الزهور المقتطفة من تاريخ مكة المشرفة

- محمد بن أحمد الفاسي المزيد...
247 /
5

مقدّمة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه الذى فضل الكعبة البيت الحرام فى الأرض على البنيان، كما فضل فى السماء عرشه المجيد الأركان، أحمده على جميع إنعامه- الجلىّ و الخفىّ- غاية الوسع و الإمكان، و أشكره طول الدهر و الأزمان.

و أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له فى السّر و الإعلان، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله نبىّ الرحمة و حبيب الملك الديان، (صلّى اللّه عليه و سلم) و على آله و أصحابه و أهل بيته نجوم الأكوان.

و بعد:

فهذا مختصر لتاريخ مكّة و البيت الحرام على مرّ الأزمان، نهديه لحجاج بيته و المعتمرين المتوجهين إليه من كل مكان، و هو بحق كما أسماه مؤلفه زهور قد أينعت على الأغصان، نقدمه للمكتبة الإسلامية طلبا لمرضات رب الأكوان، و ابتغاء لرحمته التى عمت الإنس و الجان.

و أسأل اللّه أن يجعله فى حسناتى يوم يشيب الولدان، و أن يمتعنى برؤية وجه العظيم فى نعيم الجنان، بفضله و كرمه إنه الكريم المنّان.

6

ترجمة المصنف‏ (*)

اسمه:

هو محمد بن أحمد بن على بن محمد بن عبد الرحمن الحسنى الفاسى، ثم المكّى، يرجع نسبه إلى الإمام على بن أبى طالب (كرمّ اللّه وجهه).

كان الفاسى يلقب بتقى الدين و يكنى أبا الطيب، و كان قاضى المالكية بالحرم الشريف، و قد ولد فى ليلة الجمعة العشرين من ربيع الأول عام 775 ه بمكّة المكرمة.

نشأته:

نشأ الفاسى- (رحمه اللّه)- بمكّة المكرمة، و تتلمذ على يد الصفوة من علمائها و أهل الفضل فيها، و عنى بالحديث، فقرأ و سمع كثيرا، و قد أجازه كثير من العلماء الأعلام، و قرأ عليهم، و أخذ عنهم.

شيوخه:

1- الإمام قاضى مكّة جمال الدين محمد بن عبد اللّه بن ظهيرة القرشى المخزومى.

2- الإمام قاضى القضاة كمال الدين أبو الفضل محمد بن أحمد النويرى.

3- قاضى الحرمين محب الدين النويرى.

4- الإمام عبد اللّه بن عمر الصوفى.

5- الإمام مجد الدين محمد بن يعقوب الشيرازى الفيرروز آبادى.

6- الإمام المؤرخ ابن خلدون.

7- الإمام الشهاب أحمد العلائى، و غيرهم كثير.

____________

(*) انظر ترجمته فى: العقد الثمين 1/ 231، إنباء الغمر 8/ 187، الدليل الشافى 2/ 585، الضوء اللامع 7/ 18، طبقات الحفاظ للسيوطى ص: 544، ذيل تذكرة الحفاظ 377.

7

أعماله:

ولى الفاسى قضاء مكّة للمالكية، و هو أول مالكى ولى القضاء بها استقلالا، و باشر تدريس الفقه المالكى فى مدرسة السلطان الملك المنصور عام 814 ه فى بدء إنشائها، و كان يقوم بالتدريس فيها بين الظهر و العصر من يومى الأربعاء و الخميس من كل أسبوع.

مؤلفاته:

صنف الفاسى كتبا جليلة و قيمة منها:

1- شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام (مطبوع).

2- العقد الثمين فى تاريخ البلد الأمين (مطبوع).

3- تحفة الكرام بأخبار البلد الحرام.

4- هادى ذوى الأفهام إلى تاريخ البلد الحرام.

5- الزهور المقتطفة فى تاريخ مكّة المشرفة، و هو كتابنا هذا.

6- عجالة القرى للراغب فى تاريخ أم القرى.

7- الجواهر السنية فى السيرة النبوية.

8- المقنع من أخبار الملوك و الخلفاء و ولاة مكة الشرفاء.

9- و ذيّل على «العبر» للذهبى و «التقييد» لابن نقطة.

10- فهرست مروياته.

وفاته:

بعد حياة علمية حافلة توفى الفاسى ليلة الأربعاء 23 من شوال عام 832 ه بمكّة المشرفة، (رحمه اللّه) و نفع بعلمه.

8

أصل الكتاب‏

اعتمدت فى تحقيق الكتاب على نسختين خطيتين:

الأولى: و حصلت على مصورة منها من مكتبة الأوقاف الكويتية برقم 296 مجاميع، و عدد أوراقها (113) ورقة، متوسط كل ورقة (18) سطرا، و متوسط كلمات كل سطر (9) كلمات، و قد كتبت بخط نسخ.

الثانية: مصورة من المتحف العراقى ببغداد، و تحمل رقم 1385، و توجد صورة منها فى معهد المخطوطات برقم 1709 تاريخ، و عدد أوراقها (75) ورقة، و متوسط عدد الأسطر (25) سطرا فى الصفحة الواحدة، و قد كتبت بخط نسخ معتاد.

هذا و قد طبع الكتاب ضمن الجزء الأول من «العقد الثمين» للفاسى، بتحقيق الشيخ محمد حامد الفقى، و به بعض التحريف و التصحيف، و التى لم أشر إليها- اكتفاء بهذا التنويه- و يبدو أنه طبع على نسخة سقيمة.

منهج التحقيق‏

يتلخص عملى فى تحقيق الكتاب فى النقاط التالية:

1- ضبطت نص الكتاب، و أصلحت ما به من أخطاء نحوية، و أغفلت الإشارة إلى الفروق بين النسختين، و التى تنشأ عن التحريف، و أخطاء الكتابة إذ ليس لها وزن علمى.

2- عزوت الآيات القرآنية إلى سورها و أرقامها.

3- خرجت الأحاديث و الآثار الواردة فى الكتاب.

4- التعريف بالمواضع، و البلدان، و الأماكن الوارد ذكرها فى الكتاب، مستعينا بالمراجع المتداولة فى هذا الفن.

5- وثقت النصوص الواردة في ثنايا الكتاب و عزوتها إلى مصادرها الأصلية.

9

6- وضعت فهارس فنية للكتاب على النحو التالى:

* فهرس الآيات القرآنية حسب ترتيب سورها.

* فهرس للأحاديث و الآثار.

* فهرس للأماكن و البلدان المترجم لها.

* فهرس للمصادر و المراجع.

* فهرس موضوعات الكتاب.

و كل هذه الفهارس علي ترتيب حروف المعجم إلا فهرس الآيات القرآنية.

و المرجوّ من اللّه تعالى أن يكون هذا الكتاب تحفة لمحبى مكّة و من سكن بها أو زارها من الأخيار، و قد بذلت الجهد فى ضبطه و تحقيقه، رجاء دعوة تمحو الأوزار، و تقيل العثار، و نظرة رضى من نبينا المختار، صلّى اللّه عليه و على آله الأطهار، و صحابته الأبرار.

و اللّه أسأل أن يحرم شعرى و بشرى و لحمى و دمى على النار، و أن يغفر لى ما قدمت و ما أخرت إنه الرحيم الغفار.

القاهرة في 25 من ذى الحجة 1417 ه

دكتور مصطفى محمد حسين الذهبى‏

10

() صورة الورقة الأولى من مخطوط الكويت‏

11

() صورة الورقة الأخيرة من مخطوط الكويت‏

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

بسم الله الرحمن الرحيم‏

[مقدمة المؤلف‏]

الحمد للّه الذى جعل لمكّة فى الفضل مزايا، و خصها ببيته الذى هو قبلة للبرايا، و بحجه الذنب مغفور، و بالطواف به تكثر الأجور.

أحمده على ما من به من النزول فى حماه، و أساله دوام ذلك مدة المحياة.

و أشهد أن لا إله إلا اللّه الذى منح شارب ماء زمزم بنيل المنى، و أشهد أن نبينا محمدا أفضل من حج ورمى الجمار بمنى، (صلّى اللّه عليه و سلم) ما وقف واقف بعرفات و المشعر، و رضى اللّه عن آله و أصحابه ما سعى ساع بين الصفا و المروة، و بين الميلين الأخضرين أحضر.

أما بعد:

فهذا ما وعدت بذكره فى كتابى «العقد الثمين فى تاريخ البلد الأمين» من أخبار مكّة المشرفة، و حكم بيع دورها، و إجارتها، و أسمائها، و حرمها، و حدوده، و شئ مما يختص بذلك من المسائل، و فضل الحرم و مكّة، و الصلاة فيها على غيرها، و غير ذلك من فضلها، و حكم المجاورة بها، و فضل الموت فيها، و فضل أهلها، و فضل جدة، و الطائف، و غير ذلك من خبرهما.

و أخبار الكعبة المعظمة و فضلها، و فضل الحجر الأسود، و الركن اليمانى، و فضائل الأعمال المتعلقة بالكعبة، و خبر الحجر الأسود، و الحجر- بسكون الجيم- و مقام الخليل- (عليه السلام)- و الأماكن التى صلى النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) فيها حول الكعبة، و الأماكن التى يستجاب الدعاء فيها بمكة، و حرمها.

و خبر المسجد الحرام و زمزم، و سقاية العباس رضى اللّه عنه، و الأماكن المباركة بمكّة و حرمها، و الأماكن التى تتعلق بها المناسك، و ما علمته من المآثر بمكّة، و حرمها.

14

و أخبار جاهلية و إسلامية، لها تعلق بالحاج، و غير ذلك، و ما علمته من ولاة مكّة فى الإسلام على سبيل الإجمال.

و هذا الأمر لم أر من عنى بجمعه قبلى، و جميع ذلك ملخص من تأليفى «شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام» و جعلته أربعين بابا كأصله، و سميته: «الزهور المقتطفة من تاريخ مكّة المشرفة».

***

15

[ابواب الكتاب‏]

الباب الأول فى ذكر مكّة المشرفة و حكم بيع دورها و إجارتها

مكّة المشرفة: بلدة مستطيلة كبيرة، تسع من الخلائق ما لا يحصيهم إلا اللّه تعالى، فى بطن واد مقدس، و الجبال محدقة بها كالسور لها.

و لها- مع ذلك- ثلاثة أسوار: سور فى جهة المشرق، يعرف بسور باب المعلّاة؛ لأنه فى أعلاها، و سور فى جهة المغرب و المدينة النبوية، يعرف بسور باب الشبيكة، و سور فى جهة اليمن، و يعرف بسور باب اليمن و باب الماجن.

