تاريخ معالم المدينة المنورة قديماً وحديثاً

- أحمد ياسين الخياري المزيد...
478 /
7

مقدّمة

الحمد للّه الذي أمرنا بشكر النّعم، و وعد الشاكرين بمزيد من فضله العميم، و الصلاة و السلام على نبيّنا محمد و على آله و صحبه، أما بعد:

فإن الله- جلّ و علا- قد أكرمنا في هذه البلاد الطيبة بجمع كلمتنا تحت راية الإسلام الخالدة «لا إله إلا الله محمد رسول الله»؛ فكلمة التوحيد هي الأساس الذي قامت عليه هذه البلاد، و اتخذتها شعارا لها، و منهجا لحياتها، و أساسا لنظامها. أكّد على ذلك الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود حين دخل مدينة الرياض في الخامس من شوال سنة 1319 ه؛ استمرارا للمنهج الذي سار عليه آباؤه و أجداده، المستمدّ من كتاب الله و سنة رسوله (صلى اللّه عليه و سلم).

و قد جاءت فكرة الاحتفال بمناسبة مرور مائة عام على دخول الملك عبد العزيز مدينة الرياض، و تأسيس المملكة العربية السعودية؛ تأكيدا لاستمرار المنهج القويم الذي سارت عليه المملكة العربية السعودية، و المبادئ السّامية التي قامت عليها، و رصدا لبعض الجهود المباركة التي قام بها المؤسّس الملك عبد العزيز- (رحمه الله)- في سبيل توحيد المملكة عرفانا لفضله، و وفاء بحقه، و تسجيلا لأبرز المكاسب و الإنجازات الوطنية التي تحقّقت في عهده و عهد أبنائه خلال مائة عام، و التعريف بها للأجيال القادمة.

8

و ما الأعمال العلمية التي تصدرها الأمانة العامة للاحتفال بهذه المناسبة إلا شواهد صادقة على نهضة هذه البلاد الزاهرة، في ظل دوحة علم أصولها ثابتة و فروعها نابتة، تولّى غرسها الملك المؤسّس، و تعهّدها من بعده بنوه؛ فواصلوا رعايتها حتى امتدّ ظلّها، و زاد ثمرها، فعمّ البلاد خيرها، و انتفع بها الجميع.

و هذا الكتاب يعنى بإبراز معالم المدينة المنورة في القديم و الحديث، و بخاصة تاريخ المسجد النبوي الشريف و ما لقيه من عناية و تطور على مدى التاريخ الإسلامي حتى وصل إلى العهد السعودي الزاهر، إذ شهد وجها آخر من التطور بدءا من عهد جلالة الملك عبد العزيز- (رحمه الله)- و مرورا بأبنائه البررة- (رحمهم الله)- حتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز حفظه الله، حيث تمت أكبر توسعة في تاريخ المسجد النبوي الشريف. و امتدت يد الخير لتشمل المدينة المنورة و آثارها عامة.

و لما في نشر هذا الكتاب من تيسير للباحثين و راغبي الاطلاع على بعض ملامح تلك المعالم و ما شهدته من تطور؛ فقد أمر خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز- حفظه الله- بطبع هذا الكتاب و نشره بمناسبة الاحتفال بمرور مائة عام على تأسيس المملكة.

اللّهم إنا نشكرك، و نتحدّث بعظيم نعمتك علينا، و قد وعدت الشاكرين بالمزيد، فأدمها نعمة، و احفظها من الزوال.

و صلى اللّه و سلم على نبينا محمد، و على آله و صحبه أجمعين.

أمير منطقة الرياض رئيس اللجنة العليا و رئيس اللجنة التحضيرية للاحتفال بمرور مائة عام على تأسيس المملكة سلمان بن عبد العزيز

9

هذا الكتاب‏

سبق أن طبع هذا الكتاب أول مرة في سنة 1410 ه، و قد تولّى طباعته النادي الأدبي بالمدينة المنورة، و ذلك بعد أن عهد إلى الأستاذ عبيد الله بن محمد بن أمين كردي بمراجعته و التعليق عليه. و قد أضاف المعلّق إلى الكتاب ملحقا تضمّن معلومات عن التوسعة التي تمت في ذلك الوقت للمسجد النبوي، و بعض المساجد الأخرى بالمدينة المنورة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز حفظه الله، و قد أعيد طبع الكتاب عدة مرات.

و لما كان الكتاب ضمن الكتب التي أقرّت اللجنة التحضيرية للاحتفال بمرور مائة عام على تأسيس المملكة إعادة طباعتها بهذه المناسبة، و تعميما للفائدة فقد رأت اللجنة العلمية المنبثقة عن الأمانة العامة للاحتفال بمرور مائة عام على تأسيس المملكة مناسبة العمل على تخريج الأحاديث و الآثار الواردة في الكتاب، و توثيق الأخبار التاريخية الواردة فيه، و التعليق على المواضع التي تحتاج إلى تعليق أو إيضاح.

و قد كلفت اللجنة فريقا للقيام بهذا الأمر مكونا من:

- الأستاذ الدكتور/ محمد بن عبد الله السمهري، الأستاذ بقسم العقيدة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.

10

- الأستاذ الدكتور/ سليمان الرحيلي، الأستاذ بقسم التاريخ و الحضارة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.

- الدكتور/ أحمد بن عبد الله الباتلي، وكيل كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.

- الأستاذ/ عبيد الله بن محمد بن أمين كردي، المحاضر بكلية إعداد المعلمين بالمدينة المنورة سابقا.

11

مقدّمة المؤلّف‏

الحمد لله شارح الصدور، و مبدل الأحزان بالسرور، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد النبي الأمي العربي الأبي القرشي الهاشمي، و بعد:

فهذا تاريخ‏ (1) المدينة المنورة قديما و حديثا، أقدّمه للأمة الإسلامية و الشعوب العربية، و فيه- و لله الحمد و الشكر و الثناء الجميل على فضله العظيم و فيضه العميم- كل ما لذّ و طاب و متّع الأحباب و الأصحاب.

و من المعلوم أن المدينة المنورة هي أحب بقاع الأرض إلى الله تبارك و تعالى، لقوله (صلوات الله و سلامه عليه): «اللهم كما أخرجتني من أحبّ البقاع إليّ [و هي مكة المكرمة] فأسكنّي في أحبّ البقاع إليك» (2). رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين، فأسكنه الله- تبارك و تعالى- المدينة المنورة، فكانت بذلك أحبّ بقاع الأرض إلى الله. فقال صلوات‏

____________

(1) في الواقع هو تاريخ معالم المدينة و ليس تاريخ المدينة.

(2) أورده الحاكم في المستدرك في كتاب الهجرة بسند متصل إلى أبي هريرة- رضي اللّه عنه- أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «اللهم إنك أخرجتني من أحب البقاع إلي فأسكني أحب البلاد إليك، فأسكنه الله المدينة». و تعقبه الذهبي بقوله: «لكنه موضوع، فقد ثبت أن أحب البلاد إلى الله مكة، و سعد ليس بثقة». و أخرجه البيهقي في دلائل النبوة 2/ 519. و أورده السخاوي في المقاصد برقم (170). و سئل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: «حديث موضوع و كذب». كما في الفتاوى 27/ 36.

12

الله و سلامه عليه: «ما على الأرض بقعة أحبّ إليّ من أن يكون قبري بها» (1). يعني بها المدينة المنورة، قاله ثلاث مرات، رواه الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة. و قال عليه الصلاة و السلام: «من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني شفيع لمن يموت بها» (2). رواه الترمذي رضي الله عنه. و يعني من استطاع، أي: من اجتهد و عمل على سكنى المدينة المنورة، و سهل لنفسه عملا فيها يقتات منه، و استوطنها بتملّك شي‏ء فيها من بيوت و بساتين و حوانيت، و أقام فيها بعائلته، فالمرء مقيد بعائلته و بأملاكه و بأولاده و بعمله‏ (3)، و صدق رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) حيث قال:

«المرء مع رحله» (4).

____________

(1) أخرجه مالك في الموطأ 2/ 462، رقم (33) ضمن قصة. قال ابن عبد البر في التمهيد 6/ 33، 34: «هذا الحديث لا أحفظه مسندا، لكن معناه موجود في رواية مالك و غيره». و قد أورده ابن حزم في المحلى 7/ 452، ضمن الأحاديث الموضوعة في فضل المدينة، و قال:

«هذا من وضع الكذّاب محمد بن الحسن بن زبالة عن مالك عن يحيى بن سعيد مرسلا».

قال الرفاعي في الأحاديث الواردة في فضل المدينة، ص 323: «و الحكم على هذا الحديث بالوضع غلط من أبي محمد؛ حيث لم ينفرد به ابن زبالة، بل هو في الموطأ كما تقدم، و حديث أبي بكر السابق يشهد له». فالحديث ضعيف الإسناد لإرساله، لكن معناه صحيح، و له شواهد تقويه.

(2) رواه أحمد 2/ 47، رقم 5437. و أخرجه الترمذي 5/ 377، رقم 4009 بلفظ (أشفع).

قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه من حديث أيوب السختياني. (عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما). و أخرجه ابن ماجه 2/ 1039، رقم 3112.

و أورده الهيثمي في المجمع 3/ 657، رقم 5820 و قال: رجاله رجال الصحيح عدا شيخ الطبراني. و ابن حبان كما في ترتيب الإحسان 6/ 21، رقم 3733. و أخرجه الطبراني في الكبير 24/ 331. و الحديث صحيح صححه الترمذي كما سبق، و صححه الألباني كما في صحيح ابن ماجه 2/ 197، رقم 2526، و صحيح الجامع الصغير، رقم 6015. و صححه العلّامة أحمد شاكر في تعليقه على مسند أحمد 7/ 222، رقم 5437.

