كشف الريبة

- الشهيد الثاني المزيد...
100 /
1

-

2

[مقدمة المؤلف‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد لله الذي طهر ألسنة أولياءه عن اللغو و الغيبة و النميمة و زكى نفوسهم عن الأخلاق الدنية و الشيم الذميمة و الصلاة على نبيه المصطفى المبعوث بالشريعة الحنيفة و الملة القويمة و على عترته الطاهرة التي هي على منهاجه مقيمة و بسنته عليمة و عن رذائل الأخلاق معصومة و بمكارمها موسومة و بعد فلما رأيت أكثر أهل هذا العصر ممن يتسم بالعلم و يتصف بالفضل و ينسب إلى العدالة و يترشح للرئاسة يحافظون على أداء الصلوات و الدءوب في الصيام و كثير من العبادات و القربات و يجتنبون جملة من المحرمات كالزناء و

3

شرب الخمر و نحوهما من القبائح الظاهرات ثم هم مع ذلك يصرفون كثيرا من أوقاتهم و يتفكهون في مجالسهم و محاوراتهم و يغذون نفوسهم بتناول أعراض إخوانهم من المؤمنين و نظرائهم من المسلمين و لا يعدونه من السيئات و لا يحذرون معه من مؤاخذة جبار السماوات في سبب إقدام الناس على الغيبة و السبب المقدم لهم على ذلك دون غيره من المعاصي الواضحة إما الغفلة عن تحريمه و ما ورد فيه من الوعيد و المناقشة في الآيات و الروايات و هذا هو السبب الأقل لأهل الغفلات و إما لأن مثل ذلك في المعاصي لا يخل عرفا بمراتبهم و منازلهم من الرئاسات لخفاء هذا النوع من المنكر على من يرومون المنزلة عنده من أهل الجهالات و لو وسوس إليهم الشيطان أن اشربوا الخمر أو ازنوا بالمحصنات ما أطاعوه لظهور فحشه عند العامة و سقوط محلهم به لديهم بل عند متعاطي الرذائل الواضحات و لو راجعوا عقولهم و استضاءوا بأنوار بصائرهم لوجدوا بين المعصيتين‏

4

فرقا بعيدا و تفاوتا شديدا بل لا نسبة بين المعاصي المستلزمة للإخلال بحق الله سبحانه على الخصوص و بين ما يتعلق مع ذلك بحق العبيد خصوصا أعراضهم فإنها أجل من أموالهم و أشرف و متى شرف الشي‏ء عظم الذنب في انتهاكه مع ما يستلزمه من الفساد الكلي كما ستقف عليه إنشاء الله أحببت أن أصنع في هذه الرسالة جملة من الكلام على الغيبة و بما ورد فيها من النهي في الكتاب و السنة و الأثر و دلالة العقل عليه و سميتها كشف الريبة عن أحكام الغيبة و أتبعتها بما يليق بها من النميمة و بعض أحكام الحسد و ختمتها بالحث على التواصل و التحابب و المراحمة و رتبتها على مقدمة و فصول و خاتمة أما

[تعريف الغيبة لغة و اصطلاحا]

المقدمة ففي تعريفها و جملة من الترهيب منها فنقول الغيبة بكسر الغين المعجمة و سكون الياء المثناة التحتانية و فتح الباء الموحدة اسم لقولك اغتاب فلان فلانا إذا وقع في غيبته و المصدر الاغتياب يقال اغتابه اغتيابا و الاسم الغيبة هذا بحسب المعنى اللغوي و أما بحسب الاصطلاح فلها تعريفان أحدها المشهور و هو ذكر

5

الإنسان حال غيبته بما يكره نسبته إليه مما يعد نقصانا في العرف بقصد الانتقاص و الذم [و] فاحترز بالقيد الأخير و هو قصد الانتقاص عن ذكر العيب للطبيب مثلا أو لاستدعاء الرحمة من السلطان في حق الزمن و الأعمى بذكر نقصانهما و يمكن الغناء عنه بقيد كراهته نسبته إليه و الثاني التنبيه على ما يكره نسبته إلى آخره و هو أعم من الأول لشمول مورده اللسان و الإشارة و الحكاية و غيرها و هو أولى لما سيأتي من عدم قصر الغيبة على اللسان و قد جاء على المشهور

قَوْلُ النَّبِيِّ(ع)هَلْ تَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ [فَقَالُوا] قَالُوا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ قِيلَ أَ رَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ قَالَ إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ‏

وَ ذُكِرَ عِنْدَهُ(ع)رَجُلٌ فَقَالُوا مَا أَعْجَزَهُ فَقَالَ(ع)اغْتَبْتُمْ صَاحِبَكُمْ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْنَا مَا فِيهِ قَالَ(ع)إِنْ قُلْتُمْ مَا لَيْسَ فِيهِ فَقَدْ بَهَتُّمُوهُ‏

و

[حرمة الغيبة في القرآن‏]

تحريم الغيبة في الجملة إجماعي بل هو كبيرة موبقة للتصريح بالتوعيد [لتوعد] عليها بالخصوص في الكتاب و السنة و قد نص الله تعالى على ذمها في كتابه‏

6

و شبه صاحبها بأكل لحم أخيه الميتة فقال‏ وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ‏

[بعض الأخبار الواردة في حرمة الغيبة]

وَ قَالَ النَّبِيُّ(ع)كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَ مَالُهُ وَ عِرْضُهُ‏

و الغيبة تناول العرض و قد جمع بينه و بين الدم و المال‏

وَ قَالَ(ع)لَا تَحَاسَدُوا وَ لَا تَبَاغَضُوا وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَ كُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَاناً

وَ عَنْ جَابِرٍ وَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالا قَالَ(ع)إِيَّاكُمْ وَ الْغِيبَةَ فَإِنَّ الْغِيبَةَ أَشَدُّ مِنْ الزِّنَاءِ إِنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَزْنِي [وَ] فَيَتُوبُ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ إِنَّ صَاحِبَ الْغِيبَةِ لَا يُغْفَرُ لَهُ حَتَّى يَغْفِرَ لَهُ صَاحِبُهُ‏

وَ فِي خَبَرِ مُعَاذٍ الطَّوِيلِ الْمَشْهُورِ عَنِ النَّبِيِّ(ع)أَنَّ الْحَفَظَةَ تَصْعَدُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ وَ لَهُ نُورٌ كَشُعَاعِ الشَّمْسِ حَتَّى إِذَا بَلَغَ السَّمَاءَ الدُّنْيَا وَ الْحَفَظَةُ تَسْتَكْثِرُ عَمَلَهُ وَ تُزَكِّيهِ فَإِذَا انْتَهَى إِلَى الْبَابِ قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِالْبَابِ اضْرِبُوا بِهَذَا الْعَمَلِ وَجْهَ صَاحِبِهِ أَنَا صَاحِبُ الْغِيبَةِ أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ لَا أَدَعَ عَمَلَ مَنْ يَغْتَابُ النَّاسَ يَتَجَاوَزُنِي إِلَى رَبِّي‏

وَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ(ع)مَرَرْتُ لَيْلَةً أُسْرِيَ بِي عَلَى قَوْمٍ يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ بِأَظَافِيرِهِمْ فَقُلْتُ يَا جَبْرَئِيلُ مَنْ‏

7

هَؤُلَاءِ قَالَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَغْتَابُونَ النَّاسَ وَ يَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ‏

وَ قَالَ الْبَرَاءُ خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى أَسْمَعَ الْعَوَاتِقَ فِي بُيُوتِهَا فَقَالَ يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَ لَمْ يُؤْمِنْ بِقَلْبِهِ لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَ لَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَ مَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَ لَوْ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ‏

وَ قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ جَابِرٍ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ع)فَقُلْتُ عَلِّمْنِي خَيْراً يَنْفَعُنِيَ اللَّهُ بِهِ قَالَ لَا تُحَقِّرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئاً وَ لَوْ أَنْ تَصُبَّ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ الْمُسْتَقِي وَ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِبِشْرٍ حَسَنٍ وَ إِذَا أَدْبَرَ فَلَا تَغْتَابُهُ‏

وَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ‏ خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ(ع)فَذَكَرَ الرِّبَا وَ عَظَّمَ شَأْنَهُ فَقَالَ إِنَّ الدِّرْهَمَ يُصِيبُهُ الرَّجُلُ مِنَ الرِّبَا أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ فِي الْخَطِيئَةِ مِنْ سِتٍّ وَ ثَلَاثِينَ زِنْيَةً يَزْنِيهَا الرَّجُلُ وَ إِنَّ أَرْبَى الرِّبَا عِرْضُ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ‏

وَ قَالَ جَابِرٌ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ(ع)فَأَتَى عَلَى قَبْرَيْنِ يُعَذَّبُ صَاحِبُهُمَا فَقَالَ إِنَّهُمَا لَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرَةٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَغْتَابُ النَّاسَ وَ أَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ لَا يَتَنَزَّهُ مِنْ بَوْلِهِ وَ دَعَا(ع)بِجَرِيدَةٍ رَطْبَةٍ أَوْ جَرِيدَتَيْنِ‏

8

فَكَسَرَهُمَا ثُمَّ أَمَرَ بِكُلِّ كِسْرَةٍ فَغُرِسَتْ عَلَى قَبْرٍ فَقَالَ(ع)أَمَا إِنَّهُ سَيُهَوِّنُ مِنْ عَذَابِهِمَا مَا كَانَتَا رَطْبَيْنِ أَوْ مَا لَمْ تَيْبَسَا