و كان جدر هذا السور و جدر سور باب المعلّاة: غير كاملين بالبناء، و كانا قصيرين عن القامة، فعمرا حتى زادا على القامة، و تكمل بناؤهما إلا موضعا فى سور باب المعلّاة، لأن ما تحته مهواة.

و هذه العمارة فى النصف الثانى من سنة ست عشرة و ثمانمائة، من قبل السيد حسن بن عجلان، بعد أن هجم مكّة- فى غيبته عنها- ابن أخيه السيد رميثة بن محمد بن عجلان فى جمادى الآخرة من السنة المذكورة (1).

ثم أخربت من سور باب المعلّاة مواضع، و أحرق بابه، لفتنة كانت بين أميريها المذكورين، فى خامس عشرين من شوال سنة تسع عشرة و ثمانمائة (2).

ثم أعيد بناء ما تخرب، و عمل باب حديد، و ذلك فى شوال و ذى القعدة من السنة المذكورة (3).

ثم خرب جانب من سور باب المعلّاة بين البابين اللذين فى السور المذكور.

ثم [خرب‏] جانب من سور باب الماجن، من سيل كان بمكّة فى سنة سبع و عشرين و ثمانمائة (4).

و عمّر ذلك كله فى أوائل سنة ثمان و عشرين و ثمانمائة.

____________

(1) إتحاف الوري 3/ 504، العقد الثمين 4/ 117.

(2) إتحاف الورى 3/ 532.

(3) إتحاف الورى 3/ 534، السلوك 4/ 1: 371، إنباء الغمر 3/ 92.

(4) إتحاف الورى 3/ 607، السلوك 4/ 2: 663.

16

و كان الخراب فى سور باب المعلّاة فى آخر سنة خمس و عشرين و ثمانمائة (1).

ذرع مكّة من باب المعلّاة إلى باب الماجن: أربعة آلاف ذراع و أربعمائة ذراع و اثنان و سبعون ذرعا- بتقديم السين- بذراع اليد، و ذلك على خط الردم، و المسعى، و سوق العلافة.

و من باب المعلّاة إلى الشبيكة: مثل ذلك، بزيادة مائتى ذراع و عشرين ذراعا باليد، و ذلك فى الطريق المشار إليها، إلا أنه يعدل إلى الشبيكة من الزقاق المعروف بابن عرفة.

و من الجبال المحدقة بمكّة: أخشباها.

و هما: أبو قبيس، و الأحمر المقابل له، على ما ذكر الأزرقى و الفاكهى.

و قيل: أبو قبيس و قعيقعان. ذكر ذلك ياقوت.

و عرف أبو قبيس بالأخشب الشرقى، و قعيقعان بالغربى، و الأخشب الجبل الغليظ.

و فى تسمية أبى قبيس أقوال:

أحدها: أنه يسمى برجل من إياد.

و ذكر الوراق: أنه يقال له: أبو قابوس، و شيخ الجبال .. انتهى.

و «أبو قبيس» اسم لحصن بحلب قبالة شيزر، على ما ذكر ياقوت.

و «قعيقعان» اسم لمواضع ذكرها ياقوت، و لموضعين لم يذكرهما، أحدهما:

يليّة من عمل الطائف، و الآخر باليمن.

و سيأتى إن شاء اللّه تعالى شئ فى سبب تسميته بقعيقعان.

و بمكّة أبنية كثيرة، و عين جارية، و آبار غالبها مسبل، و برك مسبّلة، و حمامان.

و كان بها ستة عشر حماما، على ما ذكر الفاكهى‏ (2).

____________

(1) إتحاف الورى 3/ 588، 589.

(2) أخبار مكة للفاكهى 3/ 100.

17

و بعض الدور التى بمكّة: علامة لحد المعلّاة و المسفلة؛ لأن دار الخيزران- عند الصفا- علامة لحد المعلّاة من شق مكّة الأيمن، و دار العجلة علامة لحد المعلّاة من شق مكّة الأيسر.

و ذكر الفاكهى خبرا يقتضى تفضيل المعلّاة على المسفلة (1).

و ذكر الفاكهى شيئا مفيدا فى مخاليف مكّة؛ لأنه قال: و آخر أعمالها- مما يلى طريق المدينة- موضع يقال له: جنابذ بن صيفى‏ (2) فيما بين عسفان و مرّ، و ذلك على يوم و بعض يوم.

و آخر أعمالها- مما يلى طريق الجادة فى طريق العراق-: العمير؛ و هو قريب من ذات عرق، و ذلك على يوم و بعض يوم.

و آخر أعمالها- مما يلى اليمن على طريق تهامة اليوم- موضع يقال له:

ضنكان، و ذلك على عشرة أيام من مكّة.

و قد كان آخر أعمالها فيما مضى: بلاد عكّ.

و آخر أعمالها- مما يلى اليمن فى طريق نجد، و طريق صنعاء- موضع يقال له «نجران» على عشرين يوما من مكّة (3) .. انتهى.

و ذكر ابن خرداذبة فى «مخاليف مكّة» ما يوافق ما ذكره الفاكهى، و صرح فيهما بما لم يصرح به الفاكهى‏ (4).

____________

(1) أخبار مكة للفاكهى 3/ 99.

(2) لم يذكرها ياقوت فى معجم البلدان، و لا البلاذرى فى معجم معالم الحجاز، و ذكرها الحربى فى مناسكه (ص: 464) فقال: و من عسفان إلى جنابذ بنى- هكذا قال- صيفى:

تسعة عشر ميلا. و قبل ذلك بميل: بثر ابن ضبيع، و قبله: بثر القرشى، ثم قال: و من الجنابذ إلى مرّ (يعنى مرّ الظهران): أربعة أميال، و بعد الجنابذ: بميل خشونة و صعوبة، و طريق ضيق بين الجبلين يقال أنه الموضع الذى أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) العباس أن يحبس فيه أبا سفيان حتى تمر الجيوش .. انتهى.

و المراد بالجنابذ: القباب التى أقيمت على سقايات فى هذا الموضع فاشتهرت به، و صيفى- المشار إليه- هو الذى يقال له: أبا السائب بن عبد اللّه بن عمرو بن مخزوم (انظر عنه: نسب قريش ص: 333) و جمهرة أنساب العرب (1/ 128).

(3) أخبار مكة للفاكهى 5/ 106، 107.

(4) المسالك و الممالك (ص: 133).

18

و ليس كل ما ذكراه معدودا اليوم فى أعمال مكّة؛ لأن كثيرا من ذلك ليس لأمير مكّة الآن فيه كلام.

و أبعد مكان عن مكّة لأميرها الآن فيه كلام: «الحسنة» و هى بلدة بينها و بين «قنونا» (1) يوم، و بين «حلى» (2) يومان.

و كلامه فيها باعتبار أن له على مزارعها كل سنة مائة غرارة مكية، فيما قيل، و له أيضا رسم على أهل «دوقة» (3) و «الواديين» و «الليث» (4).

و أبعد مكان- بعد هذه الأماكن عن مكة لأميرها فيه كلام الآن- وادى الطائف، و وادى «ليّة» (5)، و لأمير مكة فيهما من الكلمة و العادة على أهلهما أكثر مما له فى الأماكن السابق ذكرها.

و لقاضى مكّة نواب بوادى الطائف، و «ليّة».

و صرّح جماعة من فقهاء الشافعية بأن الطائف و وجّ و ما ينضاف إليهما منسوبة إلى مكّة و معدودة فى أعمالها، و هذا فى «الروضة» للنووى.

و من أعمال مكّة فى صوب الطائف: وادى نخلة الشامية، و اليمانية. و نخلة على ليلة من مكّة.

و أبعد مكان عن مكّة فى صوب المدينة لأمير مكّة الآن فيه كلام: وادى‏

____________

(1) قنونا: هى بلدة القنفذة، و هى ميناء من موانئ الحجاز الجنوبية (جغرافية شبه جزيرة العرب، لعمر رضا كحالة: (ص: 28)، و معجم البلدان (4/ 209): قنوتى: بالفتح و نونين، بوزن: فعوعل.

(2) حلى: بحاء مهملة مفتوحة و لام ساكنة (انظر: معجم شبه جزيرة العرب للهمدانى ص: 120).

(3) دوقة: واد على طريق الحاج من صنعاء إذا سلكوا، بينه و بين «يلملم»: ثلاثة أيام (معجم البلدان 2/ 485).

(4) الليث: بكسر اللام ثم ياء ساكنة، و ينطقها أهل الحجاز: الّليت- بالكسر المشدد فى أوله، و إبدال الثاء تاء- و هو واد بأسفل السراة يدفع فى البحر (معجم البلدان 5/ 28).

(5) لية: لا يزال هذا الوادى يعرف بهذا الاسم إلى الآن، و هو واد كبير من أودية الطائف له روافد كثيرة، و هو إلى جنوب الطائف بحوالى (15) كم، و يشتهر منذ القدم بجودة رمانه و خيراته، و من الآثار التاريخية فى هذا الوادي: حصن مالك بن عوف قائد هوازن يوم حنين (انظر: معجم معالم الحجاز 7/ 272- 273).

19

«الهدة»- هدة بنى جابر- و هى على مرحلة من «مرّ الظهران»، و مر الظهران على مرحلة من مكّة، و هو و الهدة معدودان من أعمالها.

و ولاة مكّة الآن يأخذون ما يغرق فى البحر فيما بين جدة و رابغ، و يرون أن ذلك يدخل فى عملهم.

و «جدة» من أعمال مكّة فى تاريخه و فيما قبله، و هى على مرحلتين من مكّة.

و ليس كل ما ذكره ابن خرداذبة و الفاكهى فى مخاليف مكّة داخلا فى الحجاز، الذى هو: مكّة، و المدينة، و اليمامة، و مخاليفها.

و قد عرّف الحجاز بذلك الإمام الشافعى رضى اللّه عنه و غيره.

و قيل فى الحجاز غير ذلك.

و سمى حجازا: لحجزه بين تهامة و نجد.

و قيل فيه غير ذلك، و اللّه أعلم.

ذكر حكم بيع دور مكّة و إجارتها

اختلف فى ذلك قول مالك، فروى عنه: أنه كره بيعها و كراء دورها، فإن بيعت أو أكريت: لم يفسخ.

و روى عنه منع ذلك.

