تنزيه الأبصار والأفكار في رحلة سلطان زنجبار

- زاهر بن سعيد النخلي المزيد...
295 /
3

-

4

مقدّمة التحقيق‏

فنّ وصف‏ (1) الرحلة فنّ قديم، عرفه العرب منذ أن دعاهم الإسلام إلى الضرب في الأرض‏ (2)، و تبليغ الرسالة إلى الناس كافة (3). هو فنّ- إذا كان بعض الدارسين يلصقه بالجغرافيا، بل يدمجه فيه‏ (4)- مستقلّ بشخصيته و خصائصه العلمية عن الجغرافيا (5) هو فنّ- و إن كان آخرون‏ (6) يحشرونه ضمن الأدب‏ (7)- منفصل بأسلوبه و لغته. و هو فنّ ازدهر

____________

(1) نلاحظ أن الكتاب العرب يستعملون مصطلح" رحلة" استعمالا مشتركا، فهي تعني" عملية السفر و الحركة في المكان" كما تعني" وصف تلك الحركة" و هذا يؤدي إلى اضطراب في الفهم ذلك أنه ليس كل رحالة وصافا، فعدد الرحالة العرب- و خصوصا المغاربة و الأندلسيين- أكبر بكثير ممن تركوا لنا أوصافا. فالمقري (ت 1041/ 1631) يعرّف بعدد 307 علما رحلوا إلى المشرق (نفح الطيب، الجزء 2) بينما عدد الأوصاف التي ذكرها لهم لا تتجاوز العقد، و الصحيح هو أن نميز ما يكتبه الرحالة- متحدثا عن سفره- بمصطلح" وصف" لأن وصف الرحلة له دوافع منها: وصف المسالك، و الاعتبار و إثارة الشوق، و التعريف بالكسب العلمي و الاقتداء، و الإعلام، و تدوين أخبار الملوك، و غير ذلك، بينما الرحلة- أي السفر نفسه- له دوافع أخرى، فوصف الرحلة إذا هو الكتاب الذي نقرأه. و نجد في اللغة الفرنسية مصطلحا يؤدي هذا المعنى و هو:

(Relation de Voyage) و كذا في الإنكليزية وجدنا: (Relation of the events) و (Narrative of visit)

(2) قال تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها. الملك 67/ 15.

(3) قال تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ‏. المائدة 5/ 67.

(4) حسين: أدب الرحلة ص 6- 8.

(5) بسطنا القول في هذه المسألة في رسالة الدكتوراه:" مظاهر الحضارة من خلال رحلات المغاربة و الأندلسيين و ثقافتهم في القرنين 6 و 12 للهجرة" كلية الآداب بمنوبة تونس 1988، المقدمة (مرقونة).

(6) انظر مثلا: حسين: أدب الرحلة ص 8- 9 و نلاحظ أن مصطلح" أدب الرحلة" هو المتداول في الحديث عن" وصف الرحلة".

انظر أيضا: غريب (جورج): أدب الرحلة تاريخه و أعلامه، دار الثقافة، بيروت، ط 3/ 1979.

(7) إن كلمة" أدب"- عند العرب- ذات مدلول عام، فهي تعني السيرة" سواء تعلقت هذه بهذا الجانب أو ذاك من الحياة الفردية أو الاجتماعية أو فنّ العيش بصفة عامة، أو تصرفات القلب، أو أخيرا مواقف الفكر" و نحن لا نذهب هذا المذهب، و إنما نعتبر" الأدب" تلك اللغة التي يعبّر بها المبدع عن خوالج النفس و اضطراب الفكر في أسلوب فنّي رفيع. لمزيد الإطلاع عن مفهوم الأدب راجع: ميكال: الأدب ص 66 و ما بعدها.

5

- خاصة- عند المغاربة و الأندلسيين لتوفر دواعي الرحلة لديهم‏ (1). فكثرت أوصافهم بين القرنين السادس و الثاني عشر للهجرة، و صار لهم سبق فيها (2).

و إذا كانت الرحلات منحصرة في هذا العصر- عصر المحافظة (3)- في البلاد العربية أساسا (4)، فإنّها ستعرف في القرن الثالث عشر (19 م) وجهة جديدة، و هي أوروبا. فقد أخرجت حملة بونابارت الاستعمارية على مصر سنة 1210/ 1798- العرب من قوقعتهم، و حرّكت فيهم حبّ الاطلاع على ما حقّقته أوروبا من نهضة أدّت بها إلى التقدّم‏ (5).

لقد أراد العرب الكشف عن سرّ قوتها.

كان وصف الرحلات من أهمّ مظاهر الإحياء و الدعوة إلى النهضة. و إذا اعتبرنا الطهطاوي‏ (6) أبا وصف الرحلة إلى أوروبا، فلا نجانب الحقيقة.

____________

(1) دواعي الرحلة تختلف- كما ذكرنا- عن دواعي وصف الرحلة، فالمغاربة- مثلا- كانوا يرحلون لأسباب منها: الحج، الدراسة، السياحة، السفارة. انظر نصّار: أدب الرحلة ص 17- 49، و رسالتنا: المقدمة

(2) قمنا بجرد للأوصاف التي تركها الرحالة المغاربة و الأندلسيون، المخطوط منها و المطبوع، إلى نهاية القرن الثاني عشر الهجري، راجع رسالتنا: المدونة.

(3) من نتائج بحثنا التي توصلنا إليها أن مصطلح" الانحطاط" الذي يطلق على تاريخ العرب بين القرنين 6- 12 للهجرة ليس دقيقا. و الأدق هو مصطلح" الحفاظ" أو" عصر المحافظة". و هذا المصطلح أكثر حيادية و موضوعية. و هو يقابل ما عند الأوروبيين" القرون الوسطى" راجع رسالتنا: مظاهر الحضارة، الخاتمة.

(4) هذا لا يعني أنه لم تتم رحلات إلى خارج البلاد العربية: فقد سافر التمكروتي إلى تركيا سنة 997/ 1589 و وصف رحلته تحت عنوان" النفحة المسكية في السفارة التركية"، و الغزّال سافر إلى اسبانيا سنة 1179/ 1766 و وصف رحلته تحت عنوان" نتيجة الاجتهاد في المهادنة و الجهاد" (دار الغرب الإسلامي 1981) و غير ذلك.

(5) اهتمت نازك سابايارد بدراسة أوصاف الرحالة العرب إلى أوروبا تحت عنوان" الرحالون العرب و حضارة الغرب في النهضة العربية الحديثة" مؤسسة نوفل، بيروت ط 1/ 1979

(6) رفاعة (1216/ 1801- 1290/ 1873): تعلم بالأزهر، و صار واعظا بالجيش المصري ثم صحب بعثة الطلبة إلى فرنسا سنة 1826 فتعلم الفرنسية و ترجم عدة مؤلفات و وصف مشاهداته في كتابه" تخليص الابريز في تلخيص باريز". سعى إلى إصلاح التعليم و تولى رئاسة الترجمة في المدرسة الطبية، له عدة مؤلفات. انظر: كحالة: معجم: 4/ 168- 9، 13/ 387، و فصل:

Rifaa Bey al TAHTAWI: E. I. 2: VIII/ 325- 4( Ohrenberg )

6

ذلك أن وصف رحلته المعنون" تخليص الإبريز في تلخيص باريز" الذي طبع أول مرة ببولاق سنة 1834 يعدّ فتحا جديدا، و نموذجا متّبعا.

و لم يبق وقت طويل حتى ظهر وصف آخر للشدياق‏ (1) تحت عنوان" كشف المخبأ في فنون أروبا" طبع بتونس سنة 1866 (2).

و لم تمرّ سنة واحدة حتى نشر خير الدين‏ (3)" أقوام المسالك في معرفة أحوال الممالك" سنة 1867 في تونس أيضا (4).

و ظهر في السنة نفسها وصف آخر لمرّاش‏ (5) يحمل عنوان" رحلة إلى باريس" طبع في بيروت.

لقد حازت هذه الأوصاف، و غيرها كثير، على حظ واسع من التعريف و الدراسة، و لاقت رواجا عند القرّاء، و عناية عند الباحثين، و مازال يعاد طبعها.

____________

(1) هو فارس (1219/ 1804- 1304/ 1887): سمى نفسه أحمد عند ما أسلم. كاتب، معجمي، صحافي، شاعر، لبناني.

انتقل إلى مصر و مالطة و تونس و أوربا و القسطنطينية. شارك في إصدار الرائد التونسي. و أصدر صحيفة الجوائب في تركيا. له:

الواسطة في أخبار مالطة، الجاسوس على القاموس، الساق على الساق. انظر: كحالة: معجم: 2/ 41، 13/ 365، و فصل:Faris al -SHIDYAK :E .I .2 :II /008 (Karam) .

(2) و ظهرت له طبعة ثانية في القسطنطينية سنة 1299/ 1881.

(3) بعضهم يعرّفه بخير الدين التونسي، و بعضهم بخير الدين باشا (1238/ 1823- 1308/ 1890): شركسي الأصل، صار مملوكا في اسطنبول ثم نقل إلى بلاط باي تونس. و صار له شأن سياسي. سافر إلى أوربا و أقام فيها عدة سنوات. ألف إثرها كتابه المشهور. تولى الوزارة الأولى في تونس، و الصدارة العظمى في اسطنبول. انظر: كحالة: معجم 4/ 133، و فصل:

Khayr al- Din PASHA: E. I. 2: IV/ 3511- 5( Van Kricken )

(4) أعاد منصف الشنوفي تحقيق الكتاب، و وضع له مقدمة تحليلية، مع جداول، و ملحقات، و فهارس. و قال في شأنه:" من أبرز الكتب التي حررت في القرن التاسع عشر. و هو في باب التحرير السياسي أدخل، و إن حشره مؤرخو الآداب في باب (وصف) الرحلة اغترارا بعنوانه، و تهاونا بمقدمته التي حوت من الآراء الجوهرية الخطيرة ما يجعل منها مرحلة حاسمة في مراحل التفكير السياسي في العالم العربي الإسلامي الحديث". أقوم المسالك: ص 23 (المقدمة)

(5) (1252/ 1836؟- 1290/ 1873) من رجال النهضة في سوريا شارك في تجديد الحركة الأدبية و كان من دعاة الإصلاح السياسي و الاجتماعي، له عدة مؤلفات: انظر: كحالة: معجم 8/ 61، و فصل:

Marrash: E. I. 2: IV/ 895- 9( Tomiche )

7

و إذا كانت هذه الأوصاف قد نالت ما نالت من الرعاية، فإنّ وصفا آخر ظهر سنة 1878، صاحبه زاهر بن سعيد (1)، و عنوانه" تنزيه الأبصار و الأفكار في رحلة سلطان زنجبار" بقي نكرة رغم أنه طبع مرتين. فلقد أصابه غبن لأسباب مجهولة (2).

