و منها بقرية برزة و منها بقرية جوبر عدة أربعة بساتين و منها بالنيرب الفوقاني عدة بساتين و منها بأرض المزّة عدة أربعة بساتين و منها بقرية كفرسوسة عدة أربعة بساتين و منها بأرض قينية عدة ثلاثة بساتين و أما المسقف الذي بباطن دمشق و خارجها فمنها: خان البقسماط و منها بعين لؤلؤة قاعة واحدة و منها بالدباغة حانوت واحد و منها بالعقيبة الكبرى عدة أربع طباق و منها بالعقيبة أيضا خان طولون و منها. بسوق عمارة الأخنائي عدة ثلاثة حوانيت شركة الحرمين الشريفين، و منها بمحلة مسجد القصب عدة ستة حوانيت، و منها جوار الجامع الأموي عدة قاعتين، و منها جوار المارستان النوري عدة أربع طبقات، و منها جوار باب دمشق طبقة واحدة، و منها بالقضمانية عدة أربعة حوانيت، و منها بباب الجابية عدة ستة حوانيت، و منها بمحلة سوق الهواء خان واحد، و منها بمحلة قصر حجاج خان واحد.

و أما ما وقفه يوسف الرومي مملوك الواقف غربي مصلى العيدين جوار بستان الصاحب فبستان واحد، و بقرية كفرسوسية معصرة الزيتون و قاعة لصيق الجامع و التربتين المذكورتين و علوها طبقة أخرى قبلي ذلك و علوها عدة طبقتين و اللّه أعلم.

7- دار القرآن الكريم الوجيهية

قبلي المدرسة العصرونية و المسرورية و غربي الصمصامية التي شمال الخاتونية و إلى زقاقها يفتح بابها. قال السيد شمس الدين الحسيني في ذيله على العبر: في سنة إحدى و سبعمائة الشيخ وجيه الدين محمد بن عثمان بن المنجا التنوخي رئيس الدماشقة عن إحدى و سبعين سنة، حدثنا عن جعفر الهمداني‏ (1) و غيره، و هو واقف دار القرآن المذكور آنفا، و قال الصفدي في الوافي في كلامه على‏

____________

(1) ابو الفضل جعفر بن علي بن هبة اللّه الهمداني الاسكندراني توفي سنة 636 ه، شذرات الذهب 5: 180.

14

المحمدين ما عبارته: وجيه الدين بن المنجا محمد بن عثمان الإمام الرئيس شيخ الأكابر و شيخ الحنابلة أبو المعالي التنوخي الدمشقي ولد سنة ثلاثين و توفي سنة إحدى و سبعمائة، و سمع من اللتي‏ (1) حضورا، و من جعفر الهمداني، و مكرم‏ (2)، و سالم بن صصرى، و حضر ابن المقير (3)، و حمل عنه الجماعة، و درس بالمسمارية، و كان صدرا محترما دينا محبا للأخيار صاحب أملاك و متاجر و برّ و أوقاف، أنشأ دارا للقرآن الكريم بدمشق و رباطا بالقدس الشريف، و عمل ناظرا لجامع الأموي تبرعا، و كان مع سعة ثروته مقتصدا في ملبسه، و توفي بدار القرآن في شعبان في التاريخ المتقدم .. انتهى.

____________

(1) عبد اللّه بن عمر بن علي القزاز توفي سنة 635، شذرات الذهب 5: 17.

(2) ابو المفضل مكرم بن محمد بن حمزة القرشي الدمشقي المعروف بابن أبي الصقر توفي سنة 635 ه، شذرات الذهب 5: 174.

(3) ابو الحسن علي بن أبي عبد اللّه الحسين بن علي البغدادي توفي سنة 643 ه، شذرات الذهب 5: 223.

15

فصل دور الحديث الشريف‏

8- دار الحديث الأشرفية

جوار باب القلعة الشرقي غربي العصرونية و شمالي القيمازية الحنفية قال ابن كثير في تاريخه: و قد كانت دار الحديث الأشرفية دارا لهذا الأمير يعني صارم الدين قايماز بن عبد اللّه النجمي واقف القيمازية و له بها حمام، فاشترى ذلك الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن العادل‏ (1)، و بناها دار حديث و أخرب الحمام، و بناه سكنا للشيخ المدرس بها انتهى.

و قال الذهبي في مختصر تاريخ الإسلام، في سنة ثمان و عشرين و ستمائة و فيها أمر الملك الأشرف بعمل دار الأمير قايماز النجمي دار حديث فتمت في سنتين و جعل شيخها الشيخ تقي الدين بن الصلاح‏ (2) انتهى. و ذكر السبط (3) في سنة ثلاثين و ستمائة في ليلة النصف من شعبان فتحت دار الحديث الأشرفية و أملى بها الشيخ تقي الدين بن الصلاح الحديث، و وقف عليها الملك الأشرف الأوقاف، و جعل بها نعل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، قال: و سمع الملك الأشرف صحيح‏

____________

(1) شذرات الذهب 5: 175.

(2) عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري الكردي توفي سنة 643 هجرية، شذرات الذهب 5:

221.

(3) ابن الجوزي يوسف بن فرغلي توفي سنة 654 هجرية، شذرات الذهب 5: 266.

16

البخاري في هذه السنة على الزبيدي‏ (1)، قلت و كذا سمعوا عليه بالدار و بالصالحية انتهى. و قال في سنة خمس و ثلاثين و ستمائة فيها كانت وفاة الملك الأشرف و بسط ذلك مطولا. و من شرطه في الشيخ أنه إذا اجتمع من فيه الرواية، و من فيه الدراية، قدم من فيه الرواية. و الشيخ تقي الدين ابن الصلاح المذكور هو الامام العلامة مفتي الإسلام أبو عمرو عثمان ابن الشيخ الإمام البارع الفقيه المفتي صلاح الدين أبي القاسم عبد الرحمن بن عثمان بن يونس بن أبي نصر النصري بالنون الكردي الشهرزوري، ولد سنة سبع و سبعين بتقديم السين فيهما و خمسمائة و تفقه على والده، ثم نقله إلى الموصل فاشتغل فيهما مدة و برع في المذهب.

قال ابن خلكان: بلغني أنه كرر جميع كتاب المهذب و لم يطرّ شاربه ثم ولي الإعادة عند العماد ابن يونس‏ (2) انتهى. و سمع الكثير بالموصل و في بغداد و ديز و نيسابور و مرو و همذان و دمشق و حرّان من خلائق، و درس بالقدس الشريف في الصلاحية، فلما خرب الملك المعظم أسواره قدم دمشق. قال الذهبي و إنما خربها لعجزه، ثم لما تملك نجم الدين أيوب امر بعمارته من مغلّ القدس انتهى. ثم درس بدمشق في الشامية الجوانية و دار الحديث المذكور، قال الذهبي: ولي مشيختها ثلاث عشرة سنة انتهى. ثم درس بالرواحية و هو أول من درس بهما و اشتغل و أفتى. و كانت العمدة في زمانه على فتاويه. و صنف التصانيف مع الديانة و الجلالة. و كان لا يمكّن أحدا في دمشق من قراءة المنطق و الفلسفة. و الملوك تطيعه في ذلك. و ممن أخذ عنه القاضيان: ابن رزين و ابن خلكان‏ (3)، و الكمالان: سلار (4) و إسحاق‏ (5)، و شمس الدولة عبد الرحمن بن نوح المقدسي، و شهاب الدين أبو شامة و غيرهم. قال ابن خلكان: كان أحد

____________

(1) الحسين بن المبارك الربعي توفي 631 هجرية، شذرات الذهب 5: 144.

(2) صاحب شرح التنبيه الإمام احمد بن موسى توفي سنة 622 هجرية. شذرات الذهب 5: 99.

(3) احمد بن محمد البرمكي الاربكي توفي 681 هجرية. شذرات الذهب 5: 371.

(4) سلار بن الحسن بن عمر الاربلي الشافعي توفي 670 هجرية. شذرات الذهب 5: 331.

(5) اسحاق بن احمد بن عثمان المغربي الشافعي توفي 650 هجرية شذرات الذهب 5: 249.

17

فضلاء عصره في التفسير و الحديث و الفقه، و له مشاركة في عدة فنون، و كان من الدين و العلم على قدم حسن. و ترجمته طويلة تركناها خشية الإطالة. توفي (رحمه اللّه تعالى) بدمشق في حصار الخوارزمية في السادس و العشرين من ربيع الآخر سنة ثلاث و أربعين و ستمائة، و دفن بمقابر الصوفية بطرفها بشمال قبلي الطريق.

و قال الذهبي في ذيل العبر: في سنة خمس و عشرين و سبعمائة و مات الفقيه المعمر شهاب الدين أحمد بن الفقيه العفيف محمد بن عمر الصقلي‏ (1) ثم الدمشقي الحنفي إمام مسجد الرأس في صفر و له ثمانون سنة و ثلاثة أشهر.

و هو آخر من حدث عن ابن الصلاح انتهى. ثم ولي دار الحديث بعده الشيخ الإمام العالم القاضي خطيب الشام عماد الدين أبو الفضائل عبد الكريم ابن قاضي القضاة جمال الدين عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل الأنصاري الخزرجي الدمشقي ابن الحرستاني، ولد في شهر رجب سنة سبع و سبعين (بتقديم السينين فيهما) و خمسمائة بدمشق، و سمع من والده و من الخشوعي‏ (2) و من البهاء ابن عساكر (3) و حنبل‏ (4) و ابن طبرزد (5) و غيرهم، و تهاون أبوه و فوته السماع من يحيى الثقفي‏ (6) و طبقته، و اشتغل على أبيه في المذهب و برع فيه، و تقدم و أفتى و ناظر و درس و ناب عن أبيه في الحكم و اشتغل بالقضاء بعد أبيه مدة قليلة، ثم عزل و درس بالغزالية مدة كما سيأتي، و باشر الخطابة مدة، و روى عنه الدمياطي‏ (7) و برهان الدين الاسكندري و ابن‏

____________

(1) ترجمته في شذرات الذهب 6: 67.

(2) ابو اسحاق ابراهيم بن الشيخ ابي طاهر بركات توفي 640 هجرية. شذرات الذهب 5: 207.

(3) بهاء الدين القسم بن المظفر توفي سنة 723. شذرات الذهب 6: 61.

(4) ابو عبد اللّه، حنبل بن عبد اللّه الرصافي توفي سنة 604. شذرات الذهب 5: 12.

(5) ابو حفص، عمر بن محمد بن معمر الدارقزي توفي 607. شذرات الذهب 5: 26.

(6) يحيى بن محمود بن سعد. توفي 584. شذرات الذهب 4: 282.

(7) عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن توفي 705. شذرات الذهب 6: 12.

18

الخباز (1) و ابن الزراد (2) قال الذهبي: و كان من كبار الأئمة و شيوخ العلم مع التواضع و الديانة و حسن السمت و التجمل و ولي مشيخة الأشرفية بعد ابن الصلاح فباشرها إلى أن توفي بدار الخطابة في تاسع عشرين جمادى الأولى سنة اثنتين و ستين و ستمائة و صلي عليه بجامع دمشق و دفن عند ابيه بسفح قاسيون، ثم ولي دار الحديث بعده شهاب الدين أبو شامة كما قاله الذهبي في العبر، و قال تلميذه ابن كثير في سنة اثنتين و ستين و ستمائة و في جمادى الآخرة منها درس الشيخ شهاب الدين أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي بدار الحديث الأشرفية بعد وفاة القاضي عماد الدين بن الحرستاني الخزرجي. و حضر عنده القاضي شمس الدين ابن خلكان و جماعة من الفضلاء و الأعيان. و ذكر خطبة كتاب المبعث و أورد الحديث بسنده و متنه و ذكر فوائد كثيرة مستحسنة و يقال انه لم يراجع شيئا حتى أورد درسه، و مثله لا يستكثر عليه ذلك انتهى.

قلت: و أبو شامة هذا هو الشيخ الامام العلامة المجتهد ذو الفنون المتنوعة شهاب الدين القاسم عبد الرحمن بن العماد بن اسماعيل بن ابراهيم بن عثمان المقدسي ثم الدمشقي الشافعي الفقيه المقرئ النحوي المؤرخ صاحب التصانيف، المعروف بأبي شامة لشامة كبيرة فوق حاجبه الأيسر، ولد بدمشق في أحد الربيعين سنة تسع و تسعين (بتقديم التاء فيهما) و خمسمائة و ختم القرآن و له دون عشر سنين و اتقن فن القراءة على الشيخ السخاوي و له ست عشرة سنة و سمع الكثير من الشيخ الموفق‏ (3) و عبد الجليل بن مندويه‏ (4) و طائفة. قال الذهبي:

و كتب الكثير من العلوم و أتقن الفقه و درس و افتى و برع في فن العربية و ذكر أنه حصل له الشيب و هو ابن خمس و عشرين سنة و ولي مشيخة القراءة بالتربة الاشرفية و مشيخة الحديث بالدار و كان مع كثرة فضائله متواضعا مطّرحا

____________

(1) ابو الفدا اسماعيل بن ابراهيم بن سالم توفي 703. شذرات الذهب 6: 8.