(3) مع صدق النية، و الاحتساب طلبا للثواب، و الإكثار من الأعمال الصالحة.

(4) هذه جملة من حديث طويل في قصة رحلة النبي (صلى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة، رواها ابن سعد في-

13

و المدينة المنورة موطن أحبّ الخلق إلى الله- تبارك و تعالى- و سيّد رسله على الإطلاق، و ذلك بنص القرآن الكريم، حيث قال الله- تبارك و تعالى- في صدد غزوة بدر ما نصه: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِ‏ (1).

فقرر علماء التفسير أن معنى من بيتك «المدينة المنورة»، و بذلك تسمى- يعني المدينة المنورة- بيت رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم)(2).

و المدينة المنورة مهبط الملائكة المقربين، و المدينة المنورة منزل الروح الأمين، و المدينة المنورة مثوى السادة الأنصار، و المهاجرين الأبرار.

و المدينة المنورة مركز خلافة الخلفاء الراشدين، و هم من عرف العالم كله فضلهم و مكانتهم. و روى البخاري و مسلم و الترمذي و النسائي و مالك بن أنس حديث رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) القائل في آخره: «و المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون‏ (3)». و ها هو نصه:

____________

- الطبقات 1/ 237. و هذه اللفظة وردت في رواية عند البيهقي في دلائل النبوة 2509، و ابن كثير في البداية و النهاية 3/ 202، بإسناد فيه عطاف بن خالد، قال عنه ابن حجر في التقريب، ص 332: «صدوق يهم». و ذكرها ابن القيم في زاد المعاد 1/ 101.

و فيه أيضا:" صديق بن موسى". قال عنه الذهبي في الميزان 2/ 314: «ليس بحجة». قال مهدي رزق الله في كتابه" السيرة في ضوء المصادر الأصلية"، ص 278: «قلت: و لكن يقوي هذا الحديث بورود القصة عموما بإسناد حسن عند ابن إسحاق».

(1) سورة الأنفال، الآية: 5.

(2) ذكره الطبري في تفسيره، و غيره.

(3) رواه البخاري 4/ 90، و مسلم 2/ 1008، رقم 1388، و اللفظ له. و أخرجه الترمذي و النسائي في السنن الكبرى 4/ 19، و مالك في الموطأ 2/ 887 من حديث سفيان بن أبي زهير رضي الله عنه.

14

عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه و قريبه: هلم إلى الرخاء، هلم إلى الرخاء، و المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون. ثم يفتح الشام فيخرج من المدينة قوم بأهليهم يبسون، و المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون. ثم يفتح العراق فيخرج من المدينة قوم بأهليهم يبسون، و المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون. ثم يفتح اليمن فيخرج من المدينة قوم بأهليهم يبسون، و المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» (1).

اللفظ للإمام مسلم رضي الله عنه. و يبسون أي: يسيرون سيرا حثيثا شديدا (2)، و تأمل طويلا كلمة (خير) في المواضع الأربعة.

فالمدينة المنورة هي محطّ أنظار العالم، و لا أقول العالم الإسلامي فقط، بل أقول العالم؛ لأنها مقر صاحب الرسالة العظمى (صلى اللّه عليه و سلم) الذي أرسله الله- تبارك و تعالى- رحمة للعالمين، (3) لا للمسلمين فقط. فهي بذلك مرجع العقول، و مأوى الأفئدة، و محطّ الأنظار (4).

____________

(1) رواه مسلم بلفظه 2/ 1005، رقم 1381.

(2) و قد ورد هذا الحديث بزيادات أخرى: «فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم و من أطاعهم».

إلى غير ذلك.

(3) سورة الأنبياء، الآية: 107. يقول تعالى: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ‏. يقول ابن كثير في تفسيره عند الآية المذكورة: «إنه رحمة في الدنيا و الآخرة لمن أجاب دعوته. أما من لم يجب دعوته فهو رحمة له في الدنيا مما أصاب الأمم السابقة من العذاب و الخسف و المسخ و غير ذلك؛ و لهذا حينما قيل له (صلى اللّه عليه و سلم): ادع على المشركين قال: «إنما أنا رحمة مهداة». رواه الدارمي 1/ 9، و البزار 2/ 217، و الحاكم 1/ 35، و قال: «صحيح على شرط الشيخين». و وافقه الذهبي. و صححه الألباني في تخريج المشكاة 3/ 1615، رقم 5800.

(4) لعل مكة أعظم في فضلها و مكانتها و قدسيتها، فهي قبلة المسلمين، و مهوى الأفئدة، و محط-

15

لذلك كله قد عنيت بوضع هذا التاريخ العظيم الحافل بالقديم و الحديث، و أستمد العون و التوفيق من الله، و هو حسبي و نعم الوكيل.

المؤلف‏

____________

- الأنظار كما جاء في النصوص، و الركن الخامس من أركان الإسلام- و هو الحج- لا يكون إلا فيها.

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

الباب الأوّل تاريخ المدينة المنوّرة قبل الهجرة

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

تاريخ المدينة المنوّرة قبل الهجرة

علم التاريخ مقدمة و تمهيد:

علم التاريخ هو علم ساير العالم منذ إحداثه و خلقه، فهو الذي سجّل حوادثه، و قيّد وقائعه، و أشاد برقيّه، أو وصف انحطاطه.

و التاريخ ذكريات و عبر وعظات لمن شاء أن يذكّر، أو أراد أن يعتبر. لقد أشار إليه الخالق العظيم- جلت قدرته- في كتابه العزيز حيث قال مخاطبا رسوله الأعظم (صلوات الله و سلامه عليه): وَ كُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ‏ (1). و قال أيضا: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ‏ (2).

و الشعر قد عني بحوادث التاريخ في حولياته، و النثر دبجه في سجلاته.

و علم الجغرافيا جزء عظيم من أجزاء التاريخ، فخرائط البحار و الأنهار تاريخ، و رسوم الثمار و الأشجار و الجبال و الحيوانات‏

____________

(1) سورة هود، الآية: 120.

(2) سورة يوسف، الآية: 3.

20

و الجمادات و مناظر الطبيعة تاريخ، و علم التصوير الشمسي و الرسم اليدوي فرع من فروع التاريخ.

إذا فالتاريخ شي‏ء عظيم حقا، فهذه كتب الرحلات العلمية، و هذه كتب السيرة النبوية، و هذه دوائر المعارف العالمية، و هذه كتب الطبقات الصغرى و الكبرى للقراء و المفسرين و الشعراء و النحويين و الأطباء و اللغويين و الفقهاء و المحدثين و الفلاسفة و المؤلفين و غير ذلك، و هذه المعلقات السبع و العشر، و هذه القصص التاريخية، و هذه كتب الآثار، و هذه كتب الأنساب، و هذه شجرات القبائل و الملوك و الدول و الأمراء و الوزراء و غير ذلك مما لا يعد و لا يحصى، كلها تخدم شيئا واحدا هو علم التاريخ.

و صدق الشاعر العربي حيث يقول:

و إذا فاتك التفات إلى الما* * * ضي فقد غاب عنك وجه التأسّي‏

و التاريخ للإنسان عمر ثان!

و قد احتضنت كل مملكة تاريخها، فهذبته و رتبته وفق مصلحتها و منفعتها. أما الجزيرة العربية فقد أولتها كلّ العناية سائر الأمم؛ لأنها جزيرة مقدسة (1)، و خصوصا الحجاز، فهذا كتاب" وصف جزيرة العرب" للهمداني، و كتاب" مرآة الحرمين" لإبراهيم رفعت باشا، و كتاب" جزيرة العرب في القرن العشرين" للشيخ حافظ وهبة، و تواريخ مكة المكرمة التي تعد بالعشرات، و كذا تواريخ جدة و الطائف الميمون.

____________

(1) دعوى أن جزيرة العرب كلها مقدسة، أو أن الحجاز كله مقدس دعوى تحتاج إلى دليل.

21

أما المدينة المنورة فقد عني بها كل العلماء من كل الآفاق، فسجلت حوادثها طيلة الأحقاب الماضية أحسن تسجيل. فهذه تواريخ المدينة المنورة للعلامة المراغي، و الإمام القشاشي، و السيد كبريت، و السيد المرجاني، و الإمام الطبري، و العلامة المطري، و الإمام السخاوي، و السيد العباسي، و السيد السمهودي، و العلامة ابن النجار، و المحقق ابن فرحون، و العلامة ابن شبة، و السيد ابن زبالة، و السيد الخطيب، و الحجة الأنصاري، و المؤرخ الأوحد الزبير بن بكار، و غيرهم ممن لا يعد و لا يحصى.

فهذه المدينة المنورة، و هذه تواريخها سجلت جميع آثارها، و آبارها، و دورها، و وديانها، و قصورها، و حصونها، و جبالها، و حرارها، و آطامها، و سكانها، و مساجدها، و مدارسها، و شوارعها، و أزقتها، و غير ذلك منذ الطوفان حتى يوم الناس هذا.

المدينة المنورة بعد الطوفان:

تضاربت آراء المؤرخين في أول من سكن المدينة المنورة بعد الطوفان، و انقسموا في ذلك خمسة أقسام:

1- فمنهم من يقول: إن الناس لما خرجوا من سفينة نوح- (عليه السلام)- بعد أن استوت على الجودي نزلوا بطرف مدينة بابل العظيمة، و كان عددهم إذ ذاك ثمانين شخصا بين ذكر و أنثى، فسموا الموضع الذي نزلوا فيه سوق الثمانين، و كان ذلك منهم تخليدا لعددهم. هذا الذي هو أول أهل الأرض بعد فناء من كان فيها سابقا بسبب الطوفان الذي لم يبق على وجه المعمورة أي مخلوق من نبات، أو حيوان، أو إنسان. و ظلوا يتناسلون زمنا طويلا حتى كثروا و كثروا جدّا،

22

فملّكوا عليهم النمرود بن كنعان بن حام بن نوح (عليه السلام).

