تحفة الأحباب وبغية الطلاب‏

- علي بن أحمد السخاوي المزيد...
471 /
3

خطبة المؤلف‏

بسم اللّه الرحمن الرّحيم

الحمد للّه الذى اختص حبيبه الأسنى، بمقام قوسين أو أدنى، و قرن اسمه الشريف بأعظم أسمائه الحسني. و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، ولى عباده و حبيب عباده، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، و صفيه و خليله، صلى اللّه عليه و على آله الشرفاء، و أصحابه الخلفاء، و الحلفاء، و على إخوانه من الأنبياء، و من اتبعه من الأولياء، صلاة تنشر نفحاتها على أرواحهم الطاهرة، و تسبغ نعمها عليهم باطنة و ظاهرة، و سلم تسليما تحمله الملائكة و تبلغه إلى روضاتهم الطيبة المباركة.

سبب تأليف الكتاب:

قال الشيخ الإمام العالم العلامة العمدة السخاوى، المعترف بذنبه المعترف من نهر عطاء ربه، عفا اللّه عن خطئه و عمده، و تداركه برحمة من عنده:

نظرت فى بعض نسخ شيخنا (قدس اللّه سره)(1)، و شرح صدره، بالنظر إليه و سره، فرأيت النساخ جهلوا بعض كلامه، و إذا عرفوه و اشتبه عليهم بشى‏ء من كلامه صحفوه و أخرجوه بذلك عن أصله، فاستخرت اللّه تعالى، و استعنت به فى تحرير هذه النسخة، معتمدا فى ذلك على نسخة كانت عندى له من أثره محررة.

____________

(1) من شيوخ المؤلف- (رحمه اللّه)- شمس الدين بن الزيات. و من شيوخه أيضا: مجد الدين بن الناسخ- و غيرهما كثيرون- فلعله واحد منهم.

4

و ها أنا أشرع فى بيان ذلك، مفوضا لربى المالك، على عادة المصنفين، على حسب ما اقتضت إليه همتهم من التأليف على طرق شتى بحسب الاطلاع و المقاصد.

فمنهم: من اعتنى بذكر الصحابة و القرابة و التابعين و تابعيهم.

و منهم: من اعتنى بذكر الشهداء و المجاهدين فى سبيل اللّه تعالى.

و منهم: من ذكر العلماء و الفقهاء.

و منهم: من ذكر الحفاظ من المحدثين و مشايخ القراء.

و منهم: من ذكر الخطباء و المتصدرين.

و منهم: من ذكر الفصحاء و أصحاب المعروف من الوزراء و الكتاب و ذوى الأموال.

و منهم: من اختص بذكر المزارات و معرفة الآثارات.

و منهم: من شرح الصدور بذكر فضل زيارة القبور.

و منهم: من نبه قلوب الغافلين بذكر البعث و النشور، إلى غير ذلك مما لم يحضرنى ذكره.

فرأيتها: على غير منوال بل شوارد أقوال، أحببت أن أجمع بين هذه المقاصد راجيا من اللّه تعالى أن يكون كتابى هذا عونا و عمدة لكل قاصد، لعلى به أن أنال من مقاصد الخير بعض الذى نالهم، و أن أعد من الذين قد اقتفوا آثارهم، و أطلب من اللّه المعونة على جمع هذا الكتاب.

5

و سميته: تحفة الأحباب و بغية الطلاب‏

و اللّه سبحانه و تعالى أسأل أن يوفقني لاختتامه.

تسمية هذا الكتاب و اتباعه لكتاب الكواكب السيارة:

و إنى وضعت كتابى هذا على ترتيب الكتاب المعروف (بالكواكب السيارة فى ترتيب الزيارة) فإنه ذكر فيه بيان الخطط و الآثار القديمة بالقرافتين الصغرى و الكبرى، و مزارات البقاع التي الدعاء عندها مستجاب، و ذكر المساجد، و فضل الجبل المقطم، و فضل أوديته المباركة، و من نزل به، و من أقام فيه، إلى غير ذلك، و هو أكمل كتاب فى هذه الطريقة.

و كان مؤلفه (رحمه اللّه) تبارك و تعالى فرغ من جمعه و تأليفه فى سنة أربع و ثمانمائة، لكنه مع هذا الجمع المفيد دخل عليه السهو فى مواضع منه، و لعل ذلك من سبق القلم أو من اشتغال الخاطر، أو بحسب اطلاعه لكن الفضل للمتقدم.

ما زاده مؤلفنا على مؤلف الكواكب السيارة و خطته فى التأليف:

فمن أجل ذلك أحببت أن أجمع من الشوارد، ما فاته مع ذكر التراجم المفيدة، و المناقب الحميدة، و الأقوال الغريبة، و الأفعال المرضية، و معرفة أهل مصر. و من دخل إليها من غير أهلها، و أن أسرد بعض من ألف و قال، و أبين كل فن فى مكانه الذى هو فيه الآن، و أذكر صفة ما عليه إن كان موجودا أو معروفا، و أذكر الخطة التى هو فيها، و التربة التى دفن بها، و أشير إليها بالإيماء، حتى يكون الزائر على بصيرة و يقين، و ذلك نقل خلف عن سلف على سبيل الاختصار مع بيان النصيحة فى الأقوال و الأفعال‏

6

- إن شاء اللّه سبحانه و تعالى- لينتفع به الزائر، و يهتدى به الحائر، و يتضح ذلك للطالب، و ينال به المطالب، و يكتفى به المشتاق الراغب، و إلى اللّه تعالى أرغب فى تمام ما قصدت. و تيسير أسباب ما اعتمدت، إنه أكرم مسئول و أسمح مأمول، و أن ينفع به قارئه و سامعه و ناقله و الناظر فيه بمنه و كرمه آمين.

7

(فصل فى زيارة القبور)

اعلم أيدك اللّه سبحانه و تعالى: أن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) زار القبور و أذن فى زيارتها، بعد نهيه عن ذلك، و قال: «زوروا القبور فإنها تذكر الآخرة».

ما ينبغى لزائر القبور:

و زيارة القبور سنة يثاب فاعلها بقصده الجميل و ينبغى لزائرها أن لا يقول إلا خيرا، و لا يجلس على القبور و لا يمتهنها، و لا يجعلها صفة القبلة و لا يتلمس بها إلى غير ذلك من الأمور المنكرة فى الشرع.

ما زاره (صلى اللّه عليه و سلم) من القبور:

و جاء فى بعض الأخبار: أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) زار قبر أمه، و زار قبر عثمان بن مظمون، و علمه بحجر ليعرفه من بين القبور (و قال) عليه الصلاة و السلام «نهيتكم عن زيارة القبور و لكن زوروها» (1) و هذا عام فى الأشخاص فيكون عاما فى الأحوال.

(ذكر ما ورد فى استحباب زيارة القبور من حديث منقول و أثر مأثور):

زيارة القبور للرجال:

اعلم: أن من الدليل على استحباب زيارة القبور الإجماع فى حق الرجال‏

____________

(1) الحديث كما فى مسلم و الترمذى و ابن ماجه: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فانها تذكركم الآخرة» مع اختلاف يسير فى بعض الفاظه ..

8

كذا نقل العبدى. و قال النووى: هو قول العلماء كافة. و قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر فى الاستذكار عند تكلمه على حديث أبى هريرة عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «أنه خرج إلى المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين و إنا إن شاء اللّه بكم لا حقوز، نسأل اللّه لنا و لكم العافية» الحديث قال فية إباحة الخروج إلى المقابر و زيارتها و هذا مجمع عليه فى الرجال و عن ابن عبد البر أيضا بسند صحيح «ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه فى الدنيا فيسلم عليه إلا رد السلام عليه». و عن ابن عباس رضى اللّه تعالى عنهما قال: «مر النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بالقبور بالمدينة (2) فأقبل عليهم بوجهه فقال السلام عليكم يا أهل القبور و يغفر اللّه لنا و لكم، أنتم لنا سلف و نحن لكم تبع نسأل اللّه لنا و لكم العافية، إنهم لنا سلف و نحن بالأثر» (1) و الأحاديث فى ذلك كثيرة.

زيارة القبور فى حق النساء:

أما فى حق النساء فيدل عليه ما جاء فى صحيح البخارى «أن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) رأى امرأة تبكى عند قبر فقال: «اتقى اللّه يا أمة اللّه و اصبرى» و لم ينكر عليها، و لو كان بكاء النساء عند القبور و زيارتهن لها حراما لنهاها النبى (صلى اللّه عليه و سلم) عن زيارتها و زجرها.

و أما ما روى عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) أنه نهى عن زيارة القبور

____________

(1) فى كتب الحديث: «بقبور أهل المدينة ...» الخ.

(2) الحديث رواه الترمذى بأقل من هذا المتن مع تغيير فى بعض الفاظه.

9

للنساء فغير صحيح إلا أنه لا يجوز لهن التبهرج و الكلام مع الأجانب و إسفار وجوههن و غير ذلك من المنهيات.

ما رؤى من البركة عند قبور الصالحين:

و اعلم أن قبور الصالحين لا تخلو من بركة، و أن زائرها و المسلم على أهلها و القارى‏ء عندها و الداعى لمن فيها لا ينقلب إلا بخير و لا يرجع إلا بأجر و قد يجد لذلك أمارة تبدو له، أو بشارة تنكشف له.

فمما روى عن يحيى بن سعيد عن شعبة بن الحجاج قال «فتن الناس:

بقبر عبد اللّه بن غالب رضى اللّه تبارك و تعالى عنه، فأخذت من ترابه فإذا هو مسك أو تحته مسك، و قصة هذا القبر مشهورة و لما خيف على الناس منة الفتنة سوى.

و ذكر ابن إسحاق قال: حدثنى يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة أم المؤمنين رضى اللّه تبارك و تعالى عنها أنها قالت: «لما مات النجاشى كان يتحدث أنه لا يزال على قبره نور».

يستحب أن يدفن عند قبور الصالحين:

و يستحب أن يقصد الإنسان بميته قبور الصالحين، و مدافن أهل الخير، و يدفنه بالقرب منهم، و ينزله بإزائهم، و يسكنه فى جوارهم، تبركا بهم، و أن يتجنب به قبور من سواهم ممن يخاف التأذى بمجاورته، و التألم بمشاهدة حاله. و قد روى عنه عليه الصلاة و السلام أنه قال: «إن الميت ليتأذى بالجار السوء كما يتأذى به الحى. و لما حضرت أبا على الروذبارى الوفاة كان رأسه فى حجر ابنته فاطمة ففتح عينه ثم قال: هذه أبواب السماء قد فتحت و هذه الجنان قد زخرفت. و هذا قائل يقول يا أبا على قد بلغناك المرتبة

10

القصوى و إن لم تردها، ثم قال:

و حقك لا نظرت إلى سوا كا* * * بعسين سودت حتى أرا كا

و مما وجد عل قبره مكتوبا:

إن الحبيب من الأحباب مختلس‏* * * لا يمنع الموت حجاب و لا حرس‏

و كيف تفرح بالدنيا و لذتها* * * يا من يعد عليه اللفظ و النفس‏

أصبحت يا غافلا فى النقص منغمسا* * * و أنت دهرك فى اللذات تنغمس‏

لا يرحم الموت ذا مال لعزته‏* * * و لا الذى كان منه العلم يقتبس‏

كم أخرس الموت فى قبر وقفت به‏* * * عن الجواب لسانا ما به خرس‏

قد كان قصرك معمورا به شرف‏* * * و قبرك اليوم فى الأجداث مندرس‏

و قد كتب الناس على القبور مواعظ لا تحصى.

(فصل)

القبر لغة و معنى:

القبر مدفن الإنسان و جمعه قبور و المقبرة بفتح الميم و ضم الباء و حكى جمال الدين بن مالك (رحمه اللّه تعالى) كسر الباء قاله الجوهرى و قال صاحب المحكم المقبرة موضع القبور.

و قال ابن السكيت: أقبرته أى صيرت له قبرا يدفن فيه. و قوله تبارك و تعالى: «ثم أماته فأقبره» أى فجعله ممن يقبر و لم يجعله ممن يلقى للكلاب، و القبر مما أكرم به بنو آدم.

قصة موسى مع ملك الموت:

و مما روى البخارى: «أن ملك الموت أرسل إلى موسى عليه الصلاة

11

و السلام فلما جاءه صكه فرجع إلى ربه عز و جل فقال أرسلتنى إلى عبد لا يريد الموت، فرد اللّه عليه و قال ارجع فقل له يضع يده على متن ثور و له كل ما غطته يده بكل شعرة سنة. قال أى رب ثم ماذا؟ قال ثم الموت. قال فالآن، فسأل اللّه سبحانه و تعالى أن يدنيه الن الأرض المقدسة رمية الحجر.

قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): لو كنت ثم لأريتكم قبره جانب الطريق عند الكثيب الأحمر».

دفن يوسف بمصر و حمل موسى له حين خروجه (عليهما السلام):

و قال ابن زولاق إنه لما مات يوسف عليه الصلاة و السلام بمصر و دفن بها فى قبر فى صندوق رخام فى وسط نهر النيل حتى تعم بركته على الجانبين من أرض مصر فأقام فى القبر بمصر إلى أن حمله معه موسى عليه الصلاة و السلام حين خرج من مصر و ذلك أن موسى عليه الصلاة و السلام لما خرج هو و بنو إسرائيل من مصر ضلوا الطريق و أظلم عليهم فقال ما هذا فقال علماؤهم إن يوسف عليه الصلاة و السلام لما حضرته الوفاة أخذ علينا موثقا من اللّه سبحانه و تعالى أن لا نخرج حتى ننقل عظامه معنا، قال فمن يعرف موضع قبره؟ قالوا عجوز لبنى إسرائيل فبعث إليها فأتته فقال دلينى على قبر يوسف، قالت العجوز لموسى و كانت مقعدة عمياء لا أخبرك بموضع قبر يوسف حتى تعطيني أربع خصال. تطلق رجلى و ترد على بصرى و شبابى و أكون معك فى الجنة فكبر ذلك على نبى اللّه موسى، فأوحى اللّه تبارك و تعالى إلى موسى أن أعطها ما سألت، ففعل موسى ذلك، فانطلقت بهم إلى موضع قبر يوسف عليه الصلاة و السلام و هو بالنيل فاستخرج من الصندوق المذكور، و لما فكوا التابوت طلع القمر و أضاءت‏

12

الطريق مثل النهار فاهتدوا و حملوه معهم و دفن فى قبر مع أبيه بالأرض المقدسة.

معجزة لموسى (عليه السلام):

(و كان) الأمر معجزة لموسى (عليه السلام).

القبور مختلفة فى الباطن:

و القبور و إن تساوت فى الظاهر فهى مختلفة الأحوال فى الباطن. و قد ورد أيضا: «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار» فهو للمؤمنين الذين سبقت لهم من اللّه الحسنى نعيم و راحة و لمن ختم له بالشقاوة عذاب و محنة.

من أسماء القبر:

(و القبر) له أسماء (أحدها) الرمس (الثانى) الجدث (الثالث) الجدف (الرابع) البيت (الخامس) الضريح (السادس) الرمم (السابع) الرجمة (الثامن) البلد (التاسع) الجبان (العاشر) الحاموصد (الحادى عشر) الدمس بالدال المهملة (الثانى عشر) المهاد.

مصيبة الموت و ترك العمل أعظم مصيبة:

و اعلم أن الموت من أعظم المصائب و سماه اللّه تعالى مصيبة فى قوله تبارك و تعالى‏ «فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ» (1) فالموت هو المصيبة العظمى و الرزية الكبرى، و أعظم منه الغفلة عنه و الإعراض عن ذكره و قلة التفكر فيه و ترك العمل له.

____________

(1) الآية 106 من سورة المائدة.

13

و اعلم أن العبد إذا كان الغالب عليه الخوف فى حال الصحة و الرجاء فى حال المرض كان ملطوفا به و أن الحب فى اللّه و صحة الصحبة فى اللّه يرجى لصاحبهما الخير فى الدنيا و الآخرة.

حكايات للموعظة:

و قد حكى فى المعنى الشيخ الصالح العارف عز الدين بن غانم المقدسى فى كتابه المسمى «بأفراد الأحد عن أفراد الصمد» أن صبيين اصطحبا فى مكتب الحساب أحدهما مسلم و الآخر نصرانى و صحت بينهما الصحبة و صفت لهما المحبة إلى أن كبرا و خرجا من المكتب، و كل واحد منهما على دينه، ثم إن المسلم مرض و اشتد عليه المرض فعاده النصرانى فرآه يجود بنفسه فجلس عند رأسه ينظر إليه و يبكى أسفا عليه فلما رآه المسلم يبكى رق قلبه إليه و بكى و قال يا فلان: ادع اللّه تعالى أن يغفر لى فقال له النصرانى:

و كيف يسمع دعائى و أنا على غير دينك، فقال المسلم: بلى فإنه قد رق لى قلبك و صفى سرك، و جرى دمعك و الدمعة تطفى‏ء غضب الرب عز و جل و تمحو عظائم الذنوب، قال فرفع النصرانى يده يدعو له بالمغفرة ثم انصرف من عنده فمات المسلم من يومه فرآه والده فى تلك الليلة فى المنام، فقال يا بنى ما فعل اللّه بك قال، يا أبت غفر اللّه سبحانه و تعالى لى بدعوة صاحبي النصرانى، قال فلما أصبح أبوه انطلق إلى النصرانى و تشكر له و أخبره بما رآه فى نومه و حدثه بحديث ولده له و أنه قد رأى قصرا عظيما لا توصف حيطانه إلى جانب قصر ولده، فقال له لمن هذا؟ قال له: لصاحبي النصرانى، قال فلما حدثه تبسم و قال له امسك عليك فإنى الليلة كنت عنده و تسلمت مفاتيح القصر، قال له بماذا؟ قال بشهادة أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول‏

14

اللّه، قال ثم إنه دخل إلى منزله و تشهد و مات فغسلناه و كفناه و دفناه إلى جانب صاحبه فلما جاء الناس فى اليوم الثانى لزيارتهما إذا هم بشجرة قد نبتت من قبرهما و مكتوب على أوراقها بقلم القدرة «الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ» (1) جعلنا اللّه سبحانه و تعالى منهم بمنه و كرمه آمين‏ (2).

شهادة للحسن البصرى:

و قالت أم يونس القطان رأيت الحسن البصرى رحمة اللّه عليه فى جنازة نوار امرأة الفرزدق‏

ندمت ندامة الكسعى لما* * * غدت منى مطلقة نوار

(3) قد اعتم بعمامة سوداء و قد أسدلها بين كتفيه و اجتمع الناس ينظرون إليه، فجاء الفرزدق يمشى حتى قام بين يديه فقال يا أبا سعيد يزعم الناس أنه قد اجتمع فى هذه الجنازة خير الناس و شر الناس فقال الحسن: من خير الناس و شر الناس؟ قال يزعمون أنك خيرهم و أنى شرهم، فقال الحسن ما أنا بخير الناس و لا أنت بشرهم، و لكن ما أعددت لهذا اليوم؟ فقال شهادة أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه سبعين سنة، قال فقال الحسن: نعم و اللّه العدة، ثم قال الفرزدق:

____________

(1) الآية 67 من سورة الزخرف.

(2) مؤلف هذا الكتاب فى سطور:

هو أبو الحسن نور الدين على بن أحمد بن عمر بن خلف بن محمود السخاوى الحنفى.

و قد ذكر على أنه السخاوى الحافظ و هذا خطأ لأن السخاوى الحافظ هو صاحب الضوء اللامع و مؤلفات عديدة ليس بينها هذا الكتاب.

(3) و هى التى يقول فيها زوجها:

ندمت ندامة الكسعى لما* * * غدت منى مطلقة نوار

15

أخاف ورود القبر إن لم تعافنى‏* * * أشد من القبر المهاب و أضيقا

إذا جاءنى يوم القيامة قائد* * * و سواقه قصدا يسوق الفرزدقا

«باب فى ابتداء ذكر الزيارة»

ابتدأ الشيخ شمس الدين الأزهرى من مشهد السيدة نفيسة رضى اللّه تبارك و تعالى عنها و ابتدأ جماعة ممن كان قبله من طريق معنى‏ (1) من درب الصفا و ابتدأ صاحب كتاب المصباح‏ (2) من مشهد الحسين من داخل القاهرة.

و ابتدأ الشيخ أبو الفتح محمد بن خليل المعروف بابن الغير من عند مسجد خارج القاهرة يعرف بمسجد التبرير عند العامة و هو خطأ و إنما هو مسجد تبر قريب من المطرية (و تبر) (3) بانى هذا المسجد كان من أكابر الأمراء فى أيام كافور الأخشيدى.

____________

(1) طريق معنى من درب الصفا المقصود بها طريق مصر من درب الصفا و هو درب يصل الى مدينة القاهرة. و العبارة السابقة مصحفة و الدرب الآن يعرف بشارع الأشرف و السيدة نفيسة.

(2) صاحب كتاب المصباح هو المعروف بابن عين الفضلاء و كتابه مصباح الدياجى و غوث الراجى و اسمه هو مجد الدين بن الناسخ و يعزى لابن عين ذكره للمزارات المصرية الى القرن التاسع الهجرى.

(3) تبر أحد كبار الأمراء فى حكومة كافور الاخشيدى.

و هو الذى بنى المسجد الذى سمى باسمه و كان قبل هذا ضاحية تسمى بمنية مطر. و سبب بنائه المسجد هو وجود الرأس الكريم لابراهيم الجواد بن عبد الله الملقب بالكامل و بالمحض ابن الحسن المثنى ابن الامام الحسن السبط الذى استشهد فى عام 145 هجرية و ما ذكر على انه ابراهيم المضرس أو بابراهيم الغمر كما يوجد فى بعض النسخ غير صحيح و ما ذكرناه آنفا هو الصحيح.-

16

قصة دفن رأس السيد ابراهيم المفرس:

و هذا المسجد مدفون به رأس السيد إبراهيم المفرس بن عبد اللّه المحض ابن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن الإمام على بن أبى طالب رضى اللّه تبارك و تعالى عنه و كان أرسلها الخليفة المنصور إلى مصر فنصبت فى المسجد الجامع العتيق بمصر فى ذى الحجة سنة خمس و أربعين و مائة و هذه الخطة التى دفن بها الرأس الشريف خطة قديمة البركة و الآثار، بها المطرية و هى قرية فيها البستان الذى يزرع فيه البلسان و يستخرج منه دهن خاصيته عظيمة لجبر الكسر، و غيره و خاصيته فى ماء البئر التي بالبستان يقال إن عيسى ابن مريم عليه الصلاة و السلام اغتسل منها و هناك أيضا:

مدينة عين شمس:

(عين شمس) قريبة منها، بها آثار عجيبة و صور السباع و بها عمد يقال لها مسلة فرعون من الحجر الماتع.

____________

- و قد وجدنا فى بحثنا فى الخطط للمقريزى (4- 271) ذكر لخبر دفن الرأس الكريم لابراهيم الجواد و لكن قد جانب الصواب المقريزى لأنه أخطأ فى نسبه و نجد كذلك فى النجوم الزاهرة لأبى المحاسن ذكر ابراهيم ابن عبد الله الذى قدم البريد برأسه فنصب فى المسجد أياما، و قد ذكر فى عمدة الطالب لابن الحسنى، ان لابراهيم هذا ولد يقال له عبد الله.

و هذا المسجد عبارة عن زاوية صغيرة تحولت الى تربة ثم انزوت الى زوال الى أن أعيد بناء هذا المسجد بفضل تعاون الأهالى و قد أطلقوا عليه أسماء كثيرة منها:

* جامع ابراهيم الدسوقى، و جامع ابراهيم بن زيد أو الشعرانى.

و لكن هذا المسجد باق بالمطرية بشارع كان يسمى شارع البرنس و يسمى بجامع السيد ابراهيم و هو الأصح كما ذكرنا من قبل فى نسبه.

و يوجد بالمطرية كذلك ضريح الشيخ المطراوى الذى جدد فى عهد توفيق باشا و يسمى بجامع المطراوى.

17

قال ابن زولاق الليثي فى تاريخه عن مدينة عين شمس و هى هيكل الشمس و عجائبها و ملاعبها و أبنيتها و فيها العمودان اللذان لم ير أعجب منهما و لا من شأنهما، و أنهما محمولان على وجه الأرض ليس لهما أساس، و طولهما فى السماء خمسون ذراعا فيهما صورة إنسان على دابة و على رأسهما صومعتان من نحاس، و إذا جرى النيل قطر من رأسهما ماء.

المقوقس و قصة مدينة عين شمس:

قال الواقدى إن المقوقس بن راعيل‏ (1): صاحب مصر كان تلميذا الحكيم اعتامود و كان فى زمنه حكيم اسمه عطلوس و هو الذى عمل دواليب الريح و غير ذلك. و كان قد اطلع على حكم و أسرار منها أن اللّه سبحانه و تعالى يبعث نبيا من أرض تهامة، من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة و السلام و تطيعه العباد، فعمل فى أيام راعيل رصدا على جسر عظيم من الرخام متوج بالنحاس بقرية تعرف بعين شمس و جعل فيه بأعلى الأعمدة التى هناك أشخاصا مجوفة، و جعل وجوهها مما يلى مصر و كتب عليها إذا دارت هذه الأشخاص وجوهها مما يلى الحجاز فقد قرب ملك العرب.