(2) محمد بن احمد بن أبي الصالحي. توفي 726. شذرات الذهب 6: 72.

(3) موفق الدين المقدسي، أبو محمد بن عبد اللّه بن أحمد توفي 620 شذرات الذهب 5: 88.

(4) عبد الجليل بن أبي غالب بن مندويه الاصبهاني توفي 610 شذرات الذهب 5: 42.

19

للتكلف ربما ركب الحمار بين المداوير، و قرأ عليه القرآن جماعة، توفي (رحمه اللّه تعالى) في تاسع عشر رمضان سنة خمس و ستين و ستمائة و دفن بباب الفراديس على يسار المارّ الى مرجة الدحداح ثم وليها بعده سنة خمس و ستين المذكورة الامام العلامة ولي اللّه شيخ الاسلام الفقيه الزاهد الحافظ محيي الدين أبو ذكريا يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين بن محمد ابن جمعة بن حزام الحزامي النواوي‏ (1) بالألف كما رأيته و قرأته بخطه قال الذهبي بحذفها و يجوز اثباتها الدمشقي ولد في محرم سنة احدى و ثلاثين و ستمائة و قرأ القرآن ببلده و ختم و قد ناهز الاحتلام، قال ابن العطار (2): قال لي الشيخ:

فلما كان لي تسع عشرة سنة قدم بي والدي الى دمشق سنة تسع و اربعين فسكنت المدرسة الرواحية و بقيت سنتين لم أضع جنبي الى الأرض. و كان قوتي بها جراية المدرسة لا غير و حفظت التنبيه في نحو أربعة أشهر و نصف. قال و بقيت اكثر من شهرين أو أقل «يجب الغسل من ايلاج الحشفة في الفرج» أعتقد أن ذلك قرقرة البطن و كنت استحم بالماء البارد كلما قرقر بطني قال و قرأت حفظا ربع المهذب في باقي السنة و جعلت أشرح و أصحح على شيخنا كمال الدين اسحاق المغربي‏ (3) و لازمته فأعجب بي و أحبّني و جعلني أعيد لأكثر جماعته. قال الأسنوي: و أكثر انتفاعه عليه. قال الذهبي: و حج مع أبيه سنة احدى و خمسين و لزم الاشتغال ليلا و نهارا نحو عشر سنين حتى فاق الاقران و تقدم على جميع الطلبة و حاز قصب السبق في العلم و العمل ثم أخذ في التصنيف من حدود الستين و ستمائة إلى أن مات و سمع الكثير من الرضي بن البرهان‏ (4) و الزين خالد (5) و شيخ الشيوخ عبد العزيز الحموي‏ (6) و أقرانهم و كان من متجره‏

____________

(1) الإمام النووي صاحب كتاب رياض الصالحين توفي 676 شذرات الذهب 5: 304.

(2) علي بن ابراهيم بن داوود توفي 624- شذرات الذهب 6: 62.

(3) اسحاق بن احمد بن عثمان توفي 650 هجرية. شذرات الذهب 5: 249.

(4) ابو اسحاق ابراهيم بن عمر توفي 663 هجرية. شذرات الذهب 5: 312.

(5) ابو البقاء خالد بن يوسف توفي 663 هجرية. شذرات الذهب 5: 313.

(6) عبد العزيز بن عبد الرحمن بن قرناص توفي 654. شذرات الذهب 5: 265.

20

في العلم و سعة معرفته بالحديث و اللغة و الفقه و غير ذلك مما قد سارت به الركبان. رأسا في الزهد، قدوة في الورع، عديم المثل في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، قانعا باليسير، راضيا عن اللّه، رضي اللّه تعالى عنه.

مقتصد الى الغاية في ملبسه و مطعمه و أثاثه تعلوه سكينة، فاللّه سبحانه و تعالى يرحمه و يسكنه الجنة، و ولي مشيخة دار الحديث بعد الشيخ شهاب الدين أبي شامة و كان لا يتناول من معلومها شيئا، بل يتقنع بما يبعث إليه أبوه توفي (رحمه اللّه تعالى) في الرابع و العشرين من رجب سنة سبع و سبعين و ستمائة (1) (بتقديم السين فيهما) و دفن بقرية نوى عند أهله.

ثم وليها بعده الشيخ زين الدين أبو محمد عبد اللّه بن مروان بن عبد اللّه بن قيراني الحسن الفارقي‏ (2) خطيب دمشق و مدرس الشامية و الناصرية الجوانية، ولد في المحرم سنة ثلاث و ثلاثين و ستمائة، و سمع الحديث من جماعة و اشتغل و افتى مدة طويلة و درس في عدة مدارس. قال الذهبي في معجمه كان عارفا بالمذاهب و بجملة حسنة في الحديث، ذا اقتصاد في بيته و تصون في نفسه، و له سطوة على الطلبة، و فيه تعبد و حسن معتقد. و قال ابن كثير:

و كانت له همة و شهامة و صرامة، و يباشر الاوقات جيدا، و هو الذي عمر دار الحديث هذه بعد خرابها في فتنة قازان، و قد باشرها سبعا و عشرين سنة بعد النواوي، رحمهما اللّه تعالى، الى حين وفاته و كان معه خطابة الجامع الأموي و الشامية البرانية تسعة أشهر.

و قال السبكي: (3) كان رجلا عالما صالحا و حكى عنه حكاية و هي تدل على كرامته توفي (رحمه اللّه تعالى) ببيت الخطابة بالجامع المذكور بعد عصر الجمعة في‏

____________

(1) وردت سنة وفاة الإمام النووي في معظم الكتب سنة 676 هجرية. شذرات الذهب 5: 354.

(2) زين الدين ابو محمد عبد اللّه بن مروان بن عبد اللّه بن فيروز بن الحسن توفي 703 شذرات الذهب 6: 8.

(3) ابو نصر عبد الوهاب بن علي توفي 771 هجرية. شذرات الذهب 6: 221.

21

صفر سنة ثلاث و سبعمائة و صلى عليه ضحى يوم السبت ابن صصري‏ (1) عند باب الخطابة، و بسوق الخيل قاضي الحنفية شمس الدين بن الحريري‏ (2) و عند جامع الصالحية قاضي الحنابلة تقي الدين سليمان‏ (3)، و دفن بالصالحية بتربة أهله شمالي تربة الشيخ أبي عمر (4). و لما توفي كان نائب السلطنة نواحي البلقاء فلما قدم تكلموا معه في وظائف الفارقي فعين الخطابة لشرف الدين الفزاري‏ (5)، و عين الشامية البرانية و دار الحديث للشيخ كمال الدين ابن الشريشي‏ (6)، فأخذ منه الشامية الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني‏ (7)، ثم وصل مرسوم شريف سلطاني بجميع جهات الفارقي لصدر الدين بن الوكيل ثم جاء مرسوم بالخطابة لشرف الدين الفزاري فاستقرت دار الحديث هذه بعد الفارقي لصدر الدين ابن الوكيل‏ (8) و هو الشيخ الامام العلامة ذو الفنون ابو عبد اللّه محمد ابن الشيخ الامام العالم مفتي المسلمين الخطيب زين الدين أبي حفص عمر بن مكي بن عبد الصمد العثماني المعروف بابن المرحل و بابن الوكيل، شيخ الشافعية في زمانه و أشهرهم في وقته بالفضيلة و كثرة الاشتغال و المطالعة و التحصيل، ولد بدمياط في شوال سنة خمس و ستين و ستمائة و سمع الحديث على جماعة من المشايخ، من ذلك مسند أحمد على ابن علان‏ (9) و الكتب الستة و قرى‏ء عليه قطع كثيرة من صحيح مسلم بدار الحديث عن الأمين الاربلي‏ (10)

____________

(1) ابو العباس احمد بن محمد توفي 723 هجرية. شذرات الذهب 6: 59.

(2) محمد بن عثمان بن ابي الحسن الدمشقي توفي 728 هجرية. شذرات الذهب 6: 88.

(3) ابو الفضل سليمان بن حمزة توفي 715 هجرية. شذرات الذهب 6: 35- 36.

(4) محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المتوفى سنة 607 هجرية. شذرات الذهب 5: 27.

(5) احمد بن إبراهيم توفي سنة 705 هجرية. شذرات الذهب 6: 12.

(6) احمد بن محمد بن احمد بن الشريشي توفي 718. شذرات الذهب 6: 47.

(7) ابو المعالي محمد بن علي بن عبد الواحد توفي 727 هجرية شذرات الذهب 6: 78.

(8) توفي سنة 716 هجرية شذرات الذهب 6: 40.

(9) ابو الغنائم المسلم بن محمد المسلم توفي 680 هجرية شذرات الذهب 5: 369.

(10) ابو محمد القسم بن أبي بكر توفي 680 هجرية. شذرات الذهب 5: 380.

22

و العامري‏ (1) و المزي، و كان يتكلم على الحديث بكلام مجموع من علوم شتى من الطب و الفلسفة و علم الكلام و ليس ذلك بعلم، و علم الأوائل.

قال ابن كثير في هذه الترجمة: في سنة ست عشرة و سبعمائة و كان يكثر من ذلك و كان يقول الشعر جيدا و له ديوان مجموع يشتمل على أشياء لطيفة و حفظ كتبا كثيرة. يقال أنه اذا وضع بعضها على بعض كانت طول قامته. و حفظ المفصل في مائة يوم، و مقامات الحريري في خمسين يوما، و ديوان المتنبي في جمعة واحدة، و تفقه على والده و على الشيخ شرف الدين المقدسي‏ (2) و الشيخ تاج الدين الفزاري‏ (3) و غيرهم، و أخذ الأصلين عن الصفي الهندي‏ (4) و النحو عن بدر الدين بن مالك‏ (5) و برع و تفنن في علوم عديدة، و قد أجاد معرفة المذهب و الأصلين و لم يكن في النحو بذاك القوي فكان يقع منه اللحن الكثير مع أنه قرأ فيه المفصل للزمخشري و أفتى و له ثنتان و عشرون سنة، و اشتغل و ناظر و اشتهر اسمه و شاع ذكره و درس بالشاميتين و العذراوية، و كان له أصحاب يحسدونه و يحبونه، و آخرون يحسدونه و يبغضونه، و كانوا يتكلمون فيه بأشياء و يرمونه بالعظائم، و قد كان مسرفا على نفسه، و قد ألقى جلباب الحياء فيما يتعاطاه من القاذورات و الفواحش، و كان ينصب العداوة للشيخ تقي الدين ابن تيمية، و يناظره في كثير من المحافل و المجالس، و كان يعترف للشيخ تقي الدين بالعلوم الباهرة و يثني عليه، و لكن كان يحاجف على مذهبه و ناحيته و هواه و ينافح عن طائفته. و قد كان شيخ الاسلام يثني عليه و على علومه و فضائله و يشهد له بالاسلام، و إذا قيل له في أفعاله و أعماله القبيحة، فكان يقول كان مخلطا على نفسه متبعا مراد الشيطان فيه. يميل الى الشهوة و المحاضرة و لم يكن كما قال فيه بعض اصحابه ممن يحسده و يتكلم فيه او ما

____________

(1) محمد بن أبي بكر توفي 682 هجرية شذرات الذهب 5: 380.

(2) شرف الدين حسن بن عبد اللّه توفي 695 هجرية: شذرات الذهب 5: 430.

(3) ابو محمد عبد الرحمن بن إبراهيم توفي 690 هجرية. شذرات الذهب 5: 413.

(4) ابو عبد اللّه محمد بن عبد الرحيم توفي 715 هجرية. شذرات الذهب 6: 37.

(5) ابو عبد اللّه محمد بن محمد بن عبد اللّه، صاحب الألفية توفي 686 هجرية: 5: 398.

23

هو في معناه و ولي في وقت الخطابة بالأموي أياما يسيرة، ثم قام الخلق عليه و أخرجوها من يده و لم يرق منبرها. ثم خالط نائب الشام أقوش الأفرام فجرت له أمور لا يحسن ذكرها و لا يرشد أمرها، و أخرجت جهاته ثم آل به الحال الى أن عزم على الانتقال من دمشق الى حلب لاستحوازه على قلب نائبها الأمير استدمر (1) فأقام بها و درس ثم تردد في الرسلية بين السلطان مهنا (2) صحبة ارغون و الطنبغا، ثم استقر به المنزل بمصر و درس بها بحلقة الشافعي بجامع مصر و بالمشهد الحسيني و بالمدرسة الناصرية، و هو أول من درس بها و جمع كتاب الأشباه و النظائر، و مات قبل تحريره فحرره و زاد عليه ابن أخيه زين الدين‏ (3) و شرع في شرح الأحكام لعبد الحق‏ (4)، و كتب منه ثلاثة مجلدات دالّات على تبحره في الحديث و الفقه و الاصول.