و كانت ألسنتهم قد افترقت إلى اثنين و سبعين لسانا بقدرة البارئ جل و علا، و منها اللغة العربية. منهم عمليق و طسم ابنا لود بن سام بن نوح (عليه السلام)، فنزلت أبناء عبيل بيثرب التي هي المدينة المنورة.

و يثرب هذه سميت باسم أول من سكنها منهم، و هو يثرب بن عبيل بن عوض بن إرم بن سام بن نوح (عليه السلام). و كان يثرب هذا هو أكبر أبناء عبيل، و ولي عهده بعده في عمادة العائلة العبيلية.

و لما كثرت فروع هذه العائلة العبيلية تحول بعضهم إلى الجحفة، و هي بلدة صغيرة قبل رابغ بقليل، و كان السبب بتسميتها بالجحفة أن سيلا عظيما نزل على من فيها فأجحفهم جدا، فسميت الجحفة لأجل ذلك.

و هذه الرواية مصدرها عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، و هي أصح الروايات الخمس‏ (1).

2- و منهم من يقول: إن أول من سكن المدينة المنورة بعد الطوفان هو يثرب بن قانية بن مهلابيل بن إرم بن عبيل بن عوض بن إرم بن سام بن نوح (عليه السلام)(2).

3- و منهم من يقول: إن أول من سكن المدينة المنورة بعد الطوفان قوم‏

____________

(1) لقد أورد هذه الرواية الإمام علي بن عبد الله السمهودي في كتابه" خلاصة الوفاء بأخبار دار المصطفى"، و أسندها إلى الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما. كما أوردها الحافظ بن كثير في تفسير قوله تعالى: وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي وَ غِيضَ الْماءُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَ قِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏ [سورة هود، الآية: 44]. رواها بأكثر من لفظ و طريق.

(2) ياقوت، معجم البلدان 5/ 430، السمهودي، وفاء الوفاء 1/ 156.

23

يقال لهم: صعل وفالج، ففسقوا و فجروا و بغوا، فأرسل الله- تبارك و تعالى- عليهم نبيه داود (عليه السلام)، فغزاهم و أخذ منهم سبيا كبيرا. ثم سلط الله عليهم الدود في أعناقهم فهلكوا عن آخرهم، و لم يبق منهم إلا سيدتهم العظيمة المسماة (الزهرة) التي كانت تسكن في مدينتها المنسوبة إليها و المسماة باسمها، و هي الزهرة المعروفة حتى يوم الناس هذا بهذا الاسم شمال المدينة المنورة، فأرادت أن تنجو بنفسها من هذا البلاء السماوي الذي صبه الله على قومها، فاستأجرت من يحملها على بعير إلى أقرب المدن لتطمئن على حياتها، فلما تم لها ذلك و أرادت وضع رجلها للصعود قيل لها: إنا لنرى دودا يغشاك. فبكت و قالت: بهذا هلك قومي. ثم قالت قولتها المشهورة عند الناس حتى الآن: «ربّ جسد مصون، و مال مدفون، بين زهرة و رانون». ثم قتلها الدود في الحال‏ (1).

و أعتقد أن المنطقة التي أرادت الإشارة إليها تقع ما بين مسجد الجمعة غربا و حرة مشربة أم إبراهيم شرقا (2)، و فيه تشير إلى أن العمالقة كانوا يحنّطون الموتى، و منهم من يدفنون أغلب أموالهم و حليهم معهم مثل ما يفعله الفراعنة، و الله أعلم‏ (3).

4- و منهم من يقول: إن أول من سكن المدينة المنورة بعد الطوفان قوم يقال لهم: بنو هيف، و بنو مطر، و بنو الأزرق. و كانوا يسكنون فيما بين مخيض إلى غراب الضائلة، إلى القصاصين، إلى طرف أحد،

____________

(1) السمهودي، وفاء الوفاء 1/ 158، ابن النجار، الدرة الثمينة في أخبار المدينة، ص 28.

(2) تقع مشربة أم إبراهيم حاليا طرف مقبرة صغيرة تقع في منتصف الطريق على اليسار للذاهب في العوالي من مستشفى الزهراء إلى المستشفى الوطني، و قد أزيلت الآن.

(3) استنبط ذلك من قولها: «جسد مصون».

24

و إن آثارهم كانت هناك‏ (1).

و إذا أردنا أن نحدد المنطقة المشار إليها فتكون كالآتي:

مخيض: هو جبل كبير في الجنوب الغربي من منطقة العيون، و في الشمال الغربي من منطقة الجرف، يشرف على العيون من شماله الشرقي، و يشرف على البيداء من جنوبه.

غراب الضائلة: يعرف بجبل الحبشة (2)، و يقع في الجنوب الغربي من الجرف، و يشرف من مغربه على قسم البيداء المعروف بصهلوج مخيض، و يشرف من مشرقه على منطقة الجرف.

القصاصين: في ناحية منطقة البركة (3).

أحد: و هو الجبل المشهور شمال المدينة المنورة.

5- و منهم من يقول: إن العمالقة كانت منتشرة في البلاد، فمنهم من نزل باليمامة، و منهم من نزل بالشام، و منهم من نزل بمكة المكرمة، و منهم من سكن الحجاز في حدود اليمن، و منهم من سكن المدينة المنورة. و إنهم عتوا عتوا كبيرا لما تفضل الله عليهم بسعة الأرزاق، و طول الأعمار، حتى كان يمضي عليهم أربعمائة سنة و لا يسمع بجنازة بينهم. و صدق الله العظيم: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى‏ أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى‏ (4).

فبعث إليهم سيدنا موسى- (عليه السلام)- جندا من بني إسرائيل‏

____________

(1) السمهودي، وفاء الوفاء 1/ 158، العباسي، عمدة الأخبار ص 36، 37.

(2) جبل الحبشة، أو جبل (الطائران): هو الجبل الذي عليه قصر طيبة الملكي.

(3) منطقة البركة: هي المنطقة الواقعة شمال و شمال شرق مخطط الأزهري، و ما زالت بها بساتين و مزارع قائمة.

(4) سورة العلق، الآيتان: 6، 7.

25

فقتلوهم بالحجاز، و المدينة المنورة، و مكة المكرمة عن آخرهم‏ (1).

ثم سكن المدينة المنورة اليهود، و كانوا قبائل شتى نحو خمس و عشرين قبيلة، و كان سبب سكناهم المدينة المنورة أن ملك الروم حين ظهر على بني إسرائيل و ملك الشام خطب ابنة أحد اليهود من نسل سيدنا هارون (عليه السلام)، و كانت هذه الفتاة مشهورة بالجمال الخارق، و بأصالة النسب، و كان من الثابت في دين اليهود أنهم لا يزوّجون النصارى مطلقا، فخافوا شره إن منعوه من الزواج، و عزموا على تنفيذ شريعتهم من عدم الزواج لملك الروم النصراني، كما عزموا على الفتك به أخذا للثأر منه لما حصل منه لبني قومهم، فدبروا له فيما بينهم مكيدة محكمة، و رتبوها و نظموها و حبكوها، ثم كتبوا له بأن يشرّفهم بنفسه و يحضر إليهم لإنجاز الزواج تنفيذا لرغبته الكريمة. و كان حب الفتاة اليهودية الجميلة قد استولى على قلبه و لبّه، فعزم على الحضور إليهم بنفسه، و حمل معه ما لذّ و طاب من فواكه و مأكولات، و من نقود كثيرة و ملبوسات. فلما وصل إليهم قابلوه أحسن مقابلة، و أنزلوه و حاشيته في أحسن قصر من قصورهم الجميلة، ثم فتكوا به و بمن كان معه من حاشية و خدم و أتباع في حفلة

____________

(1) لقد أفاض الإخباريون عن أول من سكن المدينة، و عمرها، و شيد فيها حضارتها. و الذي يظهر من الأقوال الخمسة التي ذكرها المؤلف أن رأيا قاطعا لم يثبت في ذلك، كما أن أكثر الروايات هي أقرب إلى الأساطير منها إلى الحقائق العلمية. و على أي حال فالمؤلف معذور في نقله هذه الأخبار على الرغم مما يعوزها من الدقة العلمية، و ذلك لئلا تفقد حلقة في سلسلة بحثه دون ذكر. و لكن خلاصة القول في ذلك أن سكنى المدينة قديم قدم العماليق، و أن اليهود وفدوا إليها، و أن كل جماعة كانت تتركز في ناحية من نواحي المدينة. و حينما هاجر الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) إليهم كان سكانها من العرب من الأوس و الخزرج، و من اليهود قبائل مختلفة. أما معرفة تفاصيل قبائل السكان، و مصادر هجرتهم فلا يترتب عليه كبير أمر. و قد وردت تفصيلات عن هذا الأمر عند كل من: السمهودي، وفاء الوفاء 1/ 159، و خلاصة الوفاء 1/ 521- 524، و عبد الباسط بدر، التاريخ الشامل للمدينة المنورة 1/ 29.

26

رسمية أقاموها له ليلة الزفاف المشؤوم عليه، فاستراحوا بهذه الصورة الدنيئة منه و من شره، و أخذوا كل ما كان معه، فثأروا بهذه الصورة القبيحة لبني قومهم، و قتلوا في شخصه عددا كبيرا من أعدائهم‏ (1).

و صدق الله العظيم: وَ قالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى‏ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ وَ قالَتِ النَّصارى‏ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ وَ هُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ‏ (2).