و ليس سبب الخلاف عند المالكية: هل فتحت عنوة، أو صلحا؟ لأنهم لم يختلفوا فى أنها فتحت عنوة، و إنما سبب الخلاف عندهم فى ذلك: الخلاف فى مكّة: هل منّ النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) بها على أهلها، فلم تقسم، و لا سبى أهلها، لما عظم اللّه من حرمتها، أو أقرت للمسلمين؟ أشار إلى ذلك ابن رشد (1).

و على الأول: ينبنى جواز بيع دورها و إجارتها.

و ينبنى منع ذلك على القول بأنها أقرت للمسلمين.

و فى هذا القول نظر، فقد بيعت دور مكّة فى عهد النبى (صلّى اللّه عليه و سلم)، و عمر،

____________

(1) البيان و التحصيل 3/ 405، 406، و هداية السالك لابن جماعة 2/ 958.

20

و عثمان- رضى اللّه عنهما- و بأمرهما اشتريت دور لتوسعة المسجد الحرام، و كذلك فعل ابن الزبير- رضى اللّه عنهما- (1).

و فعل ذلك غير واحد من الصحابة، و هم أعرف الناس بما يصلح فى مكّة.

و هذا مذكور فى تاريخ الأزرقى، ما عدا بيعها فى زمن النبى (صلّى اللّه عليه و سلم)(2)؛ فإن ذلك مذكور فى كتاب الفاكهى عن عبد الرحمن بن مهدى‏ (3).

و لا يعارض هذا حديث علقمة بن نضلة الكنانى- و قيل الكندى-: كانت الدور و المساكن على عهد النبى (صلّى اللّه عليه و سلم)، و أبى بكر، و عمر، و عثمان- رضى اللّه عنهم- لا تكرى و لا تباع، و لا تدعى إلا السوائب، و من احتاج سكن، و من استغنى أسكن. و هذا لفظ الأزرقى، و فى ابن ماجه معناه‏ (4).

لأن حاصل حديث علقمة: شهادة على النفى، و فى مثل هذا يقدم المثبت، و اللّه أعلم.

و اختلف الحنفية فى جواز بيع دور مكّة، و اختيار الصاحبين- أبو يوسف، و محمد بن الحسن- جواز ذلك، و على قولهما الفتوى، فيما ذكر الصدر الشهيد، و مقتضى قولهما بجواز البيع: جواز الكراء، و اللّه أعلم.

و اختلف رأى الإمام أحمد فى ذلك، فعنه روايتان فى جواز بيع دور مكّة و إجارتها، و رجح كلا منهما مرجح من أتباعه المتأخرين‏ (5).

و لم يختلف مذهب الشافعى فى جواز بيع دور مكّة و كرائها؛ لأنها عنده فتحت صلحا.

و قال بعضهم عنه: فتحت بأمان، و هو فى معنى الصلح.

____________

(1) أخبار مكة للفاكهى 3/ 256، و الروض الأنف 3/ 102.

(2) أخبار مكة للأزرقى 2/ 164.

(3) أخبار مكة للفاكهى 3/ 256.

(4) أخبار مكة للأزرقى 2/ 163، و سنن ابن ماجه (3107)، و سنن الدار قطنى (228) و فيهما زيادة هى: «من احتاج سكن، و من استغنى أسكن».

(5) هداية السالك 2/ 958- 959.

21

و قال الماوردى- من أئمة الشافعية-: عندى أن أسفلها دخله خالد بن الوليد رضى اللّه عنه عنوة، و أعلاها فتح صلحا.

قال النووى: و الصحيح الأول، يعنى أنها فتحت صلحا كلها.

و من أصرح الأخبار الدالة على أن فتح مكّة عنوة: قوله (صلّى اللّه عليه و سلم) فى خطبته بمكّة يوم فتحها: «يا معشر قريش، ما ترون أنى فاعل بكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم، و ابن أخ كريم، قال (صلّى اللّه عليه و سلم): اذهبوا فأنتم الطلقاء» (1) و هذه الخطبة فى سيرة ابن إسحاق تهذيب ابن هشام‏ (2).

قال ابن الأثير فى «النهاية» فى حديث حنين: «خرج إليها و معه الطلقاء الذين خلّا عنهم يوم فتح مكّة، أطلقهم و لم يسترقهم» إلى آخر كلامه.

و إذا كان هذا معنى الطلقاء، فخطاب النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) لقريش- هذا الخطاب- يقتضى أنهم كانوا حين خوطبوا بذلك فى الأسر المقتضى للاسترقاق، لو لا أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) تفضل عليهم بالإطلاق، و لو لا ذلك لم يكن لاستعلامه قريشا عما يتوقعونه منه محل، كما لا محل لخطاب قريش بذلك بعد تأمينهم.

و يبعد الانفصال عن هذا الدليل بجواب شاف، إلا أن يقال: إنه مرسل.

و فى أصل هذا الكتاب- فيما يتعلق بفتح مكة- فوائد أخرى، مع بيان النظر فيما أجاب به النووى- (رحمه اللّه)- عن الأحاديث المقتضية لفتح مكّة عنوة.

و فيما ذكره حجة للإمام الشافعى فى فتح مكّة صلحا.

و فى أن دورها مملوكة لأهلها، و اللّه أعلم بالصواب.

و هذا من النووى: تأييد لقول الشافعى: إن مكّة فتحت صلحا.

و فى شرح مسلم للقاضى عياض، و المازرى ما يقتضى أنه انفرد بذلك، و لم ينفرد به؛ لموافقة مجاهد و غيره له على ذلك، على ما وجدت بخط سليمان بن خليل إمام المقام الشريف بمكّة، فى حاشية فى المهذب، نقلها عن «الشامل»، و لم يقل فيها «لابن الصباغ» و هو له- فى غالب الظن-، و اللّه أعلم.

***

____________

(1) السيرة لابن هشام 2/ 412.

(2) السيرة لابن هشام 2/ 412.

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

الباب الثاني فى أسماء مكّة

[أسماء مكّة المشرفة المأخوذة من القرآن العظيم:]

لمكّة المشرفة: أسماء كثيرة، بعضها مأخوذ من القرآن العظيم؛ و ذلك ثمانية:

«مكّة» بالميم، و «بكة» بالباء، و «أم القرى»، و «القرية»، و «البلد»، و «البلد الأمين»، و «البلدة»، و «معاد». و مواضعها فى القرآن العظيم ظاهرة.

[أسماء أخر لمكّة المشرفة:]

و قد جمع شيخنا القاضى مجد الدين الشيرازى- قاضى اليمن- فى أسماء مكّة أكثر مما جمعه غيره، و ذكرنا ذلك فى أصله.

و قد أغرب فى كثير مما ذكر، وفاته مع ذلك أسماء أخر،

منها: «برة»

ذكره سليمان بن خليل.

و منها: «بساق»

ذكره ابن رشيق فى «العمدة فى الأدب».

و منها: «البيت العتيق»

ذكره الأزرقى.

و منها: «الرأس»

ذكره السهيلى و غيره.

و منها: «القادسية»

ذكره ابن جماعة فى «منسكه» (1)، و لم يعزه.

و منها: «المسجد الحرام».

و منها: «المعطشة»

ذكرهما ابن خليل.

و منها: «المكّتان»

ذكره القيراطى فى ديوانه، و ذكر السهيلى ما يشهد له فى غير موضع.

و منها: «النابية» بالنون و الباء

، ذكره الشيخ عماد الدين بن كثير فى تفسيره‏

و منها: «أم روح»

ذكره ابن الأثير فى كتابه «المرصع».

و منها: «أم الرحمن».

____________

(1) هداية السالك 2/ 737، و مثير الغرام الساكن (ص: 230)، و سبل الهدى و الرشاد 1/ 225، و أخبار مكة للأزرقى 1/ 279.

24

و منها: «أم كوثى»

ذكرهما عبد اللّه بن عبد الملك المرجانى فى تاريخه للمدينة النبوية، و عزا الأول لابن العربى، و قال فيه، بعد ذكره لأسماء مكّة:

و من الخواص، قيل إذا كتب بالدم على الجبين: «مكّة وسط الدنيا، و اللّه رءوف بالعباد» انقطع الدم .. انتهى.

[أسماء مكة المشرفة المختلف في معناها:]

و قد اختلف فى «مكّة» و «بكة» هل هما بمعنيين، أو بمعنى واحد؟ و اختلف القائلون بالأول.

فقيل: بكة: بالباء: موضع البيت، و بالميم: القرية.

و قيل: بالباء: موضع البيت، و بالميم: الحرم كله‏ (1).

و قيل غير ذلك، و اللّه أعلم.

***

____________

(1) القرى (ص: 650، 651)، و الأحكام السلطانية (ص: 157)، و أخبار مكة للفاكهى 2/ 280- 282، و أخبار مكة للأزرقى 1/ 279، و المناسك للحربى (ص: 472)، و تهذيب الأسماء و اللغات 3/ 156- 157، و الروض الأنف 2/ 22- 26، و سبل الهدى و الرشاد 1/ 522- 226.

25

الباب الثالث فى ذكر حرم مكة، و سبب تحريمه، و تحديده، و علاماته، و حدوده و ما يتعلق بذلك من ضبط ألفاظ فى حدوده، و معانى بعض أسمائها

حرم مكّة:

ما أحاط بها، و أطاف بها من جوانبها، جعل اللّه- تعالى- حكمه حكمها فى الحرمة، تشريفا لها، أشار إلى ذلك الماوردى، و ابن خليل، و النووى‏ (1).

و سبب تحريمه- على ما قيل-: أن آدم- (عليه السلام)- خاف على نفسه حين أهبط إلى الأرض، فبعث اللّه- تعالى- ملائكة لحراسته. فوقفت فى مواضع أنصاب الحرم من كل جانب، فصار ما بين آدم و موقف الملائكة حرما، و قيل غير ذلك فى سبب تحريمه‏ (2).

[علامات حرم مكة المشرفة:]

و للحرم علامات بينة، و هى أنصاب مبنية من جميع جوانبه، إلا من جهة الجعرانة، و جدة، فلا بناء فيهما.

و الخليل- (عليه السلام)- أول من نصبها، بدلالة جبريل (عليه السلام)، ثم قصىّ بن كلاب، ثم نصبتها قريش، بعد أن نزعتها قبل هجرة النبى (صلّى اللّه عليه و سلم)، و أمر عليه الصلاة و السلام بنصبها عام الفتح، ثم عمر، ثم عثمان، ثم معاوية- رضى اللّه عنهم-، ثم عبد الملك بن مروان‏ (3).

هذا ما ذكره الأزرقى فيمن نصبها (4).

و قيل: إن إسماعيل نصبها (5).

