الشافي في شرح الكافي - ج2

- خليل بن غازي‏ القزويني المزيد...
582 /
5

الجزء الثاني‏

[كتاب التوحيد]

[تصدير]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للَّه‏ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمّدٍ وآله المعصومين.

أمّا بعد؛

فيقول الفقير إلى الغنيّ المغني، خليل بن الغازي القزويني، عُفِيَ عنه وعن والديه وإخوانه المؤمنين: قد شرعتُ في شرح كتاب التوحيد من جملة الشرح المسمّى ب «الشافي» بتوفيق اللَّه تعالى في حرم اللَّه تعالى في جوار الكعبة البيت الحرام- زاده اللَّه تعالى تعظيماً- في سنة سبع وخمسين وألف هجريّة حامداً مصلّياً مسلِّماً.

كِتَابُ التَّوْحِيدِ

هذا الكتاب الثاني من كتب الكافي لثقة الإسلام أبي جعفر محمّد بن يعقوب بن إسحاق الرازي الكليني (رحمه اللَّه تعالى)، وهي ثلاثة وثلاثون كتاباً، أو أربعة وثلاثون إن عدّ كتاب الروضة جزءاً من الكافي، وهو مشتمل على خمسة وثلاثين باباً:

الأوّل: باب حدوث العالم وإثبات المحدث.

الثاني: باب إطلاق القول بأنّه تعالى شي‏ء.

الثالث: باب أنّه تعالى لا يُعرف إلّابه.

الرابع: باب أدنى المعرفة.

الخامس: باب المعبود.

السادس: باب الكون والمكان.

6

السابع: باب النسبة.

الثامن: باب النهي عن الكلام في الكيفيّة.

التاسع: باب في إبطال الرؤية.

العاشر: باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه جلّ وتعالى.

الحادي عشر: باب النهي عن الجسم والصورة.

الثاني عشر: باب صفات الذات.

الثالث عشر: باب آخَرُ وهو (1) من الباب الأوّل.

الرابع عشر: باب الإرادة أنّها من صفات الفعل وسائر صفات الفعل.

الخامس عشر: باب حدوث الأسماء.

السادس عشر: باب معاني الأسماء واشتقاقها.

السابع عشر: باب آخَرُ وهو من الباب الأوّل، إلّاأنّ فيه زيادةً، وهو الفرق ما بين المعاني التي تحت أسماء اللَّه تعالى وأسماء المخلوقين.

الثامن عشر: باب تأويل الصمد.

التاسع عشر: باب الحركة والانتقال.

العشرون: باب العرش والكرسيّ.

الحادي والعشرون: باب الروح.

الثاني والعشرون: باب جوامع التوحيد.

الثالث والعشرون: باب النوادر.

الرابع والعشرون: باب البداء.

الخامس والعشرون: باب في أنّه لا يكون شي‏ء في الأرض ولا في السماء إلّا بسبعة.

السادس والعشرون: باب المشيئة والإرادة.

____________

(1). في «ج»:-/ «هو».

7

السابع والعشرون: باب الابتلاء والاختبار.

الثامن والعشرون: باب السعادة والشقاء.

التاسع والعشرون: باب الخير والشرّ.

الثلاثون: باب الجبر والقدر، والأمر بين الأمرين.

الحادي والثلاثون: باب الاستطاعة.

الثاني والثلاثون: باب البيان والتعريف ولزوم الحجّة.

الثالث والثلاثون: باب [اختلاف الحجّة على عباده‏]. (1)

الرابع والثلاثون: باب حجج اللَّه على خلقه.

الخامس والثلاثون: باب الهداية أنّها من اللَّه.

اعلم أنّ ما نذكره في مقام تفسير متشابهات القرآن أو متشابهات الأحاديث إبداءُ احتمالٍ، أو نقلٌ ربّما لم يصرّح فيه بالمنقول عنه.

والمراد بكتاب التوحيد كتاب تذكر فيه المسائل المتعلّقة بالتوحيد، أي بالإقرار بأن لا إله إلّااللَّه. وهذه المسائل على أربعة أقسام؛ لأنّها إمّا متعلّقة بالجزء الوجودي، 2 للتوحيد، وهو الإقرار بوجود اللَّه تعالى؛ وإمّا متعلّقة بجزئه العدمي، وهو الإقرار بأنّ اللَّه واحد، أي لا شريك له في الالوهيّة. وكلّ منهما إمّا متعلّقة بأحد الجزءين صريحاً، وإمّا متعلّقة به تأويلًا، بأن يكون المقصود فيها بيان لازمه، أو إبطال منافيه.

و «التوحيد» مصدر وحّده: إذا نسبه إلى الوحدة، كعدّله تعديلًا: إذا نسبه إلى العدالة؛ وذلك لأنّ اللَّه تعالى واحد أزلًا وأبداً قبل وجود الموحِّدين.

ولفظ «اللَّه» مشتقّ من «إله» على وزن فِعال بمعنى فاعل، من ألَهَهُم- كنَصَرَ- أي استحقّ عبادتهم، ادخل عليه حرف التعريف للعهد، وحذفت الهمزة، فهو جارٍ مجرى العَلَم وليس علماً، ومعناه: الذي يستحقّ عبادة كلّ من سواه، ولا يستحقّ غيره عبادته،

____________

(1). ما بين المعقوفين من الكافي المطبوع.

8

ويجي‏ء بيانه في ثالث «باب المعبود» (1).

روى ابن بابويه في كتابه في التوحيد في «باب معنى الواحد والتوحيد والموحّد»:

أنّ أعرابيّاً قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين، أتقول: إنّ اللَّه واحد؟ فحمل الناس عليه، وقالوا: يا أعرابي أما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسّم القلب؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «دعوه، فإنّ الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم».

ثمّ قال: «يا أعرابي، إنّ القول في أنّ اللَّه واحد على أربعة أقسام؛ فوجهان منها لا يجوزان على اللَّه عزّ وجلّ، ووجهان يثبتان فيه.

فأمّا اللذان لا يجوزان عليه، فقول القائل: واحد يقصد به باب الأعداد، فهذا ما لا يجوز عليه؛ لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد، أما ترى أنّه تعالى كفّر من قال: ثالث ثلاثة. وقول القائل: هو واحد من الناس يريد به النوع من الجنس، فهذا ما لا يجوز عليه؛ لأنّه تشبيه، وجلَّ ربّنا عن ذلك وتعالى.

وأمّا الوجهان اللذان يثبتان فيه، فقول القائل: هو- عزّ وجلّ- واحد ليس له في الأشياء شبه، كذلك ربّنا؛ وقول القائل: إنّه- عزّ وجلّ- أحديُّ المعنى، يعني به أنّه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم، كذلك ربّنا عزّ وجلّ». انتهى. (2)

قوله: «نريدهُ من القوم» إشارة إلى أنّ للإقرار بأنّ اللَّه واحد جزءين كلاهما واجب:

الأوّل: الإقرار به بظاهر القلب، وهو مشترك بين الفرقة الناجية وغيرهم من أهل القبلة.

الثاني: الإقرار به بباطن القلب، أي أن لا يجحد لازماً من لوازم وحدته تعالى، فإنّ منكر لازم الشي‏ء منكرٌ له في الحقيقة، ولا سيّما إذا كان اللزوم واضحاً.

وعليه الحديث القدسي: «لا إله إلّااللَّه حصني، فمن دخل حصني أمن [من‏] عذابي»

____________

(1). أي في الحديث 3 من باب المعبود.

(2). التوحيد، ص 83، باب معنى الواحد و التوحيد و الموحّد، ح 3؛ الخصال، ص 2، باب الواحد، ح 1؛ معاني الأخبار، ص 5، باب معنى الواحد، ح 2.

9

حيث قال الرضا (عليه السلام): «بشروطها، وأنا من شروطها». رواه ابن بابويه في العيون في آخر باب ما حدّث به الرضا (عليه السلام) في مربعة نيسابور، إلى آخره. (1)

وقوله: «باب الأعداد»، هو أن يقول في عدّ الدراهم حين الإقباض مثلًا: واحد، اثنان، ثلاثة، وهكذا، وهذا يستلزم أن يكون للَّه‏ثانٍ في الالوهيّة التي هي أخصّ صفاته.

وقوله: «النوع من الجنس»، المراد القسم المتوحّد من كلّي يتشارك أفراده في معنى، أي في موجود في نفسه في الخارج، سواء كان المعنى تمام الماهيّة، أم بعضها، أم خارجاً، كما تقول: زيد واحد من الإنسان، أي لا يشاركه أبناء جنسه في خصائصه، كعلمه وكرمه وشجاعته، وكذا قولك: الإنسان واحد من الحيوان، أو من الماشي.

والتشبيه: القول بأنّ غيره شريك له في معنى، أي في موجود في نفسه في الخارج، سواء كان عرضيّاً كالبياض، أم ذاتيّاً.

والانقسام في الوجود الانقسام إلى الأجزاء المنفصلة، كانقسام البيت إلى الجدران والسقف ونحو ذلك.

والانقسام في العقل الانقسام إلى الأجزاء المحمولة، أو الأجزاء المقداريّة المتّصلة الغير المتعيّنة في ذهن من يقسمه، كانقسام الجسم المفرد إلى نصف ونصف.

والانقسام في الوهم الانقسام إلى الأجزاء المتّصلة المقداريّة مطلقاً، أو المتعيّنة كانقسام الجسم المفرد إلى هذا النصف وذاك النصف.

____________

(1). عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج 1، ص 143، باب ما حدّث به الرضا (عليه السلام) فى مربعة نيسابور وهو يريد قصد المأمون، ذيل ح 4. وما بين المعقوفين فى المصدر.

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

باب حدوث العالم وإثبات المحدث‏

الباب الأوّل بَابُ حُدُوثِ الْعَالَمِ وَإِثْبَاتِ الْمُحْدِثِ‏

فيه ستّة أحاديث.

في هذا الباب بيان الجزء الوجودي للتوحيد صريحاً، والمضاف مقدّر هنا، أي باب بيان حدوث.

والمراد بالحدوث الحدوث الزماني، فإنّ إطلاق الحدوث على الحدوث الذاتي- أي على الإمكان الذاتي- مجرّد اصطلاح من الفلاسفة. (1)

و «العالَم» بفتح اللام بمعنى ما يعلم به، كالخاتم بمعنى ما يختم به. والمراد به النظام المشاهد بالنظر في السماوات والأرضين وما بينهما، وبعبارة اخرى: الأجسام وأعراضها التي وجودها بقول: «كُن» أي بلا آلة ولا حركة لفاعلها، كالجريان للماء، والحرارة للنار، والنموّ للشجر ونحو ذلك. والمراد بحدوثه: حدوث كلّ جزء وجزئي منه بلا مادّة أو مثال قديمين، شخصاً أو نوعاً.

وقوله: «وإثبات» عطف على «حدوث»، وإضافته إلى «المحدث» بكسر الدال إضافة إلى الفاعل، أي وبيان أنّ مُحدِثَهُ مثبِتُهُ، وهو مأخوذ من أثبته: إذا سخّره، كأنّه شدّه بالثبات بالكسر، وهو سَيْر يشدّ به الرحل. (2)

____________

(1). حكاه الإيجي في المواقف، ج 1، ص 374 عن الحكماء.

(2). لسان العرب، ج 2، ص 19 (ثبت).

12

فالمراد أنّ محدثه أثبت كلّ جزء وجزئي منه في زمان معيّن، دون ما تقدّمه من الأزمنة، ودون ما تأخّره، أي مع صحّة عدمه فيه، وصحّة وجوده فيما تقدّم، وفيما تأخّر، وفي مكان معيّن دون ما عداه من الأمكنة؛ أي مع صحّة كونه فيما عداه، سواء كان تعيّن المكان شخصيّاً- كما في الساكن في مكان خاصّ دون مكان آخر- أم نوعيّاً، كما في المتحرّك في مسير خاصّ دون مسير آخر، والمراد بصحّة الشي‏ء حصول علّته التامّة.

أو مأخوذ من أثبته: إذا علمه حقّ العلم؛ فالمراد أنّ محدثه حكيم. والمآل واحد.

وفي هذا الباب إبطال لقول مَن قال بقدم العالم. (1) ولقول من قال: إنّ الزمان مقدار حركة الفلك. (2) ولقول من قال: اختصّ حدوث العالم بوقته؛ إذ لا وقت قبله. (3) ولقول من قال: إنّه إنّما يتكامل شروط وجود الحادث حين حدوثه، لا قبله؛ لامتناع تخلّف المعلول عن العلّة التامّة. (4) ولقول من قال: إنّ اللَّه تعالى غير متّصف بالقدرة بمعنى صحّة الفعل والترك، بل إنّما يتّصف بالقدرة بمعنى إن شاء فعل، وإن لم يشأ لم يفعل. (5) ولقول من قال: لكلّ فلك نفس تحرّكه، ويتجدّد لها بكلّ دورة كمال، وتشبه بالبارئ تعالى. (6) ولقول من قال: إنّ لكلّ جسم مكاناً طبيعيّاً. (7)

إن قلت‏

: لِمَ لم يقل: باب وجود صانع العالم، وهو المتعارف بين المتكلِّمين؟

قلت‏

: للإشارة إلى أنّه كما لا يمكن الوصول إلى معرفة اللَّه إلّابمعرفة أنّ للعالم‏

____________

(1). انظر: شرح الإشارات، ج 3، ص 131؛ تهافت الفلاسفة، ص 50؛ المطالب العالية في العلم الإلهي، ج 4، ص 46؛ شرح المواقف، ج 7، ص 229؛ معارج الفهم في شرح النظم، ص 134.

(2). انظر: شرح الإشارات، ج 3، ص 177؛ المعتبر في الحكمة، ج 2، ص 94؛ المباحث المشرقية، ج 1، ص 732؛ الأسرار الخفية، ص 313.

(3). انظر كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، ص 264، تحقيق الآملي، و ص 182 بتحقيق الزنجاني.

(4). كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، ص 264،، تحقيق الآملي، و ص 182، بتحقيق الزنجاني.

(5). المواقف للإيجي، ج 3، ص 74، و ص 79 و 121؛ شرح المواقف، ج 8، ص 49 و ص 56. وانظر الحكمةالمتعالية، ج 8، ص 307، الموقف الرابع في قدرته.

(6). حكاه عن القدماء في الملل والنحل، ج 2، ص 194، وحكاه في شرح المقاصد، ج 2، ص 35 عن الإشارات.

(7). المواقف للإيجي، ج 2، ص 389.

13

صانعاً، لا يمكن الوصول إلى معرفة صانع العالم إلّابمعرفة جواز تخلّف المعلول عن العلّة التامّة، وأنّ معلولاته تعالى تخلّفَتْ عنه زماناً، مع أنّه علّة تامّة لأوّلها، فحدوث العالم تعبير عن هذا التخلّف؛ لأنّهما متساوقان، ومعنى الصانع هنا يساوق معنى المحدث المثبت.

بيان ذلك: أنّ معنى لفظة «اللَّه» من يستحقّ عبادة كلّ من سواه، ولا يستحقّ غيره عبادته. ولا شكّ أنّ هذا الاستحقاق لا يتحقّق في أحد إلّاإذا كان صانع العالم بمعنى الفاعل له بالقدرة، بمعنى صحّة الفعل والترك؛ أي إمكان صدور كلّ منهما عنه إمكاناً مقابلًا للوجوب السابق والامتناع السابق، والحاصل استجماعه للعلّة التامّة للفعل، وللعلّة التامّة للترك، فإنّها لو كانت بالمعنى الآخر فقط- وهو كونه بحيث إن شاء فعل، وإن لم يشأ لم يفعل- لم يوجب استحقاق مدح فضلًا عن العبادة.

وهذا مبنيّ على جواز تخلّف المعلول عن العلّة التامّة، فمعنى المصنوع المفعولُ الغير الواجب بالوجوب السابق؛ أي الغير اللازم عقلًا لعلّته التامّة، وأثر الصانع بهذا المعنى لا يكون إلّاحادثاً زماناً بديهةً واتّفاقاً من المسلمين والزنادقة، (1) حتّى أنّه قيل:

«إنّ النزاع بين الفريقين في قدرة واجب الوجود بالمعنى المذكور وعدمها عين النزاع في حدوث العالم وقدمه» انتهى. (2) وليس معنى صانع العالم واجبَ الوجود، فمن استدلّ على إثبات الصانع بما يدلّ على إثبات واجب الوجود فقط، (3) فقد وهم وخلط بين المقصود للمسلمين في هذا المقام، والمقصود للفلاسفة.