و قال السبكي في الطبقات الكبرى: كان الوالد يعظمه و يحبه و يثني عليه بالعلم و حسن العقيدة و معرفة الكلام على مذهب الأشعري، توفي (رحمه اللّه تعالى) بكرة نهار الاربعاء رابع عشرين ذي الحجة سنة ست عشرة و سبعمائة بداره قريبا من جامع الحاكم بالقاهرة، و دفن من يومه قريبا من الشيخ محمد بن ابي حمزة بتربة القاضي ناظر الجيش بالقرافة، و لما بلغت وفاته دمشق صلى عليه بجامعها صلاة الغائب بعد الجمعة ثالث المحرم من السنة الآتية، و حين بلغت وفاته ابن تيمية قال: أحسن اللّه عزاء المسلمين فيك يا صدر الدين، و رثاه جماعة منهم: أبو غانم علاء الدين‏ (5) و القحفازي و الصلاح الصفدي.

و قال ابن كثير في سنة ست عشرة و سبعمائة و في يوم الخميس سادس عشر

____________

(1) استدمر الكرجي توفي سنة 711- شذرات الذهب 6: 25.

(2) مهنا بن الملك عيسى توفي 735. شذرات الذهب 6: 112.

(3) ابو محمد عبد اللّه بن عبر توفي سنة 738 هجرية. شذرات الذهب 6: 118.

(4) عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد اللّه المعروف بابن الخراط توفي 581. شذرات الذهب 4:

311.

(5) ورد في شذرات الذهب 6: 114 احمد بن محمد بن غانم.

24

شعبان باشر الشيخ كمال بن الزملكاني مشيخة دار الحديث الأشرفية عوضا عن ابن الوكيل، و أخذ في التفسير و الحديث و الفقه، فذكر من ذلك دروسا حسنة ثم لم يستمر بها سوى خمسة عشر يوما حتى انتزعها منه كمال الدين بن الشريشي انتهى. و كمال الدين بن الزملكاني هذا، قاله ابن كثير في سنة سبع و عشرين و سبعمائة هو شيخنا الامام العلامة محمد ابو المعالي بن الشيخ علاء الدين بن عبد الواحد بن خطيب زملكا عبد الكريم بن خلف بن نبهان الأنصاري الشافعي شيخ الشافعية بالشام و غيرها انتهت إليه رياسة المذهب تدريسا و افتاء و مناظرة. ولد ليلة الاثنين ثامن شوال سنة ست و ستين و ستمائة، و سمع الكثير و اشتغل على الشيخ تاج الدين الفزاري و في الاصول على القاضي بهاء الدين ابن الزكي‏ (1)، و في النحو على بدر الدين بن مالك و غيرهم، و برع و حصل و ساد أقرانه من أهل مذهبه، و حاز قصب السبق عليهم بذهنه الوقاد في تحصيل العلم الذي أسهده و منعه الرقاد، و عبارته التي هي أشهى من كل شي‏ء معتاد، و خطه الذي هو أزهر من أزاهير الوهاد. و قد درس بعدة مدارس بدمشق و باشر عدة جهات كبار، كنظر الخزانة، و نظر المارستان النوري، و ديوان الملك السعيد، و وكالة بيت المال، و له تعاليق مفيدة و اختيارات حميدة سديدة، و مناظرات سعيدة، و مما علقه قطعة كبيرة من شرح المنهاج للنواوي، و مجلد في الرد على الشيخ العالم تقي الدين بن تيمية في مسألة الطلاق و غير ذلك انتهى.

قلت قيل إنه أول من شرح المنهاج المذكور و له فتاوى حسنة محررة و اللّه سبحانه و تعالى أعلم. ثم قال ابن كثير: و أما دروسه في المحافل فلم أسمع أحدا من الناس درّس أحسن منها، و لا أحلى من عبارته، و حسن تقريره، و جودة احترازاته، و صحة ذهنه، و قوة قريحته، و حسن نظمه، و قد درّس بالشامية البرانية و العذراوية و الظاهرية الجوانية و الرواحية و المسرورية فكان يعطي كل واحدة منهن حقها بحيث ينسخ كل واحد من تلك الدروس ما قيل من حسنه‏

____________

(1) ابو الفضل يوسف بن يحيى قاضي القضاة توفي 685 شذرات الذهب 5: 394.

25

و فصاحته، و لا يهوله تعداد الدروس و كثرة الفقهاء و الفضلاء، بل كلما كان الجمع أكبر و الفضلاء أكثر كان الدرس أنظر و أنضر، و أحلى، و أنصح و أفصح. ثم لما انتقل إلى قضاء حلب و ما معه من المدارس العديدة عاملها معاملة مثلها، و أوسع الفضيلة جميع أهلها، و سمعوا من العلوم ما لم يسمعوا هم و لا آباؤهم، ثم طلب الى الديار المصرية ليولى البلاد الشامية دار السنة النبوية، فعاجلته المنية قبل وصوله فمرض و هو سائر على البريد تسعة أيام، ثم عقب المرض بحران الحمام، فقبضه هادم اللذات، و حال بينه و بين سائر الشهوات و الارادات، و الأعمال بالنيات، و من كانت هجرته الى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها (كذا) فهجرته الى ما هاجر اليه، و كانت نيته الخبيثة اذا رجع الى الشام متوليا أن يؤذي شيخ الاسلام ابن تيمية فدعا عليه فلم يبلغ أمله توفي في سحر يوم الأربعاء سادس عشر شهر رمضان منها بمدينة بلبيس و حمل الى القاهرة و دفن بالقاهرة بمقبرة القرافة ليلة الخميس جوار قبة الامام الشافعي رحمهما اللّه تعالى.

و قال ابن كثير: في سنة ست عشرة و سبعمائة و في يوم الأحد ثامن شهر رمضان باشر الشيخ كمال الدين بن الشريشي مشيخة دار الحديث عوضا عن ابن الزملكاني انتهى، و كمال الدين بن الشريشي هذا قال بن كثير في الوفيات من تاريخه في سنة ثمان عشرة و سبعمائة: هو الشيخ الإمام العلامة أبو العباس احمد ابن الإمام العلامة كمال الدين أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن عبد اللّه بن سحبان البكري الوائلي مولده في شهر رمضان سنة ثلاث و خمسين و ستمائة، كان ابوه مالكيا، فاشتغل هو بمذهب الشافعي، فبرع و حصل علوما كثيرة، و كان خبيرا بالكتابة مع ذلك. و سمع الحديث و رحل و كتب الطباق بنفسه، و حدث عن النجيب‏ (1) و غيره، و أفتى و درس و باشر و ناظر عدة مدارس و مناصب، فكان أول ما باشر مشيخة دار الحديث بتربة أم الصالح بعد والده من سنة خمس و ثمانين و ستمائة إلى أن توفي، و ناب في الحكم عن ابن‏

____________

(1) ابو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم الحراني توفي 672 هجرية شذرات الذهب 5: 336.

26

جماعة (1) ثم تركه، و ولي وكالة بيت المال و قضاء العسكر، و نظر الجامع مرات.

و درس بالشامية البرانية عوضا عن زين الدين الفارقي لما تولى الناصرية و تركها، ثم عاد إلى الشامية و تولى الشيخ كمال الدين الناصرية عوضا عنه، لأن شرط الشامية ان لا يجمع بينها و بين غيرها، و استمر الشيخ كمال الدين بالناصرية يدرس بها عشرين سنة ثم انتزعها من يده ابن جماعة و زين الدين الفارقي فاستعادها منهما و باشر مشيخة الرباط الناصري بقاسيون مدة أكثر من خمس عشرة سنة، و مشيخة دار الحديث الأشرفية هذه ثمان سنين، و كان مشكور السيرة في ما تولاه من هذه الجهات كلها. و في هذه السنة عزم على الحج فخرج بأهله فأدركته منيته بالحسا في سلخ شوال من هذه السنة و دفن هناك (رحمه اللّه تعالى)، و تولى بعده الوكالة جمال الدين ابن القلانسي، و درس في الناصرية كمال الدين بن الشيرازي‏ (2)، و بدار الحديث الأشرفية الحافظ جمال الدين المزي، و بأم الصالح الشيخ شمس الدين الذهبي و بالرباط الناصري ولده جمال الدين‏ (3) انتهى.

و قال ابن كثير: في سنة ثمان عشرة أيضا و في يوم الخميس ثالث عشرين ذي الحجة باشر شيخنا و مفيدنا أبو الحجاج المزي مشيخة دار الحديث الأشرفية عوضا عن كمال الدين بن الشريشي و لم يحضر عنده كبير أحد لما في نفوس بعض الناس من ولايته لذلك، مع أنه لم يتولها احد قبله أحق بها منه، و لا أحفظ منه، و ما عليه منهم إذا لم يحضروا عنده، فإنه لا يوحشه إلا حضورهم عنده و بعدهم عنه آنس انتهى.

و أبو الحجاج المزي هذا هو الإمام الحافظ الكبير، شيخ المحدثين، عمدة الحفاظ، اعجوبة الزمان، جمال الدين يوسف بن الزكي ابي محمد عبد

____________

(1) محمد بن ابراهيم بن سعد اللّه توفي سنة 733. شذرات الذهب 6: 105.

(2) ابو القسم احمد بن محمد بن محمد بن هبة اللّه توفي 736 هجرية. شذرات الذهب 6: 112.

(3) ابو بكر محمد بن احمد بن عبد اللّه الوائلي الشريشي توفي 779 هجرية. شذرات الذهب 6:

263.

27

الرحمن بن يوسف بن عبد الملك بن يوسف بن علي بن أبي الزهر القضاعي الكلبي الحلبي الدمشقي. ميلاده في شهر ربيع الآخر سنة أربع و خمسين و ستمائة، قرأ شيئا من الفقه على مذهب الإمام الشافعي، و برع في التصريف و اللغة، ثم شرع في طلب الحديث بنفسه و له عشرون سنة، و جمع الكثير و رحل، قال بعضهم و مشيخته نحو الألف، و برع في فنون و أقر له الحفاظ من مشايخه و غيرهم بالتقدم و حدث بالكثير نحو خمسين سنة فسمع منه الكبار و الحفاظ، و ولي دار الحديث هذه ثلاثا و عشرين سنة، و قد بالغ في الثناء عليه ابو حيان‏ (1) و ابن سيد الناس‏ (2) و غيرهما من علماء العصر. توفي (رحمه اللّه تعالى) في صفر سنة ثنتين و اربعين و سبعمائة و دفن بمقابر الصوفية غربي قبر صاحبه ابن تيمية، و هو صاحب تهذيب الكمال و الأطراف و غيرهما. ثم ولي بعده مشيخة دار الحديث الشيخ الإمام الفقيه المحدث الحافظ المفسر المقري الأصولي المتكلم النحوي اللغوي الحكيم الأديب المنطقي الجدلي الخلافي النظار شيخ الإسلام و قاضي القضاة تقي الدين ابو الحسن علي بن القاضي زين الدين ابي محمد السبكي الأنصاري الخزرجي‏ (3) قال ولده قال والدي: انه ما دخلها أعلم و لا أحفظ من المزي، و لا أورع من النواوي و ابن الصلاح، و ستأتي له ترجمة ان شاء اللّه تعالى في الأتابكية و ولد في مستهل صفر سنة ثلاث و ثمانين و ستمائة و توفي في جمادي الآخرة سنة ست و خمسين و سبعمائة.

و هذا آخر ما انتهى إلينا ممن ولي مشيخة دار الحديث هذه على الترتيب ثم وليها جماعات أخر لم اتحقق الترتيب بينهم، فمنهم الحافظ العلامة عماد الدين ابو الفدا اسماعيل بن عمر بن كثير بن عنوني بن ضوء بن زرع‏ (4) القرشي البصروي الدمشقي ميلاده سنة إحدى و سبعمائة

____________

(1) محمد بن يوسف بن علي النفزي توفي 745 هجرية. شذرات الذهب 6: 145.

(2) ابو الفتح محمد بن محمد توفي 734 هجرية. شذرات الذهب 6: 108.

(3) ترجمته في شذرات الذهب 6: 180.

(4) صاحب كتاب «البداية و النهاية» و مصنفات اخرى كثيرة.

