النور المبين في قصص الأنبياء والمرسلين

- السيد نعمة الله الجزائري المزيد...
477 /
1

خطبة الكتاب‏

2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد لله الذي أرسل أنبياءه حجة على العالمين و عقبهم بالأوصياء تكميلا للدين المبين و اصطفى منهم خمسة و هم أولو العزم و فضلهم على أنبيائه المرسلين و اختار من بينهم محمدا (ص) و جعله نبيا و آدم بين الماء و الطين ثم فضل أوصياءه (ص) و صيرهم حجة على أهل السماوات و الأرضين و فضل من بينهم ابن عمه و أخاه و باب مدينة علمه على الخلق أجمعين و خصه باسم حرم على غيره بأن يسمى به و هو أمير المؤمنين (صلوات الله عليه و على أولاده المعصومين) من يومنا هذا إلى يوم الدين. و بعد فيقول المذنب الجاني قليل البضاعة و كثير الإضاعة نعمة الله الموسوي الجزائري وفقه الله تعالى لمراضيه و جعل مستقبل أحواله خيرا من ماضيه إنه لما وفقنا الله سبحانه لتأليف كتابنا الموسوم برياض الأبرار في مناقب الأئمة الأطهار (سلام الله عليهم) آناء الليل و أطراف النهار و استقصينا فيه ما بلغنا من أحوال النبي (ص) و أحوال الأئمة(ع)من مواليدهم و معجزاتهم و غزواتهم و مناقبهم على التمام فجاءت عدته ثلاث مجلدات حسان فيهن من أسرارهم(ع)ما لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَ لا جَانٌ‏ ثم إن جماعة من علماء الإخوان التمسوا منا أن نكتب كتابا في تفصيل أحوال الأنبياء و ما جرى عليهم في سالف الزمان ليكون متمما لكتابنا المذكور و تتلى أحاديثه في البكور و العصور و سميناه النور المبين في قصص الأنبياء و المرسلين و رتبناه على مقدمة و أبواب و فصول و خاتمة

3

المقدمة في بيان ما يشترك فيه الأنبياء(ع)و في عددهم و بيان أولي العزم منهم و الفرق بين النبي و الإمام و جملة من أحوالهم‏

اعلم أن وهب بن منبه صنف كتابا مبسوطا في قصص الأنبياء و لا نعتمد ما أورده فيه لأنه من طريق الجمهور و تواريخهم فيصلح شاهدا لا حجة على المطلوب و أما الفاضل الراوندي (قدس الله ضريحه) فهو من علمائنا و كتب أيضا كتابا أوضح فيه عن قصص الأنبياء(ع)و روى ما أودع فيه من أخبارنا عن الأئمة(ع)إلا أنه قد شذ عنه أكثر ما ضمنه كتابه فجاءت القصص ناقصة تحتاج إلى التتميم و أما شيخنا المعاصر (قدس الله سره) فقد ألف كتاب بحار الأنوار و جعل الكتاب الخامس في أحوال الأنبياء(ع)و سماه كتاب النبوة فهو و إن أحاط بجميع قصصهم(ع)و تفصيل أحوالهم من أخبارنا و رواياتنا إلا أنه بلغ الغاية في التطويل و التفصيل لأنه ذكر الآيات أولا تفسيرها ثانيا و كل ما ورد من طريق العامة و الخاصة في بيان أحوالهم(ع)فأحببت أن أنسج كتابي هذا على منوال عجيب و طرز غريب بأن أذكر كل ما ورد من طرق الخاصة و بعض ما أحتاج إليه من روايات الجمهور إن وقع الاحتياج إليه على طريق الاختصار فيكون كتابا صغير الحجم غزير العلم تهش إليه الألباب و تستلذه الطلاب قال الله تعالى‏ وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى‏ ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ‏

رَوَى الثِّقَةُ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ‏

مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيّاً مِنْ لَدُنْ آدَمَ فَهَلُمَّ جَرّاً إِلَّا وَ يَرْجِعُ إِلَى الدُّنْيَا وَ يَنْصُرُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى [وَ]

لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ‏

يَعْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ (ص) وَ لَتَنْصُرُنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)ثُمَّ قَالَ لَهُمْ فِي الذَّرِّ

أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى‏ ذلِكُمْ إِصْرِي‏

أَيْ عَهْدِي‏

قالُوا

قَدْ

أَقْرَرْنا

قَالَ اللَّهُ‏

فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ‏

4

أقول جاءت الأخبار مستفيضة في أن القائم(ع)إذا خرج و قام له الملك يخرج في زمانه النبي (ص) و أمير المؤمنين(ع)و هو صاحب العصا و الميسم يسم المؤمن في جبهته فينتقش بها هذا مؤمن و يسم الكافر فينتقش في جبهته هذا كافر و تخرج الأئمة (ص) و الأنبياء (ص) لينصروا أمير المؤمنين(ع)و المهدي (ص) سيما الأنبياء الذين أوذوا في الله كزكريا و يحيى و حزقيل و من قتل منهم و من جرح فإن الأخبار جاءت مستفيضة برجوعهم إلى الدنيا ليقتصوا ممن آذاهم و قتلهم من الأمم و ليأخذوا بثأر الحسين ع‏

وَ عَنْ جَمِيلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ‏

قُلْتُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏

إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَ الَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ

قَالَ ذَاكَ وَ اللَّهِ فِي الرَّجْعَةِ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ كَثِيرٌ لَمْ يُنْصَرُوا فِي الدُّنْيَا وَ الْأَئِمَّةُ مِنْ بَعْدِهِمْ قُتِلُوا وَ لَمْ يُنْصَرُوا فِي الدُّنْيَا وَ ذَلِكَ فِي الرَّجْعَةِ وَ الْأَشْهَادُ الْأَئِمَّةُ ع‏

يقول مؤلف الكتاب أيده الله تعالى المراد من الرسل في الآية الأنبياء ففي هذا الحديث و ما قبله و ما روي بمعناهما دلالة على أن الأنبياء(ع)كلهم يرجعون إلى الدنيا و في القيامة الصغرى و ينصرهم الله تعالى بالقوة و الملائكة على أعدائهم و أعداء آل محمد(ع)و يحيي الله سبحانه أممهم الذين آذوهم كما يخرج بني أمية و من رضي بفعالهم من ذراريهم و غيرها و كذلك يحيي من أخلص الإيمان من الأمم ليفوزوا بثواب النصر و الجهاد و يتنعموا في دولة آل محمد (ص) كما قال سبحانه‏ وَ يَوْمَ‏ نبعث‏ [نَحْشُرُ] مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً و قال الصدوق طيب الله ثراه اعتقادنا في عدد الأنبياء(ع)أنهم مائة ألف نبي و أربعة و عشرون ألف نبي و مائة ألف وصي و أربعة و عشرون ألف وصي و أن سادة الأنبياء خمسة الذين عليهم دارت الرحى و هم أصحاب الشرائع و من أتى بشريعة مستأنفة نسخت شريعة من تقدمه و هم خمسة نوح و إبراهيم و موسى و عيسى و محمد و هم أولو العزم ص. أقول ما قال في عددهم(ع)هو الذي دلت عليه واضحات الأخبار و قاله علماؤنا (رضوان الله عليهم) و ما دل على خلافه يكون محمولا على طريق التأويل مثل ما روي في‏

قَوْلِهِ (ص)

بُعِثْتُ عَلَى أَثَرِ ثَمَانِيَةِ آلَافِ نَبِيٍّ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ‏

بأن يراد أعاظم الأنبياء(ع)و أما المرسلون ففيه (ص) أنهم ثلاثمائة و ثلاثة عشر

وَ قِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ أُنْزِلَ مِنْ كِتَابٍ قَالَ مِائَةُ صَحِيفَةٍ وَ أَرْبَعَةُ كُتُبٍ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى شَيْثٍ(ع)خَمْسِينَ صَحِيفَةً وَ عَلَى إِدْرِيسَ ثَلَاثِينَ صَحِيفَةً وَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عِشْرِينَ صَحِيفَةً وَ أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ الزَّبُورَ وَ الْفُرْقَانَ‏

وَ فِي كِتَابِ الْإِخْتِصَاصِ لِلْمُفِيدِ طَابَ ثَرَاهُ بِإِسْنَادِهِ إِلَى صَفْوَانَ الْجَمَّالِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ‏

قَالَ لِي يَا صَفْوَانُ هَلْ تَدْرِي كَمْ بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ قَالَ قُلْتُ مَا أَدْرِي قَالَ بَعَثَ اللَّهُ مِائَةَ أَلْفِ نَبِيٍّ وَ أَرْبَعَةً

5

وَ أَرْبَعِينَ أَلْفَ نَبِيٍّ وَ مِثْلَهُمْ أَوْصِيَاءَ

وَ عَنْهُ(ع)

قَالَ أَبُو ذَرٍّ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ فَقَالَ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ نَبِيٍّ وَ عِشْرِينَ أَلْفَ نَبِيٍّ وَ الْمُرْسَلُونَ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَ بِضْعَةَ عَشَرَ وَ الْكُتُبُ الْمُنْزَلَةُ مِائَةُ صَحِيفَةٍ وَ أَرْبَعَةُ كُتُبٍ أَنْزَلَ مِنْهَا عَلَى إِدْرِيسَ خَمْسِينَ صَحِيفَةً

أقول وجه الجمع بين هذين الخبرين و ما تقدم يكون أما بحمل الزائد من عدد الأنبياء على ما كان قبل آدم(ع)فإن الأرض لا تخلو من حجة ما دام التكليف أو بأن يقال إن مفهوم العدد ليس بحجة

وَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى(ع)قَالَ‏

إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَ أَتْبَاعَ الْأَنْبِيَاءِ خُصُّوا بِثَلَاثِ خِصَالٍ السُّقْمِ فِي الْأَبْدَانِ وَ خَوْفِ السُّلْطَانِ وَ الْفَقْرِ