فبينما المقوقس راكبا فى بعض الأيام لصيده و قنصه و ذلك فى وقت هجرة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قد انتهى به مسيره إلى عين شمس و إذا

____________

(1) المقوقس بن راعيل: تضاربت الأقوال و الاجتهادات فى معرفته.

و لكننا من واقع بحثنا و اجتهادنا نقول انه ليس المقوقس جريج بن مينا الذى عاصر سيدنا محمدا عليه الصلاة و السلام و لكن القريب الى العلم هو المقوقس قبرص الملكانى الذى كان مديرا لادارة الأموال ثم أصبح بطريقا للاسكندرية ثم أصبح حاكما على مصر فى عهد دولة الروم الشرقية و هو الذى عاصر الفتوحات الاسلامية لمصر. و انظر فتح البارى ج 1 كتاب:

كيف كان بدء الوحى.

18

بالأصوات قد علت من تلك الأشخاص و قد حولت وجوهها إلى نحو الحجاز فأيقن المقوقس بهلاك ملكه، فعاد و هو قلق لذلك و دخل قصر الشمع، و جمع قسوس النصرانية و بنى المعمودية.

خطبة المقوقس فى قصر الشمع:

يبشر برسول الله (صلى اللّه عليه و سلم):

و قال: (اعلموا أن ملككم قد مضى، و زمانكم قد انقضى، و هذا النبي المبعوث لا شك فيه و هو آخر الأنبياء لا نبي بعده و قد بعث بالرعب.

و لا بد لهذا الرجل أن يملك ما تحت سريرى هذا، فانظروا فى ملككم و أصلحوا ذات بينكم و لا تجوروا فى الأحكام، و واسوا ضعفاءكم، و إياكم و اتباع الظلم، فإن الظلم و بيل، و موقعه و خيم فأعطوا الحق على أنفسكم و لا يستطل قويكم على ضعيفكم، فمادامت الدنيا لأحد قبلكم، كذلك يأخذها منكم من يأتى بعدكم) اه فقد ظهر أن هذه الخطة قديمة.

و قيل تعرف هذه الخطة طولا و عرضا بخندق الموالى ظاهر الحسينية.

و قال الحافظ أبو الحسن أحمد ابن الحسن الخوارزمى فى كتنب الجفر:

عين شمس و منف قريتان قديمتان:

إن عين شمس و منف هما قريتان قد خربتا كل واحدة منهما من الفسطاط على غربيه فعين شمس من شمال الفسطاط و منف من جنوب الفسطاط.

و يقال إنهما كانت مسلتين لفرعون و على رأس الجبل الملطم فى قبلته مكان يعرف بتنور فرعون.

19

وصف المدينتين:

و يقال إنه كان إذا خرج أحد من هذين الموضعين يوقد فيقف فى المكان الآخر ما يعدله عن مسيره و ذكر بالعمودين اللذين بهما و أنه يرشح من رأسهما ماء يجرى إلى أسفلهما فينبت منه العوسج و غيره.

و قد اختصرنا من أخبار هذه الخطة أكثر مما ذكرنا خشية الإطالة.

و أمر هذين العمودين من عجائب الدنيا بمصر و أعجب منهما بناء الأهرام.

بين الجيزة و الأهرام:

قال الحافظ شهاب الدين بن أبى حجلة فى كتاب السكردان عن الحافظ الشريشى فى شرح المقامات: إن بين الجيزة و الأهرام سبعة أميال و الميل ألف باع و الباع أربعة أذرع و الذراع أربعة و عشرون إصبعا و الإصبع ست شعيرات توضع بطن هذه لظهر هذه، و الشعيرة ست شعرات من ذنب بغل، و الفرسخ ثلاثة أميال و البريد أربعة فراسخ.

وصف الهرمين:

قال المسعودى: طول كل واحد من الهرمين و عرضه أربعمائة ذراع و أساسهما فى الأرض مثل طولهما فى العلو و كل هرم منهما سبع بيوت على عدد الكواكب السيارة كل كوكب له بيت باسمه.

و قال الحافظ أبو الحسن أحمد الخوارزمى فى الجفر:

شعر فى الأهرام:

أنشد أبو البركات بن ظافر بن عساكر الأنصارى فى الأهرام لنفسه فقال:

نظرت أهرام مصر من جوانبها* * * بأرض رمل على نشز من الكثب‏

أنكرت فيها و فى مقصود منشئها* * * إذ صاغها صيغة من أعجب العجب‏

20

أجانبى حالها عنها مخاطبة* * * أمالكى مصر من عجم و من عرب‏

عجزتمو عن بنا مثلى بأجمعكم‏* * * و لو بذلتم قناطيرا من الذهب‏

خطة الريدانية و خليج الزعفران:

ثم نقصد بعد هذه الخطة إلى (خطة الريدانية (1) و خليج الزعفران)

____________

(1) خطة الريدانية و خليج الزعفران .. و الريدانية هذه تنسب لريدان الصقلى و كان خادما من خدام الخليفة العزيز بالله و نظن أن موضعها الآن فى شارع بين الجناين و كانت الريدانية مكان أقامة الخديو عباس باشا الأول و التى نسبت اليه فيما بعد و سميت بالعباسية المعروفة الآن.

أما الزعفران فهو المقصود بها خليج الزعفرانى بالفجالة.

و هذه المزارات و المعروفة بقبة الفدائية كان محل قبة الأمير يشبك ابن مهدى التى أنشئت فى أواخر القرن التاسع الهجرى. و كان هناك جامع آل ملك القديم و تجد هذا فى ترجمة المقريزى فى الخطط ...

ثم نجد فى ترجمة يشبك للسخاوى فى الضوء اللامع أن جامع آل ملك صرف الى الريدانية طولا و عرضا و أزيلت القبور الموجودة فى هذه المنطقة.

و من هذا نخلص الى أن قبة الفدائية و القبة الأخرى الموجودة بسراى القبة ليست الا بقية من عمارة كبيرة ليشبك. و لكن السخاوى لم يذكر مسجد الدمرداش الذى كان زاوية بناها الشيخ الدمرداش (محمد ابن الأمير دمرداش المحمدى) و نود هنا أن نزيل بعض الملابسات التى شابهت قصة الدمرداش و ما دخلها من تحريف و هذا ما وجدناه مخطوطا لابراهيم قاشانى «الكلشنى»، و كان هذا زميلا للشيخ الدمرداش فى الخدمة العسكرية- فيقول: كان والد الدمرداش من كبار الموظفين فى الحكومة المصرية فى القرن التاسع ثم التحق بالخدمة العسكرية فى عهد السلطان قايتباى ثم تدرج فى الترقى حتى وصل الى كبير الياوران فى القصر الملكى ثم استقال من هذه الوظيفة و عين خطيبا لقبة مهدى بن يشبك بالمطرية (و المعروف الآن بجامع القبة بسراى القبة). و لما كان يوم جمعة فصادف زيارة السلطان قايتباى للحج فنزل بهذه القبة فخطب الشيخ الدمرداش يومها خطبة رائعة و بليغة فأعجب بها السلطان فأنعم عليه بهبة ملكية من دنانير و خلافها و منها هذه الأرض المذكورة فزرعها و بنى بها زاوية له و لفقرائه و استقال من وظيفته و انقطع بها الى أن توفى- هذا ما وجدناه فى مناقبه للسيد حسن الدمرداش موسوم بالفيض الأحمدى.

21

(و هذه) الخطة فيها جماعة كثيرة من الصالحين و الشهداء و الغرباء من دفتى البيمارستان.

و من جملة المدفونين هناك الشيخ (طلحة) و الشيخ (أبو النور) و الشيخ (عرفات الأنصارى) كان من العارفين (و قبر) الشيخ الصالح العارف (محمد بن الحسن الأوسى) مشهور بصلاحه (و الريدانية) منسوبة إلى ريدان الصقلى أحد خدام الخليفة العزيز باللّه.

و من هذا الخط تدخل خطة:

طائفة الأشراف الحسينيون:

الحسينية و هى حارة كبيرة جدا عرفت بطائفة من الإشراف يقال لهم (الحسينيون) قدموا من الحجاز فى أيام الكاملية فنزلوا خارج (باب النصر) و استوطنوها و بنوا بها مدابغ صنعوا بها الأديم المشبه بالطائفى ثم كانت بعد ذلك سكنا لأرباب الدولة و أعيان الأمراه و الجند و هى الآن خراب و ليس المقصود ذكر هذا و إنما المقصود ذكر الأولياء.

ذكر مقابر الأولياء بالريدانية:

ففى تلك الحومة زاوية الشيخ الصالح العارف (أبى الحسن على التركمانى) و غيره و بها قبر الشيخ الصالح المجذوب (عبد الغنى بن بدر القبانى) ببولاق كان توفى يوم الإثنين حادى عشر جمادى الآخرة سنة سبع و ثلاثين و ثمانمائة و كان معتقدا.

و بها قبر الشيخ المعمر (على أبو الحسن الحداد) و بها جماعة أخر.

ثم تقصد السوق و تجد به دربا بداخله قبر الشيخ الصالح (ناصر الدين صدقة) عرف بسواد العين أشيع عنه أنه كان يصلى الخمس بمكة المشرفة،

22

و ممن أخبر عنه بذلك أمير مكة المشرفة الشريف رميثة، و مات حين أخبر عنه بذلك- (رحمه اللّه) تبارك و تعالى: و هناك تربة بها قبر الشيخ أبى عبد اللّه محمد بن الأنجبى.

و هناك تربة بها قبر شيخ المشايخ صاحب القدر و المحل سلطان طريق الفتوة علاء الدين على بن الأمير ناصر الدين المؤنسى كان له أصحاب كثيرة و كلمة نافدة فى سائر البلاد الإسلامية و كان كتابه حيث حل مقبولا معمولا به، و كان له رفعة عظيمة عند الخاص و العام حتى عند أمير المؤمنين.

سلطان طريق الفتوة و قصته مع الخليفة الناصر:

و كان ابتداء هذا الأمر.

أعنى الفتوة فى سنة ثمان و سبعين و خمسمائة و ذلك أن ندماء الخليفة الناصر لدين اللّه أبى العباس أحمد بن المستضى‏ء بأمر اللّه أبى محمد بن الحسن ابن الإمام المستنجد باللّه العباسى ببغداد، حسنوا له أن يكون فتى و أحضروا له رجلا يعرف بعبد الجبار بن يوسف بن صالح له أتباع كثيرة و معه ولده شمس الدين فقرر الاجتماع ببستان مقابل التاج.

ثم حضر عبد الجبار و ابنه على، و صهره يوسف العقاب و ندمان الخليفة و ألبس عبد الجبار الخليفة سراويل الفتوة و أخبره أنه لبسها من شيخ ثم و ثم إلى على بن أبى طالب رضى اللّه تبارك و تعالى عنه.

وفاة الأمير علاء الدين المؤنسى:

و قد توفى الأمير علاء الدين المؤنسى فى يوم السبت سلخ ذى الحجة سنة اثنتين و ثلاثين و ثمانمائة (رحمه اللّه) تبارك و تعالى، و خلف درب الشيخ صدقة سواد العين و أنت طالب تربة سيدى حسين الجاكى تجد حوشا خرابا به قبر

23

عليه عمود، كذا به قبر الشيخ الصالح الورع الزاهد شيخ الطريقة و معدن الحقيقة الشيخ فخر الدين عثمان بن سعد العدوى الأربلى الكردى.

وفاة الشيخ فخر الدين عثمان:

و توفى يوم الخميس عاشر ذى الحجة سنة سبع و ثمانين و ستمائة و تحت رجليه قبر ولده الشيخ سعد الدين سعيد و فخر الدين هكذا هو ابن سعد و سعد ابن الشيخ الصالح العارف نور الدين أبى القاسم.

و يقال: إن أبا القاصم المشار إليه هو أبو الحسن على ابن الشيخ الصالح المعارف القدوة المحقق سعد الدين الأربلى الكردى العدوى رحمة اللّه عليه.

شرف الدين ابراهيم:

و يقال: إن أبا القاسم المشار إليه رزق من الأولاد عثمان و محمدا، و محمد المذكور ولد له الشيخ الصالح العارف القدوة أبو إسحاق شرف الدين إبراهيم المعتقد المشهور: كان من أعيان أهل زمانه و كانت غيبته أكثر من حضوره مع أنه كان جيد السيرة حسن العقيدة، نافذ البصيرة، مشكور الفعال ظاهر الكرامات كثير الأصحاب.