____________

(1) الأحكام السلطانية (ص: 157)، و تهذيب الأسماء ق 2/ 156.

(2) أخبار مكة للفاكهى 2/ 274، و هذا الخبر مروى فى: مسند أحمد 1/ 262، 291، و الدارمى 2/ 42، و ابن ماجة فى سننه 2/ 982، و ابن خزيمة فى صحيحه 4/ 220، و ابن حبان فى موارد الظمآن (ص: 248).

(3) أخبار مكة للفاكهى 2/ 273، و أخبار مكة للأزرقى 2/ 29، و الاستيعاب لابن عبد البر 1/ 80 و ابن حجر فى الإصابة 1/ 44- 45، و القرى (ص: 652).

(4) أخبار مكة للأزرقى 2/ 29.

(5) أخبار مكة للفاكهى 5/ 225.

26

و قيل: إن عدنان بن أدد أول من نصبها. و نصبها المهدى العباسى.

و فى خلافة الراضى العباسى: عمّر العلمان الكبيران اللذان فى جهة التّنعيم- بالأرض لا الجبل- و ذلك فى سنة خمس و عشرين و ثلاثمائة (1).

و فى سنة ست عشرة و ستمائة: عمر العلمان اللذان هما حدّ الحرم من جهة عرفة، من قبل المظفر صاحب إربل.

و عمرا فى سنة ثلاث و ثمانين و ستمائة من قبل المظفر صاحب اليمن‏ (2).

[حدود حرم مكة المشرفة:]

و جميع حدود الحرم مختلف فيها؛ لأن فى حدة من جهة الطائف على طريق عرفة من بطن «نمرة» (3) أربعة أقوال:

نحو ثمانية عشر ميلا، على ما ذكر أبو الوليد الباجى المالكى.

و أحد عشر ميلا على ما ذكره الأزرقى‏ (4)، و الفاكهى‏ (5)، و ابن خرداذبة الخراسانى فى كتابه «المسالك و الممالك» (6).

و تسعة أميال- بتقديم التاء- ذكره ابن أبى زيد المالكى فى «النوادر».

و سبعة- بتقديم السين- ذكره الماوردى و الشيخ أبو إسحاق الشيرازى و النووى‏ (7).

و فيما قالوا نظر قوى، يقتضى بعد استقامة قولهم، كما سيأتى بيانه.

و ذكر النووى: أن الأزرقى تفرد بما قاله فى ذلك.

____________

(1) إتحاف الورى 2/ 38.

(2) إتحاف الورى 3/ 117.

(3) نمرة: بفتح أوله، و كسر ثانيه: ناحية بعرفة نزل بها النبى (صلّى اللّه عليه و سلم)، و قيل: الحرم من طريق الطائف على طريق عرفة من نمرة على أحد عشر ميلا، و قيل غير ذلك (معجم البلدان 5/ 304، 305).

(4) أخبار مكة للأزرقى 2/ 131.

(5) أخبار مكة للفاكهى 2/ 87.

(6) المسالك و الممالك (ص: 132).

(7) الأحكام السلطانية (ص: 164، 165)، و تهذيب الأسماء و اللغات ج 2 ق 2/ 82.

27

و لم يتفرد به، لموافقة الفاكهى، و ابن خرداذبة له عليه، و لا أعلم له فى ذلك مخالفا قبل من ذكرنا، و اللّه أعلم.

و فى حدة من جهة العراق أربعة أقوال: سبعة أميال- بتقديم السين-، و ثمانية، و عشرة، و ستة (1).

و فى حدة من جهة الجعرانة قولان: تسعة- بتقديم التاء-، و بريد (2).

و فى حدة من جهة التنعيم أربعة أقوال: ثلاثة، و نحو أربعة، و أربعة، و خمسة (3).

و فى حدة من جهة جدة قولان: عشرة، و نحو ثمانية عشر، على ما ذكره الباجى‏ (4).

و فى حدة من جهة اليمن قولان: سبعة- بتقديم السين-، و ستة، على ما وجدت بخط المحب الطبرى فى كتابه «القرى» رأيته فى غير نسخة منه‏ (5).

و وقع لبعض الحنفية فى حدود الحرام ما يستغرب جدا، و ذلك مذكور فى أصله.

و قد اعتبرت مقدار الحرم من جهته المعروفة بحبل مقدر على ذراع اليد، و هو المعتبر فى مسافة القصر، على ما ذكره المحب الطبرى، فنذكر ذلك، و هو: أن من جدر باب المسجد الحرام- المعروف بباب بنى شيبة- إلى العلمين اللذين هما علامة حد الحرم فى جهة عرفة: سبعة- بتقديم السين- و ثلاثين ألف ذراع و مائتى ذراع و عشرة أذرع و سبعى ذراع باليد. و من عتبة باب المعلّاة إلى العلمين- المشار إليهما-: خمسة و ثلاثون ألف ذراع و ثلاثة و ثمانون ذراعا و ثلاثة أسباع ذراع بذراع اليد.

____________

(1) المسالك و الممالك (ص: 132)، و أخبار مكة للأزرقى 2/ 131.

(2) أخبار مكة للأزرقى 2/ 131.

(3) أخبار مكة للأزرقى 2/ 130، 131، و المسالك و الممالك (ص: 132)، و الأحكام السلطانية (ص: 164).

(4) أخبار مكة للأزرقى 2/ 131، و الأحكام السلطانية (ص: 165).

(5) القرى (ص: 651)، و أخبار مكة للأزرقى 2/ 131.

28

و أما حد الحرم من جهة العراق: فإن من جدر باب بنى شيبة إلى العلمين اللذين بجادة طريق وادى نخلة: سبعة و عشرون ألف ذراع و مائة ذراع و اثنين و خمسين ذراعا باليد.

و من عتبة باب المعلّاة إلى العلمين المشار إليهما: خمسة و عشرون ألف ذراع و خمسة و عشرون ذراعا باليد.

و أما حد الحرم من جهة التنعيم: فإن من جدر باب المسجد الحرام- المعروف بباب العمرة- إلى أعلام الحرم فى هذه الجهة التى بالأرض، لا التى بالجبل:

اثنا عشر ألف ذراع و أربعمائة و عشرين ذراعا باليد.

و من عتبة باب الشبيكة إلى الاعلام المشار إليها: عشرة آلاف ذراع و ثمانمائة ذراع و اثنى عشر ذراعا.

و أما حد الحرم من جهة اليمن: فإن من جدر باب المسجد الحرام- المعروف بباب إبراهيم- إلى علامة حد الحرم فى جهة الثمن: أربعة و عشرين ألف ذراع و خمسمائة ذراع و تسعة أذرع- بتقديم التاء- و أربعة أسباع ذراع.

و من عتبة باب الماجن إلى حد الحرم فى هذه الجهة: اثنان و عشرون ألف ذراع و ثمانمائة ذراع و ستة و سبعون ذراعا- بتقديم السين- و أربعة أسباع ذراع.

و قال ابن خرداذبة: طول الحرم حول مكّة- كما يدور-: سبعة و ثلاثثون ميلا، و هى التى تدور بأنصاب الحرم .. انتهى.

و هى فائدة حسنة، إن صحت، و الله أعلم.

و «نفار» المذكورة فى جهة التنعيم: بنون وفاء و ألف وراء مهملة.

و وقع فى حد الحرم من جهة العراق: «خل» بخاء معجمة.

و قال النووى: فيه «جل» بجيم، و لعله تصحيف.

و وقع فى حد الحرم «لبن» و هى بكسر اللام و إسكان الباء الموحدة، و ضبطها ابن خليل بفتح اللام و الباء.

***

29

الباب الرابع فى ذكر شى‏ء من الأحاديث و الآثار الدالة على حرمة مكّة و حرمها و شى‏ء من الأحكام المختصة بذلك، و ذكر شى‏ء مما ورد فى تعظيم الناس لمكّة و حرمها، و فى تعظيم الذنب فى ذلك، و فى فضل الحرم‏

روينا عن مجاهد قال: «إن هذا الحرم حرّم حذاؤه من السموات و الأرضين السبع» أخرجه الأزرقى‏ (1).

و روينا من حديث ابن عباس، و أبى هريرة، و أبى شريح الخزاعى- رضى اللّه عنهم- عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) أحاديث تقتضى أن اللّه- عز و جل- حرم مكة يوم خلق السموات و الأرض، و أنه لا يحل اختلاء خلاها، و لا يعضد شجرها، و لا ينفّر صيدها، و لا تلتقط لقطتها إلا لمعرف‏ (2).

و هذه الأمور مما اختصت بها مكّة، إلا أن الصحيح من مذهب مالك: أن لقطة مكّة كغيرها، و إليه ذهب أبو حنيفة، و أحمد.

و من تنفير صيد مكة أن يصاح فينفر، قاله المحب الطبرى.

و نقل عن عكرمة أنه قال لرجل: أتدرى ما تنفير صيدها؟ هو أن تنحيه من الظل، و تنزل مكانه .. انتهى.

و إذا امتنع تنفير صيدها فيمتنع اصطياده من باب أولى.

و المدينة النبوية تشارك مكة فى تحريم صيدها، و لكن لا جزاء فى صيد المدينة على مشهور المذهب‏ (3).

و أما مكة فلا خلاف فى وجوب الجزاء فى صيدها، فتمتاز بذلك، و بما سبق‏ (4)، و بأن صلاة العيد تقام بمكة فى المسجد الحرام، و فى غيرها تقام فى‏

____________

(1) أخبار مكة للأزرقى 2/ 124، 125.

(2) أخرجه البخارى (1587)، و مسلم (الحح: 445)، و البيهقى فى الشعب (4007)، و أبو يعلى (6928)، و أبو داود (2018)، و النسائى (2874)، و الترمذى (1590).

(3) هداية السالك 3/ 1403.

(4) القرى (ص: 219، 220).

30

الصحراء، و بأن الإنسان يؤاخذ بهمّه بالسيئة فيها، و أن كان نائيا عنها، كما هو مقتضى حديث ابن مسعود فى مسند ابن حنبل و غيره.

و تمتاز عند الشافعى و طائفة من العلماء بتضاعف الصلاة فيها على غيرها (1)، و بعدم كراهية صلاة النافلة فيها فى وقت الكراهة و غير ذلك.

و مما تمتاز به: تضاعف السيئة بها عند مجاهد و ابن حنبل، و الصحيح خلافه‏ (2).

و لمكّة أحكام أخر تخصها، و أحكام أخر تشاركها فيها المدينة، و قد استوفينا ذلك كله فى أصله.