أقول يجوز أن يراد من أولاد الأنبياء المعصومون منهم المنزهون عن الذنوب و يجوز أن يراد الأعم فتكون ذرية الرسول (ص) من العلويين كلهم داخلين في الأمور الثلاثة و أما الأتباع فهم العلماء و الصلحاء و الفقراء و المتقون‏

وَ فِي كِتَابِ الْإِقْبَالِ لِابْنِ طَاوُسٍ (قدس الله ضريحه) بِإِسْنَادِهِ إِلَى الثُّمَالِيِّ قَالَ‏

سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ(ع)يَقُولُ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُصَافِحَهُ مِائَةُ أَلْفِ نَبِيٍّ وَ أَرْبَعَةٌ وَ عِشْرُونَ أَلْفَ نَبِيٍّ فَلْيَزُرِ الْحُسَيْنَ(ع)لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَإِنَّ أَرْوَاحَ النَّبِيِّينَ يَسْتَأْذِنُونَ اللَّهَ فِي زِيَارَتِهِ فَيَأْذَنُ لَهُمْ فَطُوبَى لِمَنْ صَافَحَهُمْ وَ صَافَحُوهُ مِنْهُمْ خَمْسَةٌ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الْمُرْسَلِينَ نُوحٌ وَ إِبْرَاهِيمُ وَ مُوسَى وَ عِيسَى وَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ قُلْتُ وَ لِمَ سُمُّوا أُولِي الْعَزْمِ قَالَ لِأَنَّهُمْ بُعِثُوا إِلَى شَرْقِهَا وَ غَرْبِهَا وَ جِنِّهَا وَ إِنْسِهَا

أقول هذه المصافحة يجوز أن تكون في الدنيا لزائريه و إن لم يشعروا بها أو ببعضها فإن الملائكة تتصور بصور الرجال يأتون إلى زيارته و يصافحون زواره و يجوز أن تكون يوم القيامة في الجنة أو قبل دخولها و قوله فليزر الحسين(ع)الظاهر أن المراد زيارته من قرب و إرادة البعد محتملة أيضا و ما دل عليه من أن أولي العزم هذه الخمسة (ص) روي في الأخبار المستفيضة و رواه الجمهور عن ابن عباس و قتادة و ذهب بعضهم إلى أنهم ستة نوح و إبراهيم و إسحاق و يعقوب و يوسف و أيوب و قيل هم الذين أمروا بالقتال و الجهاد و أظهروا المكاشفة و جاهدوا في الدين و قيل هم أربعة إبراهيم و نوح و هود و محمد (ص) و لا عبرة بهذه الأقوال كلها لأنها خلاف إجماعنا و أصحابنا و ما تضمنه و من وجه التسمية و أن رسالتهم عامة هي إحدى الروايات‏

وَ فِي تَفْسِيرِ الثِّقَةِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ‏

أَنَّهُمْ سُمُّوا أُولِي الْعَزْمِ لِأَنَّهُمْ سَبَقُوا الْأَنْبِيَاءَ إِلَى الْإِقْرَارِ بِاللَّهِ وَ أَقَرُّوا بِكُلِّ نَبِيٍّ كَانَ قَبْلَهُمْ وَ بَعْدَهُمْ وَ عَزَمُوا عَلَى الصَّبْرِ مَعَ التَّكْذِيبِ وَ الْأَذَى‏

وَ فِي عُيُونِ الْأَخْبَارِ عَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ‏

إِنَّمَا سُمِّيَ أُولُو الْعَزْمِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ الْعَزَائِمِ وَ الشَّرَائِعِ وَ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ كَانَ بَعْدَ نُوحٍ(ع)كَانَ عَلَى شَرِيعَتِهِ وَ مِنْهَاجِهِ وَ تَابِعاً لِكِتَابِهِ إِلَى زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ع‏

ثم ساق الكلام في الخمسة على مثال‏

6

واحد و فيه دلالة على أن الخمسة(ع)رسالتهم عامة و لا كلام في الثلاثة إنما الكلام في عموم رسالة موسى و عيسى(ع)لأن في بعض الأخبار نوع معارضة لها و أن رسالتهما كانت خاصة لا عامة و يمكن تأويل تلك الأخبار و إبقاء ما دل على عموم رسالتهما على حاله لاستفاضة الأخبار الدالة عليه‏

وَ فِي مَشَارِقِ الْأَنْوَارِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ الْكُوفِيِّ قَالَ‏

دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيِّ(ع)فَقَالَ لِي يَا عَلِيُّ انْظُرْ إِلَى مَا تَحْتَ قَدَمَيْكَ فَإِنَّكَ عَلَى بِسَاطٍ قَدْ جَلَسَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الْمُرْسَلِينَ وَ الْأَئِمَّةِ الرَّاشِدِينَ ثُمَّ قَالَ ادْنُ مِنِّي فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَمَسَحَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِي فَصِرْتُ بَصِيراً قَالَ فَرَأَيْتُ فِي الْبِسَاطِ أَقْدَاماً وَ صُوَراً وَ قَالَ هَذَا أَثَرُ قَدَمِ آدَمَ(ع)وَ مَوْضِعُ جُلُوسِهِ وَ هَذَا أَثَرُ هَابِيلَ وَ هَذَا أَثَرُ نُوحٍ وَ هَذَا أَثَرُ قَيْدَارَ وَ هَذَا أَثَرُ مَهْلَائِيلَ وَ هَذَا أَثَرُ يَارِدَ وَ هَذَا أَثَرُ أُخْنُوخَ وَ هَذَا أَثَرُ إِدْرِيسَ وَ هَذَا أَثَرُ مُتَوَشْلِخَ وَ هَذَا أَثَرُ سَامٍ وَ هَذَا أَثَرُ فَخْشَدَ وَ هَذَا أَثَرُ صَالِحٍ وَ هَذَا أَثَرُ لُقْمَانَ وَ هَذَا أَثَرُ إِبْرَاهِيمَ وَ هَذَا أَثَرُ لُوطٍ وَ هَذَا أَثَرُ إِسْمَاعِيلَ وَ هَذَا أَثَرُ إِلْيَاسَ وَ هَذَا أَثَرُ إِسْحَاقَ وَ هَذَا أَثَرُ يَعْقُوبَ وَ هَذَا أَثَرُ يُوسُفَ وَ هَذَا أَثَرُ شُعَيْبٍ وَ هَذَا أَثَرُ مُوسَى وَ هَذَا أَثَرُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ وَ هَذَا أَثَرُ طَالُوتَ وَ هَذَا أَثَرُ سُلَيْمَانَ وَ هَذَا أَثَرُ الْخَضِرِ وَ هَذَا أَثَرُ دَانِيَالَ وَ هَذَا أَثَرُ الْيَسَعِ وَ هَذَا أَثَرُ ذِي الْقَرْنَيْنِ إِسْكَنْدَرَ وَ هَذَا أَثَرُ شَابُورَ بْنِ أَرْدَشِيرَ وَ هَذَا أَثَرُ لُؤَيٍّ وَ هَذَا أَثَرُ كِلَابٍ وَ هَذَا أَثَرُ قُصَيٍّ وَ هَذَا أَثَرُ عَدْنَانَ وَ هَذَا أَثَرُ عَبْدِ مَنَافٍ وَ هَذَا أَثَرُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ هَذَا أَثَرُ عَبْدِ اللَّهِ وَ هَذَا أَثَرُ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَ هَذَا أَثَرُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ هَذَا أَثَرُ الْأَوْصِيَاءِ مِنْ بَعْدِهِ وَ الْمَهْدِيِّ(ع)لِأَنَّهُ قَدْ وَطِئَهُ وَ جَلَسَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ انْظُرْ إِلَى الْآثَارِ وَ اعْلَمْ أَنَّهَا آثَارُ دِينِ اللَّهِ وَ أَنَّ الشَّاكَّ فِيهِمْ كَالشَّاكِ فِي اللَّهِ ثُمَّ قَالَ اخْفِضْ طَرْفَكَ يَا عَلِيُّ فَرَجَعْتُ مَحْجُوباً كَمَا كُنْتُ‏

أقول ما اشتمل عليه من ذكر شابور و ما بعده يدل على أنهم كانوا مسلمين وقتا ما و ذلك لأن شابور من أجداد علي بن الحسين(ع)كما أن لؤي و ما بعده من أجداد النبي ص‏

وَ رَوَى الشَّيْخُ فِي الْأَمَالِي بِإِسْنَادِهِ إِلَى رَجُلٍ جُعْفِيٍّ قَالَ‏

كُنَّا عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ رِزْقاً طَيِّباً قَالَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ هَذَا قُوتُ الْأَنْبِيَاءِ وَ لَكِنْ سَلْ رَبَّكَ رِزْقاً لَا يُعَذِّبُكَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَيْهَاتَ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ‏

يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَ اعْمَلُوا صالِحاً

وَ الطَّيِّبَاتُ الرِّزْقُ الْحَلَالُ‏

وَ فِي الْكَافِي بِإِسْنَادِهِ إِلَى مُعَمَّرِ بْنِ خَلَّادٍ قَالَ‏

نَظَرَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)إِلَى رَجُلٍ وَ هُوَ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عَنْ رِزْقِكَ الْحَلَالِ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)سَأَلْتَ قُوتَ النَّبِيِّينَ قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ رِزْقاً وَاسِعاً طَيِّباً مِنْ رِزْقِكَ‏

7

أقول المراد من الرزق الحلال في الحديثين ما يكون حلالا في الواقع و نفس الأمر و هو رزق الأنبياء و أوصيائهم و أما رزق المؤمنين فهو الحلال في ظاهر الشريعة و ربما كان فيه شبهات‏