و كان الشيخ الصالح العارف باللّه تعالى إبراهيم الجعبرى يعظمه و يجالسه.

الشيخ غنائم أبى السعود:

و كذلك الشيخ أبو الغنائم المشهور بغنائم أبى السعود، قدم القاهرة مع أبيه و هو شاب فاجتمع هو و والده بالشيخ العارف القدرة أبى السعود، ابن أبى العشائر الواسطى و صحبوه و اقتدوا به و بأقواله و طريقته و ما كان عليه من الطريقة الجيدة و ملازمته الذكر سرا و جهرا فى اليقظة و النوم‏

24

و الاشتغال بالعلم و العمل به مع قضاء حوانج الناس و تحمل البلاء عن أهله و الصبر عليه. و لم يزل على ذلك حتى عرف به و شاع بين أصحابه و أعدائه من كراماته و فاته ثم لما توفى، دفن فى زاوية أبيه إلى جانبه بالقرب من خان السبيل إلى جانب درب الجميزة. فى ليلة السبت تاسع عشر ربيع الآخر سنة خمس و تسعين و ستمائة و كان له حال مع ربه عز و جل و هو آخر من مات من ذرية الشيخ المعمر شرف الدين موسى بن سعد الدين سعيد ابن الشيخ فخر الدين عثمان بن سعد.

و أما الزاوية المذكورة فإن بها جماعة من المعتقدين.

منهم: الشيخ الصالح المعتقد زين الدين أبو بكر الخطاط.

وفاة الشيخ الصالح زين الدين:

توفى يوم الأربعاء سابع عشر جمادى الأولى سنة ثلاثين و ثمانمائة و بها قبر الشيخ الصالح الزاهد المجذوب شرف الدين ريحان الأسود توفى يوم الخميس رابع جمادى الآخرة سنة ست و عشرين و ثمانمائة و بها قبر السيد الشريف المعتقد المجذوب شمس الدين محمد بن السيد الشريف زين الدين أبى بكر القبانى العريان، فى يوم الأربعاء تاسع عشر جمادى الآخرة سنة سبع و أربعين و ثمانمائة و بها قبر الشيخ المعمر: (بدر الدين حسن بن على السعودى) عرف بابن شهيبة أحد مشايخ هذه الزاوية و الذى جدد بها قراءة القرآن و استمر.

و كان جلوسه بعد موت الشيخ الصالح (عمر الغمرى السعودى) و ذلك فى سنة عشر و ثمانمائة فلم يزل بها إلى أن توفى يوم الاثنين رابع صفر سنة سبع و أربعين و ثمانمائة.

25

و بالقرب: من ضريح الشيخ الصالح قدوة العارفين مربى المريدين العالم العامل علم الدين أبى الربيع سليمان ابن الشيخ الصالح القدوة العارف ابن الشيخ الصالح القدوة يحيى بن الشيخ الصالح شيخ الشيوخ عامر ابن سيدنا و قدوتنا شيخ المشايخ و قدوة العارفين الحديدى.

توفى ليلة الأربعاء قبل نصف الليل التاسع و العشرين من جمادى الآخرة سنة سبع عشرة و سبعمائة.

تربة الشيخ بدر الدين الكردى:

و بالقرب من هذه التربة تربة الشيخ الصالح العارف الواعظ المعتقد الخطيب (بدر الدين بن حسن إبراهيم بن حسين الجاكى الكردى) نزيل القاهرة كان نازلا فى زاوية كان يعمل فيها الميعاد عند سويقة الدريس ظاهر القاهرة و قد عرفت هذه الخطة به ثم أن أخاه بدر الدين محمد بن إبراهيم بن حصين الجاكى المهمندار أخذ مسجدا من مساجد الحكر يصلون فيه و قرو أخاه الشيخ حسينا يخطب فيه و ذلك فى سنة ثلاث عشرة و سبعمائة و لم يزل الشيخ يخطب فيه و يعمل الميعاد حتى توفى يوم الخميس العشرين من شوال سنة سبع و ثلاثين و سبعمائة و دفن من يومه إلى جانب شيخه الصالح العارف نجم الدين أيوب بن موسى بن أيوب الكردى، و توفى الشيخ نجم الدين المشار إليه فى ربيع الأول سنة ثمان و سبعمائة (1).

____________

(1) بالنسبة لوفاة الشيخ نجم الدين أيوب بن موسى بن أيوب الكردى فلقد جاء فى المقريزى أنه توفى فى سنة 568 و ما ذكر هنا خطا. راجع المقريزى (ج 4- ص 270).

26

و كان الشيخ أيوب من أصحاب الشيخ العارف إبراهيم الجعبرى و إلى جانبه قبر خادمه الشيخ الصالح محمد السكباس الأصم صاحب الكرامات (و من كلام) الشيخ حسين الجاكى.

شعر الشيخ حسين الجاكى:

خير الفصاحة كامن فى المعدن‏* * * و السر فى الأرواح لا فى الألسن‏

و الجوهر الشفاف خير قنية* * * فلمقتنى الأصداف أن لا يقتنى‏

ماذا يفيد أخا لسان معرب‏* * * إن يلف ذا ذلق بقلب ألكن‏

فإذا نطقت بسر ما أضمرته‏* * * فقل الصحيح و لو يكن بالأرمنى‏

و فى التربة المذكورة قبر أخيه (بدر الدين محمد) توفى يوم الأحد ثالث شوال سنة اثنتين و سبعمائة.

و هناك على الطريق قبر الشيخ الصالح المعتقد (طه بن عبد اللّه الحمصانى) ظهر له كرامات و كان يبيع الحمص فى خط يين القصرين توفى يوم الخميس رابع عشرى شعبان سنة ثلاث و سبعين و سبعمائة.

قبور الصالحين بسوق الاسماعيلية:

ثم تقصد سوق الإسماعيلية (1) هناك قبور جماعة من الصالحين كثيرة.

____________

(1) سوق الاسماعيلية و هو المعروف الآن بجامع الكردى و قد ترجم الجبرتى لبعض الصالحين منهم السيد أحمد سبط ابن الوفا الذى ساهر الأسرة الوفائية الذين يقال انهم من أدارسة المغرب.

و من بعض الصالحين أيضا الشيخ حسن درويش الموصلى المترجم فى تاريخ الجبرتى و الشيخ ناصر الدين الطويل و منهم الجد الأعلى للفرقة الوفائية الناصرية و هذه من فرق الأشراف المصرية التى هاجرت من الهند الى مصر و كان لهذه الأسرة أثر قائم بشارع الباطنية بالأزهر.

27

منهم قبر الشيخ (حمزة) فى حوش على الطريق مقابل مصلى الأموات أنشأه الأمير بلبان المنصورى فى ربيع الأول سنة إحدى و ثمانين و ستمائة. (1)

و فى حومة هذا المصلى جماعة من الصالحين لم أطلع على أسمائهم (و هناك) مسجد على الطريق بالقرب من زقاق المرأة به قبور السادة الأشراف الحسينيين‏ (2) التى عرفت بهم الحارة (و خلف) الجامع الأنور قبور يقال إنهم الأنور و الأزهر و الأقمر و لعل هذا ضعيف.

و هناك قبر الفقيه الصالح (شرف الدين المحدث ابن خليفة بن عبد الرحمن المليجى الشافعى) بالمدرسة الفخرية توفى ليلة السادس عشر من جمادى الآخرة سنة أربع و عسرين و سبعمائة.

و فيه أيضا قبر الشيخ (عيسى) و قبر (الشيخ محمد الرستانى).

ذكر بعض المناظر العظيمة:

(و منه) إلى خان السبيل بناه الأمير بهاء الدين قراقوش الرومى فى سنة اثنتين و تسعين و خمسمائة (و منه) إلى خط بستان ابن صيرم‏

____________

(1) لم يتطرق السخاوى فى ذكر المزارات سوى ما ذكره و لكن سنذكر المزارات التى فاته ذكرها فيوجد بها جامع الشيخ على البيومى المترجم فى تاريخ الجبرتى و كذلك الشيخ حسن القويسنى شيخ الجامع الأزهر و ابنه المدعو الشيخ حسن الصغير، و يوجد جامع جمال الدين الصوابى بشارع الصوابى و جامع الشيخ على الخواص شيخ العارف الشعرانى و يوجد بحوض الصارم أو (حارة الخواص).

و نؤكد أن هذه المزارات (الترب) قد محا أكثرها الزمن.

(2) خط بستان ابن صيرم و هو فى حدود شارع المنسى بجوار جامع الظاهر.

28

إنشاء مختار الصقلى زمام القصر» (1).

و كان به منظرة عظيمة فلما زالت الدولة الفاطمية استولى عليه الأمير جمال الدين سوغ بن صيرم أحد أمراء الملك الكامل فعرف به.

و كان فى ظاهر باب الفتوح منظرة من مناظر الخلافة تجاه البستانين الكبيرين أولهما من زقاق الكحل و آخرهما منية مطر المعروفة الآن بالمطرية و من غربى هذه المنظرة بجانب الخليج الغربى منظرة البعل فيما بين أرض الطبالة و الخندق الذى كان خارج الحسينية.

مناظر الخمسة وجوه:

و بالقرب منها مناظر الخمسة وجوه التاج ذات البساتين الأنيقة المنصوبة لنزهة الخليفة.

(قال) الشيخ تقى الدين المقريزى (رحمه اللّه) تبارك و تعالى أنه كان لهذه البساتين المتصلة من زقاق الكحل إلى المطرية ثمانمائة ثور برسم السواقى و فيها جميع المزارع منقولة من عدة أقاليم فلم يبق منها شى‏ء الآن.

و هناك جامع الظاهر (2) و به قبة تقرب من قبة الإمام الشافعى رضى اللّه تبارك و تعالى عنه.

____________

(1) زمام القصر و المراد هنا مختار الصقلى أى الذى يمسك بالقصر لأنه كان يشغل وظيفة أحد الأمناء فى القصر الملكى الكاملى.

(2) جامع الظاهر نجد له فى الخطط للمقريزى (ج 4 ص 92) كانت لهذا الجامع قبة تشبه قبة مشهد الامام الشافعى و لكن عوامل الهدم أحالت جزءا كبيرا الى أنقاض و سقطت هذه القبة ففقد بهذا جماله و رونقه.

الى أن جاءت الحملة الفرنسية فاتخذوا منه قلعة و صنعوا من منارته أبراجا و بداخلها المدافع و عسكروا به و بنوا داخله عدة مساكن؟؟؟

أما الجبرتى فيقول (ج 3 ص 34) و كان هذا الجامع معطل الشعائر من مدة طويلة و باع نظاره منه أنقاضا و عمدا كثيرة و بعد خروج الحملة الفرنسية حصل به ترميم لجوانبه و أسواره من عهد محمد على باشا ثم استعمل معملا لصنع الصابون ...-

29

و كان ابتداء بناء هذا الجامع فى سنة خمس و ستين و ستمائة و فرغ من عمارته فى سنة خمس و ستين و ستمائة.

موضع هذا الجامع كان ميدانا لقراقوش برسم سباق الخيل.

مناقب الشيخ خضر العدوى:

فأشار عليه الشيخ الصالح المعتقد خضر بن أبى بكر بن موسى بن عبد اللّه المهرانى العدوى أن يبنى هناك جامعا فأجابه لذلك.

و كان الشيخ له أحوال و تصرف و كشف و كلمة عالية و مدد، بحيث أنه بشر الظاهر أنه يملك السلطنة قبل أن يليها.

و كان السلطان ينزل إلى زيارته فى الشهر مرات و يحادثه و يصحبه معه فى أسفاره.

و كان يسأله متى الفتح فيعين له اليوم فيوافق و كذا وقع له فى فتح الكرك و نهاه عن التوجه إلى الكرك فخالفه فوقع فانكسرت رجله و بشره أيضا بفتح حصن الأكراد فى أربعين يوما فكان كما قال.

____________

- و يقول أيضا الجبرتى (ج 4 ص 256) و أمر أيضا محمد على باشا ببناء جامع الظاهر بيبرس خارج الحسينية و أن يعمل مصبنة لصناعة الصابون و طبخه مثل الذى يصنع ببلاد الشام و توكل بذلك السيد أحمد بن يوسف فخر الدين و عمل به أحواضا كبيرة للزيت و القلى ثم اتخذته الحكومة المصرية لنفسها و شيدت به أفرانا ليصنع بها الخبر للجيش المصرى و عقب احتلال الانجليز لمصر تخيروه مجزرا لذبائحهم تابعا للجيش.