و حرم مكّة فيما ذكر مساو لها، و يستثنى من نباته: الإذخر و السنا، و الإذخر فى الحديث، و السنا مقيس عليه؛ للحاجة إليه فى الدواء، نص عليه فى «المدونة» و «الموازية».

و يستثنى من عضد شجر الحرم: العصا و العصاتين، فإن مالكا أرخص فى ذلك.

[تعظيم الناس لمكّة و حرمها:]

و أما تعظيم الناس لمكّة و حرمها: ففى الأزرقى من ذلك أخبار.

منها: أن الرجل كان يلقى قاتل أبيه و أخيه فى الكعبة، أو فى الحرم، فى الشهر الحرام، فلا يعرض له.

و منها: أن احتكار الطعام بها للبيع إلحاد، و هذا يروى عن عمر و ابنه.

و منها: ما يروى عن عمر رضى الله عنه: لأن أخطى‏ء سبعين خطيئة بركبة أحبّ إلىّ من أن أخطى‏ء خطيئة واحدة بمكة (3).

____________

(1) صحيح مسلم 3/ 476، و أحمد فى مسنده 2/ 29، 155، و أبو يعلى (5760)، و ابن ماجه (1405)، و القرى (ص: 656)، و هداية المسالك 3/ 1387.

(2) القرى (ص: 658).

(3) أخرجه: عبد الرازق فى مصنفه 5/ 28، و أخبار مكة للفاكهى 2/ 2256. و ركبة: أرض تبعد عن مكة ب (160) كم. (انظر: معجم البلدان 3/ 63، و معجم معالم الحجاز 4/ 68).

31

و منها: أن الشيخ أبا عمرو الزجاجى- أحد كبار مشايخ الصوفية- أقام بمكّة أربعين سنة لم يبل و لم يتغوط فى الحرم.

و جاء فى النجاة من الذنب بالالتجاء إلى الحرم حديث لجابر فى نجاة أبى رغال والد ثقيف، مما أصاب قوم ثمود لعقرهم الناقة، فلما خرج من الحرم أصيب، و هذا الحديث فى مسلم و غيره.

***

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

الباب الخامس فى الأحاديث الدالة على أن مكّة المشرفة أفضل من غيرها من البلاد، و أن الصلاة فيها أفضل من غيرها، و غير ذلك من فضلها

أما الأخبار الواردة فى تفضيل مكّة: فإن منها ما روينا عن عبد اللّه بن عدى بن الحمراء رضى الله عنه: أنه سمع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم)- و هو على راحلته بالحزورة بمكّة- يقول لمكّة: «و الله إنك لخير أرض اللّه، و أحب أرض اللّه إلىّ، و لو لا أنى أخرجت منك ما خرجت» أخرجه الترمذى‏ (1)، و حسنه.

و أخرجه ابن حبان فى صحيحه‏ (2).

و روينا نحوه من حديث أبى هريرة: ففى سنن النسائى‏ (3)، و أنكر صحته الحافظ أبو الفضل ابن حجر- صاحبنا- و برهن على ذلك، و ذكرنا برهانه فى الأصل.

و حديث ابن عباس- رضى الله عنهما-: فى الترمذى، و قال: حسن صحيح غريب.

و حديث عبد الله بن عمرو- رضى اللّه عنهما-: فى كتاب الفاكهى بإسناد فيه من لم أعرفه.

و «الحزورة» (4) مخففة على وزن قسورة.

و أما الأحاديث الواردة فى تفضيل الصلاة فى المسجد الحرام على غيره من المساجد فعدة أحاديث، و من أصحها حديثان: حديث جابر بن عبد اللّه الأنصارى‏ (5)، و حديث عبد اللّه بن الزّبير رضى اللّه عنهم.

____________

(1) أخرجه: الترمذي (3925)، و أحمد فى مسنده 4/ 305، و ابن ماجه (3108)، و ابن حبان (3708)، و الحاكم فى المستدرك 3/ 431، و الأزرقى فى أخبار مكة 2/ 154، و عبد الرازق فى مصنفه (8868).

(2) صحيح ابن حبان (3708).

(3) لم نجده فى سنن النسائى و لا عزاه له فى جامع الأصول 9/ 2292.

(4) الحزورة: سوق مكّة آنذاك. ذكر فى نور النبراس: و قد دخلت الحزورة فى المسجد لما زيد فيه، و الحزورة: هى الرابية الصغيرة.

(5) أحمد 3/ 397، و ابن ماجه (1406).

34

و حديث جابر فى ابن ماجه بإسناد صحيح، و فى مسند أحمد.

و حديث ابن الزّبير فى مسند الطيالسي، و فيه: «أن الصلاة فى المسجد الحرام تفضل على الصلاة فى غيره بمائة ألف» (1) و فى بعض طرقه «تفضل بمائة صلاة» و فى بعضها «بألف صلاة».

و حديث جابر كحديث ابن الزّبير الذى فى الطيالسى.

و حديث ابن الزّبير فى صحيح ابن حبان، و صححه ابن عبد البر، و قال: إنه الحجة عند التنازع‏ (2).

و قد حسب النقاش المفسر فضل الصلاة فى المسجد الحرام: على مقتضى تفضيل الصلاة فيه على غيره بمائة ألف، فبلغت عمر خمس و خمسين سنة و ستة أشهر و عشرين ليلة، و صلاة يوم و ليلة- و هى خمس صلوات فى المسجد الحرام- عمر مائتى سنة و سبع و سبعين سنة و تسعة أشهر و عشر ليال .. انتهى.

و هذا الفضل يعم الفرض و النفل بمكّة، كما هو مذهب الشافعى، و يختص بالفرض على مشهور المذهب.

و لا يسقط هذا التضاعف شيئا من الفوائت، كما يتخيله كثير من الجّهال، نبه على ذلك النووى.

و للعلماء خلاف فى المسجد الحرام: هل المراد به مسجد الجماعة الذى يحرم على الجنب الإقامة فيه، أو المراد به الحرم كله، أو الكعبة؟

ذكر هذه الأقوال المحب الطبرى‏ (3).

و جاء فى حديث فى تفضيل الصوم بمكّة على غيرها من البلاد، رويناه فى سنن ابن ماجه و غيرها بإسناد غير ثابت من حديث ابن عباس- رضى الله عنهما.

____________

(1) أخرجه: مسلم 4/ 125، و النسائى 5/ 213، و ابن ماجه (1405).

(2) هداية السالك 1/ 46، و موارد الظمآن (ص: 254)، و أحمد 4/ 5، و رواه ابن خزيمة أيضا، و البزار بنحوه، و إسناده صحيح أيضا (الترغيب 2/ 214).

(3) القرى (ص: 657).

35

و رويناه من حديثه عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلم): «من حج من مكّة ماشيا حتى يرجع إليها؛ كتب اللّه له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم». فقال بعضهم لابن عباس: و ما حسنات الحرم؟ قال: كل حسنة بمائة ألف حسنة. أخرجه الحاكم، و صحح إسناده‏ (1).

و روى عن الحسن البصرى أنه قال: صوم يوم بمكّة بمائة ألف يوم، و صدقة درهم بمائة ألف، و كل حسنة بمائة ألف‏ (2) .. انتهى.

و قال المحب الطبرى: إن فيما تقدم من أحاديث مضاعفة الصلاة و الصوم بمكّة دليلا على اطراد التضعيف فى جميع الحسنات، إلحاقا بهما، قال: و يؤيد ذلك قول الحسن‏ (3) .. انتهى.

***

____________

(1) أخرجه البيهقى فى الشعب (3981)، و فى السنن 3/ 331، و الحاكم فى المستدرك (1692) و قال: صحيح الإسناد و لم يخرجاه. و قال الذهبى: ليس بصحيح، و أخشى أن يكون كذبا.

(2) فضائل مكة للحسن البصرى (ص: 21)، و مثير الغرام الساكن (ص: 235).

(3) القرى (ص: 658).

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

الباب السادس فى المجاورة بمكة، و الموت فيها، و شى‏ء من فضل أهلها، و فضل جدة ساحل مكة، و شى‏ء من خبرها، و فضل الطائف و شى‏ء من خبره‏

[المجاورة لمكّة:]

اختلف العلماء فى استحباب المجاورة بمكّة.

فذهب إلى استحبابها: الشافعى، و أحمد، و أبو يوسف، و محمد بن الحسن- صاحبا أبى حنيفة- و ابن القاسم صاحب مالك، فيما نقله عنه ابن الحاج.

و ذهب أبو حنيفة إلى عدم استحبابها (1).

و فهم ذلك ابن رشد من كلام وقع لمالك؛ و ذلك لخوف الملل، و قلة الاحترام لمداومة الأنس بالمكان، و خوف ارتكاب ذنب هنالك.

و ذكر النووى فى «الإيضاح»: أن المختار استحباب المجاورة بمكة .. انتهى.

و أما الموت بمكّة:

فروى من حديث ابن عمر- رضى اللّه عنهما- قال:

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): من مات بمكّة فكأنما مات بسماء الدنيا» (2). و إسناده ضعيف.

و روى عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلم)- مرسلا- أنه قال: «من مات بمكّة بعثه اللّه فى الآمنين يوم القيامة» (3).

أما فضل أهل مكّة:

فروينا من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: بعث رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) عتّاب بن أسيد على مكّة، فقال له: «هل تدرى إلى من أبعثك؟ أبعثك إلى أهل اللّه». أخرجه الزّبير بن بكّار فى كتاب «النسب» و الفاكهى. و رواه الأزرقى مرسلا، و زاد فيه: «فاستوص بهم خيرا» يقولها ثلاثا (4).

____________

(1) القرى (ص: 660، 661)، و هداية السالك 1/ 26.

(2) أخرجه: ابن عدى فى الكامل 5/ 1992.

(3) أخرجه: الهيثمى فى مجمع الزوائد 2/ 319، و عزاه للطبرانى فى الصغير و الأوسط، و فيه عبد الله بن المؤمل، وثقه ابن حبان و غيره، و ضعفه أحمد و غيره.

(4) أخرجه: البيهقى فى السنن 5/ 339- 400 من طريق: العباس بن الوليد بن مزيد، عن أبيه، عن الأوزاعى، عن عمرو بن شعيب، و الأزرقى 2/ 152- 153، و الفاكهى 3/ 64.

38

و وجدت بخط بعض أصحابنا- فيما نقله من خط الشيخ أبى العباس الميورقى- و زاد: «إن سفهاء مكة حشو الجنة».