فالعداوة متغلغلة في نفوس اليهود للنصارى، و في نفوس النصارى لليهود، كما أنها متغلغلة في نفوس اليهود للمسلمين، و في نفوس المسلمين لليهود، و صدق الله العظيم: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ (3).

و قال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم): «ما اجتمع يهودي قط بمسلم إلا حدّث نفسه بقتله» (4). ثم هربت اليهود بعد عملهم الشائن هذا إلى الحجاز فأقاموا

____________

(1) ذكر السمهودي هذه القصة باختصار في" وفاء الوفاء/ 1/ 160"، و ذكرها الشيخ أحمد العباسي في" عمدة الأخبار" موجزة و اعتمدها، إلا أن كتب التاريخ تذكر أسبابا أخرى لهجرة اليهود إلى المدينة، منها هروبهم من اضطهادات بختنصر، و منها أنهم بقايا حجيج مروا بالمدينة، فوجدوا صفاتها موافقة لما في التوراة من أنها مهاجر النبي المنتظر. و على أي حال فقد تكون الأسباب كلها مجتمعة أدت إلى سكنى اليهود للمدينة، فيكون بذلك جماعة هاجرت إليها بعد قصتهم مع ملك الروم المذكورة، و جماعة أخرى هاجرت بسبب اضطهاد بختنصر لهم ... إلخ. انظر: عبد الباسط بدر، التاريخ الشامل للمدينة المنورة 1/ 50- 58.

(2) سورة البقرة، الآية: 113.

(3) سورة المائدة، الآية: 82.

(4) رواه ابن النجار في الدرة الثمينة عن أبي هريرة رضي الله عنه. و رواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 8/ 316 بلفظ: «ما خلا يهودي». و ذكره ابن حبان في المجروحين 3/ 122، و ابن كثير في التفسير 3/ 158، و ضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير 5/ 93، رقم 5064، و السلسلة الضعيفة، رقم 4439.

27

فيه، و سكن المدينة المنورة عدد كبير منهم. و كان علماء اليهود يعلمون صفة رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) من التوراة، و فيها آية أنه سيظهر بمكة المكرمة، ثم يهاجر إلى بلد فيه نخل بين حرتين، فأقبلوا من الشام يطلبون هذه الصفة حرصا منهم على اتباعه، فلما رأوا هذه الصفة الجليلة الواضحة في المدينة المنورة، و كانت إذ ذاك تسمى بيثرب قالوا لبعضهم: هذا هو البلد الذي نريده فنزلوه‏ (1). و كانوا من أهله حتى أتاهم تبع، و قسّمت اليهود مساكنهم في المدينة المنورة على النظام الآتي:

1- قبيلة بني قريظة و إخوانهم بنو النضير نزلوا بالعالية التي نسميها الآن العوالي، و هي قرية جميلة مشهورة. فأخذوا ينشئون الأموال، أي:

البساتين على واديين يقال لأحدهما، مذينيب‏ (2)، و يقال للآخر:

مهزور. فاختصت قبيلة بني قريظة بوادي مهزور، و اختصت قبيلة بني النضير بوادي مذينيب. فحفروا الآبار الكبيرة الكثيرة الواسعة العظيمة، و غرسوا الأشجار، و نزلت عليه بعض قبائل من العرب فكانوا معهم في أسوأ الأحوال، و هذا ما يتوقع أن يكون مع يهود في كل مكان‏ (3).

2- أما قبيلة بني قينقاع فكانت مختصة بالصياغة؛ لأنهم كانوا أغنياء جدا، فكانت سوقهم المسماة سوق الصاغة، و كانت منازلهم في‏

____________

(1) السمهودي، وفاء الوفاء 1/ 160.

(2) وادي مذينيب يتشعب إلى شعبتين تصب في النهاية في وادي بطحان، الشعبة الأولى تمر من ناحية المنزلق إلى بلاد حسين العزي في الشريبات غرب مخطط سمو الأمير سعود بن فهد، و الثاني يمر من المنزلق الواقع جنوب مركز جمعية طيبة الخيرية النسائية مارا ببستان أم البقر و يصب في بطحان عند المنطقة المواجهة لمغسلة القين حاليا.

(3) السمهودي، وفاء الوفاء 1/ 160.

28

العالية في الشمال الغربي من المدشونية (1)، و كانت هناك قرى خاصة بهم، و أسواق أيضا يعملون فيها. و هذه أسماء بعض قبائل اليهود:

بنو قريظة، و بنو النضير، و بنو محمم، و بنو زعوراء، و بنو ماسكة، و بنو لقمعة، و بنو زيد اللات و هم رهط عبد الله بن سلام، و بنو قينقاع، و بنو حجر، و بنو ثعلبة، و أهل زهرة، و أهل زيالة، و أهل يثرب و هم:

القصيص، و بنو عكوة، و بنو مرابة.

أما قبائل العرب فكانت: بني أنيف و هم حي من بلى، و يقال: إنهم بقية العمالقة. و بني معاوية بن الحارث، و بني الجذماء، و هم حي عظيم من أحياء اليمن. و كانت اليهود قد اتخذت الآطام لتتحصن بها من أي عدو يأتيها، فأنشأت من هذا النوع تسعة و خمسين أطما، و اقتدت بهم العرب فبلغ مجموع ما بناه العرب ثلاثة عشر أطما (2)، فكانت المجموعة كلها اثنين و سبعين أطما قبل هجرة سيدنا رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم). و لما هاجر سيدنا رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة المنورة نهى الأنصار كما نهى المهاجرين عن هدم هذه الآطام، و قال لهم (صلوات الله و سلامه عليه):

«إنها زينة المدينة المنورة» (3).

____________

(1) المدشونية معروفة بهذا الاسم حتى الآن، و هي بستان آل الرفة المطل على شارع الأمير عبد المحسن (شارع قربان) جنوب حديقة الشباب التابعة لأمانة المدينة المنورة.

(2) السمهودي، وفاء الوفاء 1/ 163- 165؛ العباسي، عمدة الأخبار، ص 37، 38.

(3) الحديث رواه الطحاوي في" شرح معاني الآثار" 4/ 194 بلفظ: «لا تهدموا الآطام؛ فإنها زينة المدينة»، و إسناده ضعيف، فيه عبد الله بن نافع مولى ابن عمر ضعيف، كما في كشف الأستار عن رجال معاني الآثار، للسندهي، ص 60، و التقريب، رقم 3685. و أورده الهيثمي في المجمع 3/ 647، رقم 5789 باب (النهي عن هدم بنيانها)، و عزاه إلى البزار عن الحسن بن يحيى، و قال الحسن: لم أعرفه. و بقية رجاله رجال الصحيح.

قلت: هو عند البزار من حديث ابن عمر رضي الله عنهما 2/ 54، رقم 1189-

29

و أمرهم (صلى اللّه عليه و سلم) ببناء آطام جديدة (1) غير الاثنين و السبعين أطما السابق ذكرها (2)، فبنى الأنصار و المهاجرون ستة و خمسين أطما جديدة تنفيذا لأمره الكريم، فبلغ مجموع الآطام في عهده المنير- (صلوات الله و سلامه عليه)- مائة و ثمانية و عشرين أطما (3).

____________

- و الحسن بن يحيى ابن هشام الرازي أبو علي البصري، قال في التهذيب 2/ 325: «ذكره ابن حبان في الثقات، و قال: مستقيم الحديث، كان صاحب حديث. ثم قال: قلت: و قال الصيرفي و الذهبي: كان حافظا».

فالحديث صحيح الإسناد على عهدة الهيثمي (رحمه الله)، و الراوي الذي لم يعرفه قد عرفه ابن حجر و ذكر من وثقه. و للحديث شاهد عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) نهى عن آطام المدينة أن تهدم. ذكره الصالحي في" سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد" 3/ 442، و في فضائل المدينة له، ص 84. و قال: سنده حسن. و صححه الشيخ ملا خاطر في" فضائل المدينة النبوية"؛ ص 37.

(1) أمره (صلى اللّه عليه و سلم) ببناء آطام جديدة بالمدينة أورده الهيثمي 3/ 647، رقم 5790. قال: و رجاله ذكرهم ابن أبي حاتم و لم يذكر فيهم جرحا. قال محقق المجمع: و فيه يعقوب بن حميد المدني ضعفه أبو حاتم و النسائي. و قال البخاري: لم نر إلا خيرا، هو في الأصل صدوق.

و قال ابن حبان في الثقات: ربما أخطأ. و قال ابن عدي: لا بأس به». و قال ابن حجر في التهذيب 11/ 383: «قال مضر بن محمد عن ابن معين: ثقة».

(2) ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد 3/ 301 عن سهل بن سعد أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «من كان له بالمدينة أصل فليتمسك به، و من لم يكن له بها أصل فليجعل له أصلا، فليأتين على الناس زمان يكون الذي ليس له بها أصل كالخارج منها المجتاز إلى غيرها». رواه الطبراني في الكبير، و رجاله ذكرهم ابن أبي حاتم و لم يذكر فيهم جرحا. و هذا الحديث يدل على تشجيعه (صلى اللّه عليه و سلم) على التملك في المدينة للسكنى سواء كان التملك دارا أو مزرعة أو متجرا أو غير ذلك مما يربط الشخص بالإقامة فيها. و رواه ابن شبة بسند لا بأس به، كذا حكم عليه الصالحي في فضائل المدينة، ص 82.

(3) يبدو أن هذا العدد غير دقيق، و أنه اعتمد على الآطام التي ذكر أسماءها، و هناك آطام أخرى لم يذكرها المؤلف و لكنها مذكورة في كتب تاريخ المدينة المنورة. انظر:

السمهودي، وفاء الوفاء، 1/ 165، 4/ 1121، 1324- 1345. و العباسي، عمدة الأخبار، ص 38- 40، و أبو النجار، الدر الثمينة، ص 31.