28

و تفقه على الشيخ برهان الدين الفزاري‏ (1) و كمال الدين ابن قاضي شهبة، ثم صاهر الحافظ ابا الحجاج المزي و لازمه و أخذ عنه و أقبل على العلم اي علم الدين. و اخذ الكثير عن ابن تيمية، و قرأ الاصول على الشيخ الاصفهاني‏ (2)، و ولي مشيخة ام الصالح بعد موت الذهبي، و مشيخة دار الحديث مدة يسيرة ثم اخذت منه. قال الحافظ ابن حجي‏ (3) السعدي: كان أحفظ من أدركناه لمتون الأحاديث، و أعرفهم بتخريجها و رجالها و صحيحها و سقيمها، و كان أقرانه و شيوخه يعترفون له بذلك و كان يستحضر شيئا كثيرا من التفسير و التاريخ، قليل النسيان، و كان فقيها جيد الفهم صحيح الدين، و يحفظ التنبيه الى آخر وقت و يشارك في العربية مشاركة جيدة، و نظم الشعر، و ما أعرف اني اجتمعت به على كثرة ترددي إليه الا و أخذت منه، توفي (رحمه اللّه تعالى) في شعبان سنة أربع و سبعين و سبعمائة و دفن بمقبرة الصوفية عند شيخه ابن تيمية و منهم العلامة قاضي القضاة تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب ابن الشيخ الامام شيخ الاسلام تقي الدين ابي الحسن الأنصاري الخزرجي السبكي ميلاده بالقاهرة سنة سبع (بتقديم السين) و قيل ثمان و عشرين و سبعمائة و حضر و سمع بمصر من جماعة، ثم قدم دمشق مع والده في جمادى الآخرة سنة تسع و ثلاثين و سمع بها من جماعة و اشتغل على والده و على غيره و قرأ على الحافظ المزي و لازم الذهبي و تخرج به و طلب بنفسه و دأب. قال الحافظ شهاب الدين:

أخبرني ان الشيخ شمس الدين ابن النقيب‏ (4) اجازه بالافتاء و التدريس، و لما مات ابن النقيب كان عمر القاضي تاج الدين ثماني عشرة سنة، و أفتى و درّس و حدّث و صنّف، و ناب عن أبيه بعد وفاة أخيه القاضي حسين‏ (5) ثم اشتغل بالقضاء بسؤال والده في شهر ربيع الأول سنة ست و خمسين ثم عزل مدة لطيفة

____________

(1) ابراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم توفي 729 هجرية. شذرات الذهب 6: 88.

(2) ابو الثناء محمود بن عبد الرحمن توفي 749. شذرات الذهب 6: 165.

(3) حجي بن موسى بن احمد السعدي الحسباني توفي 782 هجرية. شذرات الذهب 6: 274.

(4) محمد بن ابي بكر بن ابراهيم بن عبد الرحمن توفي 745 هجرية شذرات الذهب 6: 144.

(5) ابو الطيب الحسين بن علي بن عبد الكافي توفي 755 هجرية شذرات الذهب 6: 177.

29

ثم أعيد ثم عزل بأخيه بهاء الدين‏ (1) و توجه إلى مصر على وظائف أخيه ثم عاد الى القضاء على عادته و ولي الخطابة بعد وفاة ابن جملة ثم عزل و حصلت له محنة شديدة و سجن بالقلعة نحو ثمانين يوما، ثم عاد إلى القضاء و قد درس بمصر و الشام بمدارس كبار، فبدمشق العزيزية و العادلية الكبرى و الغزالية و العذراوية و الشاميتين و الناصرية و الأمينية و مشيخة دار الحديث الأشرفية هذه، و قد ذكر شيخه الذهبي في المعجم المختص و أثنى عليه، و قال ابن كثير جرى عليه من المحن و الشدائد ما لم يجر على قاض قبله، و حصل له من المناصب ما لم يحصل لأحد قبله. و سيأتي ذكره في المدارس المتقدمة توفي شهيدا بالطاعون في ذي الحجة سنة إحدى و سبعين و سبعمائة، و دفن بتربتهم بسفح قاسيون عن أربع و أربعين سنة.

و منهم قاضي القضاة بقية الأعلام صدر مصر و الشام بهاء الدين أبو البقاء محمد ابن القاضي سديد الدين عبد البر ابن الامام صدر الدين يحيى ابن علي الأنصاري الخزرجي السبكي المصري الدمشقي الحاكم بالديار المصرية و البلاد الشامية، مولده في شهر ربيع الأول سنة سبع بتقديم السين و سبعمائة، و تفقه على قطب الدين السنباطي‏ (2) و مجد الدين الزنكلوني‏ (3) و زين الدين ابن الكتاني‏ (4) و غيرهم، و قرأ الأصول على جده صدر الدين و الشيخ علاء الدين القونوي‏ (5)، ثم على ابن عم أبيه شيخ الاسلام السبكي، و قرأ عليه كتاب الأربعين في أصول الدين، و قرأ النحو على ابي حيان، و أخذ المعاني عن القاضي جلال الدين القزويني‏ (6) و روى عنه كتابه (تلخيص المفتاح)، و سمع‏

____________

(1) ابو البقاء محمد بن عبد البر توفي 777 هجرية شذرات الذهب 6: 253.

(2) ابو عبد اللّه محمد بن عبد الصمد توفي 722 هجرية. شذرات الذهب 6: 57.

(3) ابو بكر بن اسماعيل بن عبد العزيز توفي 740 هجرية. شذرات الذهب 6: 125.

(4) عمر بن ابي الحزم توفي 738 هجرية شذرات الذهب 6: 117.

(5) علي بن اسماعيل بن يوسف توفي 729 هجرية. شذرات الذهب 6: 91.

(6) محمد بن عبد الرحمن بن عمر بن أحمد توفي 739 هجرية شذرات الذهب 6: 123.

30

الحديث بمصر و الشام و خرّج له الحافظ أبو العباس الدمياطي جزءا من حديثه، و حدث به و شغل الناس بمصر، ثم قدم مع قاضي القضاة السبكي إلى دمشق فاستنابه، و تصدى لشغل الناس بالعلم، و قصده الطلبة، و حضر حلقته الفضلاء و علا صيته، و تقدم على شيوخ الشام، و له إذ ذاك بضع و ثلاثون سنة، و اشتهرت فضائله. و درّس بالأتابكية و الظاهرية البرانية و الرواحية و القيمرية كما سيأتي فيهن، ثم ولي القضاء بدمشق مع تدريس الغزالية و العادلية مدة يسيرة ثم طلب إلى مصر في أوائل سنة خمس و ستين بعد ما نزل عن وظائفه لولديه، فولي قضاء العسكر و الوكالة السلطانية و نيابة الحكم الكبرى، ثم ولي قضاء القضاة بالديار المصرية مع الوظائف المضافة إلى القضاء، و استمر نحو سبع سنين، ثم عزل و درّس بقبة الإمام الشافعي (رحمه اللّه تعالى) و المنصورية، ثم ولي قضاء الشام و قدمها في أوائل سنة سبع و خمسين قاضيا و مدرسا بالغزالية و العادلية و الناصرية و شيخا بدار الحديث الاشرفية، و أضيف إليه قبل موته بشهر الخطابة بالجامع الأموي. توفي (رحمه اللّه تعالى) في جمادى الأولى سنة سبع بتقديم السين و سبعين و سبعمائة فاجتمعت في ميلاده سينان و في وفاته ثلاث، و دفن بتربة السبكيين بالسفح.

و منهم ولده قاضي القضاة ولي الدين أبو ذر عبد اللّه‏ (1) ميلاده في جمادى الآخرة سنة خمس و ثلاثين و سبعمائة بالقاهرة، و سمع من جماعة بها و سمع بدمشق من الحافظ المزي و أبي العباس الجزري و غيرهما، و حفظ (الحاوي الصغير) و أخذ عن والده و غيره، و أفتى و درس بالشامية الجوانية و الرواحية و الأتابكية و القيمرية، و ناب في القضاء، و ولي وكالة المال، ثم ولي القضاء و الخطابة و مشيخة دار الحديث و تداريس القضاء سنة سبع و سبعين نحو ثمان سنين و نصف إلى أن توفي في شوال سنة خمس و ثمانين و سبعمائة، و دفن عند والده بتربة السبكيين بالسفح.

____________

(1) ابن ابي البقاء توفي 785 هجرية شذرات الذهب 6: 288.

31

و منهم الإمام العلامة الأوحد المفنن الفقيه المحدث المفسر الواعظ زين الدين أبو حفص عمر بن مسلّم بن سعيد بن عمر بن بدر بن مسلم القرشي الملحي‏ (1) (بفتح الميم و اللام) الدمشقي ولد في شعبان سنة أربع و عشرين و سبعمائة، و ورد دمشق بعد الأربعين، و اشتغل في الفقه على خطيب جامع الجراح شرف الدين قاسم، و أخذ عن الشيخ علاء الدين حجي، و أخذ علم الأصول عن الشيخ بهاء الدين الأخميمي، و اشتغل في الحديث و شرع في علم المواعيد، فكان يعمل مواعيد نافعة، و يقيد الخاصة و العامة، و انتفع به خلق كثير من العوام، و صار لديه فضيلة و أفتى و تصدى للافادة، و درس بالمسرورية ثم بالناصرية، و وقع بينه و بين قاضي القضاة برهان الدين ابن جماعة بسببها، و حصل له محنة ثم عوض عنها بالأتابكية ثم أخذت منه، فلما ولّي ولده شهاب الدين أحمد قضاء دمشق في سنة إحدى و تسعين ترك له الخطابة و تدريس الناصرية و الأتابكية ثم فوض إليه دار الحديث الأشرفية هذه، فلما جاءت دولة الظاهر برقوق أخذ و اعتقل مع ابنه في القلعة، و جرت لهما محن، و طلب منهما أموال فرهن كثيرا من كتبه على المبلغ الذي طلب منهما. و ولده هذا درّس في الحلقة الكندية بالجامع الأموي في شهر ربيع الأول سنة ست و سبعين و وليّ مشيخة الشيوخ و الأسرار و غير ذلك. قال الحافظ شهاب الدين بن حجي‏ (2): برع الشيخ زين الدين في علم التفسير و أما علم الحديث فكان حافظا للمتون عارفا بالرجال و كان سمع الكثير من شيوخنا و له مشاركة في العربية انتهى. و قال الشيخ تقي الدين الأسدي: و كان القاضي تاج الدين يعني السبكي هو الذي أدخله بين الفقهاء فلما حصل له المحنة كان ممن قام عليه، و كان مشهورا بقوة الحفظ و دوامه، إذا حفظ شيئا لا ينساه، كثير الإنكار على أرباب الشبه، شجاعا مقداما كثير المساعدة لطلبة العلم، يقول الحق على من كان من غير مداراة في الحق و لا محاباة، و ملك من نفائس‏

____________

(1) شذرات الذهب 6: 323.

(2) ابو العباس أحمد بن حجي الحسباني توفي 816 هجرية شذرات الذهب 7: 116.

32

الكتب شيئا كثيرا، و كان كثير العمل و الاشتغال لا يمل من ذلك، و لم يزل حاله على أحسن نظام إلى أن قدر اللّه عليه ما قدر، و توفي معتقلا بقلعة دمشق في ذي الحجة سنة ثنتين و تسعين و سبعمائة و دفن بالقبيبات و شهد جنازته خلق كثير لا يحصون انتهى. قلت و قبره مشهور بآخر مقبرة المزرعة الشرقية:

المزار المعروف الآن بصهيب الرومي قبلي الزوزانية و شمالي زاوية الرفاعي شرقي ميدان الحصى و يتبرك بالدعاء عنده.

و منهم الشيخ الحافظ المصنف الخيّر شمس الدين أبو عبد اللّه محمد بن ابي بكر بن عبد اللّه بن محمد بن بهاء الدين أبي بكر عبد اللّه ابن ناصر الدين محمد بن أحمد بن مجاهد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن علي القيسي‏ (1) الدمشقي الشافعي المحدث المعروف بلقب جدّه ميلاده بدمشق سنة سبع و سبعين و سبعمائة و طلب الحديث و جوّد الخطّ على طريقة الذهبي بحيث انه حاكاه. سمع و أكثر عن المشايخ الدمشقيين و غيرهم فمن شيوخه ابو هريرة بن الذهبي‏ (2) و محمد بن محمد بن عبد اللّه بن عوض و ارسلان بن احمد الذهبي و الشهاب احمد بن علي بن علي الحسيني‏ (3) و عمر البالسي‏ (4) و أبو اليسر ابن الصائغ‏ (5) و محيي الدين الفرضي و من لا يحصى كثرة. و صنف تصانيف كثيرة منها (المولد النبوي) في مجلدات ثلاثة، و منها (المولد المختصر) في كراسة، و منها (توضيح المشتبه) في ثلاثة مجلدات، و منها (الاعلام بما وقع في مشتبه الذهبي من الأوهام) و منها (بديعة البيان عن موت الأعيان)، نظم فيها حفّاظ الاسلام إلى عصره و شرحها، و منها القصيدة المسماة (بواعث الفكرة في حوادث الهجرة) و منها القصيدة المضمنة أنواع الحديث و شرحها مطولا

____________

(1) شذرات الذهب 8: 243.