و قد أطلق عليه العامة و ما زالوا مذبح الانجليز و قد ظل كذلك الى ما قبل الحرب فأرادت لجنة الآثار المصرية أن تتخذه كأثر تحتفظ به لهذا الملك الذى لم يكن له من الآثار سواه يذكر بالقاهرة، فطلبت من السلطة اخلاءه و بعد تبادل الآراء تم لها ذلك فأخذت فى تجديد ما اندرس من جوانبه ثم أصدر فؤاد الأول عام 1928 أمره باعادته مسجدا للصلاة فأقامت وزارة الأوقاف الجزء الشرقى منه و سقفته و جعلته كذلك و فتحت له بابا خاصا الى الجهة الشرقية و هو على ذلك للآن.

30

و كان كثير الشطح و الأحوال فى المآل و كان السلطان أنعم عليه بمال و نسبت إليه أمور كثيرة فصاح يوما و قال: يا سلطان أجلى قريب من أجلك، فوجم به السلطان فحبسه و كان يتحفه بالأطعمة و بقى بالحبس أربع سنين، و أخبرهم بنويبة البلستين و هو محبوس، و أن السلطان يظفر و يموت بعدى بأيام.

و توفى الشيخ خضر (1) فى شهر اللّه المحرم سنة ست و سبعين و ستمائة بالقلعة و دفن فى زاويته التى عمرها له الملك الظاهر هناك و عاش الملك الظاهر بعده نحو العشرين يوما و مات و دفن بدمشق.

مآثر الشيخ نجم الدين أبى الغنائم:

و فى آخر أرض الميدان زاوية مشهورة هناك بها قبر الشيخ الصالح العارف الناسك الفقيه المقرى المحدث المعتقد السالك نجم الدين أبو الغنائم محمد بن الشيخ الصالح العاف زين الدين أبى بكر بن جمال الدين عبد اللّه المطوعى الرياضى الشافعى المشهور بغنائم السعودى مولده بقرية من قرى (فارس كور) و هى (شر باص) بالوجه البحرى و نشأ بها على خير ظاهر و معروف متواتر حتى مات والده و كان والده من مشايخ فقراء الشيخ الصالح منصور الباز الأشهب فلما مات‏

____________

(1) الشيخ خضر و له زاوية سماها المقريزى بزاوية الشيخ خضر و ترجم لها (ج 4 ص 299) و كانت معروفة بجامع العدوى و يوجد بالمسجد ضريح يزار و تقام الشعائر أيضا بالمسجد .. و فى هذه الزاوية (أو الجامع) رفات السرى زكى الدين الخروبى صاحب القنطرة.

و الخروبى هذا هو أحد سراة مصر و أعيان تجارها و هو ينحدر من أسرة مصرية عرفت (بالخراربة) و السخاوى ذكر هذه الأسرة و ترجم لها فى الضوء اللامع و يوجد لأحد هذه الأسرة أثر ظاهر بالقرافة يعرف بحوش الخروبى و معروف الآن بتربة الحافظ ابن حجر العسقلانى.

31

والده عكف هو على العبادة و حفظ القرآن. و لازم على الاشتغال بالعلم ثم بمعرفة الطريقة، و الانقطاع عن شواغل الدنيا، و شهوات النفوس، بل يستعد الموت و يفر من الناس، كالفرار من الأسد فلما دام على ذلك اشتهر بالإخلاص لإقباله على الأوراد و الموارد، و إرشاد الشارد فقصده المطيع و المعاند، و انتفع به المعتقد، و خاب المنتقد، فشاع ذكره فى الوجه البحرى فأقبل عليه الخاص و العام، فخاف الفتنة للظهور الشهرة فعزم على الرحيل من بلده و تركها و قصد القاهرة فمر على طريق (تفهنة).

لقاء أبى الغنائم بالشيخ التفهنى:

فرأى الشيخ الصالح القدوة شمس الدين داود بن مرهف التفهنى الشهير بالأعزب فمال إلى الشيخ داود و صحبه و أخذ عنه و ألبسه خرقة القطب العارف أبى السعود بن أبى العشائر الواسطى كما لبسها هو منه و أقام عنده حتى أذن له بالمسير إلى القاهرة فدخل إليها و نزل بزاويته المعروفة به ظاهر باب الفتوح فأقام مختفيا من الناس، ثم واظب على الزيارة بالقرافة و أكثر من التردد إليها فى غالب الأوقات، و قد اجتمع عليه جماعة و صحبوه و أحبوه فظهر حاله بالقاهرة و أقبل عليه الفقراء و الأمراء و أرباب المناصب و القضاة و الأغنياء و هو يظهر الغنى لهم.

كرامات الشيخ أبى الغنائم:

و كان يحب الغنم حبا شديدا فاتفق أنه اشترى شاة كبيرة عالية واقفة القرون و طويلة جدا و سماها مباركة فكانت تخرج من عند الشيخ فى أول النهار فتذهب إلى المرعى من غير راع فترعى فى الأماكن المباحة ثم ترجع فى آخر النهار فتنتفع الفقراء و الأضياف و الجيران بلبنها، و كثرت أولادها

32

و نمت حتى صار الجار و المار و الوارد و المقيم يأكل من لبنها، فلما كان فى بعض الأيام ورد على الشيخ ضيف من الفقراء أرباب الحالات و أصحاب المقامات، فأراد أن يمتحن الشيخ فلما رآه دخل عليه صاح الشيخ للشاة الكبيرة يا مباركة هذا، فجاءت مسرعة له فحلب منها و قدم اللبن إلى الضيف الوارد عليه و قال له يا فقير بسم اللّه كل، فأكل الفقير من اللبن ثم رفع يده و قال يا سيد أنا أشتهى أن يكون هذا اللبن عليه عسلا لعل أن يعتدل فالتفت الشيخ إلى الغنم و صاح بامها أيضا و قال يا مباركة، فجاءت إليه فأخذ الشيخ ثديها فى يده و حلب منها فى الإناء فإذا هو عسل كما اشتهى الضيف فقدمه للضيف فأكل منه و أراد أن يقوم فقام و هو مسلوب من السر الذى كان معه و هو يبكى و لم يره أحد بعد ذلك اليوم. فلما ظهرت هذه الكرامة للشيخ تعالى الناس فى محبته و الاقبال عليه و الزيارة له و سموه من ذلك الوقت بغانم و بأبى الغنائم.

ثم إن الشيخ اشتغل بالفقه على مذهب الإمام للشافعى على جماعة من المشايخ بالقاهرة.

مشايخ تتلمذ على أيديهم:

و منهم الشيخ قطب الدين أبو بكر محمد بن أحمد بن على المصرى الشهير بابن القسطلانى، و اشتغل على غيره مع القراءات على الشيخ الصالح كمال الدين أبى الحسن على بن شجاع بن سالم الهاشمى العباسى الضرير.

توفى بزاويته و دفن بها فى سابع عشر شعبان سنة ثلاث و ثمانين و ستمائة و دفن معه أحد خدامه الشيخ على بن خلف القويسنى (و له) مناقب كثيرة تركناها خشية الإطالة (و إلى) جانبه قبر خادمه الشيخ إبراهيم السعودى‏

33

عرف بابن المشوادة توفى يوم الخميس سابع عشر ربيع الآخر سنة سبع و أربعين و ثمانمائة.

ثم ترجع إلى مصل بلبان المنصورى المذكور فاقصد إلى حوض الأمير الكشكشى هناك فى حومته قبور جماعة من الصالحين و العلماء.

منهم الشيخ الصالح محمد العدوى ثم تقدم إلى حومة فيها قبر الشيخ الصالح الفقيه المحدث الإمام زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن المبارك بن حماد بن تركى المغربى الأصل البزار أبو الفرج المعروف بابن الشيخة مولده سنة خمس عشرة و سبعمائة.

و توفى فى تاسع عشر ربيع الأول سنة سبع و تسعين و سبعمائة و قد سمع الحديث و غيره و فضله مشهور.

سويقة الدريس:

ثم تقصد إلى سويقة الدريس‏ (1) نجد زاوية الشيخ سابق الدين إقبال القادرى‏ (2) و قد وقف هو هذه الزاوية على خادمه و ذريته و ذلك فى سنة إحدى و تسعين و ستمائة و قد جدد هذه الزاوية الشيخ الصالح العارف شهاب الدين أبو العباس أحمد بن سليمان القارى القادرى المعروف بابن الزاهد.

____________

(1) سويقة الدريس و هى المعروفة الآن بالخراطين و باب الشعرية و عرفت سابقا بخط المقس أو المقسم الصغير و به الزاوية التى تسمى بجامع الزاهد و قد ترجم له المقريزى فى الخطط.

(2) القادرى و ذلك نسبة الى الطريقة القادرية و قد ترجم له السخاوى فى الضوء اللامع و ترجم لأولاده مع ذكر دفنهم فى هذا الجامع و قيام أولاده بشئون المسجد بعد أبيهم و السخاوى لم يذكر هذا فى هذا الكتاب.

34

و هذا الرجل قد أنشأ مساجد و خطب بالقاهرة و غيرها و كان يعمل الميعاد فى مواضع بالقاهرة.

و كان قد أقامه اللّه تعالى فى اصطناع المعروف و معظم الخطب التى أنشأها خطب بها بالجامع الذى بالمقس الذى أنشأه فى سنة ثمان و ثمانمائة و صلى فيه شهر رمضان من السنة المذكورة و لا زال ينفع الناس إلى أن توفى فى سنة تسع عشرة و ثمانمائة و دفن بالجامع المذكور الذى أنشأه بالمقس.

و معه فيه جماعة من أهل الصلاح منهم الشيخ جمال الدين عبد اللّه ابن عبد الرحمن الغمرى الواعظ توفى يوم الأحد العشرين من صفر سنة ست و خمسين و ثمانمائة.

و بالجامع المذكور أيضا قبر محمد الطواشى و على باب الجامع قبة صغيرة فيها قبر الشيخ عبد اللّه الأسود النوبى الليمونى المعروف بشراب الدهن، توفى يوم الاثنين رابع صفر سنة سبع و أربعين و ثمانمائة و برأس سوق الدريس أيضا قبور جماعة من الصالحين و العلماء.

منهم قبر الشيخ محمد العراقى و هناك داخل الدرب زاوية الخدام أنشأها الطواشى بلال الفراجى و جعلها وقفا على الخدام الحبش الأخيار فى سنة سبع و أربعين و ستمائة.

و فى قبلى الجامع أنشأ الصاحب علاء الدين زاوية (1) على بن الابناسى‏

____________

(1) زاوية على الأبناسى و المعروفة بالأهناسية، و قد جاء خطأ عند المقريزى فقد سماها بزاوية الأبناسى و لكن الصواب كما ذكرنا هى الأهناسى كما جاء فى الضوء اللامع للسخاوى .. فالذى أنشأ هذه الزاوية هو العلاء الأهناسى و لم يدفن بها و لكن المدفون بها هو الوزير محمد بن أبى بكر-

35

ثم تقصد تربة الشيخ الصالح العارف الإمام الزاهد المقرى الربانى أبو الفتح نصر بن سليمان المنبجى التيمى نزل القاهرة حدث فى زاويته هذه عن إبراهيم ابن خليل.

الامام المقرى:

و كان فقيها معتزلا عن الناس (و كان) السلطان الملك المنصور بيبرس الجاشنكير له فيه اعتقاد كبير و لما ولى سلطنة مصر رفع قدره و أكرم محله فهرع الناس إليه و توسلوا به فى حوائجهم.

____________

- الأهناسى المترجم فى الضوء اللامع 7- 193 و لكن السخاوى فات عليه ذكر بعض المزارات منها زاوية الشيخ الركراكى بأول شارع باب البحر و زاوية القصرى و المعروفة بجامع سيدى محمد البحر (المقريزى 4- 203، 304) و زاوية المغربل و زاوية مسعود العياط المعروفة بسيدى مسعود.

و نجد فى كتاب ابن اياس (2- 134) ذكر لجامع سيدى مدين بحارة سيدى سيدى و كان فى البداية زاوية صغيرة للشيخ مدين المدفون به، و هذه الزاوية قامت بانشائه جامعا خوند مغل بنت البارزى زوجة الملك الظاهر جقمق و كذلك نجد ذكرا لهذا الجامع فى الضوء اللامع (12- 126) و نؤكد أن الجامع منسوب الى الشيخ مدين بن أحمد الأشمونى الذى ينتهى نسبه الى الحسين شعيب التلمسانى المعروف بأبى مدين و هو مدفون بالمسجد مع ابنه أبو السعود و صاحبيه محمد الشويمى و أحمد الحلفاوى و ابن أخته الشيخ مدين الأشمونى المعروف بابن عبد الدائم المالكى و كذلك يوجد والد سيدى مدين مدفون بأشمون و عند مطالعتنا (للكواكب السائرة) للنجم الغزى و شذرات الذهب لابن العماد و الضوء اللامع و طبقات الشعرانى و المناوى و كثير غيرهم نجد أنهم ترجموا لهذه الأسرة. و فى مقابلة مسجد سيدى مدين توجد زاوية المناوى و بها ضريح الشيخ عبد الرؤوف المناوى صاحب طبقات الصوفية العالم الشافعى و أبوه و ولده و هذه الزاوية تنفرد بقبتها الأثرية التى تعتبر ثالث قبة من هذا النوع بمصر.