و اتفق بين عالمين فى الحرم منازعة فى تأويل الحديث و سنده، فأصبح الذى طعن فى الحديث و معناه: قد طعن أنفه و اعوج، و قيل له: إى و اللّه، سفهاء مكّة من أهل الجنة، سفهاء مكة من أهل الجنة، فأدركه روع، و خرج إلى الذى يكابره فى الحديث من علماء عصره، و أقر على نفسه بالكلام فيما لا يعنيه، و فيما لم يحط به خبرا (1) .. انتهى.

و أما فضل جدة:

فيروى عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «مكّة رباط، و جدة جهاد» (2)، إسناده ضعيف.

و عن عباد بن كثير: أنه قال: إن الصلاة فيها بسبعة عشر ألف ألف صلاة، و الدرهم فيها بمائة ألف درهم، و أعمالها بقدر ذلك، يغفر للناظر فيها مد بصره مما يلى البحر (3). ذكرها الفاكهى بسنده.

و ذكر ابن عباس- رضى اللّه عنهما- أن فيها قبر حواء.

و نقل ابن جبير: أن بجدة موضعا يقال: إنه الموضع الذى نزلت فيه حواء.

و أما فضل الطائف:

فروينا عن الزّبير بن العوام رضى الله عنه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «إن صيد وجّ و عضاهه حرم محرم».

____________

(1) لم يذكر له سندا حتى ينظر فى رجاله، و نقله لهذه الحكاية التى جرت بين العالمين لا تدل على صحة الحديث، بل الظاهر خلاف ذلك؛ لأن المعصية تعظم بعظم الزمان و المكان، و لذلك رغب كثير من الأئمة عن الإقامة فى مكة، خوف اقتراف الذنوب فيها، فلو كانوا يعلمون أن سفهاء مكة حشو الجنة ما كرهوا الإقامة فيها، مع أنهم أقرب للتقوى من المتأخرين، و الله أعلم‏

(2) أخرجه الفاكهى فى أخبار مكة 3/ 52، و قال عنه محققه: إن إسناده ضعيف لأن فيه:

سليم بن مسلم، هو: الطائفى، سيى‏ء الحفظ، و المثنى بن الصباح: ضعيف (التقريب 3/ 228).

(3) أخبار مكة للفاكهى 3/ 53،

39

أخرجه أحمد و أبو داود (1). و إسناده ضعيف على ما قال النووى.

و نقل عن الحازمى أن «وجّا» اسم لحصون الطائف. و قيل: لواحد منها ..

انتهى.

و مذهب الشافعى (رحمه اللّه تعالى): تحريم صيد «وج»، و نفى الضمان فيه، و لا أعلم فى تحريمه نصّا فى المذهب، و اللّه تعالى أعلم.

***

____________

(1) أخرجه: أحمد 1/ 165، و أبو داود 2/ 290، و الفاكهى فى أخبار مكة 5/ 99، و الحديث إسناده حسن، و وج: واد من أودية الطائف يسمى أعلاه المخاضة، و وسطه المثناة، و أسفله العرج (معجم معالم الحجاز 9/ 121).

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

الباب السابع فى أخبار عمارة الكعبة المعظمة

بنيت الكعبة المعظمة مرات، و فى عدد بنائها خلاف، و يتحصل من مجموع ما قيل فى ذلك أنها بنيت عشر مرات.

منها: بناء الملائكة.

و منها: بناء آدم.

و منها: بناء أولاده.

و منها: بناء الخليل. على جميعهم السلام‏ (1).

و منها: بناء العمالقة.

و منها: بناء جرهم.

و منها: بناء قصىّ بن كلاب.

و منها: بناء قريش.

و منها: بناء عبد اللّه بن الزّبير رضى اللّه عنهما.

و منها: بناء الحجاج بن يوسف الثقفى. و فى إطلاق العبارة بأنه بنى الكعبة تجوز؛ لأنه ما بنى إلا بعضها، و لو لا أن السهيلى و النووى ذكرا ذلك لما ذكرته‏ (2).

و جميع ما ذكرناه من بناء الكعبة ذكره الأزرقى، إلا بناء قصىّ، فإنه لم يذكره.

و ذكره الزّبير بن بكّار فى موضعين من كتابه، و الفاكهى، و ابن عابد و غيرهم.

____________

(1) حقق الحافظ ابن كثير و غيره أن أول من أقام قواعد البيت هو إبراهيم و ابنه إسماعيل.

(2) انظر عن ذلك كله: الروض الأنف 2211 و ما بعدها، تهذيب الأسماء و اللغات ق 2/ 124، و أخبار مكة للأزرقى 1/ 32- 37، و أخبار مكة للفاكهى 5/ 138، 227- 229.

42

و هو أول من سقّفها. و قريش أول من رفع بابها ليدخلوا من شاءوا، و يمنعوا من شاءوا.

و ابن الزّبير- رضى اللّه عنهما- أول من جعل لها بابين. و بناؤه لها ثابت‏ (1). و كذلك بناء قريش و الخليل.

و ما عدا ذلك غير ثابت؛ لضعف سند الأخبار الواردة به.

و كلام السهيلى يقتضى: أن شيث بن آدم أول من بناها (2).

و فى الأزرقى: ما يدل لتقدم بناء أدم على بناء الملائكة (3).

و سبب بناء ابن الزّبير: أنها أصابها حريق من جهة فى المسجد أيام حصره الحصين بن نمير السكونى لمعاندته الخليفة يزيد بن معاوية، و ما أصابها من حجر المنجنيق الذى كان يرمى به الحصين ابن الزّبير فى حال حصره، فإنه كان يصيب الكعبة، و ذلك فى أوائل سنة أربع و ستين من الهجرة (4)، فلما أدبر الحصين بن نمير من مكة راجعا الى الشام- فى ربيع الآخر من هذه السنة، بعد أن بلغه موت يزيد- استشار ابن الزّبير الناس فى هدم الكعبة و بنائها. فأشار بذلك قوم، و كرهه آخرون؛ منهم: ابن عباس رضى الله عنهما.

فلما اجتمع له ما يحتاج إليه من آلات العمارة: هدمها و بناها على أساس إبراهيم (عليه السلام)؛ لأنه أدخل فيها ما كانت قريش أخرجته منها من الحجر، بعد أن كشف على أساس إبراهيم حتى ظهر له، و أوقف عليه الناس، و جعل لها بابين متقابلين لاصقين بالأرض، أحدهما: شرقى، و الآخر: غربى. و اعتمد فى ذلك و فى إدخاله فيها ما أخرجته منها قريش: على حديث يقتضى ذلك، أخبرته به خالته أم المؤمنين عائشة- رضى اللّه عنها- عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلم)(5). وزاد

____________

(1) أخبار مكة للفاكهى 5/ 229.

(2) الروض الأنف 1/ 221.

(3) أخبار مكة للأزرقى 1/ 64.

(4) إتحاف الورى 2/ 62.

(5) الحديث هو: «يا عائشة، لو لا أن قومك حديث عهد بشرك لهدمت الكعبة، فألزقتها بالأرض و جعلت لها بابين: بابا شرقيا، و بابا غربيا ...» الحديث. و قد أخرجه مسلم (الحج:

1333).

43

فى طولها تسعة أذرع. هذا هو المشهور فيما زاد (1).

و قيل: زاد فيه عشرا. و هذا فى مسلم عن عطاء.

و عبد اللّه بن الزّبير- رضى اللّه عنهما- هو الذى وضع الحجر الأسود فى الكعبة لما بنيت فى زمنه.

و قيل: وضعه ابنه عبّاد. و قيل: ابنه حمزة.

و قيل: الحجبة مع ابنه حمزة، و اللّه أعلم.

و الذى بناه الحجاج فى الكعبة: هو الجدار الذى يلى الحجر- بسكون الجيم- و الباب الذى صنعه ابن الزّبير- رضى الله عنهما- فى دبر الكعبة، و ما تحت عتبة الباب الشرقى. و كبس أرضها بالحجارة التى فضلت من أحجارها.

و باقيها على بناء الزّبير رضى اللّه عنهما.

و قد صنعت فيها أمور بعد ابن الزّبير و الحجاج.

فمن ذلك: عمارة فى الجزء الذى بناه الحجاج، لانفتاحه. و هذا لم يذكره الأزرقى، و ذكره الخزاعى.

و من ذلك: عمارة رخام غير مرة فى سنة إحدى- أو اثنين‏ (2)- و أربعين و مائتين‏ (3)، و فى عشر الخمسين و خمسمائة- فى غالب الظن- من قبل الجواد الأصبهانى وزير صاحب الموصل.

و فى سنة تسع و عشرين و ستمائة- فى غالب الظن- من قبل المستنصر العباسى.

و فى سنة ثمانين و ستمائة: من قبل الملك المظفر صاحب اليمن. و فيما بعد ذلك و قبله.

و من ذلك: عمارة فى سطحها بعد سنة مائتين. ذكر ذلك الأزرقى.

____________

(1) الكامل لابن الأثير 4/ 87، و درر الفرائد (ص: 198)، و إتحاف الورى 2/ 58، و تاريخ الطبرى 7/ 56، و الجامع اللطيف (ص: 34)، و أخبار مكة للأزرقى 1/ 204، و أخبار الكرام للأسدى (ص: 108)، و القرى (ص: 622).

(2) إتحاف الورى 2/ 315.

(3) إتحاف الورى 2/ 322.

44

و من ذلك: عمارة سطحها و الدرجة التى بباطنها فى سنة إثنين و أربعين و خمسمائة.

و من ذلك: مواضع فى سقفها فى رمضان فى سنة أربع عشرة و ثمانمائة (1).

و من ذلك: فى آخر سنة خمس و عشرين و ثمانمائة: [إصلاح رخام كثير بجوفها]، و إصلاح الروازن‏ (2) بسطحها، و رخامة تلى ميزابها، لتخرب ما تحتها، و الأخشاب التى بسطحها المعدة لشد كسوة الكعبة، قلعت لتخريبها، و عوضت بخشب غيرها، و أحكم وضعها بسطحها (3).

و من ذلك- فى سنة ست و عشرين و ثمانمائة-: إصلاح رخام كسر بأرض الكعبة بين جانبها الغربى و أساطينها، و فى جدرانها عدة أيام، و إقامة الإسطوانة التى تلى باب الكعبة لميلها، و أحكمت فى موضعها و تنقلها (4).

و من ذلك: عتبة الباب السفلى لرثاثتها، و جعل عوضها عتبة قطعة ساج، فى سنة إحدى و أربعين و مائتين‏ (5)، أو فى التى بعدها. ثم غيرت بعتبة حجر منحوت، و هى الآن على ذلك، و ما علمت متى جرى ذلك.

