أوضح المسالك إلى معرفة البلدان والممالك‏

- محمد بن علي البروسوي المزيد...
731 /
5

تقديم‏

هذا الكتاب هو جزء من مشروع كبير لرابطة الشرق و الغرب/ بروتا؛ هو مشروع «عالم القرون الوسطى في أعين المسلمين»، و يدور أولا حول رؤيا العرب و المسلمين في القرون الوسطى للآخر، كما يتناول أيضا مناحي مختلفة من تاريخ ثقافات إنسانية متعددة تعرّف عليها رحالة العرب و المسلمين و جغرافيوهم و وصفوا أوضاعها العمرانية و عادات أهلها و تقاليدهم، و ثقافة شعوبها المختلفة.

بدأت فكرة المشروع في مخيلتي بعد انتهائي من تحرير كتاب «الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس» (1)؛ إذ أنه مرّ في نفسي، نتيجة للتعرّف الحميم على تفاصيل تاريخنا في الأندلس الذي استمر حوالي ثمانمئة سنة، أن الحضارة العربية الإسلامية في مجملها تتميز برؤيا عميقة الانفتاح و التسامح للآخر، راجحة التصوّر له، قادرة على أن تراه موضوعيّا و إنسانيا دون أن تضمر له سلفا، عندما يكون مختلفا، عداوة ناجزة أو رؤيا عنصرية لا تنبع من واقع هذا الآخر بل من محض اختلافه. و كان هذا حافزا كبيرا لي على الاستمرار في دراسة تاريخنا الثقافي و الأدبي في القرون الوسطى ضمن مشروعنا الحضاري، و السعي للتعريف به للآخر بالإنجليزية و إعادة تأكيده للقارى‏ء العربي باللغة العربية في الوقت نفسه، ما أمكنني ذلك.

كنت في نشأتي الأدبية استمع باستغراب كبير إلى ما كان يدور في بعض‏

____________

(1) صدر بالإنجليزية عام 1992 و ذلك عن دار أبريل في هولندة، ثم صدر عام 1998 عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت.

6

المنتديات الأدبية العربية حول التراث العربي فأعجب لقسوة الأحكام عليه التي أولاها- و ما زال يوليها- عدد من المثقفين العرب لهذا التراث دون تمحيص و دراسة و معرفة، و في غياب شبه كامل عن الموضوعية و احترام الذات الحضارية. و الحقّ أن ما خفي و ما زال خافيا على هؤلاء من إنجازات هذا التراث الغنيّ شي‏ء كبير.

كان مشروع «عالم القرون الوسطى في أعين المسلمين» واحدا من عدد من المشاريع التي نجزت في هذا الموقف‏ (1)، و جميعها يسعى إلى إعادة رسم إنجازاتنا في القرون الوسطى. و بدأنا عملنا عليه عندما تسنى له من يسانده بقناعة. و هنا لا بد من التوجه بالشكر إلى الشيخ عبد المقصود خوجة صاحب الاثنينية المعروفة في جدة، ملتقى الأدباء و أهل العلم من سعوديين و زائرين عربا و مسلمين، الذي أثار هذا المشروع اهتمامه فسانده و قدم له جزءا من كلفته، و أفسح لنا المجال للعمل عليه، جزاه اللّه خيرا.

و هو مشروع متعدد الجوانب و المقاربات، و من جملتها كان باب تحقيق المخطوطات التي تركها الرحالة و الجغرافيون المسلمون بالعربية و لم يتسنّ لها الظهور إلى النور بعد. و قد أقدمت على هذا الفرع من فروع المشروع بعد أن تعرفت على الباحث المتميز المهدي الرواضية الذي لفت نظري بسعة اطلاعه على الكتب التراثية و دقة ملاحظاته حولها. فطلبت منه تحقيق رحلة بدر الدين الغزي المسماة «المطالع البدرية في المنازل الرومية» على ثلاث نسخ مخطوطة. ثم حال انتهائه منه بكفاءة جاء فحدثني عن وجود نسخة في مكتبة الجامعة الأردنية من مخطوطة الجغرافي العثماني ابن سباهي زاده و عنوانها «أوضح المسالك إلى معرفة

____________

(1) من هذه المشاريع كتاب جامع عن «المدينة في العالم الإسلامي»، تاريخها، عمرانها و إنجازاتها.

و هو قيد العمل الآن. و كتاب «السرديات العربية الكلاسيكية»، و يرافقه أيضا مجموعة مترجمة لمنتخبات من القصص العربية الكلاسيكية.

7

البلدان و الممالك»، و أخبرني بوجود ثلاث نسخ أخرى من المخطوط في مكتبات إستانبول. و عند إطلاعي على مخطوطة الجامعة الأردنية قررت أن تتبنى رابطة الشرق و الغرب تحقيق هذا الكتاب، و تمكنت من الحصول على نسخة المخطوطة الأخرى من ثلاث مكتبات في إستانبول. و هنا لا بد لي من شكر الأستاذ الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلو لاهتمامه بمشروعنا هذا و إسدائه المساعدة، و للأستاذة الدكتورة كلير براندابور، أستاذة الأدب الإنجليزي في جامعة دوغاس في إستانبول.

للحصول على المخطوطات الثلاث، و نحن جميعا نشكرهما شكرا جزيلا.

و لا شكّ أن هذا الكتاب يشكّل إضافة طيبة إلى المكتبة الجغرافية العربية و إعادة تواصل مع أبناء الحضارة الإسلامية الواسعة التي أكّدت وحدتها و حسن تلاحمها بوجود علماء و رحالة و جغرافيين و نقاد و موسوعيين و مؤرخين من أبناء البلدان الإسلامية غير العربية يكتبون بالعربية متّبعين نفس الأعراف و المقاربات دون تفرقة إقليمية أو عنصرية، متضافرين جميعهم على خدمة تراث واحد و حضارة واسعة ضمّتهم جميعهم باعتزاز و خلّدت أسماءهم.

د. سلمى الخضراء الجيوسي‏

مدير عام رابطة الشرق و الغرب/ بروتا

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

مقدمة

لفت نظري لكتاب ابن سباهي زاده، مقال‏ (1) للعلامة الثّبت حمد الجاسر، رحمة اللّه عليه، تحدّث فيه عن نوادر المخطوطات التي وقف عليها في رحلة إلى تركيا من نحو أربعين عاما، و من بينها كتاب" أوضح المسالك إلى معرفة البلدان و الممالك". فوجهتني الوسائل المتاحة للتعرّف على هذا العمل الجغرافي من خلال نسخة مصورة منه، محفوظة في مركز الوثائق و المخطوطات بالجامعة الأردنية، رقمها (559). و استفدت عن أهميته ممّا كتبه كراتشكوفسكي في كتابه الجليل عن الأدب الجغرافي، الذّي سلكه فيه في نسق عمله الكبير، محدّدا للحدود التي يقف عندها، باعتباره من الأعمال المعجمية المتأخرة التي قدّمت التعريفات المقربة لعلم الأماكنيّة؛ و متأثرا كل التأثر بجغرافية أبي الفداء، تقويم البلدان؛ التي زاد عليها بعض الزيادات إلى العصر الذي عاش فيه‏ (2)، و هو واضح الشبه بكتاب الروض المعطار للحميريّ.

و ازداد اهتمامي و رغبتي في إعداد هذا الأثر للنشر محققا، مأخوذا بسعة مادته و تركّزها، و لما يمكن أن أفيد منه لاستخراج الإفادات التي تعنيني، بعد أن قمت بمحاولتي الجغرافية الأولى عن المدن الأردنيّة (3)، فلاحقت نسخه‏

____________

(1) حمد الجاسر: حول تراثنا المبعثر في مكتبات العالم، مجلة العرب، السنة الثانية، الجزء الثامن، ص 741- 742، أيار 1968.

(2) كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي 2: 609

(3) المهدي الرواضية: الأردن في موروث الجغرافيين و الرحالة العرب. عمّان: وزارة الثقافة، 2002.

10

المخطوطة، و حدّدت مواقعها و أرقامها في المكتبات، و توقّفت عن الإنجاز في انتظار فرصة تمكّنني منها.

و عرفت وقتها عن انبعاث مشروع جغرافي كبير، على يد الباحثة الكبيرة الأستاذة الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسيّ؛ موضوعه:" عالم القرون الوسطى في أعين المسلمين"، ضمن مشروعها الحضاري الواسع،" رابطة الشرق و الغرب/ بروتا"،(East -West Nexus /Prota) ، فعرضت عليها نشر جغرافية ابن سباهي زاده ضمن مشروعها، فرحّبت، و لم تأل جهدا- بما لها من وسائل و صلات- في متابعة الأمر؛ و تفضّلت فوفّرت لي من مكتبات إستانبول نسخ الكتاب المخطوطة التي يرد الحديث عنها مفصّلا.

ترجمة المؤلف‏

لم يعرف ابن سباهي زادة (1)، مؤلّف الكتاب لدى المصنفين العرب بالقدر الذي يسمح لهم بإنشاء ترجمة مفصّلة عنه، و لم نر فيما وقفنا عليه أقدم ممّا أورده عنه حاجي خليفة (2) الذي ذكر كتابه" أوضح المسالك"، و خصّه ببعض البيانات في آخر تقديمه لكتاب تقويم البلدان، لأبي الفداء السّلطان الملك المؤيد إسماعيل بن علي صاحب حماه (672- 732 ه). و أورد البغداديّ‏ (3) إشارة مقتضبة عنه،

____________

(1) أنظر ترجمته في: حدائق الحقائق في تكملة الشقائق لنوعي زاده عطائي (بالتركية) 309- 310، كشف الظنون 1: 469، هدية العارفين 2: 259، سجل عثماني لمحمد ثريا (بالتركية) 4: 127، عثمانلي مؤلفلرى لبروسه لى محمد طاهر (بالتركية) 3: 65- 66، تاريخ آداب اللغة العربية لجورجي زيدان 188، 330، معجم كحالة 11: 12، أعلام الزركليّ 6: 292، تاريخ الأدب الجغرافي لكراتشكوفسكي 1: 395، 2: 609، تاريخ المؤلفات الجغرافية العثمانية لأكمل الدّين إحسان اوغلي 64- 65.

(2) كشف الظنون 1: 469.

(3) هدية العارفين 2: 259.

11

و أضاف جورجي زيدان‏ (1) بعض الإضافات المفيدة، قد يكون استخرجها من مصادر عثمانية، مع أنّه فعل فعل حاجي خليفة، فتحدث عن" أوضح المسالك" في عرض الحديث عن" تقويم البلدان"، و كان زيدان- فيما نعلم- من الباحثين العرب الأوائل الذين استخدموا فهارس المكتبات، فأشار إلى نسخ الكتاب المخطوطة و مواقعها.

و أورد بروكلمان‏ (2) إشارة مختصرة للتعريف به، و أحال على كتاب بروسه لي طاهر (3)، و ذكر له كتابي" أنموذج الفنون"، و" أوضح المسالك إلى معرفة البلدان و الممالك"، و عيّن مواقع نسخها. و تكرر هذا الموجز عينه عند الزركليّ و كحالة (4).

و قد حاولت تلمّس ترجمة موسعة للرجل من خلال ما تيسّر لي من مصادر عثمانيّة و تركيّة حديثة (5)، فلم أصل إلّا إلى رسم إطار ملامح باهتة لمدد متقطعة من حياة ابن سباهي زاده، أفضت بها المعلومات الضئيلة المتناثرة و المكررة.

فهو المولى محمد بن علي الرّوميّ الحنفيّ البروسويّ، الشهير باسم" ابن سباهي زاده" و هي شهرة باللقب العسكري‏ (6) الذي كان يحمله والده؛ و مولده‏

____________

(1) تاريخ آداب العربية 189.

(2)GAL ,SII 376 .

(3) عثمانلي مؤلفلري 3: 65.

(4) أعلام الزركلي 6: 292، و معجم المؤلفين 11: 12.

(5) أشكر الدكتور فاضل بيات من الجامعة الأردنية لتفضّله بترجمة ثلاثة نصوص تركية في ترجمة ابن سباهي زاده.