و نجد فى الكواكب الدرية للمناوى ذكرا لزاوية عبد الرحمن بكتمر السند بسطى- و كذلك زاوية الشيخ رستم التى أقام بها الشيخ ابراهيم المتبولى دفين اسدود من أعمال فلسطين و قد قدم لمصر و استقر بدمياط.

36

و كان يتغالى فى محبة الشيخ محيى الدين محمد بن عربى الصوفى.

و كان بينه و بين شيخ الاسلام أحمد بن تيمية بسبب ذلك مساءلة و أشياء كثيرة، و مات عن بضع و ثمانين سنة فى ليلة التاسع و العشرين من جمادى الآخرة سنة تسع عشرة و سبعمائة و دفن بها.

و معه فى التربة قبر الشيخ الإمام الحافظ المقرى العلامة عبد الكريم ابن منير الحلبى شارح كتاب صحيح البخارى و غيره.

و كنيته أبو على ولد فى سنة ثلاث و ستين و ستمائة و اعتنى بالعلم بواسطة خاله الشيخ نصر المنبجى و سمع بمصر و الشام و الحجاز و أكثر عن الحورايى و الفخر بن النجارى و طبقتهما و قرأ بالروايات على الشيخ إسماعيل المليجى صاحب أبى الجود و على الصفى المراغى و على خاله نصر و تقدم نصر فى علم الأثر، و صنف التصانيف النافعة منها شرح البخارى فى عشرين مجلدا و لم يصنف مثله و شرح السيرة و درس بجامع الحاكم فى الحديث و غيره، و توفى فى سنة خمس و ثلاثين و سبعمائة.

و معه فيها قبر ولده الشيخ شمس الدين ابن الشيخ الحافظ قطب الدين عبد الكريم ابن الشيخ شمس الدين ابن الشيخ الحافظ قطب الدين الحلبى.

و هناك قبر السيدة رقية بنت الشيخ شرف الدين محمد بن المسند أبى الحسن على بن محمد بن هارون الثعلبى الدمشقى المعروف والدها وجدها بابن القارى، و عمها هو مسند القاهرة و اسمه عبد الرحمن، و هى زوجة قطب الدين عبد الكريم بن محمد ابن الحافظ قطب الدين الحلبى.

37

تربة أمير الجيوش:

و بها جماعة أخر و إلى جانب هذه الزاوية و التربة تربة الأفضل أمير الجيوش بدر الجمالى و هى أول تربة بنيت هناك‏ (1) و كانت الخطة تعرف برأس الكامل ثم تتابع دفن الناس موتاهم من الجهة الشرقية من مصلى الأموات و بحريها إلى الريدانية.

و كان فى هذه المقبرة إلى الجبل براح واسع يعرف بميدان القبق و ميدان العيد و الميدان الأسود و هو ما بين قلعة الجبل و قبة النصر تحت الجبل الأحمر فلما كان بعد سنة عشرين و سبعمائة ترك الملك الناصر محمد بن قلاوون النزول إلى الميدان و هجره خشية على قبور المسلمين من أن توطأ ثم أخذ الناس فى العمارة.

الأمير شمس أول من ابتدأ بالعمارة:

و أول من ابتدأ بالعمارة هناك الأمير شمس قرا سنقر فاختط تربته التى هى الآن مجاورة لتربه الصوفية.

و بنى حوض السبيل و جعل فوقه مسجدا ثم عمر بعده نظام الدين أخو

____________

(1) هذه التربة كانت فيما مضى تعرف بقبة قرقماش و هى معروفة بضريح الشيخ يونس السعدى الشيبانى حفيد الشيخ سعد الدين الجباوى و التى تنسب اليه الزاوية اليونسية و قد ذكرها المقريزى فى خططه و الشيخ يونس بن يونس بن مساعد القرشى الشيبانى و يرجع نسبه الى شيبة بن عثمان بن طلحة جده السابع قصى جد النبى عليه الصلاة و السلام.

و قد دفن الشيخ يونس بهذه التربة فى عام 919 و يوجد بهذه التربة قبور لجماعة من شيوخ الطريقة منها ضريح الشيخ أحمد حموده الخضرى و لم يكن فى هذه المنطقة من أماكن الزيارة الا مسجد سيدى نجم الدين أيوب بن موسى ابن أيوب الكردى.

38

الأمير سيف الدين سلار تجاه تربة قراسنقر مدفنا و حوضا و سبيلا و مسجدا معلقا و تتابع الأمراء و الأجناد و سكان الحسينية فى عمارة الترب هناك حتى سدت طريق الميدان و عمروا بجوانبه أيضا و أخذ صوفية الخانقاه الصلاحية لسعيد السعداء قطعة قدر فدانين و أداروا عليها سورا من حجر و جعل مقبرة لمن يموت منهم ثم أضافوا إليها قطعة أخرى من تربة قراسنقر عام تسعين و سبعمائة و ما برح الناس يقصدون تربة الصوفية هذه لزيارة من فيها من الأموات و يرغبون فى الدفن فيها إلى أن ولى مشيخة الخانقاه الشيخ شمس الدين محمد البلالى فسمح لكل أحد أن يقبر ميته بها على مال يؤخذ منه فقبر بها كثير من أعوان الظلمة و من لم تشكر طريقته فصارت مجمعا للنسوان و محلا للعب، و لم يكن فى هذه الصحراء تربة مثلها بما جمع فيها من العلماء و المحدثين و الأولياء، و إنما لم نعدهم خوف الإطالة.

و بالقرب من هذه الخطة زاوية و تربة بها خطبة أنشأها الشيخ الصالح العارف المعتقد فخر الدين عثمان بن على بن إبراهيم بن سعيد بن مقاتل ابن حوشب بن معلى بن سام بن محمد بن سعيد بن عمر بن شر حبيل بن سعيد ابن سعد بن عبادة الأنصارى الخزرجى المعروف بابن حوشب السعودى من أصحاب سيدى داود الأعزب أحد أصحاب الشيخ العارف الصالح أبى السعود رحمة اللّه تعالى عليه و ذلك فى سنة خمس و سبعمائة.

سبب انشاء زاوية الشيخ ابن حوشب:

و سبب إنشاء ذلك أن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) أشار عليه بذلك فى المنام و صار ذلك الخط الآن يعرف بتربة ابن حوشب و توفى الشيخ و دفن بالزاوية المذكورة فى سنة سبع و سبعمائة.

39

و كان بناء تربة الأفضل أمير الجيوش بدر الجمالى وزير المستنصر فى سنة ثمانين و أربعمائة و توفى سنة ثمان و ثمانين و أربعمائة و دفن بها و لم يعرف له قبر لطول الزمان.

و بالقرب من هذه التربة زاوية الخلاطى مات فى النصف من جمادى الأولى سنة سبع و ثلاثين و سبعمائة.

تربة زين الدين الخزرجى و مآثره:

و هناك تربة كبيرة بها قبر الشيخ الصالح العارف العامل الزاهد زين الدين عبادة بن على بن صالح بن عبد المنعم بن سراج بن نجم بن فضل ابن فهر بن عمر الأنصارى الخزرجى الجرزائى المالكى ولد بجرزا قرية بالصعيد من أعمال القاهرة فى سنة ثمانين و سبعمائة و هو من أعيان السادة المالكية بالديار المصرية كان يقرى‏ء الناس بالجامع الأزهر و بمدرسة السلطان برسباى الأشرف بالقاهرة.

و لما توفى قاضى القضاة شمس الدين البساطى طلبه الملك الظاهر جقمق العلائى للقضاء فاختفى و قيل سافر من القاهرة إلى أن بلغه أن السلطان ولى للقضاء الشيخ بدر الدين بن التنسى فظهر و كان له اعتقاد فى الفقراء و محبة زائدة بهم و لم يكن فيه تكبر مع شهرته فى العلم بل كان منطرح النفس فإنه كان يشترى السلعة من السوق و يحملها بنفسه و يحمل طبق الخبز إلى الفرن و لا يدع أحدا يحمل عنه توفى (رحمه اللّه تعالى) فى يوم الجمعة السابع من شوال سنة ست و أربعين و ثمانمائة.

ذكر لبعض زوايا المشايخ العارفين بالله:

ثم تقصد زاوية الشيخ الصالح الجعبرى العارف القدوة الواعظ المقرى‏ء

40

أبو اسحق ابراهيم بن معضاد بن شداد بن ماجد بن مالك بن جزى بن كلب الجهنى الجعبرى كان من المشايخ الداعين إلى اللّه تبارك و تعالى بالحق، العاملين بعلمهم يتكلم على رؤوس الناس بكلام يقدح فى قلوبهم، صحبه جماعة و انتفعوا به و بكلامه و طريقته.

منهم الشيخ الصالح العارف أيوب بن موسى بن أيوب الكردى شيخ الشيخ حسين الجاكى.

و الحافظ المسند أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن خالد بن محمد بن أبى بكر الفارقى الشافعى.

و الشيخ الصالح العارف الفقيه كمال الدين على بن محمد بن جعفر الهاشمى الجعبرى الشهير بابن عبد الظاهر القوصى و غير هؤلاء.

و كان حسن الصورة نافذ البصيرة قوالا بالحق لا يخاف فى اللّه لومة لائم، له مجالس فى الوعظ تطرب السامعين، و له أحوال غريبة و مكاشفات عجيبة و قد أخبر بموته عند وفاته و كان ينظر إلى قبره الذى حفره في حال حياته، و يقول: يا قبير جاءك دبير.

ولد (رحمه اللّه تعالى) بقرية جعبر فى يوم مبارك و الناس فى صلاة الجمعة سنة تسع و تسعين و خمسمائة و كان فى ابتداء أمره قرأ القرآن بالروايات على الشيخ الصالح علم الدين أبى الحسن على بن عبد الصمد السخاوى و سمع الحديث أيضا منه و من غيره.

و كان يأمر بالمعروف كثير التعظيم لأصحابه، و له نظم و سجع و تصرف و شطح. و له نظم رائق تركنا ذكره خوف الإطالة (و قد فتح) اللّه على يديه‏

41

على فحول الرجال و لم يزل كذلك، و أخذ بطريق التصوف عن الشيخ الصالح القدوة العارف شبيب بن أبى الفتح الشرطى و أخذ الشيخ شبيب عن الشيخ ندا و الشيخ ندا عن الشيخ عقيل المنبجى و هو صحب الشيخ سلمة السروجى، و هو صحب الشيخ أبا سعيد الخراز و هو صحب الشيخ أبا على البلوطى و هو صحب الشيخ على بن خليل الرومى، و هو صحب والده خليلا و والده خليل صحب الشيخ عمار السعدى و هو صحب الشيخ أبا يوسف العنانى و هو صحب الشيخ محمد ابن يعقوب الشيبانى و هو صحب والده يعقوب الشيبانى و هو صحب أمير المؤمنين أبا حفص عمر بن الخطاب رضى اللّه تبارك و تعالى عنه.

و كان لا يراه أحد إلا عظم قدره و أجله و أثنى عليه، و عمر حتى جاوز الثمانين سنة، و كان يحفظ الحديث و يشارك فى علم الطب و غيره من العلوم و توفى بالقاهرة يوم السبت رابع عشرى المحرم سنة سبع و ثمانين و ستمائة، و حمل فى محفة إلى هذه الزاوية و دفن بها و له أولاد.

منهم الشيخ ناصر الدين أبو عبد اللّه محمد كان عالما ربانيا و كان يخطب بجامع القاهرة توفى فى رابع المحرم سنة سبع و ثلاثين و سبعمائة و دفن بالزاوية أيضا ولد بقلعة جعبر سنة خمسين و ستمائة تقريبا.

و منهم الشيخ ركن الدين كان له كلام كشطحات و دعاوى و كان يخطب بجامع الماردانى من غير معلوم و مات فى سنة سبع و أربعين و سبعمائة و دفن بالزاوية و توفى أيضا من أولاده النجباء الصلحاء العلماء الشيخ تقى الدين عبد اللطيف بن الشيخ صالح الأصيل ناصر الدين محمد بن الشيخ العارف تقى الدين أبى إسحق إبراهيم بن معضاد الجعبرى الأشعرى الجهنى القرشى الأصل كان من النساك المسلكين المتكلمين بالوعظ الصائر لقلوب الشائقين،

42

قال بعض من أدركه: لم أدرك فى عصرنا أمثل منه فى الوعظ، مات بدمشق فى سنة سبع و ثمانين و سبعمائة.