تعريف بوصف" تنزيه الأبصار":

هذا الوصف مرّ بمرحلتين في تأليفه:

المرحلة الأولى: و هو عمل ابن سعيد مذكّرات دوّن فيها مشاهداته أثناء صحبته للسلطان برغش‏ (3). هذه" الرّقع التي دبّجها السيد زاهر بن سعيد كاتب السلطان" هي الأساس في تأليف هذا الوصف‏ (4).

المرحلة الثانية: و هي تدخّل لويس صابنجي‏ (5) بعدّة أعمال حوّلت تلك" الرّقع" وصفا متماسكا، و هو المنشور الآن.

____________

(1) لقبه النخلي، تولى الكتابة الخاصة للسيد ماجد، ثم لابنه السيد برغش في زنجبار (المغيري: جهينة ص 328) و نلاحظ أنه صاحب السلطان برغش في رحلته إلى أروبا سنة 1875، و دوّن أهم أخبار تلك الرحلة.

(2) وضعت سابايارد ثبتا" بأسماء الرحالين في القرنين التاسع عشر و العشرين و كتبهم في الرحلة" (الرحالون: ص 481- 50) و لم تورد" تنزيه الأبصار" و كذلك فعل الشنوفي رغم أنه أورد" الرحلة النحلية" للويس صابونجي (كذا) و مكان طبعها الآستانة (أقوم: المقدمة)" و هو وصف رحلته حول العالم سنة 1871 و دامت 3 سنوات"

(3) هو برغش بن سعيد البوسعيدي (ح 1287/ 1870- 1305/ 1888) قال فيه المغيري:" هو آخر سلاطين زنجبار اسما و معنى" و قال فيه أيضا:" نادرة سلاطين زنجبار" له أعمال جليلة إلا أنه قام ببناء القصور و غرس البساتين و كثرة الحاشية و البذخ و الإسراف في المصاريف" كل ذلك اقتداء ببعض زعماء الهند التي نفي إليها قبل تولي السلطنة و تقليدا للتمدن الأوروبي بعد رحلته إليها. (انظر: جهينة: ص 327- 360). أما أخته سالمة فوصفته" بالقسوة و شدة العقاب" و أنه خاضع للقنصل البريطاني. (انظر مذكرات: ص 306- 316). و قد لخص السالمي القول فيه:" و لبرغش بن سعيد مآثر حسنة [إلا] أنه خلط عملا صالحا و آخر سيئا". انظر: تحفة: 1/ 229، و أيضا الفصلين:Barghash :E .I .2 :I /3401 (Becker) ,N .E .B :I /598

(4) انظر خاتمة النص المحقق: ص 169

(5) أورده الشنوفي: صابونجي و كذا ورد في طبعة" تنزيه الأبصار" سنة 1985 (على الغلاف الخارجي و نظيره في الداخل) و ورد في الطبعة نفسها صابنجي (خاتمة الكتاب) و تحت صورته ورد" رسم القس يحيى لويس صابنجي" مؤلف هذا الكتاب: و هو لويس بن يعقوب بن ابراهيم صابنجي (1254/ 1838- 1350/ 1931) باحث أتقن عدة لغات من ديار بكر أصدر مجلة

8

و هذه الأعمال من أهمّها (1):

أ- تأليف الكتاب، و ترتيبه ممّا سمعه صابنجي، و وعاه، و ممّا اقتطفه" من الرّقع التي دبّجها السيد زاهر".

ب- الرجوع إلى" صحف الأخبار الانقليزية و النشرات الفرنساوية" فيما قالت عن السلطان، و ممّا نقلته" من الخطب الفصيحة في المحافل، و المجالس، و الولائم، و قاعات السّرور و الحبور." و قد قام صابنجي بترجمة تلك الخطب، و تلخيصها.

ج- إضافة" فوائد علمية و تاريخية مما نيط بالبلاد التي خطرها (السلطان) و الأمم التي عاشرها و الأماكن التي طاف فيها و التّحف التي رآها" (2).

د- إلحاق" تصاوير بهية تشخّص مناظر البلاد و صور الرجال ذوي المناصب و الأمجاد".

ه- توزيع مادة الوصف و تقسيمها إلى خمسين بابا (3)، و وضع لها مقدّمة و خاتمة.

هذه أهم الأعمال التي قام بها صابنجي في إعداد هذا الوصف قبل أن يتولى‏

- هو نفسه- الإشراف على طبعه في مطبعة النحلة- التي كان يملكها- سنة 1878.

و يجب التنويه بالجهد الذي بذله هذا المصلح في نشر هذا الوصف نشرة تعتبر في وقتها ممتازة لما اتصفت به من ترتيب، و دقّة، و تحقيق، و إيضاح‏ (4).

____________

" النحلة" في بيروت ثم انتقل إلى لندن و أصدر جريدتين و هما:" الاتحاد العربي" و" الخلافة" ثم انتقل إلى الآستانة، له عدة مصنفات. انظر عنه: الزركلي: الأعلام: 247- 8

(1) انظر" خاتمة الكتاب": ص 169

(2) وجدنا أن صابنجي يعود إلى المصادر أحيانا، و من ضمنها: الخطط للمقريزي (لم يصرح بذلك) و الصحيح للفيروز آبادي (صرّح بذلك)

(3) سها الكاتب فكرر رقم البابين 24، 25 و أسقط رقم 43، فجاء عدد الأبواب عنده من حيث الأرقام 47 بابا بينما هي 50 (خمسون).

(4) لمزيد الاطلاع راجع بحثنا:" رحلات سلطانين عمانيين زنجباريين إلى أوروبا" مجلة مركز الوثائق و الدراسات الإنسانية، جامعة قطر.

9

أهمية هذا الوصف:

إن" تنزيه الأبصار" وصف يسد فراغا في أوصاف الرحلة في القرن 19. ذلك أن رحالة هذا القرن تميّزوا بآراءهم الاصلاحية و بتنبيه العرب إلى ضرورة النهضة،" و إيقاظ الغافلين من رجال السياسة و سائر الخواص و العوام ببيان ما ينبغي أن تكون عليه التصرفات الداخلية و الخارجية و ذكر ما تأكّد معرفته من أحوال الأمم الإفرنجية" (1). كان هؤلاء الرحالة" مثاليين" لم ينتبهوا إلى" فارق" جوهري يفصل بين عقلية العربي و عقلية الغربي، ألا و هو" حبّ العمل".

لقد توهّم الرحّالة مثل هذه المقولة:" أساس جميع ذلك (التمدّن) حسن الإمارة المتولّد منه الأمن، المتولّد منه الأمل، المتولّد منه إتقان العمل المشاهد في الممالك الأروباوية بالعيان" (2).

هذه المقولة تمثّل- في نظر السلطان برغش- الهرم مقلوبا: فقد كشف- على عكس المصلحين الآخرين- عن أخطر ما يؤدّي إلى ضعف الأمّة. إنّ" حسن الإمارة" لا يعني شيئا إذا كان المجتمع يكرّس الكسل، و يأنف من العمل. و قد عبّر السلطان عن موقفه- هذا- في مناسبات عدّة. منها قوله، و هو يخاطب الإنكليز:" أودّ لو أن أقدر [على أن‏] أرسل قوما من شعبي (...) ليتعلّموا من عملة معاملكم منافع الشغل و الجهد" (3).

لقد أدرك السلطان برغش- و هو يمارس دوره السياسي- أنّ" الحريّة" لا تصنع وحدها" النهضة"، ثم" التقدم"، ما لم يكن المجتمع متحفزّا للبذل و الجهد، طموحا لتحقيق المعالي، ساعيا إلى العزّ و السؤدد.

هذا الطرح الواقعي تميّز به" تنزيه الأبصار". و هذا يشفع للعناية به. و ليس هذا فحسب، و إنّما هو وصف يتوفر على مظاهر أخرى من الأهمية، مثل التعرّف على أسباب تقدّم‏

____________

(1) خير الدين: أقوم: ص 84. و هذا القول يلخص مفهوم النهضة عند عامة الإصلاحيّين الذين يقولون بالأخذ عن أوروبا أسباب النهضة.

(2) خير الدين: أقوم: ص 89.

(3) تنزيه: ص 129، و قد توسعنا في بحث مفهوم النهضة عند السلطان في:" النهضة في نظر السلطان برغش من خلال وصف (تنزيه الأبصار)" مجلة: كلية الإنسانيات و العلوم الاجتماعية، جامعة قطر، سنة 2002.

10

بريطانيا، و الوقوف على وسائل النقل و مسالكه المتنوّعة، و اكتشاف بعض دهاليز السياسة الاستعمارية، و غير ذلك.