إن قلت‏

: فيجب على المسلمين في مقام الاستدلال على وجود صانع العالم التعرّضُ لبيان جواز تخلّف المعلول عن العلّة التامّة ليتمّ مقصودهم، وهم لم يتعرّضوا له؛ إنّما استدلّوا بمُدَبَّريّة شي‏ء من العالم كحركة الشمس والقمر على وجود صانع‏

____________

(1). سيأتي توضيح كلمة «الزنادقة» من المصنف في شرح الحديث الأول.

(2). في حاشية «أ» و «ج»: القائل الخفري في حاشية الهيات شرح التجريد (منه دام ظله).

(3). كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، ص 391، تحقيق الآملي، و ص 305، تحقيق الزنجاني.

14

العالم، والمدبّريّة لا تدلّ على المصنوعيّة بالمعنى الذي ذكرتم.

قلت‏

: لا حاجة إلى التعرّض له، فإنّهم إنّما لم يتعرّضوا له اعتماداً على بداهة أنّ ما يجب معه معلوله بالوجوب السابق لا إيجاد له أصلًا، فإنّ العقل المتخلّص من المألوفات الوهميّة يعلم أنّه كما لا يتعلّق إيجاد بالواجب الوجود بالذات، لا يتعلّق إيجاد بالواجب الوجود بالغير وجوباً سابقاً بعد وجود ذلك الغير، فمقصودهم أنّ المُدبَّريّة تدلّ على المفعوليّة، والمفعوليّة تدلّ على المصنوعيّة بالمعنى الذي ذكرنا، المساوقِ للحدوث الزماني.

ومقصودهم من الاستدلال بالمدبّريّة على المفعوليّة إبطال أن يتوهّم أنّ أجزاء العالم واجبة الوجود لذاتها، أو أن يتوهّم أنّ ترتّب أجزاء العالم على عللها كلزوم الزوجيّة للأربعة في عدم تعلّق الإيجاد بها.

ومقصودهم من الاستدلال بالمفعوليّة على المصنوعيّة بيان ما يساوق الحدوث الزماني للعالم، ولذا قالوا: كلُّ الناس يعرفون قبل التوجّه إلى التشكيكات الموسوسة أنّ الفعل كلّه محدَث، وأنّ الفاعل قبل المفعول، وأنّ المريد قبل الإرادة، وأنّ ما لم يزل لا يكون مفعولًا حديثاً وقديماً في حالة واحدة. (1)

وقد نَقَل ابن بابويه‏ (2) دعوى بداهة جميع ذلك في كتابه في التوحيد عن الرضا (عليه السلام) في «باب مجلس الرضا (عليه السلام) مع سليمان المروزي» (3) ويجي‏ء في خامس باب جوامع التوحيد: «ولافتراق الصانع من المصنوع» مع شرحه.

ويظهر بذلك أنّه لو وجد في الممكنات جوهر مجرّد-: عقل، أو نفس- لكان حادثاً

____________

(1). في «ج»: «وحده».

(2). في حاشية «أ»: قوله: «وقد نقل» إلى آخره، نقل الشارح- (قدّس سرّه)- موضع الحاجة في أوّل الثاني عشر. وقوله‏(قدّس سرّه): «و يجي‏ء في خامس» إلى آخره عطف على «وقد نقل» ومراده أنّ قوله: «ولافتراق الصانع من المصنوع» مذكور في تلك الخطبة مع شرحه ودالّ على ما هو المدّعى (منه، مهدي).

(3). التوحيد، ص 441، باب ذكر مجلس الرضا (عليه السلام) مع سليمان المروزي متكلّم خراسان عند المأمون في التوحيد.

15

زماناً، ويظهر بهذا أنّه لا حاجة في دلائل هذا الباب إلى التصريح بدلالتها على حدوث العالم.

إن قلت‏

: لِمَ لم يجعل المسلمون مقصودهم في هذا المقام بيانَ وجود واجب الوجود حتّى يستدلّوا عليه بما اشتهر من أنّه لا شكّ في وجود موجود، فإن كان واجباً ثبت المطلوب، وإلّا استلزمه؛ لاستحالة الدور والتسلسل، ونحو ذلك من المناهج المذكورة في كتب المتكلّمين؟ (1) وقد قيل: إنّ هذه المناهج أخصر وأوثق وأشرف من الذي اعتبر فيه حدوث العالم، أو اعتبر فيه إمكانه بشرط الحدوث، أو اعتبر فيه الحركة؛ انتهى. (2) وهذا يضعّف الدلائل الآتية في هذا الباب.

قلت‏

: لأنّ بيان وجود واجب الوجود لا يكفي في بيان الجزء الوجودي للتوحيد؛ ردّاً على الدهريّة، (3) فإنّ استحقاق العبادة ليس لازماً بيّناً لوجوب الوجود؛ لتجويز أن يكون واجب الوجود قدماء من العالم كما هو مذهب بعض الدهريّة، (4) أو يكون من غير العالم ولا يكون فاعلًا مثبتاً؛ أي قديراً بمعنى من يصحّ منه الفعل والترك، سواء كان موجَباً محضاً أم مختاراً، بمعنى إن شاء فعل، وإن لم يشأ لم يفعل فقط، كما هو مذهب بعضٍ آخَرَ من الدهريّة، حيث زعموا امتناع تخلّف المعلول عن العلّة التامّة؛ (5) غافلين عن أنّه يستلزم عدم استحقاق المدح، فضلًا عن استحقاق العبادة له، ثمّ فضلًا عن استحقاق عبادة كلّ من سواه له، وزعموا أنّ حدوث العالم يستلزم تعطيل اللَّه تعالى عن جوده؛ (6) غافلين عن معنى الجواد في كلّ من إعطائه كبسط الرزق، ومنعه كالتقتير،

____________

(1). حكاه عن الحكماء التفتازاني في شرح المقاصد، ج 2، ص 57.

(2). في حاشية «أ» و «ج»: ذكر مضمونه الخفري في أول حاشية إلهيات الشرح الجديد للتجريد (منه).

(3). سيأتي توضيح الدهريّة في كلام المصنّف لاحقاً.

(4). حكاه عنهم السيد المرتضى في الملخّص في اصول الدين، ص 285؛ والعلّامة في مناهج اليقين، ص 346، وفي الطبعة الاخرى ص 222؛ ومعارج الفهم، ص 374.

(5). ذكره في معارج الفهم، ص 281 بعنوان إشكال مع ردّه.

(6). في حاشية «أ»: الزاعم ابن سينا في إلهيّات كتاب الشفاء وأتباعه (منه).

16

وعن أنّ استكشاف سرّ قدر اللَّه تعالى ليس في مقدور البشر، وعن أنّ من يجب معه معلوله بالوجوب السابق لا جود (1) له في الإعطاء أيضاً، بل لا إيجاد له أصلًا كما بيّنّاه آنفاً؛ فزعمهم هذا فوق كلّ تعطيل.

ويدلّ على ما ذكرنا أنّ دلائل الكتاب والسنّة في هذا المقام ليس فيها شي‏ء من هذه المناهج، والأخصريّةُ ونحوها لو سلّمت فإنّما ترجّح إذا كان المقصود بالاستدلالين واحداً، فليُذكَر بيان وجوب الوجود في باب بيان الصفات، فإنّه لازم بيّن لصانع العالم، فإنّه يجب أن يكون منزّهاً عن كلّ نقص، والإمكان الذاتي رأس كلّ نقص.

إن قلت‏

: لِمَ لا يصرّح في بعض دلائل هذا الباب بمصنوعيّة كلّ جزء من العالم، وإنّما يصرّح فيه بمصنوعيّة شي‏ء من العالم للَّه‏تعالى، كحركة الشمس والقمر، وكالموت والحياة وأمثال ذلك ممّا هو مذكور في الكتاب والسنّة؟

قلت‏

: لأنّه لا حاجة إلى التصريح؛ لظهور بطلان القول بأنّ بعض العالم مصنوع بالمعنى الذي ذكرنا، وبعضَه غير مصنوع، ولذا لم يقل بالفرق أحد من الزنادقة، وما صُرّح بمصنوعيّته من العالم في بعض الدلائل أمرٌ يكون المصنوعيّة فيه أظهرَ، فإنّما ذكر ليعلم مصنوعيّة الباقي بالاعتبار السهل التناول بعد فتح الباب.

الأوّل:

(أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ).

هذه الفقرة من زيادة تلامذة المصنّف (رحمه اللَّه تعالى)، كما مضى في أوّل كتاب العقل.

(حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَنْصُورٍ، قَالَ: قَالَ لِي هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ: كَانَ بِمِصْرَ زِنْدِيقٌ)؛

بكسر الزاي وسكون النون وكسر المهملة وسكون الخاتمة والقاف، معرّب «زن دين» (2)

____________

(1). في «أ»: «لا وجود».

(2). القاموس المحيط، ج 3، ص 242؛ تاج العروس، ج 13، ص 201 (زنديق). وانظر فتح الباري، ج 12، ص 238.

17

أي مَنْ دينه كدين المرأة، أي سخيف. والمراد بالزنديق الدهري، أي القائل بأنّ الأجسام لا بَدْوَ لها، فليس لها خالق أي مخترع على سبيل الاختيار بلا مادّة سبقت، ولا احتذاء مثال. (1)

(يَبْلُغُهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) أَشْيَاءُ).

دالّةٌ على كمال علمه وجِدّه في نصرة الإيمان باللَّه تعالى، وإبطال الزندقة.

(فَخَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ).

عدّي ب «إلى» لتضمين معنى التوجّه.

(لِيُنَاظِرَهُ)

أي ليحتجّ عليه في نفي الخالق للأجسام، كما يشعر به قوله (عليه السلام) فيما بعد:

«ليس لمن لا يعلم حجّة» إلى آخره.

(فَلَمْ يُصَادِفْهُ بِهَا)

: بالمدينة

(وَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ)

أي أبا عبداللَّه (عليه السلام)

(خَارِجٌ)

من المدينة

(بِمَكَّةَ)

. خبر بعد خبر، أي إنّه بمكّة الحالَ.

(فَخَرَجَ)

من المدينة

(إِلى‏ مَكَّةَ وَنَحْنُ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام))

أي في مكّة، والواو للحال.

(فَصَادَفَنَا)

أي صادف الزنديق إيّانا

(وَنَحْنُ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فِي الطَّوَافِ)

. الواو للحال.

(وَكَانَ اسْمَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَكُنْيَتَهُ)

. الواو للحال. (2)

(أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، فَضَرَبَ كَتِفَهُ)

أي بكتفه.

(كَتِفَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام))

ليتكلّم (عليه السلام) معه، فيعرّفه اعتقادَه نفيَ الخالق، وعرف (عليه السلام) ذلك بدون تعريفه، فدرج (عليه السلام) في الكلام معه، وذكر له أنواعاً ثلاثة من الكلام عليه:

النوع الأوّل:

تنبيهه على أنّه منكر لما هو مركوز في عقل كلّ عاقلٍ ناظرٍ إذا خُلِّي وعقلَه؛ لكمال ظهور دلائله وكثرتها، وتسميته وتكنيته من أبويه مبنيّ على ذلك، كما في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «وهو الذي تشهد له أعلام الوجود على إقرار قلب ذي الجحود» (3) ولا يرد تسمية أبي طالب وعبد مناف بن قصيّ بعبد مناف، فإنّ منافاً ليس مأخوذاً فيه من اسم صنم، بل هو اسم لأخٍ لقُصيّ انتهت إليه رئاسة قريش بعد أخيه،

____________

(1). احتذى مثاله: اقتدى به. القاموس المحيط، ج 4، ص 316 (هذا).

(2). في الحاشية «أ»: قوله: «الواو للحال» إنّما لم يجعلها عاطفة لأنّها لو كانت كذلك لوجب نصب «أبو عبد اللَّه» لكونه‏حينئذٍ خبراً لكان (مهدي).

(3). نهج البلاغة، ج 1، ص 9، الخطبة 49.

18

وأنّ عبداً ليس بمعنى عابد، وقد يُقال: إنّ اسم عبد مناف بن قصيّ كان منافاً، فغيّره بعض الناس لمصلحة، قال الفرزدق:

ورثتم قناة (1) الملك غير كلالة (2)* * * عن ابني

مناف‏ (3): عبد شمس وهاشم‏ (4)

وإنّما احتيج إلى هذا النوع لئلّا يلزم بطلان قاعدة من قواعد الإسلام.

بيان ذلك: أنّ من قواعد الإسلام أنّ الاختلاف بين الناس- أي اختلافاً حقيقيّاً مستقرّاً- لا يمكن رفعه إلّابرسول وكتاب من اللَّه تعالى، فيتوهّم الخصم ويقول: إنّ بيننا وبينكم هنا اختلافاً حقيقيّاً بعد نظر كلٍّ منّا ومنكم، وليس في شي‏ء من دلائلكم على وجود الصانع تمسّك بقول رسول، ولا بكتاب من اللَّه، إمّا لاستلزامه الدور حقيقة، وذلك إذا توقّف العلم بالرسول والكتاب على العلم بوجود الصانع حقيقة، وإمّا لإيهامه الدور ظاهراً، وذلك إذا توقّف ظاهراً لا حقيقةً.

فيجب أن يُجاب الخصم بأنّ الاختلاف هنا بيننا وبينكم ليس حقيقيّاً مستقرّاً، ونظيره قوله تعالى في سورة آل عمران: «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَ مَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ» (5)، فإنّه لمّا كان الإسلام ردَّ المختلف فيه اختلافاً حقيقيّاً مستقرّاً إلى محكمات كتاب اللَّه، احتيج إلى قوله: «وَ مَا اخْتَلَفَ» إلى آخره، لدفع الاحتياج في رفع الاختلاف في مدلول محكمات الكتاب الناهية عن اتّباع الظنّ بالاجتهاد إلى محكمات اخرى، وكتابٍ آخَرَ؛ لئلّا يلزم الدور أو التسلسل.

____________

(1). القناة: الرمح.

(2). في حاشية «أ»: الكلالة من لا ولد له ولا والد، و ما لم يكن من النسب لحا، أو من تكلل نسبه بنسبك كابن العمّ وشبهه، أو الإخوة للُامّ، أو بنو العمّ الأباعد، أو ما خلا الوالد والولد، أو في من العصبة من ورث معه الإخوة للُامّ. القاموس المحيط، ج 4، ص 46 (كل).

(3). في حاشية «أ»: عبد مناف أبو هشام و عبد شمس، والنسبة إليه منافي.

(4). أحكام القرآن للجصّاص، ج 2، ص 113؛ تفسير الثعلبي، ج 3، ص 270؛ مفردات غريب القرآن للراغب، ص 438؛ الصحاح، ج 5، ص 1811 (كلك).

(5). آل عمران (3): 19.

19

(فَقَالَ‏

(1)

أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام))

للإشارة إلى النوع الأوّل:

(مَا اسْمُكَ؟ فَقَالَ: اسْمِي عَبْدُ الْمَلِكِ، قَالَ: وَ مَا

(2)

كُنْيَتُكَ؟ قَالَ: كُنْيَتِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): فَمَنْ هذَا الْمَلِكُ الَّذِي أَنْتَ عَبْدُهُ؟)

يدلّ على أنّ اللام في «الملك» للعهد لا للجنس.

(أَمِنْ مُلُوكِ الْأَرْضِ).

الاستفهام هنا إنكاري؛ أي أمن الملوك الساكنين في الأرض.

(أَمْ مِنْ مُلُوكِ السَّمَاءِ؟).

«أم» منقطعة بمعنى بل والهمزة؛ ففيه استفهام آخر إنكاري؛ أي بل أ من الملوك الساكنين في السماء، وهذا على سبيل عدّ الأقسام الغير المحتملة عند المخاطب أيضاً.

(وَأَخْبِرْنِي عَنِ ابْنِكَ)

الذي قدّره أبواك أقدّراه أنّه على تقدير وجوده.

(عَبْدُ إِلهِ السَّمَاءِ)

أي مستحقّ للعبادة ساكن في السماء.

(أَمْ عَبْدُ إِلهِ الْأَرْضِ؟)

أي مستحقّ للعبادة ساكن في الأرض.

(قُلْ مَا شِئْتَ)؛

أي اختر ما شئت من الشقّين في كلّ سؤال.

(تُخْصَمْ).