و ممن نسب إلى جعبر الشيخ الصالح العارف العالم العلامة برهان الدين إبراهيم بن عمر بن إبراهيم الربعى الجعبرى نزيل مقام الخليل عليه الصلاة و السلام كان إماما فى القرات و الفقه و العربية شرح الشاطبية و صنف كتابا فى القراءات، ولد بجعبر فى سنة أربعين و ستمائة تقريبا و قرأ على ابن يونس صاحب التعجيز و توفى بمدينة الخليل فى سنة ست و ثلاثين و سبعمائة.

و ممن نسب أيضا إلى جعبر الشيخ الإمام العالم العلامة أقضى القضاة تاج الدين أبو محمد صاحب بن عامر بن حامد بن على الجعبرى الشافعى، مولده فى سنة عشرين و ستمائة و توفى فى يوم الإثنين سادس عشر ربيع الأول سنة ست و سبعمائة بدمشق، و له كتاب فى الفرائض.

مصلى الأموات:

ثم تقصد إلى مصلى الأموات ظاهر باب النصر و كانت المصلى المذكورة تعرف بمصلى العيد فلما دخل الملك الأفضل نجم الدين‏

وقف القبول ببابكم يبسم‏* * * و نسيم أفياح الرضا يتنسم‏

أولوا محبا حائرا ناداكم‏* * * هل ثم باب للنبى سواكم‏

من غيركم فى ذا الورى ريحانته‏* * * يا من دهنت الحادثات تعددا

و صبحت من هم المعيشة مقعدا* * * أجعلت هجر بنى النبى تعمدا

تبا لطرف لا يشاهد مشهدا* * * يحوى لحسين و نستلمه سلامته‏

(1) بن شادى‏

____________

(1) الملك نجم هو الملك الأفضل نجم الدين أبو سعيد أيوب بن شادى ابن يعقوب بن مروان الكردى والد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب أول ملوك دولة الأكراد الأيوبية و له مسجد بظاهر باب النصر. و قد ذكره المقريزى فى خططه و قال: هذا المسجد الذى قام بانشائه الملك نجم الدين و جعل الى جانبه حوض ماء للسبيل فى سنة 566 و قد مات فى سنة 568 و كان متدينا و خيرا محبا لأهل العلم و الخير و قد رأى من أولاده عدة ملوك و صار يقال له أبو الملوك و ترجم له المؤرخ ابن طولون قائلا: ركب فشب به فرسه بالقاهرة عند باب النصر سنة 568 و حمل الى منزله و عاش ثمانية أيام ثم توفى فى يوم الثلاثاء السابع و العشرين من عام 568 و كان والده غائبا عنه فى بلاد الكرك و الشوبك فدفن الى جانب قبر أخيه بالدار السلطانية.

ثم نقل بعد سنين الى المدينة النبوية.-

43

ابن مروان والد السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف إلى القاهرة و لست من رجب سنة خمس و ستين و خمسمائة اتخذ فى جانب منها موضع مصلى للأموات و توفى بالقاهرة المحروسة فى يوم الأربعاء سابع عشرى ذى الحجة سنة ثمان و ستين و خمسمائة.

سبب موت نجم الدين بن شادى:

و كا السبب فى موته أنه ركب يوما للسير على عادته فخرج من باب النصر فشب به فرسه فألقاه فى وسط الجب و ذلك فى يوم الإثنين ثامن عشرى ذى الحجة سنة ثمان و ستين و خمسمائة و كان دخول أخيه أسد الدين‏

____________

- و نود أن نذكر هنا ما ذكره المقريزى عن مقابر باب النصر: أن المقابر التى هى الآن خارج باب النصر انما حدثت بعد سنة 840 و أول تربة بنيت هناك تربة أمير الجيوش بدر الجمالى و لما مات دفن فيها و كان خطها يعرف برأس الطابية و يوجد بخارج باب النصر فى أوائل المقابر قبر زينب بنت أحمد ابن محمد بن عبد الله بن جعفر بن الحنفية و الناس يسمونه بمعبد الست زينب ثم تتابع دفن الناس موتاهم فى الجهة التى هى اليوم بحرى مصلى الأموات الى نحو الريدانية (العباسية) و كان ما فى شرقى هذه المقبرة الى الجبل براحا واسعا يعرف بميدان القبق و ميدان العيد و الميدان الأسود و هو ما بين قلعة الجبل الى قبة النصر تحت الجبل الأحمر فلما كان بعد سنة 720 ترك الملك الناصر محمد بن قلاوون النزول الى هذا الميدان و هجره فأول من ابتدأ فيه بالعمارة الأمير شمس الدين قراسنقر فاختط تربته التى تجاور اليوم تربة الصوفية و بنى حوض ماء للسبيل و جعل فوقه مسجدا ثم بعده عمر نظام الدين آدم أخو الأمير سيف الدين سلار تجاه تربة قراسنقر مدفنا و حوض ماء للسبيل و مسجدا و تتابع الأمراء و الأجناد و سكان الحسينية فى عمارة الترب هناك حتى أنسد طريق الميدان.

و أخذ صوفية الخانقاه الصلاحية سعيد السعداء قطعة قدر فدانين و جعلوها مقبرة لمن يموت منهم.

و يوجد بجوار تربة الصوفية تربة الأمير مسعود بن خطير و كذلك مجد الدين السلامى و تربة الأمير سيف الدين كوكاى و الأمير طاجاى الداوادار و الأمير سيف الدين طشتمر الساقى و كذلك الطواشى محسن البهاء.

و قد استحدثت هناك الآن قبور أخرى منها قبر الشيخ عوض اليمنى الشاذلى و كان مشهورا بالصلاح و على مقربة منه قبر الشيخ الذهبى (الصالح سعد الدين الذهبى الشافعى توفى عام 1926).-

44

شيركوه إلى القاهرة قبله فى أوائل سنة أربع و ستين و خمسمائة و مات‏

____________

- و كذلك نجد هناك قبرين متقابلين لبعضهما أحدهما عن يمينه تجاه شارع نجم الدين و الآخر عن يساره على ناصية الطريق حيث شارع القصاصين المسلوك منه الى الحسينية و باب الفتوح فالقبر الأول فيه الشيخ عبد الغنى السعدى أحد الفقراء السعدية و الآخر نيه الامام ابن هشام جمال الدين عبد الله بن يوسف المصرى أحد أئمة النحو المشهورين و قد تركت الحكومة المصرية قبره و جعلت حوله ميدانا حينما أزالت بعض المقابر من حوله لاظهار باب النصر بصورة مشرفة اذ أظهر بعض الكرامات و الذى نجد له فى كتاب ابن خلدون قوله:

ما زلنا و نحن بالمغرب نسمع أنه ظهر بمصر عالم بالعربية يقال له ابن هشام أنحى من سيبويه و قال السيوطى أيضا: مات فى ذى القعدة سنة 761 و ليس هو ابن هشام صاحب السيرة كما يزعم بعضهم فقد ترجم لابن هشام هذا صاحب السيرة كثير من أرباب التواريخ و ذكروا أن وفاته كانت بفسطاط مصر سنة 218 أى قبل بناء القاهرة بنحو 140 سنة و كانت هذه و ما قبلها طريقا للقوافل يمرون بها عند مسيرتهم من الفسطاط الى عين شمس (المطرية) و فى هذه المنطقة توجد بئر العظمة و مسجد موسى (عليه السلام) و قد أزيلت البئر من عهد بعيد أما مسجد موسى (عليه السلام) فهو معروف و قائم بنفس المنطقة و نجد فى خطط المقريزى و الخطط الجديدة يقول: كان قبر ابن هشام النحوى هذا دارسا فأظهره رجل معروف بالبر و الاحسان كان ساكنا بالقرب من هذه المنطقة ثم تجاوز هذا الميدان الى اشارع المسلوك الى العباسية و هو شارع نجم الدين به هومة لأموات المسلمين.

ثم نسير فى الطريق فتجد حوش السادة الأكراد به قبر العلامة الأديب الحاج محمد حلبى بن الحاج عبد الله الأربلى و الذى كانت له منظومات و قصائد رائعة و التى امتدح فيها آل البيت (رضوان الله تعالى عليهم) و نذكر بعضا منها يقول:

وقف القبول ببابكم يبسم‏* * * و نسيم أفياح الرضا يتنسم‏

أولوا محبا حائرا ناداكم‏* * * هل ثم باب للنبى سواكم‏

من غيركم فى ذا الورى ريحانته‏* * * يا من دهنت الحادثات تعددا

و صبحت من هم المعيشة مقعدا* * * أجعلت هجر بنى النبى تعمدا

تبا لطرف لا يشاهد مشهدا* * * يحوى لحسين و نستلمه سلامته‏

شمس (المطرية) و فى هذه المنطقة توجد بئر العظمة و مسجد موسى عليه الشارع المسلوك الى ميدان الجيش حاليا و هو شارع نجم الدين به حومة لأموات المسلمين.

45

شيركوه أيضا قبله بالقاهرة فى يوم السبت ثالث عشر جمادى الآخرة سنة أربع و ستين و خمسمائة ثم نقلوهما إلى المدينة الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة و السلام.

(و ذلك) بوصية منهما إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف و دفنا بقرب الحجرة الشريفة و مات الملك الناصر هذا بدمشق فى صفر سنة تسع و ثمانين و خمسمائة و دفن بتربة الكلاسة رحمة اللّه عليه فإنه كان ملكا جليلا ملك بسيفه من اليمن إلى الموصل و من طرابلس الغرب إلى النوبة و قاتل الأفرنج و فتح الفتوحات الجليلة (قيل) إن الذى أخذه من يد الإفرنج من الحصون و المدن مائة و سبعون و كان مدة مملكته أربعا و عشرين سنة.

مآثر الملك الناصر صلاح الدين:

و كان ملكا كريما حليما حسن الأخلاق متواضعا غير متكبر.

و كان يجل أهل العلم و القضاة، و العلماء و الفقراء و يسمع الحديث النبوى كثيرا حتى سمعه فى رمضان فى القتال و أسمعه، و عمر البيمارستان العتيق بالقاهرة، و أخذ دار سعيد السعداء و عمرها خانقاه، و أخذ حبس المعونة بمصر و جعله مدرسة و عمر بجامع عمرو بن العاص بمصر زاويتين إحداهما للشافعية و الأخرى للمالكية و تعرف الآن بالخشابية.

و أنشأ بالقرب من الإمام الشافعى مدرسة و بالقدس مدرسة.

و أنشأ قلعة الجبل و أنشأ السور الدائر على القاهرة بالحجر.

و أنشأ أربعين قنطرة بالجيزة بالجسر الذى يتوصل منه إلى الأهرام و غير ذلك و كتب ربعة بخطه و أوقفها بالخانقاه المعروفة بسعيد السعداء،

46

و استخلص القدس من يد الأفرنج و خلف من الأولاد تسعة عشر ذكرا و هم الأفضل و العزيز و عثمان و الظاهر غازى و المفضل و مظفر الدين موسى و الظافر خضر و الأعز يعقوب و المؤيد مسعود و المعز إسحق و الجواد أيوب و الأشرف محمد و المنصور أبو بكر، و الصالح إسمعيل و الغالب فروخ شاه و ناصر الدين إبراهيم، و عماد الدين شادى و الزاهد داود، و الحسن و أحمد و ابنة واحدة تزوجها الملك الكامل ابن أخيه العادل أبو بكر.

(و لقد) بسطنا القول فى ذكر نسبه و حوادث سنيه فى تاريخ من ولى الديار المصرية و لسنا الآن بصدد ذلك و إنما ذكرناه استطرادا.