30

و كانت الآطام فعلا عز أهل المدينة المنورة قبل الإسلام و بعده، و قبل الهجرة و بعدها. فكانوا يتحصنون بها و فيها من كل عدو يقصدهم من الداخل أو الخارج. و كان من هذه الآطام ما يعرف اسمه، و منها ما لا يعرف اسمه إلا باسم سيده، و منها ما يعلم اسم مالكه، و منها ما لا يعلم عنه ذلك، و منها ما يذكر في الشعر، و منها ما لا يذكر فيه.

و الأطم هو البيت المربع المسطح، و يقال لها: آجام، و مفردها أجم، و هي لغة في الآطام. و الآطام بلغة أهل المدينة المنورة إذ ذاك هي القصور، و إذا كانت واسعة و مسكونة دائما و أبدا بمالكها و سيدها بخدمه و حاشيته تسمى حصونا؛ كحصن كعب بن الأشرف مثلا (1)، و حصن خل، و حصن سعد بن أبي وقاص، إلى غير ذلك مما سنأتي عليه مفصلا فيما بعد إن شاء الله تعالى‏ (2).

أما الآطام فهي كما يلي:

1- أطم الأجش بقباء عند بئر، يقال لها:" لاوة"، كان لبني أنيف جنوب المدينة المنورة.

2، 3- أطما النواحان، كانا عند مجلس بني أنيف بقباء أيضا، كانا للحيان بن عامر بجنوب المدينة المنورة.

____________

(1) و موقعه الآن في شارع سد بطحان للذاهب إليه على اليمين قبل موقع السد بمسافة قصيرة.

(2) عرف عبد القدوس الأنصاري في كتابه" آثار المدينة المنورة"، ص 60 الآطام فقال:

«و الآطام و إن تكن من نوع الحصون بالمعنى العام فإن لها وضعا خاصا في طراز العمارة، فهي تشاد بالحجارة المختلفة الأحجام، يوضع فيما بينها حشو الطين، و لها مسابط عالية تشرف على ما حولها، و يتنزه من فوقها، أما الحصون فبناؤها بالحجارة الضخمة الهائلة المربعة، و لا حشو بينها، و قد تكون الآبار بداخلها».

31

4- أطم الهجيم بالعصبة عند قرن إسلام بقباء أيضا، و كان للحيان بن عامر أيضا.

5- أطم بني عبيد في دار محمد بن سعد بجانب بئر عذق الكائنة في دار حميد بن دينار بقباء.

6- أطم وبرة بن ثعلبة، بين بئر عذق و المقرعة بقباء.

7- أطم صليل بن وبرة الأنيفي بقباء جنوب المدينة المنورة.

8- أطم مليل بن وبرة الأنيفي بقباء جنوب المدينة المنورة.

9، 10- أطما صيفي الأنيفي عند بستان القائم الشهير بقباء جنوب المدينة المنورة.

11- أطم الزبير بن باطا القرظي غربي شطا ببني قريظة شرقيّ المدينة المنورة.

12- أطم الزبير بن باطا القرظي المتقدم ذكره الذي سماه بالملحة مع بني قريظة في دار أخيهم هدل الذي سمى بهذا الاسم لهدل كان في شفته شرقي المدينة المنورة، و هو غير الأطم السابق.

13- أطم بني النضير المسمى بمنور بالنواعم، و مساكنهم في أم أعشر و أم أربع.

14- أطم آخر لبني النضير أيضا في دار طهمان بالعوالي جنوب المدينة المنورة.

15- أطم ثالث لبني النضير في مالي أبي أمامة سهل بن حنيف بالعوالي إلى جنوب المدينة المنورة.

32

16- أطم كعب بن الأشرف بزقاق الحارث دون مبنى أمية بن زيد بالعوالي جنوب المدينة المنورة (1).

حصن كعب بن الأشرف‏

17- أطم عمرو بن جحاش لبني النضير.

18- أطم البويلة لبني النضير.

19- أطم فاضخة لبني النضير.

20- أطم بشر لبني مرشد عند دار المعاويين في بني خطمة.

21، 22- أطما بني ماسكة في أقصى صدقة مروان بن الحكم مما يلي‏

____________

(1) بأعلى بطحان و ليس بالعوالي قبل سد بطحان للصاعد إليه من العوالي، و ترى آثاره على اليمين بعد حديقة البلدية بخمسمائة متر تقريبا، و عليها لافتة من إدارة الآثار تمنع تغيير المعالم.

33

صدقة النبي (صلى اللّه عليه و سلم) شرق المدينة المنورة، و كانت لهم قريتان من صدقة مروان ابن الحكم.

23، 24- أطما بني ماسكة في القف بالقرية.

25- أطم بني ماسكة في بستان إسماعيل بن زيد.

26- أطم خنافة لبني محمم في مال خنافة.

27- أطم بني زعورا عند مشربة أم إبراهيم‏ (1) ابن النبي (عليه السلام)(2).

28- أطم بني زعورا في المال المسمى بحجاف.

29- أطم بني زيد اللات قريبا من بني غصينة، و هم رهط عبد الله بن سلام.

30- أطم بني قينقاع عند منتهى جسر بطحان مما يلي العالية، و كان لهم سوق هناك من أسواق المدينة المنورة.

31، 32- أطما بني قينقاع عند الحشاشين في البستان الذي يقال له:

" حبرة".

33- أطم بني قينقاع عند الحائط الذي يقال له:" ذو الشهر".

34- أطم بني حجر عند المشربة التي عند الجسر.

35- أطم بني ثعلبة و أهل الزهرة عند بستان سعد بن عبادة.

36، 37- أطما بني ثعلبة و أهل الزهرة على طريق العريض.

____________

(1) كانت آثار مشربة أم إبراهيم باقية العين، يراها الذاهب إلى شارع الحزام عن طريق العوالي على يساره في منتصف الطريق بين مستشفى الزهراء و المستشفى الوطني، و قد أزيلت حاليا.

(2) الوارد في حق نبينا محمد (صلى اللّه عليه و سلم) الجمع بين الصلاة و التسليم؛ و لهذا كره العلماء الاقتصار على أحدهما.

34

38- أطم صرار لجماعة من اليهود بالجوانية شمال المدينة المنورة بالحرة الشرقية، سميت تلك الناحية صرارا، و هو الأطم الواقع بجنوب مسجد العريض.

39- أطم الريان لجماعة من اليهود بالجوانية.

أطم بني حارثة و يسمى أطم صرار

40- أطم بني حارثة بالجوانية، و الجوانية هذه تسمى الآن بالجوعانية في العيون شمال المدينة المنورة (1).

41- أطم الأبيض ما بين مقبرة بني عبد الأشهل و قصر عراك لبني الجذماء حي من اليمن، ثم انتقلوا بعد ذلك إلى راتج.

42- أطم النحال لبني عكوة، و هم رهط بني عكم.

____________

(1) الجوعانية بستان آل الدخيل، و تقع على الشارع العام الموصل بين منطقة شهداء أحد الذي يلتقي مع خط العيون، و بين خط الخواجات، و ذلك بعد قصر رانية للأفراح بحوالي نصف كيلومتر. و هذه الجوعانية غير جوانية العريض التي تقع على طريق المطار.

35

43- أطم الشعبان لبني عكوة أيضا.

44- أطم راتج لبني عبد الأشهل، و كانت قد سميت به تلك الناحية لعظيم شهرته.

45- أطم الشّرعبي العظيم لأهل الشوط دون جبل ذباب شمال المدينة المنورة الذي أطلق عليه فيما بعد جبل الراية.

46، 56- أحد عشر أطما لأهل العنابس، منها الأطم الذي على يمين السائر عند زقاق الحسني.

57، 58- أطمان يليان عين فاطمة حيث كان يطبخ الآجرّ للمسجد النبوي الشريف.

59- أطم الأرق لأهل والج مما يلي وادي قناة المجاور لسيدنا حمزة سيد الشهداء رضي الله تعالى عنه.

60، 61- أطما الشيخين لبني حارثة.

62، 64- ثلاثة آطام عند مسجد الدرع لبعض من كان هناك من اليهود.

65، 67- ثلاثة آطام عند كومة أبي الحمراء و دونها لأهل زبالة.

68- أطم المجد في بعض المزارع الموجودة لسقاية سليمان لبعض من كان هناك من اليهود.

69- أطم برج لبني القيمة من بني النضير.

70- أطم الأضبط بن قريع بن عوف التميمي، و هو الذي كان قد أغار على أهل صنعاء فانتصف منهم و ملكهم، و بنى هناك حصونا و آطاما نسبت إليه ثم سكن المدينة المنورة.

36

أطم الشيخين لبني حارثة بطريق سيد الشهداء

71- أطم المزدلف لعتبان بن مالك، في بطن وادي رانوناء، و في منزل عتبان هذا صلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في مكان منه‏ (1)، اتخذه عتبان بن مالك مصلى له، و هذا الأطم في جنوب المدينة المنورة.

72- أطم البويرة لبني النضير بمنازلهم شرقي المدينة المنورة.

73- أطم حسان بن ثابت شاعر رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم)، و اسم هذا الأطم" فارع"، و هو داخل باب الرحمة من المسجد النبوي، و لعله كان ما بين المئذنة و الباب، و شوهد أثر ذلك عند الهدميات في التوسعة السعودية الأولى التي تمت عام 1372 ه.

74- أطم بني زريق بالمناخة محل الشرطة المسمى بالخالدية.

75- أطم مالك بن سنان عند بئر البوصة قرب باب العوالي.

____________

(1) خبر صلاة النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في مسجد عتبان رواه البخاري برقم 1113، و مسلم برقم 657.

37

76- أطم النواعم في بستان النواعم الذي يسمى الآن بالنّويعمة (بالتصغير) في جنوب المدينة المنورة.