التحقيق:

ذكرنا أن" تنزيه الأبصار" ظهر سنة 1878، ثم تكلفت وزارة التراث القومي و الثقافة بسلطنة عمان. بإعادة طبعه سنة 1985، و أوكلت أمر مراجعته إلى دكتور. فجاءت هذه الطبعة في مظهر قشيب، إلا أنّ التدقيق فيها و مقارنتها بالأصل كشف لنا أن المراجع لم يحترم حرمة النص و تصرف فيه كما يظهر من الملاحظات التالية:

أ- تغيير كلمة بكلمة للتّسهيل- على ما يبدو- مثل: (دقال: قلاع، قنة: قمة، أوائل: أدوات)

ب- تغيير جمل كاملة، مثل قوله:" فباشروا يبدون أصوات الصفير بأوائل البخار" التي عوضها بقوله:" فأخذوا في إطلاق أصوات الصفير" (ص 14)، و قوله" أعدموني ثمرة بأسي و حطوا مقامي عند أعدائي" التي عوضها بقوله:" إطلاق أصوات ثمرة انتصاري" (ص 29)

ج- إسقاط بعض الجمل: مثل قوله:" فكان قد أنشأها الملك غليوم الرابع بهذه الرسم" (ص 59)

د- إضافة كلمات بين قوسين بعد الكلمات الأصلية بنيّة الإيضاح: مثل قوله:

" الجرمانية (الألمانية)" ص 76، و قوله:" باراكويا (بورما)" ص 77

ه- تحريف كلمات، مثل" البارونسية" إلى" البارونة" ص 77، و" الدوقيسة" إلى" الدوقة" ص 74

و فضلا عن ذلك فإنّ المراجع لم يقم بتحقيق النص تحقيقا علميا مما حدا بنا القيام بهذه المهمة، و قد تمثّل جهدنا في الأعمال التالية:

11

1- تصحيح النصّ: تمّ ذلك بالمقابلة بين نسختي الطبعتين:

أ) الطبعة الأولى: (و هي طبعة سنة 1878) تتكوّن من 92 صفحة، كل صفحة فيها عمودان، و مقاسها 29* 22، و هي في عداد المخطوط بما أنها مفقودة في المكتبات التجارية و مراكز البحث العلمي. أما الصورة التي تمكنا من الحصول عليها فهي من نسخة ملك لوزارة التراث القومي بسلطنة عمان، و هي محفوظة ضمن المخطوطات تحت رقم 3506. و قد تحصلت عليها الوزارة بدورها من مالكها الأصلي: سيف بن عبد العزيز بن محمد سالم بن سيف الرواحي العبسي‏ (1).

و قد جعلنا هذه النسخة أصلا رمزنا اليه بالحرف (أ)

ب) الطبعة الثانية: (و هي طبعة 1985) تتكوّن من 240 صفحة، و مقاسها 5، 24* 16، مجلّدة. إلا أنّ أوراقها سريعة الانفكاك.

و قد اعتبرنا هذه النسخة فرعا، رمزنا اليه بالحرب (ب)

سعينا إلى إعداد نصّ أصلي كما أراده صاحبه دون التدخّل في تصحيح لغته الإملائية، أو تقويم تراكيبه، أو تدقيق مصطلحاته، لأن القيام بمثل هذا العمل يخلّ بالنصّ، و يناقض الأمانة العلمية. فهذا الوصف هو ابن عصره. فقد كان صابنجي يبذل جهدا كبيرا في محاولة وصف المخترعات بلغة عربية نام أهلها قرونا، فضلا عن كونها لم تتوفّر بعد على رصيد من مصطلحات الصناعة الحديثة.

2- توفير جهاز علميّ يساعد على فهم النصّ، يتمثّل في الجوانب التالية:

* التعريف بالأعلام و الأماكن تعريفا علميا دقيقا. و يجب الاعتراف- في هذا الجانب- أنّ التعريف بالأعلام- خاصة- لم يكن متيسّرا، في جميع الأحوال، لكثرتهم، و لأنّهم ليست لهم الشهرة حتى يدخلوا ضمن كتب التراجم. و واضح أنّ صابنجي قد أفرط في إيراد

____________

(1) ورد في الصفحة الأخيرة بقلم الحبر هذا التملك:" للعبد (كذا) للّه تعالى أفقر الورى لربه في يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا ما (كذا) أتى اللّه بقلب سليم عبده الضعيف سيف ... بيده"

12

أسماء من حضروا المآدب دون تمييز. و قد انتبه إلى ذلك، فاعتذر أحيانا كثيرة، كقوله:" و من جملة نساء الأعيان حضر الوليمة نحو 52 سيدة أغفلنا ذكر اسماءهن خشية الملل" (ص 80).

* شرح الغريب من الألفاظ و المصطلحات المختلفة مع ضبط أصولها في لغتها الأصلية.

* تخريج ما تيسّر من النصوص الشعرية و النثرية التي أوردها الكاتب، و يجب الاعتراف بأنّ المصادر و المراجع لم تكن متيسّرة في الظروف التي تمّ فيها التحقيق.

3- وضع كشّافات للأعلام و المصطلحات:

هذا ما أمكن القيام به في تحقيق هذا النصّ القيّم. و هو جهد المقلّ الذي يسعى، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ‏ (الصفّ 2- 3)

تونس في: 18/ جمادى 2/ 1426- 25/ 7/ 2005

د. أحمد الشتيوي‏

13

صفحة الغلاف الخارجية

14

الصفحة الأولى من طبعة صابنجي‏

15

الصفحة الأخيرة من طبعة صابنجي‏

16

صفحة الغلاف الثانية

17

جلالة سلطان زنجبار المعظم‏

لك الفخر يا من قد تفرّد بالسّخا* * * و أسّس ملكا بالسّعادة و البها

جلست على كرسي الأمان مظفّرا* * * سبحان من أعطاك ملكا قد زها

18

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الفاتحة

الحمد للّه رب العالمين. مالك يوم الدين. الذي بسط الأرض مهادا. و وضع الجبال لها أوتادا. و أرسل في حزونها الأنهار جلابا. و مدّ على سطحها من الغمر بحورا عبابا. و جعل الأسفار نزهة لذوي الأبصار. و باعثا على اكتساب المعارف و كشف خبايا الأسرار. و أوحى إلى نوح (عليه السلام) صنعة إنشاء السفن و سيّرها في البحار. و علّم بنيه مدّ سكك الحديد لدرج القطار.

و أرشدهم إلى رصد النجوم هداية لهم في الليل المدلهم. و كشف لهم خبايا المغنطيس عناية منه لما فيها من النفع المهم. و قال لعباده أن اسلكوا في الأرض بالطول و العرض. و جولوا البلاد.

و عاشروا العباد. و أفرجوا ما في قلبكم من الغمّ. بالجوب في البرّ و القلع في اليمّ. و داووا (1) من العقل الكلوم. بشرب كوثر العلوم. و في ذلك قال الإمام علي‏ (2) رضي اللّه عنه: (الطويل)

تغرّب عن الأوطان في طلب العلا* * * و سافر ففي الأسفار خمس فوائد

تفرّج همّ و اكتساب منافع‏* * * و علم و آداب و صحبة ماجد

و لا جرم أن في الأسفار فوائد جمة غير هذه: منها ما قاله موسى (عليه السلام):" لا تلوموا السفر فإني أدركت فيه ما لم يدركه أحد"، يريد أن اللّه كلّمه و هو مسافر عن الأوطان.

و قال المأمون‏ (3):" لا شي‏ء ألذّ من السفر، فإنه يشدّ الأبدان، و ينشّط الكسلان، و يشهّي الطعام"، إلى غير ذلك. و لهذا كان الناس في الأسفار مذاهب: فمنهم من سافر في طلب العلم و المعارف و اكتساب الفوائد. و منهم من أراد منها الزهد و العبادة. و منهم من قصدها في طلب‏

____________

(1) ب: داوا

(2) هو علي بن أبي طالب (23 ق. ه/ 600- 40 ه/ 661)، أبو الحسن رابع الخلفاء الراشدين، ابن عمّ الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) و صهره، نسب إليه: نهج البلاغة، و ديوان شعر. الزركلي: الأعلام 4/ 295 و فصل:

ALI: E. I. 2: I/ 183- 6( Vaglieri )

(3) هو عبد اللّه بن هارون الرشيد (170/ 786- 218/ 833) سابع الخلفاء العباسيين. الزركلي: الأعلام 4/ 142.

19

الرزق و اكتساب المعاش و حشد الأموال. و منهم من طمع منها بنوال الفخر و الأمجاد، كقول حسن بن علي الطائي‏ (1): (البسيط)

إنّ العلى حدّثتني‏ (2) و هي صادقة* * * فيما تحدّث أنّ العزّ في النّقل‏

لو أنّ في شرف المأوى بلوغ منى‏* * * لم تبرح الشمس يوما دارة الحمل‏

و منهم من عمل الرّكاب، و طاف ما أمكنه الوصول إليه من بقاع الأرض بالسياحة حتى يشاهد حال البلدان و الدّول في الحال، و يثبّته في مؤلفات جديدة يوضّح فيها ما شاهد من رحلاته، و لا يبالي بمشقات السفر و عوارض الاغتراب و البعد عن الأهل و الوطن. كل ذلك له نفاسة (3) ما هو فيه من خدمة أبناء عصره بتحقيق أخبار البلاد الشاسعة حتى يصير هذا الاغتراب عن الأهل و الأتراب ديدنا له لا يتناءى‏ (4) عنه و يقضي فيه حياته، و يقول مصعب العقلى: (الطويل)

إذا كان أصلي من تراب فكلها* * * بلادي و كل العالمين‏ (5) أقاربي‏

و لهذا قد تصدّى كثير من متبصّري المسلمين و الفرنجة (6) من أهالي أوروبا و غيرها للسياحة (7) لإفادة أبناء جنسهم عن‏ (8) أحوال الأمم التي لم تكن على نحو مألوفاتهم، و بذلك يتحققون معنى سعة أرض اللّه و كثرة جنود ربك و اختلاف ألوان الناس و ألسنتهم، و يخلّدونها في بطون الأوراق لإفادة أمم جميع الآفاق.

____________

(1) أ، ب: الحسين و هو: الحسن بن علي الطائي (412/ 1021- 498/ 1105) فقيه شاعر لغوي، من تصانيفه: المقنع في شرح كتاب ابن جنّي. كحّالة: معجم 3/ 262.

(2) أ، ب: حدّثني، و الصحيح ما أثبتنا

(3) أ، ب: بنفاسة

(4) أ: يتناء، ب: يبتعد.

(5) أ، ب: العلمين‏

(6) أ: الفرنجيين.

(7) المقصود: الاستكشاف‏

(8) أ: ساقطة، ب: من‏

20

أمّا الملوك و السلاطين ففيهم من سافر طمعا في الاكتشاف على بلاد اللّه الواسعة الفلا، الكثيرة الكلا، و النظر إلى ما فيها من الخيرات و أسباب التّمدن و الحضارة و المعارف و الصّنائع، إلى غير ذلك من بواعث الخيرات و النجاح ليزداد خبرة، و يستعين بها على نقل ما فيها من المحاسن إلى ممالكه كما فعل بطرس الأكبر (1) ملك الروسية، و غيره من الملوك و السلاطين.