(2) عبد الرحمن بن الحافظ ابي عبد اللّه محمد الذهبي توفي 799 هجرية. شذرات الذهب 6: 360.

(3) أحمد بن علي بن يحيى الحسيني توفي 803 هجرية 7: 25.

(4) عمر بن محمد بن أحمد توفي 803 هجرية شذرات الذهب 7: 33.

(5) أحمد بن عبد الرحمن بن نور توفي 807 هجرية شذرات الذهب 7: 61.

33

و مختصرا، و منها المسلسلات و سماها (نفحات الأخيار في مسلسلات الأخبار) و منها (رفع الملام عمن حقق والد محمد بن سلام) و منها معراجان مطول و مختصر، و منها كراريس في افتتاح الصحيح، و عدة ختوم نقلت ذلك من اسند عما بخطه. و رأيت بخطه وصولا صورته: (الحمد للّه، قبض كاتبه محمد ابن أبي بكر بن عبد اللّه بن محمد عفا اللّه عنهم من سيدنا العبد الفقير إلى اللّه تعالى القاضي بدر الدين أبي عبد اللّه محمد بن المغربي الشافعي، أدام اللّه تأييده و بركته، و حرس مجده و نعمته، مبلغ خمسمائة درهم نصفها مائتا درهم و خمسون درهما بما في القبض مبلغ مائة درهم على يد القاضي تقي الدين الصغير أيده اللّه تعالى، كتبت بها خطي، و القبض المذكور عنه معلوم كاتبه، عن مشيخة دار الحديث الأشرفية بدمشق، تغمد اللّه تعالى واقفها بالرحمة و الرضوان، عن سنة ثمان و ثلاثين و ثمانمائة انتهى) قلت: و قد ظلمه شيخنا البرهان البقاعي‏ (1) في عنوان العنوان.

قال الشيخ تقي الدين الأسدي: في شهر رجب سنة اثنتين و أربعين توفي ليلة الجمعة سادس عشريه و صلي عليه من الغد قبل الصلاة بجامع التوبة و دفن بمقابر باب الفراديس بطرفها الغربي من جهة الشمال و استقر الشيخ علاء الدين بن الصيرفي عوضه في مشيخة دار الحديث الأشرفية و تفرقت بقية جهاته و لم يحصل لأحد من الطلبة منها شي‏ء انتهى. بعد أن ترك بياضا نحو ورقة. و الشيخ علاء الدين بن الصيرفي المشار إليه هو العلامة الأوحد الفقيه أبو الحسن علي بن عثمان بن عمر بن صالح الدمشقي الشافعي المحدث ميلاده سنة ثمان و سبعين و سبعمائة و سمع من ابن أبي المجد البخاري و من البدر بن قوام‏ (2) بعض الموطا رواية أبي مصعب و من أحمد بن علي بن محمد بن عبد الحق‏ (3) و عمر البالسي و حسن بن محمد بن علي أبي الفتح البعلي و البرهان بن‏

____________

(1) ابراهيم بن عمر بن حسن توفي 885 هجرية. شذرات الذهب 7: 339.

(2) محمد بن محمد بن عمر بن أبي بكر توفي 803 شذرات الذهب 7: 38.

(3) ترجمته في شذرات الذهب 7: 15.

34

صديق و فاطمة بنت المنجا (1) و غيرهم، و لزم السراج البلقيني‏ (2) و الحافظ العراقي‏ (3) و سمع منهما و له مؤلفات منها كتاب (الوصول لما وقع في الرافعي من الأصول)، (و شرح المنهاج للنواوي)، و شي‏ء في الوعظ، و ناب في درس الشامية البرانية و بالغزالية، و درّس في دار الحديث هذه، و كان صالحا متواضعا توفي بدمشق سنة أربع و أربعين و ثمانمائة و دفن بمقبرة باب الصغير بطرفها القبلي تجاه باب المصلى.

(فوائد) الأولى: قال الشيخ تقي الدين السبكي في كتاب الوقف من فتاويه، من وقف دار الحديث هذه ثلث حزرما وقفا مؤبدا.

الثانية: كان ينوب عن ابن الشريشي في مشيخة دار الحديث هذه الشيخ صدر الدين سليمان بن هلال الجعفري الحوراني‏ (4) صاحب النواوي توفي سنة خمس و عشرين و سبعمائة.

الثالثة: قال الشيخ تقي الدين الأسدي في تاريخه: و في يوم الاثنين عاشر ربيع الآخر سنة ثلاث و ثلاثين بعد خروج القضاة من دار السعادة حضر قاضي القضاة شهاب الدين الونائي بدار الحديث الأشرفية و حضر معه القضاة الثلاثة و جماعة من الفقهاء و تكلم على الحديث الأول من صحيح مسلم بعد ما رواه بسنده انتهى.

و قال في تاريخه أيضا: في صفر سنة ست و أربعين في يوم السبت الحادي و العشرين منه حضر قاضي القضاة يعني شمس الدين الونائي‏ (5) بدار الحديث الأشرفية ثم في العادلية الكبرى، و في يوم الثلاثاء حضر الغزالية و البادرائية،

____________

(1) فاطمة بنت محمد بن عبد الهادي: قرأ عليها الحافظ ابن حجر توفيت 803 هجرية. شذرات الذهب 7: 33.

(2) عمر بن رسلان بن نصير توفي 805 هجرية. شذرات الذهب 7: 51.

(3) عبد الرحيم بن الحسين صاحب الألفية توفي 806 هجرية. شذرات الذهب 7: 55.

(4) شذرات الذهب 6: 67.

(5) محمد بن اسماعيل بن محمد بن أحمد توفي 849 هجرية. شذرات الذهب 7: 265.

35

و سبب ذلك أنه أراد الحضور في يوم الأحد فقيل له إن الفقهاء لا يتفرغون بحضورهم معك، و كذلك في يوم الأربعاء فحضر في هذين اليومين انتهى.

و في آخر جمعة في شهر رمضان بعد صلاتها سنة أربع و تسعمائة حضر بها قاضي القضاة شهاب الدين بن الفرفور (1) و معه القضاة الثلاثة و نوابهم و مشايخ الإسلام و المسندون بدمشق، لإسماع ولده الولوي محمد (2) عليهم فقرأ عليهم قطعا متفرقة من نحو سبعين كتابا بعد أن قرأ الولوي المذكور الحديث المسلسل بالأولية و ستة أحاديث من الكتب الستة، و كان المرتب لهذا المجلس الشيخ شمس الدين الخطيب المصري الحنفي.

الرابعة: قال السيد الحسيني في ذيله في سنة ثلاث و ستين و سبعمائة مات الشيخ الصالح الزاهد العابد الناسك فتح الدين يحيى بن الامام زين الدين عبد اللّه بن مروان الفارقي الأصل الدمشقي الشافعي خازن الأثر الشريف و إمام الدار الأشرفية ولد سنة ثنتين و سبعين و سمع الشيخ شمس الدين بن أبي عمر (3) و كان آخر أصحابه، و سمع الفخر و ابن شيبان‏ (4) و خلقا، و حدث باليسير من مسموعاته تورعا، و كان ذا زهد و ورع حسن و يقنع باليسير، و قيض لي السماع منه، توفي في سادس عشرين من شهر ربيع الآخر انتهى.

الخامسة: قال الذهبي في كتاب العبر: في سنة ثمان و أربعين و ستمائة و المجد ابن الاسفراييني قارى‏ء دار الحديث أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن عمر الصوفي روى عن المؤيد الطوسي‏ (5) و جماعة، توفي في ذي القعدة بالسميساطية، و قال أيضا: في سنة خمس و ثمانين و ابن المهتار الكاتب المجوّد و المحدّث الورع مجد الدين يوسف بن محمد بن عبد اللّه المصري ثم الدمشقي الشافعي‏

____________

(1) توفي سنة 910 هجرية. شذرات الذهب 8: 47.

(2) محمد بن أحمد بن محمود توفي 937 هجرية. شذرات الذهب 8: 224.

(3) أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن قدامة المقدسي توفي 682 هجرية. شذرات الذهب 5: 376.

(4) أبو العباس أحمد بن شيبان بن تغلب العطار توفي 685 هجرية شذرات الذهب 5: 390.

(5) المؤيد بن محمد بن علي توفي 617 هجرية. شذرات الذهب 5: 78.

36

قارى‏ء دار الحديث الأشرفية، ولد في حدود سنة عشر و سمع من ابن الزبيدي و ابن الصباح‏ (1) و طبقتهما، و روى الكثير، توفي تاسع ذي القعدة انتهى. و ولي الاقراء بها الامام العالم البارع سيف الدين أبو بكر بن عبد اللّه الحريري البعلبكي الدمشقي‏ (2) ولد سنة نيف و تسعين (بتقديم التاء) و ستمائة، و اشتغل في الفقه و الحديث، و لازم الحافظ المزي مدة، و قرأ العربية و فضل فيها، و قرأ القرآن على الكفري‏ (3)، و سمع من جماعة، و درّس بالظاهرية البرانية كما سيأتي فيها عوضا عن الأردبيلي كما انتقل إلى تدريس الناصرية كما سيأتي، و أعاد بغيرها، و ولي مشيخة النحو بالناصرية، و الاقراء بدار الحديث الأشرفية، ذكره الذهبي في المعجم المختص و قال فيه: الإمام المحصل ذو الفضائل سمع و كتب، و تعب و اشتغل، و أفاد و سمع مني و تلا بالسبع، و أعرض عن أشياء من فضلات العلم، توفي ربيع الأول سنة سبع (بتقديم السين) و أربعين و سبعمائة و دفن بالصوفية.

9- دار الحديث الأشرفية البرانية

المقدسية بسفح جبل قاسيون على حافة نهر يزيد تجاه تربة الوزير تقي الدين توبة بن علي التكريتي و شرقي المدرسة المرشدية الحنفية و غربي الأتابكية الشافعية، بناء الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن العادل باني دار الحديث الأشرفية المتقدمة قبل هذه للحافظ ابن الحافظ جمال الدين عبد اللّه بن تقي الدين عبد الغني المقدسي‏ (4) قال ابن مفلح في طبقاته: عبد اللّه بن عبد الغني ابن علي بن سرور المقدسي ثم الدمشقي الحافظ ابن الحافظ جمال الدين، سمع بدمشق من عبد الرحمن بن علي الخرقي و الخشوعي و غيرهما، و ببغداد من ابن‏

____________

(1) أبو صادق الحسن بن صباح المخزومي توفي 632 هجرية شذرات الذهب 5: 148.

(2) توفي 747 هجرية شذرات الذهب 6: 151.

(3) حسين بن سليمان بن فزارة توفي 719 هجرية. شذرات الذهب 6: 51.

(4) شذرات الذهب 5: 131.

37

كليب‏ (1) و ابن المعطوش‏ (2)، و بأصبهان من أبي المكارم ابن اللبان و خلق آخرين، و بمصر من ابن ابي عبد اللّه الأرتاجي‏ (3) و كتب بخطه الكثير و جمع و صنف و أفاد و قرأ القراآت على عمه العماد (4) و الفقه على الشيخ موفق الدين‏ (5) و العربية على أبي البقاء العكبري‏ (6).

قال الحافظ الضياء (7): كان علما في وقته، و قال الحافظ ابن الحاجب‏ (8): لم يكن في عصره مثله في الحفظ و المعرفة و الأمانة، و كان كثير الفضل وافر العقل، متواضعا مهيبا جوادا سخيا، له القبول التام مع العبادة و الورع و المجاهدة. و قال الذهبي: روي عنه الضياء و ابن أبي عمر و ابن البخاري‏ (9)، و آخر من روى عنه اجازة القاضي تقي الدين سليمان بن حمزة (10)، و بنى له الملك الأشرف‏ (11) دار الحديث بالسفح و جعله شيخها، و قرر له معلوما فمات قبل فراغها، توفي (رحمه اللّه تعالى) يوم الجمعة خامس شهر رمضان سنة تسع و عشرين و ستمائة و دفن بالسفح، و رآه بعضهم في النوم فقال له: ما فعل اللّه بك فقال أسكنني على بركة رضوان. و رآه آخر فسأله فقال: لقيت خيرا، فقال له كيف الناس فقال: متفاوتون على قدر أعمالهم انتهى كلام ابن مفلح.

و أول من درّس بهذه الدار القاضي شمس الدين بن أبي عمر (12).