77- أطم سعد بن عبادة.

78- أطم بجرار سعد.

79- أطم مدكوك.

80- أطم ابن ماد بالعصبة.

81- أطم أشاسي لبني عطية بن زيد بن قيس بن مالك بن الأوسي.

82- أطم العقرب لبني بياضة.

83- أطم الأطول.

84- أطم الأشنف لبني عبيد، كان للبراء بن معرور بن سنان بن صخر بن عبيد.

85- أطم الجيشي.

86- أطم حبرة- بالكسر- لبني قينقاع عند الحشاشين.

87- أطم حبيش- بالضم مصغرا- لبني عبيد عند جبلهم بمنازلهم.

88- أطم حشان- بالكسر- جمع حش بالفتح، و هو البستان باللغة العبرية عائد لليهود، على يمين الطريق الموصل لشهداء أحد، و الحشاشين بصيغة الجمع أيضا بمنازل بني قينقاع في جنوب المدينة المنورة.

89- أطم الخصي شرقي مسجد قباء على فم بئر الخصي لبني السلم.

90- أطم الريان لبني حارثة.

38

أطم الضحيان بالعصبة بقباء

91- أطم الصياصي بقباء في جهة زيد بن مالك، يتعاطى أهلها النيران بينهم لقربها من بعضها.

92- أطم مالك بن العجلان شمال مسجد الجمعة عند عدوة الوادي الشرقية.

93- أطم زيدان لآل حارثة من الأوس في قبلة مسجد قباء.

94- أطم سويد، ابتناه بنو عامر مالك بن بياضة، و هو الأطم الأسود المتهدم في شمال الخائط الذي يقال له الحماضة.

95- أطم السيح لجشم و أخيه في السيح.

96- أطم شأس بقباء، ابتناه بنو عطية بن زيد بن قيس بن عامر، و أعتقد أنه كان في مكان منارة مسجد قباء، و الله أعلم.

39

97- أطم الشبعان في ديار أسعد بن معاوية.

98- أطم الشجرة لبني قريظة، كان لكعب بن أسعد القرظي.

99- أطم الشماخ خارج بيوت بني سليم فيما يلي القبلة لبني سليم بن غنيم.

100- أطم القرط بقباء عند دار أبي سفيان بن الحارث بين أحجار المراء و مجلس بني الموالي جنوب المدينة المنورة.

101- أطم الصيصة بقباء.

102- أطم أصيحان بن الجلاح عند العصبة، و يسمى أطم الضحيان، و هو الأطم الأسود الذي بالعصبة، و يرى من المكان البعيد، و عرضه قريب من طوله.

103- أطم ضع ذرع، ابتناه بنو خطمة، يشبه الحصن.

104- أطم عاصم، ابتناه بنو عبد الأشهل، و يقال إنه كان لحي من اليهود.

105- أطم قباء بقباء جنوب المدينة المنورة.

106- أطم المدينة، ابتناه بنو عمرو بن عوف بالمدينة المنورة بين الصفاصف و الوادي.

107- أطم عذق لبني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس جنوب المدينة المنورة.

108- أطم غزة، ابتناه بنو عوف بقباء، و كان لبني حبيب بن عمرو بن عوف رهط سويد بن صامت.

109- أطم عقرب، و هو الأطم الأسود الصغير الذي كان في شمال الرحابة بالحرة، كان لآل عاصم بن عامر بن عطية.

40

110- أطم العقيان في شمال أرض فراش بن مرة مما يلي السبخة، ابتناه بنو عمرو بن عامر بن زريق.

111- أطم الحبيسي بجانب القبلتين.

112- أطم العريان لبني النجار من الخزرج في صقع القبلة لآل النضر رهط أنس بن مالك.

113- أطم فويرع لبني غنيم بن مالك، و قد كان في مكان مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت.

114- أطم القصص شرقي المربد بقباء.

115- أطم عاصم في دار توبة بن الحسين بن السائب بن أبي لبابة، و فيه البئر التي يقال لها قباء.

116- أطم الأعنق في المال الذي يقال له البردعة.

117- أطم حصية في المال الذي يقال له السمنة، ثم صارت هذه الآطام الثلاثة لسلمة بن أمية أحد بني عمرو بن عوف، و كانت منازلهم في شعب بن حرام حتى نقلهم سيدنا عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- إلى مسجد الفتح، و آثارهم هناك باقية.

118- أطم القرابة.

119- أطم القوافل في بيوت بني سالم مما يلي ناحية العصبة، كان لبني سالم بن عوف.

120- أطم كلب.

121- أطم الحصين، كان بالمهراس بقباء لحصين بن ورقة بن الجلاح، ثم صار لبني المنذر في دية جدهم رقاعة بن زهير.

41

122- أطم المرابض شمال المدينة المنورة في موضع يعرف بكرمة الدير.

123- أطم الماية لبعض بني أنيف بقباء.

124- أطم المراوح، بناه بنو عمرو بن عوف في دارتوبة بن الحسين بن السائب بن أبي لبابة.

125- أطم مربع في بني حارثة.

126- أطم المريح لبني قينقاع عند منتهى جسر بطحان عن يمين قاصد المدينة المنورة.

127- أطم المستظل لبني عمرو بن عوف، كان عند بئر عذق بقباء.

128- أطم مزاحم بين ظهراني بيوت بني الحبلى، كان لعبد الله بن أبيّ بن سلول رأس المنافقين‏ (1).

قدوم الأوس و الخزرج إلى المدينة المنورة:

قدم الأوس و الخزرج إلى المدينة المنورة، و هم الذين سماهم رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) بالأنصار؛ لأنهم نصروه و آزروه بعد أن آمنوا به إيمانا حقيقيا خالصا من صميم قلوبهم و أفئدتهم، و أحبوه حبا حقيقيا و افتدوه بأرواحهم. و قبل هذه التسمية كانوا يعرفون ببني قيلة، و قيلة هذه هي الأم التي تجمع القبيلتين‏ (2).

____________

(1) هناك آطام كثيرة ذكرها السمهودي في كتابه" وفاء الوفاء" 1/ 190- 215 لم يذكرها المؤلف، مثل: أطم واقم، و الرعل، و المسير، و الشنيف، و المسكبة، و السعدان، و الموجا، و الأجرد، و الأغلب، و منبع، و أخنس، و اللواء، و السرارة، و واسط، و معرض، و فارع، و الزاهرية، و المنيف، و غير ذلك.

(2) ابن النجار، الدر الثمينة، ص 39، السمهودي، وفاء الوفاء 1/ 178.

42

و الأنصار جمع نصير، و سماهم رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) بهذا الاسم الكريم لأنهم عزروه و أكرموا وفادته عليهم كل الإكرام؛ فآووه و من معه من المهاجرين، و قاموا بأمرهم خير قيام، و واسوهم بأنفسهم و أموالهم، و آثروهم على أنفسهم في كثير من الأمور؛ فمدحهم رب العزة- جلت قدرته و تعالت عظمته- في سورة الحشر بقوله- تبارك و تعالى- فيها:

وَ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَ الْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَ لا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَ يُؤْثِرُونَ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏ (1).

الدار و الإيمان اسمان من أسماء المدينة المنورة:

يحق للأنصار- إي و رب العزة- أن يفتخروا على كل العالم بهذه المزايا الحميدة التي وصفهم بها ربهم تبارك و تعالى.

لقد كان الأنصاريّ ينزل عن إحدى زوجاته فيطلقها ليتزوجها بعد انقضاء عدّتها أخوه المهاجر، ثم يقاسمه أمواله و أملاكه، ثم يقدّمه على نفسه في كل صغيرة و كبيرة.

أما أصل الأوس و الخزرج فإنه يتلخص فيما يأتي:

لما كان ما كان من أمر سيل العرم الذي قصّ الله- تبارك و تعالى- علينا في كتابه الكريم قصته العجيبة الغريبة، اجتمع عمرو بن عامر بن ثعلبة بقومه فقال لهم: إني واصف لكم البلاد، فمن أعجبه بلد فليسر إليه، و من أراد الرحيل فليلحق بيثرب ذات النخيل. و هي المدينة المنورة، فكان ممن اختار المدينة المنورة التي كانت تسمى إذ ذاك بيثرب‏

____________

(1) سورة الحشر، الآية: 9.

43

بنو قيلة؛ و هم الأوس و الخزرج الذين سماهم فيما بعد رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) بالأنصار. و هم أبناء حارثة بن زيد بن سواد بن أسلم بن إسحاق بن قضاعة، فأقاموا بالمدينة المنورة مع اليهود الذين كانت لهم الأموال و النخيل و الآطام، كما كانت لهم القوة في العدد و العدة، فبعد أن مكثوا معهم طويلا من العهد عقدوا مع اليهود حلفا عاشوا فيه معهم بين نقض أحيانا و إمضاء أحيانا أخرى كما هي عادة اليهود، لا عهد لهم و لا ذمة.

منازل الأوس بالمدينة المنورة كانت كما يأتي:

1- بنو عبد الأشهل بن جشم بن الحارث.

2- بنو حارثة بن الحارث بن الخزرج الأصغر بن عمرو بن مالك بن الأوس، يسكنون بالحرة الشرقية بجانب العريض‏ (1).

3- بنو ظفر الذي هو كعب بن الخزرج الأصغر.

4- بنو خيم زعور بن جشم بن أهل راتج، يسكنون شرقي البقيع عند مسجد البغلة الخاص بهم‏ (2).

5- بنو عمرو بن عوف بن مالك الأوسي، يسكنون بقباء.

6- بنو جحجبا، يسكنون العصبة. و العصبة بستان معروف حتى الآن من أملاك أشراف بني حسن، قريب من القويم‏ (3).

7- بنو معاوية بن مالك، يسكنون بجوار البقيع بجانب مسجد الإجابة (4).