مجزوم، وهو على لفظ المجهول من باب ضرب، وهو شاذّ في المغالَبة، والقياسُ ردّه إلى باب نصر، يُقال: خاصمته أي جادلته، فخصمته أخصمه بالكسر، أي غلبت عليه في الجدل. (3)

والمعنى تَصِرْ مغلوباً مُلزَماً؛ لظهور بطلان كلّ من الشقّين، فيثبت المطلوب، وهو أنّ نفسه عبد ملك مَن في السماء والأرض، وابنَه عبد إله مَن في السماء والأرض.

وقيل: أي تَخصِم نفسك، (4) كما سيجي‏ء في حديث العالم الشامي؛ انتهى. يعني ما في رابع أوّل «كتاب الحجّة». (5)

____________

(1). في الكافي المطبوع:+/ «له».

(2). في المطبوع: «فما».

(3). الصحاح، ج 5، ص 1912 (خصم).

(4). في حاشية «أ»: القائل مولى محمّد أمين الإسترآبادي رحمه الله (منه سلمه اللَّه). وحكاه المازندراني في شرح اصول‏الكافي، ج 3، ص 7 بصورة احتمال واستبعده.

(5). أي الحديث 4 من باب الاضطرار إلى الحجّة.

20

(قَالَ هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ).

هذا من كلام عليّ بن منصور. (1)

(فَقُلْتُ لِلزِّنْدِيقِ)

لمّا بقي متحيّراً متأمّلًا:

(أَمَا تَرُدُّ)؛

بتشديد الدال، ومفعوله محذوف؛ أي الجوابَ‏

(عَلَيْهِ؟).

(قَالَ)

أي هشام، وهو أيضاً من كلام عليّ بن منصور تكراراً للأوّل.

(فَقَبَّحَ قَوْلِي)؛

بصيغة الماضي المعلوم من باب التفعيل، أي نسب قولي إلى القبح، وهذا لأنّه لا ينبغي التعجيل على طالب الحقّ، المتأمّلِ لتحرّي الصواب في الجواب.

(فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام))

أي للزنديق إمهالًا له في التفكّر وتحرّي الحقّ. (2)

(إِذَا فَرَغْتُ)؛

بصيغة المتكلّم.

(مِنَ الطَّوَافِ، فَأْتِنَا. فَلَمَّا فَرَغَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) أَتَاهُ الزِّنْدِيقُ، فَقَعَدَ بَيْنَ يَدَيْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) وَنَحْنُ مُجْتَمِعُونَ عِنْدَهُ)

.

النوع الثاني:

تنبيهه‏ (3) على أنّه لا يجوز له أن يكون في حدّ الإنكار للصانع وجحده؛ لأنّ غاية ما يقتضي حاله أن يكون منكراً لحدوث العالم وفنائه؛ لأنّه لم ير الحدوث ولا الفناء، وذلك لأنّه لم يثبت دليل يقتضي أنّه لا صانع للعالم، وإنّما ذكر (عليه السلام) ذلك أوّلًا قبل الدليل على وجود الصانع؛ لأنّ الخلوّ عن الضدّ قبل الشروع في الاستدلال شرط في حصول العلم، أو معين فيه جدّاً، ورمز (عليه السلام) إلى ذلك في ضمن نظيره لئلّا يقع التصريح من الزنديق في محضر جمع بنفي الصانع، فيشوّش بعضهم المجلس، وينقطع الكلام والاحتجاج.

(فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) لِلزِّنْدِيقِ)

للإشارة إلى النوع الثاني:

(أَتَعْلَمُ أَنَّ لِلْأَرْضِ تَحْتاً وَفَوْقاً؟).

المراد بالتحت هنا اللغوي، وهو الطرف المقابل لما هو الفوق عندنا.

(قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَدَخَلْتَ تَحْتَهَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَمَا يُدْرِيكَ).

ما استفهاميّة، أي أيّ فكر واستنباط يُعلمُكَ‏

(مَا تَحْتَهَا؟).

ما استفهاميّة، أي ما الذي تحتها؛ أو موصولة، أي ما

____________

(1). أي راوي الحديث.

(2). تحرّاه: تعمّده وطلب ما هو أحرى بالاستعمال؛ وبالمكان: تمكّث. القاموس المحيط، ج 4، ص 316 (الحروة).

(3). في «أ»: «تنبيه».

21

هو تحتها.

(قَالَ: لَاأَدْرِي، إِلَّا أَنِّي أَظُنُّ)

أي بأصالة العدم‏

(أَنْ لَيْسَ تَحْتَهَا شَيْ‏ءٌ)

. هذا رمز منه إلى ظنّه أن ليس للعالم صانع.

(فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): فَالظَّنُّ).

الفاء للتفريع، واللام للعهد الخارجي، والمراد الظنّ الذي هو في المنظور.

(عَجْزٌ)؛

بفتح المهملة وسكون الجيم والزاي خبر المبتدأ.

(لِمَا لَاتَسْتَيْقِنُ).

اللام للتعليل، والظرف صفة «عجز» و «ما» مصدريّة، و «تستيقن» بصيغة الخطاب للمعلوم، والاستيقان طلب اليقين. والمقصود أنّه على ما ذكرت من الجواب ظهر أنّ ظنّك عجز ناش عن تركك طلب اليقين، ولو طلبت اليقين لوجدته سريعاً.

(ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): أَفَصَعِدْتَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَتَدْرِي)

(1) بالتفكّر والتحرّي والاستنباط.

(مَا فِيهَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: عَجَباً لَكَ!).

«عجباً» بفتحتين بتقدير حرف النداء، أو مصدر فعل محذوف؛ أي عجبت عجباً لك.

(لَمْ تَبْلُغِ الْمَشْرِقَ، وَلَمْ تَبْلُغِ الْمَغْرِبَ).

ظاهره أنّه (عليه السلام) سأله في صدر الكلام عن بلوغه المشرق والمغرب أيضاً، وأجاب، وسأله: هل تدري ما فيهما؟ وأجاب بلا أدري، لكنّه أسقط الراوي. ويحتمل أن يكون- بناءً على المعلوم من حاله- بدون سؤال. وفي كتاب الاحتجاج هكذا: قال: «فأتيت المشرق والمغرب، فنظرت ما خلفهما؟» قال: لا، قال:

«عجباً لك» إلى آخره. (2)

(وَلَمْ تَنْزِلِ الْأَرْضَ، وَلَمْ تَصْعَدِ السَّمَاءَ، وَلَمْ تَجُزْ هُنَاكَ).

«لم تجز» بضمّ الجيم وسكون الزاي بصيغة المخاطب، و «هناك» منصوب محلّاً ومفعول به وعبارة عمّا كان الزنديق فيه من الظنّ.

ويحتمل أن يكون «لم تحرّ» بالمهملتين بصيغة المضارع المخاطب المعلوم المعتلّ اللام اليائي من باب التفعّل بحذف إحدى التاءين، والتحرّي قصد الأحْرى‏

____________

(1). في الكافي المطبوع: «أفتدري».

(2). الاحتجاج، ج 2، ص 72، احتجاجه (عليه السلام) على الزنديق المصري. وفيه: «فالعجب لك» بدل «عجباً لك».

22

والأليق. والمراد به هنا التفكّر لطلب اليقين، ويكون «هناك» إشارةً إلى ما كان الزنديق فيه من وجه الأرض، ومنصوباً محلّاً على الظرفيّة.

(فَتَعْرِفَ)؛

منصوب بتقدير «أن» بعد النفي.

(مَا خَلْفَهُنَّ)

أي ما خلف المشرق والمغرب، والأرض والسماء. والتأنيث لتغليب الأرض والسماء، أو باعتبار البقعة. و «ما خلفهّن» نوع تعبير عن صفات صانع العالم، كالعلم والقدرة والعدل. والمقصود أنّك لو تحرّيت في وجه الأرض، لعرفت صفات صانع العالم، فضلًا عن معرفة كونه.

(وَأَنْتَ جَاحِدٌ بِمَا فِيهِنَّ!)

. نوع تعبير عن إنكار كون صانع العالم.

(وَهَلْ يَجْحَدُ الْعَاقِلُ)

جحداً يتصدّى للحجاج عليه كما أنت عليه؛ حيث جئت من بلدٍ بعيد للحجاج معنا.

(مَا لَايَعْرِفُ؟)

أي لا يعرفه ويعتقد خلافه بمجرّد الظنّ الحاصل من أصالة العدم، بدون دلالة ولا أمارة على العدم على حِدة.

(قَالَ الزِّنْدِيقُ: مَا كَلَّمَنِي بِهذَا أَحَدٌ غَيْرُكَ)

. إقرارٌ منه بأنّه لا ينبغي له الجحد، وأنّه لو كلّمه بهذا أحد لما جَحَد.

(فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): فَأَنْتَ مِنْ ذلِكَ فِي شَكٍّ)

أي فأنت الآنَ صرت في شكّ.

والمراد بالشكّ كفّ النفس عن الحكم بشي‏ء لانتفاء اليقين فيه.

(فَلَعَلَّهُ هُوَ)

. الضمير الأوّل راجع إلى «ما فيهنّ» باعتبار المنظور، والثاني من أسماء الصانع للعالم تعالى.

(وَلَعَلَّهُ لَيْسَ هُوَ).

الضمير الأوّل ل «ما فيهنّ»، والضمير الثاني وهو المستتر في «ليس» للضمير الأوّل، والضمير الثالث من أسماء الصانع للعالم تعالى، فهو كالظاهر، فلذا (1) لم يقل بدله: «إيّاه» نظير: «يا مَن ليس هو إلّاهو» (2) مع أنّ «هو» في الأوّل اسم «ليس»

____________

(1). في «ج»: «ولذا».

(2). مكارم الأخلاق، ص 346؛ الأمان من أخطار الأسفار، ص 83؛ بحار الأنوار، ج 92، ص 158.

23

ولا يجوز الإتيان بالضمير المنفصل مع إمكان الضمير المتّصل.

ويحتمل أن يكون من قبيل وضع الضمير المرفوع المنفصل موضع الضمير المنصوب المنفصل استعارةً، نظير ما يجي‏ء في «كتاب الحجّة» في خامس الباب السابع والأربعين، وهو «باب أنّ الأئمّة (عليهم السلام) يعلمون متى يموتون، وأنّهم لا يموتون إلّا باختيار منهم» من قول أبي الحسن الأوّل (عليه السلام): «إنّ اللَّه- عزّ وجلّ- غضب على الشيعة، فخيّرني نفسي أو هم، فوقيتهم واللَّه بنفسي».

وهذا بيان لحال الشاكّ قد يصير أحد الطرفين في نفسه راجحاً، فيصير من ساعته الطرف الآخر راجحاً، كقولهم: أراك تقدّم رِجلًا، وتؤخّر اخرى‏. (1)

(فَقَالَ الزِّنْدِيقُ: وَلَعَلَّ ذلِكَ)

. لم يجزم بكونه شاكّاً، بل رجّح ذلك؛ أي لعلّ أنا في شكّ، أقام «ذلك» مقام الجملة المركّبة من الاسم والخبر.

(فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): أَيُّهَا الرَّجُلُ، لَيْسَ لِمَنْ لَايَعْلَمُ حُجَّةٌ عَلى‏ مَنْ يَعْلَمُ)،

أي دليل.

(وَلا حُجَّةَ لِلْجَاهِلِ)

أي للذي يحكم بغير المعلوم. والمراد أنّ قبح الحكم بغير المعلوم ضروري، والمنازع مكابر لمقتضى عقله، فالحاكم بغير معلومه ليس له عذر يدفع به عن نفسه العذاب أو اللوم.

لمّا كان على الجاهل سؤال العالم والاستماع للجواب والتفهّم:

قال:

(يَا أَخَا أَهْلِ مِصْرَ، تَفَهَّمْ عَنِّي؛ فَإِنَّا)

معشرَ المقرّين بأنّ للعالم محدثاً مثبتاً

(لَا نَشُكُّ فِي اللَّهِ أَبَداً)

أي لا يزعجنا الوهم.

النوع الثالث:

الاستدلال على أنّ للعالم محدثاً مثبتاً.

وذكر فيه خمسة أدلّة

، مع أنّ الأدلّة عليه أكثر من أن تُحصى، كما يظهر لمن تدبّر في الأدلّة الخمسة؛ والنظرُ في أوّلها: في تسخير الشمس والقمر لينتفع بهما الخلائق، والنظر في ثانيها: (2) في حدوث الحوادث كالموت والحياة ونحوهما وربط الحادث‏

____________

(1). انظر الكشّاف، ج 3، ص 277؛ مختصر المعاني، ص 237 و 246؛ تفسير البحر المحيط لأبي حيان الاندلسي، ج 7، ص 243.

(2). في «ج»: «ثانيهما».

24

بالقديم، والنظر في ثالثها: في اختلاف أمكنة الأجسام، والنظر في رابعها: في إنشاء السحاب الثقال، والنظر في خامسها: في انكشاف وجه الأرض المعمور وخروجه من الماء.

الدليل الأوّل:

(أَمَا تَرَى الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ)؛

من رؤية البصر، أو القلب، وعلى الثاني «يلجان» مفعول ثان.

(وَاللَّيْلَ وَالنَّهَارَ).

الواو الاولى بمعنى «مع» والثانية للعطف. والمراد أنّ كلّ من رأى حال الشمس والقمر في دورانهما مع حال الليل والنهار في ذهابهما ومجيئهما، علم أنّ ذلك بتدبير مدبّر بقول «كُن» لمصلحة أهل الأرض، وليس للشمس والقمر نفع في الدوران، ولا لليل والنهار في الذهاب والمجي‏ء، كما في سورة إبراهيم: «وَ سَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ» (1).

(يَلِجَانِ)؛

بالجيم بصيغة المعلوم المعتلّ الفاء من باب ضرب، والضمير للشمس والقمر، والجملة استئناف بياني، أو مفعول ثان ل «ترى». والولوج: الدخول والاستتار، ومنه: الوَلَجة بفتحتين كهف‏ (2) تستر فيه المارّة من مطر وغيره، (3) والمراد هنا الدخول تحت الأرض.

(فَلَا يَشْتَبِهَانِ)؛

بالمعجمة والموحّدة بصيغة المعلوم من باب الافتعال، يُقال: اشتبه الأمر: إذا أشكل. والفاء للتعقيب؛ يعني لا يحدث بعد الولوج في أمرهما إشكال باعتبار مكانهما ومدّة بقائهما تحت الأرض وساعاتها ودقائقها في أيّ وقت كان، كما هو معلوم عند أهل الرصد والحساب.

____________

(1). إبراهيم (14): 33.

(2). في «ج»: «لكهف».

(3). تاج العروس، ج 3، ص 509 (ولج).

25

(وَيَرْجِعَانِ)

إلى فوق الأرض.

(قَدِ اضْطُرَّا)؛

بضمّ المهملة وشدّ الراء؛ أي سُخّرا لمنافعنا.

(لَيْسَ لَهُمَا مَكَانٌ إِلَّا مَكَانُهُمَا)؛

مرفوع بالبدليّة، أو منصوب بالاستثناء. والمراد:

مكانهما المعلوم بالرصد والحساب في أيّ وقت كان. وذلك يدلّ على كمال حكمة مدبّرهما وكمال قدرته.

أو المراد بمكانهما ما هما فيه، سواء كان معلوماً بخصوصه في أيّ وقت اريد، أم لا.

وحينئذٍ يكون إشارة إلى أنّ فاعل الجسم يستحيل أن لا يكون مدبّراً؛ لأنّ الإمكان شرط تحقّق الجسم، ويستحيل أن يكون جسم واحد في زمان واحد في كلّ واحد من الأمكنة، فحصول جسم ما في مكان معيّن مع تشابه الأمكنة في الحقيقة والذات يستحيل أن يستند إلى فاعل موجَب، سواء كان طبعاً أم غير ذلك. وبهذا يتمّ البرهان، وضمّ باقي المقدّمات للاستظهار وبيان كمال حكمة الصانع تبارك وتعالى.

(فَإِنْ كَانَا يَقْدِرَانِ عَلى‏ أَنْ يَذْهَبَا، فَلِمَ يَرْجِعَانِ).

الفاء للبيان وزيادة التوضيح. والمراد بالذهاب: الولوج. والاستفهام إنكاري، أي فإن كان الولوج بقدرتهما واختيارهما لداع دعاهما إلى ذلك، استحال أن يرجعا إلى فوق الأرض؛ لأنّا نعلم أنّه ليس لهما نفع يدعوهما إلى دوام دورانهما، فهما مسخّران لغيرهما، وتجويز النفع لهما في ذلك كتجويز النفع للأنهار في جريانها، وللرياح في هبوبها. وهذا سفسطة.