و من ذلك: إسطوانة فيها؛ لأن الفاكهى قال: حدثنى أبو على الحسن بن مكرم قال: حدثنا عبد اللّه بن بكر، قال: حدثنى أبو بكر بن حبيب قال:

جاورت بمكة، فعابت أسطوانة من أساطين البيت، فأخرجت، و جى‏ء بأخرى ليدخلوها مكانها، فطالت عن الموضع، فأدركهم الليل، و الكعبة لا تفتح ليلا، فتركوها مائلة ليعودوا من غد فيصلحوها، فجاءوا من غد فأصابوها أقوم من القدح .. انتهى.

و هذا غريب. و فيه للبيت كرامة.

و من ذلك ميزاب عمله رامشت، وصل به خادمه مثقال فى سنة تسع و ثلاثين و خمسمائة.

____________

(1) إتحاف الورى 3/ 487.

(2) الروازن: هى الطاقات الصغيرة التى كانت تصع للتهوية و الإضاءة.

(3) إتحاف الورى 3/ 587، و تاريخ الكعبة المعظمة (صص: 261).

(4) إتحاف الورى 3/ 598.

(5) أخبار مكة للأزرقى 1/ 317، و إتحاف الورى 2/ 320.

45

و ميزاب عمله المقتفى العباسى، و ركّب فى الكعبة بعد قلع ميزاب رامشت، فى سنة إحدى و أربعين و خمسمائة أو التى بعدها.

و ميزاب عمله الناصر العباسى، و هو الآن فى الكعبة، و ظاهره فيما يبدو للناس محلىّ بفضة، و أحدث عهد حلى فيه: سنة إحدى و ثمانين و سبعمائة (1).

و من ذلك: باب عمله الجواد الوزير فى سنة خمسين و خمسمائة. و ركب فيها سنة إحدى و خمسين، و كتب عليه إسم المقتفى، و حلّاه حلية حسنة (2).

و كلام ابن الأثير يوهم: أن المقتفى عمل للكعبة بابا. و ما عمله إلا الجواد، و اللّه أعلم.

و باب عمله الملك المظفر صاحب اليمن، و كانت عليه صفائح فضة زنتها ستون رطلا، فأخذها السّدنة.

و باب عمله الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر من السنط الأحمر، و حلّاه بخمسة و ثلاثين ألف درهم و ثلاثمائة درهم. و ركب فى الكعبة فى ثامن عشرى ذى القعدة سنة ثلاث و ثلاثين و سبعمائة (3).

و باب الناصر حسن، من ساج، عمله بمكة فى دولة ابن الناصر المذكور فى سنة إحدى و ستين و سبعمائة، و ركّب عليها فى التاريخ المذكور. فهو فيها إلى الآن‏ (4).

و اسم السلطان الملك الأشرف برسباى، صاحب الديار المصرية و الشامية و الحرمين الشريفين- زاده الله نصرا و تأييدا- مكتوب بحائط الكعبة اليمانى بسبب ما أنفق فى سلطنته من العمارة فى الكعبة الشريفة.

و اسم الأشرف شعبان بن حسين صاحب مصر مكتوب فى أحد جانبى باب الكعبة فى الفيارين، لتحليته فى زمنه.

____________

(1) إتحاف الورى 3/ 334، السلوك 3/ 1: 357، و تاريخ الكعبة المعظمة (ص: 174)

(2) رحلة ابن جبير (ص: 102)، و إتحاف الورى 2/ 515، و العقد الثمين 7/ 33.

(3) البداية و النهاية 14/ 162، و السلوك 2/ 2: 362.

(4) النجوم الزاهرة 10/ 316، و العقد الثمين 4/ 181.

46

و اسم الملك المؤيد صاحب مصر- أبى النصر شيخ- مكتوب فى أحد فيارين الباب، لتحليته فى زمنه.

و فى باب الكعبة مكتوب اسم الملك الناصر محمد بن قلاوون.

و فى مفتاحها مكتوب اسم الملك المظفر صاحب اليمن.

هذا ما علمته مما عمل فى الكعبة بعد ابن الزّبير و الحجاج، و لا أعلم أن أحدا غيّر بنائهما.

و نختم هذا الباب بفائدة تتعلق بباب الكعبة، و هى أنه اختلف فى أول من بوّب الكعبة، فقيل: أنوش بن شيث بن آدم- (عليهم السلام)-.

و قيل: تبّع الثالث الذى كساها و نحر لها.

و قيل: جرهم بوّبته‏ (1)، و الله أعلم.

***

____________

(1) الروض الأنف 1/ 14، أخبار مكة للأزرقى 1/ 134، 250

47

الباب الثامن فى صفة الكعبة المعظمة، و ذرعها، و شاذروانها، و حليتها، و معاليقها، و كسوتها، و طيبها، و خدامها، و أسمائها، و هدم الحبشى لها، و وقت فتحها فى الجاهلية و الإسلام، و بيان جهة المصلين إلى الكعبة من سائر الآفاق، و معرفة أدلة القبلة بالآفاق المشار إليها

[صفة الكعبة]

أما صفة الكعبة: فإن أرضها مرخمة برخام ملون، و كذلك جدرانها.

و أول من رخم ذلك: الوليد بن عبد الملك بن مروان، فيما ذكر الأزرقى، نقلا عن ابن جريج، ثم غيّر ما توهن منه بعد ذلك مرات.

و فيها ثلاث دعائم من ساج على ثلاثة كراسى، و فوقها ثلاث كراسى، و على هذه الكراسى ثلاث جوايز من ساج، و لها سقفان بينهما فرجة، و فى السقف أربعة روازن للضوء نافذة إلى أسفلها.

و فى ركنها الشامى: درجة يصعد منها إلى سطحها، و عدد درجها: ثمان و ثلاثون درجة.

و سقفها الأعلى مما يلى السماء: مرخم برخام أبيض، و كان طلى بالنورة فى سنة إحدى و ثمانين و سبعمائة (1)، ثم كشط ذلك فى سنة إحدى و ثمانمائة (2).

و بطرف سطحها إفريز مبنى بحجارة، و يتصل بهذا الإفريز أخشاب فيها حلق من حديد تربط فيها كسوة الكعبة.

و بابها من ظاهره مصفح بصفائح فضة مموهة بالذهب، و كذلك فيارين الباب و عتبته العليا مطلية بفضة.

____________

(1) تاريخ الكعبة المعظمة (ص: 158).

(2) إتحاف الورى 3/ 2/ 4

48

[ذرع الكعبة]

أما ذرع الكعبة: فقد ذكره الأزرقى، و ابن جماعة (1).

و حررت أنا ذلك أيضا، فكان من سقفها إلى أرضها: سبعة عشر ذراعا- بتقديم السين- و نصف ذراع إلا قيراطا فى الجهة الشرقية، و كذلك باقى الجهات، إلا أن الجهة الشامية: تنقص عن الشرقية نصفا إلا قيراطا، و الجهة الغربية تنقص عن الشرقية: قيراطين، و اليمانية تزيد على الشرقية: ثمن ذراع.

و عرض الجهة الشرقية- على التقريب-: ثمانية عشر ذراعا و سدس.

و الجهة الشامية- على التقريب أيضا-: أربعة عشر ذراعا إلا قيراطين.

و الجهة الغربية: ثمانية عشر ذراعا و ثلث ذراع.

و اليمانية: أربعة عشر ذراعا و ثلثا ذراع.

و طول فتحة الباب من داخله مع الفيارين: ستة أذرع.

و طوله من خارجه بغير الفيارين: ستة أذرع إلا ربع.

و ذرع فتحة الباب من داخل الكعبة- مع الفيارين-: ثلاثة أذرع و ثلث إلا قيراط.

و أما ذرع الكعبة من خارجها: فإن من أعلى الشاخص فى سطحها فى الجهة الشرقية إلى أرض المطاف: ثلاثة و عشرين ذراعا و ثمن ذراع، و كذلك الجهة اليمانية، و الجهة الغربية، إلا أن الغربية تتقص ثمن ذراع.

و أما الجهة الشامية: فتنقص عن الشرقية و اليمانية ربع ذراع.

و عرض الجهة الشرقية: أحد و عشرون ذراعا و ثلث.

و كذلك الغربية بزيادة ثلث.

و أما الشامية فعرضها ثمانية عشر ذراعا إلا ربع ذراع.

و كذلك اليمانية بزيادة نصف إلا قيراطين.

و من عتبة باب الكعبة إلى أرض الشاذروان تحتها: ثلاثة أذرع و نصف، و ارتفاع الشاذروان تحتها: ربع ذراع و قيراط.

____________

(1) هداية السالك 3/ 1334، و أخبار مكة للأزرقى 1/ 189.

49

و الذراع الذى حررنا به: هو ذراع الحديد.

و كذلك ما حرر به ابن جماعة، و بين ما ذكره و ذكرناه اختلاف، بيناه فى أصله.

و الذراع الذى حرر به الأزرقى: ذراع اليد.

و أما شاذروان الكعبة:

فهو الأحجار اللاصقة بها التى فوقها بناء مسنّم مرخّم فى الجانب الشرقى و الغربى و اليمانى.

و فى الجانب الشرقى: حجارة لا بناء عليها، هى شاذروان.

و أما الأحجار التى تلى جدر الكعبة الشامى: فليست شاذروانا؛ لكون موضعها من البيت، بلا ريب.

و الشاذروان: هو ما نقصته قريش من عرض أساس جدار البيت حين ظهر على الأرض، كما هو عادة الأبنية.

أشار إلى ذلك الشيخ أبو حامد الإسفرائينى، و غيره من أئمة الشافعية.

و أما حكمه: فإن طواف من كان شئ من بدنه فيه: [فهو] غير صحيح على مذهب الشافعى.

و صرح بذلك ابن شاش، و ابن الحاجب، و شارحه خليل، و تلميذه صاحب «الشامل» و غيرهم من متأخرى المالكية.

و أنكر ذلك بعض متأخريهم، و لم يثبته فى المذاهب.

و يصح طواف من لم يحترز منه فى طوافه عند الحنفية و الحنابلة، و اللّه أعلم.

و طول الشاذروان فى السماء: ستة عشر إصبعا، و عرضه: ذراع، ذكر ذلك الأزرقى.

و قد نقص عرضه فى بعض الجهات عما ذكره الأزرقى، فأفتى عالم الحجاز المحب الطبرى بإيجاب إعادة مقداره على ما ذكره الأزرقى‏ (1).