(6) سباهي:Sebahi كلمة فارسية الأصل، و تعني زعيم، و هي نسبة إلى سباه‏Sipah و تعني عسكر، جند، جيش، و أطلقت التسمية في الدولة العثمانية على صنف الفرسان من العسكر الجديد؛ فالانكشارية هم المشاة، أما السباهية فهم الفرسان، و هم على درجات، و كانوا يقيمون في الولايات في الأراضي التي أقطعو عشرها. و كانت وظيفتهم وقت الحرب حراسة الدولة، و وظيفتهم في وقت السلم تحسين الزراعة و المحافظة على الطرق. (انظر: ولاة دمشق في العهد العثماني 110).

12

في بروسة (بورصه) شرقي بحر مرمرة بتركيا، في القرن العاشر الهجري الذي استغرق فيه أيام حياته؛ و لم تحدد المصادر تاريخ ولادته. و قد قضى في بلده التي كانت عاصمة بني عثمان الأولى، و منها انطلق محمد الفاتح إلى القسطنطينية و بها نشأ و تكوّن على علمائها. و بعد أن اجتاز درجات علمية متتالية؛ و تمكّن من معارفه:

عيّن مدرّسا في إحدى مدارس" قرق" بمرتّب أربعين أقجه.

و في صفر سنة 981 ه (حزيران 1573 م) عيّن مدرسا في مدرسة في مدرسة مصطفى باشا محل سنك زاده.

و في رجب سنة 983 ه (تشرين أول 1575 م) تولّى التدريس في مدرسة أوج شرفه لي بأدرنة بعد همشير زاده.

و في ربيع الآخر 987 ه (أيار 1579 م) عيّن للتدريس محلّ عزمي أفندي بالصحن، و هي المدارس الثمانية التي أسسها محمد الفاتح في طرفي جامعه بإستانبول.

و في ذي الحجة سنة 991 ه (كانون الأول 1583 م) دعي للتدريس في مدرسة أيا صوفيا محلّ رمزي زاده.

و في شعبان سنة 992 ه (أغسطس 1584 م) عيّن قاضيا ببغداد محلّ مرتفوس زاده و بقي في خطته إلى أن أعفي منها في ذي القعدة سنة 995 ه (تشرين الأول 1586 م).

و في محرم سنة 997 ه (كانون الأول 1588 م) عيّن قاضيا بإزمير محلّ جكه أفندي. و كانت وفاته و هو على القضاء في ذي القعدة من السنة ذاتها (أيلول 1586 م).

و إذا كان أول تاريخ محدّد لعمل أسند إليه و هو سنة 981 ه، سنة تدريسه في مدرسة مصطفى باشا يوقفنا على محطات حياته في الستة عشرة سنة الأخيرة

13

من عمره، فإننا لا نعرف شيئا من التفاصيل المهمة عما تقدم ذلك، كم عاش قبلها، و كيف نشأ، و ماذا درس، و عمن أخذ؟؟ .. الخ. و لا شك أن الكثير من الأجوبة عن ذلك تحتفظ بها صحائف التراث العثمانيّ التي لن نصل إليها.

و هذا الإغفال الذّي غطى ما سبق من حياته قبل هذا التاريخ (981 ه) تؤكده و تفسره تلك الإشارة التي أوردها بروسه لي محمد طاهر عندما عرض لكتابه" أوضح المسالك"، الذّي فرغ من تأليفه سنة 980 ه، و قدّمه إلى السّلطان مراد الثالث، فقال:" إنّه كتبه بالعربية و به بدأت شهرته".

و تذكر مصادرنا العثمانيّة أنّه إلى جانب سعة معارفه كان متضلعا في لغته التركيّة و في العربيّة و الفارسيّة، متمكّنا في الكتابة بها، و قادرا على قرض الشعر على أوزانها، و كانت له عناية خاصة و براعة في علم الكلام و المنطق و الرياضيات، و عدّدت من آثاره الباقية الأعمال التالية:

1. أنموذج الفنون، كتبه على غرار موضوعات العلوم، و أورد فيه مسائل من التفسير و الحديث و الكلام و الأصول و الفقه و الفرائض و المعاني و البيان و الطب و الهيئة، و قدّمه إلى الصدر الأعظم سنان باشا (1).

2. كتاب في التفسير و الحديث و الكلام و أصول الفقه و البيان و الطب، انفرد بذكره كحالة (2) و لعله الكتاب المتقدم ذاته.

3. حاشية على تجريد الكلام، لنصير الدّين الطوسيّ (ت 672 ه)، في علم الكلام، و قد كان التجريد موضع عناية العلماء منذ ظهوره للناس، فشرحوه و علقوا عليه الحواشي المختلفة، و خصّ باب الإمامة فيه بعناية فائقة (3).

____________

(1) كشف الظنون 1: 185،GAL II 306 ، عثمانلي مؤلفلري 65.

(2) معجم المؤلفين 11: 12.

(3) كشف الظنون 1: 346- 348

14

4. حاشية على شرح حكمة العين الذّي كتبه أبو الحسن علي بن محمد الشهير بدبيران الكاتبيّ القزوينيّ، (ت 675 ه)، و هو من تلاميذ نصير الدّين الطوسيّ، و قد كتب أولا رسالة العين في المنطق، ثم كتب" الحكمة" في الإلهي و الطبيعي. و عليها حاشية ابن سباهي زاده‏ (1).

5. أوضح المسالك إلى معرفة البلدان و الممالك، الذّي نقدمه في هذه النشرة.

6. أسامي بلدان- أسماء البلدان، و هو ترجمة مختصرة باللغة العثمانية لكتابه" أوضح المسالك"، قدّمه محظي بتقديره للوزير الأعظم صوقوللو محمد باشا (ت 987 ه) الذّي وزر للسّلطان سليمان ثم للسّلطان سليم ثم للسّلطان مراد.

و يعدّ هذا الكتاب أقدم ما صنف بالتركية على شاكلة المعجم التاريخي الجغرافي، و نسخه كثيرة في مكتبات إستانبول‏ (2).

كتاب أوضح المسالك إلى معرفة البلدان و الممالك‏

ارتكز في كتابه هذا كما يصرح في مقدمته على تقويم البلدان للسّلطان الملك المؤيد إسماعيل بن علي صاحب حماه (672- 732 ه)، و اعتبره من أجود المصنفات في الجغرافيا و ألطفها، لكونه" اشتمل على زبدة كتب المتقدمين و خلاصة أعمال المتأخرين".

و أوجز خطته في التأليف، حتى" يكون أخذه يسيرا، و نفعه كثيرا" على ما يلي:

ترتيب مادة الكتاب على حروف المعجم.

إضافة" ما التقطه من مصنفات المحققين، و ما استنبطه من مؤلفات‏

____________

(1) كشف الظنون 1: 685، عثمانلي مؤلفلري 66.

(2) عثمانلي مؤلفلري 66.

15

المدققين". و فرغ من وضعه في 13 رجب سنة 980 ه، و أهداه إلى السّلطان مراد خان الثالث ابن السّلطان سليم الثاني (953- 1003 ه). ثم نقله إلى التركيّة باختصار.

و تقتضينا هذه الصلة و الارتباط بين كتاب ابن سباهي زاده و كتاب أبي الفداء، أن نذكر أن تقويم البلدان مقسّم إلى قسمين، مقدمة تضمنت معلومات و إفادات عن تقسيم الأرض، و عن خط الاستواء، و عن الأقاليم السبعة، و المعمور من الأرض و مساحتها، و قسم ثان- و هو الأطول- يحتوي على ثمانية و عشرين قسما، حسب التقسيم الذي ابتدعته المدرسة البلخيّة، تحدث فيه عن كل إقليم منها من حيث أخلاق و عادات سكانه، و آثاره القديمة، ثم أتبع ذلك بجداول مبوّبة، تحتوي على أسماء البلاد، و ضبط رسمها، و ذكر المأهول منها، و أطوالها و عروضها، و الإقليم الفلكي و الجغرافي الذي تنتمي إليه.

و يذكر كراتشكوفسكي‏ (1) أن أبا الفداء كان أول من اتبع نظام الجداول في علم الجغرافيا، مستعيرا ذلك من فكرة جداول الزيجات التي كان يعرفها جيدا، غير أن أبا الفداء يذكر صراحة أنه أخذ ذلك محاكاة للطبيب ابن جزلة، الذي صنّف كتابه" تقويم الأبدان" مجدولا، و يبدو تأثر أبي الفداء بالطبيب ابن جزلة واضحا في اختياره لعنوان مشابه لتسمية تقويم الأبدان.

و أهمية كتاب تقويم البلدان أنه مصنّف جغرافي شامل مدقق، راج و انتشر عند علماء الأجيال المختلفة من المسلمين و غيرهم. فقد لخصه معاصره الحافظ محمد بن أحمد الذهبيّ (ت 748 ه)، و نال حظوة عند علماء الأتراك، فرتبه ابن سباهي زاده على حروف المعجم باللغة العربيّة، و زاد عليه إلى العصر الذي عاش فيه، ثم صنع له ترجمة موجزة باللغة التركيّة.

و قد اتبع ابن سباهي زاده- في إعداده للكتاب- إيراد المادة الجغرافية

____________

(1) تاريخ الأدب الجغرافي العربي 1: 393.

16

مضبوطة بالحرف، و استمدّ تحقيقه من كتب اللغة و كتب الأنساب، مثل كتاب الصحاح للجوهريّ، و العباب الزاخر و اللّباب الفاخر للصّغانيّ، و المعرّب من الكلام الأعجمي لابن الجواليقيّ، و القاموس المحيط للفيروزآباديّ، و اللّباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير، و قد يسّر علينا هذا الضبط مهمة شكل الأسماء، التي أدى إهمالها لدى الكثير من الجغرافيين إلى التصحيف و التحريف، خاصة و أن العجمة شائعة في أكثر تلك التسميات‏ (1).

و يذكر بعد ذلك الإقليم الذي ينتمي إليه الموضع، و يورد المعلومات الجغرافية المتعلقة بالمكان من حيث الطبيعة و السكان، و المسافة بينه و بين محيطه من الأماكن الأخرى، و يختم المادة بذكر الأطوال و العروض كما سجلتها كتب الجغرافية الرياضيّة.

و مع أن الهدف من هذا الكتاب هو ترتيب كتاب أبي الفداء ليكون" أخذه يسيرا"، إلا أن المؤلف أغفل الكثير من المواد التي وردت في" تقويم البلدان"، و لم يفرد لها بابا في الترتيب، و إن كانت قد وردت في ثنايا مواد

____________

(1) لقد كان هذا مدعاة لبعض الجغرافيين العرب كالبكريّ و ياقوت الحمويّ لوضع معجميهما و الاعتناء بضبط أسماء الأماكن بالحرف، يقول ياقوت (المعجم 1: 8، 12):" قلما رأيت الكتب المتقنة الخط، المحتاط لها بالضبط و النّقط، إلا و أسماء البقاع فيها مهملة أو محرّفة، و عن محجّة الصواب منعطفة أو منحرفة، قد أهمله كاتبه جهلا، و صوّره على التّوهّم نقلا" و يقول أيضا:" فأسماء الأماكن في كتبهم مصحّفة مغيّرة، و في حيّز العدم مصيّرة، قد مسخها من نسخها".

و قد تنبّه في العصر الحديث علم أغنى المكتبة العربية بإنجازاته الجغرافية عن جزيرة العرب خاصة، و كشف فيها مواطن التصحيف و التحريف، و حقق ربط الأسماء بمواقعها، و جمّع حولها شوارد الأقوال التي وقف عليها في التراث، العلامة المرحوم حمد الجاسر.

و انظر عن أوهام التصانيف الجغرافية الأستاذ إبراهيم شبّوح:" أنظار في بعض مشاكل النّص الجغرافي التّراثي"، ففيه تحليل لبعض المشاكل المربكة في أعمال الجغرافيين.

(مجلة العرب- ج 4، 3، السنة 37، رمضان و شوال 1422 ه/ ديسمبر و يناير 2001 م، ص 97- 118).

17

أخرى. و لا نجزم بأنه أراد إثبات الأشهر الأعرف، لأنه أثبت أماكن لا شهرة لها، و أضرب عن ذكر مواضع أخرى مشهورة.

مصادر الكتاب‏

أورد ابن سباهي زاده في مقدمة الكتاب أسماء المصادر التي ينقل عنها، و منها عدد كبير هو من أصل كتاب" تقويم البلدان" الذي رتّبه، و هذه المصادر متنوعة، بين مشرقية و مغربية، و بين جغرافية و لغوية و تاريخية و أدبية.