وَ قَالَ أَنَسٌ‏ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ(ع)النَّاسَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَ قَالَ لَا يُفْطِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى آذَنَ لَهُ فَصَامَ النَّاسُ حَتَّى إِذَا أَمْسَوْا جَعَلَ الرَّجُلُ يَجِي‏ءُ وَ يَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ظِلْتُ صَائِماً فَأْذَنْ لِي لِأُفْطِرَ فَأَذِنَ لَهُ [لَا لِرَجُلٍ وَ الرَّجُل‏] حَتَّى جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَتَاتَانِ مِنْ أَهْلِكَ ظَلَّتَا صَائِمَتَيْنِ وَ إِنَّهُمَا تَسْتَحِيَانِ أَنْ تَأْتِيَانِكَ فَأْذَنْ لَهُمَا أَنْ تُفْطِرَا فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ عَاوَدَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ عَاوَدَهُ فَقَالَ(ع)إِنَّهُمَا لَمْ تَصُومَا وَ كَيْفَ صَامَ مَنْ ظَلَّ هَذَا الْيَوْمَ يَأْكُلُ لُحُومَ النَّاسِ اذْهَبْ مُرْهُمَا إِنْ كَانَتَا صَائِمَتَيْنِ أَنْ تَسْتَقْيِئَا فَرَجَعَ إِلَيْهِمَا فَأَخْبَرَهُمَا فَاسْتَقَاءَتَا فَقَاءَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَقَةً مِنْ دَمٍ فَرَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ(ع)فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ(ع)وَ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ(ع)بِيَدِهِ لَوْ بَقِيَتَا فِي بُطُونِهِمَا لَأَكَلَتْهُمَا النَّارُ وَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ لَمَّا أَعْرَضَ عَنْهُ جَاءَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ مَاتَتَا أَوْ كَادَتَا أَنْ تَمُوتَا فَقَالَ(ع)ايتُونِي بِهِمَا فَجَاءَتَا وَ دَعَا بِعُسٍّ أَوْ قَدَحٍ فَقَالَ لِإِحْدَاهُمَا قِئِي فَقَاءَتْ مِنْ‏

9

قَيْحٍ وَ دَمٍ صَدِيدٍ حَتَّى مَلَأَتِ الْقَدَحَ وَ قَالَ(ع)لِلْأُخْرَى قِئِي فَقَاءَتْ كَذَلِكَ فَقَالَ(ع)إِنَّ هَاتَيْنِ صَامَتَا عَمَّا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمَا وَ أَفْطَرَتَا عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا جَلَسَتْ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى فَجَعَلَتَا تَأْكُلَانِ لُحُومَ النَّاسِ‏

وَ رُوِيَ مَرْفُوعاً: مَنْ أَكَلَ لَحْمَ أَخِيهِ فِي الدُّنْيَا قُرِّبَ إِلَيْهِ لَحْمُهُ فِي الْآخِرَةِ فَقِيلَ لَهُ كُلْهُ مَيِّتاً كَمَا أَكَلْتَهُ حَيّاً فَيَأْكُلُهُ فَيَصِيحُ وَ يَكْلَحُ‏

: وَ لَمَّا رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ الرَّجُلَ فِي الزِّنَاءِ قَالَ رَجُلٌ لِصَاحِبِهِ هَذَا أُقْعِصَ كَمَا يُقْعَصُ الْكَلْبُ فَمَرَّ النَّبِيُّ(ع)مَعَهُمَا بِجِيفَةٍ فَقَالَ انْهَشَا مِنْهَا فَقَالا يَا رَسُولَ اللَّهِ نَنْهَشُ مِنْ جِيفَةٍ فَقَالَ(ع)مَا أَصَبْتُمَا مِنْ أَخِيكُمَا أَنْتَنُ مِنْ هَذِهِ‏

وَ قَالَ الصَّادِقُ(ع)الْغِيبَةُ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَ إِنَّهَا لَتَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ‏

وَ رَوَى الصَّدُوقُ بِإِسْنَادِهِ إِلَى الصَّادِقِ عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ‏: أَرْبَعَةُ يُؤْذُونَ أَهْلَ النَّارِ عَلَى مَا بِهِمْ مِنَ الْأَذَى يُسْقَوْنَ مِنَ الْحَمِيمِ فِي الْجَحِيمِ يُنَادَوْنَ بِالْوَيْلِ وَ الثُّبُورِ يَقُولُ أَهْلُ النَّارِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ مَا بَالُ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ قَدْ آذَوْنَا عَلَى مَا بِنَا مِنَ الْأَذَى فَرَجُلٌ مُعَلَّقٌ عَلَى تَابُوتٍ مِنْ جَمْرٍ وَ رَجُلٌ يَجْرِي‏

10

مِعَاهُ وَ رَجُلٌ يَسِيلُ فُوهُ دَماً وَ قَيْحاً وَ رَجُلٌ يَأْكُلُ لَحْمَهُ فَيُقَالُ لِصَاحِبِ التَّابُوتِ مَا بَالُ الْأَبْعَدِ فَقَدْ آذَانَا عَلَى مَا بِنَا مِنَ الْأَذَى فَيَقُولُ إِنَّ الْأَبْعَدَ مَاتَ وَ فِي عُنُقِهِ أَمْوَالُ النَّاسِ لَمْ يَجِدْ لَهَا فِي نَفْسِهِ أَدَاءً وَ لَا وَفَاءً ثُمَّ يُقَالُ لِلَّذِي يَجْرِي مِعَاهُ مَا بَالُ الْأَبْعَدِ قَدْ آذَانَا عَلَى مَا بِنَا مِنَ الْأَذَى فَيَقُولُ إِنَّ الْأَبْعَدَ كَانَ لَا يُبَالِي أَيْنَ أَصَابَ الْبَوْلُ مِنْ جَسَدِهِ ثُمَّ يُقَالُ لِلَّذِي يَسِيلُ فُوهُ قَيْحاً وَ دَماً مَا بَالُ الْأَبْعَدِ قَدْ آذَانَا عَلَى مَا بِنَا مِنَ الْأَذَى فَقَالَ إِنَّ الْأَبْعَدَ كَانَ يُحَاكِي يَنْظُرُ إِلَى كُلِّ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ فَيُشَيِّدُهَا وَ يُحَاكِي بِهَا ثُمَّ يُقَالُ لِلَّذِي يَأْكُلُ لَحْمَهُ مَا بَالُ الْأَبْعَدِ قَدْ آذَانَا عَلَى مَا بِنَا مِنَ الْأَذَى فَقَالَ إِنَّ الْأَبْعَدَ كَانَ يَأْكُلُ لُحُومَ النَّاسِ بِالْغِيبَةِ وَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ

وَ بِإِسْنَادِهِ عَنِ النَّبِيِّ(ع)مَنْ مَشَى فِي غِيْبَةِ أَخِيهِ وَ كَشْفِ عَوْرَتِهِ كَانَتْ أَوَّلُ خُطْوَةٍ خَطَاهَا وَضَعَهَا فِي جَهَنَّمَ وَ كَشَفَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ وَ مَنِ اغْتَابَ مُسْلِماً بَطَلَ صَوْمُهُ وَ نُقِضَ وُضُوؤُهُ فَإِنْ مَاتَ وَ هُوَ كَذَلِكَ مَاتَ وَ هُوَ مُسْتَحِلٌّ لِمَا حَرَّمَ اللَّهُ‏

وَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ع)الْغِيبَةُ أَسْرَعُ فِي دِينِ الرَّجُلِ‏

11

الْمُسْلِمِ مِنْ الْأَكِلَةِ فِي جَوْفِهِ‏

قَالَ‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ع)الْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ انْتِظَاراً لِلصَّلَاةِ عِبَادَةٌ مَا لَمْ يُحْدِثْ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَا الْحَدَثُ قَالَ الِاغْتِيَابُ‏

وَ رَوَى ابْنُ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ(ع)مَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا رَأَتْهُ عَيْنَاهُ وَ سَمِعَتْهُ أُذُنَاهُ فَهُوَ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏

وَ عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)مَنْ رَوَى عَلَى مُؤْمِنٍ رِوَايَةً يُرِيدُ بِهَا شَيْنَهُ وَ هَدْمَ مُرُوَّتِهِ لِيُسْقِطَهُ مِنْ أَعْيُنِ النَّاسِ أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْ وَلَايَتِهِ إِلَى وَلَايَةِ الشَّيْطَانِ فَلَا يَقْبَلُهُ الشَّيْطَانُ‏

: وَ أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ أَنَّ الْمُغْتَابَ إِذَا تَابَ فَهُوَ آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَ إِنْ لَمْ يَتُبْ فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ

وَ رُوِيَ‏ أَنَّ عِيسَى(ع)مَرَّ وَ الْحَوَارِيُّونَ عَلَى جِيفَةِ كَلْبٍ فَقَالَ الْحَوَارِيُّونَ مَا أَنْتَنَ رِيحَ هَذَا فَقَالَ عِيسَى(ع)مَا أَشَدَّ بَيَاضَ أَسْنَانِهِ‏

كأنه ينهاهم عن غيبة الكلب و ينبههم على أنه لا يذكر من خلق الله إلا أحسنه و قيل في تفسير قوله تعالى‏ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الهمزة الطعان في الناس و اللمزة

12

الذي يأكل لحوم الناس‏

وَ قَالَ الْحَسَنُ‏ وَ اللَّهِ الْغِيْبَةُ أَسْرَعُ فِي دِينِ الْمُؤْمِنِ مِنَ الْأَكِلَةِ فِي جَسَدِهِ‏

وَ قَالَ بَعْضُهُمْ‏ أَدْرَكْنَا السَّلَفَ لَا يَرَوْنَ الْعِبَادَةَ فِي الصَّوْمِ وَ لَا فِي الصَّلَاةِ وَ لَكِنْ فِي الْكَفِّ عَنْ أَعْرَاضِ النَّاسِ‏

و اعلم أن السبب الموجب للتشديد في أمر الغيبة و جعلها أعظم من كثير من المعاصي الكبيرة هو اشتمالها على المفاسد الكلية المنافية لغرض الحكيم سبحانه بخلاف باقي المعاصي فإنها مستلزمة لمفاسد جزئية بيان ذلك أن المقاصد المهمة للشارع اجتماع النفوس على هم واحد و طريقة واحدة و هي سلوك سبيل الله بسائر وجوه الأوامر و النواهي و لا يتم ذلك إلا بالتعاون و التعاضد بين أبناء النوع الإنساني و ذلك يتوقف على اجتماع همهم و تصافي بواطنهم و اجتماعهم على الألفة و المحبة حتى يكونوا بمنزلة عبد واحد في طاعة مولاه و لن يتم ذلك إلا بنفي الضغائن و الأحقاد و الحسد و نحوه و كانت الغيبة من كل منهم لأخيه مثيرة لضغنه و مستدعية منه لمثلها في حقه لا جرم‏