وَ فِي الْكَافِي عَنْ زُرَارَةَ قَالَ‏

سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏

وَ كانَ رَسُولًا نَبِيًّا

مَا الرَّسُولُ وَ مَا النَّبِيُّ قَالَ النَّبِيُّ الَّذِي يَرَى فِي مَنَامِهِ وَ يَسْمَعُ الصَّوْتَ وَ لَا يُعَايِنُ الْمَلَكَ وَ الرَّسُولُ الَّذِي يَرَى فِي الْمَنَامِ وَ يَسْمَعُ الصَّوْتَ وَ يُعَايِنُ الْمَلَكَ قُلْتُ الْإِمَامُ مَا مَنْزِلَتُهُ قَالَ يَسْمَعُ الصَّوْتَ وَ لَا يَرَى وَ لَا يُعَايِنُ الْمَلَكَ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ وَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لَا نَبِيٍّ وَ لَا مُحَدَّثٍ‏

وَ عَنِ الرِّضَا(ع)

الرَّسُولُ الَّذِي يَنْزِلُ عَلَيْهِ جَبْرَئِيلُ فَيَرَاهُ وَ يَسْمَعُ كَلِمَاتِهِ وَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ وَ رُبَّمَا يَرَى فِي مَنَامِهِ نَحْوَ رُؤْيَا إِبْرَاهِيمَ(ع)وَ النَّبِيُّ رُبَّمَا يَسْمَعُ الْكَلَامَ وَ رُبَّمَا رَأَى الشَّخْصَ وَ لَمْ يَسْمَعْ- الْإِمَامُ هُوَ الَّذِي يَسْمَعُ الْكَلَامَ وَ لَا يَرَى الشَّخْصَ‏

وَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ الْأَحْوَلِ قَالَ‏

سَمِعْتُ زُرَارَةَ يَسْأَلُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)قَالَ أَخْبِرْنِي عَنِ الرَّسُولِ وَ النَّبِيِّ وَ الْمُحَدَّثِ فَقَالَ الرَّسُولُ الَّذِي يَأْتِيهِ جَبْرَئِيلُ قُبُلًا فَيَرَاهُ وَ يُكَلِّمُهُ وَ أَمَّا النَّبِيُّ فَهُوَ يَرَى فِي مَنَامِهِ عَلَى نَحْوِ مَا رَأَى إِبْرَاهِيمُ(ع)وَ نَحْوِ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) عَلَيْهِ مِنْ أَسْبَابِ النُّبُوَّةِ قَبْلَ الْوَحْيِ حَتَّى أَتَاهُ جَبْرَئِيلُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِالرِّسَالَةِ وَ كَانَ مُحَمَّدٌ (ص) حِينَ جُمِعَ لَهُ النُّبُوَّةُ وَ جَاءَتْهُ الرِّسَالَةُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يَجِيئُهُ بِهَا جَبْرَئِيلُ(ع)وَ يُكَلِّمُهُ بِهَا قُبُلًا وَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَنْ جُمِعَ لَهُ النُّبُوَّةُ وَ يَرَى فِي مَنَامِهِ يَأْتِيهِ الرُّوحُ فَيُكَلِّمُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ رَآهُ فِي الْيَقَظَةِ وَ أَمَّا الْمُحَدَّثُ فَهُوَ الَّذِي يُحَدَّثُ فَيَسْمَعُ وَ لَا يُعَايِنُ وَ لَا يَرَى فِي مَنَامِهِ‏

أقول اختلف علماء الإسلام في الفرق بين النبي و الرسول فقيل بالترادف و قيل بالفرق بأن الرسول من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه و النبي غير الرسول من لم ينزل عليه كتاب و إنما يدعو إلى كتاب من قبله. و منهم من قال إن من كان صاحب المعجزة و صاحب الكتاب و نسخ شرع من قبله فهو الرسول و من لم يكن مستجمعا لهذه الخلة فهو النبي غير الرسول. و منهم من قال من جاءه الملك ظاهرا و أمره بدعوة الخلق فهو الرسول و من لم يكن كذلك بل يرى في النوم فهو النبي ذكر هذه الوجوه الفخر الرازي و غيره و الظاهر من حديثنا صحة القول الأخير لما مر من عدد المرسلين و كون من نسخ شرعة ليس إلا خمسة

وَ فِي كِتَابِ الْبَصَائِرِ عَنِ الْبَاقِرَيْنِ(ع)

وَ الْمُرْسَلُونَ عَلَى أَرْبَعِ طَبَقَاتٍ فَنَبِيٌّ تَنَبَّأَ فِي نَفْسِهِ لَا يَعْدُو غَيْرَهَا وَ نَبِيٌّ يَرَى فِي النَّوْمِ وَ يَسْمَعُ الصَّوْتَ وَ لَا يُعَايِنُ فِي الْيَقَظَةِ وَ لَمْ يُبْعَثْ إِلَى أَحَدٍ وَ عَلَيْهِ إِمَامٌ مِثْلُ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى لُوطٍ وَ نَبِيٌّ يَرَى فِي مَنَامِهِ وَ يَسْمَعُ الصَّوْتَ وَ يُعَايِنُ الْمَلَكَ وَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَى طَائِفَةٍ قَلُّوا أَوْ كَثُرُوا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَأَرْسَلْنَاهُ‏

[وَ أَرْسَلْناهُ‏] إِلى‏ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ‏

8

وَ قَالَ يَزِيدُونَ ثَلَاثِينَ أَلْفاً وَ نَبِيٌّ يَرَى فِي مَنَامِهِ وَ يَسْمَعُ الصَّوْتَ وَ يُعَايِنُ فِي الْيَقَظَةِ وَ هُوَ إِمَامٌ مِثْلُ أُولِي الْعَزْمِ وَ قَدْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ(ع)نَبِيّاً وَ لَيْسَ بِإِمَامٍ حَتَّى قَالَ‏

إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ‏

أَيْ مَنْ عَبَدَ صَنَماً أَوْ وَثَناً

أقول يعني الإمامة الرئاسة العامة لجميع المخلوقات فهي أفضل من النبوة و أشرف منها

الْإِخْتِصَاصُ لِلْمُفِيدِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبَانٍ عَنْ بَعْضِهِمْ قَالَ‏

كَانَ خَمْسَةٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ سُرْيَانِيِّينَ آدَمُ وَ شَيْثٌ وَ إِدْرِيسُ وَ نُوحٌ وَ إِبْرَاهِيمُ وَ كَانَ لِسَانُ آدَمَ الْعَرَبِيَّةَ وَ هُوَ لِسَانُ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلَمَّا عَصَى رَبَّهُ أَبْدَلَهُ السُّرْيَانِيَّةَ قَالَ وَ كَانَ خَمْسَةٌ عِبْرَانِيِّينَ إِسْحَاقُ وَ يَعْقُوبُ وَ مُوسَى وَ دَاوُدُ وَ عِيسَى وَ خَمْسَةٌ مِنَ الْعَرَبِ هُودٌ وَ صَالِحٌ وَ شُعَيْبٌ وَ إِسْمَاعِيلُ وَ مُحَمَّدٌ (ص) وَ مَلَكَ الدُّنْيَا مُؤْمِنَانِ وَ كَافِرَانِ فَالْمُؤْمِنَانِ ذُو الْقَرْنَيْنِ وَ سُلَيْمَانُ(ع)وَ أَمَّا الْكَافِرَانِ فَنُمْرُودُ بْنُ كُوشِ بْنِ كَنْعَانَ وَ بُخْتُ‏نَصَّرَ

أقول نصر بوزن بقم اسم صنم و بخت يعني الولد لأنه وجد مطروحا عنده فكأنه ابنه‏

وَ رَوَى الصَّدُوقُ طَابَ ثَرَاهُ فِي إِكْمَالِ الدِّينِ حَدِيثاً طَوِيلًا يُسْنِدُهُ إِلَى الْبَاقِرِ(ع)وَ فِيهِ‏

أَنَّ آدَمَ(ع)لَمَّا اسْتُكْمِلَتْ أَيَّامُ نُبُوَّتِهِ أَوْحَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ إِلَيْهِ بِجَعْلِ الْعِلْمِ وَ مِيرَاثِ النُّبُوَّةِ فِي ابْنِهِ هِبَةِ اللَّهِ وَ بَشَّرَ آدَمَ بِنُوحٍ وَ كَانَ بَيْنَهُمَا عَشْرَةُ آبَاءٍ كُلُّهُمْ أَنْبِيَاءُ فَلَمَّا مَضَتْ أَيَّامُ نُبُوَّةِ نُوحٍ(ع)دَفَعَ مِيرَاثَ الْعِلْمِ وَ النُّبُوَّةِ إِلَى ابْنِهِ سَامٍ وَ لَيْسَ بَعْدَ سَامٍ إِلَّا هُودٌ فَكَانَ بَيْنَ نُوحٍ وَ هُودٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مُسْتَخْفِينَ وَ غَيْرَ مُسْتَخْفِينَ وَ مِنْ بَعْدِ هُودٍ انْتَهَتِ النُّبُوَّةُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَ كَانَ بَيْنَ هُودٍ وَ إِبْرَاهِيمَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَشْرَةٌ وَ ذَكَرَ كَلَاماً طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ فَأَرْسَلَ اللَّهُ مُوسَى وَ هَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَ هَامَانَ وَ قَارُونَ وَ كَانَ يَقْتُلُ فِي الْيَوْمِ نَبِيَّيْنِ وَ ثَلَاثَةً وَ أَرْبَعَةً حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يُقْتَلُ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ سَبْعُونَ نَبِيّاً وَ يَقُومُ سُوقُ بَقْلِهِمْ آخِرَ النَّهَارِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ مُوسَى(ع)أُرْسِلَ إِلَى أَهْلِ مِصْرَ خَاصَّةً وَ أَنَّ عِيسَى أُرْسِلَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ خَاصَّةً وَ أَرْسَلَ اللَّهُ مُحَمَّداً (ص) إِلَى الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ عَامَّةً

و هذا الحديث يعارض ما تقدم من عموم رسالة موسى و عيسى(ع)و يجري فيه من التأويل أنه من قبيل ما يقال إن رسول الله (ص) أرسل إلى العرب أو يقال إنه أرسل إلى مكة لضرب من المجاز و العلاقة ظاهرة

وَ فِي الْكَافِي يُسْنِدُهُ إِلَى الْبَرْقِيِّ يَرْفَعُهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ‏

إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَ سَبْعِينَ حَرْفاً فَأَعْطَى آدَمَ مِنْهَا خَمْسَةً وَ عِشْرِينَ حَرْفاً وَ أَعْطَى نُوحاً مِنْهَا خَمْسَةً وَ عِشْرِينَ وَ أَعْطَى إِبْرَاهِيمَ مِنْهَا ثَمَانِيَةَ أَحْرُفٍ وَ أَعْطَى مِنْهَا مُوسَى أَرْبَعَةَ أَحْرُفٍ وَ أَعْطَى مِنْهَا عِيسَى حَرْفَيْنِ وَ كَانَ يُحْيِي بِهَا الْمَوْتَى وَ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ وَ أَعْطَى مُحَمَّداً ص‏

9

اثْنَيْنِ وَ سَبْعِينَ حَرْفاً وَ احْتَجَبَ حَرْفاً لِئَلَّا يُعْلَمَ مَا فِي نَفْسِهِ وَ يَعْلَمَ مَا فِي نَفْسِ الْعِبَادِ

وَ عَنْهُ(ع)

كَانَ مَعَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ حَرْفَانِ يَعْمَلُ بِهِمَا وَ كَانَ مَعَ مُوسَى(ع)أَرْبَعَةُ أَحْرُفٍ وَ كَانَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ(ع)سِتَّةُ أَحْرُفٍ وَ كَانَ مَعَ آدَمَ(ع)خَمْسَةٌ وَ عِشْرُونَ حَرْفاً وَ كَانَ مَعَ نُوحٍ ثَمَانِيَةٌ وَ جَمَعَ ذَلِكَ كُلَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ (ص) إِنَّ اسْمَ اللَّهِ ثَلَاثَةٌ وَ سَبْعُونَ حَرْفاً وَ حُجِبَ عَنْهُ وَاحِدٌ

أقول إن الله سبحانه حجب الاسم الأعظم عن عباده غير الأنبياء و أوصيائهم. قال المحققون لعل الوجه فيه أنه لو عرفهم إياه لأقبلوا على الدعاء به و أعرضوا عما سواه من الأسماء الحسنى على أن أكثرهم لا تحتمله عقولهم و لو عرفوه لأفسدوا على أنفسهم ضياع دينهم و على غيرهم ضياع دنياهم كما وقع لبلعم بن باعوراء حتى سلخه الله تعالى علمه و كذلك حجبت ليلة القدر في ثلاث ليال ليحافظ على العبادة فيها كلها و كذلك حجب ولي الله في جملة الناس لأنه لو عرف بعينه لربما أقبل الناس على توقيره و احترامه وحده و ولعوا بالإضرار بغيره و ربما أوقع الضرر به فيعظم الذنب و مع أنه سبحانه حجبه عن الخلق ورد في الأخبار تارة أنه أقرب إلى‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ من سواد العين إلى بياضها و قيل إنه في سورة التوحيد. و قيل إنه لفظة الله لا غير و في الأخبار غير هذا أيضا و أما آدم(ع)فقد أعطي من الاسم الأعظم أزيد من إبراهيم(ع)و كذلك أعطي نوح(ع)فلا يلزم منه فضلهما شرفهما على إبراهيم(ع)لأن الأفضلية لا يلزم أن تكون بكل فرد فرد و شخص شخص من أنواع التكامل في التفاضل بين أولي العزم الأربعة و الذي يظهر من إشارات الأخبار أنه الخليل(ع)لأمور سيأتي التنبيه عليها إن شاء الله تعالى في مواضعها. و في بعض أنه كان مع إبراهيم(ع)من الاسم الأعظم ستة أحرف و مع نوح(ع)ثمانية و مفهوم العدل ليس بحجة كما تقرر في الأصول‏

وَ رَوَى الثِّقَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ يَاسِرٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ(ع)قَالَ‏

مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيّاً إِلَّا صَاحِبَ مِرَّةٍ سَوْدَاءَ صَافِيَةٍ

أقول صاحب هذه المرة تقرر في عالم الطب أنه في غاية الحذق و الفطانة و الحفظ لكن لما كان يجامعها الخيالات الفاسدة و الجبن و الغضب وصفها بأنها هنا صافية أي خالية من هذه الأخلاق الرديئة

وَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)

إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَحَبَّ لِأَنْبِيَائِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الْحَرْثَ وَ الرَّعْيَ لِأَنْ لَا يَكْرَهُوا شَيْئاً مِنْ قَطْرِ السَّمَاءِ

وَ قَالَ(ع)

مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيّاً قَطُّ حَتَّى يَسْتَرْعِيَهُ الْغَنَمَ يُعَلِّمُهُ بِذَلِكَ رَعْيَةَ النَّاسِ‏

إِكْمَالُ الدِّينِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى الصَّادِقِ عَنِ النَّبِيِّ (ص) قَالَ‏

عَاشَ آدَمُ أَبُو الْبَشَرِ

10

تِسْعَمِائَةٍ وَ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَ عَاشَ نُوحٌ أَلْفَيْ سَنَةٍ وَ أَرْبَعَمِائَةٍ وَ عَاشَ إِبْرَاهِيمُ(ع)مِائَةَ سَنَةٍ وَ خَمْساً وَ سَبْعِينَ وَ عَاشَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ مِائَةَ وَ عِشْرِينَ سَنَةً وَ عَاشَ إِسْحَاقُ مِائَةً وَ ثَمَانِينَ سَنَةً وَ عَاشَ يَعْقُوبُ(ع)مِائَةً وَ عِشْرِينَ سَنَةً وَ عَاشَ يُوسُفُ(ع)مِائَةً وَ عِشْرِينَ سَنَةً وَ عَاشَ مُوسَى(ع)مِائَةً وَ سِتّاً وَ عِشْرِينَ سَنَةً وَ عَاشَ هَارُونُ(ع)مِائَةً وَ ثَلَاثاً وَ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَ عَاشَ دَاوُدُ(ع)مِائَةَ سَنَةٍ مِنْهَا أَرْبَعُونَ سَنَةً مِلْكُهُ وَ عَاشَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ(ع)سَبْعَمِائَةٍ وَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً

وَ عَنْهُ(ع)قَالَ‏

إِنْ كَانَ النَّبِيُّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَيُبْتَلَى بِالْجُوعِ حَتَّى يَمُوتَ جُوعاً وَ إِنْ كَانَ النَّبِيُّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَيُبْتَلَى بِالْعَطَشِ حَتَّى يَمُوتَ عَطَشاً وَ إِنْ كَانَ النَّبِيُّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَيُبْتَلَى بِالسُّقْمِ وَ الْأَمْرَاضِ حَتَّى يُتْلِفَهُ وَ إِنْ كَانَ النَّبِيُّ لَيَأْتِي قَوْمَهُ فَيَقُومُ فِيهِمْ يَأْمُرُهُمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَ يَدْعُوهُمْ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَ مَا مَعَهُ مَبِيتُ لَيْلَةٍ فَمَا يَتْرُكُونَهُ يَفْرُغُ مِنْ كَلَامِهِ وَ لَا يَسْتَمِعُونَ إِلَيْهِ حَتَّى يَقْتُلُوهُ وَ إِنَّمَا يَبْتَلِي اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عِبَادَهُ عَلَى قَدْرِ مَنَازِلِهِمْ عِنْدَهُ‏

وَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ(ع)

مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ التَّنَظُّفُ وَ التَّطَيُّبُ وَ حَلْقُ الشَّعْرِ وَ كَثْرَةُ الطَّرُوقَةِ

وَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)

الْعَشَاءُ بَعْدَ الْعَتَمَةِ عَشَاءُ النَّبِيِّينَ‏

وَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)

مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَ قَدْ دُعِيَ لِأَكْلِ الشَّعِيرِ وَ بَارَكَ عَلَيْهِ وَ مَا دَخَلَ جَوْفاً إِلَّا أَخْرَجَ كُلَّ دَاءٍ فِيهِ وَ هُوَ قُوتُ الْأَنْبِيَاءِ وَ طَعَامُ الْأَبْرَارِ أَبَى اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ قُوتَ أَنْبِيَائِهِ إِلَّا شَعِيراً

وَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)

السَّوِيقُ طَعَامُ الْمُرْسَلِينَ وَ اللَّحْمُ بِاللَّبَنِ مَرَقُ الْأَنْبِيَاءِ وَ كَانَ أَحَبَّ الْأَصْبَاغِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (ص) الْخَلُّ وَ الزَّيْتُ وَ هُوَ طَعَامُ الْأَنْبِيَاءِ وَ مَا افْتَقَرَ أَهْلُ بَيْتٍ يَأْتَدِمُونَ بِالْخَلِّ وَ الزَّيْتِ‏

وَ رَوَى الصَّدُوقُ طَابَ ثَرَاهُ فِي كِتَابِ عِلَلِ الشَّرَائِعِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْنِ السِّكِّيتِ قَالَ‏

قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)لِمَا ذَا بَعَثَ اللَّهُ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ بِيَدِهِ الْبَيْضَاءِ وَ الْعَصَا وَ آلَةِ السِّحْرِ وَ بَعَثَ عِيسَى بِالطِّبِّ وَ بَعَثَ مُحَمَّداً بِالْكَلَامِ وَ الْخُطَبِ فَقَالَ(ع)إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمَّا بَعَثَ مُوسَى كَانَ الْأَغْلَبُ عَلَى أَهْلِ عَصْرِهِ السِّحْرَ فَأَتَاهُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِمَا لَمْ يَكُنْ فِي وُسْعِ الْقَوْمِ مِثْلَهُ وَ بِمَا أَبْطَلَ بِهِ سِحْرَهُمْ فَأَثْبَتَ بِهِ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ وَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بَعَثَ عِيسَى فِي وَقْتٍ ظَهَرَتْ فِيهِ الزَّمَانَاتُ وَ احْتَاجَ النَّاسُ إِلَى الطِّبِّ فَأَتَاهُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِمَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مِثْلُهُ وَ بِمَا أَحْيَا لَهُمُ الْمَوْتَى وَ إِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَ الْأَبْرَصِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ أَثْبَتَ بِهِ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ وَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّداً (ص) فِي وَقْتٍ كَانَ الْأَغْلَبُ عَلَى أَهْلِ عَصْرِهِ الْخُطَبَ وَ الْكَلَامَ فَأَتَاهُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ مَوَاعِظِهِ وَ أَحْكَامِهِ‏