ففي الجغرافية اعتمد أبو الفداء على مسالك الاصطخري و مسالك ابن خرداذبة، و صورة الأرض لابن حوقل، و نزهة المشتاق للإدريسيّ، و اعتمد أيضا على كتاب المشترك وضعا لياقوت الحمويّ، و جغرافيا ابن سعيد، و كتاب الزيارات للهرويّ، و كتاب خريدة العجائب و فريدة الغرائب لابن الورديّ. و من المؤلفات التي لم تصلنا كتاب المسالك و الممالك المعروف بالعزيزيّ نسبة للعزيز الفاطميّ، تأليف الحسن بن أحمد المهلبيّ. و زاد ابن سباهي على هذه المصادر ما نقله من كتاب مراصد الإطلاع على أسماء الأمكنة و البقاع لصفي الدّين البغداديّ، و هو مختصر معجم البلدان لياقوت؛ بل إن المواد التي زادها- في الغالب- من هذا الكتاب، و قلما تخلوا مادة من الأخذ منه،.

و مصادره في الجغرافيا الرياضيّة فكانت من كتاب القانون المسعوديّ، و كتاب الآثار الباقية عن القرون الخالية كلاهما لأبي الريحان البيرونيّ، و كتاب الجغرافية لابن سعيد، و كتاب الزيج المأموني الممتحن، و كتاب الأطوال و العروض للفرس، و كتاب القياس، و كتاب التذكرة لنصير الدّين الطوسيّ، و كتاب رسم الربع المعمور لبطلميوس، رتّبه الخوارزميّ على هيئة جداول.

و من مصادره أيضا كتب الأنساب و معاجم اللغة، منها: كتاب الأنساب للسّمعانيّ، كتاب مزيل الارتياب عن مشتبه الانتساب (مخطوط) و كتاب الفيصل‏

18

في مشتبه أسماء البلدان‏ (1) (مخطوط)، و كتاب التمييز و الفصل بين المتفق في الخط و النقط و الشكل، جميعها لأبي المجد الموصليّ، إسماعيل بن هبة اللّه ابن باطيش، كتاب اللّباب لابن الأثير، و زاد ابن سباهي عليها من كتاب صحاح اللغة للجوهريّ، و القاموس المحيط للفيروزآبادي، و الرسالة البائية في اللغة الفارسية لابن كمال باشا (مخطوطة لم يرد ذكرها في قائمة مصادر الكتاب)، و كتاب تحفة الآداب في ذكر التواريخ و الأنساب لمحمد بن عبد الحميد العلويّ الحسينيّ النّسّابة (مخطوط).

أما مصادر أبو الفداء و ابن سباهي زاده التاريخية فلم تكن أساسية في مواد الكتاب، و هي من القلّة بحيث لم ترد إلا في مواضع قليلة. و قد ذكر ابن سباهي زاده في قائمة مصادره كتب التاريخ التي اعتمد عليها، و هي: كتاب التاريخ لابن كردوش النصراني، (ذكره في المقدمة و لم يرد في متن الكتاب)، و كتاب مختصر الدول لماغريغوريوس النصراني، و كتاب الأنس الجليل بتاريخ القدس و الخليل لمجير الدّين الحنبليّ، و كتاب المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء. و ثمة مصادر استخدمها و لم ترد في المقدمة مثل تاريخ اليافعيّ و تاريخ الصّاحب و تاريخ الواثق.

و من المصادر الأدبية: شرحا المقامات الحريرية أحدهما لأبي البقاء النحويّ و الآخر للإمام المسعوديّ، إضافة إلى بعض دواوين الشعر كديوان المتنبيّ و البحتريّ و ابن الساعاتيّ.

مخطوطات الكتاب‏

اتخذنا أقدم النسخ و أتمّها أمّا لهذه النشرة، و هي النسخة المحفوظة في مكتبة نور عثمانية بإستانبول رقم (4693)، و بها (219) ورقة من القطع الكبير،

____________

(1) أورده ابن سباهي زادة في المقدمة، في تعداده للمصادر، و لم يشر في ثنايا الكتاب إلى أنه استخدمه.

19

و مسطرتها (19)، لونّت أسماء المواضع في مطلع المواد بلون مغاير أخفاه التصوير و لعله اللون الأحمر، و خطها نسخي واضح، و قد كتبت في رجب سنة 984 ه.

النسخة الثانية: من محفوظات مكتبة بودليان بأكسفورد (مجموعة بوكك) رقم (302)، و هي مصورة على ميكرو فيلم محفوظ في مركز الوثائق و المخطوطات بالجامعة الأردنية برقم (559). و بها (97) ورقة، و مسطرتها (31)، كتبها بخط النسخ إسماعيل بن عبد اللّه الخيوميّ، و فرغ من نسخها في شهر ربيع الآخر سنة (998 ه)، و قد رمزنا لها بالحرف (ب).

النسخة الثالثة: محفوظة في مكتبة السّليمانيّة بإستانبول برقم (2039)، و بها (188) ورقة، و مسطرتها (23)، و طالعها مزخرف، و نص الكتاب مؤطر، و قد كتبت أسماء المواضع في أول كل مادة باللون الأحمر. و تم الفراغ من كتابتها في شهر ربيع الثاني سنة (1094 ه). و خطها نسخي واضح، و قد رمزنا لها بالحرف (س).

النسخة الرابعة: محفوظة في مكتبة راغب باشا بإستانبول برقم (1059)، و بها (186) ورقة، و مسطرتها (21)، و خطها نسخي معتاد، كتبها يحيى (؟) سنة (1095 ه). و قد رمزنا لها بالحرف (ر).

تحقيق الكتاب‏

سلكت في مراجعة أصول هذا النصّ و تحقيقه مسلك المتابع للسياق، فقد قمت بقراءة النصّ بعناية، و قابلت النسخ المعتمدة في التحقيق، و أثبتّ فروقها، و عمدت إلى تقويم النسخة بإصلاح ما وقع فيها من أخطاء نحوية و إملائية، و من تصحيف و تحريف لاضطراب النّساخ في النقل، و أشرت في الهامش إلى فروق النسخ. أما الكلمات التي كتبت بتخفيف الهمزة إلى ياء، أو بإهمال الهمزة نهائيا، خاصة إذا جاءت في آخر الكلمة، فقد التزمت الكتابة الحديثة دون‏

20

الإشارة إلى ذلك. و للتوثيق وضعت أرقام أوراق مخطوطة الأصل بين حاصرتين و بخط مغاير.

و نحوت في تحقيقه منهجا يتيح لمطالع المادة أو الموضع الإحاطة بالمصادر الجغرافية الأخرى التي تعرضت له، و هو النهج الذي يتبعه- في الغالب- محققو كتب التراجم في الإحالة إلى مصادر الترجمة. حيث أشرت في هامش كل مادة إلى موضعها من أصلها في كتاب تقويم البلدان. و أشرت أيضا- ما وسعني الجهد- إلى مصادر إضافية، مما لم يرد في متن المادة، لتكون معينا للباحثين في الوصول إلى نصوص جغرافية أخرى، توفر لهم معلومات مستفيضة، خاصة و أن أغلب كتب الجغرافيا مطبوعة بعناية المستشرقين في نشرات قديمة، و لم تتبع بها فهارسها، و إنما جمعت في أجزاء أخيرة، كما هو الشأن في المجموعة الجغرافية التي نشرها دي غويه، و هذه نشرات قد لا تتوفّر للباحثين.

و قد وردت بعض مواد الكتاب في غير موضعها من ترتيب حروف المعجم، و لعل ذلك خطأ من النّساخ في إدخال مواد استدركها المؤلف على كتابه، و وضعها في حاشية مسودّته، فأدخلها النّساخ حيثما قابلتهم. الدّال على ذلك أن غالبية المواد التي وقع فيها اضطراب في الترتيب هي نقول أخذت من كتاب مراصد الإطلاع، و أن جميع النسخ لم تتفق في الموضع الذي أدخلت فيه هذه المواد، فعمدت إلى تصويب ذلك و إعادتها إلى مواضعها من الترتيب مع الإشارة إلى ذلك.

غير أن هناك أخطاء لا تحمل على النّساخ، و إنما هي من عمل المؤلف، و تتمثل في أنّه لم يوفّق في تمييز الخطأ من الصواب في قراءته لبعض أسماء المواضع، و يظهر ذلك جليا في طبيعة عمل معجم جغرافي مرتب على حروف الهجاء، فمادة (أقريطش) أوردها بالفاء، و عليه أخذت ترتيبها في باب الألف‏

21

و الفاء، و مادة (الثعلبية)، المنزل المشهور من منازل طريق مكّة من الكوفة، أوردها بالتاء و الغين (تغلبية)، و مادة (بيار) أوردها بواو في أولها و بتقديم الياء على الباء (و يبار)، فأقحم واو العطف في اسم الموضع، لعدم تمكنه من قراءة نص أبي الفداء على وجه سليم.

و الحمد للّه أولا على ما يسّر لإنجاز هذا العمل، و إني لمدين بالشكر للعلامة الأستاذ إبراهيم شبّوح، مدير مؤسسة آل البيت للفكر الإسلاميّ بعمّان، الذي منحني من توجيهاته ما أعانني على تحقيق هذا الكتاب، و استحضر لي من المصادر التركيّة ترجمة المؤلف، التي لم تكن ميسّرة، و لمساعدته القيمة في فكّ ما استغلق عليّ فهمه، خاصة ما تعلق بحساب الجمّل، و أمدّني من مكتبته الخاصة في تونس بكتاب صغير الحجم كبير الفائدة (1)، فوجدت فيه ما مكّنني من فهم رموز الزيجات (الجداول) الموضوعة في الأطوال و العروض، و ما ترمز إليه الحروف من أعداد عند المشارقة و عند المغاربة. و استخرجت من مادة هذا الكتاب جدولا أثبته إثر هذه المقدمة، فيه ما يفيد في فهم هذه الرموز.

و الشكر أيضا للأستاذ الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلو مدير مركز الأبحاث للتاريخ و الفنون و الثقافة الإسلامية (أرسيكا) بإستانبول، و للأستاذة تورنجان كوثر، الباحثة في المركز، و للدكتور فاضل مهدي بيّات، و الدكتور نوفان الحمود السوارية مدير مركز الوثائق و المخطوطات بالجامعة الأردنية، على كريم عونهم و مساعدتهم، و لواهب العقل الحمد بلا انتهاء.

واللّه الموفق و المعين‏

____________

(1) هو كتاب:" إنقاذ الوحلة في معرفة الأوقات و القبلة"، لأبي الحسن علي بن محمد النوريّ الصفاقسيّ المتوفى سنة 1117 ه، طبع تونس، 1331 ه.