13

كانت ضد المقصود الكلي للشارع و كانت مفسدة كلية فلذلك أكثر الله و رسوله من النهي عنها و الوعيد عليها و بالله التوفيق و حيث أتينا على ما يحتاج إليه في المقدمة فلنشرع في الفصول‏

الفصل الأول في أقسامها

لما عرفت أن المراد منها ذكر أخيك بما يكرهه منه لو بلغه أو الإعلام به أو التنبيه عليه كان ذلك شاملا لما يتعلق بنقصان في بدنه أو نسبه أو خلقه أو فعله أو قوله أو دينه أو دنياه حتى في ثوبه و داره و دابته و

قَدْ أَشَارَ الصَّادِقُ(ع)إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ‏: وُجُوهُ الْغِيبَةِ تَقَعُ بِذِكْرِ عَيْبٍ فِي الْخَلْقِ وَ الْفِعْلِ وَ الْمُعَامَلَةِ وَ الْمَذْهَبِ وَ الْجَهْلِ وَ أَشْبَاهِهِ‏

فالبدن كذكرك فيه العمش و الحول و العور و القرع و القصر و الطول و السواد و الصفرة و جميع ما يتصور أن يوصف به مما يكرهه و أما النسب بأن يقول أبوه فاسق أو خبيث أو خسيس أو إسكاف أو تاجر أو حائك أو جاهل أو نحو ذلك مما يكرهه كيف كان و أما الخلق بأن يقول إنه سيئ الخلق محيل متكبر مرائي شديد الغضب جبان ضعيف القلب و نحو ذلك و أما في أفعاله‏

14

المتعلقة بالدين كقولك سارق كذاب شارب الخمر خائن ظالم متهاون للصلاة لا يحسن الركوع و السجود و لا يحترز من النجاسات ليس بارا بوالديه لا يحرس نفسه من الغيبة و التعرض لأعراض الناس و أما فعله المتعلق بالدنيا كقولك قليل الأدب متهاون بالناس لا يرى لأحد عليه حقا كثير الكلام كثير الأكل نئوم يجلس في غير موضعه و نحو ذلك و أما في ثوبه كقولك إنه واسع الكم طويل الذيل وسخ الثياب و نحو ذلك و اعلم أن ذلك لا يقصر على اللسان بل التلفظ به إنما حرم لأن فيه تفهيم الغير نقصان أخيك و تعريفه بما يكرهه فالتعريض به كالتصريح و الفعل فيه كالقول و الإشارة و الرمز و الإيماء و الغمز و اللمز و الكتابة و الحركة و كل ما يفهم المقصود داخل في الغيبة مساوي للسان في المعنى الذي حرم التلفظ به لأجله و من ذلك‏

مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ‏ دَخَلَتْ عَلَيْنَا امْرَأَةٌ فَلَمَّا وَلَّتْ أَوْمَأْتُ بِيَدِي أَيْ قَصِيرَةٌ قَالَ(ع)اغْتَبْتِيهَا

و من ذلك المحاكاة بأن يمشي متعارجا أو كما يمشي فهو غيبة بل أشد

15

من الغيبة لأنه أعظم في التصوير و التفهيم و كذلك الغيبة بالكتاب فإن الكتاب كما قيل أحد اللسانين و من ذلك ذكر المصنف شخصا معينا و تهجين كلامه في الكتاب إلا أن يقترن به شي‏ء من الأعذار المحوجة إلى ذكره كمسائل الاجتهاد التي لا يتم الغرض من الفتوى و إقامة الدليل على المطلوب إلا بتزييف كلام الغير و نحو ذلك و يجب الاقتصار على ما يندفع به الحاجة في ذلك و ليس منه قوله قال قوم كذا ما لم يصرح بشخص معين و منها أن يقول الإنسان بعض من مر بنا اليوم أو بعض من رأيناه حاله كذا إذا كان المخاطب معهم ليفهم منه شخصا معينا لأن المحذور تفهيمه دون ما به التفهم فأما إذا لم يفهم عنه جاز

كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ع)إِذَا كَرِهَ مِنْ إِنْسَانٍ شَيْئاً قَالَ: مَا: بَالُ أَقْوَامٍ يَفْعَلُونَ كَذَا وَ كَذَا وَ لَا يُعَيِّنُ‏

و من أضر أنواع الغيبة غيبة المتسمين بالفهم و العلم المراءين فإنهم يفهمون المقصود على صفة أهل الصلاح و التقوى ليظهروا من أنفسهم التعفف عن الغيبة و يفهمون المقصود و لا يدرون بجهلهم أنهم جمعوا بين فاحشتين الرياء و الغيبة و

16

ذلك مثل أن يذكر عنده إنسان فيقول الحمد لله الذي لم يبتلنا بحب الرئاسة أو حب الدنيا أو بالتكيف بالكيفية الفلانية أو يقول نعوذ بالله من قلة الحياء أو من سوء التوفيق أو نسأل الله أن يعصمنا من كذا بل مجرد الحمد على شي‏ء إذا علم منه اتصاف المحدث عنه بما ينافيه و نحو ذلك فإنه يغتابه بلفظ الدعاء و سمت أهل الصلاح و إنما قصده أن يذكر عيبه بضرب من الكلام المشتمل على الغيبة و الرياء و دعوى الخلاص من الرذائل و هو عنوان الوقوع فيها بل في أفحشها و من ذلك أنه قد يقدم مدح من يريد غيبته فيقول ما أحسن أحوال فلان ما كان يقصر في العبادات و لكن قد اعتراه فتور و ابتلي بما يبتلى به كلنا و هو قلة الصبر فيذكر نفسه بالذم و مقصوده أن يذم غيره و أن يمدح نفسه بالتشبه بالصالحين في ذم أنفسهم فيكون مغتابا مرائيا مزكيا نفسه فيجمع بين ثلاث فواحش و هو يظن بجهله أنه من الصالحين المتعففين عن الغيبة هكذا يلعب الشيطان بأهل الجهل إذا اشتغلوا بالعلم أو العمل من غير أن‏

17

يتقنوا الطريق فيتبعهم و يحبط بمكايده عملهم و يضحك عليهم و يسخر منهم و من ذلك أن يذكر ذاكر عيب إنسان فلا ينتبه له بعض الحاضرين فيقول سبحان الله ما أعجب هذا حتى يصغى الغافل إلى المغتاب و يعلم ما يقوله فيذكر الله سبحانه و يستعمل اسمه آلة في تحقيق خبثه و باطله و هو يمن على الله بذكره جهلا و غرورا و من ذلك أن يقول جرى من فلان كذا أو ابتلي بكذا بل يقول جرى لصاحبنا أو صديقنا كذا تاب الله عليه و علينا يظهر الدعاء له و التألم و الصداقة و الصحبة و الله مطلع على خبث سريرته و فساد ضميره و هو بجهله لا يدري أنه قد تعرض لمقت أعظم مما يتعرض له الجهال إذا جاهروا بالغيبة و من أقسامها الخفية الإصغاء إلى الغيبة على سبيل التعجب فإنه أنما يظهر التعجب ليزيد نشاط المغتاب في الغيبة فيزيد فيها فكأنه يستخرج منه الغيبة بهذا الطريق فيقول عجبت مما ذكرته ما كنت أعلم بذلك إلى الآن ما كنت أعرف من فلان ذلك يريد بذلك تصديق المغتاب و استدعاء الزيادة منه باللطف‏

18

و التصديق لها غيبة بل الإصغاء إليها

[حرمة الاستماع إلى الغيبة و لزوم ردها]

بل السكوت عند سماعها

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ع)الْمُسْتَمِعُ أَحَدُ الْمُغْتَابِينَ‏

وَ قَالَ عَلِيٌّ(ع)السَّامِعُ لِلْغِيبَةِ أَحَدُ الْمُغْتَابِينَ‏

و مراده السامع على قصد الرضا و الإيثار لا على وجه الاتفاق أو مع القدرة على الإنكار و لم يفعل و وجه كون المستمع و السامع على ذلك الوجه مغتابين مشاركتهما للمغتاب في الرضا و تكيف ذهنهما بالتصورات المذمومة التي لا ينبغي و إن اختلفا في أن أحدهما قائل و الآخر قابل لكن كل واحد منهما صاحب آلة عليه أما أحدهما فذو لسان يعبر عن نفس قد تنجست بتصور الكذب و الحرام و العزم عليه و أما الآخر فذو سمع تقبل عنه النفس تلك الآثار عن إيثار و سوء اختيار فتألفها و تعتادها فتمكن من جوهرها سموم عقارب الباطل و من ذلك قيل السامع شريك القائل و قد تقدم في الخبر السالف ما يدل عليه‏

حَيْثُ قَالَ لِلرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ قَالَ أَحَدُهُمَا أُقْعِصَ الرَّجُلُ كَمَا يُقْعَصُ الْكَلْبُ انْهَشَا مِنْ هَذِهِ الْجِيفَةِ

فجمع بينهما مع أن أحدهما قائل و الآخر

19

سامع فالمستمع لا يخرج من إثم الغيبة إلا بأن ينكر بلسانه فإن خاف فبقلبه و إن قدر على القيام أو قطع الكلام بكلام غيره فلم يفعله لزمه و لو قال بلسانه اسكت و هو يشتهي ذلك بقلبه فذلك نفاق و فاحشة أخرى زائدة لا يخرجه عن الإثم ما لم يكرهه بقلبه‏

وَ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ(ع)أَنَّهُ قَالَ‏ مَنْ أُذِلَّ عِنْدَهُ مُؤْمِنٌ وَ هُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَنْصُرَهُ أَذَلَّهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ‏

وَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ع)مَنْ رَدَّ الْخَلَائِقَ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ بِالْغَيْبِ كَانَ حَقّاً عَلَى اللَّهِ أَنْ يَرُدَّ عَنْ عِرْضِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

وَ قَالَ أَيْضاً مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ بِالْغِيبَةِ كَانَ حَقّاً عَلَى اللَّهِ أَنْ يُعْتِقَهُ مِنَ النَّارِ