فبناء على ما ذكرنا، صمّم السيد الهمام، و القرم القمقام، السلطان بن السلطان بن السلطان بن الإمام: برغش بن سعيد بن سلطان بن الإمام أحمد سعيد، على مبارحة ملكه الرّغيد، و تجشّم مشقة الأسفار، و الخروج إلى بلاد أوروبا الغنيّة بكنوز المعارف، و الصنائع، و أسباب الحضارة و العمران، ليرى ما فيها مما يستحقّ نقله إلى بلاده، و إن كان ملكه على جانب عظيم من الخصب و العمران، فإنه قد شاد فيه حصون الحضارة على أركان العدالة، و صارت رعاياه ترتع على مروج الخصب و السّلام، و تضحك عن ثغر بسّام.

غير أن السلطان برغش- أعزّ اللّه شأنه- قد جبل على طبع جليل يشتاق إلى طلب المعالي و الفلاح. و من حسن دأبه الأثيل إذا سمع بمفخرة لم يأل جهدا عن امتطاء سنامها و الفوز بنوالها. و لهذا عزم على الأسفار، و الجولان في الأمصار، و كتب يقول إلى جلالة فيكتوريا (2)" ملكة بريطانية" و" سلطانة الهند الفخيمة" أنه يريد زيارة البلاد الأوروبيّة. فهشّت، و بشّت جلالة الملكة إلى رؤياه، و أرسلت تستقدمه برسالة و دادية. فلبّاها السيد برغش بحسن القبول، و إتمام المأمول.

____________

(1) و يعرف أيضا: بطرس الأول (1672- 1725): كانت له علاقات مع الغربيين الذين شجعوه على محاربة الإسلام (تركيا) و حاكى أوروبا في تحديث بلاده. 1421/ 2:Pierre 1 er :P .R .

(2) هي فيكتوريا الأولى، ملكة بريطانيا العظمى و إرلندة من 1837 إلى 1901، و إمبراطورة الهند من 1876 إلى 1901، أدركت الدولة في عهدها الاتساع و القوة. انظر الفصلين:

Victoria: N. E. B: 21/ 943- 05, G. E: 02/ 18521

21

و لّما كنت ممّن تشرّف بصحبة جلالة السلطان في هذه الرحلة الزهية، و رأيت بمرأى العين ما حصل لجلالته من العز و الجاه في تلك البلاد السعيدة، و سرّحت نظري بما فيها من المفترجات و التحف النفيسة التي تتوق إليها العقول، و ترتاح إلى استماع أخبارها النفوس، عوّلت على جمع ذلك في كتاب برأسه سمّيته:

" تنزيه الأبصار و الأفكار، في رحلة سلطان زنجبار"

فالمأمول ممّن يقف على هذا المؤلّف الصغير المنظر، الكبير المخبر، أن يغتفر كثير صوابي في قليل خطئي‏ (1). فإن اللّه يأبى العصمة لكتاب غير كتابه. هذا، و إني قد عملت الفكرة في وضعه على طريقة سهلة المناولة، يتيسّر لكل من يسرّح نظره في رياضه أن ينزّه أفكاره بأخباره، و قد جاء مصداقا لقول الشاعر: (الكامل)

إن رمت في الدنيا نزاهة سايح‏* * * فانظر إلى هذا المصنّف دارسا

من ليس يطمع أن يراها ماشيا* * * فأنا الضّمين بأن يراها جالسا

فعليّ السّعي به، و على اللّه النّجاح.

____________

(1) أ- ب: خطائي‏

22

رسم العالم العامل و الفقيه الفاضل الدكتور جرجس باجر خليل سعادة السيد برغش سلطان زنجبار

23

منظر مدينة زنجبار

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

الباب الأول في التأهب إلى السفر

لما عزم‏ (1) جلالة السلطان على السفر بالسلامة تهيّأت له باخرة إنكليزية اسمها" كوكوناده" و اسم قبطانها" أندرسن". فاختار السلطان- أعزه اللّه- بضعة أنفار من حشمه يرافقونه في رحلته. و هم السّادات:

حمود بن أحمد

و حمد بن سليمان‏ (2)

و محمد بن أحمد

و ناصر بن سعيد

و الفاصل في الدعاوى الشرعية الشيخ محمد بن سليمان‏

و تارياتوين كبير تجار أهل الهند المقيمين في جزيرة زنجبار

و القبطان‏ (3) محمد بن خميس‏

و الكاتب زاهر بن سعيد

و عبيد بن عوض قابض المالية

و غيرهم من الخدمة مجموعهم تسعة عشر رجلا.

____________

(1) أ: عزمت.

(2) هو حمد بن سليمان البو سعيدي، هكذا عرفه المغيري، و اكتفى بذكر أنه من" رجال مشورته". انظر: جهينة ص 333، 361

(3) القبطان (جمعها قباطين) كلمة لاتينية، و تعني (منذ سنة 1723) الربان المكلف بقيادة سفينة عسكرية. و القبطان درجة عسكرية. و هي عند الإنكليز أعلى درجة في سلّم ضباط العسكرية و البحرية. انظر:

Capitain: N. E. B: 2/ 738, P. R: 942

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

الباب الثاني في السفر من زنجبار

كان سفر جلالة السلطان من زنجبار نهار السبت في اليوم الأول من ربيع الآخر سنة 1292 (8 مايو 1875). و عند ركوبه الباخرة شيّعه كبار مملكته و أرباب دولته و قناصل الدّول بأجمعها. و أطلقت له المدافع من حصون العاصمة و من بارجة الإنكليز التي كانت في المرفأ.

و في الساعة الرابعة و عشر دقائق أقلعت السفينة و سافر السلطان- أعزه اللّه- على بركات اللّه- تعالى- مصحوبا بقنصل‏ (1) جنرال‏ (2) دولة بريطانية مستر جون كيرك‏ (3) الذي أمرته جلالة الملكة أن يرافق السلطان ذهابا و إيابا. فساروا، و طابت لهم الرّيح، و صفا الجو، وراق البحر.

و ما زالوا يقلعون في راحة و سرور حتى أقبلوا على سراج فوق منارة على رأس مدخل بندر (4) عدن‏ (5).

____________

(1) قناصل (مفرده قنصل): كلمة لاتينية، لها عدة معان، و المقصود هنا (منذ سنة 1690) الموظف المكلف من حكومة بلاده بحماية مصالحها القومية و المسؤول عن القيام بالأعمال الإدارية في بلد أجنبي. 376:Consul :P .R .

(2) قنصل جنرال‏Consul general : قنصل عام: و هو موظف أعلى درجة من القنصل و أقل درجة من السفير.

(3) السّير (1812- 1922): فيزيائي اسكتلندي، عالم طبيعة و إداري بريطاني في زنجبار. كانت له علاقات مودة مع السلطانين سعيد و برغش، و كان يدافع عن أفريقيا الشرقية ضد الألمان و المصريين. فصل:

883/ 6:Kirk ,Sir John :N .E .B

(4) بندر (ج بنادر): لفظة فارسية انتقلت إلى التركية ثم إلى العربية و تعني أساسا الميناء البحري. فصل:

Bandar: E. I. 2: 1/ 3101( Huart )

(5) مدينة بها ميناء تقع في جنوب ساحل الجزيرة العربية، حكمها الإنكليز سنة 1837. الفصلان:

Aden: N. E. B: 1/ 59, Aden: E. I. 2: 1/ 081- 2( Lofgren )

28

و لمّا اتفق وصولهم إلى المدخل قبل طلوع الفجر خشي القبطان من المرور به ليلا حذرا من تصادف الأخطار. فأمسك عن ذلك لشدة حزمه حتى الصباح. و كان ذلك صباح نهار الأحد فدخل القبطان حينئذ بالباخرة بندر عدن، و قد نشر علم السلطان في أعلى دقلها (1).

و لما رست الباخرة أتى أعيان البلد و تجّارها و وكيل الباخرات الإنكليزية السيد كاواجي الفارسي الأصل و غيرهم من أكابر عدن ليسلّموا على سعادة السلطان. ثم حضر قبطان العساكر الإنكليزية إلى باخرة سعادة السلطان و سلّم عليه. ثم تصافحا، و انصرف. و كان بمرسى عدن عدة سفن أجنبية و بوارج حربية إنكليزية، و من جملتها بارجة اسمها جلاصجوه‏ (2) كان فيها أمير البحر (3)، فأمر بإطلاق 21 مدفعا إجلالا لحضرة السلطان كما يطلق لكل ملك له شأن.

و في الساعة السادسة من النهار قدم والي عدن و أمير البحر الإنكليزي و معه قباطين البوارج و كبير العساكر المقدّم ذكره لمواجهة السلطان و تبليغه التهاني بوصوله إلى بلادهم سالما غانما. فترحّب السلطان بهم، و أكرم مثواهم، و ترفّق بهم غاية الرفق كمألوف عادته. ثم انصرفوا و هم يثنون على رقة جانبه.

و في الساعة العاشرة من نهار ذلك اليوم حضر قنصل جنرال دولة جرمانيا (4) لمواجهة السلطان في الباخرة، فاقتبله السيد برغش بمزيد العز و الإكرام و أضافه.

فباتوا ليلتهم في المركب.