22

حساب الجمّل عند المغاربة و عند المشارقة

1- الترتيب المغربيّ‏

(أبجد، هوز، حطي، كلمن، صعفض، قرست، ثخذ، ظغش)

أ/ 1/ ي/ 10

ب/ 2/ ك/ 20

ج/ 3/ ل/ 30

د/ 4/ م/ 40

ه/ 5/ ن/ 50

و/ 6/ ص/ 60

ز/ 7/ ع/ 70

ح/ 8/ ف/ 80

ط/ 9/ ض/ 90

ق/ 100/ ش/ 1000

ر/ 200

س/ 300

ت/ 400

ث/ 500

خ/ 600

د/ 700

ظ/ 800

غ/ 900

23

2- الترتيب المشرقيّ‏

(أبجد، هوز، حطي، كلمن، سعفص، قرشت، ثخذ، ظضغ)

أ/ 1/ ي/ 10

ب/ 2/ ك/ 20

ج/ 3/ ل/ 30

د/ 4/ م/ 40

ه/ 5/ ن/ 50

و/ 6/ س/ 60

ز/ 7/ ع/ 70

ح/ 8/ ف/ 80

ط/ 9/ ص/ 90

ق/ 100/ غ/ 1000

ر/ 200

ش/ 300

ت/ 400

ث/ 500

خ/ 600

ذ/ 700

ظ/ 800

ض/ 900

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

الورقة الأولى من مخطوطة الأصل‏

26

الورقة الأولى من مخطوطة (ب)

27

الورقة الأولى من مخطوطة (س)

28

الورقة الأولى من مخطوطة (ر)

29

[مقدمة المؤلف‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

تبارك الذي جعل في السماء بروجا، و جعل فيها سراجا و هّاجا، و بسط بساط بسيط (1) الأرض لنسلك منها سبلا فجاجا، و جعل الجبال أوتادا و خلق كلّ شي‏ء أزواجا، و خطّ (2) الأقاليم و جعل البحرين عذبا و ملحا أجاجا، و أنبتنا من الأرض ثم يعيدنا فيها و يخرجنا إخراجا، فسبحان من هو مالك البلاد و رازق العباد و خالق السبع الشّداد بلا عمد و أوتاد، و المقدّس عن الأنداد و الأضداد، و المنزهّ عن الصاحبة و الأولاد. أحمده على أن جعلنا من أهل الأمصار و البلدان، و نوّر قلوبنا بنور الإيمان، و صيّرنا من المتدينين بأشرف الأديان و المتأدبين بآداب القرآن، و أصلّي على رسوله الذي أرسله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدّين كله و لو كره المشركون، و على آله و أصحابه الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون و بعد؛

فيقول العبد الفقير المعترف بالعجز و التقصير، الواثق بالتّوفيق الإلهي، محمّد الشهير بابن سباهي‏ (3): إنّ جميع أصحاب الشّرائع و الأديان قد أطبقوا، و جملة أرباب العقول و الأذهان قد اتفقوا على أنّ أعلى الكمالات الإنسانيّة و أسنى السّعادات النّفسانيّة، معرفة الصّانع بتقديس ذاته و تنزيه صفاته. و أنّ ذلك [2 أ] بالتفكّر في المبدعات و أسرارها، و التدبّر في المصنوعات و أطوارها، و ممّا يعين على هذا التفكّر و التدبّر علم الهيئة الذي أثنى [اللّه في‏] (4) التنزيل على عالميه بقوله‏

____________

(1) في (س):" بسط".

(2) في (س):" و حفظ".

(3) في الأصل و (ب):" السباهي".

(4) زيادة من (س).

30

عزّ قائلا: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا (1)، ثمّ لمّا كان العلم بالمسالك و الممالك من توابع علم الهيئة، و كان كتاب تقويم البلدان للسّلطان الملك المؤيد إسماعيل بن عليّ بن محمود بن محمّد المعروف بصاحب حماة صانه اللّه في العقبى عمّا يخاف منه و حماه أجود المصنفات في هذا الفن و ألطفها، و أحسن المؤلفات فيه و أشرفها، لكونه مشتملا على زبدة كتب المتقدّمين و خلاصة زبر المتأخّرين، فوربّ السّماء و الأرض إنّه لكتاب ما رأت عين الفلك الدّوار شبيهه‏ (2) في الأقطار، و ما سمعت أذان الثّوابت و السيارة نظيره في الاعصار: [الطويل‏]

كتاب فريد لا يرى طرف ناظر* * * نظيرا له طرّا و إن هو أحول‏

تكلّ عن وصف كماله الألسن، و فيه ما تشتهيه الأنفس و تلذ الأعين، و كان قد حذا في تأليفه حذو ابن جزلة في تقويم الأبدان، و اعتبر الأقاليم العرفية في التّرتيب‏ (3) و البيان. أجريت في هذا الشأن القلم [بعون ذاري الأمم، و بارى‏ء النسم‏] (4)؛ فرتبته على ترتيب حروف المعجم، و أضفت إليه ما التقطته من مصنّفات المحققين‏ (5)، و استنبطته من مؤلفات المدققين‏ (6)، ليكون أخذه يسيرا و نفعه كثيرا، و سميته بأوضح المسالك إلى‏ (7) معرفة البلدان و الممالك. و جعلته تحفة لسدّة هي حيرة الجنان بهجة و بهاء و خدمة لعتبة (8) هي غيرة الجنان نزهة

____________

(1) سورة آل عمران آية 191.

(2) في (س) و (ر):" شبهه".

(3) في الأصل:" الترتب".

(4) زيادة من (ب).

(5) في (ب):" الخلف".

(6) في (ب):" السلف".

(7) في (ر):" في".

(8) في (ب):" لسدة" و في (س):" لقبة".

31

و ضياء (1)، و هي سدّة الصّاحب الأعظم و الدستور [2 ب‏] الأفخم [مهرة رقاب الأمم سلطان الوزراء في العالم‏] (2) صاحب السّيف و القلم، ساحب أذيال اللطف و الكرم، ناصب أوتاد الشرع و حاميها، و كاسر جناح البدع و ماحيها، رافع ألوية العلم و ذويه، و قامع أهوية (3) الجهل و أهليه، ملجأ الفضلاء و العالمين ملاذ العلماء في العالمين، كهف المظلومين، مغيث الملهوفين، ممهد قواعد الملّة الربانيّة، مؤسس مباني الدولة العثمانيّة فكره الصّائب، حاوي فلك الإيالة رأيه الثّاقب، متمم أركان الحكومة و العدالة الذي لم يتشرّف مسند الوزارة بمثله في الصدارة و لم يكن‏ (4) إحاطة صفاته بلسان العبارة و الإشارة: [البسيط]

أمّ الوزارة [كانت‏] (5) جمّة الولد* * * لكن بمثلك لم تحبل و لم تلد

و سارت جنائب الأفلاك بتعال‏ (6) الأهلّة، و مسامير (7) الكواكب في مواكب رفعة شأنه، و أصبحت منطقة السّروج‏ (8) مرصعة بالثّوابت الزواهر نطاقا على خواصر خدمه و غلمانه، و استنارت أزهار الفضل في أوانه و ارتفعت أقدار العلم في زمانه، و هو قطب فلك الكرم و الامتنان، و مركز دائرة الجود و الإحسان خلاصة العناصر و زبدة (9) الأركان سميّ حبيب الرحمن: [الطويل‏]

و ليس إلى مدحي لو صفك حاجة* * * فذاتك‏ (10) ممدوح و خلقك مادح‏

____________

(1) في (س) و (ر):" و صفاء".

(2) زيادة من (س) و (ر).

(3) في (س):" ألوية".

(4) في الأصل:" يمكن".

(5) زيادة يقتضيها الوزن.

(6) في (ب) و (س) و (ر):" بنعال".

(7) في (س):" و سائر".

(8) في (ب) و (س) و (ر):" البروج".

(9) في (ر):" و بدرة".

(10) في الأصل:" فذلك".

32

لا زال خلوص نيته‏ (1) حاملا على تعمير المسالك و كمال همته مائلا إلى تمصير الممالك و ما برحت أعلام العدل في أيّام دولته عالية، و قيمة العلم من آثار تربيته غالية، أهديته إلى سدّته السّنية و عتبته العليّة آداء لشكر امتنانه السّابق و رجاء [لنيل‏] (2) إحسانه اللاحق‏ (3) فإنّ أصغر خدمه و أحقر عباد حرمه قد ارتوى من نهر [3 أ] كرمه و غرق‏ (4) في بحر جوده و نعمه: [الطويل‏]

و لو أنّ لي‏ (5) في كلّ منبت شعرة* * * لسانا، لما أستوفيت واجب حمده‏

بذلت له رقّي و ها أنا عبده‏* * * و قصّرت فيما قلت بل عبد عبده‏

فإن وقع موقع القبول، و وضع موضع المرضي المقبول، فهو من توفيق اللّه و تسديده و إعانته و تأييده، ثمّ المرجو من أخلاقه الكريمة على مقتضى عادته القديمة، أن يلتفت إلى حال عبده الدّاعي بالنّظر الشّامل الشّافي، و الكرم الوافر الوافي، و يخلّصه من عساكر طغاة الهموم، و ينجيه من جيوش بغاة الغموم. اللهم كما جعلت مجرّة الأفلاك من مسالك قدم هممه‏ (6)، و رقاب أرباب الألباب مطوّقة بأطواق نعم كرمه، أجعل مدارج معارج آمال‏ (7) الدّنيا و الآخرة مطوية بأخمص قدمه بحرمة نبيك و حرمه.

هذه أسماء الكتب‏ (8) التي ينقل عنها في هذا الكتاب: كتاب نزهة المشتاق للشّريف الإدريسيّ في المسالك و الممالك، كتاب ابن خرداذبّه، كتاب الأنساب‏

____________

(1) في (س):" همته".

(2) زيادة من (ب) و (س) و (ر).

(3) في الأصل:" اللائق".

(4) في (س):" و أغرق".

(5) في الأصل:" و لو أنه في" و في (س):" و لو أنّ ما في".

(6) في (س):" همته".

(7) ساقطة من (س).

(8) سقطت قائمة أسماء الكتب من (ب).

33

للسّمعانيّ، كتاب مزيل الارتياب عن مشتبه الانتساب و كتاب الفيصل‏ (1) كلاهما لأبي المجد إسماعيل بن هبة اللّه الموصليّ، و كتاب المشترك وضعا و المختلف صقعا لياقوت الحمويّ، كتاب القانون المسعوديّ لأبي الريحان البيرونيّ، كتاب الأطوال و العروض للفرس، كتاب المسالك و الممالك المعروف بالعزيزيّ نسبة إلى العزيز صاحب مصر الفاطميّ‏ (2) تأليف الحسن بن أحمد المهلّبيّ، كتاب رسم الرّبع المعمور، كتاب منسوب إلى بطلميوس نقل من اللّغة اليونانيّة إلى اللّغة العبرانيّة و عرّب [3 ب‏] للمأمون، كتاب اللّباب لابن الأثير، كتاب خريدة العجائب و فريدة الغرائب، و كتاب الصّحاح و كتاب القاموس و كتاب تاريخ الحكماء لجمال الدين القفطيّ، و كتاب تحفة الآداب في ذكر التواريخ و الأنساب لمحمّد بن الحسين بن عبد الحميد بن محمّد بن عبد الحميد بن عبد اللّه العلويّ الحسينيّ النّسّابة، و كتاب الآثار الباقية عن القرون الخالية لأبي الريحان البيرونيّ، و كتاب الإشارات‏ (3) في معرفة الزيارات لعلي بن أبي بكر الهرويّ، (و كتاب الأنس الجليل بتاريخ القدس و الخليل لعبد الرحمن بن محمّد العمريّ العليميّ) (4) الحنبليّ، و كتاب التاريخ لابن كردوش النّصرانيّ، و كتاب مختصر الدول لماغريغوريوس النّصرانيّ، و شرحا المقامات‏ (5) الحريرية أحدهما لأبي البقاء النّحويّ و الآخر للإمام المسعودي، و كتاب المختصر في أخبار البشر لإسماعيل بن عليّ بن محمود بن محمّد بن عمر ابن شاهنشاه بن أيوب صاحب حماة، و كتاب مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة و البقاع تأليف صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق.

____________

(1) في الأصل و (ب) و (ر):" الفيصل" و هو كتاب الفيصل في مشتبه أسماء البلدان (كشف الظنون 2: 1304).

(2) في الأصل:" كتاب القاطمي".

(3) في (ر):" الإشارة".

(4) ما بين القوسين ساقط من (ر).

(5) في (س):" المقدمات".

34

الكلام على البحار

المنقول عن الحكماء أنّ البحر المالح‏ (1) هو أحد العناصر الأربعة (2)، قالوا:

البحار العظيمة المشهورة خمسة: البحر المحيط، و بحر الصّين، و بحر الرّوم، و بحر نيطش، و بحر الخزر، و لأصحاب الجغرافيا اصطلاح في تعريف البحور فيقولون يمتدّ كالقوّارة و كالشّابورة و كالطّيلسان و نحو ذلك. و قد صوّرنا ذلك و كتبنا الأسماء التي اصطلح عليها أهل الصناعة و هي هذه:

و الخور (3) [4 أ] كلّ خليج يمتدّ من البحر إلى بعض النواحي. و المجرى ما يقطعه المركب في يوم و ليلة بالريح الطيب.

ذكر البحر المحيط

نحن إذا عرّفنا البحر إنما نعرّفه بجوانب الأرض التي قد أحاط بها، و قد نعرّف بعض جوانب الأرض بالبحر المحيط بها، و لكنّ البعض الذي نعرّف به البحر غير البعض الذي نعرّفه بالبحر فلا دور، و إنما سمّي محيطا لإحاطته بجميع القدر المكشوف من الأرض؛ و لهذا كان يسمّيه أرسطو الإكليلي لأنّه حول الأرض‏

____________

(1) في الأصل و في (ب):" الملح".