وَ رَوَى الصَّدُوقُ بِإِسْنَادِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ قَالَ‏ مَنْ تَطَوَّلَ عَلَى أَخِيهِ فِي غِيبَةٍ سَمِعَهَا عَنْهُ فِي مَجْلِسٍ فَرَدَّهَا عَنْهُ رَدَّ اللَّهُ عَنْهُ أَلْفَ بَابٍ مِنَ الشَّرِّ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ إِنْ هُوَ لَمْ يَرُدَّهَا وَ هُوَ قَادِرٌ عَلَى رَدِّهَا كَانَ عَلَيْهِ كَوِزْرِ مَنِ اغْتَابَهُ سَبْعِينَ مَرَّةً

وَ بِإِسْنَادِهِ إِلَى الْبَاقِرِ(ع)أَنَّهُ قَالَ‏ مَنِ اغْتِيبَ عِنْدَهُ أَخُوهُ الْمُؤْمِنُ‏

20

فَنَصَرَهُ وَ أَعَانَهُ نَصَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ مَنْ لَمْ يَنْصُرْهُ وَ لَمْ يَدْفَعْ عَنْهُ وَ هُوَ يَقْدِرُ عَلَى نُصْرَتِهِ وَ عَوْنِهِ حَفِظَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ

[حرمة سوء الظن بالمؤمن و ثمراته‏]

و اعلم أنه كما يحرم على الإنسان سوء القول في المؤمن و أن يحدث غيره بلسانه بمساوئ الغير كذلك يحرم عليه سوء الظن و أن يحدث نفسه بذلك و المراد من سوء الظن المحرم عقد القلب و حكمه عليه بالسوء من غير يقين و أما الخواطر و حديث النفس فهو معفو عنه كما أن الشك أيضا معفو عنه قال الله تعالى‏ اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ‏ فليس لك أن تعتقد في غيرك سوء إلا إذا انكشف لك بعيان لا يحتمل التأويل و ما لم تعلمه ثم وقع في قلبك فالشيطان يلقيه إليك فينبغي أن تكذبه فإنه أفسق الفساق و قد قال الله تعالى‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فلا يجوز تصديق إبليس و من هنا جاء في الشرع أن من علمت في فيه رائحة الخمر لا يجوز أن يحكم عليه بشربها و لا يحده عليه لإمكان أن يكون تمضمض به و مجه أو حمل عليه‏

21

قهرا و ذلك أمر ممكن فلا يجوز إساءة الظن بالمسلم‏

وَ قَدْ قَالَ النَّبِيُّ(ع)إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ مِنَ الْمُسْلِمِ دَمَهُ وَ مَالَهُ وَ أَنْ يُظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ

فلا يستباح ظن السوء إلا بما يستباح به الدم و المال و هو متيقن مشاهدة أو بينة عادلة أو ما جرى مجراهما من الأمور المفيدة لليقين أو الثبوت الشرعي‏

وَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِذَا اتَّهَمَ الْمُؤْمِنُ أَخَاهُ يَنْمَاثُ الْإِيمَانُ مِنْ قَلْبِهِ كَمَا يَنْمَاثُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ

وَ عَنْهُ‏ مَنِ اتَّهَمَ أَخَاهُ فِي دِينِهِ فَلَا حُرْمَةَ بَيْنَهُمَا

وَ عَنْهُ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي كَلَامٍ لَهُ‏ ضَعْ أَمْرَ أَخِيكَ عَلَى أَحْسَنِهِ حَتَّى يَأْتِيَكَ مَا يَغْلِبُكَ مِنْهُ وَ لَا تَظُنُّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَخِيكَ سُوءاً وَ أَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الْخَيْرِ مَحْمِلًا

و طريق معرفة ما يخطر في قلب من ذلك هل هو ظن سوء أو اختلاج و شك أن تختبر نفسك فإن كانت قد تغيرت و نفر قلبك عنه نفورا و استثقلته و فترت عن مراعاته و تفقده و إكرامه و الاهتمام بحاله و الاغتمام بسببه غير ما كان أولا فهو أمارة عقد الظن‏

وَ قَدْ قَالَ(ع)ثَلَاثَةٌ فِي الْمُؤْمِنِ وَ لَهُ مِنْهَا مَخْرَجٌ فَمَخْرَجُهُ مِنْ سُوءِ الظَّنِ‏

22

أَنْ لَا تُحَقِّقَهُ‏

أي لا تحقق في نفسه بعقد و لا فعل لا في القلب و لا في الجوارح أما في القلب فبتغيره إلى النفرة و الكراهة و في الجوارح بالعمل بموجبه و الذي ينبغي فعله عند خطور خاطر سوء على مؤمن أن يزيد في مراعاته و يدعو له بالخير فإن ذلك يغيظ الشيطان و يدفعه عنك فلا يلقي إليك بعد ذلك خاطر سوء خيفة من اشتغالك بالدعاء و المراعاة و هو ضد مقصوده و مهما عرفت هفوة من مؤمن فانصحه في السر و لا يخدعنك الشيطان فيدعوك إلى اغتيابه و إذا وعظته فلا تعظه و أنت مسرور باطلاعك على نقصه لينظر إليك بعين التعظيم و أنت تنظر إليه بعين الاستصغار و ترتفع عنه بدالة الوعظ بل يكن قصدك تخليصه من الإثم و أنت حزين كما تحزن على نفسك إذا أدخل عليك نقصان و ينبغي أن يخطر بقلبك إن تركه ذلك من غير نصيحتك أحب إليك من تركه بالنصيحة فإذا أنت فعلت ذلك كنت قد جمعت بين أجر الوعظ و أجر الغم بمصيبته و أجر الإعانة له على دينه و من ثمرات سوء الظن التجسس فإن‏

23

القلب لا يقنع بالظن و يطلب التحقيق فيشتغل بالتجسس و هو أيضا منهي عنه قال الله تعالى‏ وَ لا تَجَسَّسُوا و قد نهى الله سبحانه في هذه الآية الواحدة عن الغيبة و سوء الظن و التجسس و معنى التجسس أن لا تترك عباد الله تحت ستر الله فيتوصل إلى الاطلاع و هتك الستر حتى ينكشف لك ما لو كان مستورا عنك كان أسلم لقلبك و لدينك فتدبر ذلك راشدا و بالله التوفيق‏

الفصل الثاني في العلاج‏

الذي يمنع الإنسان عن الغيبة اعلم أن مساوئ الأخلاق كلها إنما تعالج بمعجون العلم و العمل و إنما علاج كل علة بمضاد سببها فلنبحث عن سبب الغيبة أولا ثم نذكر علاج كف اللسان عنها على وجه يناسب علاج تلك الأسباب‏

[الموارد العشرة الباعثة على الغيبة]

فنقول جملة ما ذكروه من الأسباب الباعثة على الغيبة عشرة أشياء

قَدْ نَبَّهَ الصَّادِقُ(ع)إِجْمَالًا-: بِقَوْلِهِ‏ أَصْلُ الْغِيبَةِ يَتَنَوَّعُ بِعَشَرَةِ أَنْوَاعٍ شِفَاءِ غَيْظٍ وَ مَسَاعَدَةِ قَوْمٍ وَ تَصْدِيقِ خَبَرٍ بِلَا كَشْفِهِ وَ تُهْمَةٍ وَ سُوءِ ظَنٍّ وَ حَسَدٍ وَ سُخْرِيَّةٍ وَ تَعَجُّبٍ وَ تَبَرُّمٍ وَ تَزَيُّنٍ‏

و نحن نشير إليها مفصلة الأول تشفي الغيظ و ذلك إذا جرى‏

24

سبب غضب به عليه فإذا هاج غضبه يشفي بذكر مساوئه و سبق اللسان إليه بالطبع إن لم يكن دين ورع و قد يمتنع من تشفي الغيظ عند الغضب فيتحقق في الباطن فيصير حقدا ثابتا فيكون سببا دائما لذكر المساوئ فالحقد و الغضب من البواعث العظيمة على الغيبة الثاني موافقة الأقران و مجاملة الرفقاء و مساعدتهم على الكلام فإنهم إذا كانوا يتفكهون بذكر الأعراض فيرى أنه لو أنكر أو قطع المجلس استثقلوه و نفروا عنه فيساعدهم و يرى ذلك من حسن المعاشرة و يظن أنه مجاملة في الصحبة و قد يغضب رفقاؤه فيحتاج إلى أن يغضب لغضبهم إظهارا للمساهمة في السراء و الضراء فيخوض معهم في ذلك العيوب و المساوئ الثالث أن يستشعر من إنسان أنه سيقصده و يطول لسانه فيه أو يقبح حاله عند محتشم أو يشهد عليه بشهادة فيبادر قبل ذلك و يطعن فيه ليسقط أثر شهادته و فعله أو يبتدئ بذكر ما فيه صادقا ليكذب عليه بعده فيروج كذبه بالصدق الأول و يستشهد به فيقول ما من عادتي الكذب فإني أخبرتكم بكذا و

25

كذا من أحواله فكان كما قلت الرابع أن ينسب إليه شي‏ء فيريد أن يتبرأ منه فيذكر الذي فعله و كان من حقه أن يتبرأ نفسه و لا يذكر الذي فعله و لا ينسب غيره إليه أو يذكر غيره بأنه كان مشاركا له في الفعل ليمهد بذلك عذر نفسه في فعله الخامس إرادة التصنع و المباهاة و هو أن يرفع نفسه بتنقيص غيره فيقول فلان جاهل و فهمه ركيك و كلامه ضعيف و غرضه أن يثبت في ضمن ذلك فضل نفسه و يريهم أنه أفضل منه أو يحذر أن يعظم مثل تعظيمه فيقدح فيه لذلك السادس الحسد و هو أنه ربما يحسد من يثني الناس عليه و يحبونه و يكرمونه فيريد زوال تلك النعمة عنه فلا يجد سبيلا إليه إلا بالقدح فيه فيريد أن يسقط ماء وجهه عند الناس حتى يكفوا عن إكرامه و الثناء عليه لأنه يثقل عليه أن يسمع ثناء الناس عليه و إكرامهم له و هذا هو الحسد و هو عين الغضب و الحقد و الحسد قد يكون مع الصديق المحسن و القريب الموافق السابع اللعب و