11

مَا أَبْطَلَ بِهِ قَوْلَهُمْ وَ أَثْبَتَ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ تَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مِثْلَ الْيَوْمِ قَطُّ فَمَا الْحُجَّةُ عَلَى الْخَلْقِ الْيَوْمَ فَقَالَ(ع)الْعَقْلُ يُعْرَفُ بِهِ الصَّادِقُ عَلَى اللَّهِ فَيُصَدِّقُهُ وَ الْكَاذِبُ عَلَى اللَّهِ فَيُكَذِّبُهُ فَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ هَذَا وَ اللَّهِ الْجَوَابُ‏

خاتمة في بيان عصمة الأنبياء و تأويل ما يوهم خلافه‏

قال الصدوق (قدس الله ضريحه) اعتقادنا في الأنبياء و الرسل و الأئمة و الملائكة (ص) أنهم معصومون مطهرون من كل دنس و أنهم لا يذنبون ذنبا صغيرا و لا كبيرا و لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ‏ و من نفى عنهم العصمة في شي‏ء من أحوالهم فقد جهلهم و اعتقادنا فيهم أنهم موصوفون بالكمال و التمام و العلم من أوائل أمورهم إلى أواخرها لا يوصفون في شي‏ء من أحوالهم بنقص و لا جهل‏

رَوَى قَدَّسَ اللَّهُ رَمْسَهُ فِي كِتَابِ الْأَمَالِي بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَبِي الصَّلْتِ الْهَرَوِيِّ قَالَ‏

لَمَّا جَمَعَ الْمَأْمُونُ لِعَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا(ع)أَهْلَ الْمَقَالاتِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَ الدِّيَانَاتِ وَ الْيَهُودِ وَ النَّصَارَى وَ الْمَجُوسِ وَ الصَّابِئِينَ وَ سَائِرِ أَهْلِ الْمَقَالاتِ فَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ إِلَّا وَ قَدْ أَلْزَمَهُ حُجَّتَهُ كَأَنَّهُ أَلْقَمَ حَجَراً فَقَامَ إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ الْجَهْمِ فَقَالَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَ تَقُولُ بِعِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ قَالَ بَلَى قَالَ فَمَا تَعْمَلُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏

وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏

وَ قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَ‏

وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ‏

وَ قَوْلِهِ فِي يُوسُفَ‏

وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها

وَ قَوْلِهِ فِي دَاوُدَ

وَ ظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ‏

وَ قَوْلِهِ فِي نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ

وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَ تَخْشَى النَّاسَ وَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ‏

فَقَالَ مَوْلَانَا الرِّضَا(ع)وَيْحَكَ يَا عَلِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَ لَا تَنْسُبْ إِلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ الْفَوَاحِشَ وَ لَا تَأَوَّلْ كِتَابَ اللَّهِ بِرَأْيِكَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ‏

وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ‏

وَ أَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ فَعَصَى‏

[وَ عَصى‏] آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏

فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ آدَمَ حُجَّةً فِي أَرْضِهِ وَ خَلِيفَةً فِي بِلَادِهِ وَ لَمْ يَخْلُقْهُ لِلْجَنَّةِ وَ كَانَتِ الْمَعْصِيَةُ مِنْ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ لَا فِي الْأَرْضِ لِتَتِمَّ مَقَادِيرُ أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَلَمَّا أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ جُعِلَ حُجَّةً وَ خَلِيفَةً عُصِمَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَ‏

إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ‏

وَ أَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ‏

وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ‏

إِنَّمَا ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَا يُضَيِّقُ عَلَيْهِ‏

12

أَ لَا تَسْمَعُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏

وَ أَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ‏

أَيْ ضَيَّقَ عَلَيْهِ وَ لَوْ ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَكَانَ قَدْ كَفَرَ أَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي يُوسُفَ‏

وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها

فَإِنَّهَا هَمَّتْ بِالْمَعْصِيَةِ وَ هَمَّ يُوسُفُ بِقَتْلِهَا إِنْ أَجْبَرَتْهُ لِعِظَمِ مَا دَاخَلَهُ فَصَرَفَ اللَّهُ عَنْهُ قَتْلَهَا وَ الْفَاحِشَةَ وَ هُوَ قَوْلُهُ‏

كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ

يَعْنِي الزِّنَى وَ أَمَّا دَاوُدُ فَمَا يَقُولُونَ مَنْ قِبَلَكُمْ فِيهِ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْجَهْمِ يَقُولُونَ إِنَّ دَاوُدَ كَانَ فِي مِحْرَابِهِ يُصَلِّي إِذْ تَصَوَّرَ لَهُ إِبْلِيسُ عَلَى صُورَةِ طَيْرٍ أَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنَ الطُّيُورِ فَقَطَعَ صَلَاتَهُ وَ قَامَ لِيَأْخُذَ الطَّيْرَ فَخَرَجَ الطَّيْرُ إِلَى الدَّارِ فَخَرَجَ فِي أَثَرِهِ فَطَارَ الطَّيْرُ إِلَى السَّطْحِ فَصَعِدَ فِي طَلَبِهِ فَسَقَطَ الطَّيْرُ فِي دَارِ أُورِيَا بْنِ حَنَانٍ فَاطَّلَعَ دَاوُدُ فِي أَثَرِ الطَّيْرِ فَإِذَا امْرَأَةُ أُورِيَا تَغْتَسِلُ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا هَوَاهَا وَ كَانَ أُورِيَا قَدْ أَخْرَجَهُ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ فَكَتَبَ إِلَى صَاحِبِهِ أَنْ قَدِّمْ أُورِيَا أَمَامَ الْحَرْبِ فَقُدِّمَ فَظَفِرَ أُورِيَا بِالْمُشْرِكِينَ فَصَعُبَ ذَلِكَ عَلَى دَاوُدَ فَكَتَبَ الثَّانِيَةَ أَنْ قَدِّمْهُ أَمَامَ التَّابُوتِ فَقُتِلَ أُورِيَا (رحمه الله) وَ تَزَوَّجَ دَاوُدُ بِامْرَأَتِهِ قَالَ فَضَرَبَ الرِّضَا(ع)بِيَدِهِ عَلَى جَبْهَتِهِ وَ قَالَ‏

إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏

وَ لَقَدْ نَسَبْتُمْ نَبِيّاً مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَى التَّهَاوُنِ بِصَلَاتِهِ حَتَّى خَرَجَ فِي أَثَرِ الطَّيْرِ ثُمَّ بِالْفَاحِشَةِ ثُمَّ بِالْقَتْلِ- فَقَالَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَمَا كَانَتْ خَطِيئَتُهُ فَقَالَ وَيْحَكَ إِنَّ دَاوُدَ إِنَّمَا ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ خَلْقاً هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ الْمَلَكَيْنِ فَتَسَوَّرَا الْمِحْرَابَ فَقَالا

خَصْمانِ بَغى‏ بَعْضُنا عَلى‏ بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَ لا تُشْطِطْ وَ اهْدِنا إِلى‏ سَواءِ الصِّراطِ إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَ عَزَّنِي فِي الْخِطابِ‏

فَعَجَّلَ دَاوُدُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَقَالَ‏

لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى‏ نِعاجِهِ‏

وَ لَمْ يَسْأَلِ الْمُدَّعِيَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ وَ لَمْ يُقْبِلْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَيَقُولَ مَا يَقُولُ فَقَالَ هَذِهِ خَطِيئَةُ حُكْمِهِ لَا مَا ذَهَبْتُمْ إِلَيْهِ أَ لَا تَسْمَعُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏

يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ‏

الْآيَةِ فَقُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَمَا قِصَّتُهُ مَعَ أُورِيَا فَقَالَ الرِّضَا(ع)إِنَّ الْمَرْأَةَ فِي أَيَّامِ دَاوُدَ كَانَتْ إِذَا مَاتَ بَعْلُهَا أَوْ قُتِلَ لَا تَتَزَوَّجُ بَعْدَهُ أَبَداً وَ أَوَّلُ مَنْ أَبَاحَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ قُتِلَ بَعْلُهَا دَاوُدُ فَذَلِكَ الَّذِي عَلَى أُورِيَا وَ أَمَّا مُحَمَّدٌ وَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏

وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَ تَخْشَى النَّاسَ وَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ‏

فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ عَرَّفَ نَبِيَّهُ (ص) أَزْوَاجَهُ فِي دَارِ الدُّنْيَا وَ أَسْمَاءَ أَزْوَاجِهِ فِي الْآخِرَةِ وَ إِنَّهُنَّ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ وَ أَحَدُ مَنْ سَمَّى لَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ وَ هِيَ يَوْمَئِذٍ تَحْتَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فَأَخْفَى (ص) اسْمَهَا فِي نَفْسِهِ وَ لَمْ يُبْدِ لَهُ لِكَيْلَا يَقُولَ أَحَدٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ إِنَّهُ قَالَ فِي امْرَأَةٍ فِي بَيْتِ رَجُلٍ إِنَّهَا أَحَدُ أَزْوَاجِهِ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَ خَشِيَ قَوْلَ الْمُنَافِقِينَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏

وَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ‏

فِي نَفْسِكَ وَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَ‏

13

مَا تَوَلَّى تَزْوِيجَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ إِلَّا تَزْوِيجَ حَوَّاءَ مِنْ آدَمَ(ع)وَ زَيْنَبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَ فَاطِمَةَ مِنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ فَبَكَى عَلِيُّ بْنُ الْجَهْمِ وَ قَالَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَنَا تَائِبٌ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَنْ أَنْطِقَ فِي أَنْبِيَاءِ اللَّهِ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا إِلَّا بِمَا ذَكَرْتَهُ‏