(وَإِنْ كَانَا غَيْرَ مُضْطَرَّيْنِ، فَلِمَ لَايَصِيرُ اللَّيْلُ نَهَاراً، وَالنَّهَارُ لَيْلًا).

الاستفهام إنكاري، وقوله: «والنهار» بتقدير «ولا النهار»؛ أي إن كانا غير مسخّرين، وجب أن تقف الشمس مثلًا إمّا فوق الأرض، فيصير النهار سرمداً، وإمّا تحت الأرض، فيصير الليل سرمداً، ويجوز أن لا يقدّر «لا» ويكون المراد صيرورة الليل نهاراً في موضع دائماً، وصيرورة النهار ليلًا في مقابله دائماً.

(اضْطُرَّا- وَاللَّهِ يَا أَخَا أَهْلِ مِصْرَ- إِلى‏ دَوَامِهِمَا، وَالَّذِي اضْطَرَّهُمَا أَحْكَمُ مِنْهُمَا)

أي أكمل حكمةً ورعايةً لمصالح العباد، أو أنفذُ حكماً. وإثبات أصل الحكمة أو الحكم لهما بنوع من المجاز، نظير إثبات الطوع للسماء والأرض في قوله في سورة حم‏

26

السجدة: «قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ» (1).

(وَأَكْبَرُ)؛

بالموحّدة، أي أعظم قدرةً بناءً على أنّ فعله بمحض «كُن».

(فَقَالَ الزِّنْدِيقُ: صَدَقْتَ)

؛ بصيغة الخطاب إقرارٌ بربّ العالمين.

الدليل الثاني:

(ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام))

تقويةً للمدّعى حيث لم يصدر عن الزنديق التصريح بكلمة الإيمان، وأمكن أن يختلج بوهمه شبهة توهّم قِدم العالم، فتمنعه عن التصديق بما علم، فاستدلّ (عليه السلام) على الحدوث بما يظهر به ظهوراً واضحاً الجوابُ عن الشبهة.

(يَا أَخَا أَهْلِ مِصْرَ، إِنَّ الَّذِي يَذْهَبُونَ‏

(2)

إِلَيْهِ)؛

بصيغة الغيبة، أي يذهب إليه القوم الزنادقة في سبب الحوادث، كالموت والحياة، والريح والسحاب ونحو ذلك.

وسيجي‏ء كثير منها في ثاني‏الباب.

وكونه بصيغة الحاضر لا يناسب قوله‏ (3) سابقاً: «صدقت»، ولا قوله‏ (4) لاحقاً: «يذهب بهم».

(وَيَظُنُّونَ)

(5)

؛

بصيغة الغيبة أيضاً.

(أَنَّهُ)

أي سبب الحوادث‏

(الدَّهْرُ)

؛ بالفتح: ما مضى من الزمان باعتبار ما فيه من الحركات في أين أو وضع أو استعداد لشي‏ء أو نحو ذلك.

والدهريّة- بالفتح ويضمّ-: القائلون بأنّ الدهر أزلي، قالوا: إنّ الحوادث غير مستندة بلا واسطة إلى فاعل بتدبير يصحّ منه الفعل والترك، بل مستندة إلى موجب بواسطة الحركات والاستعدادات الغير المتناهية في جانب المبدأ الحاصلة في مادّة الأجسام؛ قال تعالى في سورة الجاثية: «وَ قالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ وَ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ» (6). (7)

____________

(1). فصّلت (41): 11.

(2). في الكافي المطبوع: «تذهبون».

(3). أي الزنديق.

(4). أي أبي عبد اللَّه (عليه السلام).

(5). في الكافي المطبوع: «وتظنّون».

(6). الجاثية (45): 24.

(7). انظر شرح العقيدة الطحاوية، ص 85.

27

واللام في قوله (عليه السلام): «الدهر» داخلة على الخبر لإفادة الحصر المذكور في الآية في قوله: «إلّا الدهر».

وهذا الظنّ حاصل لهم بشبهة لهم على قدم العالم ذكرها رئيسهم في كتاب الشفاء في أوّل المقالة التاسعة من الإلهيّات، وحاصلها: أنّ الحركة لا تحدث بعدما لم تكن إلّا لحادث، وذلك الحادث لا يحدث إلّابحركة مماسّة لهذه الحركة، ولا نُبالي أيَّ حادث كان ذلك الحادث، كان قصداً من الفاعل أو إرادةً أو علماً أو طبعاً أو آلةً أو حصولَ وقت أوفق للعمل دون وقت، أو حصول تهيّؤٍ أو استعداد للقابل لم يكن، أو وصول من المؤثّر لم يكن، فإنّه كيف كان فحدوثه متعلّق بالحركة، لا يمكن غير هذا؛ لأنّه إذا كانت الأحوال من جهة العلل كما كانت ولم يحدث البتّة أمر لم يكن، كان وجوب كون الكائن عنها، أو لا وجوبه على ما كان، فلم يجز أن يحدث كائن‏ (1) البتّة، وذلك الأمر لا يمكن أن يكون نفس العلّة الفاعليّة أو القابليّة؛ للزوم التسلسل لاجتماع الفواعل والقوابل في الوجود بخلاف ما يقرّب المعلول من العلّة من الحركة، (2) فهو ما يقرّب المعلول من العلّة، وهو الحركة، فإذن قد كان قبل كلّ حركةٍ حركةٌ إلى ما لا نهاية له. (3)

فاستدلّ (عليه السلام) على نقيض مدّعاهم بحيث يصلح لأن يكون نقضاً إجماليّاً لشبهتهم، ويظهر به منع قولهم: «فلم يجز أن يحدث كائن البتّة» بقوله:

(إِنْ كَانَ الدَّهْرُ)

. الجملة خبر «إنّ»، وفيه إقامة الدليل مقام المدلول؛ أي باطل لأنّه إن كان، إلى آخره.

و «إن» هُنا وفيما بعد بمعنى «إذ» كما في حديث زيارة الموتى: «وإنّا إن شاء اللَّه بكم لاحقون». (4) ويحتمل كونها شرطيّة.

____________

(1). في «ج»: «الكائن».

(2). في «ج»:-/ «لاجتماع القواعل والقوابل في الموجود بخلاف ما يقرب المعلول من العلة من الحركة».

(3). الشفاء، ص 373، الفصل 1، انتشارات ناصر خسرو، الطبعة الاولى.

(4). الكافي، ج 3، ص 229، باب زيارة القبور، ح 7 و 8؛ الفقيه، ج 1، ص 179، ح 533 و 534؛ كامل الزيارات، ص 532، باب فضل زيارة المؤمنين، ح 12 و 15؛ وسائل الشيعة، ج 3، ص 225، ح 3471 و 3472.

28

(يَذْهَبُ بِهِمْ)

أي بالقوم الزنادقة.

(

لِمَ لَايَرُدُّهُمْ؟

) لِمَ لا يقع الردّ وقت الذهاب بهم بدلًا عنه، وذلك بأن يكون الذهاب بهم قبل هذا الوقت الذي ذهب بهم فيه.

(وَإِنْ كَانَ يَرُدُّهُمْ، لِمَ لَايَذْهَبُ بِهِمْ)

أي لِمَ لا يقع الذهاب بهم وقت ردّهم بدلًا عنه، وذلك بأن يكون الذهاب بهم بعد هذا الوقت الذي ذهب بهم فيه، وتخصيص ذهابهم وردّهم بالذكر في المثال لأنّهما المذكوران في آية الجاثية صريحاً.

وحاصل الدليل: أنّ من أجزاء العالم حوادث معلومة الحدوث بالحسّ والعيان يوماً فيوماً، ولا فاعل لها إلّااللَّه تعالى بلا توسّط توقّف على حركة واستعداد ونحو ذلك؛ لأنّ الحوادث لابدّ أن يكون فاعلها مختاراً. أمّا أفعال الأحياء ذوي الأبدان كالمَلك والجنّ والإنس وسائر الحيوانات فمستندة إليهم، وأمّا ما عداها- وهي المعدودة من العالم كالموت والحياة، وكحدوث النبات في الأرض بعد موتها وفلق الحبّ والنوى ونحو ذلك ممّا يسنده الدهريّة إلى الدهر- ففاعلها مدبّر للعالم نافذ الإرادة بلا علاج؛ فيكون العالم حادثاً كما مرّ في شرح عنوان الباب.

ولا يمكن استنادها إلى الدهر، وإلّا امتنع وجود حادث، وكذا انتفاؤه، ولم يرتبط حادث بقديم أصلًا؛ لأنّه ليس للامتداد الزماني أجزاء متخالفة الماهيّة، وكذا حركة الأفلاك في الوضع ونحو ذلك.

مثلًا المادّة المتحرّكة في يومٍ أو شهر أو سنة في استعداد لحادث عند الدهريّة لا يحصل لها في أواخر زمان حركتها إلّاما يشارك ما كان حاصلًا لها في أوائله في تمام الماهيّة وفي التشخّص؛ فإنّ كلّ حركة متّصلةٍ قابلةٌ للقسمة إلى غير النهاية، فلو تغيّرت المادّة، أو حدث حادث آخر في كلّ حدّ، لزم انحصار ما لا يتناهى بين حاصرين وتغيّرُها، أو حدوث حادث آخر في بعض الحدود في الوسط والطرف دون باقيها يثبت المطلوب، فإنّا نقول: بين كلّ حدّين تغيّرت المادّة فيهما، أو حدث حادث آخر فيهما حدود غير متناهية لم يتغيّر المادّة فيها، ولم يحدث حادث آخر فيها، والفاعل إذا لم يكن مختاراً مدبّراً، امتنع أن يخصّص بعض الأجزاء المتشابهة في تمام الماهيّة عن‏

29

الباقية بإحداث الحادث فيه دون الباقية، سواء قرب المعلول من العلّة أم بعُدَ؛ لأنّ المفروض أنّهما ليسا بأمرين متخالفين في التشخّص فضلًا عن الماهيّة، بل هما أمران اعتباريان، ألا ترى أنّ مغناطيس مثلًا يمتنع أن يجذب طبعه حديداً دون حديد بمجرّد أنّ الأوّل ملك زيد، والثاني ملك عمرو، بخلاف ما إذا كان مختاراً.

إن قلت‏

: الحركة في الكيف ممكن وواقع، فللمتحرّك فيه في كلّ آن من زمان حركته كيفيّة مخالفة لما في الآنات السابقة واللاحقة، إمّا في الماهيّة بناءً على أنّها مختلفة بالشدّة والضعف، وقد تقرّر أنّ الأشدّ نوع مباين للأضعف، وإمّا في التشخّص فقط، وإمّا في العارض الخارجي فقط.

قلت‏

: لا نسلّم إمكان الحركة في نحو الكيف ممّا له وجودان في الخارج: وجود في نفسه، ووجود رابطي، بل الانتقال فيه دفعي كالانتقال من البياض إلى السواد، ومنشأ الاشتباه قِصر زمان كلّ كيفيّة من الكيفيّات المتواردة، والدليل عليه أنّه لولاه لزم انحصار ما لا يتناهى من الامور الموجودة في أنفسها بين حاصرين، أو كون المتحرِّك في الحرارة- مثلًا خالياً عن الحرارة بالكلّيّة، وكلاهما خلاف البديهة، فلا حركة في العوارض الخارجيّة إلّافيما لا وجود له في الخارج إلّاالوجود الرابطي كالأين والوضع والمحاذاة والكمّ والزمان والقُرب والبُعد ونحو ذلك، فإنّ انحصار ما لا يتناهى منه بين حاصرين ليس بديهيَّ الاستحالة؛ نظير اجتماع العلوم الغير المتناهية والقُدر الغير المتناهية في اللَّه تعالى؛ إذ لا حاجة للُامور التي ليس لها في الخارج إلّاالوجود الرابطي إلى فاعل وإيجاد وإلّا لزم أن يتعلّق بالإيجاد نفسه إيجاد آخر، ولا ينافي هذا أن يكون الحركة في بعض تلك الامور موجودةً في نفسها في الخارج بأن يكون للحركة في الأين- مثلًا وجودان في الخارج: وجود في نفسه، ووجود رابطي.

(الْقَوْمُ مُضْطَرُّونَ)

. المراد بالقوم الزنادقة، والمقصود إمّا أنّه لا مندوحة (1) لهم عن‏

____________

(1). في حاشية «أ»: الندح- ويضمّ-: الكثرة والسعة، كالنّدحة والنُدحة والمندوحة. وانظر القاموس المحيط، ج 1، ص 252 (ندح).

30

الإقرار بمدبّر للعالم، محدثٍ لهذه الحوادث، مثبتٍ لكلّ حادث منها في وقته دون سابقه ولاحقه؛ فإنكارهم وجحدهم مع إقرار قلبهم به. وإمّا أنّهم معذّبون في الآخرة، كقوله تعالى في سورة لقمان: «ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى‏ عَذابٍ غَلِيظٍ» (1). وإمّا إشارة إلى حلّ شبهتهم التي نقلناها، فإنّ قولهم: «فلم يجز أن يحدث كائن البتّة» (2) مبنيّ على امتناع تخلّف المعلول عن العلّة التامّة، وهو ممنوع بل باطل؛ لأنّه يستلزم أن يكون المختارون مضطرّين في فعلهم، فيلتزموا أنّهم أنفسهم مضطرّون، وهو مكابَرة.

ويحتمل أن يُراد بالقوم المسلمون، أي لا مندوحة لهم عن الإقرار.

الدليل الثالث:

(يَا أَخَا أَهْلِ مِصْرَ، لِمَ السَّمَاءُ مَرْفُوعَةٌ، وَالْأَرْضُ مَوْضُوعَةٌ).

ذكر السماء والأرض على سبيل المثال. أو المراد بالسماء ما فوق الأرض، فيشمل الهواء والماء وما فيهما؛ يعني أنّ اختصاص كلّ جسم بمكان معيّن شخصاً كما في الأرض، أو نوعاً كما في الكواكب المتحرّكة في مسير خاصّ دون مسير آخر، وإلى جهة خاصّة دون اخرى لا يمكن إلّابأنّ مدبّراً خلقه في ذلك المكان دون باقي الأمكنة، لأنّ الأمكنة متشابهة في تمام الماهيّة؛ لاتّصال الفضاء الموهوم وعدم امتياز بعضه عن بعض إلّابالتمكّن، ولا يمكن أن يميّز غير المختار بعض المكان عن بعض لكون الجسم فيه دون غيره. أمّا إذا كان غير المختار نفس الجسم، أو جزءه، أو عارضه الشريكين له في المكان فظاهر؛ لبداهة افتراق الحادّ من المحدود، مع ما ذكرنا من تشابه الأمكنة في تمام الماهيّة، وأمّا إذا كان خارجاً، فلتشابه الأمكنة فقط.

إن قلت‏

: يمكن أن يكون بعض الأمكنة دون بعض لازماً عقليّاً لجسم دون جسم، فلا يحتاج كونه فيه إلى جعل جاعل، كما أنّ للعلم والقدرة والسمع والبصر والحياة ونحوها من صفات الذات أفراداً متشابهة في تمام الماهيّة، وجملة من أفرادها لوازم‏

____________

(1). لقمان (31): 24.

(2). تقدم في كلام ابن سينا.

31

عقليّة لواجب الوجود لا يحتاج اتّصافه بها إلى جعل جاعل عندكم، وجملة اخرى من أفرادها للممكنات.

قلت‏

: اللازم العقلي لشي‏ء ليس له أفراد حقيقيّة؛ أي مختلفة في نفسها، أي مع قطع النظر عن اختلاف موصوفها أو متعلّقها، إنّما له الحصص التي لا اختلاف بينها، إلّا اختلاف موصوفها أو متعلّقها؛ فكلّ من اتّصف بحصّة منها على سبيل اللزوم العقلي، أو بتأثير مؤثّر موجب يجب أن يكون متّصفاً بكلّ واحدٍ من الحصص المختلفة باختلاف المتعلّق فقط، ولا يمكن أن يتبدّل فيه حصّة منها بحصّة اخرى، ولذا يجب أن يكون الواجب الوجود تعالى متّصفاً بالعلم بكلّ شي‏ء، وبالقدرة على كلّ شي‏ء، وبسماع كلّ صوت، وبإبصار كلّ مبصر، بخلاف الممكن، والمكانُ ليس كذلك؛ لأنّه يمكن أن يتبدّل مكان جسم مع كون المتمكّن واحداً في الحالتين، فلو لم يكن اختلاف المكانين إلّاباختلاف الموصوف أو المتعلّق، كاختلاف علمنا وعلم اللَّه تعالى، وكاختلاف علم اللَّه تعالى بوجود زيد وعلمه بوجود عمرو، لم يكن هذا التبدّل في المكان.