26

الهزل و المطايبة و تزجية الوقت بالضحك فيذكر غيره بما يضحك الناس على سبيل المحاكاة و التعجب الثامن السخرية و الاستهزاء استحقارا له فإن ذلك قد يجري في الحضور فيجري أيضا في الغيبة و منشؤه التكبر و استصغار المستهزئ التاسع و هو مأخذ دقيق ربما يقع فيه الخواص و أهل الحذر من مزال اللسان و هو أن يغتم بسبب ما يبتلى به أحد فيقول يا مسكين فلان قد غمني أمره و ما ابتلي به و يذكر سبب الغم فيكون صادقا في اغتمامه و يلهيه الغم عن الحذر عن ذكر اسمه فيذكره بما يكرهه فيصير به مغتابا فيكون غمه و رحمته خيرا و لكنه ساقه إلى شر من حيث لا يدري و الترحم و التغمم ممكن من دون ذكر اسمه و نسبته إلى ما يكره فيهيجه الشيطان على ذكر اسمه ليبطل به ثواب اغتمامه و ترحمه العاشر الغضب لله تعالى فإنه قد يغضب على منكر قارفه إنسان فيظهر غضبه و يذكر اسمه ليبطل به على غير وجه النهي عن المنكر و كان الواجب أن يظهر غضبه عليه على ذلك الوجه خاصة و هذا مما يقع فيه‏

27

الخواص أيضا فإنهم يظنون أن الغضب إذا كان لله تعالى كان عذرا كيف كان و ليس كذلك‏

[العلاج بنحو الإجمال‏]

إذا عرفت هذه الوجوه التي هي أسباب الغيبة فاعلم أن الطريق في علاج كف اللسان عن الغيبة يقع على وجهين أحدهما على الجملة و الآخر على التفصيل أما على الجملة فهو أن يعلم تعرضه لسخط الله تعالى بغيبته كما قد سمعته في الأخبار المتقدمة و أن يعلم أنه [أنها] تحبط حسناته فإنها تنقل في القيامة حسناته إلى من اغتابه بدلا عما أخذ من عرضه فإن لم يكن له حسنات نقل إليه من سيئاته و هو مع ذلك متعرض لمقت الله تعالى و مشبه عنده بأكل الميتة

وَ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ(ع)أَنَّهُ قَالَ‏ مَا النَّارُ فِي الْيُبْسِ بِأَسْرَعَ مِنْ الْغِيبَةِ فِي حَسَنَاتِ الْعَبْدِ

و روي أن رجلا قال لبعض الفضلاء بلغني أنك تغتابني فقال ما بلغ من قدرك عندي أن أحكمك في حسناتي فمهما آمن العبد بما وردت به الأخبار لم ينطلق لسانه بالغيبة خوفا من ذلك و ينفعه أيضا أن يتدبر في نفسه فإن وجد فيها عيبا فينبغي أن يستحيي من أن يترك نفسه و يذم‏

28

غيره بل ينبغي أن يعلم أن عجز غيره عن نفسه في التنزه عن ذلك العيب كعجزه إن كان ذلك عيبا يتعلق بفعله و اختياره و إن كان أمرا خلقيا فالذم له ذم للخالق فإن من ذم صنعة فقد ذم الصانع قال رجل لبعض الحكماء يا قبيح الوجه فقال ما كان خلق وجهي إلي فأحسنه و إن لم يجد عيبا في نفسه فليشكر الله و لا يلوث نفسه بأعظم العيوب فإن ثلب الناس و أكل لحم الميتة من أعظم العيوب فيصير حينئذ ذا عيب بل لو أنصف من نفسه لعلم أن ظنه بنفسه أنه بري‏ء من كل عيب جهل بنفسه و هو من أعظم العيوب و ينفعه أن يعلم أن تألم غيره بغيبته كتألمه بغيبة غيره له فإذا كان لا يرضى لنفسه أن يغتاب فينبغي أن لا يرضى لغيره ما لا يرضاه لنفسه فهذه معالجات إجمالية

و

[العلاج بنحو التفصيل‏]

أما التفصيل فهو أن ينظر إلى السبب الباعث له على الغيبة و يعالجه فإن علاج العلة بقطع سببها و قد عرفت الأسباب الباعثة

أما الغضب‏

فيعالجه بأن يقول إن أمضيت غضبي عليه لعل الله تعالى يمضي غضبه علي بسبب الغيبة إذ نهاني عنها فاستجرأت على نهيه و استخففت بزجره‏

29

وَ قَدْ قَالَ(ع)إِنَّ لِجَهَنَّمَ بَاباً لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا مَنْ شَفَى غَيْظَهُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى‏

وَ قَالَ(ع)مَنِ اتَّقَى رَبَّهُ كَلَّ لِسَانُهُ وَ لَمْ يَشْفِ غَيْظَهُ‏

وَ قَالَ(ع)مَنْ كَظَمَ غَيْظاً وَ هُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُمْضِيَهُ دَعَاهُ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ حَتَّى خَيَّرَهُ اللَّهُ مِنْ أَيِّ الْحُورِ الْعَيْنِ شَاءَ

وَ فِي بَعْضِ كُتُبِ اللَّهِ تَعَالَى‏ يَا ابْنَ آدَمَ اذْكُرْنِي حِينَ تَغْضَبُ أَذْكُرْكَ حِينَ أَغْضَبُ فَلَا أَمْحَقُكَ فِيمَنْ أَمْحَقُ‏

و أما الموافقة

فبأن تعلم أن الله تعالى يغضب عليك إذا طلبت سخطه في رضا المخلوقين فكيف ترضى لنفسك أن توقر غيرك و تحقر مولاك فتترك رضاه لرضاهم إلا أن يكون غضبك لله تعالى و ذلك لا يوجب أن تذكر المغضوب عليه بسوء بل ينبغي أن تغضب لله أيضا لرفقائك إذا ذكروه بالسوء فإنهم عصوا ربك بأفحش الذنوب و هو الغيبة-

و أما تنزيه النفس‏

بنسبة الخيانة إلى الغير حيث يستغنى عن ذكر الغير فتعالجه بأن تعرف أن التعرض لمقت الخالق أشد من التعرض لمقت الخلق و أنت بالغيبة متعرض لسخط الله تعالى يقينا و لا تدري أنك تتخلص من سخط الناس‏

30

أم لا فتخلص نفسك في الدنيا بالتوهم و تهلك في الآخرة أو تخسر حسناتك بالحقيقة و تحصل ذم الله نقدا و تنتظر رفع ذم الخلق نسيئة و هذا غاية الجهل و الخذلان-

و أما عذرك‏

كقولك إن أكلت الحرام ففلان يأكل و إن فعلت كذا ففلان يفعل كذا و إن قصرت في كذا من الطاعة ففلان مقصر و نحو ذلك فهذا جهل لأنك تعتذر بالاقتداء بمن لا يجوز الاقتداء به فإن من خالف أمر الله لا يقتدى به كائنا من كان و لو دخل غيرك النار و أنت تقدر على أن لا تدخلها لم توافقه و لو وافقته سفه عقلك فما ذكرته غيبة و زيادة معصية أضفتها إلى ما اعتذرت عنه و سجلك مع الجمع بين المعصيتين على جهلك و غباوتك و كنت كالشاة تنظر إلى العنز يردي نفسه من الجبل فهي أيضا تردي نفسها و لو كان لها لسان و صرحت بالعذر و قالت العنز أكيس مني و قد أهلك نفسه فكذا فعل لكنت تضحك من جهلها و حالك مثل حالها ثم لا تتعجب و لا تضحك من نفسك‏

و

أما قصدك المباهاة و تزكية النفس‏

بزيادة

31

الفضل بأن تقدح في غيرك فينبغي أن تعلم أنك بما ذكرته أبطلت فضلك عند الله و أنت من اعتقاد الناس فضلك على خطر و ربما نقص اعتقادهم فيك إذا عرفوك تثلب الناس فتكون قد بعت ما عند الخالق يقينا بما عند المخلوق و هما و لو حصل لك من المخلوق اعتقاد الفضل لكانوا لا يغنون عنك من الله شيئا

و أما الغيبة للحسد

فهو جمع بين عذابين لأنك حسدته على نعمة الدنيا و كنت معذبا بالحسد فما قنعت بذلك حتى أضفت إليه عذاب الآخرة فكنت خاسرا في الدنيا فجعلت نفسك خاسرة في الآخرة لتجمع بين النكالين فقد قصدت محسودك و أصبت نفسك و أهديت إليه حسنتك فأنت إذا صديقه و عدو نفسك إذ لا تضره غيبتك و تضرك و تنفعه إذ تنقل إليه حسنتك أو تنقل إليك سيئته و لا تنفعك و قد جمعت إلى خبث الحسد جهل الحماقة و ربما يكون حسدك و قدحك سبب انتشار فضل محسودك فقد قيل و إذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود

32

و أما الاستهزاء

فمقصودك منه إخزاء غيرك عند الناس بإخزاء نفسك عند الله و عند الملائكة و النبيين فلو تفكرت في خزيك و حيائك و حسرتك و خجلتك يوم تحمل سيئات من استهزأت به و تستاق إلى النار لأدهشك ذلك عن إخزاء صاحبك و لو عرفت حالك لكنت أولى أن تضحك منه فإنك سخرت به عند نفر قليل و أعرضت نفسك لأن يأخذ بيدك يوم القيامة على ملإ من الناس و يسوقك تحت سيئاته كما يساق الحمار إلى النار مستهزئ بك و فرحا بخزيك و مسرورا بنصرة الله إياه و تسليطه على الانتقام‏

و أما الرحمة له على إثمه‏

فهو حسن و لكن حسدك إبليس و استنطقك بما تنقل من حسناتك إليه مما هو أكثر من رحمتك فيكون جبرا لإثم المرحوم ليخرج عن كونه مرحوما و تنقلب أنت مستحقا لأن تكون مرجوما إذ حبط أجرك و نقصت من حسناتك‏

[الغضب لله‏]

و كذلك الغضب لله لا يوجب الغيبة فإنما حبب الشيطان إليك الغيبة ليحبط أجر غضبك و تصير معرضا لغضب الله تعالى بالغيبة و

33

بالجملة فعلاج جميع ذلك المعرفة و التحقيق لها بهذه الأمور التي هي من أبواب الإيمان فمن قوي إيمانه بجميع ذلك انكف عن الغيبة لا محالة

الفصل الثالث في الأعذار المرخصة في الغيبة

اعلم أن المرخص في ذكر مساءة الغير هو غرض صحيح في الشرع لا يمكن التوصل إليه إلا به فيدفع ذلك إثم الغيبة و قد حصروها في عشرة