أقول قوله(ع)و كانت المعصية من آدم في الجنة ظاهره تجويز الخطيئة على آدم(ع)على بعض الجهات إما لأن المعصية منه كانت في الجنة و العصمة تكون في الدنيا أو لأنها كانت قبل البعثة و إنما تجب عصمتهم بعد النبوة و كلاهما خلاف ما أجمع عليه علماؤنا و دلت عليه أخبارنا. و من ثم قال شيخنا المحدث أبقاه الله تعالى يمكن أن يحمل كلامه(ع)على أن المراد من المعصية ارتكاب المكروه و يكونون بعد البعثة معصومين عن مثلها أيضا و يكون ذكر الجنة لبيان كون النهي للتنزيه و الإرشاد لأن الجنة لم تكن دار تكليف حتى يقع فيها النهي التحريمي و يحتمل أن يكون المراد الكلام على هذا النحو لنوع من التقية مماشاة مع العامة لموافقة بعض أقوالهم أو على سبيل التنزل و الاستظهار ردا على من جوز الذنب على الأنبياء (ص) و أما ظن داود(ع)فيحتمل أن يكون ظن أنه أعلم أهل زمانه و هذا و إن كان صادقا إلا أنه لما كان مصادفا لنوع من العجب نبه الله تعالى بإرسال الملكين و أما تعجيله(ع)في حال المرافعة فليس المراد أنه حكم بظلم المدعى عليه قبل البينة إذ المراد بقوله‏ لَقَدْ ظَلَمَكَ‏ أنه لو كان كما تقول فقد ظلمك و كان الأولى أن لا يقول ذلك أيضا إلا بعد وضوح الحكم‏

مَعَانِي الْأَخْبَارِ مُسْنَداً إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ‏

سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ‏

بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ‏

قَالَ مَا فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ وَ لَا كَذَبَ إِبْرَاهِيمُ(ع)لِأَنَّهُ قَالَ‏

فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ‏

إِنْ نَطَقُوا فَكَبِيرُهُمْ فَعَلَ وَ إِنْ لَمْ يَنْطِقُوا فَلَمْ يَفْعَلْ كَبِيرَهُمْ فَمَا نَطَقُوا وَ مَا كَذَبَ إِبْرَاهِيمُ فَقُلْتُ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي يُوسُفَ‏

أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ‏

قَالَ إِنَّهُمْ سَرَقُوا يُوسُفَ مِنْ أَبِيهِ أَ لَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ حِينَ قَالَ‏

ما ذا تَفْقِدُونَ قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ‏

وَ لَمْ يَقُلْ سَرَقْتُمْ صُوَاعَ الْمَلِكِ إِنَّمَا عَنَى سَرَقْتُمْ يُوسُفَ مِنْ أَبِيهِ فَقُلْتُ قَوْلُهُ‏

إِنِّي سَقِيمٌ‏

قَالَ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ سَقِيماً وَ مَا كَذَبَ إِنَّمَا كَانَ سَقِيماً فِي دِينِهِ مُرْتَاداً

وَ قَدْ رُوِيَ‏

أَنَّهُ عَنَى بِقَوْلِهِ‏

إِنِّي سَقِيمٌ‏

أَيْ سَأَسْقِمُ وَ كُلُّ مَيِّتٍ سَقِيمٌ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِنَبِيِّهِ (ص)

إِنَّكَ مَيِّتٌ‏

أَيْ سَتَمُوتُ‏

وَ قَدْ رُوِيَ‏

أَنَّهُ عَنَى‏

إِنِّي سَقِيمٌ‏

بِمَا يُفْعَلُ بِالْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ع‏

وَ فِي تَفْسِيرِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ‏

سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ‏

هذا رَبِّي‏

لِغَيْرِ اللَّهِ هَلْ أَشْرَكَ فِي قَوْلِهِ‏

هذا رَبِّي‏

قَالَ مَنْ قَالَ هَذَا الْيَوْمَ فَهُوَ مُشْرِكٌ وَ لَمْ يَكُنْ مِنْ إِبْرَاهِيمَ‏

14

شِرْكٌ وَ إِنَّمَا كَانَ فِي طَلَبِ رَبِّهِ وَ فِي قَوْلِهِ‏

ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ‏

قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ إِنْ لَمْ تَعْبُدِ الْأَصْنَامَ اسْتَغْفَرْتُ لَكَ فَلَمَّا لَمْ يَدَعِ الْأَصْنَامَ‏

تَبَرَّأَ مِنْهُ‏

عُيُونِ الْأَخْبَارِ مُسْنَداً إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْجَهْمِ قَالَ‏

حَضَرْتُ مَجْلِسَ الْمَأْمُونِ وَ عِنْدَهُ الرِّضَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى(ع)فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَ لَيْسَ مِنْ قَوْلِكَ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ قَالَ بَلَى قَالَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏

وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏

فَقَالَ(ع)إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى قَالَ لِآدَمَ(ع)

اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ

وَ أَشَارَ لَهُمَا إِلَى شَجَرَةِ الْحِنْطَةِ

فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ‏

وَ لَمْ يَقُلْ لَهُمَا كُلَا مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ وَ لَا مِمَّا كَانَ مِنْ جِنْسِهَا فَلَمْ يَقْرَبَا مِنْ تِلْكَ الشَّجَرَةِ وَ إِنَّمَا أَكَلَا مِنْ غَيْرِهَا لَمَّا أَنْ وَسْوَسَ الشَّيْطَانُ إِلَيْهِمَا وَ أَقْسَمَ لَهُمَا إِنِّي لَكُمَا مِنَ النَّاصِحِينَ لَمْ يَكُنْ آدَمُ وَ حَوَّاءُ قَدْ شَاهَدَا قَبْلَ ذَلِكَ مَنْ يَحْلِفُ بِاللَّهِ كَاذِباً

فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ

فَأَكَلَا مِنْهَا ثِقَةً بِيَمِينِهِ بِاللَّهِ وَ كَانَ ذَلِكَ مِنْ آدَمَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِذَنْبٍ كَبِيرٍ اسْتَحَقَّ بِهِ النَّارَ وَ إِنَّمَا كَانَ مِنَ الصَّغَائِرِ الْمَوْهُوبَةِ الَّتِي تَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَ نُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِمْ فَلَمَّا اجْتَبَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ جَعَلَهُ نَبِيّاً كَانَ مَعْصُوماً لَا يُذْنِبُ صَغِيرَةً وَ لَا كَبِيرَةً قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏

وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏ ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَ هَدى‏

وَ قَالَ تَعَالَى‏

إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ‏

فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ فَمَا مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏

فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما

فَقَالَ الرِّضَا(ع)إِنَّ حَوَّاءَ وَلَدَتْ لِآدَمَ خَمْسَمِائَةِ بَطْنٍ فِي كُلِّ بَطْنٍ ذَكَرٌ وَ أُنْثَى وَ إِنَّ آدَمَ وَ حَوَّاءَ عَاهَدَا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ دَعَوَاهُ وَ قَالا

لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً

مِنَ النَّسْلِ خَلَفاً سَوِيّاً بَرِيئاً مِنَ الزَّمَانَةِ وَ الْعَاهَةِ كَانَ مَا آتَاهُمَا صِنْفَيْنِ صِنْفاً ذُكْرَاناً وَ صِنْفاً إِنَاثاً فَجَعَلَ الصِّنْفَانِ لِلَّهِ تَعَالَى‏

شُرَكاءَ فِيما آتاهُما

وَ لَمْ يَشْكُرَاهُ كَشُكْرِ أَبَوَيْهِمَا لَهُ عَزَّ وَ جَلَ‏

فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏

فَقَالَ الْمَأْمُونُ أَشْهَدُ أَنَّكَ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ حَقّاً فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ‏

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى‏ كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي‏

فَقَالَ الرِّضَا إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَقَعَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ صِنْفٍ يَعْبُدُ الزُّهَرَةَ وَ صِنْفٍ يَعْبُدُ الْقَمَرَ وَ صِنْفٍ يَعْبُدُ الشَّمْسَ وَ ذَلِكَ حِينَ خَرَجَ مِنَ السَّرْبِ الَّذِي أُخْفِيَ فِيهِ‏

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى‏

الزُّهَرَةَ فَ

قالَ هذا رَبِّي‏

عَلَى الْإِنْكَارِ وَ الِاسْتِخْبَارِ

فَلَمَّا أَفَلَ‏

الْكَوْكَبُ‏

قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ‏

لِأَنَّ الْأُفُولَ مِنْ صِفَاتِ الْحَدَثِ لَا مِنْ صِفَاتِ الْقَدِيمِ‏

فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي‏

عَلَى الْإِنْكَارِ وَ الِاسْتِخْبَارِ

فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ‏

فَلَمَّا أَصْبَحَ وَ

رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ

مِنَ الزُّهَرَةِ وَ الْقَمَرِ عَلَى الِاسْتِخْبَارِ لَا عَلَى الْإِخْبَارِ وَ الْإِقْرَارِ

فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ‏

لِلْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ مِنْ عَبَدَةِ الزُّهَرَةِ وَ الْقَمَرِ وَ الشَّمْسِ‏

إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي‏

15

فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً

مُسْلِماً-

وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏

وَ إِنَّمَا أَرَادَ إِبْرَاهِيمُ(ع)بِمَا قَالَ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُمْ بُطْلَانَ دِينِهِمْ وَ يُثْبِتَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَحِقُّ لِمَنْ كَانَ بِصِفَةِ الزُّهَرَةِ وَ الْقَمَرِ وَ الشَّمْسِ وَ إِنَّمَا تَحِقُّ الْعِبَادَةُ لِخَالِقِهَا وَ خَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ كَانَ مَا احْتَجَّ بِهِ عَلَى قَوْمِهِ مِمَّا أَلْهَمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ آتَاهُ‏

وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى‏ قَوْمِهِ‏

فَقَالَ الْمَأْمُونُ لِلَّهِ دَرُّكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ‏

رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى‏ قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى‏ وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي‏

قَالَ الرِّضَا(ع)إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى إِبْرَاهِيمَ(ع)أَنِّي مُتَّخِذٌ مِنْ عِبَادِي خَلِيلًا إِنْ سَأَلَنِي بِإِحْيَاءِ الْمَوْتَى أَجَبْتُهُ فَوَقَعَ فِي نَفْسِ إِبْرَاهِيمَ(ع)أَنَّهُ ذَلِكَ الْخَلِيلُ فَقَالَ‏

رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى‏ قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى‏ وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي‏

عَلَى الْخُلَّةِ قَالَ‏

فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى‏ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ‏

فَأَخَذَ إِبْرَاهِيمُ نَسْراً وَ بَطّاً وَ طَاوُساً وَ دِيكاً فَقَطَّعَهُنَّ وَ خَلَطَهُنَّ ثُمَّ جَعَلَ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ الَّتِي حَوْلَهُ وَ كَانَتْ عَشْرَةً مِنْهُنَّ جُزْءاً وَ جَعَلَ مَنَاقِيرَهُنَّ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ثُمَّ دَعَاهُنَّ بِأَسْمَائِهِنَّ وَ وَضَعَ عِنْدَهُ حَبّاً وَ مَاءً فَتَطَايَرَتْ تِلْكَ الْأَجْزَاءُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ حَتَّى اسْتَوَتِ الْأَبْدَانُ وَ جَاءَ كُلُّ بَدَنٍ حَتَّى انْضَمَّ إِلَى رَقَبَتِهِ وَ رَأْسِهِ فَخَلَّى إِبْرَاهِيمُ(ع)عَنْ مَنَاقِيرِهِنَّ فَطِرْنَ ثُمَّ وَقَعْنَ فَشَرِبْنَ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ وَ الْتَقَطْنَ مِنْ ذَلِكَ الْحَبِّ وَ قُلْنَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَحْيَيْتَنَا أَحْيَاكَ اللَّهُ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ(ع)بَلْ اللَّهُ‏

يُحْيِي وَ يُمِيتُ وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ

قَالَ الْمَأْمُونُ بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏

فَوَكَزَهُ مُوسى‏ فَقَضى‏ عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ‏

قَالَ الرِّضَا(ع)إِنَّ مُوسَى(ع)دَخَلَ مَدِينَةً مِنْ مَدَائِنِ فِرْعَوْنَ‏

عَلى‏ حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها

وَ ذَلِكَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَ الْعِشَاءِ

فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَ هذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ‏

فَقَضَى مُوسَى(ع)عَلَى الْعَدُوِّ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ فَمَاتَ فَقَالَ‏

هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ‏

يَعْنِي الِاقْتِتَالَ الَّذِي كَانَ وَقَعَ بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ لَا مَا فَعَلَهُ مُوسَى(ع)مَنْ قَتْلِهِ‏

إِنَّهُ‏

يَعْنِي الشَّيْطَانَ‏

عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ‏

قَالَ الْمَأْمُونِ فَمَا مَعْنَى قَوْلِ مُوسَى‏

رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي‏

قَالَ يَقُولُ إِنِّي وَضَعْتُ نَفْسِي غَيْرَ مَوْضِعِهَا بِدُخُولِي هَذِهِ الْمَدِينَةَ

فَاغْفِرْ لِي‏

أَيْ اسْتُرْنِي مِنْ أَعْدَائِكَ لِئَلَّا يَظْفَرُوا بِي فَيَقْتُلُونِي‏

فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ قالَ‏

مُوسَى‏

رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَ‏

مِنَ الْقُوَّةِ حَتَّى قَتَلْتُ رَجُلًا بِوَكْزَةٍ

فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ‏

بَلْ أُجَاهِدُ فِي سَبِيلِكَ بِهَذِهِ الْقُوَّةِ حَتَّى تَرْضَى‏

فَأَصْبَحَ‏

(ع)

فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ‏

16

بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ‏

عَلَى آخَرَ

قالَ لَهُ مُوسى‏ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ‏

قَاتَلْتَ رَجُلًا بِالْأَمْسِ وَ تُقَاتِلُ هَذَا الْيَوْمَ لَأُودِيَنَّكَ وَ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِهِ‏

فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما

وَ هُوَ مِنْ شِيعَتِهِ‏

قالَ يا مُوسى‏ أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَ ما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ‏

قَالَ الْمَأْمُونِ جَزَاكَ اللَّهُ خَيْراً يَا أَبَا الْحَسَنِ فَمَا مَعْنَى قَوْلِ مُوسَى لِفِرْعَوْنَ‏

فَعَلْتُها إِذاً وَ أَنَا مِنَ الضَّالِّينَ‏

قَالَ الرِّضَا(ع)إِنَّ فِرْعَوْنَ قَالَ لِمُوسَى لَمَّا أَتَاهُ‏

وَ فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَ أَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ‏

بِي‏

قالَ‏

مُوسَى‏

فَعَلْتُها إِذاً وَ أَنَا مِنَ الضَّالِّينَ‏

عَنِ الطَّرِيقِ بِوُقُوعِي إِلَى مَدِينَةٍ مِنْ مَدَائِنِكَ‏

فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ‏

وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ

أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى‏

يَقُولُ أَ لَمْ يَجِدْكَ وَحِيداً فَآوَى إِلَيْكَ النَّاسَ‏

وَ وَجَدَكَ ضَالًّا

يَعْنِي عِنْدَ قَوْمِكَ‏

فَهَدى‏

أَيْ هَدَاهُمْ إِلَى مَعْرِفَتِكَ‏

وَ وَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى‏

يَقُولُ أَغْنَاكَ بِأَنْ جَعَلَ دُعَاءَكَ مُسْتَجَاباً قَالَ الْمَأْمُونُ بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَمَا مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏

وَ لَمَّا جاءَ مُوسى‏ لِمِيقاتِنا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي‏

الْآيَةِ كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَلِيمُ اللَّهِ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الرُّؤْيَةُ حَتَّى يَسْأَلَهُ هَذَا السُّؤَالَ فَقَالَ الرِّضَا(ع)إِنَّ كَلِيمَ اللَّهِ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَزَّ أَنْ يُرَى بِالْأَبْصَارِ وَ لَكِنَّهُ لَمَّا كَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَ قَرَّبَهُ نَجِيّاً رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَأَخْبَرَهُمْ أَنْ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ كَلَّمَهُ وَ قَرَّبَهُ وَ نَاجَاهُ فَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَسْمَعَ كَلَامَهُ كَمَا سَمِعْتَ وَ كَانَ الْقَوْمُ سَبْعَمِائَةِ أَلْفِ رَجُلٍ اخْتَارَ مِنْهُمْ سَبْعَمِائَةِ ثُمَّ اخْتَارَ مِنَ السَّبْعِمِائَةِ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِ رَبِّهِ فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى طُورِ سَيْنَاءَ فَأَقَامَهُمْ فِي سَفْحِ الْجَبَلِ وَ صَعِدَ مُوسَى(ع)إِلَى الطُّورِ وَ سَأَلَ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَنْ يُكَلِّمَهُ وَ يُسْمِعَهُمْ كَلَامَهُ فَكَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَ سَمِعُوا كَلَامَهُ مِنْ فَوْقُ وَ أَسْفَلُ وَ يَمِينٍ وَ شِمَالٍ وَ وَرَاءَ وَ أَمَامٍ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَحْدَثَهُ فِي الشَّجَرَةِ وَ جَعَلَهُ مُنْبَعِثاً مِنْهَا حَتَّى سَمِعُوهُ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ فَقَالُوا

لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ‏

بِأَنَّ الَّذِي سَمِعْنَاهُ كَلَامُ اللَّهِ‏

حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً

فَلَمَّا قَالُوا هَذَا الْقَوْلَ الْعَظِيمَ وَ اسْتَكْبَرُوا وَ عَتَوْا بَعَثَ اللَّهُ صَاعِقَةً فَأَخَذْتُهُمْ بِظُلْمِهِمْ فَمَاتُوا فَقَالَ مُوسَى يَا رَبِّ مَا أَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا رَجَعْتُ إِلَيْهِمْ وَ قَالُوا إِنَّكَ ذَهَبْتَ بِهِمْ فَقَتَلْتَهُمْ لِأَنَّكَ لَمْ تَكُنْ صَادِقاً فِيمَا ادَّعَيْتَ مِنْ مُنَاجَاةِ اللَّهِ إِيَّاكَ فَأَحْيَاهُمُ اللَّهُ وَ بَعَثَهُمْ مَعَهُ فَقَالُوا إِنَّكَ لَوْ سَأَلْتَ اللَّهَ أَنْ يَرَاكَ تَنْظُرُ إِلَيْهِ لَأَجَابَكَ وَ كُنْتَ تُخْبِرُنَا كَيْفَ هُوَ فَنَعْرِفَهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ فَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُرَى بِالْأَبْصَارِ وَ لَا كَيْفِيَّةَ لَهُ وَ إِنَّمَا يُعْرَفُ بِآيَاتِهِ‏

17

وَ يُعْلَمُ بِأَعْلَامِهِ فَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَسْأَلَهُ فَقَالَ مُوسَى(ع)يَا رَبِّ إِنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ مَقَالَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَ أَنْتَ أَعْلَمُ بِصَلَاحِهِمْ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ يَا مُوسَى سَلْنِي مَا سَأَلُوكَ فَلَنْ أُؤَاخِذَكَ بِجَهْلِهِمْ فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ مُوسَى(ع)يَا

رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ‏

وَ هُوَ يَهْوِي‏

فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ‏

بِآيَةٍ مِنْ آيَاتِهِ‏

جَعَلَهُ دَكًّا وَ خَرَّ مُوسى‏ صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ‏