____________

(1) لا يزال مسجد العريض قائم العين معروفا باسمه الآن في منتصف طريق المطار القديم تقريبا على يمين الذاهب إلى الداخل من الشارع العام بحوالي كيلو مترين.

(2) هو ما يعرف الآن بالمائدة شمال بلاد آل الرفاعي.

(3) غربي قباء.

(4) و مسجد الإجابة معروف الآن على شارع الستين على يمين المتجه شمالا من فندق الدخيل إلى شارع أبي ذر.

44

8- بنو السميعة الذين هم بنو لوذان بن عمرو بن عوف، يسكنون عند زقاق ركيح في الربعي. و الربعي هو البستان المشهور بهذا الاسم من أملاك آل الخاشقجي.

9- واقف و السلم أبناء امرئ القيس بن مالك بن الأوس، و هؤلاء كان عددهم يبلغ ألف مقاتل، يسكنون عند مسجد الفضيخ، و هو مسجد نبوي‏ (1) معروف حتى الآن.

10- بنو أمية بن زيد إخوة بني وائل، يسكنون شرقي العهن، و العهن هو البستان المعروف حتى يوم الناس هذا بهذا الاسم قرب بستان النواعم‏ (2).

11- بنو عطية بن زيد، يسكنون بجانب أطم شأس في رحبة مسجد قباء (3).

12- بنو سعد بن مرة بن مالك بن الأوس، يسكنون بجانب أطم راتج.

13- بنو خطمة بن جشم بن مالك بن الأوس، يسكنون عند الماجشونية المسماة الآن بالمدشونية (4).

____________

(1) تخصيص مسجد بوصف دون سواه من المساجد التي تماثله قد يشعر العامة أن له مزية شرعية على غيره؛ لهذا كان العدول عن هذا هو الأكمل إلا ما جاء عليه دليل.

(2) بستان العهن يقع في منتصف الجزء المتعرج من شارع قربان (شارع الأمير عبد المحسن)، و المنحصر بين تقاطع شارع قربان مع العوالي أمام عمائر آل حمودة باتجاه الشمال، و بين شارع الحزام (الحلقة الدائرية الثانية) و ذلك على يسار الذاهب من عمائر آل حمودة إلى الجنوب نحو خط الحزام (الخط الدائري الثاني). و النواعم: بستان يقع في حدود بساتين الشيخ حسين الغري جنوب غرب العهن.

(3) انظر أيضا ما أورده العباسي في عمدة الأخبار، ص 43، 44 عن مساكن الأوس.

(4) و هي بستان آل الرفة قائمة العين الآن في منتصف طريق قربان (شارع سمو الأمير عبد المحسن) على يمين المتجه إلى المسجد النبوي مباشرة قبل حديقة الشباب التابعة لأمانة المدينة المنورة.

45

فهؤلاء الثلاثة عشر بطنا هم من صميم الأوس، و هذه منازلهم و بجانبيها كانت مساجدهم؛ منها ما صلى فيه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم)، و منها ما لم يصل به بل هم أنشؤوها لأنفسهم فقط. و ستأتي بحوث خاصة بالمساجد النبوية و غيرها فيما بعد إن شاء الله تعالى.

أما منازل الخزرج فكانت كما يأتي:

1- بنو الحارث بن الخزرج الأكبر، يسكنون شرقي وادي بطحان، و لهم تربة صعيب المشهورة الآن باسم الحارث.

2- جشيم و زيد أبناء الحارث، يسكنون السنح، و السنح هذا هو الأرض التي كانت مملوكة لأبي بكر الصديق خليفة رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) بالعوالي، و هي قرية من قرى المدينة المنورة كان ينزلها بأهله‏ (1).

3- بنو خطمة، يسكنون غربي وادي بطحان و كانوا متفرقين فيه.

4- بنو خدارة بن عوف بن الحارث، يسكنون بجانب جرار سعد (2) شمال السوق المسماة بالقائم إذ ذاك، كما كانوا يسكنون البصة؛ و هي من الآبار النبوية المشهورة و المعروفة اليوم خارج باب العوالي‏ (3).

5- بنو سالم و بنو غنيم‏ (4) أبناء عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج‏

____________

(1) يقال: إن موقع السنح هو القرنة و الساحة التي تقع عند التقاء شارع السالمية الجديد مع شارع العوالي إلى الشمال من هذا الركن.

(2) و قد كان سعد يسقي الناس الماء من هذه الجرار. السمهودي، وفاء الوفاء 1/ 209.

و العباسي، عمدة الأخبار، ص 51.

(3) هو البستان القائم الآن في منتصف المسافة بين بداية الجسر (الكوبري) و تقاطع شارع الستين مع شارع العوالي (شارع الإمام علي)، و نخيله ظاهرة من أعلى السور على يمين المتجه نحو الجسر، و أمام المبنى الجديد لمدرسة العلوم الشرعية.

(4) في وفاء الوفاء 1/ 199، و عمدة الأخبار، ص 48: «غنم».

46

الأكبر، يسكنون بطرف الحرة الغربية عند مسجد الجمعة بين دار بني النجار و دار بني ساعدة.

6- بنو الحبلى مالك بن سالم بن غنم بن عوف، بجانب أطم مزاحم، و سمي بالحبلى لعظم بطنه.

7- بنو سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن شادرة بن تزيد بن جشم بن الخزرج الأكبر.

8- بنو سوار (1) بن غنم بن كعب بن سلمة، الثلاثة البطون يسكنون بالحرة ما بين مسجد القبلتين إلى أطم بني حرام.

9- بنو عبيد بن عدي الديناري بن غنيم بن كعب بن سلمة، يسكنون بمنازلهم شمال السيح و قرب المساجد.

10- بنو حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة، يسكنون عند مسجدهم و كهفهم من منطقة السيح.

11- بنو ناغصة، يسكنون في شعب ابن‏ (2) حرام، فنقلهم عمر بن الخطاب إلى مسجد الفتح.

12- بنو مري بن كعب بن سلمة حلفاء بني حرام، يسكنون الحسا التي هي أبيار علي، و العنابس خلف حصن خل، و لهم الحدائق التي بالعنابس و التي في العقيق، و مسجدهم كان بالعنابس.

و بنو سلمة هؤلاء كثيرون جدا، و كانت كلمتهم واحدة و رابطتهم قوية و عظيمة، فقالوا لرسول الله (صلى اللّه عليه و سلم): «يحول بينا و بينك السيل فهل نتحول‏

____________

(1) في وفاء الوفاء 1/ 201، و عمدة الأخبار، ص 49: «بنو سواد».

(2) في وفاء الوفاء 1/ 203: «بني حرام».

47

من أماكننا هذه؟» (1) فقال لهم رسول الله (صلوات الله و سلامه عليه): «ما عليكم لو رحلتم إلى سفح الجبل». و يعني به جبل سلع، فتحولوا إليه فعلا فدخلت بنو حرام الشعب، و صارت بنو سواد و بنو عبيد إلى السفح.

و قال لهم رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم): «اثبتوا فإنكم أوقادها» (1). و معنى هذا الحديث الشريف النبوي: إنكم أصحاب قلوب سريعة التوقد في النشاط و الذكاء و المضاء الحاد. و في هذا منتهى المدح لهم.

و قد تقدم أن سيدنا عمر بن الخطاب نقل بني ناغصة إلى قرب مسجد الفتح، فبنت بنو حرام مسجدهم المعروف اليوم وقبتهم المعروفة بقبة بني حرام و التي بناها لهم رجل من الروم.

13- بنو بياضة و زريق أبناء عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج الأكبر.

14- بنو حبيب بن عبد حارثة بن مالك.

15- بنو عذارة، و هم بنو كعب بن مالك.

16- بنو جذع‏ (2) و هم بنو معاوية بن مالك، يسكنون ببني بياضة شمال بني سالم ممتدة بين الحرة الغربية إلى بطحان قبل بني مازن.

____________

(1) الحديث أورده الهيثمي عن جابر في المجمع 2/ 147، رقم 2077، و عزاه إلى البزار، و قال: «رجاله ثقات». و قال الهيثمي: «لجابر حديث في الصحيح أصح من هذا».

قلت: هو في صحيح مسلم 1/ 462، و فيه: «فقال: يا بني سلمة، دياركم تكتب آثاركم».

و ليس فيه: «اثبتوا فإنكم أوقادها». فالحديث صحيح إلا لفظة (اثبتوا فإنكم أوقادها) فقد أخرجها ابن شبة في أخبار المدينة 1/ 80. و قال المحقق: رجاله رجال الصحيح إلا طالب بن حبيب. قال الحافظ في التقريب: «صدوق يهم». فالحديث: في إسناده لين.

(2) في وفاء الوفاء 1/ 204، و عمدة الأخبار، ص 50: «بنو أجدع، أو بنو الأجدع».

48

17- بنو زريق، و كانوا يشكلون كثرة فائقة، و يسكنون في ناحية مسجد الغمامة حتى نهاية ذاروان‏ (1) بباب العوالي‏ (2).

18- بنو مالك بن زيد بن حبيب من بني بياضة، يسكنون عند ذي ريش في وادي الرانوناء.

19- بنو عذارة أقل بطون بني مالك بن عضب عددا، و قد أفنى بعضها بعضا، و كانت من بطنين فقط. و كان بينهم ميراث في الجاهلية فاختلفوا عليه كل الاختلاف، فدخلوا حديقة بني بياضة و أغلقوها عليهم، و اقتتلوا فيما بينهم حتى أفنوا بعضهم بعضا، و لم يبق منهم شخص واحد؛ فسميت تلك الحديقة حديقة الموت، و بهذا الوضع انتهت بنو عذارة من الوجود.