الأول التظلم‏

فإن من ذكر قاضيا بالظلم و الخيانة و أخذ الرشوة كان مغتابا عاصيا فأما المظلوم من جهة القاضي فله أن يتظلم إلى من يرجو منه إزالة ظلمه و ينسب القاضي إلى الظلم إذ لا يمكنه استيفاء حقه إلا به‏

وَ قَدْ قَالَ(ع)لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالٌ‏

وَ قَالَ(ع)مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ‏

وَ قَالَ(ع)مَطْلُ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَ عُقُوبَتَهُ‏

الثاني الاستعانة على تغيير المنكر

و رد العاصي إلى منهج الصلاح و مرجع الأمر في هذا إلى القصد الصحيح فإن لم يكن ذلك هو المقصود كان حراما

الثالث الاستفتاء

كما تقول للمفتي قد ظلمني أبي أو أخي فكيف طريقي في الخلاص و الأسلم هنا التعريض بأن تقول ما قولك في رجل ظلمه أبوه أو أخوه و قد

34

رُوِيَ‏ أَنَّ هِنْداً قَالَتْ لِلنَّبِيِّ(ع)إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يُعْطِنِي مَا يَكْفِينِي أَنَا وَ وُلْدِي أَ فَآخُذُ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ فَقَالَ خُذِي مَا يَكْفِيكَ وَ وُلْدِكَ بِالْمَعْرُوفِ‏

فذكرت الشح لها و ولدها و لم يزجرها رسول الله(ع)إذ كان قصدها الاستفتاء

الرابع تحذير المسلم من الوقوع في الخطر

و الشر و نصح المستشير فإذا رأيت متفقها يتلبس بما ليس من أهله فلك أن تنبه الناس على نقصه و قصوره عما يأهل نفسه له و تنبههم على الخطر اللاحق لهم بالانقياد إليه و كذلك إذا رأيت رجلا مترددا إلى فاسق يخفي أمره و خفت عليه من الوقوع بسبب الصحبة فيما لا يوافق الشرع فلك أن تنبهه على فسقه مهما كان الباعث لك الخوف على إفشاء البدعة و سراية الفسق و ذلك موضع الغرور و الخديعة من الشيطان إذ قد يكون الباعث لك على ذلك هو الحسد له على تلك المنزلة فيلبس عليك الشيطان ذلك بإظهار الشفقة على الخلق و كذلك إذا رأيت رجلا يشتري مملوكا و قد عرفت المملوك بعيوب منقصة فلك أن تذكرها للمشتري فإن في سكوتك‏

35

ضررا للمشتري و في ذكرك ضررا للعبد لكن المشتري أولى بالمراعاة و لتقتصر على العيب المنوط به ذلك الأمر فلا تذكر في عيب التزويج ما يخل بالشركة أو المضاربة أو السفر مثلا بل تذكر في كل أمر ما يتعلق بذلك الأمر و لا يتجاوزه قاصدا نصح المستشير لا الوقيعة و لو علم أنه يترك التزويج بمجرد قوله لا يصلح لك فهو الواجب فإن علم أنه لا ينزجر إلا بالتصريح بعيبه فله أن يصرح به‏

قَالَ النَّبِيُّ(ع)أَ تَرْعَوْنَ عَنْ ذِكْرِ الْفَاجِرِ حَتَّى يَعْرِفَهُ النَّاسُ اذْكُرُوهُ بِمَا فِيهِ يَحْذَرُهُ النَّاسُ‏

: وَ قَالَ(ع)لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ حِينَ شَاوَرَتْهُ فِي خُطَّابِهَا أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَرَجُلٌ صُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ وَ أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ‏

الخامس الجرح و التعديل للشاهد و الراوي‏

و من ثم وضع العلماء كتب الرجال و قسموهم إلى الثقات و المجروحين و ذكروا أسباب الجرح غالبا و يشترط إخلاص النصيحة في ذلك كما مر بأن يقصد في ذلك حفظ أموال المسلمين و ضبط الألسنة و حمايتها عن الكذب و لا يكون حامله العداوة و التعصب و ليس له إلا ذكر ما يخل بالشهادة

36

و الرواية منه و لا يتعرض لغير ذلك مثل كونه ابن ملاعنة أو شبهة اللهم إلا أن يكون متظاهرا بالمعصية كما سيأتي‏

السادس أن يكون المقول فيه به مستحقا لذلك‏

لتظاهره بسببه كالفاسق المتظاهر بفسقه بحيث لا يستنكف من أن يذكر بذلك الفعل الذي يرتكبه فيذكر بما هو فيه لا بغيره‏

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ع)مَنْ أَلْقَى جِلْبَابَ الْحَيَاءِ عَنْ وَجْهِهِ فَلَا غِيبَةَ لَهُ‏

و ظاهر الخبر جواز غيبته و إن استنكف من ذكر ذلك الذنب و في جواز اغتياب مطلق الفاسق احتمال ناش من‏

قَوْلِهِ‏: لَا غِيبَةَ لِفَاسِقٍ‏

و رد بمنع أصل الحديث أو بحمله على فاسق خاص أو بحمله على النهي و إن كان بصورة الخبر و هذا هو الأجود إلا أن يتعلق بذلك غرض ديني و مقصد صحيح يعود على المغتاب بأن يرجو ارتداعه عن معصيته بذلك فيلحق بباب النهي عن المنكر-

السابع أن يكون الإنسان معروفا باسم يعرب عن عيبه‏

كالأعرج و الأعمش فلا إثم على من يقول ذلك و قد فعل العلماء ذلك لضرورة التعريف و لأنه صار بحيث لا

37

يكرهه صاحبه لو علمه بعد أن صار مشهورا به و الحق أن ما ذكره العلماء المعتمدون من ذلك يجوز التعويل فيه على حكايتهم و أما ذكره عن الأحياء فمشروط بعلم رضا المنسوب إليه لعموم النهي و حينئذ يخرج عن كونه غيبة و كيف كان فلو وجد عنه معدلا و أمكنه التعريف بعبارة أخرى فهو أولى‏

الثامن لو اطلع العدد الذين يثبت بهم الحد و التعزير على فاحشة

جاز ذكرها عند الحكام بصورة الشهادة في حضرة الفاعل و غيبته و لا يجوز التعرض إليها في غير ذلك إلا أن يتجه فيه أحد الوجوه الأخر

التاسع قيل إذا علم اثنان من رجل معصيته شاهداها

فأجرى أحدهما ذكرها في غيبة ذلك العاصي جاز لأنه لا يؤثر عند السامع شيئا و إن كان الأولى تنزيه النفس و اللسان عن ذلك لغير غرض من الأغراض المذكورة خصوصا مع احتمال نسيان المقول له لتلك المعصية أو خوف اشتهارها عنهما

[العاشر إذا سمع أحد مغتابا و لا يعلم استحقاق المقول عنه للغيبة]

العاشر إذا سمع أحد مغتابا لآخر و هو لا يعلم استحقاق المقول عنه‏

38

للغيبة و لا عدمه قيل لا يجب نهي القائل لإمكان استحقاق المقول عنه فيحمل فعل القائل على الصحة ما لم يعلم فساده لأن ردعه يستلزم انتهاك حرمته و هو أحد المحرمين و الأولى التنبه على ذلك إلا أن يتحقق المخرج منه لعموم الأدلة و ترك الاستفصال فيها و هو دليل إرادة العموم حذرا من الإغراء بالجهل و لأن ذلك لو تم لتمشى فيمن تعلم عدم استحقاق المقول عنه بالنسبة إلى السامع لاحتمال اطلاع القائل على ما يوجب تسويغ مقاله و هو يهدم قاعدة النهي عن الغيبة و هذا الفرد يستثنى من جهة سماع الغيبة و قد تقدم أنه أحد الغيبتين و بالجملة فالتحرز عنها من دون وجه راجح في فعلها فضلا عن الإباحة أولى لتتسم النفس بالأخلاق الفاضلة و يؤيده إطلاق النهي فيما تقدم‏

كَقَوْلِهِ(ع)أَ تَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ قَالُوا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ(ع)ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُهُ‏

و أما مع رجحانها كرد المبتدعة و إخزاء الفسقة منهم و التنفير منهم و التحرز من اتباعهم فذلك يوصف بالوجوب مع إمكانه فضلا

39

عن غيره و المعتمد في ذلك كله على المقاصد فلا يغفل المستيقظ عن ملاحظة مقصده و إصلاحه و الله الموفق‏

الفصل الرابع فيما يلحق بالغيبة عند التدبر

و له اسم خاص و قد تعلق به نهي خاص لما عرفت أن الغيبة تطلق على ذكر ما يسوء الغير ذكره و يكرهه و لا يؤثره و على التنبيه عليه بمكاتبة و إشارة و غيرهما و على حديث النفس به و عقد القلب عليه و إن لم يذكره و دخل في هذا التعريف أفراد أخر من المواضع المحرمة على الخصوص و هي أمور

أحدها النميمة

و هي نقل قول الغير إلى المقول فيه كما تقول فلان تكلم فيك بكذا و كذا سواء كان نقل ذلك بالقول أو الكتابة أو الإشارة و الرمز و كان ذلك النقل كثيرا ما يكون متعلقه نقصانا أو عيبا في المحكي عنه موجبا لكراهته له و إعراضه عنه و كان ذلك راجعا إلى الغيبة أيضا فجمع بين معصية الغيبة و النميمة فلا جرم حسن في هذه الرسالة التنبيه على النميمة و ما ورد فيها من النهي على الخصوص فإنها إحدى المعاصي الكبائر كما ستسمعه‏

40

و ثانيها كلام ذي اللسانين‏

الذي يتردد بين المتخاصمين و نحوهما و يكلم كل واحد منهما بكلام يوافقه فإن ذلك مع ما ورد فيه من النهي الخاص يرجع إلى الغيبة بوجه ما و إلى النميمة بوجه آخر بل هو شر أقسام النميمة كما سيأتي‏

مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ(ع)تَجِدُونَ شَرَّ عِبَادِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ هَؤُلَاءِ وَ هَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ هَؤُلَاءِ

فإنه كلام يكرهه كل واحد منهما لو بلغه فإن الإنسان لا يحب من تكلم خصمه بما يرضيه و لا من يؤثر معه ما يبغيه بل هو معدود من جملة الأعداء فتعلق الكراهة لذلك الكلام بكل منهما فلنتكلم فيه أيضا على وجه الإيجاز و نذكر ما ورد فيه من النهي‏

و ثالثها الحسد

و هو كراهة النعمة على الغير و محبة زوالها على المنعم عليه و هو مع كونه أيضا من المحرمات الخاصة و المعاصي الكبيرة يرجع إلى الغيبة القلبية بوجه لأنه حكم على القلب بشي‏ء يتعلق بالغير يكرهه لو سمعه أشد كراهة و أبلغها فيجمع بين معصيتين الحسد و الغيبة.