____________

(1) الدقل: السارية الأعلى من سواري الباخرة

(2) اسم مدينة اسكتلندية كبيرة. فصل: 29/ 5:Glasgow :N .E .B

(3) هو المسؤول على السفن البحرية. و انتقلت الكلمة إلى الفرنسية(Amiral) و إلى الإنكليزية(Admiral) منذ القرن 13 م، و هي تعني في هاتين اللغتين أعلى درجة عسكرية بحرية. فصل: 103/ 1:Admiral :N .E .B

(4) هي دولة ألمانيا التي وحّدها بسمارك سنة 1871. و كانت لها أطماع في أفريقيا الشرقية. و وجود القنصل العام يوضح الصراع بين الدّول الأوربية. فصل: 217/ 5:Germany :N .E .B

29

الباب الثالث في خروج حضرة السلطان إلى بندر عدن‏

نزل جناب السلطان يوم الاثنين من اليوم العاشر (18 مايو) من السفر إلى زيارة والي البلد و معه تسعة أنفار من حشمه، و عند بلوغه البر أطلق الجنود 21 مدفعا إجلالا و ترحابا بقدومه إلى بلادهم و علم السلطان منشورا يخفق فوق رؤوسهم. ثم سار السلطان إلى دار الوالي، و ردّ له الزيارة، فتلقّاه الوالي بمزيد العز و الإكرام. ثم خرجوا جميعا و أرباب الدولة تكتنفهم. و ذهبوا إلى مكان يسمى" طواهى". ثم ركبوا على جواري الخيل (عربيات) (1) و العساكر الخيالة تسير من أمامهم و وراءهم، و دخلوا مدينة عدن يريدون الفرجة.

و عدن مدينة من مدن البلاد العربية على شط بحر الهند، و لها مرساة أمينة للسفن.

كانت لها تجارة واسعة بين الشرق و الغرب، لكنها الآن في انحطاط. و الأراضي التي حولها جديبة يابسة. و هي بيد الإنكليز محطّا لمراكبهم الجارية بين الهند و السويس‏ (2). و قد أقاموا فيها استحكامات منيعة. و حفروا صهاريج عميقة عظيمة منقورة في الكهوف نقرا محكما تصبّ فيها مياه الأمطار المنحدرة من الجبال و تحفظ طول السنة، و منها يستقي الناس الماء القراح.

و بعد أن طاف السلطان، و من معه مدينة عدن، و رأوا منها ما كان أهلا للفرجة، رجعوا إلى الباخرة في الساعة الخامسة.

____________

(1) هكذا في أ و ب. و جواري الخيل: هي العربات يركبها الناس و تجرها الخيول‏

(2) ميناء يقع في رأس خليج السويس على البحر الأحمر في جنوبي قناة السويس التي تم حفرها سنة 1869، و هذا الميناء يتكون من فرعين‏هما: بور إبراهيم و بور توفيق. و تبعد السويس عن القاهرة 130 كلم. فصل:

353/ 11:Suez :N .E .B

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

الباب الرابع في سفر حضرة السلطان من عدن‏

كانت الدولة البريطانية أعدت لحضرة السلطان برغش في عدن باخرة أخرى من بوارج الدولة، فانتقل إليها في قارب جميل تخفق في مؤخرته الراية الزنجبارية. و كان قد رافقه كثيرون من أرباب الدولة البريطانية و أعيان البلد و تجارها يشيّعونه بالسلامة. و بعد أن قضوا فروض الوداع عادوا إلى البرّ. و أقلعت الباخرة الحاملة للسلطان، و سافرت في حراسة الرحمن. فطابت لها الريح. و صفا الجو، وراق البحر. و ما زالوا يقلعون و هم في أرغد عيش. و إذا ببارجة إنكليزية حاملة أمير البحر قادمة فعرف الأمير باخرة السلطان و أمر بإطلاق 21 مدفعا على سبيل السلام و التوديع لجلالته. ثم ساروا الليل بطوله حتى انكشف لهم نور فوق منارة قد شادتها الدولة البريطانية هداية للسفن في مرورها ليلا في مضيق مدخل باب المندب‏ (1).

و في اليوم الثاني عشر (2) (20 مايو) من السفر صادفت باخرة السلطان مركبا عظيما ذا أربعة دقال‏ (3) يخاله الناظر إليه قّنّة (4) جبل عال. و بعد غياب الشمس بثلث ساعة (5) مرّت السفينة بنور آخر على منارة مشيدة في شعب يدعى أبو الكيزان.

____________

(1) مجال بحري يفصل بين جزيرة العرب (شمالا) و أفريقيا (جنوبا) و يصل بين البحر الأحمر و خليج عدن و المحيط الهندي، طوله 32 كلم تقريبا. زاد قيمة منذ حفر قناة السويس، فصل:

365/ 7:Bab el Mandeb :N .E .B

(2) هذه الكلمة لا توجد في أوب، و إضافتها تصحح التاريخ.

(3) ب: قلاع‏

(4) ب: قمة.

(5) أ: ساعات.

32

و في ليلة الأحد مرت الباخرة بمنارة الأشرف و هي مشيدة في شاطئ برّ أفريقية (1) تجاه شاطئ برّ الشام حذاء جبل سينا بقرب بركة فرعون و هي التي غرق فيها فرعون بفرسانه و مركباته.

و في الساعة السابعة من الليلة المذكورة مرت‏ (2) السفينة بمنارة رأس غارب.

و نهار الأحد مرّت بمنارة الزعفران.

و بعد خمسة أيام‏ (3) (25 مايو) وصلت الباخرة بندر السويس، و هي بلدة واقعة شرقي مدينة القاهرة بمصر على مدخل خليج السويس عند منتهى البحر الأحمر. و قد أنشأ الفرنساويون فيها معامل لصالح خليج السويس و السهر على حفظه في أحسن حال. و أهلها من العرب و المصريين و الفرنساويين و غيرهم من الأجانب.

و بعد أن رست باخرة حضرة السلطان بنصف ساعة أتى قبطان من مراكب حضرة خديو (4) مصر و صعد إلى الباخرة و طلب علما من أعلام جلالة السلطان لينشره في مركبه، فأعطي له، و هو (5) أرسله مع واحد من أتباعه، و نشره في دقل مركب الخديو. ثم أطلق الملاحون المصريون 21 مدفعا سلاما لحضرة السلطان.

و في أثناء ذلك طلب قبطان مركب الخديو مواجهة الإمام‏ (6) برغش. فخرج السلطان إلى ظهر الباخرة و قابل القبطان بالبشاشة و الإكرام. ثم انصرف. ثم أتى بعده قبطانان آخران من‏

____________

(1) كتابة اسم القارة بالتاء يذكرنا بالاسم الذي أطلقه العرب على تونس عند ما فتحوها، فصل:Ifrikiya .E .I .2 :III /7401 (Talbi) و نلاحظ أن الاسم يجب أن يرسم بالألف (على عكس ما يفعله المشارقة)

(2) أ: مرة.

(3) أ، ب: ساعات، و الصحيح ما أثبتنا. و الأدلة على ذلك:* أن ابن سعيد لا يؤرخ بالساعة* ثم ما يقتضيه السفر من احتياط و حذر في البحر الأحمر* و أخيرا ما ذكره الرحّالة صراحة أثناء العودة (انظر: الباب 50).

(4) الخديو: مصطلح فارسي يعني: أمير، وال، لقب منحه السلطان العثماني لوالي مصر إسماعيل باشا فصل::E .I .2 Khdiw :V /4 (Vatikiotis)

(5) ب: ثمّ.

(6) ورد في وصف برغش: الإمام، السيد، السلطان، الملك، و غير ذلك.

33

قباطين المراكب الخديوية و سلّما على جلالة السلطان. ثم انصرفا (1). ثم أتى بعدهم قنصل دولة بريطانية الفخيمة و جناب السيد دي لاسبس‏ (2) ناظر شركة خليج السويس‏ (3) و سلما على سعادة السلطان. ثم انصرفا.

ثم حضر بعدهم حاكم بندر السويس المسمى حسن بك، و رحب بقدوم السلطان. ثم انصرف و هو يثني على ما ناله من الإكرام من سعادة السيد برغش الذي كان يبش بوجه جميع الذين تشرّفوا بمواجهته حتى سمعت قوما يقولون:" بارك اللّه في سلطان متصف بهذه السّجايا و الخصال الحميدة. فكأنه ملاك و ليس ببشر (4)".

____________

(1) أ: انصرفوا.

(2) فردينان (1805- 1894) دبلوماسي فرنسي اقترن اسمه بحفر قناة السويس (1859- 1869)، و هو رجل سياسة كثير النشاط. فصل: 8- 297/ 7:Lesseps (Ferdinand) :N .E .B

(3) هي: الشركة العالمية لقناة البحر بالسويس‏

( Compagnie Universelle du Canal MARITIME DE Suez )

انظر: فصل:Lesseps

(4) فكأنه ملاك. ساقطة في ب‏

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

الباب الخامس في السفر من السويس‏

في الساعة العاشرة من نهار يوم الأحد سافرت باخرة سعادة السلطان من مرسى السويس حتى إذا مرت ببارجة سعادة الخديو أمر قبطانها بإطلاق 21 مدفعا إكراما لحضرة السلطان. و كان ملاحو البارجة قد صعدوا إلى الدقال‏ (1) و رؤوس السواري و هم يبدون أصوات الابتهاج و التسليم على سعادة السيد برغش. و كان السلطان قائما في صدر باخرته يرد السلام عليهم بلطفه و انسه المعهودين‏ (2). و في أثناء ذلك أخذت باخرة السلطان بالدخول إلى خليج السويس، و فيما كانت السفينة مارة بالخليج صادفت سفينة أخرى كانت مقبلة من بورت سعيد.

و لما كان الخليج ضيّقا لا يسمح لمرور باخرتين بجانب بعضهما اقتضى‏ (3) لإحدى السفينتين أن تلتجئ إلى المرفأ و ترسو في محطات معينة لها حتى تسمح للسفينة الأخرى أن تمر في منتصف الخليج.

و قد رتّب المحافظون على الخليج قوانين و قواعد لمرور المراكب: فقد عيّنوا مراسي تقف فيها المراكب الواردة من جهة بورت‏ (4) سعيد و مراسي تقف فيها المراكب الواردة من جهة السويس. فلما أقبلت السفينة من جهة بورت سعيد كانت باخرة سعادة السلطان قد وصلت إلى المرسى المعيّن لتوقيف المراكب الواردة من السويس، فمال بها القبطان إلى المرسى و ربطها

____________

(1) ب: بالسطح‏

(2) ب: المعتادين‏

(3) ب: وجب على‏

(4) نطق انكليزي لكلمة:Port (التي تعني الميناء).

36

الملاحون إلى الشاطئ حتى مرّت الباخرة الآتية من بورت سعيد، و لبثت باخرة سعادة السلطان في ذلك المرسى نحو ساعة زمانية. (1)

ثم حلّوا حبال الباخرة، و أطلقوا سبيلها، و سارت حتى غروب الشمس. و لضيق الخليج لا يسمح للمراكب أن تسافر فيه ليلا. و لا يسمح أيضا للبواخر أن تسافر في الخليج نهارا أكثر من خمسة أميال في الساعة.