____________

(1) أبو الفرج عبد المنعم بن عبد الوهاب توفي 596 هجرية شذرات الذهب 4: 327.

(2) أبو طاهر المبارك بن المبارك توفي 599 هجرية. شذرات الذهب 4: 343.

(3) شذرات الذهب 5: 6.

(4) شذرات الذهب 5: 57.

(5) شذرات الذهب 5: 88.

(6) شذرات الذهب 5: 67.

(7) شذرات الذهب 5: 217.

(8) شذرات الذهب 5: 137.

(9) شذرات الذهب 5: 414.

(10) شذرات الذهب 6: 35.

(11) شذرات الذهب 5: 175.

(12) شذرات الذهب 5: 376.

38

قال ابن كثير في سنة ثنتين و ثمانين و ستمائة: شيخ الجبل الشيخ الامام العلامة شيخ الاسلام شمس الدين أبو محمد عبد الرحمن ابن الشيخ أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة الحنبلي أول من ولي قضاء الحنابلة بدمشق، ثم تركه و تولاه ابنه نجم الدين‏ (1) و تدريس الأشرفية بالجبل. و قد سمع الحديث الكثير، و كان من علماء الناس و أكثرهم ديانة في عصره و أمانة مع هدوء و سمت حسن و خشوع و وقار. توفي (رحمه اللّه تعالى) ليلة الثلاثاء سلخ شهر ربيع الأول من هذه السنة عن خمس و ثمانين سنة و دفن في مقبرة والده، ثم ولي تدريسها الامام شمس الدين بن الكمال‏ (2).

قال الذهبي في تاريخه العبر في سنة ثمان و ثمانين و ستمائة: الشيخ المحدث شمس الدين بن الكمال أبو عبد اللّه محمد بن عبد الرحيم بن عبد الواحد ابن أحمد المقدسي الحنبلي ولد سنة سبع و ستمائة و سمع الكندي‏ (3) و ابن الحرستاني حضورا و من داود بن ملاعب‏ (4) و طائفة، و عني بالحديث و جمع و خرج، مع الدين المتين و الورع و العبادة، و ولي مشيخة الضيائية و مشيخة الأشرفية بالجبل.

و قال الصفدي في تاريخه في المحمّدين: الشيخ القدوة الصالح شمس الدين ابن الكمال ابن أخي الحافظ ضياء الدين سمع من أبي الفتوح البكري و موسى ابن عبد القادر (5) و الشمس أحمد العطار (6) و العماد إبراهيم و الشيخ الموفق و ابن أبي لقمة (7) و ابن صصري‏ (8) و ابن البن‏ (9) و زين الأمناء (10) و ابن راجح‏ (11) و أحمد بن طاوس‏ (12) و ابن الزبيدي و خلق كثير. و حدث بالكثير نحو أربعين‏

____________

(1) شذرات الذهب 5: 407.

(2) شذرات الذهب 5: 405.

(3) شذرات الذهب 5: 54.

(4) شذرات الذهب 5: 67.

(5) شذرات الذهب 5: 82.

(6) شذرات الذهب 5: 62.

(7) شذرات الذهب 5: 110.

(8) شذرات الذهب 5: 118.

(9) شذرات الذهب 5: 117.

(10) شذرات الذهب 5: 123.

(11) شذرات الذهب 5: 82.

(12) شذرات الذهب 5: 116.

39

سنة، و تمم تصنيف الأحكام الذي جمعه عمه الحافظ الضياء. و كان فاضلا نبيها حسن التحصيل، وافر الديانة، كثير العبادة، نزها عفيفا نظيفا، روى عن القاضي تقي الدين سليمان و ابن تيمية و ابن العطار و المزي و ابن مسلم‏ (1) و ابن الخباز (2) و البرزالي‏ (3). و ولي مشيخة الأشرفية التي بالجبل و قرأ غير مرة و درس بالضيائية و حج مرتين. و حفر مكانا بالصالحية لبعض شأنه فوجد جرة مملوءة ذهبا، و كانت معه زوجته تعينه فطمّه و قال لزوجته: هذا فتنة و له مستحقون لا نعرفهم فوافقته و طمّاه و تركاه. توفي (رحمه اللّه تعالى) في تاسع جمادى الآخرة و هي سنة ثمان و ثمانين و ستمائة، ثم درّس بها الشرف حسن المقدسي.

قال ابن كثير في تاريخه في سنة خمس و تسعين و ستمائة: هو قاضي القضاة شرف الدين أبو الفضل الحسن ابن الشيخ الامام الخطيب شرف الدين أبي بكر عبد اللّه ابن الشيخ أبي عمر المقدسي سمع الحديث و تفقه و برع في الفروع و الفقه و اللغة، و فيه أدب و حسن محاضرة، مليح الشكل، تولى القضاء بعد نجم الدين ابن الشيخ شمس الدين في أواخر سنة سبع و ثمانين و درس بدار الحديث الأشرفية بالجبل.

و قال الصفدي في تاريخه في حرف الحاء: الحسن بن عبد اللّه ابن الشيخ القدوة الزاهد أبي عمر بن أحمد بن محمد بن قدامة قاضي القضاة شرف الدين أبو الفضل ابن الخطيب شرف الدين الصالحي الحنبلي، ولد سنة ثمان و ثلاثين و ستمائة و سمع من ابن قميرة (4) و ابن مسلمة (5) و المرسي‏ (6) و اليلداني‏ (7) و جماعة،

____________

(1) شذرات الذهب 6: 72.

(2) شذرات الذهب 6: 181 و ذكره ابن عماد «ابن الخباز».

(3) شذرات الذهب 6: 216.

(4) شذرات الذهب 5: 253.

(5) شذرات الذهب 5: 249.

(6) شذرات الذهب 5: 266.

(7) شذرات الذهب 5: 269.

40

و قرأ الحديث بنفسه على الكفرطابي‏ (1) و غيره و تفقه على عمه شمس الدين و صحبه مدة و برع في المذهب، و كان مديد القامة حسن الهيأة به شيب يسير، و فيه لطف كثير و مكارم و سيادة و مروءة و ديانة و صيانة و أخلاق زكية و سيرة حسنة في الأحكام، سمع منه البرزالي و غيره، و درس بمدرسة جده و بدار الحديث الأشرفية، و ولي القضاء بعد نجم الدين ابن الشيخ، توفي ليلة الخميس الثاني و العشرين من شوال و دفن من الغد بمقبرة جده بالسفح، و حضر نائب السلطنة و القضاة و الأعيان جنازته، و عمل من الغد عزاؤه بالجامع المظفري.

و باشر القضاء بعده تقي الدين سليمان بن حمزة، قال ابن كثير: و كذا مشيخة دار الحديث الأشرفية بالسفح و قد وليها شرف الفائق الحنبلي النابلسي‏ (2) مدة شهور ثم صرف عنها و استقرت بيد التقي سليمان المقدسي انتهى. و تقي الدين سليمان هذا هو المقدسي، قال ابن كثير في سنة خمس عشرة و سبعمائة: القاضي السند العمدة الرحلة تقي الدين سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر ابن الشيخ أبي عمر المقدسي الحنبلي الحاكم بدمشق ولد في نصف شهر رجب سنة ثمان و عشرين و ستمائة و سمع الحديث الكثير، و قرأ بنفسه و تفقه و برع و ولي الحكم و حدّث، و كان من خيار الناس و أحسنهم خلقا و أكثرهم مروءة، توفي (رحمه اللّه تعالى) فجأة بعد مرجعه من البلد و حكمه بالجوزية، فلما صار إلى منزله بالدير تغيرت حاله و مات عقب صلاة المغرب ليلة الاثنين حادي عشرين ذي القعدة و دفن من الغد بتربة جده، حضر جنازته خلق كثير و جمّ غفير.

و قال الذهبي في مختصر تاريخه أي تاريخ الاسلام: و له ثمان و ثمانون سنة، و كان مسند الشام في وقته. و قال في العبر أي في الذيل في سنة خمس عشرة و سبعمائة: و مات في ذي القعدة فجأة قاضي القضاة تقي الدين أبو الفضل‏

____________

(1) شذرات الذهب 5: 277.

(2) شذرات الذهب 5: 335.

41

سليمان، روى الصحيح عن الزبيدي‏ (1) حضورا، و سمع من ابن اللتي و جعفر و ابن المقير و كريمة (2) و ابن الجميزي‏ (3) و الحافظ الضياء. و أجاز له عمر بن كرم‏ (4) و أبو الوفاء محمد بن محمود بن منده‏ (5) و شهاب الدين السهروردي‏ (6)، و له معجم في مجلدين عمله ابن الفخر، و كان بصيرا بالمذهب ديّنا متعبدا متواضعا، كثير المحاسن واسع الرواية أفتى نيفا و خمسين سنة، و تخرج به الفقهاء انتهى. ثم درس بها ولده بعده عز الدين.

قال الذهبي في تاريخه في سنة إحدى و ثلاثين و سبعمائة: و مات في صفر قاضي الحنابلة عز الدين محمد ابن قاضي القضاة تقي الدين سليمان المقدسي و له ست و ثلاثون سنة روى عن الشيخ و عن أبي بكر الهروي و بالاجازة عن ابن عبد الدائم‏ (7) و درس بدار الحديث الأشرفية و غيرها، و كان متوسطا في العلم و الحكم متواضعا، ثم درس بها ولده بعده بدر الدين، قال الصفدي في حرف الحاء: الحسن بن محمد بن سليمان بن حمزة ابن الشيخ الامام أقضى القضاة بدر الدين ابن قاضي القضاة سليمان المقدسي الأصل ثم الدمشقي، سمع من جده و عيسى‏ (8) المطعم و يحيى بن سعد (9) و غيرهم و حدث و درس بدار الحديث الأشرفية بالسفح، و ذكر لي جدي الشيخ شرف الدين أنه كان يحفظ شيئا من شرح المقنع للشيخ شمس الدين بن أبي عمر مقدارا و يلقيه في الدرس و يتكلم الحاضرون فيه و درّس بالجوزية و كان بيده نصف تدريسها و ناب في الحكم عن ابن قاضي الجبل بعد عزله بصلاح الدين ابن المنجا، و قد أعيد بعد وفاته مات ليلة الخميس خامس شهر ربيع الأول سنة سبعين و سبعمائة، و دفن بالسفح، ثم استمر كل من تولى قضاء الحنابلة يتولاها و إن لم يكن أهلا

____________

(1) شذرات الذهب 5: 144.

(2) شذرات الذهب 5: 212.

(3) شذرات الذهب 5: 246.

(4) شذرات الذهب 5: 132.

(5) شذرات الذهب 5: 155.

(6) شذرات الذهب 5: 153.

(7) شذرات الذهب 6: 48.

(8) شذرات الذهب 6: 52.

(9) شذرات الذهب 6: 56.

42

للتدريس بها و لها إعادة.

(فوائد) الأولى: الوف عليها خمس ضياع بالبقاع: الدير و الدوير و التليل و المنصورة و الشرفية و لها بيت ابن النابلسي المعروف بابن الشكل و الجنينة و حكر حارة الجوبان.

الثانية: أسمع بها الإمامان القاضيان المحب أحمد بن نصر اللّه‏ (1) البغدادي الحنبلي قاضي القضاة بالديار المصرية و الشمس محمد بن أحمد البساطي المالكي قاضي القضاة بها أيضا، جزءا مخرجا من حديث شيخ الاسلام سراج الدين أبي حفص عمر بن أرسلان البلقيني تخريج الحافظ ولي الدين أبي زرعة أحمد ابن العراقي المصري‏ (2) الشافعي له من مسموعاته لما قدما دمشق مع السلطان الملك الأشرف‏ (3) في يوم السبت رابع عشر ذي الحجة الحرام سنة ست و ثلاثين و ثمانمائة بحضور العلامة الحافظ شمس الدين أبي عبد اللّه محمد بن أبي بكر عبد اللّه بن ناصر الدين الدمشقي الشافعي.

الثالثة: أسمع بها قاضي القضاة نظام الدين أبو حفص عمر ابن أقضى القضاة برهان الدين إبراهيم بن مفلح و نائبه الشمس أبو عبد اللّه محمد بن عمر ابن ثابت الدروسي‏ (4) الحنبليان مشيخة أبي محمد عيسى بن عبد الرحمن المطعم المقدسي الدلال تخريج الحافظ أبي عبد اللّه محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي له يوم السبت ثالث جمادى الآخرة سنة سبع و تسعين و ثمانمائة بحضور المحدث جمال الدين أبي المحاسن يوسف بن حسن بن أحمد بن عبد الهادي الصالحي‏ (5) رحمهم اللّه سبحانه و تعالى.

____________

(1) شذرات الذهب 6: 219.

(2) شذرات الذهب 7: 173.

(3) شذرات الذهب 7: 238.

(4) شذرات الذهب 7: 366.