[حكم هذه الملحقات‏]

فلنذكر جملة من الكلام فيه و ما ورد فيه من النهي بل هو

41

أولى الثلاثة بالذكر لكثرة وقوعه في هذا العصر و ابتلاء الخواص به بل هو داؤهم ليس لهم عنه مناص و أولى ما يهتم العاقل به دواء المرض الحاضر فيقع الكلام هنا في مقامات ثلاثة

الأول النميمة

[الآيات‏]

قال الله تعالى‏ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ‏ ثم قال‏ عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ‏ قال بعض العلماء هذه الآية دلت على أن من لم يكتم الحديث و مشى بالنميمة ولد زناء لأن الزنيم هو الدعي و قال الله تعالى‏ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ قيل الهمزة النمام و قال تعالى عن امرأة نوح و امرأة لوط فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَ قِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ‏ قيل كانت امرأة لوط تخبر بالضيفان و امرأة نوح تخبر بأنه مجنون‏

[الأخبار]

وَ قَالَ النَّبِيُّ(ع)لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ‏

14 وَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ وَ الْقَتَّاتُ هُوَ النَّمَّامُ‏

وَ قَالَ(ع)أَحَبُّكُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَحْسَنُكُمْ أَخْلَاقاً الْمُوَطَّئُونَ أَكْنَافاً الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَ يُؤْلَفُونَ وَ إِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْإِخْوَانِ الْمُلْتَمِسُونَ لِلْبِرَاءِ الْعَثَرَاتِ‏

وَ قَالَ(ع)أَ لَا أُخْبِرُكُمْ بِشِرَارِكُمْ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ‏

42

اللَّهِ قَالَ(ع)الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ الْمُفْسِدُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ الْبَاغُونَ لِلْبِرَاءِ الْعَيْبَ‏

وَ قَالَ أَبُو ذَرٍّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ع)مَنْ أَشَارَ عَلَى مُسْلِمٍ بِكَلِمَةٍ لِيَشِينَهُ بِهَا بِغَيْرِ حَقٍّ شَانَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

وَ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص‏: أَيُّمَا رَجُلٍ أَشَاعَ عَلَى رَجُلٍ كَلِمَةً وَ هُوَ مِنْهَا بَرِي‏ءٌ لِيَشِينَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا كَانَ حَقّاً عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يدينه بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي النَّارِ

وَ عَنْهُ‏: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ الْجَنَّةَ قَالَ لَهَا تَكَلَّمِي قَالَتْ سَعِدَ مَنْ دَخَلَنِي قَالَ الْجَبَّارِ جَلَّ جَلَالُهُ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَا يَسْكُنُ فِيكَ ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ مِنْ النَّاسِ لَا يَسْكُنُ فِيكَ مُدْمِنُ خَمْرٍ وَ لَا مُصِرٌّ عَلَى الزِّنَاءِ وَ لَا قَتَّاتٌ وَ هُوَ النَّمَّامُ وَ لَا دَيُّوثٌ وَ لَا الشُّرْطِيُّ وَ لَا الْمُخَنَّثُ وَ لَا قَاطِعُ رَحِمٍ وَ لَا الَّذِي يَقُولُ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ إِنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا وَ كَذَا ثُمَّ لَمْ يَفِ بِهِ‏

وَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ(ع)أَنَّهُ قَالَ‏ الْجَنَّةُ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْقَتَّاتِينَ الْمَشَّاءِينَ بِالنَّمِيمَةِ

وَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)شِرَارُكُمُ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ الْمُتَّبِعُونَ لِلْبِرَاءِ الْمَعَايِبَ‏

وَ رُوِيَ‏: أَنَّ مُوسَى(ع)اسْتَسْقَى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ حِينَ أَصَابَهُمْ قَحْطٌ فَأَوْحَى‏

43

اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ لَا أَسْتَجِيبُ لَكَ وَ لَا لِمَنْ مَعَكَ وَ فِيكُمْ نَمَّامٌ قَدْ أَصَرَّ عَلَى النَّمِيمَةِ فَقَالَ مُوسَى(ع)مَنْ هُوَ يَا رَبِّ حَتَّى نُخْرِجَهُ مِنْ بَيْنِنَا فَقَالَ اللَّهُ يَا مُوسَى أَنْهَاكُمْ عَنْ النَّمِيمَةِ وَ أَكُونُ نَمَّاماً فَتَابُوا بِأَجْمَعِهِمْ فَسُقُوا

و

رُوِيَ‏ أَنَّ رَجُلًا تَبِعَ حَكِيماً سَبْعَمِائَةِ فَرْسَخٍ فِي سَبْعِ كَلِمَاتٍ فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ قَالَ إِنِّي جِئْتُكَ لِلَّذِي آتَاكَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْعِلْمِ أَخْبِرْنِي عَنِ السَّمَاءِ وَ مَا أَثْقَلُ مِنْهَا وَ عَنِ الْأَرْضِ وَ مَا أَوْسَعُ مِنْهَا وَ عَنِ الْحِجَارَةِ وَ مَا أَقْسَى مِنْهَا وَ عَنِ النَّارِ وَ مَا أَحَرُّ مِنْهَا وَ عَنِ الزَّمْهَرِيرِ وَ مَا أَبْرَدُ مِنْهُ وَ عَنِ الْبَحْرِ وَ مَا أَغْنَى مِنْهُ وَ عَنِ الْيَتِيمِ وَ مَا أَذَلُّ مِنْهُ فَقَالَ الْحَكِيمُ الْبُهْتَانُ عَلَى الْبَرِي‏ءِ أَثْقَلُ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَ الْحَقُّ أَوْسَعُ مِنَ الْأَرَضِينَ وَ الْقَلْبُ الْقَانِعُ أَغْنَى مِنَ الْبَحْرِ وَ الْحِرْصُ وَ الْحَسَدُ أَحَرُّ مِنَ النَّارِ وَ الْحَاجَةُ إِلَى الْقَرِيبِ إِذَا لَمْ يَنْجَحْ أَبْرَدُ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ وَ قَلْبُ الْكَافِرِ أَقْسَى مِنَ الْحِجَارَةِ وَ النَّمَّامُ إِذَا بَانَ أَمَرُهُ أَذَلُّ مِنَ الْيَتِيمِ‏

و اعلم أن النميمة تطلق في الأكثر على من ينم قول الغير إلى المقول فيه كما يقول فلان كان يتكلم فيك بكذا و كذا و ليست مخصوصة به بل تطلق على ما هو أعم من القول‏

44

كما مر في الغيبة و

[حد النميمة]

حدها بالمعنى الأعم كشف ما يكره كشفه سواء كرهه المنقول عنه أم المنقول إليه أم كرهه ثالث و سواء كان الكشف بالقول أم بالكتابة أم بالإشارة أم بالرمز أم بالإيماء و سواء كان المنقول من الأعمال أم من الأقوال و سواء كان ذلك عيبا أو نقصانا على المنقول عنه أم لم يكن بل حقيقة النميمة إفشاء السر و هتك الستر عما يكره كشفه بل كل ما رآه الإنسان من أحوال الإنسان فينبغي أن يسكت عنه إلا ما في حكايته فائدة لمسلم أو دفع لمعصية كما إذا رأى من يتناول مال غيره فعليه أن يشهد به مراعاة لحق المشهود عليه و أما إذا رآه يخفي مالا لنفسه فذكره نميمة و إفشاء للسر فإن كان ما ينم به نقصانا أو عيبا في المحكي عنه كان قد جمع بين الغيبة و النميمة و السبب الباعث على النميمة إما إرادة السوء بالمحكي عنه أو إظهار الحب للمحكي له أو التفرج بالحديث أو الخوض في الفضول-

[رد النميمة]

و كل من حملت إليه النميمة و قيل له إن فلانا قال فيك كذا و كذا أو فعل فيك كذا و كذا و هو يدبر في إفساد أمرك أو في ممالأة عدوك أو تقبيح حالك أو ما يجري‏

45

مجراه فعليه ستة أمور الأول أن لا يصدقه لأن النمام فاسق و هو مردود الشهادة قال الله تعالى‏ إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا الآية الثاني أن ينهاه عن ذلك و ينصحه و يقبح له فعله قال الله تعالى‏ وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَ انْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ الثالث أن يبغضه في الله تعالى فإنه يبغض عند الله و يجب بغض من يبغضه الله تعالى الرابع أن لا تظن بأخيك السوء بمجرد قوله لقوله تعالى‏ اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِ‏ بل يثبت حتى يتحقق الحال الخامس أن لا يحملك ما حكي لك على التجسس و البحث ليتحقق لقوله تعالى‏ وَ لا تَجَسَّسُوا السادس أن لا ترضى لنفسك ما نهيت النمام عنه فلا تحكي نميمته فتقول فلان قد حكى لي بكذا فتكون به نماما و مغتابا و قد تكون أتيت بما نهيت عنه‏

وَ قَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ع‏: أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ يَسْعَى إِلَيْهِ بِرَجُلٍ فَقَالَ يَا هَذَا نَحْنُ نَسْأَلُ عَمَّا قُلْتَ فَإِنْ كُنْتَ صَادِقاً مَقَّتْنَاكَ وَ إِنْ كُنْتَ كَاذِباً عَاقَبْنَاكَ وَ إِنْ شِئْتَ أَنْ نُقِيلَكَ أَقَلْنَاكَ قَالَ أَقِلْنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ‏