و بالقرب من المصلى المتقدم ذكرها تربة الشيخ الصالح العارف القدوة المحدث المشهور فى الآفاق بالخير و الصلاح برهان الدين إبراهيم بن محمد بن بهادر ابن أحمد بن عبد اللّه النوفلى العزقى الشهير بابن زقاعة بضم الزاى و تشديد القاف و عين مهملة و منهم من يجعل الزاى سينا مهملة ولد أول شهر ربيع الأول سنة خمس و أربعين و سبعمائة و سمع صحيح البخارى من القاضى علاء الدين ابن خليف و من السيد نور الدين الفوى و غيرهما و عانى صنعة الخياطة فى مبتدأ أمره ثم اشتغل بالقرآن و أخذ الفقه من الشيخ بدر الدين القونوى و أخذ التصوف عن:

الشيخ عمر حفيد الشيخ العارف عبد القادر و اشتغل بالأدب و نظم الشعر و نظر فى النجوم و فى علم الحرف و برع فى معرفة منافع النبات، و فاق فى ذلك و ساح فى الأرض لطلب ذلك و الوقوف على حقائقه، و تجرد و تزهد و تعلق أيضا بعلم الحساب و شاع ذكره فى بلاد غزة و عرف بالخير و الصلاح فرغب‏

47

الملك الظاهر برقوق فى لقائه و استدعاه إليه فقدم فى أوائل سلطنته، و بالغ فى تعظيمه فهرع الناس إليه و إلى زيارته و قد أكثروا مدحه و الثناء عليه، و عف عن تناول مال السلطان فقويت الرغبة فى اعتقاده و عاد إلى غزة.

و كان السلطان يستدعيه فى كل سنة لحضوره المولد النبوى فى شهر ربيع الأول بقلعة الجبل فيحضر و يداوى المرضى احتسابا.

و الناس فيه فريقان فريق على أنه ولى و يحكى عنه خوارق و فريق يزعمون أنه مشعبذ ثم انحل عنه السلطان لما تحول من غزة إلى القاهرة و سكن بمصر على شاطى‏ء النيل ثم لما توفى الملك الظاهر برقوق تقدم عند ولده الملك الناصر فرج حتى إنه كان لا يخرج إلى الأسفار إلا بعد أن يأخذ له الطالع فلما توفى الملك الناصر و تولى السلطنة المؤيد شيخ نقم عليه و أهانه فى أوائل دولته ثم أعرض عنه فتوجه من القاهرة.

ثم جاور بمكة مدة ثم توفى (رحمه اللّه تعالى) فى ثانى عشر ذى الحجة الحرام سنة ست عشر و ثمانمائة.

ترب بعض الصالحين:

و بالقرب منه تربة بها قبور قديمة و فيها قبر مكتوب عليه هذا قبر الشريفة زينب بنت أحمد بن عبد اللّه بن جعفر بن محمد بن على بن أبى طالب رضى اللّه تعالى عنهم و هو محمد ابن الحنفية و هذا غير صحيح لأنه لم يعلم دخولها إلى مصر.

و بالقرب منه تربة حافظ العصر الامام العالم العلامة الزاهد الناقد خادم السنة شرف الدين أبى محمد عبد المؤمن البوتى الدمياطى المنشأ، الشافعى‏

48

المذهب، مولده فى سنة ثلاث عشرة و ستمائة و توفى فى يوم الأحد النصف من ذى القعدة سنة خمس و سبعمائة.

و هناك تربة الشيخ الصالح العالم الزاهد العارف شرف الدين يعقوب ابن الشيخ الصالح أبى الحسن عسكر المعروف بالزجاج توفى ليلة السبت ثانى جمادى الأولى سنة ثمان و تسعين و خمسمائة و ليس هو صاحب التفسير.

و معه فى التربة قبر والده الشيخ نور الدين أبو الحسن على بن عسكر ابن الشيخ محيى الدين عبد الحى الزجاج، توفى ليلة الثلاثاء العشرين من شعبان سنة ثلاث و ستين و خمسمائة.

و هناك قبر مقرى‏ء الديار المصرية الشيخ الإمام الصالح نور الدين أبى الحسن على بن ظهير بن شهاب الكفنى شيخ القراء بالجامع الأزهر قرأ على مشايخ عدة و أخذ القراءة عن الخطيب أبى المجد عيسى بن أبى الحرم و عبد القوى بن المغربل و أبى إسحق بن وثيق و حدث عن أصحاب السلفى روى عنه الإمام حافظ العصر أبو حيان و الشيخ الحافظ البرزلى الدمشقى و الحافظ سيد الناس اليعمرى و غيرهم و توفى سنة تسع و ثمانين و ستمائة.

و فى غربى قبر الشيخ نور الدين الكفنى قبر داخل تربة جديدة تحت الكوم به الشيخ الصالح العارف العلامة أبو الحسن على بن زهرة بن الحسن ابن زهرة بن على بن محمد الإسكافى، مولده بأرض الخليل عليه الصلاة و السلام فى العشر الأخير من ذى الحجة سنة ثلاث و خمسين و خمسمائة.

و هناك تربة الشيخ الصالح العارف الحسيب النسيب الشريف بدر الدين حسن الأسمر فراش حضرة القطب القدوة أبى السعود بن أبى العشائر توفى سنة خمس و ستين و ستمائة.

49

و إلى جانبه قبر تلميذه الشيخ الصالح العارف أبى الحسن على بن حديد ابن عبد العزيز المقانعى توفى سنة سبع و أربعين و سبعمائة.

و هناك تربة الشيخ الصالح العالم العلامة عبد اللّه المتوفى كان من عباد اللّه الزهاد، و له كرامات و كان ممن اشتهر بالعلم و العمل بالخير توفى فى يوم السبت سابع رمضان سنة تسع و أربعين و سبعمائة و قيل إن الذى حضر جنازة الشيخ قريب من ثلاثين ألفا و سبب ذلك أن الناس فى يوم وفاته خرجوا للاستسقاء و الدعاء بسبب كثرة الفناء و قد أفرد له تلميذه الشيخ خليل كتابا فيه ترجمته و كراماته.

و معه فى هذه التربة قبر الشيخ الصالح العارف العامل العلامة أبو القاسم خليل بن إسحق الجندى المالكى شارح ابن الحاجب القرعى و له الكتاب المشهور بالمختصر فى الفقه توفى فى يوم الخميس وقت أذان العصر ثانى عشر ذى القعدة سنة تسع و سبعين و سبعمائة و معه جماعة.

و هذه التربة من جملة المزارات المقصودة بالدعاء فيها لما جرب من بركة الشيخ عبد اللّه المتوفى رحمة اللّه عليه.

و قد أنشأ الناس بهذه التربة- أعنى تربة باب النصر- تربا و زوايا و مساجد و معابد لا تحصى و الذى بها الآن من المساجد الجامعة سبع خطب و هذا لا يكون إلا فى بلد كبير (1) ثم تدخل من باب النصر تجد جامع الحاكم‏

____________

(1) و مما هو جدير بالذكر هنا قبر المستشرق لويس بوركهارت السويسرى الذى أسلم و حسن أسلامه و سمى نفسه ابراهيم المهدى و يوجد على قبره مذكرة تاريخية تقول:

هو الباقى. هذا قبر المرحوم الى رحمة الله تعالى الشيخ الحاج ابراهيم المهدى بن عبد الله بركهرت اللوزانى تاريخ ولادته 10 محرم-

50

هذا الجامع أحد المعابد بالقاهرة و كان هذا الجامع خارج القاهرة و لم يكن بالقاهرة جامع غير الجامع الأزهر.

و كان بناء الجامع الأزهر فى سنة تسع و خمسين و ثلثمائة.

الجامع الأزهر الشريف أول بيت بالقاهرة:

(قيل) و هو أول بيت وضع للناس بالقاهرة و أقيمت فيه الجمعة فدام على ذلك إلى أن أمر العزيز باللّه ببناء هذا الجامع المعروف بالحاكم و سبب تسميته بالحاكم أن الحاكم أتمه بعد موت والده العزيز باللّه.

و لما أقيمت الجمعة بجامع الحاكم بطلت الجمعة بالجامع الأزهر و تشقق تشققا فاحشا.

فلما أنشأ الأمير عز الدين الحلى داره بجوار الجامع رممه و أصلحه و أراد إقامة الجمعة به فامتنع من ذلك قاضى القضاة تاج الدين عبد الوهاب المعروف بابن بنت الأعز الشافعى.

و كان أمر الديار المصرية له لا غير فى زمن السلطان بيبرس الملقب بالظاهر فسألوه أن يأذن لأحد من أهل بقية المذاهب الأربعة فى إقامة الجمعة فامتنع من ذلك فأشار الأمير عز الدين المذكور و العزيز على الملك الظاهر بتولية قضاة من المذاهب الثلاثة للمصلحة فجدد ذلك فى آخر سنة ثلاث و ستين و ستمائة.

____________

- سنة 1290 و تاريخ وفاته الى رحمة الله بمصر المحروسة فى 16 ذى الحجة سنة 1332.

و ننوه هنا الى أن السخاوى لم يذكر هذه المعلومات فى كتابه. و لعل السخاوى لم يستمر فى السير الى آخر الصحراء لعدم وجود الكثير من المزارات فى عهده أما الآن فقد كثرت المزارات منها قرافة العفيفى و بجانب قبر البكرى توجد مقبرة السيد عمر المعلاوى و قبر السيد مصطفى أبو السعود.

51

و هم: قاضى القضاة القاضى سليمان صدر الدين الحنفى:

و شرف الدين السبكى المالكى.

و شمس الدين الحنبلى:

و استمر من هنا القضاة الأربعة فأذن بعضهم بإقامة الجمعة بالجامع الأزهر فأقيمت الجمعة فى ثامن عشرى ربيع الآخر سنة خمس و ستين و ستمائة.

ثم تقصد من بحرى جامع الحاكم إلى حارة (1) بهاء الدين و هى إحدى الحارات السبع بالقاهرة و هى حارة برجوان و حارة زويلة و حارة كتامة.

الحارات السبع بالقاهرة:

أما حارة بهاء الدين المذكورة فإن فيها مدرسة شيخ الإسلام سراج الدين أبى حفص عمر بن رسلان بن نصير بن صالح بن عبد الخالق البلقيني ثم المصرى الأصل البلقينى المولد.

نبذة عن شيخ الاسلام سراج الدين أبى حفص البلقينى:

ولد فى ليلة الجمعة ثانى عشر شعبان سنة أربع و عشرين و سبعمائة الكنانى حفظ القرآن ببلده و هو ابن سبع سنين و حفظ الشاطبية و المحرر للامام الرافعى و الكافية الشافية لابن مالك و مختصر ابن الحاجب الأصولى ثم قدم إلى القاهرة فى سنة ست و ثلاثين و سبعمائة و اجتمع على الشيخ تقى الدين السبكى و القاضى جلال الدين القزوينى و أثنى كل منهما عليه مع صغر سنه ثم رجع إلى بلده ثم قدم القاهرة أيضا سنة ثمان و ثلاثين و سبعمائة و استوطنها و حج فى الموسم مع والده فى سنة أربعين و سبعمائة.

و اشتغل بالفقه على الشيخ نجم الدين الأسوانى و الفقيه ابن عدلان.

____________

(1) حارة بهاء الدين هى شارع بين السارج الآن داخل باب الفتوح عرفت ببهاء الدين قراقوش الوزير المشهور و هى احدى الحارات القديمة بالقاهرة.

52

و اشتغل بالأصول على الشمس الأصفهانى و أجازه بالإفتاء و أخذ النحو عن الشيخ جمال الدين بن إبراهيم بن شاهد الجيش.

و سمع صحيح مسلم من العلامة شمس الدين بن القماح.

و سمع بقية الكتب الستة و غيرها من المسانيد من جماعة و لزم الاشتغال و اشتهر اسمه و علا ذكره و ظهرت فضائله و تبينت فوائده ثم انتصب للاشتغال فاجتمعت الطلبة إليه بكرة و عشيا و شيوخه متوافرون ثم حج بعد ذلك فى سنة تسع و أربعين و سبعمائة و رحل إلى القدس و اجتمع فيها بالشيخ صلاح الدين و قال له أنت الذى يقال لك البلقيني و عامله بما يليق به.

ثم صاهره قاضى القضاة الشيخ بهاء الدين فى سنة اثنتين و خمسين و سبعمائة و خطبه لابنته و ناب عنه فى القضاء المدة اليسيرة التى ولى فيها الشيخ بهاء الدين القضاء و هى قريب من ثمانين يوما.

ثم ولى تدريس الزاوية بعد وفاة ابن عقيل فى سنة تسع و ستين و سبعمائة و استمرت بيده ستا و ثلاثين سنة و قبل هذه ولى تدريس الحجازية فإن صاحبتها بنتها لأجله و ولى قضاء الشام فى سنة تسع و ستين فباشره مدة يسيرة و عاد إلى القاهرة.

ثم تدريس الملكية و تدريس جامع ابن طولون.

و ولى قضاء العسكر بعد وفاة أبى حامد السبكى.

و ولى إفتاء دار العدل قبل هذا من يلبغا الخاصكى مدبر المملكة و تدريس الصلاحية بجوار الإمام الشافعى.

و ولى الظاهرية الجديدة فى التفسير و عمل بها ميعادا بعد صلاة الجمعة وليها من واقفها السلطان الملك الظاهر برقوق الجركسى و درس أيضا