(5) شذرات الذهب 8: 43.

43

10- دار الحديث البهائية

داخل باب توما قال الحافظ ابن كثير في تاريخه في سنة ثلاث و عشرين و سبعمائة: شيخنا الجليل المسند المعمر الرحلة بهاء الدين أبو محمد القاسم ابن الشيخ بدر الدين أبي غالب المظفر إلى أن قال: و وقف آخر عمره داره المعروفة دار حديث. و ولي تدريسها الشهاب الأذرعي و هو كما قال الحافظ برهان الدين الحلبي‏ (1) في مشيخة تخريج الحافظ نجم الدين بن فهد (2) أحمد ابن حمدان بن أحمد بن عبد اللّه بن عبد الواحد بن عبد الغني بن محمد بن أحمد بن سالم بن داود بن يوسف بن جابر الأذرعي نسبة إلى أذرعات الشام ثم الدمشقي ثم الحلبي الشافعي الامام العلامة شيخ المذهب أبو العباس ابن الشيخ شهاب الدين مولده في إحدى الجماديين سنة ثمان و سبعمائة بأذرعات و نشأ بدمشق و سمع على القاسم ابن عساكر و أحمد بن الشحنة (3) و سمع من الصدر عبد المؤمن بن عبد الرحمن بن عبد العزيز الحارثي النصف الأخير من رسالة الشافعي أو أكثر، و قرأ على الحافظين الذهبي و المزي و ذكر أنهما كانا يعجبان بقراءته و أجاز له من دمشق أبو نصر ابن الشيرازي‏ (4) و إسحاق الآمدي‏ (5) و أبو عبد اللّه ابن الزراد و غيرهم، و من مصر أبو الحسن بن قريش و أبو الحسن الواني و أبو الفتح الدبوسي و صالح بن مختار الأشنهي و يوسف بن عمر الختني‏ (6) و آخرين، و من الاسكندرية عمر بن محمد العتبي‏ (7) و عبد اللّه بن خلف الصواف و غيرهما خرج له عنهم الامام شهاب الدين أبو العباس أحمد ابن حجي جزءا حدّث به و أخذ الفقه عن شيوخه بدمشق و تفقه و برع و تميز و ساد و شهر حتى صار شيخ البلاد الشامية، و أحفظ الناس لفروع المذهب، و ناب في الحكم في بعض الجهات الدمشقية، ثم انتقل إلى حلب و استوطنها،

____________

(1) شذرات الذهب 7: 237.

(2) شذرات الذهب 7: 342.

(3) شذرات الذهب 6: 93.

(4) شذرات الذهب 6: 62.

(5) شذرات الذهب 6: 66.

(6) شذرات الذهب 6: 97.

(7) شذرات الذهب 6: 64.

44

و ناب في الحكم عن ابن الصائغ‏ (1) أول ما قدم حلب، ثم ترك ذلك، و ذكر لي القاضي شرف الدين الأنصاري أنه كان يأخذ العهد على أصحابه أنهم لا يلون القضاء، و لما ترك القضاء اقتنع ببعض المدارس، و أكبّ على الاشتغال و أقبل على التصنيف، فصنف كتابا في المذهب سماه (قوة المحتاج) و آخر سماه (غنية المحتاج) كلاهما في شرح المنهاج، ثم صنف (المتوسط في الفتح بين الروضة و الشرح) يعني شرح الرافعي الكبير في عشرين مجلدة، و هو كتاب جليل جمع فيه فأوعى، و تعقب على المهمات للأسنوي، و اختصر (الحاوي) للماوردي، و درّس بالمدرسة البلدقية بقرب الكلاسة و بالمدرسة الظاهرية و بالمدرسة الأسدية و بدار الحديث البهائية، و له إعادة بعدة مدارس من مدارس الشافعية، و تصدر بالجامع للافتاء و التدريس، و شاعت فتاويه في الآفاق مع التوقي الشديد، خصوصا في الطلاق، و كان الشيخ زين الدين الباريني يجمع عنده فتاوى يستشكلها فيأتي الأذرعي فيسأله عنها، و لم يكن له خبرة بحساب الفرائض، و قد وقعت له في ذلك أغلاط اعتنى بجمعها فقيه ورد عليهم حلب من مصر يقال له النوي، و أوقف عليها الشيخ سراج الدين البلقيني و الشيخ ضياء الدين القربي فأطلق فيها ضياء الدين لسانه إذ لم يكن عارفا بحقيقته، و عظم البلقيني شأنه لما يعرف من حاله لكنه كتب أنه لا يصلح للفتوى في الفرائض انتهى. و عرض له في آخر عمره سقطة و صمم شديد، و كان كثير الاسناد للشعر، و له نظم على طريقة الفقهاء، و كانت وفاته عند الزوال من يوم الأحد الخامس و العشرين من جمادى الآخرة سنة ثلاث و ثمانين و سبعمائة و صلي عليه بالجامع الأموي بحلب المحروسة، و تقدم عليه في الصلاة القاضي جمال الدين بن العديم‏ (2) الحنفي و دفن من يومه خارج باب المقام تجاه تربة ابن الصاحب و الفريب من تربة سودون، و لم يخلف بعده بتلك الديار مثله. و ولي مشيختها السيد الشريف المؤلف المفيد شمس الدين‏

____________

(1) شذرات الذهب 6: 123.

(2) شذرات الذهب 6: 295.

45

أبو المحاسن و يقال أبو عبد اللّه الحسيني الدمشقي‏ (1)، ميلاده سنة خمس عشرة و سبعمائة.

قال الحافظ الذهبي في المعجم: المحقق العالم الفقيه المحدّث، طلب و كتب الأجزاء و هو في زيادة من السماع و التحصيل و التخريج و الإفادة، و قال الحافظ ابن كثير: جمع أشياء مهمة في الحديث و كتب أسماء رجال مسند أحمد، و اختصر كتابا في أسماء الرجال مفيدا و ولي مشيخة دار الحديث التي وقفها في داره بهاء الدين القسم داخل باب توما. و قال الحافظ ابن رافع: جمع مختصرا من (تهذيب الكمال) لشيخنا المزي و زاد فيه رجال مسند أحمد و كتب بخطه كثيرا. و قال الحافظ العراقي‏ (2) إنه شرع في شرح (سنن النسائي). و قال تقي الدين الأسدي: و من مؤلفاته (اختصار الأطراف للمزي) و كتاب (رياض الزاهدين في مناقب الخلفاء الراشدين) و كتاب (الإمام في آداب دخول الحمام) و كتاب (العرف الذكي في النسب الزكي) و (ذيلا على العبر) من سنة إحدى و أربعين إلى سنة اثنتين و ستين. كذا قال و فيه نظر إنما هو إلى أن توفي في شعبان سنة خمس و ستين و سبعمائة و دفن (رحمه اللّه تعالى) بقاسيون.

11- دار الحديث الحمصية

المعروفة بحلقة صاحب حمص، لم نقف له على ترجمة، و درس فيها الحافظ أبو الحجاج المزي، و قد تقدمت ترجمته في دار الحديث الأشرفية بدمشق. ثم درّس بها بعده الحافظ صلاح الدين العلائي قال الذهبي في العبر في سنة ثمان و عشرين و سبعمائة: و فيها في المحرم درّس العلائي بحلقة صاحب حمص بحضرة القضاة فأورد درسا باهرا نحو ستمائة سطر و قال تلميذه ابن كثير في تاريخه في سنة ثمان و عشرين و سبعمائة و في يوم الأربعاء ثاني المحرم، درّس بحلقة صاحب حمص الشيخ الحافظ صلاح الدين العلائي نزل له عنها شيخنا

____________

(1) شذرات الذهب 6: 205.

(2) شذرات الذهب 6: 234.

46

الحافظ المزي، و حضر عنده الفقهاء و القضاة و الأعيان و ذكر درسا حسنا مفيدا انتهى. و قال الصفدي في تاريخه في حرف الخاء المعجمة ما عبارته:

خليل بن كيكلدي بن عبد اللّه الشيخ الإمام العلامة الحافظ المحدث الفقيه الأصولي الأديب صلاح الدين ابن العلائي الدمشقي الشافعي، ولد في احد الربيعين سنة أربع و تسعين و ستمائة اول سماعه صحيح مسلم سنة ثلاث و سبعمائة على الشيخ شرف الدين الفزاري خطيب دمشق عن المشايخ الأربعة عشر و فيها كمل عليه ختم القرآن العظيم ثم إنه سمع صحيح البخاري على ابن مشرف‏ (1) سنة أربع، و فيها ابتدأ بقراءة العربية و غيرها على الشيخ نجم الدين القحفازي و الفقه و الفرائض على الشيخ زكي الدين زكوي، ثم إنه جدّ في طلب الحديث سنة عشر و سبعمائة، و قرأ بنفسه على القاضي سليمان الحنبلي الكثير و على أبي بكر بن عبد الدائم و عيسى المطعم و إسماعيل بن مكتوم‏ (2) و عبد الأحد بن تيمية (3) و القاسم بن عساكر و ابن عمه إسماعيل‏ (4) و هذه الطبقة و من بعدها، و شيوخه بالسماع نحو سبعمائة شيخ، و من مسموعاته الكتب الستة و غالب دواوين الحديث، و قد علق ذلك في مجلد سماه (آثار الفوائد المجموعة في الإشارة إلى الفرائد المسموعة)، و من تصانيفه أيضا كتاب (النفحات القدسية) في مجلد كبير يشتمل على تفسير آيات و شرح أحاديث. ذكره مواعيد حفظا بالمسجد الأقصى. و (كتاب الأربعين في أعمال المتقين) في ستة و أربعين جزءا، و كتاب (تحفة الرائض بعلوم آيات الفرائض) و (برهان التيسير في عنوان التفسير)، و (إحكام العنوان لأحكام القرآن)، و (نزهة السفرة في تفسير خواتيم سورة البقرة)، و (المباحث المختارة في تفسير آية الدية و الكفارة)، و (نظم الفوائد لما تضمنه حديث ذي اليدين من الفوائد)، و (تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد)، و (تفصيل الإجمال في تعارض الأقوال و الأفعال)، و (تحقيق الكلام في نية الصيام)، و (شفاء المسترشدين في اختلاف‏

____________

(1) شذرات الذهب 6: 16.

(2) شذرات الذهب 6: 38.

(3) شذرات الذهب 6: 30.

(4) شذرات الذهب 6: 25.

47

المجتهدين)، و (رفع الاشتباه عن أحكام الإكراه) و غير ذلك، و من تصانيفه مما لم يتم إلى يومئذ كتاب (نهاية الإحكام لدراية الأحكام)، و كتاب (الأربعين الكبرى) يقع كل حديث منها بطريقة و الكلام عليه في مجلد، و له التعليقات الأربعة: الكبرى و الوسطى و الصغرى و المصرية في اثني عشر مجلدا.

و من الأجزاء الحديثية ما يطول ذكره. و خرّج للقاضي تقي الدين و لابن جماعة من الشيوخ، و كان أولا يعاني الجندية، ثم انه في سنة خمس عشرة و سبعمائة عاود الاشتغال بالفقه و الأصوليين و غير ذلك و حفظ التنبيه و مختصر ابن الحاجب و مقدمتيه في النحو و التصريف، و كتاب (لباب الأربعين في أصول الدين) لسراج الدين الأموي، و كتاب الإمام في الأحكام و علق عليه حواشي، ثم أنه رحل صحبة الشيخ كمال الدين بن الزملكاني إلى زيارة القدس سنة سبع عشرة و سبعمائة و سمع من زينب بنت شكر (1) و غيرها، و لازم الشيخ كمال الدين المذكور سفرا و حضرا و علق عنه كثيرا و حج معه سنة عشرين و سبعمائة، و سمع بمكة من الشيخ رضي الدين الطبري‏ (2) و لازم القراءة على الشيخ برهان الدين الفزاري في الفقه و الأصول مدة سنين و خرج له مشيخة و غيرها. و ولي تدريس الحديث بالناصرية سنة ثمان عشرة و سبعمائة، ثم انه درس بالأسدية سنة ثلاث و عشرين و سبعمائة، و أفتى باذن الشيخ كمال الدين الزملكاني و قاضي القضاة سنة أربع و عشرين و سبعمائة ثم إنه درّس بحلقة صاحب حمص سنة ثمان و عشرين و سبعمائة، ثم انتقل إلى تدريس المدرسة الصلاحية بالقدس سنة إحدى و ثلاثين و سبعمائة، و أقام به إلى يومئذ و تولى مشيخة دار الحديث السيفية بالقدس اجتمعت به مرة بدمشق و القدس و القاهرة و ارتويت من فوائده في كل علم و قلّ ان رأيت مثله في تحقيق ما يقوله و تدقيقه. و نقلت له من خطه خطبة أنشأها لدرس الحديث بحلقة صاحب حمص و هي قوله: الحمد للّه الذي رفع متن العلماء و جعل لهم من لدنه سندا و أبقى حديثهم الحسن على الإملاء أبدا، و أمدهم بمتتابعات كرمه‏

____________

(1) شذرات الذهب 6: 56.