____________

(1) هداية السالك 3/ 1334، و أخبار مكة للأزرقى 1/ 189.

50

[حلية الكعبة]

و أما حلية الكعبة المعظمة: فأول من حلّاها فى الجاهلية- على ما قيل-:

عبد المطلب جد النبى (صلّى اللّه عليه و سلم).

و أما فى الإسلام، فقيل: الوليد بن عبد الملك.

و قيل: أبوه.

و قيل: ابن الزّبير رضى اللّه عنه، و اللّه أعلم.

و حلّاها الأمين العباسى.

و حلّاها المتوكل العباسى.

هذا ما ذكره الأزرقى من حلية الكعبة (1).

و حلّاها بعده المعتضد العباسى فى سنة إحدى و ثمانين و مائتين‏ (2). و أم المقتدر العباسى، فى سنة عشر و ثلاثمائة (3)، و الوزير الجواد، فى سنة تسع و أربعين و خمسمائة (4)، و حلّاها الملك المجاهد صاحب اليمن.

[معاليق الكعبة]

و أما معاليق الكعبة، و ما أهدى لها فى معنى الحلية: فذكر الأزرقى منها جانبا ذكرناه فى أصله، مع أشياء لم يذكرها الأزرقى، بعضها كان فى عصره، و أكثر ذلك بعده، و نشير هنا لشئ منه.

فمما أهدى لها فى عصر الأزرقى- و لم يذكره-: قفل فيه ألف دينار، أهداه المعتصم العباسى فى سنة تسع عشرة و مائتين على ما ذكره الفاكهى‏ (5).

____________

(1) القرى (ص: 651).

(2) إتحاف الورى 2/ 349- 352، و أخبار مكة للأزرقى 2/ 112.

(3) إتحاف الورى 2/ 368، و أخبار مكة للأزرقى 1/ 291.

(4) إتحاف الورى 2/ 514، و العقد الثمين 2/ 212.

(5) أخبار مكة للفاكهى 5/ 236، و إتحاف الورى 2/ 90، و أخبار الكرام للأسدى (ص:

137)، و درر الفرائد (ص: 127).

51

و من ذلك: طوق ذهب فيه مائة مثقال مكلل بالزمرد و الياقوت و الماس، و ياقوتة خضراء وزنها أربعة و عشرين مثقالا، بعث بذلك ملك من ملوك السند لما أسلم فى سنة تسع و خمسين و مائتين‏ (1).

و من ذلك: حلقتان من ذهب مرصعتان باللؤلؤ و البلخش، كل حلقة وزنها ألف مثقال، و فى كل حلقة ستة لؤلؤات فاخرات، و فيها ست قطع بلخش فاخر، بعث بذلك الوزير على شاه وزير السلطان أبى سعيد بن خربندا ملك التتار، فى موسم سنة ثمان عشرة و سبعمائة (2).

و كان أمير الركب المصرى عارض فى تعليق ذلك، فلوطف حتى أذن فى تعليقهما، ثم أزيلا بعد قليل.

و من ذلك- على ما ذكر لى بعض فقهاء مكّة-: أربعة قناديل، كل قنديل منها قدر الدورق بمكّة، اثنان ذهبا، و اثنان فضة، بعث بذلك السلطان شيخ أويس صاحب بغداد، و علق ذلك فى الكعبة، ثم أخذ عن قريب.

و كان إرساله بذلك فى أثناء عشر السبعين و سبعمائة، على مقتضى ما أخبرنى به الفقيه المذكور.

و قد أهدى لها من هذا المعنى بعد ذلك أشياء.

و بالجملة: فلا يجوز أخذ شئ من حلية الكعبة، لا للحاجة، و لا للتبرك؛ لأن ما جعل لها و سبّل لها يجرى مجرى الأوقاف، و لا يجوز تغييرها عن وجوهها.

أشار إلى ذلك المحب الطبرى فى كتابه «القرى» قال: و فيه تعظيم للإسلام و ترهيب على العدو (3) .. انتهى.

[كسوة الكعبة]

و أما كسوة الكعبة: فإنها كسيت فى الجاهلية و الإسلام أنواعا من الكساء، و ذكر الأزرقى من ذلك جانبا ذكرناه فى أصله.

____________

(1) إتحاف الورى 2/ 336.

(2) السلوك للمقريزى 2/ 1: 190، و درر الفرائد (ص: 296).

(3) القرى (ص: 651).

52

و كسيت الكعبة- بعد الأزرقى- أنواعا من الكساء.

فمن ذلك: الديباج الأبيض الخراسانى، و الديباج الأحمر الخراسانى، على ما ذكر صاحب «العقد».

و من ذلك: الديباج الأبيض، فى زمن الحاكم العبيدى، و حفيده المستنصر، كساها ذلك فى زمن المستنصر الصليحى صاحب اليمن و مكّة.

و كسيت فى سنة ست و ستين و أربعمائة الديباج الأصفر، و هذه الكسوة عملها السلطان محمود بن سبكتكين، صاحب الهند (1).

ثم ظفر بها نظام الملك وزير السلطان ملك شاه السلجوقى، فأنفذها إلى مكّة و جعلت فوق كسوة كساها لها فى هذه السنة أبو النصر الأسترابادى، و كانت كسوته بيضاء من عمل الهند.

و كسيت فى خلافة الناصر العباسى كسوة خضراء و سوداء.

و استمرت تكسى السواد حتى الآن، و فيها طراز أصفر، و كان قبل ذلك أبيض.

و قد أحدث فى كسرة الكعبة من الجانب الشرقى جامات منقوشة بالحرير الأبيض من نحو عشر سنين، ثم أعيد فى تاريخه، و هى سنة تسع عشرة و ثمانمائة.

و كسيت ثيابا من القطن مصبوغة بالسواد؛ لأنها عريت من ريح عاصفة هاجت بمكّة فى سنة ثلاث و أربعين و ستمائة (2).

و قيل: فى سنة أربع و أربعين.

و لم يكن عند شيخ الحرم- العفيف منصور بن منعة البغدادى- شئ يقوم بكسوتها، فاقترض ثلاثمائة دينار و اشترى بها ثيابا بيضاء و صبغها بالسواد و ركب عليها الطرز العتيقة.

____________

(1) النجوم الزاهرة 5/ 95، إتحاف الوري 2/ 476.

(2) البداية و النهاية 13/ 171، و درر الفرائد (ص: 277)، و إتحاف الوري 3/ 62.

53

و ممن كساها: رامشت صاحب الرباط بمكّة فى سنة اثنتين و ثلاثين و خمسمائة، كساها من الحبرات و غيرها، و قوّمت كسوته بثمانية عشر ألف دينار مصرية، على ما ذكر ابن الأثير. و قيل: بأربعة آلاف.

و أول من كساها من الملوك- بعد انقضاء الخلافة من بغداد-: المظفر يوسف صاحب اليمن فى سنة تسع و خمسين و ستمائة (1).

و أول من كساها من ملوك الترك بمصر: الملك الظاهر بيبرس فى سنة إحدى و ستين و ستمائة (2).

و كان المظفر يكسوها معه، و مع من عاصره من ملوك مصر، و ربما انفرد بذلك.

ثم انفرد ملوك مصر بكسوتها بعد المظفر، فيما أحسبه، و إلى تاريخه.

و كسوتها- فى تاريخه، و فيما قبله من نيف و سبعين سنة- من وقف وقفه صاحب مصر الصالح إسماعيل بن الناصر محمد بن قلاوون على كسوة الكعبة فى كل سنة، و الحجرة النبوية و المنبر النبوى فى كل خمس سنين مرة.

و كساها أخوه الناصر حسن، الكسوة التى هى الآن فى جوفها، و كانت تصل إلى الأرض، و الباقى منها الآن نحو نصفها الأعلى، و هى كسوة حسنة، و هى حرير مذهب، و كان ذلك فى سنة إحدى و ستين و سبعمائة (3).

و كان قبلها فى جوفها كسوة للمظفر- صاحب اليمن- فيما بلغنى.

و للعلماء من الشافعية و غيرهم خلاف فى جواز بيع كسوة الكعبة، و ذكر الحافظ صلاح الدين العلائى فى قواعده: أنه لا يتردد فى جواز ذلك الآن.

[طيب الكعبة]

و أما طيب الكعبة: فروينا عن عائشة- رضى اللّه عنها- أنها قالت: طيبوا البيت، فإن ذلك من تطهيره.

____________

(1) إتحاف الورى 3/ 84، و العقود اللؤلؤية 1/ 133، و غاية الأمانى 1/ 450.

(2) إتحاف الوري 3/ 87، و درر الفرائد (ص: 280).

(3) النجوم الزاهرة 10/ 316، و إتحاف الورى 3/ 280، و العقد الثمين 4/ 181.

54

و روينا عن عائشة- رضى اللّه عنها- أنها قالت: طيبوا البيت، فإن ذلك من تطهيره.

و روينا عنها أنها قالت: لأن أطيب الكعبة أحب إلى من أهدى لها ذهبا و فضة.

و لا يجوز أخذ شئ من طيب الكعبة، لا للتبرك و لا لغيره، نص عليه النووى.

و أما إخدام الكعبة: فإن معاوية بن أبى سفيان رضى اللّه عنه أخدمها عبيدا، ثم اتبعت ذلك الولاة بعده.

[أسماء الكعبة]

و أما أسماء الكعبة: فالكعبة، و بكة، و البيت الحرام، و البيت العتيق، و قادس، و نادر، و القرية القديمة.

و هذه الأسماء الثلاثة الأخيرة مذكورة فى تاريخ الأزرقى.

و من أسمائها: البنية، ذكره القاضى عياض فى «المشارق».

[هدم الحبشى للكعبة]

و أما هدم الحبشى للكعبة: فروينا فى ذلك حديثا عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) من رواية أبى هريرة رضى اللّه عنه فى الصحيحين‏ (1)، و حديثا من رواية ابن عباس رضى اللّه عنه فى صحيح البخارى‏ (2)، و تخريبه لها يكون بعد رفع القرآن على ما ذكر السهيلى، و ذلك بعد موت عيسى (عليه السلام).

و قيل: فى زمن عيسى، و اللّه أعلم.

[فتح الكعبة فى الجاهلية و الإسلام‏]

و أما وقت فتح الكعبة فى الجاهلية: فيوم الاثنين و الخميس و الجمعة.

____________

(1) صحيح البخارى (الحج: هدم الكعبة) 2/ 149، و مسلم (الفتن: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل) 8/ 183.

(2) البخارى 2/ 149 و نصه: كأنى به أسود أفحج يقلعها حجرا حجرا.