إن قلت‏

: المكان بمعنى البُعد كالامتداد الزماني؛ أي لا وجود له في الأعيان؛ لأنّه ليس جوهراً ولا عرضاً، إنّما له فيها الثبوت النظير للوجود الذهني عند القائلين به، فلا نسلّم أنّه يتبدّل حقيقةً مكان جسم مع كون المتمكّن واحداً، فيجوز أن يكون الاختصاص بالمكان بتبعيّة الاختصاص بوضع معيّن شخصاً أو نوعاً بالنسبة إلى الأجسام الاخرى، ولهذا لا يتصوّر حركة الجسم المحيط بجميع ما عداه من الأجسام في الأين، ولا يتصوّر خلاء إلّافي داخل الأجسام، ويقال: أين زيد من عمرو، والأوضاع مختلفة الحقائق، فيجوز أن يكون بعضها لازماً عقليّاً، أو مقتضى طبيعة لجسم دون بعض آخر، ودون الأجسام الاخرى.

قلت‏

: لا يجوز أن يكون الوضع لازماً عقليّاً؛ لما ذكرنا في المكان من جواز تبدّل أفراده مع بقاء الجسم بعينه.

32

ثمّ إنّ الوضع من قبيل النسبة، وهي فرع المنتسبين، فلا يكفي في تحقّقه بعض الأجسام، ومجموعها من حيث المجموع لا يمكن أن يجعل لنفسه الوضع بمعنى نسبة بعض أجزائه إلى بعض، لا بنفسه ولا بجزئه ولا بعارضه؛ لأنّ للجزء والعارض أيضاً وضعاً، وافتراق الحادّ من المحدود والمؤلّف من المؤلّف بديهيّ.

إن قلت‏

: اختصاص الجسم المحيط بما عداه بمكانه بسبب مقداره اللازم له عقلًا؛ فإنّه لا يسعه مكان آخر، فهكذا إلى الأرض.

قلت‏

: ليس مقدار جسم ولا تشخّصه ولا وجوده لازماً عقليّاً لذاته؛ لتشابه المقادير في تمام الحقيقة بديهةً، ويجي‏ء تفصيله في سادس «باب النهي عن الجسم والصورة».

الدليل الرابع:

(لِمَ لَاتَسْقُطُ السَّمَاءُ عَلَى الْأَرْضِ؟)

. المراد بالسماء السحاب، ويحتمل أن يُراد ما يشمل الأفلاك، وحاصله: أنّا نرى كلّاً من الماء والبَرَد والثلج ونحو ذلك- إذا لم يكن تحته جسم يكون عموداً له ومانعاً من حركته- يتحرّك إلى سفلٍ، إمّا صريحٍ كما في الساقط، أو غير صريح كما في الجاري على وجه الأرض، وإذا كان تحته جسم مانع، يحسّ منه مدافعة وميل إلى السفل، ونرى السحاب الثقال تسخّر في الجوّ بغير عمد نراها، سواء كان بمحض القدرة كما في السحاب الساكن، أم بالريح كما في المتحرّك، فإنّ الريح هواء متحرِّك غير مرئيّ، وليس حدوث الريح بنحو طبع الأجسام.

وما يُقال من أنّ سببه نحو التخلخل أو التكاثف ممّا يُضحك الثكلى، فاللَّه تعالى هو الذي يُنشئ السحاب الثقال، كما في سورة الرعد (1) «وَ يُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا

____________

(1). مقتبس من سورة الرعد (13): 2. في حاشية «أ»: «قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى في سورة الرعد: «اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها» إلى آخره، «عمد» أي أساطين جمع عماد كإهاب وأهب أو عمود، وقرئ: عمد كرسل. «تَرَوْنَها» صفة لعمد، أو استئناف للاستشهاد برؤيتهم السموات كذلك، وهو دليل على وجود الصانع الحكيم؛ فإنّ ارتفاعها على سائر الأجسام المساوية لها في حقيقة الجرمية، واختصاصها بما يقتضي ذلك لابدّ وأن يكون بمخصّص ليس بجسم ولا جسماني يرجّح بعض الممكنات على بعض بإرادته». تفسير البيضاوي، ج 2، ص 332.

33

بِإِذْنِهِ» كما في سورة الحجّ. (1)

ويُحتمل أن يُراد بالسماء المطر، وبسقوطها انحدارها مرّة واحدة لا بقطرات وتدريج. وفيه من الدلالة ما لا يخفى.

الدليل الخامس:

(لِمَ لَاتَنْحَدِرُ الْأَرْضُ فَوْقُ‏

(2)

طِبَاقِهَا).

الحدر- بالفتح والمهملات-: الحطّ من علو إلى سفل، والحدر أيضاً الإحاطة بالشي‏ء. (3) والانحدار هنا إمّا مطاوع الأوّل؛ أي لِمَ لا تنحطّ.

وهو ناظر إلى مذهب من يقول: إنّ الأرض كانت كُرَة صغيرة، فدُحيت ومدّت وفرشت، فصارت كأنّها قطعة قريبة من الربع من وجه كرة عظيمة، فكان مجموع الأرض والماء كرة واحدة، مركزها في الماء، وهو مركز ثقل العالم. وإمّا مطاوع الثاني؛ أي لِمَ لا يحاط. وهو ناظر إلى مذهب من يقول من الزنادقة: إنّ الأرض كرة على حدة مركزها مركز ثقل العالم، وأنّ الماء محيط بثلاثة أرباع من الأرض تقريباً، وهو كرة ناقصة. (4)

و «فوق» بالرفع بدل بعض من الأرض.

و «طباق» بكسر المهملة جمع طبقة أو طبق بفتحتين، كرقبة ورقاب، وجبل وجبال. (5) قيل: والسماوات طباق طبقة فوق طبقة، أو طبق فوق طبق؛ انتهى. (6)

وقيل: لمطابقة بعضها بعضاً؛ انتهى. (7)

وظاهره أنّه ليس بجمع بل مصدر وُصف به، وكأنّه لندور «فعال» في جمع «فعلة»

____________

(1). الحجّ (22): 65.

(2). في الكافي المطبوع: «فوقَ» بالفتح.

(3). كتاب العين، ج 3، ص 178؛ لسان العرب، ج 4، ص 172 (حدر).

(4). انظر المواقف، ج 2، ص 479؛ شرح المقاصد، ج 1، ص 354.

(5). كتاب العين، ج 5، ص 108؛ لسان العرب، ج 10، ص 210 (طبق).

(6). أساس البلاغة للزمخشري، ص 383 (طبق).

(7). القاموس المحيط، ج 3، ص 256 (طبق).

34

الصفةِ كطبقة دون الاسم كرقبة الذي يجي‏ء في «كتاب الزكاة» في رابع «باب منع الزكاة» (1) وتاسع عشره وهو الباب الثاني، (2) وفي «كتاب النكاح» في سادس «باب اللواط» وهو الباب المائة وستّة وثمانون، (3) وثاني «باب من أمكن من نفسه» وهو الباب المائة وسبعة وثمانون: أنّ‏ (4) للأرض التي نحن عليها سبعَ طبقات. (5)

والمشهور في كتب الفلاسفة ومَن تبعهم أنّ للأرض التي نحن عليها ثلاثَ طبقات متلاصقة بعضها فوق بعض: الاولى: المخالطة بغيرها التي فيها الجبال والمعادن وكثير من الحيوانات والنباتات. الثانية: الطينيّة. الثالثة: المحيطة بالمركز. (6)

والمراد بقوله: «فوق طباقها» الاولى، فإنّها الأنسب باستعمالات اللغة، وبمقام الاستدلال على الصانع.

وأمّا قوله تعالى في سورة الطلاق: «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ» (7) فيمكن أن يكون المراد بالأرض فيه ما تحت أقدام من في مكّة، ويشمل كلّ ما تحت افق مكّة إلى منتهى المكان، وهي مبنيّة على أنّ السماوات السبع لم يحطن بأرضنا، وإنّما هنّ فوق افق مكّة، ولا حركة لهنّ، والكواكب يسبحون فيهنّ كالحوت في الماء، والطير في الهواء، وهنّ نصف مدار الكواكب، والنصف الآخر من مدارها سبع أرضين، وهنّ بعض الأرض، ومساوية للسماوات السبع في المقدار، ولا حركة لهنّ أيضاً.

وحاصل الدليل: أنّا نرى الأرض أثقل من الماء، والماء أثقل من الهواء، فإن كان مركز الأرض مركز العالم، فلِمَ لا يحيط الماء بجميع وجه الأرض، ولا يخرج الهواء

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 503، باب منع الزكاة، ح 4.

(2). الكافي، ج 3، ص 505، باب منع الزكاة، ح 19.

(3). الكافي، ج 5، ص 546، باب اللواط، ح 6.

(4). في «ج»:-/ «أنّ».

(5). الكافي، ج 5، ص 549، باب من أمكن من نفسه، ح 2.

(6). حكاه العلّامة في كشف المراد، ص 12 عن المشهور عند الجمهور؛ وحكاه العلّامة المجلسي عن الحكماء في بحار الأنوار، ج 56، ص 389، و ج 57، ص 97.

(7). الطلاق (65): 12.

35

منه؟ وإن كان مركز الأرض غير مركز العالم، فلِمَ لا تنحطّ الأرض بحيث ينطبق مركزها على مركز العالم؟ أي يظهر بذلك أنّ إمساك الماء أو الأرض ليس بفاعل موجب كطبع الماء والأرض، بل بتدبير مدبّر العالم لتعيش مخلوقاته من الإنسان وسائر الحيوانات، وقد أجرى عادته فيما أجرى لمصلحة وخرقها في غيره لمصلحة اخرى، وليعلم أنّه ربّ كلّ شي‏ءٍ وخالقه.

ولم يقدر الزنادقة الطبيعيّون على تمجمج في دفع هذه الشناعة عن أنفسهم والحمد للَّه، فإنّهم إن قالوا: بعض الأرض أثقل من بعض بكثير، فمركز ثقل الأرض ليس في وسط حجمها، فانكشف بعضها ليبسها كالجزائر في البحر.

قلنا: من خفّف بعضها وثقّل بعضها؟

وإن قالوا: الأرض كرتان إحداهما مصمتة، والاخرى على وجه الاولى كالمتمّم الحاوي والعناصر خمس.

قلنا: من رقّق بعض المتمّم، وغلّظ الباقي، مع أنّ الطبع واحد؟

(فَلَا يَتَمَاسَكَانِ، وَلَا يَتَمَاسَكُ مَنْ عَلَيْهَا؟).

الفاء للبيان، ولذا كان مدخولها مرفوعاً، مثل: ألم تسأل الربع القواء فينطق. (1) والربع بالفتح: الدار، والقواء- بكسر القاف والمدّ-:

الأرض الخالية عن أهلها.

والتماسك: التمالك. قال الجوهري: ما تماسك أن قال ذلك، أي ما تمالك. (2) يعني يبيّن ما ذكر من الأدلّة أنّ السماء والأرض لا يحفظان نفسيهما عن الزوال عن مكانيهما، ويحتاجان إلى مُمسك، وأهل الأرض لا يحفظون أنفسهم عن الزوال عن أمكنتهم، ولذا يسقطون عن السطح، ويتردّون في البئر، فكيف يمكن أن يكون أحد منهم‏

____________

(1). حكاه الطوسي في التبيان، ج 7، ص 336 عن الشاعر وتمامه:

ألم تسأل الربع القواء فينطق‏* * * وهل يخبرنك اليوم سملق‏

وحكاه أيضاً القرطبي في تفسيره، ج 12، ص 91؛ والرضي في شرحه على الكافية، ج 4، ص 66/ 649، وفي لسان العرب، ج 1، ص 300 عن ثعلب.

(2). الصحاح، ج 4، ص 1608 (مسك).

36

ممسكاً للسماء والأرض عن الزوال؟ وهذا مأخوذ من قوله تعالى في سورة فاطر: «إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَ لَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً» (1) بأن يكون «زالتا» بمعنى لم يمسكهما؛ تعبيراً عن الملزوم باللازم.

(قَالَ الزِّنْدِيقُ: أَمْسَكَهُمَا اللَّهُ رَبُّهُمَا وَسَيِّدُهُمَا. قَالَ: فَآمَنَ الزِّنْدِيقُ)

أي صرّح بكلمة الإيمان؛ لأنّه بلغ الدليل في الوضوح إلى هذا الحدّ الذي لا مجال للكلام عليه.

(عَلى‏ يَدَيْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، فَقَالَ لَهُ حُمْرَانُ)؛

هو ابن أعين:

(جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنْ آمَنَتِ الزَّنَادِقَةُ عَلى‏ يَدَيْكَ فَقَدْ آمَنَ الْكُفَّارُ)

. الجزاء محذوف اقيم دليله مقامه؛ أي فلا تَعجُّبَ؛ لأنّه قد آمن الكفّار

(عَلى‏ يَدَيْ أَبِيكَ).

يريد رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله).

(فَقَالَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي آمَنَ عَلى‏ يَدَيْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): اجْعَلْنِي مِنْ تَلَامِذَتِكَ)

أي ممّن تفيدهم علم الدِّين.

(فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): يَا هِشَامَ بْنَ الْحَكَمِ، خُذْهُ إِلَيْكَ)؛

أي ضمّه إليك.

(وَعَلِّمْهُ. فَعَلَّمَهُ هِشَامٌ؛ وَكَانَ‏

(2)

مُعَلِّمَ أَهْلِ الشَّامِ وَأَهْلِ مِصْرَ الْإِيمَانَ).

هذا كلام عليّ بن منصور.

(وَحَسُنَتْ طَهَارَتُهُ حَتّى‏ رَضِيَ بِهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)).

يمكن أن يكون من كلام عليّ، وأن يكون من كلام هشام.

الثاني:

(عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي هَاشِمٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَسِّنٍ)

. في كتب الرجال أحمد بن الحسن. (3)

(الْمِيثَمِيِّ)؛

بكسر الميم وسكون الخاتمة وفتح المثلّثة.

(قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي مَنْصُورٍ الْمُتَطَبِّبِ)؛

بصيغة اسم الفاعل من باب التفعّل، قالوا:

____________

(1). فاطر (35): 41.

(2). في الكافي المطبوع: «فكان».

(3). منتهى المقال، ج 1، ص 242، الترجمة 126.

37

ليس للتكلّف بل للمبالغة في تعلّم الطبّ. (1)

(فَقَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ).

اسمه عبد الكريم، كان من تلامذة الحسن البصري، فانحرف عن التوحيد، فقيل له: تركت مذهب صاحبك ودخلت فيما لا أصل له ولا حقيقة؟ فقال: إنّ صاحبي كان مخلّطاً، كان يقول طوراً بالقدر، وطوراً بالجبر، وما أعلمه اعتقدَ مذهباً دامَ عليه، كما يجي‏ء في «كتاب الحجّ» في أوّل «باب ابتلاء الخلق واختبارهم بالكعبة» وهو الباب السادس. (2)

(وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُقَفَّعِ)؛

بضمّ الميم وفتح القاف وفتح الفاء المشدّدة. وابن المقفّع أوّل من اعتنى في بلاد الإسلام بترجمة كتب أرسطو وغيره المنطقيّة لأبي جعفر المنصور، وهو فارسي النسب، وله تأليفات اخرى. (3)

(فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَقَالَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ: تَرَوْنَ هذَا الْخَلْقَ؟- وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلى‏ مَوْضِعِ الطَّوَافِ-)

أي أشار إلى أهل الطواف جميعاً.

(مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ أُوجِبُ)؛

بصيغة المتكلّم من باب الإفعال.

(لَهُ اسْمَ الْإِنْسَانِيَّةِ إِلَّا ذلِكَ الشَّيْخُ الْجَالِسُ- يَعْنِي أَبَا عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام)- فَأَمَّا الْبَاقُونَ فَرَعَاعٌ)؛

كسحاب اسم جمع؛ أي الذين يخدمون بطعام بطونهم، ويتبعون كلّ أحد. (4)

(وَبَهَائِمُ)

في البلادة.

(فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ: وَكَيْفَ أَوْجَبْتَ هذَا الِاسْمَ)

أي اسم الإنسانيّة

(لِهذَا الشَّيْخِ دُونَ هؤُلَاءِ؟).

يشير إلى أنّه لا فرق بينه وبينهم.

(قَالَ: لِأَنِّي رَأَيْتُ عِنْدَهُ مَا لَمْ أَرَهُ عِنْدَهُمْ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ: لَابُدَّ مِنِ اخْتِبَارِ مَا قُلْتَ فِيهِ)؛

متعلّق ب «قلت».

(مِنْهُ)

؛ متعلّق باختبار.

____________

(1). حكى عكس ذلك الزبيدي في تاج العروس، ج 2، ص 179 (طبب).

(2). الكافي، ج 4، ص 197، باب ابتلاء الخلق واختيارهم بالكعبة، ج 1.

(3). عيون الأنباء في طبقات الأطبّاء، ص 413؛ الأعلام للزركلي، ج 4، ص 140 (ابن المقفع).

(4). انظر لسان العرب، ج 8، ص 128 (رعع).

38

(قَالَ: فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْمُقَفَّعِ: لَاتَفْعَلْ؛ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُفْسِدَ)؛

من الإفساد، أو من باب نصر وضرب وحسن.

(عَلَيْكَ مَا فِي يَدِكَ)

؛ مفعول «يفسد» أو فاعله. والمراد ما كان يتمسّك به على مذهبه، أو نفس مذهبه.

(فَقَالَ: لَيْسَ ذَا)

أي الخوف على هذا.

(

رَأْيَكَ، وَلكِنْ تَخَافُ أَنْ يَضْعُفَ)؛

بصيغة المعلوم من باب حسن ونصر.

(رَأْيُكَ عِنْدِي فِي إِحْلَالِكَ)؛

بالمهملة.

(إِيَّاهُ الْمَحَلَّ الَّذِي وَصَفْتَ، فَقَالَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ:

أَمَّا)؛

بفتح الهمزة وتشديد الميم للشرط والتأكيد والتفصيل، لكن اكتفى بذكر أحد الشقّين عن الآخر هنا؛ أو تخفيفها حرف تنبيه واستفتاح.

(إِذَا تَوَهَّمْتَ عَلَيَّ هذَا).

«على» للإضرار؛ أي إذا أسأت توهّمك في حقّي.

(فَقُمْ).

الفاء- على تشديد الميم- قيل: جواب لأمّا، و «إذا» على الأوّل للظرفيّة بدون شرط واستقبال بمعنى حين، وعلى تخفيفها جواب ل «إذا» الشرطيّة.

(إِلَيْهِ)؛

متعلّق ب «قم» لتضمينه معنى المشي.

(وَتَحَفَّظْ)؛

بصيغة الأمر من باب التفعّل؛ أي احفظ نفسك.

(مَا اسْتَطَعْتَ).

«ما» حرف مصدريّة زمانيّة بمعنى ما دام، نحو ما دمت حيّاً، أصله:

مدّة دوامي حيّاً، فحذف‏ (1) الظرف وخَلَفته ما وصلتها، كما جاء في المصدر الصريح: جئتك صلاةَ العصر، وآتيك قدومَ الحاجّ، ومنه: «إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ» (2). ولو كان معنى كونها زمانيّةً أنّها تدلّ على الزمان بذاتها لا بالنيابة، لكانت اسماً، ولم تكن مصدريّة.

(مِنَ الزَّلَلِ)؛

متعلّق ب «تحفّظ». و «الزلل» بفتحتين من باب ضرب وعلم: النقصان، تقول: زلّت الدراهم، أي نقصت في الوزن؛ وفي ميزانه زلل، أي نقصان. والمقصود أمره بسلاطة اللِّسان‏ (3) وتواتر الكلام. والزلل أيضاً الزلق في الرأي والمنطق، ويُقال‏

____________

(1). في «ج»: «فحذفت».

(2). هود (11): 88.

(3). في حاشية «أ»: السلط والسليط: الشديد، واللسان الطويل، والطويل اللسان. وقد سلط- ككرم وسمع- سلاطة (من ق). القاموس المحيط، ج 2، ص 365 (سلط).

39

أيضاً: مقام زلل، أي يُزلُّ فيه. (1)

(وَلَا تَثْنِي)؛

بالمثلّثة والنون والخاتمة، بصيغة المضارع المخاطب المعلوم من باب ضرب. وهذا خبر، أي أنا أعلم أنّك لا تعطف في مجلسه.

(عِنَانَكَ)؛

بكسر المهملة، وهو ما يأخذه الراكب بيده من لجام الفرس، شبّهه بالفرس أو براكبه. و «العنان» أيضاً المعانّة، وهي المعارضة.

(إِلَى اسْتِرْسَالٍ)؛

متعلّق ب «لا تثني»، يُقال: استرسل إليه: إذا انبسط واستأنس. والمراد به هنا الاستماع والإنصات.

(فَيُسَلِّمُكَ)؛

(2) بالرفع، يُقال: سلّمت إليه الشي‏ء تسليماً وأسلمت، أو أعطيته إيّاه.

ويُقال أيضاً: أسلمه، أي أسَّرَهُ. والسلم بفتحتين: الأسير؛ لأنّه مستسلم أي منقاد.

واستعماله مع «إلى» حينئذٍ لتضمين معنى الضمّ.

(إِلى‏ عِقَالٍ).

العقل: الحبس، والعقال- بكسر المهملة وتخفيف القاف-: حبل يشدّ به البعير، فلا يقدر على المشي؛ (3) وبضمّ المهملة وتشديد القاف: ظَلَعٌ‏ (4) يأخذ في قوائم الدابّة.

(وَسِمَةِ مَا لَكَ وَعَلَيْكَ‏

(5)

بكسر المهملة وفتح الميم والتاء: أثر الكيّ‏ (6) في الحيوانات، وهو معطوف على عقال، ومضاف إلى ما الموصولة؛ فالمعنى: ويسلّمك إلى قاعدة تعرف بها مالك وعليك؛ لئلّا تتكلّم بما لا طائل تحته.

(قَالَ: فَقَامَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ، وَبَقِيتُ أَنَا وَابْنُ الْمُقَفَّعِ جَالِسَيْنِ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَيْنَا ابْنُ أَبِي‏

____________

(1). لسان العرب، ج 11، ص 307؛ القاموس المحيط، ج 3، ص 389 (زلل).

(2). في الكافي المطبوع: «فَيُسَلِّمَكَ» بفتح الميم.

(3). تاج العروس، ج 15، ص 513 (عقل).

(4). ظلع البعير، كمنع: غمز في مشيه [الظلاع‏] كغرب داء في قوائم الدابة لا من سير ولا تعب». القاموس، ج 3، ص 60 (ظلع).

(5). في الكافي المطبوع: «وَسِمْهُ مالك أو عليك».

(6). كواه يكويه كياً: أحرق جلده بحديدة ونحوها. القاموس المحيط، ج 4، ص 384 (كيى).

40

الْعَوْجَاءِ، قَالَ: وَيْلَكَ يَا ابْنَ الْمُقَفَّعِ).

الويل: الموت فجأةً، وهو منصوب بإضمار حرف النداء، وهذا دعاء على المخاطب، وقد يَرِد للتعجّب، نحو: ويل امِّه مِسْعرَ (1) حَربٍ؛ تعجّباً من شجاعته وجرأته وإقدامه، ونصب «مسعر» على التمييز.

(مَا هذَا بِبَشَرٍ)؛

تعجّبٌ من تفرّسه وإحاطته (عليه السلام) بأنواع الأدلّة.

(وَإِنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا)

أي في الجسمانيّات.

(رَوحَانِيٌّ)؛

(2) بفتح الراء أو بضمّها نسبةً إلى الروح بضمّ الراء. والمراد عقل مجرّد من جملة العقول العشرة التي تُثبِتها الزنادقة وتعتقد ثبوت صور جميع الكائنات فيها. (3)

(يَتَجَسَّدُ)

أي يتعلّق بالبدن.

(إِذَا شَاءَ ظَاهِراً)؛

مفعول به ل «شاء» أو حال مؤكّدة عن فاعل «يتجسّد».

(وَيَتَرَوَّحُ)

أي يقطع التعلّق عن البدن.

(إِذَا شَاءَ بَاطِناً، فَهُوَ هذَا، قَالَ‏

(4)

لَهُ: وَكَيْفَ ذلِكَ؟ فَقَالَ‏

(5)

: جَلَسْتُ إِلَيْهِ)؛

متعلّق ب «جلست» لتضمينه معنى «توجّهت».

(فَلَمَّا لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ غَيْرِي، ابْتَدَأَنِي، فَقَالَ: إِنْ يَكُنِ الْأَمْرُ عَلى‏)

أي مبنيّاً على‏

(مَا يَقُولُ هؤُلَاءِ)

من أنّ للعالم صانعاً. هذا إلى آخره ردّ لقوله: «ما منهم أحدٌ اوجِب له اسم الإنسانيّة».

(وَهُوَ)

أى‏ه‏ض‏مر

(عَلى‏ مَا يَقُولُونَ).

الجملة معترضة بين الشرط والجزاء.

(يَعْنِي أَهْلَ الطَّوَافِ).

كلام ابن أبي العوجاء، وهو لتفسير «هؤلاء» وضمير «يقولون».

____________

(1). والمسعر: موقد نار الحرب. القاموس المحيط، ج 2، ص 48 (سعر).

(2). في الكافي المطبوع: «رُوحاني» بضمّ الراء.

(3). العقول العشرة فرضية فرضها المشّاؤون لتصحيح صدور الكثير من الواحد، وهي مبتنية على وجود الأفلاك التسعة وكونها ذوات نفوس مريدة.

(4). في الكافي المطبوع: «فقال».

(5). في الكافي المطبوع: «قال».

41

(فَقَدْ سَلِمُوا وَعَطِبْتُمْ)؛

بصيغة المعلوم من باب علم. والعطب بفتحتين: الهلاك.

(وَإِنْ يَكُنِ الْأَمْرُ عَلى‏ مَا تَقُولُونَ)

من أنّه ليس للعالم صانع.

(- وَلَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ-)

. استعملَ هنا الكاف بدل «على» لإفادة أنّ الحقّ لا يشبه قول الزنادقة أصلًا.

(فَقَدِ اسْتَوَيْتُمْ، وَهُمْ. فَقُلْتُ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ).

هذا على عادة أهل الزمان، وقد يصدر عن الجاحد للَّه‏تعالى، ويجي‏ء مثله في الحديث الآتي.

(وَأَيَّ شَيْ‏ءٍ نَقُولُ؟ وَأَيَّ شَيْ‏ءٍ يَقُولُونَ؟ مَا قَوْلِي وَقَوْلُهُمْ إِلَّا وَاحِداً)

. نصب خبر «ما» مع انتقاض النفي ب «إلّا» ممّا جوّزه يونس‏ (1) من النحاة وأنشد:

وما الدهر إلّامنجنوناً (2) بأهله‏* * * وما صاحب الحاجات إلّامُعذّبا

(3)

وجوّزه الفرّاء بشرط كون الخبر وصفاً. وفي «باب القدرة» من التوحيد لابن بابويه «واحد» بالرفع. (4) أنكر الزنديق إنكاره‏ (5) للصانع.

(فَقَالَ: وَكَيْفَ يَكُونُ قَوْلُكَ وَقَوْلُهُمْ وَاحِداً وَهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ لَهُمْ مَعَاداً وَثَوَاباً وَعِقَاباً، وَيَدِينُونَ)

أي وذلك مبنيّ على أنّهم يدينون‏

(بِأَنَّ فِي السَّمَاءِ

(6)

إِلهاً).

«في» هنا للظرفيّة المجازيّة، نحو قوله: «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏» (7)، ونحو: اللّهُمَّ احفظني في أهلي؛ أو للمصاحبة، وهي التي تحسن في موضعها «مع» نحو: «قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ»، (8) أي مع امم ونحو: «فَخَرَجَ عَلى‏ قَوْمِهِ‏

____________

(1). هو يونس بن حبيب اللغوي، كان عثماني الهوى كما في أمالي الشيخ الطوسي ص 608، ح 4 سؤال يونس النحوي من الخليل بن أحمد عن عليّ. وانظر قاموس الرجال، ج 11، ص 164.

(2). المنجنون: الدولاب يستقى عليه، أو المحالة يسنى عليها. القاموس المحيط، ج 4، ص 270 (جنن).

(3). حكاه الرضي في شرحه على الكافية، ج 2، ص 187؛ عمدة القاري، ج 9، ص 283.

(4). التوحيد، ص 127، باب القدرة، ح 4.

(5). في حاشية «أ»: «إنكاره مفعول به لأنكر».

(6). في حاشية «أ»: وفي باب القدرة من كتاب التوحيد «للسماء» بدل «في السماء».

(7). الشورى (42): 23.

(8). الأعراف (7): 38.

42

فِي زِينَتِهِ» (1) أي معها.

(وَأَنَّهَا عُمْرَانٌ)؛

بضمّ المهملة وسكون الميم مصدر كشكران وكفران وغفران، من عمر المكان كنصر وحسن وعلم عمارةً بالكسر: ضدّ خرب، فهو عامر؛ استعمل بمعنى الفاعل للمبالغة، لمّا كان الدار التي لها مدبّر عامراً، استعمل لفظ اللازم في الملزوم.

والمراد أنّ لها مدبّراً وحافظاً، ويحتمل أن يكون المراد أنّها مسكن الملائكة.

(وَأَنْتُمْ تَزْعُمُونَ).

الزعم مثلّثة من باب نصر: القول الحقّ والباطل، وأكثر ما يقال فيما يشكّ فيه.

(أَنَّ السَّمَاءَ خَرَابٌ)؛

بفتح المعجمة مصدر خرب المكان كعلم: إذا فسد، فهو خرب، ودار خربة؛ استعمل في الموضع الخرب. (2)

(لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ؟!)

. صفة «خراب» للتفسير، أو خبر آخر. والمراد بالأحد الإله أو الملك.

(قَالَ: فَاغْتَنَمْتُهَا)

أي تلك الكلمة

(مِنْهُ)

؛ حيث لم يكتف بدعوى وجود الصانع، بل ضمّ إليه دعوى التكليف والمعاد والثواب والعقاب، أو حيث ذكرها (عليه السلام) بدون تصريح منّي باعتقادي.

(فَقُلْتُ لَهُ: مَا مَنَعَهُ- إِنْ كَانَ)

. لم يقل «لو كان» خوفاً من التصريح بالاعتقاد.

(الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُونَ-)

أي أهل الطواف.

(أَنْ يَظْهَرَ لِخَلْقِهِ).

يريد بالظهور نصب الدلائل الواضحة، وهذا إشارة منه إلى أنّ اعتقادكم بوجود الصانع لم يحصل إلّابقول من ادّعى أنّه رسول منه، وأنتم تزعمون أنّ عليه دليلًا خفيّاً.

ويحتمل أن يكون المراد بالظهور كونَه محسوساً مرئيّاً، وحينئذٍ كان قوله: «و كيف احتجب» من قبيل حمل كلام الخصم على غير مراده مبالغةً في امتناع مراده، كما يجي‏ء

____________

(1). القصص (28): 79.

(2). في حاشية «أ»: «وفيه إشارة إلى ما ذهب إليه الفلاسفة من استحالة الخرق والالتيام والسكون والحركة المستقيمة في الفلكيّات ومن أنّ إيجاد العالم بعنوان الإيجاب، فلا يستحقّ موجده حمداً فضلًا عن العبادة».

43

نظيره في سادس «باب في إبطال الرؤية».

(وَيَدْعُوَهُمْ إِلى‏ عِبَادَتِهِ)

بعد نصب الدلائل الواضحة.

(حَتّى‏ لَايَخْتَلِفَ مِنْهُمُ):

من خلقه‏

(اثْنَانِ).

المراد بالاختلاف الاختلاف لأجل عدم الدليل الواضح.

(وَلِمَ احْتَجَبَ عَنْهُمْ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ)

أي لم ينصب دليلًا واضحاً قبل إرسال الرسل على نفسه، وإنّما احتجّ على وجوده بقول الرسل وبيانهم لدليل خفيّ، كما زعم الفلاسفة ومَن تبعهم أنّه مبنيّ على إبطال التسلسل في الامور المتعاقبة، أو إثبات احتياج الممكن في البقاء إلى مؤثّر، ونحو ذلك من المقدّمات الدقيقة جدّاً. (1)

(وَلَوْ بَاشَرَهُمْ بِنَفْسِهِ)

أي لو نصب لهم أدلّة واضحة قبل إرسال الرُّسل.

(كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ).

هذا من قبيل دليل المعتزلة على وجوب اللطف على اللَّه، (2) ويجي‏ء إبطاله في «باب الاستطاعة»، ولم يتعرّض (عليه السلام) هنا له لئلّا يتوهّم أنّ الواقع خفاء الدليل.

(فَقَالَ لِي: وَيْلَكَ، وَكَيْفَ احْتَجَبَ عَنْكَ مَنْ أَرَاكَ قُدْرَتَهُ فِي نَفْسِكَ؟!)

. يريد أنّه تعالى نصب أدلّة واضحة على أنّه المدبِّر للعالم قبل إرسال الرسل؛ ومن تلك الدلائل ما في نفسك، ولم يقل: «أراك وجوب وجوده» بدل «أراك قدرته» إشارةً إلى أنّ إثبات الصانع بإثبات حدوث العالم عنه بالقدرة، لا بإثبات وجوب الوجود.

(نُشُوءَكَ وَلَمْ تَكُنْ).

النشوء بضمّ النون والمعجمة والواو والهمز كالحدوث وَزْناً ومعنىً، مصدر نشأ كمنع وحسن، أي حيي. وهو منصوب على أنّه بدل تفصيل لقوله:

«قدرته» والواو للحال أجرى الاتّصال مجرى المقارنة.

وهذا إلى آخره راجع إلى ما فصّلناه في الدليل الثاني من أوّل الباب، لكن أجراه في قسم من الحوادث التي ليست تحت مقدور المخلوقين، وهي ما في أنفسنا ليستنبط

____________

(1). انظر المسالك في اصول الدين، ص 52؛ معارج الفهم، ص 212؛ الحكمة المتعالية، ج 8، ص 12.

(2). حكاه في شرح المواقف، ج 8، ص 168.

44

منها حكم سائرها، كما فيما يجي‏ء في ثالث الباب‏ (1) من قوله: «إنّي لمّا نظرت إلى جسدي» إلى آخره.

ويحتمل أن يكون المراد علمنا برعايته المصالح مفصّلًا في كلّ حادث في أنفسنا، ونبني الكلام على هذا الاحتمال؛ لظهور الأوّل، فنقول:

دلالة هذا على الصانع باعتبار أنّ تولّد الإنسان المصوَّر بالصورة، المبعّض إلى الأعضاء والأجزاء المشتملة على الحِكَم والمصالح، الذكرِ أو الانثى من المنيّ البسيط الذي يصلح لكلّ صورة وأجزاء، وانثى وذكر، لا يمكن بديهةً أن يكون بسبب غير ذي علم وحكمة؛ فيكون عن قادر.

(وَكِبَرَكَ بَعْدَ صِغَرِكَ).

دلالة هذا باعتبار أنّ الإنسان حين تولّده ليس قادراً على جلب المنافع ودفع المضارّ، والاغتذاء بكلّ غذاء، فإعداد اللبن- المناسب لبدنه باعتبار الرطوبة في ثدي امّه لمعاشه-، وإلهامه مصّ الثدي، وتحنين الوالدين عليه ونحو ذلك ممّا يتوقّف عليه كبر الإنسان- ولولاه لم يَعِش طفل أصلًا- ليس إلّابتدبير وحكمة وقدرة.

(وَقُوَّتَكَ بَعْدَ ضَعْفِكَ).

دلالة هذا باعتبار أنّ الإنسان إذا كبر في الجملة، نبت له أضراس ليغتذي الغذاء المناسب لبدنه باعتبار اليبوسة القويّة المقوّية، وتهيّأ له أسباب القوّة على النسق المشاهد ليسعى في العمارة والزراعة والتجارة، ونحو ذلك ممّا يتوقّف عليه التمدّن، ولولاه لم يحصل للإنسان تعيّش، ولا يمكن أن يكون ذلك عن غير ذي علمٍ وقدرة وحكمة.

(وَضَعْفَكَ بَعْدَ قُوَّتِكَ).

دلالة هذا باعتبار أنّ نقص القُوى حين الشيخوخة مشتمل على حكمة؛ لأنّه مذكِّر للموت ومُؤنسٌ له، ولو كان الإنسان باقياً على قوّة الشباب، لم يحصل لمن نشأ بعده دخلٌ في الدنيا، واستقلّ بالتصرّف في أمواله دون ولده، ولم يحتج إلى خادم، فيختلّ كثير من معاش الناس. وفيه من الحكمة ما لا يخفى، فلا يصدر عن غير ذي علمٍ وقدرة وحكمة.

____________

(1). أي الحديث 3 من باب حدوث العالم و إثبات المحدث.

45

(وَسُقْمَكَ بَعْدَ صِحَّتِكَ).

دلالة هذا باعتبار أنّ الأمراض أكثرها في الأعزّة المخدومين، دون المغفول عنهم، وفي موضع يوجد فيه الأطبّاء دون القرى والصحاري، وقد وضع لكلّ مرض دلالات في بدن الإنسان، وعوارضُ باعتبار اللون والقارورة وحركة النبض ونحو ذلك؛ فهو بتدبير مدبّر.

(وَصِحَّتَكَ بَعْدَ سُقْمِكَ)

. دلالة هذا باعتبار أنّ حصول الصحّة ليس منوطاً بالأدوية المستعملة عند الأطبّاء، بل ربّما كان المغفول عنه أقرب إلى الصحّة، والتصدّقات والأدعية أشدُّ تأثيراً في إزالة كثير من الأمراض؛ فليس ذلك إلّابتدبير مدبّر، كما في قوله تعالى حكاية: «وَ إِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ» (1).

(وَ رِضَاكَ بَعْدَ غَضَبِكَ)

. دلالة هذا باعتبار أنّ الإنسان قد يرضى بفعل لم يكن ليرضى به، بل يحلف على الاجتناب عنه، كالأفعال الخسيسة وكالصناعات الدنيّة؛ فعلم أنّه بتدبير مدبّر.

(وَغَضَبَكَ بَعْدَ رِضَاكَ).

دلالة هذا باعتبار أنّ الإنسان قد ينقلع عن مرضيّ له لم يكن ينقلع عنه؛ فعلم أنّه بتدبير مدبّر.

(وَحَزَنَكَ بَعْدَ فَرَحِكَ)

. دلالة هذا باعتبار أنّ الإنسان قد يعرض له حزن لا يعلم له سبباً أصلًا؛ فعلم أنّه بتدبير مدبّر.

(وَفَرَحَكَ بَعْدَ حَزَنِكَ)

. دلالة هذا باعتبار أنّ الإنسان قد يعرض له فرح لا يعلم له سبباً أصلًا؛ فعلم أنّه بتدبير مدبّر.

(وَحُبَّكَ بَعْدَ بُغْضِكَ)

. دلالة هذا باعتبار أنّ الإنسان قد يحبّ شخصاً مبغوضاً له، ولا يعلم له سبباً أصلًا؛ فعلم أنّه بتدبير مدبّر.

(وَبُغْضَكَ بَعْدَ حُبِّكَ)

. دلالة هذا باعتبار أنّ الإنسان قد يبغض محبوباً له، ولا يعلم له سبباً أصلًا؛ فعلم أنّه بتدبير مدبّر.

(وَعَزْمَكَ بَعْدَ أَنَاتِكَ)

. يُقال: تأنّى في الأمر، أي تنظّر وترفّق، والاسم: الأناة مثل قناة،

____________

(1). الشعراء (26): 80.

46

وأصل الهمزة الواو من الونى بفتح الواو وفتح النون والألف، وبسكون النون والخاتمة:

الضعف والفتور. (1)

دلالة هذا باعتبار أنّ الإنسان قد يعزم على فعل لم يكن ليعزم عليه لمصالح نفسه، لا لغضبه له، فينكشف عن صلاح كالتجارات والأسفار النافعة للناس، وكثيراً ما يخرج الإنسان من بيت بلا سبب وفي غير وقت خروجه، فينهدم البيت؛ فعلم أنّ ذلك بتدبير مدبّر.

ولا يوجب ذلك الجبرَ، كما سيجي‏ء في «باب في أنّه لا يكون شي‏ء في الأرض ولا في السماء إلّابسبعة». (2)

(وَأَنَاتَكَ بَعْدَ عَزْمِكَ)

. دلالة هذا باعتبار أنّ الإنسان قد يفسخ عزماً لم يكن ليفسخ، وأكثر ذلك حين إخباره غيره عن نفسه أنّه سيفعل كذا بدون استثناء؛ فعلم أنّ ذلك بتدبير مدبّر.

وفي كتاب التوحيد لابن بابويه- (رحمه اللَّه تعالى)- في «باب في أنّه عزّ وجلّ لا يعرف إلّا به»:

أنّ رجلًا قام إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين، بماذا عرفت ربّك؟ قال:

«بفسخ العزم ونقض الهمّ، لمّا هممت فحِيلَ بيني وبين همّي، وعزمتُ فخالف القضاء عزمي، علمت أنّ المدبِّر غيري». (3)

(وَشَهْوَتَكَ بَعْدَ كَرَاهَتِكَ)

؛ بفتح الكاف من باب علم. دلالة هذا باعتبار أنّ الإنسان قد يشتهي الطعام والشراب والجماع والنوم وغير ذلك، ولو كان كارهاً لهذه دائماً لاختلّ النظام؛ ففي الاشتهاء رعاية مصالح لا تخفى، فليس إلّابتدبير مدبّر.

(وَكَرَاهَتَكَ بَعْدَ شَهْوَتِكَ)

. دلالة هذا باعتبار أنّ الاشتهاء لو كان دائميّاً لاختلّ النظام؛ ففي الكراهة رعاية مصالح لا تخفى، فليس إلّابتدبير مدبّر.

(وَرَغْبَتَكَ بَعْدَ رَهْبَتِكَ)

. هما بالفتح من باب علم: الإرادة والخوف. دلالة هذا باعتبار

____________

(1). تاج العروس، ج 19، ص 172 (أنى).

(2). الكافي، ج 1، ص 149، باب في أنه لا يكون شي‏ء في السماء والأرض إلّابسبعة.

(3). التوحيد، ص 288، باب أنّه عزّوجلّ لا يعرف إلّابه، ح 6.

47

أنّ الإنسان مجبول على أن يرغب في المنافع ولا يرهب، أي لا يخاف منها، ولو كان راهباً من كلّ شي‏ء لاختلّ النظام؛ ففي الرغبة رعاية المصالح، فليس إلّابتدبير مدبّر.

(وَرَهْبَتَكَ بَعْدَ رَغْبَتِكَ)

. دلالة هذا باعتبار أنّ الإنسان مجبول على الخوف للمضارّ وما هو مظنّتها، كالمواضع المظلمة الموحشة؛ وفيه من المصالح ما لا يخفى، فليس إلّا بتدبير مدبّر.

والظاهر من العبارة أنّ المرغوب فيه والمرهوب شي‏ءٌ واحد، والاختلاف في الأوقات، لكن رعاية المصلحة فيه غير معلومة لنا مفصّلًا.

(وَرَجَاءَكَ بَعْدَ يَأْسِكَ)

. دلالة هذا باعتبار أنّ الإنسان قد يرجو من غيره نفعاً، فيراعي جانبه، وتترتّب عليه مصالح، فلولا الرجاء لاختلّ النظام؛ فليس إلّابتدبير مدبّر.

(وَيَأْسَكَ بَعْدَ رَجَائِكَ)

. دلالة هذا باعتبار أنّ الإنسان لو كان راجياً من كلّ أحد، أو من أحد دائماً ومن جميع الجهات لاختلّ النظام، وتحبّس كلّ نفس؛ ففي اليأس في الجملة راحة ومصالح لا تخفى، فليس إلّابتدبير مدبّر.

(وَخَاطِرَكَ)

. أي وخطور خاطرك ببالك. والخاطر بصيغة اسم الفاعل: ما حصل في الذهن؛ من خطر ببالي كذا- كنصر وضرب-: إذا تحرّك في القلب ونشأ.

(بِمَا لَمْ يَكُنْ فِي وَهَمِكَ‏

(1)

)

. الباء للسببيّة. والوهم بالفتح: الذهن.

وهذا إشارة إلى أنّ خطور الخاطر بالبال على قسمين:

الأوّل: ما كان بسبب حصول ملزومه أو مقتضيه ضرورةً (2) في البال، كخطور الزوجيّة بعد حصول الأربعة في الذهن.

الثاني: ما كان بسببٍ هو غير حاصل في البال، بل يخطر بغتةً.

والمقصود في الاستدلال القسم الثاني، فإنّه يدلّ على أنّه بسبب إلهام مدبّر.

(وَعُزُوبَ مَا أَنْتَ مُعْتَقِدُهُ عَنْ ذِهْنِكَ).

العزوب- بضمّ المهملة والزاي والموحّدة-

____________

(1). في الكافي المطبوع: «وَهْمِك» بالجزم.

(2). في «ج»:-/ «ضرورة».

48

مصدر باب نصر وضرب: الغيبة. والاعتقاد: شدّ الشي‏ء بالقلب لئلّا ينسى.

دلالة هذا باعتبار أنّ الإنسان قد يصرّ على حفظ شي‏ء وينساه؛ فليس إلّابتدبير مدبّر.

روى ابن بابويه في كتابه في التوحيد في باب الاستطاعة عن عمرو- رجلٍ من أصحابنا- عمّن سأل أبا عبداللَّه (عليه السلام) فقال له: إنّ لي أهلَ بيت قدريّة يقولون: نستطيع أن نعمل كذا وكذا، ونستطيع أن لا نعمل، قال: فقال أبو عبداللَّه (عليه السلام): «قُل له: هل تستطيع أن لا تذكر ما تكره، وأن لا تنسى ما تحبّ؟ فإن قال: لا، فقد ترك قوله، وإن قال: نعم، فلا تكلّمه أبداً، فقد ادّعى الربوبيّة». (1)

(وَمَا زَالَ يُعَدِّدُ)

. التعديد: التكثير في العدّ.

(عَلَيَّ)؛

بفتح الياء المشدّدة.

(قُدْرَتَهُ)

أي آثار قدرة الصانع، فإنّ المقصود بإثبات الصانع إثبات قدرته، كما سبق في شرح عنوان هذا الباب.

(الَّتِي هِيَ فِي نَفْسِي، الَّتِي لَاأَدْفَعُهَا)

أي لا يمكنني دفعها وإنكارها؛ لضروريّتها.

(حَتّى‏ ظَنَنْتُ أَنَّهُ)

أي صانع العالم‏

(سَيَظْهَرُ)

مشاهداً محسوساً

(فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ).

هذا على سبيل المبالغة في الظهور بالبرهان، والحمد للَّه‏الذي برهانه أن ليس شأن ليس فيه شأنه.

الثالث:

(حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْأَسَدِيُّ- (رحمه اللَّه)

(2)

- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ‏ الْبَرْمَكِيِّ)؛

بفتح الموحّدة وسكون المهملة وفتح الميم؛ نسبةً إلى جدّ يحيى بن خالد، وهم البرامكة. (3)

(الرَّازِيِّ)؛

بالمهملة والزاي؛ نسبةً إلى الريّ بغير قياس.

____________

(1). التوحيد، ص 352، باب الاستطاعة، ح 22.

(2). في الكافي المطبوع:-/ «(رحمه اللَّه)».

(3). وهو وزير هارون الرشيد، سمّ مولانا الكاظم (عليه السلام) بأمر هارون العباسي. انظر قاموس الرجال، ج 11، ص 46، الترجمة 8330.

49

(عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ بُرْدٍ)؛

بضمّ الموحّدة وسكون الراء المهملة والدال المهملة.

(الدِّينَوَرِيِّ)؛

بكسر المهملة وسكون الخاتمة وفتح النون وفتح الواو والمهملة؛ نسبةً إلى بلد قرب همذان. (1)

(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ خَادِمِ الرِّضَا (عليه السلام)، قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ الزَّنَادِقَةِ عَلى‏ أَبِي الْحَسَنِ (عليه السلام) وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ، فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ (عليه السلام))

إيناساً للزنديق إلى الإصغاء إلى الحقّ.

(أَيُّهَا الرَّجُلُ، أَ رَأَيْتَ)؛

بهمزة الاستفهام وصيغة الخطاب، بمعنى «أخبرني».