و لمّا كانت باخرة السلطان راسية في محطة مبيتها مرّ بها نهار الاثنين صباحا مركب كبير ذو أربعة دقال. و مركب آخر ذو دقل واحد قد أعدّته شركة الخليج لإنقاذ المراكب إذا جرى لها عارض في مرورها بالخليج.

و في الساعة الأولى من نهار الاثنين أقلعت باخرة السلطان أنجرها (2) و سافرت. ثم وصلت إلى المرسى الخامس حيث يأخذ الخليج بالانفراج و التنفس عن ضيقه الأول.

صورة بندر قناة السويس‏

____________

(1) زمانية: ساقطة في ب.

(2) أنجرها: ساقطة في ب. و الأنجر هي المرساة.

37

خريطة خليج السويس‏

و كان في هذا المرسى آلة يسمونها كرّاكة (1) تحفر قرار الخليج و تحمل رماله و تقذفها بقوة البخار (2) إلى سفن أخرى صغيرة تدنو منها و تحمل ذلك الطين إلى الساحل. و هكذا تنقّي باطن الخليج. و لا يسمح المحافظون على الخليج لأحد أن يرمي في مياهه أقذارا من المراكب و لا رمادا و لا فحما و لا غيره.

و بعد برهة و جيزة دخلت باخرة السلطان بحيرة التمساح و هي بحيرة مستديرة في منتصف الخليج كما ترى رسم ذلك في خريطة الخليج و على ساحل هذه البحيرة قد اختط المهندسون مدينة جديدة سمّوها" الإسماعيلية" (3) تيمنا باسم إسماعيل باشا خديو مصر. و في‏ (4) البحيرة كراكات كثيرة كالتي سبقنا إلى ذكرها لأجل تنقية (5) قعر الخليج من الرمال التي تقذفها إلى باطنه الرياح و يأتي بها التيار من البحر المتوسط. ثم أخذت باخرة السلطان تمر بالمرسى السادس و هو على ساحل جزيرة صغيرة في البحيرة المذكورة.

____________

(1) هي في الأصل سفينة عالية ذات حمولة كبيرة، و هي هنا سفينة لتنقية المياه العميقة في قناة السويس.

(2) البخار تحول إلى طاقة صناعية عند ما صار يدير الآلات بالضغط عوض العضلات و ما كان يتحقق ذلك لو لا استعمال الفحم الحجري استعمالا صناعيا و مكثفا و قد تم ذلك في أوائل القرن 19. فصل: 4348/ 7:Energie G .E

(3) نسبة إلى الخديو إسماعيل، و تأسست سنة 1863 شمال غربي بحيرة التمساح التي تم ربطها بخليج السويس 415/ 6:Ismailiyah :N .E .B و البحر الأحمر. فصل:

(4) هذه: ساقطة في ب‏

(5) ب: كالتي سبق أن ذكرناها و ذكرنا أنها اعدت لتنقية ...

38

و في أثناء ذلك رأى سعادة السلطان دخانا قد ارتفع من البرّ. ثم سار بسرعة البرق. و كان ذلك دخان فابور (1)" سكة الحديد المصرية" (2). و كانت هذه أول مرة شاهد فيها جناب السيد برغش و حشمه فابور سكة الحديد. ثم قبل وصول الباخرة إلى المرسى السابع مرت بمنارة في شكل عامود من حديد ارتفاعها أربعون قدما (فوتا) (3). و لما بلغت الباخرة إلى المرسى السابع أخذ الخليج يضيق رويدا رويدا حتى صار كما كان قبل بحيرة التمساح.

و من المرسى السابع إلى البرّ قنطرة من حديد (جسر) يمرّ فوقها الناس من المرسى إلى البرّ. و هناك أيضا ماء حلو من ترعة النيل و أوائل‏ (4) بخارية لتطهير الماء من أقذاره و إرساله في أقنية إلى مدينة الإسماعيلية التي مر بنا ذكرها.

و ما زالت الباخرة تمرّ من مرسى إلى مرسى حتى وصلت إلى مرسى بهيج المنظر انقطع فيه منظر الرمال القاحلة، و ظهرت‏ (5) آثار الخضار و الأشجار و تدفق المياه بين الرياض و الأزهار و بقرب هذه البقعة من الأرض الطريق المؤدية إلى بيت المقدس (أوروشليم). و بجانب هذه المحطة بركة الملاحة التي ذكرها السيد حمود (6) بن أحمد في كتابه [و] أنّ ضمانها يبلغ ثلاثمائة ألف ريال في السنة.

____________

(1) نطق عربي للكلمة الفرنسية(Vapeur) و هي اختزال للكلمة:Locomotive a vapeur : و هو القطار الذي يسير بالبخار، ثم وقع التوسع في معنى هذه الكلمة فصارت تعني الباخرة و هي تسير بالبخار أيضا، كما تعني المحرّك عموما. فصل 3135/ 5:Vapeur :G .E و نلاحظ أن فابور أو وابور تنطق في شمال إفريقيا: بابور.

(2) أول خط سكة حديد يربط القاهرة بالإسكندرية، تم إنشاؤه سنة 1857 و هناك خط القاهرة- بور سعيد و خط القاهرة- السويس. فصل: 4171/ 7:Egypte :G .E

(3) هكذا في أوب: و القدم: مقياس طول إنكليزي يساوي: 48، 30 سم. فصل: 539.Foot :O .R .E :p

(4) ب: أدوات، و الأوائل جمع من استعمال الكاتب، مفرده آلة و هي تعني المحرك.

(5) أ: ظهر

(6) أ: حموده‏

39

و ما زالت الباخرة تسير حتى قطعت كل مراسي الخليج و هي 12 مرسى. و وصلت إلى بورت سعيد (1) بعد غياب الشمس بساعة. و طول الخليج من السويس إلى بورت سعيد 85 ميلا و أعداد الأميال مرقومة على ألواح موضوعة على جسور خشبية تدل المار بها على عدد الأميال التي قطعها في سيره. و قطعت الباخرة الحاملة جلالة السلطان هذه المسافة في مدة 12 ساعة و نصف ثم ألقت أنجرها (2) في مرسى بورت سعيد، و باتت هنالك.

و في الساعة الثانية من صباح اليوم الثامن عشر (26 مايو) من سفر سعادة السلطان أتى إبراهيم بك‏ (3) والي مدينة بورت سعيد و معه حسن بك قبطان بارجة الخديو (منور) (4). ثم جناب محمد قبطان وكيل سعادة الخديو (5)، و غيرهم من أعيان البلدة، و صعدوا إلى المركب، و سلموا على جلالة السلطان و بلّغوه التهاني بوصوله بالسلامة. فتلقّاهم بالترحيب و البشاشة كمألوف عادته الغراء. ثم انصرفوا إلى حال سبيلهم.

____________

(1) مدينة لها ميناء، تقع على المتوسط عند اتصاله بقناة السويس، أسستها شركة قناة السويس سنة 1859. فصل:

1452/ 2:Port Said :P .R

(2) ب: توقفت‏

(3) أ: بيك و هكذا يكتبها دائما، و بك أوباي: لفظة تركية لها دلالات مختلفة تتفق في معنى السيادة. فصل:

1159/Bey :E .I .2 :I

(4) نوع من أنواع السفن.

(5) أ، ب: السلطان‏

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

الباب السادس‏ (1) في السفر من بورت سعيد إلى ليسبون‏

في الساعة الثامنة و نصف من صباح ذلك النهار رفعت باخرة السلطان أنجرها من مرسى بورت سعيد. و سافرت في كنف الرحمن حتى إذا عادلت بارجة من بوارج حضرة الخديو (منور) أمر قبطانها بإطلاق 21 مدفعا لجلالة السيد برغش. ثم نشر أعلاما كثيرة في دقال‏ (2) البارجة، و أمر جنوده البحريين بالاصطفاف على سطح البارجة، و هم حاملو السلاح. ثم رفعوا أصواتهم بالدعاء و السلام لحضرة السلطان. و كان قوم من الجنود البحريين يعزفون بآلات موسيقة. فقام جناب السيد و من معه، و أقبلوا نحو بارجة الخديو، وردوا السلام على قبطانها و على من فيها من الضباط. و ما زال الفريقان يشيران إلى بعضهما بالتحية و السلام حتى افترقا. و سافرت باخرة سعادة السيد على بركة اللّه تعالى.

و لما كان اليوم 22 (30 مايو) من أيام السفر عادلت‏ (3) باخرة سعادته جزيرة مالطة (4) و لكنها لم تعرج على مرساها.

و في اليوم الرابع و العشرين (2 يونيو) عادلت‏ (5) جزيرة مسينا من بلاد الإيتليان‏ (6) و كذلك لم تعرج عليها. و كان الجوّ مدّة هذا السفر بطوله صاحيا و البحر هادئا غير أنّه في ليلة

____________

(1) أ: الخامس (و قد تكرر مرتين)

(2) ب: أرجاء

(3) ب- واجهت‏

(4) أرخبيل صغير في البحر الأبيض المتوسط يتكون من 3 جزر غير آهله، غربي جزيرة صقلية (مساحتها 320 كلم 2) و لها موقع استراتيجي. فصل: 5- 744/ 7:Malta :N .E .B

(5) ب: وصلت إلى‏

(6) نطق حرفي للكلمة الأجنبيةItalian ، و هي تعني الإيطاليين.

42

اليوم الخامس و العشرين احتبكت‏ (1) الغيوم في الجو، و أظلمت الدنيا، و لاح و ميض البرق من المغرب، و تراكم السحاب، و عصفت الرياح، و هطلت الأمطار، و تعالت الأمواج من ذلك البحر العجاج، و غدقت‏ (2) على سطح السفينة، و طفحت عليها. و دام الحال على هذا المنوال إلى اليوم السادس و العشرين.