20- بنو مالك بن عضب من أكبر قبائل الخزرج، و إذا أخرجنا منهم بني زريق كان يخرج منهم فقط ألف مقاتل.

21- بنو ساعدة بن كعب بن الأزرق الأكبر، كانوا يسكنون في أربعة مواضع. و هي مفصلة كما يأتي:

22- بنو عمرو و بنو ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة، يسكنون دار بني ساعدة، بين سوق المدينة المنورة من الشرق مما يلي الشمال و بين بني حمزة (3).

____________

(1) في وفاء الوفاء 1/ 206، و خلاصة الوفاء، ص 147، و عمدة الأخبار، ص 50 رسمت هكذا: «ذروان».

(2) موقع ذاروان حاليا يمثل الجزء المواجه شمالا لموقف الصافية، و الذي تحول إلى مجمع للدوائر الشرعية، و يمتد شرقا إلى قبيل إشارة المرور الضوئية التي تتفرع إلى شارع البقيع، و شارع النخاولة، و شارع الإمام علي (العوالي).

(3) في وفاء الوفاء 1/ 802، و خلاصة الوفاء 175، و عمدة الأخبار، ص 51: «بنو ضمرة».

49

و لهم الأطم الذي بدار أبي دجانة الصغرى عند بئر بضاعة، و الأطم الثاني المواجه لمسجد بني ساعدة. و كان آخر أطم بني بالمدينة المنورة بالباب الشامي و مسجد بني ساعدة هذا، كان بجوار بئر بضاعة، و هي من الآبار النبوية المأثورة الشهيرة الباقية إلى يوم الناس هذا. و أمامها من جهة الجنوب جهة القبلة سقيفتهم الشهيرة بسقيفة بني ساعدة التي بويع فيها سيدنا أبو بكر الصديق خليفة رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) بالخلافة العظمى عن نبينا الأعظم (صلوات الله و سلامه عليه)، فكان بهذا الوضع الجميل فيها أول مؤتمر عقد في الإسلام بعد وفاة النبي عليه الصلاة و السلام.

23- بنو قشيبة (1) بن الخزرج بن ساعدة.

24- بنو أبي خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة.

25- رهط سعد بن عبادة، يسكنون الدار التي كان يقال لها: جرار سعد. و اشتهرت بهذا الاسم، و هي جرار كان يسقى فيها الماء، و هي نهاية سوق المدينة المنورة، و الآن تعرف هذه المحلة بمسجد سيدنا مالك بن سنان رضي الله عنه‏ (2).

26- بعض بني الحارث بن الخزرج بن ساعدة، يسكنون هناك أيضا؛ يعني بجرار سعد.

27- بنو وفش‏ (3) و بنو عنان أبناء ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة، يسكنون قرب مسجد الراية المقام فوق جبل ذباب.

____________

(1) كذلك في عمدة الأخبار ص 51، أما في وفاء الوفاء 1/ 209، و خلاصة الوفاء، ص 175:

«بنو قشبة».

(2) دخلت منطقة جرار سعد (شارع سيدنا مالك) ضمن التوسعة الغربية للمسجد النبوي.

(3) في وفاء الوفاء 1/ 210، و خلاصة الوفاء، ص 175، و عمدة الأخبار، ص 51: «بنو دقش».

50

28- بنو مالك بن النجار، سكنوا في الموضع الذي دفن فيه عبد الله والد النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في زقاق الطوال داخل المدينة المنورة (1).

29- بنو غنم بن مالك بن النجار، سكنوا شرقي المسجد النبوي الشريف. و كان أطمهم يسمى قويرع‏ (2)، و هو موضع دار الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، و محله الآن مكتبة شيخ الإسلام السيد عارف حكمت (رحمه الله تعالى).

30- بنو مغالة (بالغين المعجمة)، و هم بنو عدي بن عمرو بن مالك، و مغالة هي أمهم، و اشتهر لقبهم بها. سكنوا غربي المسجد النبوي الشريف جهة باب الرحمة، و لهم فارع أطم حسان بن ثابت، و لهم بئر ماء.

31- بنو حذيلة (3) (بالحاء المهملة المضمومة)، و هو معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، يسكنون شمال المسجد النبوي الشريف و شرقيه قرب البقيع و قرب بئر حاء (4).

و لهم الأطم الذي يقال له:" مشعط" غربي مسجدهم المسمى بمسجد أبيّ بن كعب. و مشعط هذا هو الذي ورد فيه الحديث النبوي‏

____________

(1) دخلت هذه المنطقة ضمن التوسعة الغربية للمسجد النبوي الشريف. و الإشارة إلى أن والد النبي (صلى اللّه عليه و سلم) مات في المدينة و دفن بها وردت في عدد من المصادر التاريخية منها: تاريخ المدينة لابن شبة 1/ 116، و الاستيعاب لابن عبد البر 1/ 14، و أسد الغابة لابن الأثير 1/ 13، و البداية و النهاية لابن كثير 2/ 263.

(2) كذلك في خلاصة الوفاء ص 176، و عمدة الأخبار ص 51، أما في وفاء الوفاء 1/ 210:

«فويرع».

(3) كذلك في وفاء الوفاء 1/ 211، و عمدة الأخبار، ص 52. أما في خلاصة الوفاء، ص 176: «جديلة».

(4) دخلت بئر حاء ضمن التوسعة الشمالية للمسجد النبوي الشريف.

51

الشريف القائل: «إن كان الوباء في شي‏ء فهو في ظل مشعط» (1).

32- بنو مبذول، و هو عامر بن مالك بن النجار، يسكنون قرب بقيع الزبير، و يسمى الآن «الرستمية» بجانب عين الحارة أي: حارة الأغوات في طريق البقيع الشريف بقيع الغرقد (2).

33- بنو عدي بن النجار، سكنوا غربي المسجد النبوي، و منهم أنس بن مالك خادم رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) الذي كانت داره شرقي المسجد النبوي الشريف، و هذه الدار الآن مملوكة لفضيلة السيد محمود أحمد و التي كانت مقر مصنع السجاد المصري حين تأسيسه‏ (3).

34- بنو مازن بن النجار، سكنوا بجانب أطم واسط، و الأطم الآخر المجاور له بجوار حصن ابن النضير الليثي.

35- بنو دينار بن النجار، سكنوا غربي وادي بطحان خارج باب قباء بجانب المغيسلة، و مسجدهم هو مسجد المغيسلة الباقي حتى يوم الناس هذا، و كان يسمى مسجد بني دينار سابقا.

36- بنو الشظية (4)، سكنوا حرة ميطان فلم توافقهم، فسكنوا حرة جذمان فلم توافقهم، فسكنوا حرة راتج.

و جاء في الحديث النبوي الشريف: «خير دور الأنصار بنو النجار،

____________

(1) ذكره بلفظه الفيروزآبادي في" المغانم المطابة"، ص 372، و أورده السمهودي في" وفاء الوفاء" 4/ 1307.

(2) المنطقة المذكورة أصبحت ضمن الساحة التي تقع جنوب الجزء الشرقي لتوسعة المسجد النبوي الشريف في عهد الملك فهد بن عبد العزيز.

(3) هي الآن ضمن التوسعة الشرقية للمسجد النبوي الشريف.

(4) في وفاء الوفاء 1/ 214: «بنو الشطبة».

52

ثم بنو عبد الأشهل، ثم بنو الحارث بن الخزرج، ثم بنو ساعدة، و في كل دور الأنصار خير» (1).

و لبث الأوس و الخزرج بالمدينة المنورة ما شاء الله أن يلبثوا، و كانت كلمتهم واحدة، ثم وقعت بينم حروب كثيرة كبيرة لم يسمع في قوم أكثر منها و لا أطول منها، و يقال: إنها بقيت مائة و عشرين عاما حتى جاء الإسلام، منها: حرب سمير، و حرب كعب بن عمرو، و حرب يوم السرارة، و حرب يوم الديك، و حرب يوم فارع، و حرب يوم الربيع، و حرب حضير بن الأسلت، و حرب حاطب بن قيس، و حرب يوم بعاث قبل الهجرة بخمس سنين. فلما قدم سيدنا رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة المنورة أكرمهم الله- تبارك و تعالى- بإيمانهم به جميعا.

و جاء في كتب السيرة أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قدم المدينة المنورة و سيد أهلها عبد الله بن أبي بن سلول الذي لم يجتمع الأوس و الخزرج قبله على رجل من أهل الفريقين غيره، و كانوا قد عزموا على تتويجه ملكا عليهم بالمدينة المنورة.

فلما قدم رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة المنورة فقد عبد الله بن أبي بن سلول عزه و سطوته و ملكه الذي كاد يتم له بين لحظة و أخرى، فحقد على رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم)، و أكل الغيظ قلبه، و اشتد غضبه بقدوم رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم)، فكان يدبر له المكائد، و يغري به بعض أتباعه‏ (2). و قصصه في هذه‏

____________

(1) متفق عليه، أخرجه البخاري مع الفتح 7/ 144، رقم 3789، و مسلم 4/ 1950، رقم 2511، و رواه أحمد في مسنده عن أبي أسيد، و روى الترمذي جزءا منه عن جابر.

(2) ابن هشام، السيرة النبوية 2/ 160، و ابن كثير، البداية و النهاية 5/ 34، و العباسي، عمدة الأخبار، ص 50- 61.

53

الناحية كثيرة جدا، منها عودته من غزوة أحد بثلاثمائة مقاتل من نصف الطريق، و منها تجسيمه لقصة الإفك، و فيه نزل قول الله تعالى: وَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ‏ (1).

و منها و منها ... إلى آخر قبائحه الكثيرة التي لو جمعت لاستوعبها كتاب مستقل.

____________

(1) سورة النور، الآية: 11.

54

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

55

الباب الثاني تاريخ المدينة المنوّرة في عهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)

56

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}