(إِنْ كَانَ الْقَوْلُ)

أي الحقّ‏

(قَوْلَكُمْ)

. هو نفي الصانع المترتّب عليه نفي الشرائع.

(وَلَيْسَ هُوَ)

أي القول‏

(كَمَا تَقُولُونَ)

. زاد كاف التشبيه للدلالة على أنّ قولهم بعيد عن الحقّ.

(أَ لَسْنَا وَإِيَّاكُمْ)؛

الواو بمعنى «مع».

(شَرَعاً)؛

بفتح المعجمة وفتح الراء، ويجوز سكونها أيضاً، يُقال: هم في هذا الأمر شرع، أي متساوون، لا فضل لأحدهم على الآخر، وهو مصدر يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع، والمذكّر والمؤنّث.

(سَوَاءً)؛

بفتح المهملة والمدّ، يُقال: هما في هذا الأمر سواء، وإن شئت سواءان، و «هم سواء» للجمع، و «هم أسواء» أي متساوون.

(لَا يَضُرُّنَا مَا صَلَّيْنَا).

«ما» مصدريّة.

(وَصُمْنَا، وَزَكَّيْنَا).

يُقال: زكّى ماله تزكية: إذا أدّى عنه زكاته.

(وَأَقْرَرْنَا؟)

بوجود الصانع للعالم؛ وذلك لأنّ الحياة منقطعة، فبعد زوالها لا يبقى أثر، وفرق بين من فعل هذه الأشياء، ومن لم يفعل على رأي الزنادقة.

____________

(1). دينور: مدينة من أعمال الجبل قرب قرميسين، ينسب إليها خلق كثير، وبين الدينور وهمذان نيف وعشرون فرسخاً، ومن الدينور إلى شهرزور أربع مراحل، وهي كثيرة الثمار والزروع، وأهلها أجود طبعاً من أهل همذان. معجم البلدان، ج 2، ص 545.

50

(فَسَكَتَ الرَّجُلُ)

للتأمّل فيما قال.

(ثُمَّ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ (عليه السلام))

بعد مدّة ومُهلة لتأمّله‏

(: وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ)

أي الحقّ‏

(قَوْلَنَا)

وهو وجود الصانع المترتّب عليه بالمعجز ثبوت الشرائع، وأنّ منكري الصانع والشرائع مخلّدون في النار، والمصدّقين مخلّدون في الجنّة.

(وَهُوَ)

أي القول الحقّ‏

(قَوْلُنَا).

لم يزد كاف التشبيه هنا- وقد زاد في السابق- للدلالة على أنّ قولنا هو الحقّ بعينه، ليس إلّا.

(أَلَسْتُمْ قَدْ هَلَكْتُمْ وَنَجَوْنَا؟ فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ، أَوْجِدْنِي)؛

من أفعال القلوب الغي بالاستفهام؛ أي أعلمني.

(كَيْفَ هُوَ؟).

اسم استفهام مأخوذ من الكيف بالفتح: القطع والفصل، وهو هنا سؤال عن الكيفيّة (1) بمعنى خصوصيّة لشي‏ء موجودةٍ في نفسها في الخارج، عارضةٍ له؛ فهي غير الأين.

وقد يُطلق على أعمّ ممّا ذكر، كما يجي‏ء في سادس الثاني‏ (2) في شرح قوله: «فله كيفيّة» إلى آخره، ويجي‏ء فيه أيضاً قوله: «لأنّ الكيفيّة جهة الصفة والإحاطة» مع شرحه.

توهّم السائل أنّ المقرّين بالصانع يعتقدون أنّه جسم ذو كيفيّة. (3)

(وَأَيْنَ هُوَ؟)

. سؤالٌ عن صفة له، وهي خصوصيّة المكان. توهّم أنّ المقرّين بالصانع يعتقدون أنّه جسم في مكان دون مكان.

(قَالَ‏

(4)

: وَيْلَكَ)

. مرَّ معنى الويل في ثاني الباب.

(إِنَّ الَّذِي ذَهَبْتَ إِلَيْهِ)

من أنّا نعتقد أنّ الربّ ذو أين وكيفيّة

(غَلَطٌ).

استدلّ على كونه غلطاً بقوله:

(هُوَ أَيَّنَ)؛

بشدّ الخاتمة بصيغة الماضي من باب‏

____________

(1). كيف: سؤال عن الأحوال؛ تقول: كيف زيد، تريد السؤال عن صحّته وسقمه وعسره ويسره. مجمع البحرين، ج 4، ص 90 (كيف).

(2). أي الحديث 6 من باب إطلاق القول بأنّه شي‏ء.

(3). في حاشية «أ»: «الأظهر ما في الصافي من أنّها خصوصيّة حاصلة للشي‏ء بالنسبة إلى شي‏ء آخر باعتبار تمكّنه من مكان».

(4). في الكافي المطبوع: «فقال».

51

التفعيل. والمراد بالتأيين إمّا تخصيص الشي‏ء بمكان، وإمّا جعل المكان المخصوص مكاناً لشي‏ء. والمآل واحد.

(الْأَيِّنَ‏

(1)

إمّا بشدّ الخاتمة المكسورة على فيعل، ويمكن تخفيفها على أنّه كَسيِّدٍ وسَيْدٍ؛ أي المتمكّن في مكان محدود معيّن، وإمّا بتخفيفها على الأصل.

(وَكَيَّفَ)؛

بشدّ الخاتمة مأخوذ من الكيف بالفتح: القطع، يُقال: كيّفه تكييفاً إذا قطعه تقطيعاً، وهو للمبالغة، والمراد بالتكييف هنا إمّا إعطاء كلّ شي‏ء كيفيّةً، (2) وإمّا جعل كلّ كيفيّة كيفيّةً لشي‏ء. والمآل واحد.

(الْكَيِّفَ‏

(3)

إمّا بشدّ الخاتمة المكسورة على فيعل، ويمكن تخفيفها على أنّه كسيّد وسيدٍ؛ أي ذا الكيفيّة، وإمّا بتخفيفها على الأصل، أي الكيفيّة.

(بِلَا كَيْفٍ)

. الظرف متعلّق بكلّ من الفعلين على سبيل التنازع، و «كيف» بسكون الخاتمة بالجرّ والتنوين؛ أي مع عدم الكيف لتأيينه وتكييفه. أو مبنيّ على الفتح حكاية استفهام؛ أي بحيث لا يصحّ السؤال بكيف عن تأيينه وتكييفه، لأنّه ليس لهما خصوصيّة معلومة لنا على حِدة؛ لأنّهما ليسا من الأفعال البدنيّة العلاجيّة المحسوسة، بل بمحض نفوذ الإرادة.

فحاصل الدليل أنّه تعالى خالق كلّ ذي أين وكلّ ذي كيفيّة بمحض نفوذ الإرادة، وافتراق الخالق من مخلوقه بديهيّ، ويجي‏ء توضيحه في سادس «باب جوامع التوحيد» عند قوله: «فمن وصف اللَّه فقد حدّه» إلى آخره.

ويحتمل على الجرّ والتنوين أن يكون المراد مع عدم الكيف له تعالى، وحينئذٍ يُقال: إنّ الظرف متعلّق بالفعل الثاني فقط. وأنّه لم يقل في الأوّل «بلا أين» إشارةً إلى أنّ نفي الأين‏

____________

(1). في الكافي المطبوع: «الأيْن» بسكون الياء.

(2). في حاشية «أ»: «وفي الصافي: التكييف إعطاء كيفيّة لشي‏ء، سواء كان بإحداث الكيفيّة في ذلك الشي‏ء، أوبإحداث ذلك الشي‏ء الذي يتكيّف بتكييف هذا المحدث أو بتكييف غيره، فلا يلزم من ذلك أن يكون العبد فاعلًا لحركاته».

(3). في الكافي المطبوع: «الكيف» بسكون الياء.

52

عنه في الظهور بحيث لا حاجة إلى ذكره، بخلاف نفي الكيف. ويوافق ذلك أنّه يجي‏ء في أوّل «باب الكون والمكان» مثل هذه العبارة، ولم يترك فيه قوله «بلا أين» في الأوّل. (1)

إن قلت‏

: ينافي هذا ما يجي‏ء في سادس الباب الثاني‏ (2) من قوله: «ولكن لابدّ من إثبات أنّ له كيفيّةً لا يستحقّها غيره؟»

قلت‏

: لا منافاة؛ لأنّ الكيفيّة قد تُطلق مجازاً على أعمّ ممّا مرّ، وهو المراد فيما يجي‏ء.

(فَلَا يُعْرَفُ بِالْكَيْفُوفِيَّةِ)

(3). تفريعٌ للنتيجة على الدليل باعتبار بداهة مغايرة الخالق لمخلوقه، وأصلها وأصل الكيفيّة من «كيف» في الاستفهام، وهو اسم مُبهم غير متمكّن مبنيّ على الفتح، وقد يستعمل استعمالَ الاسم المتمكّن في الذي يُقال في جواب كيف، ويدخل عليه الألف واللام، ويُعرب‏ (4) بالحركات الثلاث، وقد يشتقّ منه المصدر بإدخال ياء النسبة إلى «كيف» والهاء المصدريّة، فيستعمل في الوصف المذكور، وهذا إمّا بدون تكرار لام الفعل كما في «الكيفيّة» وإمّا بتكرارها وتوسّط الواو بينهما كما في «الكيفوفيّة» ومثله «الكينونيّة». ويجي‏ء في رابع «باب الكون والمكان».

(وَلَا بِأَيْنُونِيَّةٍ)

أي بالجواب عن السؤال بأين. واشتقاقها كما مرّ في الكيفوفيّة.

(وَلَا يُدْرَكُ بِحَاسَّةٍ)

. إشارةٌ إلى أنّ حكمك فيه تعالى بالكيف والأين مبنيّ على زعمك فيه تعالى‏ (5) أنّه يُدرك بحاسّة.

(وَلَا يُقَاسُ بِشَيْ‏ءٍ).

إشارةٌ إلى أنّ زعمك فيه تعالى أنّه يُدرك بحاسّة مبنيّ على قياسك إيّاه بالأشياء المدركة بالحواسّ.

(فَقَالَ الرَّجُلُ)

استدلالًا على أنّه يُدرك بحاسّة.

____________

(1). في حاشية «أ»: «ونقل هذا الحديث في العيون هكذا: هو أيّن الأين وكان بلا أين، وكيّف الكيف وكان بلا كيف. وهو أحسن». عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج 2، ص 120، باب 11، ح 28. وفيه: «هو أيّن الأين وكان ولا أين، وكيّف الكيف وكان ولا كيف».

(2). أي الحديث 6 من باب إطلاق القول بأنّه شي‏ء.

(3). في حاشية «أ»: «الظاهر كما في نسخ التوحيد والعيون: «بكينونية منكرة». وفي كلاهما كما في الكافي.

(4). في «ج»: «ويعرف».

(5). في ج:-/ «فيه تعالى».

53

(فَإِذاً).

هي «إذن» بالنون؛ لأنّها حرف مكافاة وجواب، لكنّها كُتبت بالألف كما هو عند البصريّين إشعاراً بصورة الوقف، لأنّك إذا وقفت على إذن، أبدلت من نونه ألفاً؛ تشبيهاً لها بالمنوّن المنصوب.

وعند الكوفيّين أنّها تُكتب بالنون اعتباراً باللفظ، للفرق بينها وبين «إذا» الشرطيّة والفجائيّة في الصورة.

وقال بعضهم: يوقف عليها أيضاً بالنون، وذهب بعض إلى أنّها اسم منوّن، وتنوينها عوض عن المضاف إليه، تأويلها: إذ (1) كان الأمر كما ذكرت.

ويحتمل أن يكون بالألف الليّنة لفظاً أيضاً للمفاجأة، نحو: خرجت فإذا زيدٌ قائم، وحينئذٍ لا تقع في الابتداء، فهي هنا جزاء شرط، كقوله تعالى: «ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ». (2)

وحذف هنا الشرط لدلالة قوله: «إذا لم يدرك» إلى آخره عليه.

وهي حرف عند الأخفش، وظرف مكان عند المبرّد، وظرف زمان عند الزجّاج. (3)

ويرجّح الأوّل قولهم: «خرجت فإذا إنّ زيداً بالباب» بكسر «إنّ» لأنّ «إنّ» لا تعمل ما بعدها فيما قبلها.

(إِنَّهُ)؛

بكسر الهمزة وشدّ (4) النون؛ لأنّ «إذا» تختصّ بالجملة. ويجوز الفتح على الابتداء، وتقديرُ خبر مبتدأ، أي «حاصل».

(لَا شَيْ‏ءٌ

(5)

بالرفع والتنوين خبرُ «إنّ»؛ لأنّهما جعلا كاسم واحد. والمراد بالشي‏ء الموجودُ المعتدّ به، أي لا يصلح لأن يكون ربّاً. ويحتمل أن يكون المراد به الموجودَ مطلقاً.

(إِذَا لَمْ يُدْرَكْ بِحَاسَّةٍ مِنَ الْحَوَاسِّ).

شرطيّة، وجزاؤها محذوف، يدلّ عليه سابقه؛ أي‏

____________

(1). في «ج»: «إذا».

(2). الروم (30): 25.

(3). انظر شرح الرضي على الكافية، ج 4، ص 39.

(4). في «ج»: «وتشديد».

(5). في الكافي المطبوع: «لا شي‏ءَ» بالفتح.

54

إذا لم يدرك بحاسّة من الحواسّ كان لا شيئاً.

وهذا استدلال منه على نفي ربوبيّة ما زعمه المخاطب ربّاً، ويحتمل أن يكون استدلالًا على نفي وجوده مطلقاً.

(فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ (عليه السلام): وَيْلَكَ، لَمَّا عَجَزَتْ حَوَاسُّكَ عَنْ إِدْرَاكِهِ، أَنْكَرْتَ رُبُوبِيَّتَهُ، وَنَحْنُ إِذَا عَجَزَتْ حَوَاسُّنَا عَنْ إِدْرَاكِهِ، أَيْقَنَّا أَنَّهُ رَبُّنَا).

حاصله منع أنّه إذا لم يدرك بحاسّة كان لا شيئاً البتّة، أو منع دلالة عدم الإدراك بحاسّة على كونه لا شيئاً مستنداً بأنّ لازم أحد النقيضين أو شرطَه يستحيل أن يكون ملزوماً، أو دليلًا على الآخر، وعدم الإدراك بحاسّة لازم للربوبيّة، وشرط لليقين بالربوبيّة، وليس مقصوده (عليه السلام) أنّ عدم الإدراك بالحواسّ دليل على الصانعيّة.

ولا يخفى أنّ هذا صريح في أنّه لا مجرّد سوى اللَّه، فيبطل قول الزنادقة بتجرّد العقول العشرة والنفوس الناطقة. (1)

(بِخِلَافِ شَيْ‏ءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ).

خبر آخر ل «أنّ» أو استئناف بياني، فهو خبر مبتدأ محذوف؛ أي هو بخلاف، لمّا كان في الخلاف معنى النفي كان «شي‏ء» نكرة في سياق النفي، أي ليس بينه وبين شي‏ء مشتركٌ ذاتي، فلا يمكن أن تُدرِكه الحواسّ، كما يجي‏ء بيانه في أوّل الثاني. (2)

(قَالَ الرَّجُلُ: فَأَخْبِرْنِي‏

(3)

مَتى‏ كَانَ؟).

في «باب الردّ على الثنويّة والزنادقة» (4) من توحيد ابن بابويه، (5) وفي «باب ما جاء عن الرضا (عليه السلام) من الأخبار في التوحيد» من عيون أخبار الرضا (عليه السلام) بعد هذه العبارة هكذا:

(قَالَ أَبُو الْحَسَنِ (عليه السلام): أَخْبِرْنِي مَتى‏ لَمْ يَكُنْ؛ فَأُخْبِرَكَ مَتى‏ كَانَ؟ قَالَ الرَّجُلُ: فَمَا

____________

(1). الشفاء، ج 2، ص 264 (الطبعة الاولى). وحكاه الإيجي في المواقف، ج 2، ص 690.

(2). أي الحديث 1 من باب إطلاق القول بأنّه شي‏ء.

(3). في «ج»:-/ «فأخبرني».

(4). في «أ»: «باب القدرة» بدل من «باب الردّ على الثنوية والزنادقة».

(5). التوحيد، ص 251، باب الردّ على الثنويّة والزنادقة، ح 3.