ثم احتبك‏ (3) الضباب بالأكثر (4)، و أظلم الجو في قلب النهار حتى عجز البحارة عن رصد ما يمر بهم من السفن، فخشوا (5) من أن تمرّ بهم سفينة تصدم باخرة السلطان، و هم لا يرونها من شدة الضباب و الظلام، فباشروا يبدون أصوات الصّفير أوائل (أنجين) (6) البخار لينبهوا من كان وراءهم و من كان أمامهم سائرا (7) في تلك البحار حتى يحترسوا على‏ (8) أنفسهم من مصادمة سفنهم.

و لما كان مساء ذلك النهار انكشف ذلك الضباب و انجلى الظلام عن وجه البحار بأمر اللّه تعالى صاحب العزة و الاقتدار.

و في الليلة السابعة و العشرين (5 يونيو)، مرّت باخرة السلطان بمضيق جبل طارق‏ (9).

و جبل طارق حصن منيع على مدخل البحر المتوسط تدخل السفن من مضيقه إلى بحر الأوقيانوس الاتلنتيك‏ (10).

____________

(1) ب: اشتدت‏

(2) ب: اندفعت إلى‏

(3) ب: اشتد

(4) بالأكثر: ساقطة في ب‏

(5) أ، ب: خشيوا

(6) ب: و الظلام فأخذوا في إطلاق أصوات ... (و أنجين هي تعريب للكلمةEngin )

(7) ب: يعج‏

(8) ب: يجنبوا

(9) هو جبل في أقصى جنوبي إسبانيا و منه دخل طارق بن زياد هذه البلاد و فتحها، و هو الآن تابع لبريطانيا. فصل:

253/ 5:Gibraltar :N .E .B

(10) نطق حرفي للكلمة الأجنبية:Ocean Atlantic و تعني المحيط الأطلسي/ الأطلنطي.

43

و هذا الجبل صخر عظيم يبلغ ارتفاعه 1439 قدما (فوتا) و فيه مغارات‏ (1) واسعة منقورة في الصخر الأصم و محصنة بالمدافع و غيرها من الأسلحة (2) فهي‏ (3) حصون طبيعية قد زادتها استحكاما القوى العقلية و دراية الإنكليز في الفنون الحربية. و لم يزل هذا الجبل إلى الآن في يد الدولة البريطانية منذ أخذته من مملكة أسبانيا سنة 1709. و قد أفرغت‏ (4) مملكتا (5) أسبانية و فرنسة (6) جهدهما في أخذ هذا الحصن المنيع من يد الإنكليز فلم تستطيعا (7) أخذه. و سميّ هذا الجبل باسم" جبل الطارق" (8) نسبة إلى القائد العربي طارق بن زياد (9) الذي دخل بلاد أسبانيا من جهة هذا الجبل و فتحها في الجيل الثامن في خلافة الوليد بن عبد الملك بن مروان‏ (10) و هو سادس الخلفاء الأمويين.

و في اليوم السابع و العشرين قرب الغروب عادلت‏ (11) باخرة السلطان محطة السلك البرقي على ساحل بلاد أسبانيا، فطلب المتوظفون في إدارة السلك من قبطان باخرة السلطان أن يخبرهم بمن كان في باخرته. و كان خطابهم مع القبطان برفع رايات مختلفة الألوان و النّقوش.

____________

(1) أ: مغاير

(2) أ: غير أصلحة

(3) ب: كما أنها

(4) ب: حاولت‏

(5) أ: مملكتي ...

(6) ب: اسبانيا و فرنسا

(7) أ: يستطيعو على‏

(8) نطق حرفي للكلمةGibraltar

(9) قائد بربري (50/ 670- 102/ 720) أسلم على يدي موسى بن نصير شارك في فتح الأندلس. الزركلي: الأعلام 3/ 217 و فصل: 3- 242/TariK b .Ziyad :E .I .2 :X

(10) الوليد (48/ 668- 98/ 715) ولي الحكم سنة 86/ 705. وجّه قواده للفتوحات، و في عهده تمّ فتح اسبانيا الزركلي:

الأعلام 8/ 121. و فصل: 111/Al -Walid :E .I :VIII

(11) ب: واجهت‏

44

و كل راية ذات نقش تدل على كلام‏ (1): فمتى طلب القبطان شيئا نشر على رأس الدقل‏ (2) الرّاية التي تدلّ على مطلوبه فيفهمها الناظر إليها من بعيد و يرفع له الراية التي تدل على جواب مطلوبه.

و هذا علم جزيل الفائدة للقباطين يتمكنون به من مساعدة بعضهم في حدوث الأخطار. فإذا عرض لمركب حادث مهلك أو كان مشرفا على الغرق أو محتاجا إلى مؤونة و رأى قبطانه مركبا آخر مارّا على مسافة بعيدة عنه لا يصل صوته إلى مسامع قبطانه ليستغيثه بالكلام أخذ بطلب إغاثته بواسطة إشارات الرايات، و حصل منه على الفرج.

فبهذه الطريقة أفهم قبطان باخرة السلطان المتوظفين في إدارة التلغراف‏ (3) أنه حامل في مركبه جلالة السيد برغش سلطان زنجبار، و أنه يريد الذهاب إلى مدينة ليسبون‏ (4) و يكون وصوله إليها في وقت كذا إن شاء اللّه تعالى. ففهم المتوظفون في إدارة التلغراف كلامه، و أرسلوا ذلك الخبر بسلك الإشارة إلى مدينة ليسبون.

و بلغ ملك البورتكال‏ (5) خبر وصول سعادة السلطان برغش إلى ليسبون في أقرب وقت، و أمر باستحضار قصر جميل لسكنى سعادته عند وصوله بالسلامة.

و في اليوم الثامن و العشرين و كان نهار الجمعة وصلت الباخرة إلى ميناء مدينة ليسبون.

____________

(1) هو التلغراف‏

(2) ب: الراية

(3) هو نقل الكتابة على مسافات بعيدة بواسطة آلة بصرية أو كهربائية. أول محاولات هذا الاختراع تمت سنة 1792 لكن مورس الأمريكي (1791- 1872) هو الذي طوّره، فصل: 7- 11735/ 19:Telegraphie :G .E

(4) نطق حرفي للفظة الفرنسيةLisbonne و هي لشبونة عاصمة البرتغال، تقع على المحيط الأطلسي (و بالرتغالية و الإنكليزية:Lisboa )- فصل: 392/ 7:Lisboa :N .E .B

(5) نطق حرفي للفظةPortugal أي: البرتغال‏

45

و بعد أن ألقت أنجرها أتى طبيب الصّحة بأمر (1) الحكومة، و سأل القبطان عن صحة أهل الباخرة، فأجاب القبطان أن سعادة السيد برغش و من معه في غاية الصحة و العافية. ثم أخرج قرطاس الشهادة و عرضه على طبيب الصحة فتيقن الطبيب أن باخرة سعادته قد سافرت من بلاد ليس فيها و باء معد، و أن جميع من كان فيها سالمون. فكتب ذلك في كتابه. و انصرف إلى حال سبيله‏ (2).

صورة مدينة ليسبون‏

____________

(1) أ: عن أمر

(2) عملية مراقبة صحة المسافرين إلى أوروبا كانت تدخل ضمن نظام الحجز الذي يدوم أربعين يوما للتأكد من سلامة المسافر من الأمراض المعدية و لا سيما الملاريا. و هي تسمى بالكرنتية (الأربعينية) فصل:

1375:Quarantaine :P .R

46

ثم أتى بعده نفران من حرّاس المدينة و سألوا القبطان عمّا عنده من البارود. فقال:

" عندنا شي‏ء يكفينا لإطلاق مدفعين فقط" قالوا: لا تسمح شريعة المملكة أن يدخل مركب إلى مرسى بلادها و هو حامل شيئا من البارود، و نحن نحفظه عندنا إلى وقت رحيلكم قال القبطان:

" حبّا و كرامة". ثمّ أمر البحارة أن يسلّموا حراس البلد ما فضل عندهم من البارود، ففعلوا.

و بعد ذلك دخلت الباخرة إلى قلب المرسى. و كان فيه عدة مراكب منها ستة لدولة الإنكليز. و لما عادلت‏ (1) باخرة السلطان في مرورها بارجة من بوارج الإنكليز أطلقت تلك البارجة 21 مدفعا لسلام حضرة السلطان. فكان البادئ بإطلاق المدافع مركب كبير (2) ذو خمسة دقال‏ (3) و كان حاملا (4) أمير البحر الإنكليزى. ثم تبعه باقي المراكب الإنكليزية، و رفعوا علم السلطان على دقال‏ (5) مراكبهم إكراما له. و كذلك لما مرت باخرة سعادته بجانب بارجة الدولة البورتيكيزية (6) (منور) أمر قبطانها البورتكيزي بإطلاق 21 مدفعا لجلالة السلطان و نشر علمه على دقل‏ (7) بارجته الحربية.

ثم ألقت الباخرة أنجرها (8). و بعد ذلك أطلقت البارجة الأميريكانية 21 مدفعا لسلام السلطان. ثم تبعتها بارجة دولة أوستريا (9) (منور) و أطلقت كذلك 21 مدفعا.

و في الساعة الرابعة من نهار ذلك اليوم قدم إلى باخرة السلطان أمير البحر البورتكيزي و وزيره و معاونه و سلّموا على سعادة السيد و هنأوه بوصوله بالسلامة. فرحّب بهم جناب‏

____________

(1) ب: قاربت‏

(2) أ: مركبا كبيرا ذا

(3) ب: ذو خمسة دقال: ساقط

(4) ب: يحمل‏

(5) ب: سارية

(6) نطق حرفي للكلمة:Portugaise إي: برتغالية.

(7) ب: سارية

(8) ب: مراسيها

(9) نطق حرفي للفظة:Austria أي: النمسا.

47

السيد و قابلهم باللطف و البشاشة. ثم قالوا:" قد أرسلنا إليك مولانا ملك البورتكيز بالنيابة عن جلالته لنطلب إلى سعادتك أن تشرّف بلاده بنزولك إلى البرّ، و قد أعد لجلالتك قصرا من قصوره لكي تكون سعادتك في ضيافته مدة إقامتك في عاصمة ملكه. و ها نحن مأمورون أن نتمثل بأمر سعادتك". فرحّب بهم السيد برغش، و قال:" بارك اللّه فيكم و في جلالة ملككم.