(2) العناصر الأربعة كما عددها أبو الفداء هي: النار و الهواء و الماء ثم الأرض (تقويم البلدان 18).

(3) في التقويم:" الجون"، و ورد في هامش (س):" في الصحاح: الخور مثل الغور المنخفض من الأرض. و في القاموس (497): الخور المنخفض من الأرض، و الخليج من البحر، و مصبّ الماء في البحر. في المراصد (1: 488): أصله هور فعرب فقيل خور".

35

كالإكليل على الرأس و لنبتدى‏ء فنذكره من الجانب الغربيّ، ثم نذكر أحاطته من الجهة الجنوبيّة، ثمّ من الجهة الشّرقيّة، ثمّ الشّماليّة، ثمّ الغربيّة من حيث ابتدأنا.

فنقول: إنّ جانب البحر المحيط الغربيّ على ساحله بلاد المغرب يسمّى أوقيانوس، و فيه الجزائر الخالدات و هي واغلة فيه عن‏ (1) ساحله عشر درجات.

و البحر المحيط المذكور يأخذ من الامتداد من سواحل بلاد المغرب الأقصى قبالة سبتة و سلا إلى جهة الجنوب حتّى يتجاوز صحراء لمتونة (2)، و هي براري البربر (3) بين طرف بلاد المغرب و بين أطراف بلاد السّودان، ثم يمتدّ جنوبا على أراض خربة غير مسكونة و لا مسلوكة حتّى يتجاوز خطّ الاستواء في الجنوب عنه، ثمّ يعطف إلى جهة الشّرق وراء جبال القمر التي منها منابيع نيل مصر، فيصير البحر المذكور جنوبيّا عن‏ (4) الأرض، ثم يمتدّ مشرقا على أراض خراب وراء بلاد الزّنج، ثم يمتدّ شرقا و شمالا حتّى يتصل ببحر الصّين و الهند، ثم يأخذ مشرقا حتّى يسامت نهاية الأرض الشّرقيّة المكشوفة و هناك [4 ب‏] بلاد الصّين، ثمّ ينعطف في شرقيّ الصّين إلى جهة الشّمال، ثم يمتدّ شمالا على غربيّ‏ (5) بلاد الصّين حتّى يتجاوز بلاد الصّين، و يسامت سدّ يأجوج و مأجوج.

ثم ينعطف و يستدير على أراض غير معلومة الأحوال، و يمتدّ مغربا و يصير في جهة الشّمال على الأرض و يسامت بلاد الروس، و يتجاوزها و يعطف مغربا و جنوبا و يستدير على الأرض و يصير من جهة الغرب، و يمتدّ على سواحل أمم مختلفة من الكفار حتّى يسامت بلاد رومية من غربيها، ثم يمتدّ جنوبا و يتجاوز بلاد رومية إلى مسامتة البلاد التي بين رومية و بين الأندلس حتّى يتجاوزها إلى سواحل‏

____________

(1) في (س):" على".

(2) وردت في جميع النسخ:" المتونة" و الصواب ما أثبتناه.

(3) في التقويم (20):" للبربر".

(4) في (س) و (ر):" على".

(5) في التقويم (20):" شرقي".

36

الأندلس، ثم يمتدّ على غربي الأندلس جنوبا حتّى يتجاوز الأندلس و يسامت سبتة من برّ العدوة من حيث ابتدأنا.

و ممّا نقلنا من كلام الإدريسيّ: أنّ ماء البحر المحيط الذي بجهة الجنوب غليظ لأنّ الشّمس بسبب مسامتتها [له‏] (1) و قربها منه حلّلت الأجزاء اللطيفة من الماء فغلظ ماؤه و اشتدت ملوحته و سخونته و لذلك لا يعيش فيه حيوان، و لا يسلك فيه مركب، و قال في كتابه المسمّى بنزهة المشتاق‏ (2): إنّ البحر المحيط الشّرقيّ يسمّى البحر الزفتيّ لأن ماءه كدر و ريحه عاصفة، و الظّلمة لا تزال واقعة (3) عليه في أكثر الأوقات، و يتّصل هذا البحر الزفتيّ بالبحر المحيط المتّصل ببلاد (4) يأجوج.

ذكر البحر الخارج من المحيط الشّرقيّ إلى جهة الغرب إجمالا

و هو بحر ينبعث من البحر المحيط من عند أقصى بلاد الصّين الشّرقيّة التي ليس شرقها غير البحر المحيط، و يأخذ مغرّبا إلى القلزم حيث الطّول ست و خمسون درجة و نصف، فيكون طول هذا البحر من طرف بلاد الصّين إلى [5 أ] القلزم نحو مائة و أربع و عشرين درجة، فإذا ضربتها في أثنين و عشرين و تسعين و هو فراسخ درجة واحدة على رأي القدماء خرج طول هذا البحر بالفراسخ و هو ألفان و سبعمائة و ثمانية و أربعون فرسخا بالتّقريب.

و يسمّى هذا البحر بأسماء البلاد (5) التي يسامتها؛ فطرفه الشّرقيّ يسمّى بحر

____________

(1) ساقطة من الأصل.

(2) الإدريسي 1: 87.

(3) في (ر):" تقع".

(4) في الأصل:" بلاد".

(5) في (ر):" البلدان".

37

الصّين لأن بلاد الصّين على ساحله، ثم القطعة الغربيّة عن بحر الصّين يسمّى بحر الهند لمسامتتها بلاد الهند، ثم يصير منه بحر فارس، ثم بحر البربر و هو المعروف بالخليج البربري، ثم بحر القلزم و سنذكر كلّ واحد من هذه البحور بمفرده.

ذكر بحر الصّين‏

أما تفاصيل أحواله و تحديده فإنه مجهول لنا، و لم نقف فيه على تفصيل محقق، و الذي ثبت‏ (1) في الكتب أنّ أطراف بلاد الصّين الشّرقيّة الجنوبيّة تتّصل بخط الاستواء حيث لا يكون عرض، و من هناك يخرج بحر الصّين المذكور فيأخذ في الغرب و فيه جزائر بها مدن كثيرة بعضها على خط الاستواء و بعضها جنوبيّ خط الاستواء، و لا يزال بحر الصّين يغرب‏ (2) حتّى يسامت جبال قامرون‏ (3) و هي حجاز بين الصّين و الهند، و هي معدن العود، و هي حيث الطّول مائة و خمس و عشرون و العرض عشر درج.

و رأيت في المسالك و الممالك أنّ جزيرة سريرة إذا أقلع الإنسان منها طالبا بلاد الصّين الشّرقيّة و اجهته‏ (4) في البحر جبال معترضة داخلة في البحر مسيرة عشرة أيّام، و في تلك الجبال أبواب و فرج تسلك فيها المراكب بين تلك الجبال، و كلّ باب من هذه الأبواب يفضي إلى بلدة (5) من بلاد الصّين، و هذه الطرائق لمن سار إلى سمت الشّرق [5 ب‏] و تياسر عن اللّجة، و أمّا من قصد اللّجة فإنّه يصير في جنوبيّ هذه الجبال خارجا عنها.

____________

(1) في (ر):" يثبت".

(2) في (ر):" يقرب".

(3) في الأصل:" قاصرون" و هو تصحيف.

(4) وردت في جميع النسخ:" واجهه" و ما أثبتناه من التقويم (22).

(5) في (ب) و (س) و (ر):" بلد".

38

ذكر البحر الأخضر

و هو بحر الهند، أمّا شرقيّه فبحر (1) الصّين، و شماليه بلاد الهند، و غربيه بلاد اليمن، و أمّا جنوبيه فغير معلوم لنا. فإنه بحر ممتدّ في الجنوب‏ (2) حتّى يتجاوز خط الاستواء، و فيه جزيرة سرنديب على ما سنذكره إن شاء اللّه. قالوا: و بحر الهند و الصّين ألف و سبعمائة جزيرة عامرة غير الخراب، و قد ذكر في رسم الرّبع المعمور لهذا البحر أطوال و عروض لأطرافه، اعتبرنا بعضها فلم يوافق فأضربنا (3) عنها.

ذكر بحر فارس‏

و هو بحر ينبعث من بحر الهند شمالا بين مكران و هي على فم بحر فارس من شرقيه و قصبة مكران تيز (4) و هي حيث الطّول ثلاث و تسعون و العرض أربع و عشرون درجة و خمس و أربعون دقيقة و بين عمان و هي على فم بحر فارس من غربيه حيث الطّول أربع و سبعون و العرض تسع عشرة و خمس و أربعون دقيقة، ثم يمتدّ البحر على ساحل عمان، و يمرّ شمالا حتّى يبلغ عبّادان حيث الطّول خمس و سبعون و نصف و العرض إحدى و ثلاثون فقط، ثم يمتدّ من عبّادان الى مهروبان‏ (5) مشرقا بميلة يسيرة إلى الجنوب و هي حيث الطّول ست و سبعون و العرض ثلاثون، ثم يمرّ (6) إلى سينيز حيث الطّول ست و سبعون و العرض اثنتان و ثلاثون فقط، ثم يمتدّ جنوبا إلى جنّابة (7) حيث الطّول سبع و سبعون و ثلث و العرض ثلاثون فقط، ثم‏

____________

(1) وردت في الأصل و (ب):" فبلاد" و الصواب ما أثبتناه من (س) و (ر) و التقويم (22).

(2) في الأصل:" الجنون".

(3) في (س):" فأعرضنا".

(4) في (س):" مكران نيز" و في (ر):" مكران ينز".

(5) في الأصل:" مهدوبان".

(6) في (س) و (ر):" يمتد".

(7) في الأصل:" خباية" و في (ر):" جناية".

39

يمتدّ إلى سيف البحر و هو ساحل بلاد فارس فيه ميناء (1) للحطّ و الإقلاع و حواليها قرى، ثم يتجاوز سيف البحر و يمتدّ [6 أ] مشرقا إلى سيراف حيث الطّول تسع و سبعون و نصف و العرض تسع و عشرون‏ (2)، ثمّ يمتدّ على جبال منقطعة و مفاوز و يأخذ مشرّقا إلى حصن ابن عمارة حيث الطّول أربع و ثمانون فقط، و العرض ثلاثون درجة و عشرون دقيقة، ثم يمتدّ مشرقا حتّى يتّصل إلى هرمز (3) و هي فرضة كرمان حيث الطّول خمس و ثمانون و العرض ثلاثون، ثم يمتدّ جنوبا و مشرقا إلى ساحل مكران و قصبتها تيز (4) التي طولها و عرضها ما ذكر و [هو] (5) صح و العرض كد مه.

و على فم بحر فارس الدردور و هي ثلاثة جبال يقال لأحدها كسير و الآخر عوير (6) و الثّالث ليس فيه خير (7)، و ماء البحر يدور هناك فإذا وقع فيه المركب كسره هناك. قالوا: و هذه الجبال غارقة في البحر و يظهر منها القليل. قال الشّريف الإدريسيّ‏ (8): المكان المسمّى بالدردور و هو محاذ لهذين‏ (9) الجبلين، و يقع في جميع البحر الشّرقيّ و بحر فارس المدّ و الجزر في كلّ يوم‏ (10) و ليلة مرّتان، و هو أن يرتفع البحر نحو عشرة أذرع ثم يهبط حتّى يصير (11) إلى مقداره الأوّل.

____________

(1) في الأصل:" مبنا" و في (س):" مينا و إقلاع".

(2) في التقويم (23):" تسع و عشرون و نصف".

(3) وردت في (ر):" هرمزه" و في التقويم (23):" هرموز".

(4) في (س):" بين" و في (ر):" نيز".

(5) زيادة من (ب) و (ر).

(6) في الأصل:" غوير".

(7) في (ر):" حيز" و في التقويم (23):" خبر".

(8) نزهة المشتاق 1: 164.

(9) في الأصل:" بهذين".

(10) في (س) و (ر):" نهار".

(11) في (ب) و (س) و (ر):" يرجع".