وَ قَدْ

46

تَبِعَهُ فِي ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَدْ رُوِيَ‏ أَنَّهُ دَخَلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَذَكَرَ عِنْدَهُ عَنْ رَجُلٍ شَيْئاً فَقَالَ عُمَرُ إِنْ شِئْتَ نَظَرْنَا فِي أَمْرِكَ فَإِنْ كُنْتَ كَاذِباً فَأَنْتَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْآيَةِ إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ وَ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً فَأَنْتَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْآيَةِ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ‏ وَ إِنْ شِئْتَ عَفَوْنَا عَنْكَ فَقَالَ الْعَفْوَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا أَعُودُ إِلَيْهِ أَبَداً

وَ قَدْ رُوِيَ‏: أَنْ حَكِيماً مِنَ الْحُكَمَاءِ زَارَهُ بَعْضُ إِخْوَانِهِ وَ أَخْبَرَهُ بِخَبَرٍ عَنْ غَيْرِهِ فَقَالَ لَهُ الْحَكِيمُ قَدْ أَبْطَأْتَ فِي الزِّيَارَةِ وَ أَتَيْتَنِي بِثَلَاثِ خِيَانَاتٍ بَغَّضْتَ إِلَيَّ أَخِي وَ شَغَلْتَ قَلْبِيَ الْفَارِغَ وَ اتَّهَمْتَ نَفْسَكَ الْأَمِينَةَ

وَ رُوِيَ‏ أَنَّ بَعْضَ الْخُلَفَاءِ قَالَ لِرَجُلٍ بَلَغَنِي أَنَّكَ قُلْتَ فِيَّ كَذَا وَ كَذَا فَقَالَ الرَّجُلُ مَا قُلْتُ وَ مَا فَعَلْتُ فَقَالَ إِنَّ الَّذِي أَخْبَرَنِي صَادِقٌ فَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَ كَانَ جَالِساً لَا يَكُونُ النَّمَّامُ صَادِقاً قَالَ صَدَقْتَ اذْهَبْ بِسَلَامَةِ

وَ قَالَ الْحَسَنُ‏ مِنْ نَمَّ إِلَيْكَ نَمَّ عَلَيْكَ‏

و هذه إشارة إلى أن النمام ينبغي أن يبغض و لا يوثق بصداقته و كيف لا يبغض و هو لا ينفك من الكذب و

47

الغيبة و الغدر و الخيانة و الغل و الحسد و النفاق و الإفساد بين الناس و الخديعة و هو ممن قد سعى في قطع ما أمر الله به أن يوصل قال الله تعالى‏ وَ يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ‏ و قال تعالى‏ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ‏ و النمام منهم‏

وَ قَالَ(ع)إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنِ اتَّقَاهُ النَّاسُ لِشَرِّهِ وَ النَّمَّامُ مِنْهُمْ‏

وَ قَالَ(ع)لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ‏

قيل قاطع بين الناس و هو النمام و قيل قاطع الرحم‏

" وَ قَالَ لُقْمَانُ الْحَكِيمِ لِابْنِهِ يَا بُنَيَّ إِنِّي مُوصِيكَ بِخِلَالٍ إِنْ تَمَسَّكْتَ بِهِنَّ لَمْ تَزَلْ سَيِّداً ابْسُطْ خُلْقَكَ لِلْقَرِيبِ وَ الْبَعِيدِ وَ أَمْسِكْ جَهْلَكَ عَنْ الْكَرِيمِ وَ اللَّئِيمِ وَ احْفَظْ إِخْوَانَكَ وَ صِلْ أَقَارِبَكَ وَ آمِنْهُمْ مِنْ قَبُولِ سَاعٍ أَوْ سَمَاعِ بَاغٍ يُرِيدُ إِفْسَادَكَ وَ يَرُومُ خِدَاعَكَ وَ لْيَكُنْ إِخْوَانُكَ مَنْ إِذَا فَارَقْتَهُمْ وَ فَارَقُوكَ لَمْ تَغْتَبْهُمْ وَ لَمْ يَغْتَابُوكَ‏

وَ قَالَ بَعْضُهُمْ‏ لَوْ صَحَّ مَا نَقَلَهُ النَّمَّامُ إِلَيْكَ لَكَانَ هُوَ الْمُجْرِي بِالشَّتْمِ عَلَيْكَ وَ الْمَنْقُولُ عَنْهُ أَوْلَى بِحِلْمِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَابِلُكَ بِشَتْمِكَ‏

48

و بالجملة فشر النمام عظيم ينبغي أن يتوقى‏

قِيلَ‏ بَاعَ بَعْضُهُمْ عَبْداً وَ قَالَ لِلْمُشْتَرِيِ مَا فِيهِ عَيْبٌ إِلَّا النَّمِيمَةَ قَالَ رَضِيتُ بِهِ فَاشْتَرَاهُ فَمَكَثَ الْغُلَامُ أَيَّاماً ثُمَّ قَالَ لِزَوجَةِ مَوْلَاهُ إِنَّ زَوْجَكَ لَا يُحِبُّكَ وَ هُوَ يُرِيدُ أَنْ يَتَسَرَّى عَلَيْكَ فَخُذِي الْمُوسَى وَ احْلُقِي مِنْ قَفَاهُ شَعَرَاتٍ حَتَّى أَسْحَرَ عَلَيْهَا فَيُحِبُّكَ ثُمَّ قَالَ لِلزَّوْجِ إِنَّ امْرَأَتَكَ اتَّخَذَتْ خَلِيلًا وَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَكَ فَتَنَاوِمْ لَهَا حَتَّى تَعْرِفَ فَتَنَاوَمَ فَجَاءَتْ الْمَرْأَةُ بِالْمُوسَى فَظَنَّ أَنَّهَا تَقْتُلُهُ فَقَامَ وَ قَتَلَهَا فَجَاءَ أَهْلُ الْمَرْأَةِ وَ قَتَلُوا الزَّوْجَ فَوَقَعَ الْقِتَالُ بَيْنَ الْقَبِيلَتَيْنِ وَ طَالَ الْأَمْرُ

المقام الثاني كلام ذي اللسانين‏

الذي يتردد بين اثنين سيما المتعاديين و يكلم كل واحد منهما بكلام يوافقه و قل ما يخلو عنه من يشاهد متعاديين و ذلك عين النفاق و هو من المعاصي الكبائر المتوعد عليه بخصوصه‏

وَ رَوَى عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ عَنِ النَّبِيِّ(ع)مَنْ كَانَ لَهُ وَجْهَانِ فِي الدُّنْيَا كَانَ لَهُ لِسَانَانِ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

وَ عَنْهُ(ع)تَجِدُونَ مِنْ شَرِّ عِبَادِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

49

ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ هَؤُلَاءِ وَ هَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ هَؤُلَاءِ: وَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَ هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ‏

وَ قِيلَ‏ مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ بَطَلَتِ الْأَمَانَةُ وَ الرَّجُلُ مَعَ صَاحِبِهِ بِشَفَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ‏

وَ قَالَ ص‏: أَبْغَضُ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْكَذَّابُونَ وَ الْمُسْتَكْبِرُونَ وَ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ الْبَغْضَاءَ لِإِخْوَانِهِمْ فِي صُدُورِهِمْ فَإِذَا لَقُوهُمْ تَخَلَّقُوا لَهُمْ وَ الَّذِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ كَانُوا بُطَّاءً وَ إِذَا دُعُوا إِلَى الشَّيْطَانِ وَ أَمْرِهِ كَانُوا سُرَّاعاً

وَ رَوَى الصَّدُوقُ بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَلِيٍّ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ع)يَجِي‏ءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ذُو الْوَجْهَيْنِ دَالِعاً لِسَانَهُ فِي قَفَاهُ وَ آخَرُ مِنْ قُدَّامِهِ يَتَلَهَّبَانِ نَاراً حَتَّى يَلْتَهِبَانِ جَسَدَهُ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كَانَ فِي الدُّنْيَا ذَا وَجْهَيْنِ وَ ذَا لِسَانَيْنِ يُعْرَفُ بِذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

وَ بِالْإِسْنَادِ إِلَى الْبَاقِرِ(ع)قَالَ‏: بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ يَكُونُ ذَا وَجْهَيْنِ وَ ذَا لِسَانَيْنِ يُطْرِي أَخَاهُ شَاهِداً وَ يَأْكُلُهُ غَائِباً إِنْ أُعْطِيَ حَسَدَهُ وَ إِنِ ابْتُلِيَ خَذَلَهُ‏

وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْهُ(ع)قَالَ‏ بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ هُمَزَةٌ لُمَزَةٌ يُقْبِلُ بِوَجْهٍ وَ يُدْبِرُ بِآخَرَ

50

وَ بِالْإِسْنَادِ عَنْهُ(ع)قَالَ‏ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ يَا عِيسَى لِيَكُنْ لِسَانُكَ فِي السِّرِّ وَ الْعَلَانِيَةِ لِسَاناً وَاحِداً وَ كَذَلِكَ قَلْبُكَ إِنِّي أُحَذِّرُكَ نَفْسَكَ وَ كَفَى بِكَ خَبِيراً لَا يَصْلُحُ لِسَانَانِ فِي فَمٍ وَاحِدٍ وَ لَا سَيْفَانِ فِي غِمْدٍ وَاحِدٍ وَ لَا قَلْبَانِ فِي صَدْرٍ وَاحِدٍ وَ كَذَلِكَ الْأَذْهَانُ‏

و اعلم أن الإنسان يتحقق كونه ذا لسانين بأمور منها أن ينقل كلام كل واحد إلى الآخر و هو مع ذلك نميمة و زيادة فإن النميمة يتحقق بالنقل من أحد الجانبين فقط و منها أن يحسن لكل واحد منهما ما هو عليه من المعاداة مع صاحبه و إن لم ينقل بينهما كلاما و منها أن يعد كل واحد منهما بأن ينصره و يساعده و منها أن يثني على كل واحد منهما في معاداته و أولى منه أن يثني عليه في وجهه و إذا خرج من عنده ذمه و الذي ينبغي أن يسكت أو يثني على الحق منهما في حضوره و غيبته و بين يدي عدوه و لا يتحقق اللسانان بالدخول على المتعاديين و مجاملة كل واحد منهما مع صدقه في المجاملة فإن الواحد قد يتصادق متعاديين و لكن صداقة ضعيفة لا تصل إلى حد الأخوة إذ لو تحققت [الصداقة]