إنّنا لننزل إن شاء اللّه تعالى في الساعة التاسعة، و نتشرّف بمصافحة جلالة ملككم المعظم".

و فيما كان السلطان يخاطب أولئك السفراء و إذا بأمير البحر الإنكليزي الأول و معه الأمير الثاني و بقية قباطين الإنكليز قد أقبلوا ليسلّموا على سعادته، فتلقاهم جناب السيد بالسرور و الترحاب. و بعد أن قضوا واجبات السلام انصرفوا إلى حال سبيلهم.

ثم عاد السلطان إلى سفراء ملك البورتكيز و أعاد عليهم كلامه الأول. ثم ترخصوا من سعادته بالانصراف، فودّعهم، و انصرفوا إلى ملكهم و هم حاملون إليه بشارة قدوم السلطان برغش إلى تخت ملكه.

و في الساعة التاسعة من نهار ذلك اليوم وصل وزير ملك البورتكيز في فلك (ماشوه) (1) يديرها اثنا عشر نوتيا و هي مزينة بالأثاث و الأقمشة. و كانت في معيته فلك أخرى يديرها أربعة و عشرون نوتيا و كانت كذلك مزيّنة بالأرناج و السنيري‏ (2). فنزل جناب السيد برغش في أفخر الماشوّات رتبة مع خمسة أنفار من وزرائه، و نزل باقي حشمه في الفلك الثاني، و ساروا إلى البرّ حتى إذا خرجوا إلى المدينة و جدوا جواري الخيل (عربيات) متأهبة على السّاحل لتحملهم.

و كانت عساكر البورتكيز قائمين صفوفا صفوفا، و هم رافعون السّلاح في سلام جلالة السلطان. فركب السيد برغش و وزير البورتكال في عربية (3) تجرها أربعة رؤوس من الخيل،

____________

(1) ماشو: نوع من السفن طولها 25 قدما، مستطيلة. وزارة الإعلام (سلطنة عمان): عمان و تاريخها البحري ط 1979، ص 153

(2) ب: بالأرناج و السنيري: ساقط، و تم تعويضها ب: كزميلتها

(3) ب: عربة

48

و ركب السيد حمود بن أحمد و السيد حمد بن سليمان و مسترجون كيرك قنصل جنرال دولة الإنكليز في عربية ثانية تجرها كذلك أربعة رؤوس من الخيل، و ركب باقي حشم السلطان في جواري‏ (1) يجرها رأسان من الخيل، فسارت جواري الحشم أولا. ثم تبعها بالترتيب الجاري‏ (2) الذي كان حاملا للسّيدين محمد بن أحمد و ناصر بن سعيد. ثم أردفه الجاري الحامل‏ (3) للسيّد حمود بن أحمد و حمد بن سليمان و جناب الدكتور كيرك قنصل جنرال الدولة البريطانية. ثم تبعهم فرسان البورتكيز. ثم سارت في أثرهم المركبة الحاملة لسعادة السلطان برغش و وزير ملك البورتكال حتى وصلوا إلى دار الملك و هو قصر عالي البنيان راسخ الأركان. و كانت الجنود مصطفة أمام القصر و هي رافعة السّلاح.

فلمّا (4) وصل السلطان عزف الجنود بآلات الموسيقة و رحبوا بقدومه، و خرج ملك البورتكال و معه جلالة الملكة، و هي لابسة أفخر الحلل، و عليها من الزينة و الجواهر ما يبهر النواظر، فتلقت جلالة السلطان بالحشمة و الترحاب.

و بعد أن انقضت واجبات السلام و الرّسميات صافح السلطان ملك البورتكال و قرينته.

ثم ركب في مركبته و سارت الجنود به و بحشمه إلى القصر المهيأ لهم.

و بعد أن حلّ ركابهم في المنزل العظيم وصل جلالة ملك البورتكال و معه ثلاثة من الوزراء الكبار فصعدوا القصر، و دخل الملك إليه و قال له:" قد أعددت هذا المنزل لجلالتك لتقيم فيه أنت و الحشم ما دمتم مشرّفين عاصمة ملكي. و قد أتيت أريد زيارتك و تبليغك التهاني بوصولك سالما غانما إلى بلادي. و هذه عاصمة ملكي تحت أمرك، و وزرائي في خدمتك، و قد أوصيتهم أن يطوفوا بك المدينة و يفرجوك على ما فيها من التحف و النوادر".

____________

(1) ب: جوار (عربات)

(2) ب: العربة

(3) ب: ثم من بعدها العربة الحاملة.

(4) ب: و لما

49

فشكره السلطان على مآثره و جزيل فضله، و اعتذر إليه من [عدم‏] (1) إطالة الإقامة في بلاده، و قال إنه مصمّم على السفر في تلك الليلة نفسها.

أما مدينة ليسبون عاصمة مملكة البورتكال فهي مبنية على جانبي نهر تاغوس‏ (2) بالقرب من مصبّه. و فيها أبنية فاخرة جميلة و قصورها أجمل قصور أوروبا. و شوارعها متساوية، و جميع طرقها واسعة مرصوفة بحجارة، و قد جعلوا في وسطها طريقا عريضة تمرّ فيها المركبات و الخيل. و على طرفيها طريق لا يمرّ فيها إلا الناس المشاة فقط. و بيوت المدينة مبنية على طبقات عديدة من خمس إلى ستّ طبقات، تحفّ بها بساتين و جنائن تتخللها سواقي المياه الصافية.

و بعض جدران المنازل منقّشة (3) بالفخّار الصيني، و أنواع الأرناج‏ (4) المختلفة و فيها 140 كنيسة (5) و 75 ديرا للرّهبان و الرّاهبات، و لها مكتبة فيها 80000 مجلّد و سكانها نحو 260000 نفس‏ (6).

____________

(1) اضافة يقتضيها السياق‏

(2) نطق حرفي لكلمةTagus ، أي نهر التاج، أهم أنهار شبه الجزيرة الايبيرية. فصل: 1732Tage :P .R :p

(3) ب: منقوشة

(4) ب: الزجاج‏

(5) 140: ساقط في ب‏

(6) ب: نسمة

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

الباب السابع في سفر السلطان من ليسبون إلى لندن‏

لما عزم السيد برغش على السفر من ليسبون أتى الرجلان اللذان استلما البارود من الباخرة عند وصولها إلى الميناء و سلّماه لرجال باخرة السلطان، و في أثناء ذلك أمر السيد برغش أمين صندوقه بأن ينعم عليهما بصلة في نظير أتعابهما، فقبلاها بمزيد الشكران، و أثنيا على مكارم السلطان و انصرفا.

ثم أمر القبطان برفع أنجر (1) الباخرة نهار السبت 29 الشهر (7 يونيو)، فسارت بكنف الرحمن. و ما زالت سائرة حتى غرّة هلال" جمادى الأولى".

و في اليوم الثالث منه وصلت الباخرة إلى جزيرة بريطانية. ثم سارت من هناك و وصلت إلى ميناء بورتسموت‏ (2) نهار الأربعاء. و حال وصولها أطلقت بارجة حربية إنكليزية كانت في الميناء 21 مدفعا إجلالا لسعادة السلطان، و نشروا بيرقه في دقال‏ (3) البارجة إلى نهاية إطلاق المدافع.

ثم سارت باخرة السيد من هناك تريد مدينة لندن. و كانت في سيرها تمرّ بسفن و بواخر لا تحصى منها قادمة من لندن تريد الذهاب إلى أقطار العالم، و منها قادمة من أقطار الدنيا تريد الذهاب إلى لندن. و ما زالت سفينة السيد تسير سيرا هنيئا حتى وصلت إلى ميناء اسمها

____________

(1) ب: مراسي‏

(2) ميناء حربي يتكون من عدة منشآت. فصل: 631/ 9:Portsmouth :N .E .B

(3) ب: ساري‏

52

كريفزند (1) و هي عند مصبّ نهر التيمس‏ (2)، فرست الباخرة فيها، و كانت الباخرة الكبيرة لا تصلح للصعود بنهر التيمس لصغره.

و كانت الدولة البريطانية قد جهّزت باخرة صغيرة اسمها (ريفركوين) (3)، و أرسلت فيها عدّة (4) رجال من أصحاب المناصب ليلاقوا سعادة السلطان، و يبلغوه تهاني جلالة الملكة فيكتوريا بوصوله سالما غانما إلى بلادها. و كان من جملة هؤلاء الرجال القس جرجس باجر الفقيه‏ (5)، و كانت قد اختارته جلالة الملكة ترجمانا لسعادة السلطان لما كان بينه و بين سعادة السيد برغش من المودّة القديمة.

و كانت تلك الباخرة مزيّنة كلها برايات مختلفة الألوان تخفق في دقالها (6). و كانت راية الإنكليز منشورة في مؤخر الباخرة، و راية السلطان الحمراء منشورة في دقل الباخرة الأوسط (7).

فلمّا دنت الباخرة الصغيرة من الباخرة الكبيرة صعد رجال الملكة إلى باخرة السلطان، و حيّوه بالسلام، و رحّبوا (8) بقدومه. فتلقّاهم السلطان بالعزّ و الترحاب، و شكر لهم و لجلالة الملكة كرمها و عنايتها به غاية العناية.

ثم طلب إليه رجال الدولة أن ينتقل إلى الباخرة التي أعدتها له الدولة، فأجاب طلبهم بلطف و شكران. ثم نشروا رايته في دقال‏ (9) الباخرة حذاء راية الدولة البريطانية، و أخذوا يسيرون‏

____________

(1) نطق حرفي للكلمة:Gravesend : و هي بلدة في مدخل نهر التيمس. فصل: 425/ 5:Gravesend :N .E .B

(2) هو أكبر أنهار إنكلترا يصب في بحر الشمال، طوله 338 كلم. و عليه تقع لندن. فصل:

671/ 2:Thames River :N .E .B

(3) نطق حرفي للكلمةRiver Queen (ملكة النهر).

(4) أ: عمدة

(5) وصفه ابن سعيد أيضا بالقس و الفقيه و خليل السلطان، انظر صورته.

(6) ب: جوانبها

(7) ب في وسط الباخرة

(8) أ: ترحبوا

(9) ب: ساري‏