40

ذكر بحر القلزم‏

و يسمّى بالخليج الأحمر و لنبتدى‏ء بذكره من القلزم و هي بليدة (1) على طرفه الشّماليّ‏ (2) حيث الطّول أربع و خمسون و ربع، و قيل ست و خمسون و نصف و العرض ثمان و عشرون و ثلث، و يأخذ البحر المذكور من القلزم جنوبا بميلة إلى الشّرق حتّى يصير عند القصير، و هي فرضة قوص‏ (3) حيث الطّول تسع و خمسون درجة و العرض ست و عشرون، ثمّ يأخذ جنوبا بميلة يسيرة إلى الغرب و ذلك عند عيذاب‏ (4) حيث الطّول ثمان و خمسون درجة و العرض إحدى و عشرون، ثمّ يمتدّ في سمت الجنوب من غير ميلة حتّى يصير عند سواكن [6 ب‏]، و هي بليدة السّودان‏ (5) حيث الطّول أيضا ثمان و خمسون درجة و العرض سبع عشرة، ثمّ يمتدّ جنوبا حتّى يحيط بجزيرة دهلك و هي قريبة من ساحله الغربيّ حيث الطّول إحدى و ستون درجة و العرض [أربع‏] (6) عشرة، ثم يمتدّ على سواحل الحبشة جنوبا و يصل إلى رأس جبل المندب و هو نهاية بحر القلزم الجنوبيّة عند فم بحر القلزم من بحر الهند، و يتقارب جبل المندب و برّ عدن و يبقى البحر بينهما ضيقا حتّى يرى الرّجل صاحبه من البرّ الآخر و هذا المضيق يسمّى باب المندب.

و حكى لي بعض المسافرين أنّ باب المندب دون عدن و هو عنها في جهة الشّمال بميلة إلى الغرب‏ (7) نحو مجرى و جبال المندب في برّ السّودان. و ترى جبال المندب من جبال عدن على بعد، و هو غاية ضيّق البحر هناك، و عدن عن‏

____________

(1) في (س):" بلدة".

(2) في (س):" طرف الشّمال" و في (ر):" طرفه الشّمال".

(3) في (س) و (ر):" قرص".

(4) في (س):" غيراب" و في (ر):" عيزاب".

(5) في (س):" بلدة السّودان". و في (ر):" بلدة للسّودان".

(6) ساقطة من الأصل.

(7) في (ب) و (ر):" القرب".

41

باب المندب في جهة الجنوب و الشّرق. فهذا ما على جانب بحر القلزم من القلزم إلى المندب و هو الجانب الغربيّ لهذا البحر، ثم ننتقل‏ (1) إلى البرّ الآخر المقابل لجبل‏ (2) المندب و هناك عدن فنقول: ثم يمتدّ بحر القلزم من عدن حيث الطّول ست و ستون درجة و العرض إحدى عشرة شمالا، و يتجاوز سواحل اليمن حتّى يتصل بحلى ابن يعقوب في أواخر حدود اليمن حيث الطّول سبع و ستون [درجة] (3) و العرض تسع عشرة ينقص عشر دقائق، ثم يمتدّ شمالا حتّى يتّصل بجدّة حيث الطّول ست و ستون درجة و العرض إحدى و عشرون [درجة] (4)، ثم يمتدّ شمالا بميلة يسيرة إلى الغرب حتّى يتّصل بالجحفة، و هي ميقات أهل مصر حيث الطّول خمس و ستون و العرض [7 أ] اثنتان و عشرون، ثم يمتدّ شمالا بميلة إلى الغرب حتّى يتّصل بساحل ينبع‏ (5) حيث الطّول أربع و ستون و العرض ست و عشرون، ثم يأخذ من‏ (6) الغرب و الشّمال حتّى يتجاوز مدين و يتصل بأيلة حيث الطّول خمس و خمسون و العرض تسع و عشرون.

و قال في القانون‏ (7): أيلة حيث الطّول ست و خمسون درجة و أربعون دقيقة و العرض ثمان و عشرون و خمسون دقيقة، ثم يرجع جنوبا إلى الطّور (8) و هو مكان حطّ و إقلاع بين ذراعين من البحر، ثم يعود شمالا و يتّصل بالقلزم عند طول أربع و خمسين و هو غربي أيلة و العرضان متقاربان من حيث ابتدأنا، و القلزم و أيلة على‏

____________

(1) في (ب) و (س) و (ر):" تنتقل".

(2) وردت في جميع النسخ:" بجبل" و ما أثبتناه من التقويم (24).

(3) زيادة من (س).

(4) زيادة من (س).

(5) في (س) و (ر):" ينبوع".

(6) في التقويم (24):" بين".

(7) أبو الريحان البيرونيّ 2: 47.

(8) في (س):" الطول".

42

ذراعين أو لسانين من البحر (قد طعنا (1) في البرّ الشّماليّ، و صار بين اللسانين المذكورين للبّر (2) دخلة إلى الجنوب في البحر) (3)، و في تلك الدخلة الطّور حيث الطّول نحو طول أيلة، و على طرف اللسان الشّرقيّ أيلة و على طرف اللسان الغربيّ القلزم، فأيلة شرقيّ القلزم و فيما بين القلزم و أيلة الطّور و هي جنوبيّ القلزم، و أيلة على رأس الدخلة في البحر فبين الطّور و بين برّ مصر بحر، و هو اللسان الذي على طرفه أيلة (4) فمن الطّور إلى كل من البرّين في البحر قريب. و أمّا في البرّ ففيه بعد لأنّ المسافر من الطّور يحتاج أن يستدير على القلزم إن قصد ديار مصر أو يستدير على أيلة إن قصد الحجاز، فالطّور جهته الشّماليّة مكشوفة متّصلة بالبرّ و باقي ثلاث جهاته يحيط بها البحر.

و بحر القلزم المذكور إذا تجاوز القصير اتّسع إلى جهتيّ الجنوب و الشّرق حتّى يكون اتّساعه سبعين‏ (5) [7 ب‏] ميلا، و تسمّى تلك القطعة المتّسعة بركة غرندل، بضمّ الغين المعجمة و الرّاء المهملة و سكون النّون ثم دال مهملة و لام.

ذكر الخليج البربريّ‏

و هو خليج ينبعث من بحر الهند في جنوبيّ جبل المندب و جنوبيّ بلاد الحبشة و يأخذ مغرّبا حتّى يتّصل ببربرا في بلاد الزنج حيث الطّول ثمان و ستون و العرض ست و نصف، و في القانون‏ (6): عرض بربرا اثنتا عشرة درجة، و طول هذا البحر من الشّرق إلى الغرب نحو خمسمائة ميل، و يحكى عن أمواج هذا الخليج‏

____________

(1) في الأصل:" طغنا" و في (ب):" قطعنا".

(2) في الأصل و في (ب) و (ر):" البر" و ما أثبتناه من التقويم (25).

(3) ما بين القوسين ساقط من (س).

(4) في التقويم (25):" و هو اللسان الذي على طرفه القلزم، و كذلك بين الطور و بين برّ الحجاز بحر و هو اللسان الذي على طرفه أيلة". و في (س):" على طرف أيلة".

(5) وردت مكررة في الأصل.

(6) أبو الريحان البيرونيّ 2: 36.

43

البربري شي‏ء عظيم. قال الإدريسيّ‏ (1): إنّ الموج فيه يصير كالجبال الشّواهق و موجه لا ينكسر. قال: و إنما يركب فيه إلى جزيرة قنبلو و هي جزيرة في البحر المذكور للزنج و فيها مسلمون.

ذكر بحر أوقيانوس‏

و هو [قطعة من البحر المحيط الغربي قد طردت بلاد المغرب‏] (2) الأقصى عن ابتداء الأطوال إلى جهة الشّرق، و يبتدى‏ء هذا البحر من طرف خطّ (3) الاستواء الغربيّ، و هو الموضع الذي يؤخذ منه و ممّا هو في سمته أطوال الأماكن، فيبتدى‏ء هذا البحر من حيث لا عرض و يأخذ مشرقا إلى طول درجة واحدة، ثم يمتدّ شرقا و شمالا إلى طول عشر درجات و عرض ست عشرة، ثم يمتدّ و يعطف شمالا و مغربا فينقص طوله حتّى ينتهي إلى طول سبع درجات و العرض خمس و ثلاثون درجة، و ذلك عند طنجة، ثم يمتدّ على غربي ساحل الأندلس و يتجاوز الأندلس و يستدير على شمالي رومية، و يمتدّ كذلك شمالا إلى عرض إحدى و ستين، و طول ثلاث و أربعين، و يمتدّ حتّى يصير في الجانب الشّماليّ عن الأرض حيث العرض إحدى و سبعون درجة، و يخرج من هذا البحر (4) عدّة أبحر منها: بحر الرّوم و بحر برديل و بحر ورنك على ما سنذكره إن شاء اللّه تعالى.

و يقع [8 أ] في هذا البحر المدّ و الجّزر أيضا (5) في اليوم و الليلة مرتين. قال الإدريسيّ في نزهة المشتاق‏ (6): إنّ المدّ و الجزر الذي رأيناه عيانا في بحر الظلمات‏

____________

(1) في (س) و (ر):" الأندلسي"، و انظر نزهة المشتاق 1: 49-

(2) ساقط من الأصل و ما أثبتناه من (ب) و (س) و (ر) و التقويم (26).

(3) في (س):" محل".

(4) في (س):" هذين البحرين".

(5) في الأصل و (ب):" الذي أيضا".

(6) 1: 93- 94.

44

و هو البحر المحيط بغربيّ الأندلس و بلاد برطانية فإنّ المدّ يبتدى‏ء في الساعة الثّالثة من النهار إلى أوّل التاسعة ثم يأخذ في الجزر ست ساعات، مع آخر النهار ثم يمتدّ (1) ست ساعات ثم يجزر ست ساعات هكذا يمد في اليوم مرّة و في الليل مرّة، و يجزر (2) في اليوم مرّة و في الليل مرّة أخرى، و علّة ذلك أنّ الرّيح تهيّج هذا البحر في أوّل الساعة الثّالثة من النهار، و كلما طلعت الشّمس في أفقها كان المدّ مع زيادة الرّيح، ثم تنقص الريح عند آخر النهار لميل الشّمس إلى الغروب فيكون الجزر أيضا، و كذلك الليل تهيج الريح في صدره و تركد مع آخره. و زيادة الماء في المدّ يكون في ليلة ثلاث عشرة [و ليلة أربع عشرة] (3) و ليلة خمس عشرة و ليلة ست عشرة [و في هذه الليالي يفيض الماء فيضا] (4) كثيرا، و يصل إلى أمكنة لا يصل إليها إلا في مثل تلك الليالي من الشهر الآتي، و هذا يراه أهل المغرب مشاهدة لا امتراء فيه و يسمّون هذا المدّ فيضا (5).

يقول العبد [الضعيف‏] (6) ذكر في خريدة العجائب و فريدة الغرائب‏ (7):

[إنّ‏] (8) بحر أوقيانوس بحر عظيم هائل، غليظ (9) المياه، كدر اللون، شامخ الموج، صعب الظهر، لا يمكن ركوبه لأحد (10) من صعوبته و ظلمة متنه و تعاظم أمواجه و كثرة أهواله و هيجان رياحه و تسلّط دوابه، و هذا البحر لا يعلم أحد قعره‏

____________

(1) في (ب) و (ر):" يمدّ".

(2) في (ر):" و ينجزر".

(3) ساقط من الأصل و هو في (ب) و (س) و (ر).

(4) ساقط من جميع النسخ و ما أثبتناه من التقويم (27).

(5) وردت في جميع النسخ:" قيصا" و الصواب ما أثبتناه من التقويم (27).

(6) ساقطة من الأصل.

(7) ابن الوردي 22-

(8) ساقطة من الأصل.

(9) وردت في جميع النسخ:" عظيم" و ما أثبتناه من الخريدة.

(10) وردت في (س) و (ر):" من أحد لأحد".

45

و لا يعلم ما خلفه إلا اللّه، و هو غور المحيط و لم يقف أحد من خبره على الصحّة، و لا ركبه أحد ملججا أبدا إنما يمرّ مع ذيل‏ (1) السّاحل لأن به أمواجا كالجبال الشوامخ و دويّ كعظم‏ (2) دويّ الرعد لكنّ أمواجه [8 ب‏] لا تنكسر و لو انكسرت لم يركبه‏ (3) أحد لا ملججا و لا مسوحلا.