(2) شذرات الذهب 6: 56.

48

المشهور بوصل ما كان مقطوعا و أعزّ من كان مفردا، و حمى ضعيف قلوبهم من الاضطراب حتى غدت ثابتة الأفكار، و عدد موازين نظرهم حين رجحت بفضلهم المبين بشواهد الاعتبار، و أنجز لهم من صادق و عده علوّ قدرهم المرفوع، و أطاب بألسنة الأقلام و أفواه المحابر مشافهة ثنائهم المسموع، و جعل شرفهم موقوفا عليهم و شرف من عداهم من جملة الموضوع، أحمده على حديث نعمه الحسن المتصل المسلسل، و تواتر مننه التي يرفع بها تدليس كل أمر معضل، و مزيد كرمه الذي عمّ المختلف و المؤتلف، فلا ينقطع و لا يوقف على أن يطل و أشهد ان لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له شهادة اتخذها لسعي الخير منهجا، و آنس بها يوم أمسي في جانب اللحد غريبا و في طيّ الأكفان مدرجا، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله أنصح من جاء عن ربه مرسلا، و أفصح من خاطب بوحيه حتى أمسى جانب الشرك متروكا مهملا، الذي رمى قلوب الأعداء و خشومهم بالتجريح، و طاعن بالعوالي حتى استقام و قوي متن الدين الصحيح، صلى اللّه عليه و على آله و أصحابه الذين أبادوا المنكر، و أربى على المتفق و المختلف سنا مجدهم الأكبر، صلاة معتبرة الإفراد دالة على أنهم في فضل الدنيا و الآخرة نعم السادة الأفراد انتهى.

و قال السيد الحسيني في ذيل العبر في سنة إحدى و ستين و سبعمائة: و في الثالث المحرم مات شيخنا بقية الحفاظ صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي العلائي الدمشقي ثم المقدسي الشافعي مدرّس المدرسة الصلاحية و غيرها بالقدس عن سبع و ستين سنة، و روى عن القاضي تقي الدين سليمان الحنبلي و طبقته و أكثر. و كان إماما في الفقه و النحو و الأصول، مفتنا في علوم الحديث و معرفة الرجال، علامة في المتون و الأسانيد، و مصنفاته تنبى‏ء عن إمامته في كل فن، توفي (رحمه اللّه تعالى) ببيت المقدس و ولي بعده تدريس الصلاحية ابن الخطيب العلامة ابن جماعة (1) و مشيخة التنكزية شهاب الدين محمود (زاد الأسدي بالهامش) قال شيخنا بتفويض منه متقدم و درّس بها

____________

(1) شذرات الذهب 6: 311.

49

الشيخ علاء الدين المقدسي الشافعي.

قال الشيخ صلاح الدين الصفدي في وافيه: علي بن أيوب بن منصور الشيخ الإمام علاء الدين المقدسي الشافعي معيد المدرسة البادرائية كان يعرف بعليان و كتب ذلك بخطه في اول امره، و درّس بالأسدية و بحلقة صاحب حمص، و سمع من الفخر ابن البخاري و عبد الرحمن ابن الزين‏ (1)، و حدث بدمشق و القاهرة، و كتب بخطه المليح في أول أمره كثيرا من كتب العلم، و لما بيعت في حياته تغالى الناس فيها لصحتها. و كان قد عني بالحديث و طلب بنفسه و قرأ بنفسه أيضا و حرر و جوّد الألفاظ و ضبطها، ثم إنه سكن القدس بآخره، و اختلط في سنة ثنتين و أربعين و سبعمائة، و كان يعبث في اختلاطه بذكر الجن و يقول: قد وعدوني بأن يأتوا يسوقون نهرا من النيل و نهرا من زيت نابلس إلى داري هذه، و يعد لذلك أماكن يكون بها الماء و الزيت و أشياء من هذه المستحيلات، و قاسى فقرا شديدا وفاقة، و توفي بالقدس سنة ثمان و أربعين و سبعمائة في شهر رمضان المعظم انتهى.

12- دار الحديث الدوادارية و المدرسة و الرباط

قال ابن كثير في سنة ثمان و تسعين و ستمائة: و فيها وقف الأمير علم الدين سنجر الدوادار رواقه داخل باب الفرج دار حديث و مدرسة و ولي مشيخته الشيخ علاء الدين بن العطار و حضر عنده القضاة و الأعيان و عمل لهم ضيافة انتهى.

و قال الذهبي في العبر في سنة تسع و تسعين و ستمائة: الأمير الكبير علم الدين سنجر التركي الصالحي كان من نجباء الترك و شجعانهم و علمائهم، و له مشاركة جيدة في الفقه و الحديث. و فيه ديانة و كرم، و سمع الكثير من الزكي المنذري‏ (2) و الرشيد العطار (3) و طبقتهما، و له معجم كبير و أوقاف بدمشق‏

____________

(1) شذرات الذهب 5: 408.

(2) شذرات الذهب 5: 277.

(3) شذرات الذهب 5: 311.

50

و القدس، تحيز إلى حصن الأكراد. فتوفي به (رحمه اللّه تعالى) في شهر رجب عن بضع و سبعين سنة انتهى.

و قال الصلاح الصفدي في حرف السين المهملة: سنجر الأمير الكبير العالم المحدث أبو موسى الدواداري، ولد سنة نيف و عشرين و ستمائة و توفي (رحمه اللّه تعالى) سنة تسع و تسعين و ستمائة و قدم من الترك في حدود سنة أربعين و ستمائة، و كان مليح الشكل مهيبا كبير الوجه خفيف اللحية، صغير العينين ربعة من الرجال، حسن الخلق و الخلق، فارسا شجاعا، ديّنا خيّرا عالما فاضلا، مليح الخط، حافظا لكتاب اللّه تعالى، قرأ القرآن على الشيخ نجيب الدلاصي و غيره، و حفظ الإشارة في الفقه للشيخ سليم الرازي‏ (1)، و حصل له عناية بالحديث و سماعه سنة بضع و خمسين، و سمع الكثير و كتب بخطه، و حصل الأصول، و خرّج له المزي جزءين عوالي، و خرّج له البرزالي معجما في أربعة عشر جزءا، و خرّج له ابن الظاهري قبل ذلك معجما.

سار بكسوة البيت الشريف بعد ان اخذ بغداد من الديار المصرية و قبل ذلك كان نائبها الاستادار من الخليفة و حج مرة هو و اثنان من مصر على الهجن. و كان من الأسرى في أيام الظاهر ثم أعطي امرية بحلب،. ثم قدم دمشق و ولي الشدّمرة، ثم كان من أصحاب سنقر الأشقر ثم أمسك ثم أعيد إلى رتبته و اكثر، ثم اعطي خبزا و تقدمة على الألف. و تقلبت به الأحوال و علت رتبته في دولة الملك المنصور حسام الدين لاشين‏ (2) و قدمه على الجيش في غزوة سيس. و كان لطيفا مع اهل الصلاح و الحديث يتواضع لهم و يحادثهم و يؤانسهم و يصلهم، و له معروف كثير و أوقاف بدمشق و القدس، و كان مجلسه عامرا بالعلماء و الشعراء و الأعيان، و سمع الكثير بمصر و الشام و الحجاز، و روى عن الزكي عبد العظيم‏ (3) و الرشيد العطار و ابن عبد السلام‏ (4) و الكمال‏

____________

(1) شذرات الذهب 3: 275.

(2) شذرات الذهب 5: 44.

(3) شذرات الذهب 5: 265.

(4) شذرات الذهب 5: 301.

51

الضرير (1) و الشرف المرسي و عبد الغني بن بنين‏ (2) و إبراهيم بن بشارة و أحمد ابن حامد الأرتاحي و إسماعيل بن عزّون‏ (3) و سعد اللّه أبي الفضل الفتوحي و عبد اللّه بن يوسف بن اللمط (4) و عبد الرحمن بن يوسف المنبجي و لاحق الأرتاحي‏ (5) و أبي بكر بن مكارم و فاطمة بنت الملثم بالقاهرة و فاطمة بنت الحزام الحميرية بمكة المشرفة و ابن عبد الدائم‏ (6) و طائفة بدمشق و هبة اللّه ابن رزين و احمد بن النحاس‏ (7) بالاسكندرية و عبد اللّه بن علي بن معن و بأنطاكية و حلب المحمية و بعلبك و القدس و قوص و الكرك و صفد و حماة و حمص و طيبة و الفيوم و جدّة، و قلّ من أنجب من الترك مثله، و سمع منه خلق بدمشق و القاهرة، و شهد الوقعة و هو ضعيف ثم التجأ بأصحابه إلى حصن الأكراد فتوفي به ليلة الجمعة، ثالث شهر رجب بتاريخ تقدم انتهى.

قلت و كان الشيخ فتح الدين به خصيصا ينام عنده و يساهره، فقال لي:

كان الأمير علم الدين قد لبس الفقيري و تجرد، و جاء مكة فجاور بها، و كتب الطباق بخطه، و كانت في وجهه آثار الضروب من الحروب، و كان إذا خرج إلى غزوة خرج طلبه (كذا) و هو في زيه، و إلى جانبه شخص يقرأ عليه جزءا فيه أحاديث الجهاد. و قال إن السلطان حسام الدين لاجين رتبه في عمارة جامع ابن طولون، و فوض امره إليه فعمره، و عمر وقوفه، و قرر فيه دروس الفقه و الحديث، و جعل من جملة ذلك وقفا يختص بالديوك التي تكون في سطح الجامع في مكان مخصوص بها و زعم ان الديوك تعين الموقتين و توقظ المؤذنين في الأسحار، و ضمن ذلك كتاب وقف، فلما قرى‏ء على السلطان أعجبه ما اعتمده في ذلك، فلما انتهى إلى ذكر الديوك انكر ذلك، و قال: ابطلوا هذه لا يضحك الناس علينا. و كان سبب اختصاص فتح الدين به أنه سأل الشيخ‏

____________

(1) شذرات الذهب 5: 306.

(2) شذرات الذهب 5: 306.

(3) شذرات الذهب 5: 324.

(4) شذرات الذهب 5: 289.

(5) شذرات الذهب 5: 296.

(6) شذرات الذهب 5: 325.

(7) شذرات الذهب 5: 333.

52

شرف الدين الدمياطي عن وفاة البخاري فما استحضر تاريخها، فسأل فتح الدين عن ذلك فأجابه، و غالب رؤساء دمشق و كبارها و علماؤها نشوءه و جمع الشيخ كمال الدين بن الزملكاني مدائحه في مجلدين او واحد، و كتب ذلك بخطه و كتب إليه علاء الدين الوداعي‏ (1) بولد اسمه عمر و من خطه نقلت:

قل للأمير و عزه في نجله‏* * * عمر الذي أجرى الدموع أجاجا

حاشاء يظلم ربع صبرك بعد ما* * * أمسى لسكان الجنان سراجا

و من خطه نقلت:

علم الدين لم يزل في طلاب ال* * * علم و الزهد سائحا زمالا

فيرى الناس رأيين و وراء* * * عند الأربعين و أبدالا (كذا)

و قال فيه لما اخذ في دويرة السميساطي بيتا:

لدويرة الشيخ السميساطي من‏* * * دون البقاع فضيلة لا تجهل‏

هي موطن للأولياء و نزهة* * * في الدين و الدنيا لمن يتأمل‏

كملت معاني فضلها مذ حلها* * * العالم الفرد الغياث الموئل‏

إني لأنشد كلما شاهدتها* * * ما مثل منزلة الدويرة منزل‏

انتهى.

و الشيخ علاء الدين بن العطار الذي تولى مشيختها أولا هو كما قال الصلاح الصفدي في وافيه: علي بن إبراهيم بن داود الشيخ الامام المفتي المحدث الصالح بقية السلف علاء الدين أبو الحسن بن الموفق العطار ابن الطبيب الشافعي شيخ دار الحديث النورية و مدرس القوصية و العلمية يعني هذه لا العلمية الحنفية الآتية، ثم قال: ولد يوم عيد الفطر سنة أربع و خمسين و ستمائة و توفي في سنة أربع و عشرين و سبعمائة و حفظ القرآن و سمع من ابن عبد الدائم و ابن أبي اليسر (2) و عبد العزيز بن عبد اللّه و الجمال الصيرفي‏ (3) و ابن أبي‏

____________

(1) شذرات الذهب 6: 39.

(2) شذرات الذهب 5: 338.

(3) شذرات الذهب 5: 363.