و اتفق جماعة من أهل أشبونة (4) و هم ثمانية أنفس و كلّهم أبناء عمّ فأنشأوا مركبا كبيرا و حملوا فيه من الماء و الزاد ما يكفيهم مدة طويلة، و ركبوا متن هذا البحر ليعرفوا ما في نهايته و يروا ما فيه من العجائب، و تحالفوا أنهم لا يرجعون أبدا حتّى ينتهوا إلى البرّ الغربيّ أو يموتوا، فساروا فيه ملججين أحد عشر يوما فدخلوا إلى بحر عظيم غليظ الموج كدر الريح مظلم المتن و القعر (5) كثير القروش‏ (6) فأيقنوا بالهلاك و العطب، فرجعوا إلى‏ (7) البحر في الجنوب إثني عشر يوما فدخلوا إلى جزيرة الغنم و فيها من الأغنام ما لا يحصي عدده إلا اللّه، و ليس بها آدمي و لا بشر و لا صاحب فنفضوا (8) إلى الجزيرة و ذبحوا من ذلك الغنم و أصلحوه و أرادوا أن يأكلوه فوجدوا لحومها مرّة لا تؤكل، فأخذوا من جلودها ما أمكن و وجدوا بها عين ماء عذب فملئوا منها و سافروا مع الجنوب اثني عشر يوما أخر فوافوا جزيرة و بها عمارة فقصدوها؛ فلم يشعروا إلا و قد أحاطت بهم زوارق و بها قوم موكلون بها فقبضوا عليهم و حملوهم إلى الجزيرة فدخلوا إلى مدينة على‏

____________

(1) في الأصل و في (ب) و (ر):" زبد" و في (س):" زبد البحر" و ما أثبتناه من الخريدة.

(2) وردت في جميع النسخ:" كأعظم" و ما أثبتناه من الخريدة.

(3) في الأصل:" لا يركب" و ما أثبتناه من (ب) و (س) و (ر) و الخريدة.

(4) في (س) و (ر):" أشبون".

(5) في الأصل:" القفر".

(6) ورد في هامش (س) بخطّ مختلف عن خطّ الناسخ:" القروش جمع قرش، نوع من السمك يأكل الآدمي".

(7) في الخريدة:" مع".

(8) في الخريدة:" فنهضوا".

46

ضفة البحر و أنزلوهم بدار و رأوا بتلك المدينة و الجزيرة رجالا شقر الألوان طوال القدود و لنسائهم جمال مفرط يخرج عن الوصف فتركوهم في الدّار ثلاثة أيّام، ثم دخل إليهم في اليوم الرّابع إنسان ترجمان و كلّمهم بالعربيّ‏ (1) و سألهم عن حالهم فأخبروه بخبرهم، فأحضروا قدّام الملك الذي لهم و أخبره التّرجمان بما أخبروه عن حالهم‏ (2) فضحك الملك منهم و قال للتّرجمان: قل لهم إني وجّهت من عندي في هذا البحر قوما ليأتوني بخبر ما فيه من العجائب، فساروا مغرّبين شهرا حتّى أنقطع عنهم الضوء و صاروا في مثل الليل المظلم، فرجعوا [9 أ] من غير فائدة.

و وعدهم الملك خيرا، و أقاموا عنده حتّى هبّت ريحهم فبعثهم الملك مع قوم من أصحابه في زورق و كتفوهم و عصّبوا أعينهم و سافروا بهم مدة لا يعلمون كم هي، ثم تركوهم على السّاحل و انصرفوا، فلما سمعوا كلام النّاس صاحوا، فأقبلوا إليهم و حلّوا عن أعينهم و قطعوا كتافاتهم‏ (3) و أخبروهم الجماعة بخبرهم و بلدهم، فقال لهم النّاس: هل تدرون [كم‏] (4) بينكم و بين بلدكم؟ فقالوا لا! قالوا فوق شهر جدا، فرجعوا إلى بلدهم. و لهم في أشبونة حارة معروفة مشهورة تسمّى حارة المغرورين‏ (5) إلى الآن.

و ذكر في الخريدة (6) أيضا: أنّ في بحر أوقيانوس من الجزائر العامرة و الخراب ما لا يعلمه إلا اللّه، و قد وصل الناس منها إلى سبع عشرة جزيرة، فمنها الخالدتان و هما جزيرتان على كل واحدة منهما صنم‏ (7) مبني بالحجر الصلد، طول كل صنم مائة ذراع، و فوق كل صنم صورة رجل من نحاس يشير بيده إلى خلف‏

____________

(1) في الأصل و (ب):" بالغربي".

(2) في (س):" من حالهم" و في (ر):" بما أخبروهم من حالهم".

(3) وردت في جميع النسخ:" أكتافهم" و ما أثبتناه من الخريدة.

(4) سقطت من جميع النسخ و ما أثبتناه من الخريدة.

(5) في الأصل و (ب) و (ر):" المعررين" و في (س):" المغررين" و ما أثبتناه من الخريدة.

(6) ابن الوردي: 97-

(7) في (س):" منهم".

47

يعني ارجع فما ورائي شي‏ء و لا مسلك بناها ذو المنار الحميري من التبابعة و هو [ذو] (1) القرنين لا المذكور في القرآن.

و منها جزيرة العوس‏ (2) و بها أيضا صنم‏ (3) وثيق البناء لا يمكن الصعود إليه، بناه أيضا ذو القرنين المذكور، و بهذه الجزيرة مات الباني و قبره بها في هيكل مبني بالمرمر و الزجاج الملون، و بهذه الجزيرة دواب هائلة ينكرها السامع.

ذكر بحر الرّوم‏

و هو البحر الخارج [من‏] (4) أوقيانوس في جهة الشّرق و ابتداؤه من عند طنجة و هو يخرج من بين طنجة و سبتة و غيرهما من برّ العدوة و برّ (5) الأندلس و يسمّى هناك بحر الزقاق و هو ضيّق هناك و كان في الزمان القديم سعة الزقاق، و هو من برّ العدوة إلى برّ الأندلس عشرة أميال. قال الإدريسيّ‏ (6): و ذلك ثابت في الكتب القديمة، و أمّا في زماننا هذا فإنه اتسع عن ذلك. قال ابن سعيد (7): و قدره ثمانية عشر ميلا [9 ب‏] في زماننا هذا.

و لنبتدى‏ء فنذكر هذا البحر من طنجة و سبتة اللتين ببرّ العدوة، ثم نذكر جوانبه حتّى ينتهي إلى البرّ الآخر من الأندلس إلى مدينة الجزيرة الخضراء المقابلة لسبتة و طنجة من حيث ابتدأنا فنقول: يخرج هذا البحر من الغرب إلى جهة الشّرق و يبتدى‏ء من بين الأندلس و طنجة حيث الطّول سبع درج و العرض خمس و ثلاثون،

____________

(1) سقطت من الأصل.

(2) وردت في جميع النسخ:" لغوس" و ما أثبتناه من الخريدة.

(3) في (س):" منهم".

(4) ساقطة من الأصل.

(5) في التقويم (27):" و بين".

(6) لم نجده في النزهة.

(7) كتاب الجغرافيا 138.

48

ثم يعطف جنوبا و شرقا إلى [سلا حيث الطول سبع درج و كسر و العرض ثلاث و ثلاثون ثم يمتدّ شرقا و شمالا إلى‏] (1) سبتة حيث الطّول تسع و العرض خمس و ثلاثون بحاله، ثم يأخذ البحر في الجنوب‏ (2) إلى طول خمس عشرة و عرض أثنتين و ثلاثين، و ذلك بعد أن يتجاوز تلمسان، ثم يأخذ مشرقا بميلة إلى الشّمال حتّى يصير عند الجزائر فرضة بجاية حيث الطّول عشرون و العرض ثلاث و ثلاثون، ثم يمرّ حتّى يتجاوز مملكة بجاية إلى أوّل حدود إفريقيّة، و يمرّ في سمت وسط المشرق حتّى يقابل تونس من شماليها و يدخل منه خور إلى تونس حيث الطّول اثنتان و ثلاثون و العرض ثلاث و ثلاثون، ثم يمتدّ بعد أن يتجاوز تونس نحو تسعين ميلا شرقا نصبا، ثم ينعطف جنوبا حتّى يصير له دخلة كبيرة في الجنوب، و في فم هذه الدخلة و هو حيث أنعطف البحر عن التشريق إلى الجنوب جزيرة قوصرة (3) المقابلة لجزيرة صقلية، و يمتدّ البحر في الجنوب إلى قبل أن يصل سوسة، ثم يشرّق إلى سوسة حيث الطّول أربع و ثلاثون و العرض ثلاث و ثلاثون ينقص عشرين دقيقة، (ثم يأخذ مشرقا و جنوبا إلى المهدية (4) حيث الطّول خمس و ثلاثون ينقص عشرين دقيقة) (5) و العرض اثنتان و ثلاثون.

ثم يمتدّ البحر مشرقا و جنوبا حتّى يتجاوز صفاقس إلى حيث يكوّن جزيرة جربة و هي في شرقي صفاقس و جنوبيّها و بعد أن يتجاوز البحر جربة مشرّقا يعطف إلى الشّمال، و يصير للبرّ (6) الجنوبيّ [10 أ] دخلة في البحر، و يأخذ البحر مشرّقا و شمالا حتّى يبلغ طرابلس الغرب حيث الطّول ثمان و ثلاثون و العرض اثنتان‏

____________

(1) سقط من جميع النسخ و عوضناه من التقويم (27).

(2) في التقويم:" الجنوب و الشرق".

(3) في (ر):" قوصدة".

(4) في الأصل:" المهاية".

(5) ما بين القوسين ساقط من (س).

(6) وردت في جميع النسخ:" البرّ" و ما أثبتناه من التقويم (28).

49

و ثلاثون و نصف، ثم يمتدّ مشرّقا حتّى يتجاوز حدود إفريقيّة عند طول إحدى و أربعين، ثم بعد أن يتجاوز إفريقيّة يمتدّ مشرّقا بشمال إلى طلميثا (1) حيث الطّول أربع و أربعون و العرض ثلاث و ثلاثون و عشر دقائق، ثم يمتدّ على ساحل بلاد برقة في الشّمال، لأنّ برقة على دخلة قد أخذت شمالا و دخلت في البحر، و البحر ينعطف من أوّل حدود برقة إلى جهة الشّمال، و لا يزال مشتملا إلى رأس أوثان، و هو جبل داخل في البحر حيث الطّول أربع و أربعون بحاله و العرض أربع و ثلاثون، ثم يشرّق البحر من رأس أوثان إلى رأس تنين‏ (2) و هو جبل في البحر قبالة رأس أوثان من جهة الشّرق، و إذا وصل البحر إلى رأس تنين انعطف إلى جهة الجنوب و امتدّ جنوبا إلى أن يسامت العقبة، و هي أوّل حدود الديار المصرية حيث الطّول تسع و أربعون درجة و العرض اثنتان و ثلاثون، ثم يأخذ مشرقا و جنوبا إلى الإسكندريّة حيث الطّول إحدى و خمسون درجة و عشرون دقيقة و العرض إحدى و ثلاثون و نصف، ثم يأخذ مشرقا إلى دمياط حيث الطّول أربع و خمسون و العرض بحاله إحدى و ثلاثون و كسر، ثم يأخذ البحر مشرّقا إلى العريش بالقرب‏ (3) من غزّة، ثم يأخذ البحر مشرقا و شمالا إلى غزّة، ثم يأخذ من غزّة بحيث يكون كتف‏ (4) السائر الأيسر مستقبلا الجدي‏ (5) إلى عسقلان ثم إلى يافا ثمّ إلى قيسارية ثم إلى عتليت‏ (6) ثم إلى عكّا ثم إلى صور ثم إلى صيدا ثم إلى بيروت، و كل واحدة من هذه المدن التي من غزّة إلى هنا في سمت الشّمال‏ (7) عن الأخرى، لكن‏

____________

(1) في الأصل:" طلميتا".

(2) كذا وردت في جميع النسخ و في التقويم (28):" رأس تبنى".

(3) في (س) و (ر):" بالغرب".

(4) في الأصل:" كف".

(5) في الأصل:" الجري".

(6) في التقويم (29):" عثليث".

(7) وردت في جميع النسخ" الشرق" و الصواب ما أثبتناه من التقويم (29).

50

من غزّة إلى يافا (1) كل ثانية تميل عن الأخرى عن وسط الشّمال‏ (2) [10 ب‏] شيئا يسيرا إلى الشّرق، ثم إلى جبيل ثم إلى أنفة الشّام ثم إلى طرابلس الشّام ثم إلى انطرطوس‏ (3) ثم إلى مرقب‏ (4) ثم الى بلنياس بلدة المرقب ثم إلى بلدة و هي بليدة خراب ثم إلى جبلة (5) ثم إلى اللاذقيّة ثم إلى السّويديّة (6) ميناء أنطاكية، و جميع هذه الأماكن المذكورة مدن على ساحل البحر أكثرها خراب و بعضها عامر، و جميعها متقاربة الأطوال و متفاوتة العروض كل ثان شمالي عن الأوّل و عرضه أكثر من عرضه.

و عند السّويديّة انتهاء تشريق هذا البحر، ثم يرجع البحر من السّويديّة و يأخذ غربا و شمالا حتّى يتجاوز حدّ مملكة الإسلام، ثم يأخذ شمالا و يمرّ على باب اسكندرونة (7) و هو الحدّ بين المسلمين و الأرمن، ثم يمرّ على باياس‏ (8) ثم يأخذ غربا و شمالا إلى إياس ميناء بلاد الأرمن، ثم يمرّ على سواحل طرسوس حيث الطّول ثمان و خمسون‏ (9) و العرض سبع و ثلاثون و نصف، ثم يمتدّ شمالا و مغربا حتّى يتجاوز حدود الأرمن عند الكرك بضمّ الكاف الأولى و سكون الرّاء المهملة و في الآخر كاف ثانية، ثم إذا تجاوز الكرك مرّ على سمت جبال التراكمين، و هم تراكمين ابن قرمان ثم ابن الحميد و ابن الأشرف، ثم يسامت بلاد سليمان باشا،

____________

(1) في التقويم (29):" كيفا".

(2) وردت في جميع النسخ:" السماء" و ما أثبتناه من التقويم.

(3) في (س) و (ر):" انطرسوس".

(4) في التقويم (29):" مرقية" و هو تحريف.

(5) في (ر):" جبيلة".

(6) في (ر):" السويرية".

(7) في الأصل و (س):" سكندونة" و في (ر):" سكندرية".

(8) وردت في جميع النسخ:" بانياس" و الصواب ما أثبتناه من التقويم (29).

(9) في (س):" خمس و خمسون".

51

و هو صاحب البلاد المتاخمة لبلاد أصطنبول‏ (1) شرقي الخليج القسطنطيني، ثم يعطف البحر مغرّبا و ينقطع اشتماله فيمرّ (2) على مصبّ الخليج القسطنطيني، و هو مصبّ بحر نيطش المعروف في زماننا ببحر القرم في بحر الرّوم على ما سنذكره إن شاء اللّه.

ثم يمتدّ البحر مغربا بميلة إلى الجنوب حتّى يمرّ ببلاد الفرنج، و هي بلاد تعرف ببلاد المرا، و هي غربي بلاد قسطنطينية، ثم يمرّ بين الغرب و الجنوب و يتجاوز بلادا يقال لها بلاد الملفجوط (3)، ثم يمتدّ كذلك إلى بلاد يقال لها الباسليسية (4) [11 أ] و هي امرأة ملكة، و من طرف بلاد الباسليسية يخرج [من البحر] (5) خور البنادقة الذي سنصفه، و من الجانب الأخر بلاد بولية و هي تقابل بلاد الباسليسية، و يخرج خور البنادقة بينهما مغربا بميلة إلى الشّمال. و جميع هذه الأسماء الأعجمية قد حققناها بالضبط في ضمن الفصول فيما سيأتي، ثم يمتدّ البحر جنوبا حتّى يتجاوز بلاد بولية إلى بلاد قلّورية و يقال قلّفرية أيضا، ثم يمتدّ على ساحل رومية و ينقطع تغريبه و يأخذ جنوبا نصبا حتّى يتجاوز سواحل رومية إلى بلاد يقال لها التسقان‏ (6)، ثم يمتدّ كذلك جنوبا إلى بلاد بيزة (7) التي فيها الفرنج البيازية (8)، ثمّ يمتدّ كذلك جنوبا حتّى يمرّ على جنوة حيث الطّول إحدى و ثلاثون و العرض إحدى و أربعون و ثلث، ثم يتجاوز جنوة فيعطف شمالا و غربا

____________

(1) في (س) و (ر):" استانبول".

(2) في (ر):" فيصير".

(3) في (ر):" الملجفوط".

(4) في التقويم (30):" الباسليسة".

(5) زيادة من (ر).

(6) في الأصل:" التسعان" و في (ر):" النسقان" و ما أثبتناه من (س) و (ب) و التقويم (30).

(7) في الأصل:" تيزة".

(8) وردت في جميع النسخ:" البازية" و ما أثبتناه من التقويم (30).

52

إلى بلاد اللنبرديّة (1) و هي حيث الطّول ثلاثون درجة و كسر و العرض ثلاث و أربعون و كسر، ثم يأخذ مغرّبا إلى جبل البرت، و هو الجبل الفاصل بين الأندلس و بين بلاد الفرنج، و في سمت جبل البرت المذكور مدينة طركونة في نهاية الأندلس حيث الطّول ثمان و عشرون و العرض ثلاث و أربعون.

و ينقطع تغريب البحر عند جبل البرت، و يعطف مشرّقا و يدخل ركن من الأندلس و هو الركن الشّرقيّ في البحر. ثمّ يأخذ البحر مشرّقا حتّى يستدير على الركن المذكور، و يعطف مغربا و يمتدّ إلى برشلونة (2) حيث الطّول أربع و عشرون و نصف و العرض [اثنتان و] (3) أربعون، [ثمّ يأخذ من الغرب و الجنوب و يمرّ على طرطوشة حيث الطول اثنتان و عشرون و نصف و العرض أربعون‏] (4) ثمّ يمتدّ كذلك مغربا و جنوبا و يمرّ على بلنسية حيث الطّول عشرون درجة و العرض ثمان و ثلاثون، ثمّ يعطف مغربا و شمالا إلى دانية حيث الطّول تسع عشرة و العرض تسع‏ (5) و ثلاثون و كسر، ثمّ يمتدّ غربا و جنوبا إلى مالقة حيث [11 ب‏] الطّول ست عشرة درجة و العرض سبع و ثلاثون، ثم يمرّ إلى الجزيرة الخضراء حيث الطّول تسع و العرض ست و ثلاثون، و هي قبالة سبتة و طنجة من حيث ابتدأنا، و البحر هناك ضيّق حسبما تقدّم ذكره، و يقابل بجاية و هي من برّ العدوة طرطوشة من الأندلس، و عرض البحر بينهما نحو ثلاثة مجار. قال الشريف الإدريسيّ‏ (6): و طول هذا البحر ألف و مائة و ستة و ثلاثون فرسخا، و فيه نحو مائة جزيرة. و يتشعّب من بحر الرّوم عدّة ألسن و خلجان، بعضها لها اسم و بعضها مجهول، و من مشاهير ما يتشعّب منه خور

____________

(1) في الأصل:" النيرديّة" و في (س):" كنبردية" و في (ر):" كنيردية" و ما أثبتناه من (ب) و التقويم (30).

(2) في (ر):" برسلونة".

(3) ساقط من الأصل.

(4) ساقط من الأصل.

(5) في (س):" ثمان".

(6) نزهة المشتاق 1: 11.

53

البنادقة و خليج آخر يخرج منه في الشّمال خمسمائة ميل إلى رومية و يتصل بمدينة رومية.

ذكر خور البنادقة

و هو خليج يخرج من بحر الرّوم شمالا و مغربا من بين بلاد الباسليسية و بلاد بولية، و يمتدّ مغرّبا بميلة إلى الشّمال حتّى يصير طرفه في غربيّ روميّة، و على طرفه مدينة البندقيّة (1) حيث الطّول اثنتان و ثلاثون درجة و العرض أربع و أربعون دقيقة (2)، و من فمه إلى منتهاه نحو سبعمائة ميل، و بلاد البنادقة على ساحل ذلك الخور.

ذكر بحر نيطش و بحيرة مانيطش‏ (3)

المتّصلة به المعروفة في زماننا ببحر الأزق، و هي مدينة على ساحله الشّماليّ فرضة للتجار. و يعرف بحر نيطش في زماننا ببحر القرم و بالبحر الأسود، و ماؤه يجري و يمرّ على القسطنطينية و يتضايق حتّى يصبّ في بحر الرّوم؛ و لهذا تسرع المراكب في سيرها من القرم إلى بحر الرّوم، و تبطى‏ء إذا جاءت من نحو الإسكندريّة إلى القرم لاستقبالها جريان الماء، و يصبّ في بحر الرّوم في جنوبي القسطنطينية، و هذا الخليج القسطنطينيّ [12 أ] و إن كان بمنزلة الذنب لهذا البحر و لكن هو (4) أشهر جوانبه، فنبتدى‏ء بتعريفه من البرّ الشّرقيّ المقابل للقسطنطينية و نذكر ما على ساحله الشّرقيّ، ثم نستدير على ساحله الشّماليّ ثم الغربيّ حتّى نصل إلى القسطنطينية فنقول: إنّ القسطنطينية على الخليج المذكور و قبالتها من‏

____________

(1) في (ر):" البندقة".

(2) في (ب) و (ر):" و دقائق".

(3) في (ر):" مارنيطش" و هو تصحيف فلعل الناسخ أثبت الكسرة التي على النون راء".

(4) في (س):" هذا".

54

البرّ (1) الآخر الشّرقيّ قلعة تسمّى الجرون، و هي خراب، و بينها و بين أصطنبول‏ (2) عرض الخليج، و هو مقدار يسير يرى الإنسان صاحبه من البرّ (3) الآخر، فعلى هذا عرض الجرون و قسطنطينية واحد، و يكون الجرون أطول بشي‏ء يسير، فعلى هذا طول الجرون تسع و أربعون درجة (4)، و العرض خمس و أربعون بعرض قسطنطينية و أطول بعشر دقائق تقريبا، فيمتدّ الخليج القسطنطينيّ المذكور من الجرون شمالا بميلة يسيرة إلى الشّرق إلى مدينة يقال لها كربى‏ (5) من أعمال أصطنبول‏ (6)، و كربى على الفم الشّماليّ للخليج المذكور، و من عند كربى يأخذ البحر المذكور في الاتّساع إلى جهة الشّرق فيمتدّ إلى مدينة يقال لها بنترقلى‏ (7)، ثم يمتدّ شرقا و شمالا إلى مدينة يقال لها [كنزو، و هي آخر مدن قسطنطينية التي على هذا السّاحل، ثمّ يمتدّ من كنزو إلى مدينة يقال لها] (8) كينولى، ثمّ يأخذ البحر من الشّمال و الغرب و يكون للبرّ الشّرقيّ دخلة في البحر إلى جهة الغرب، و على طرف الدخلة فرضة سنوب و هي حيث الطّول سبع و خمسون درجة و العرض ست و أربعون درجة و أربعون دقيقة، و في البرّ (9) الآخر الغربيّ دخلة أيضا تقابل هذه الدخلة، و على طرفها صار و كرمان، و هي تقابل سنوب التي من البرّ الشرقيّ، ثمّ يمتدّ البحر من سنوب شرقا نصبا، و يأخذ في الاتّساع إلى سامسون، و هي حيث الطّول تسع و خمسون درجة (10) و عشرون دقيقة و العرض ست و أربعون و نحو أربعين [12 ب‏]

____________

(1) وردت في جميع النسخ:" البحر" و الصواب ما أثبتناه من التقويم (32).

(2) في (س):" استانبول" و في (ر):" استنبول".

(3) في (س) و (ر):" البحر".

(4) في التقويم (32):" خمسون درجة".

(5) في (ر):" كرمى".

(6) في (ر):" استنبول".

(7) في (ر):" تبترقلي".

(8) ساقط من الأصل.

(9) في (س) و (ر):" البحر".

(10) في الأصل:" خمس و تسع درجة".