يَقُولُ رَجَعْتُ إِلَى مَعْرِفَتِي بِكَ عَنْ جَهْلِ قَوْمِي‏

وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ‏

مِنْهُمْ بِأَنَّكَ لَا تُرَى فَقَالَ الْمَأْمُونُ لِلَّهِ دَرُّكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ‏

وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى‏ بُرْهانَ رَبِّهِ‏

فَقَالَ الرِّضَا لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ لَوْ لَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِهَا كَمَا هَمَّتْ بِهِ لَكِنَّهُ كَانَ مَعْصُوماً وَ الْمَعْصُومُ لَا يَهِمُّ بِذَنْبٍ وَ لَا يَأْتِيهِ وَ قَدْ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنِ الصَّادِقِ(ع)قَالَ‏

هَمَّتْ بِهِ‏

بِأَنْ تَفْعَلَ وَ هَمَّ بِأَنْ لَا يَفْعَلَ فَقَالَ الْمَأْمُونُ لِلَّهِ دَرُّكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏

وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ‏

قَالَ الرِّضَا(ع)ذَاكَ يُونُسُ بْنُ مَتَّى‏

ذَهَبَ مُغاضِباً

لِقَوْمِهِ‏

فَظَنَ‏

بِمَعْنَى اسْتَيْقَنَ‏

أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ‏

أَيْ لَنْ نَضِيقَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ وَ مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى‏

وَ أَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ‏

أَيْ ضَيَّقَ وَ قَتَّرَ

فَنادى‏ فِي الظُّلُماتِ‏

ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَ ظُلْمَةِ الْبَحْرِ وَ بَطْنِ الْحُوتِ‏

أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ‏

بِتَرْكِي مِثْلَ هَذِهِ الْعِبَادَةِ الَّتِي قَدْ فَرَّغْتَنِي لَهَا فِي بَطْنِ الْحُوتِ فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ وَ قَالَ عَزَّ وَ جَلَ‏

فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ‏

فَقَالَ الْمَأْمُونُ لِلَّهِ دَرُّكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ‏

حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا

قَالَ الرِّضَا(ع)يَقُولُ اللَّهُ حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ مِنْ قَوْمِهِمْ إِنَّ الرُّسُلَ قَدْ كُذِبُوا جَاءَ الرُّسُلَ نَصْرُنَا فَقَالَ الْمَأْمُونُ لِلَّهِ دَرُّكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏

لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ

قَالَ الرِّضَا(ع)لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ عِنْدَ مُشْرِكِي أَهْلِ مَكَّةَ أَعْظَمَ ذَنْباً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (ص) لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ثَلَاثَمِائَةٍ وَ سِتِّينَ صَنَماً فَلَمَّا جَاءَهُمْ (ص) بِالدَّعْوَةِ إِلَى كَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ كَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَ عَظُمَ وَ قَالُوا

أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْ‏ءٌ عُجابٌ وَ انْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَ اصْبِرُوا عَلى‏ آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْ‏ءٌ يُرادُ ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ

18

إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ‏

فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ (ص) مَكَّةَ قَالَ لَهُ يَا مُحَمَّدُ

إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ

عِنْدَ مُشْرِكِي أَهْلِ مَكَّةَ بِدُعَائِكَ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَ مَا تَأَخَّرَ لِأَنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ أَسْلَمَ بَعْضُهُمْ وَ خَرَجَ بَعْضُهُمْ عَنْ مَكَّةَ وَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إِنْكَارِ التَّوْحِيدِ عَلَيْهِ إِذَا دُعِيَ النَّاسُ إِلَيْهِ فَصَارَ ذَنْبُهُ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُمْ مَغْفُوراً بِظُهُورِهِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ الْمَأْمُونُ لِلَّهِ دَرُّكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏

عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ‏

قَالَ الرِّضَا(ع)هَذَا مِمَّا نَزَلَ بِإِيَّاكِ أَعْنِي وَ اسْمَعِي يَا جَارَةِ خَاطَبَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ نَبِيَّهُ (ص) وَ أَرَادَ بِهِ أُمَّتَهُ وَ كَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏

لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ‏

وَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ‏

وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا

قَالَ صَدَقْتَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ‏

وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَ اتَّقِ اللَّهَ وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَ تَخْشَى النَّاسَ وَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ‏

قَالَ الرِّضَا(ع)إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) قَصَدَ دَارَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ شَرَاحِيلَ الْكَلْبِيِّ فِي أَمْرٍ أَرَادَهُ فَرَأَى امْرَأَتَهُ تَغْتَسِلُ فَقَالَ لَهَا سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَكِ وَ إِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ تَنْزِيهَ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏

أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَ اتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً

فَقَالَ النَّبِيُّ (ص) فَلَمَّا رَآهَا تَغْتَسِلُ سُبْحَانَ الَّذِي خَلْقَكِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً يَحْتَاجُ إِلَى هَذَا التَّطْهِيرِ وَ الِاغْتِسَالِ فَلَمَّا عَادَ زَيْدٌ إِلَى مَنْزِلِهِ أَخْبَرَتْهُ بِمَجِي‏ءِ رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَ قَوْلِهِ لَهَا سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَكِ فَلَمْ يَعْلَمْ زَيْدٌ مَا أَرَادَ بِذَلِكَ وَ ظَنَّ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لِمَا أَعْجَبَهُ مِنْ حُسْنِهَا فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ (ص) فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ امْرَأَتِي فِي خُلُقِهَا سُوءٌ وَ إِنِّي أُرِيدُ طَلَاقَهَا فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ (ص)

أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَ اتَّقِ اللَّهَ‏

وَ قَدْ كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَرَّفَهُ عَدَدَ أَزْوَاجِهِ وَ إِنَّمَا تِلْكَ الْمَرْأَةُ مِنْهُنَّ فَأَخْفَى ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ وَ لَمْ يُبْدِهِ لِزَيْدٍ وَ خَشِيَ النَّاسَ أَنْ يَقُولُوا إِنَّ مُحَمَّداً يَقُولُ لِمَوْلَاهُ إِنَّ امْرَأَتَكَ سَتَكُونُ لِي زَوْجَةً فَيَعِيبُونَهُ بِذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏

وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ‏

يَعْنِي بِالْإِسْلَامِ وَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ‏

أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَ اتَّقِ اللَّهَ وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَ تَخْشَى النَّاسَ وَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ‏

ثُمَّ إِنَّ زَيْداً طَلَّقَهَا وَ اعْتَدَّتْ مِنْهُ فَزَوَّجَهَا اللَّهُ مِنْ نَبِيِّهِ (ص) وَ أَنْزَلَ بِذَلِكَ قُرْآناً

فَلَمَّا قَضى‏ زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا

19

ثُمَّ عَلِمَ عَزَّ وَ جَلَّ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ سَيَعِيبُونَهُ بِتَزْوِيجِهَا فَأَنْزَلَ‏

ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ‏

فَقَالَ الْمَأْمُونُ لَقَدْ شَفَيْتَ صَدْرِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَ أَوْضَحْتَ لِي مَا كَانَ مُلْتَبِساً عَلَيَّ فَجَزَاكَ اللَّهُ عَنْ أَنْبِيَائِهِ وَ عَنِ الْإِسْلَامِ خَيْراً قَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَهْمِ فَقَامَ الْمَأْمُونُ إِلَى الصَّلَاةِ وَ أَخَذَ بِيَدِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ كَانَ حَاضِرَ الْمَجْلِسِ فَتَبِعْتُهُمَا فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ كَيْفَ رَأَيْتَ ابْنَ أَخِيكَ فَقَالَ عَالِمٌ وَ لَمْ نَرَهُ يَخْتَلِفُ إِلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَقَالَ الْمَأْمُونُ إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ إِنَّ أَبْرَارَ عِتْرَتِي وَ أَطَايِبَ أَرُومَتِي أَحْلَمُ النَّاسِ صِغَاراً وَ أَعْلَمُ النَّاسِ كِبَاراً لَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ لَا يُخْرِجُونَكُمْ مِنْ بَابِ هُدًى وَ لَا يُدْخِلُونَكُمْ فِي بَابِ ضَلَالٍ وَ انْصَرَفَ الرِّضَا(ع)إِلَى مَنْزِلِهِ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ غَدَوْتُ إِلَيْهِ وَ أَعْلَمْتُهُ مَا كَانَ مِنْ قَوْلِ الْمَأْمُونِ وَ جَوَابِ عَمِّهِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ لَهُ فَضَحِكَ(ع)ثُمَّ قَالَ يَا عَلِيَّ بْنَ الْجَهْمِ لَا يَغُرَّنَّكَ مَا سَمِعْتَهُ مِنْهُ فَإِنَّهُ سَيَغْتَالُنِي وَ اللَّهُ يَنْتَقِمُ لِي مِنْهُ‏

قال الصدوق هذا الحديث عجيب من طريق علي بن محمد بن الجهم مع نصبه و بغضه و عداوته لأهل البيت ع. أقول هذا ليس بعجيب لأن الله سبحانه يجري الحق لأوليائه على ألسنة أعدائه في كثير من الأحوال و في أغلب الأزمان‏

وَ فِي كِتَابِ الْخِصَالِ مُسْنَداً إِلَى الْأَشْعَرِيِّ رَفَعَهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ‏

ثَلَاثٌ لَمْ يَعْرَ مِنْهَا نَبِيٌّ فَمَنْ دُونَهُ الطِّيَرَةُ وَ الْحَسَدُ وَ التَّفَكُّرُ فِي الْوَسْوَسَةِ فِي الْخَلْقِ‏

قال الصدوق و معنى الطيرة في هذا الموضع هو أن يتطير منهم قومهم فأما هم(ع)فلا يتطيرون و ذلك كما قال الله عز و جل في قوم صالح‏ قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ‏ و كما قال آخرون لأنبيائهم‏ إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ‏ الآية. و أما الحسد في هذا الموضع هو أن يحسدوا لا أنهم يحسدون غيرهم و ذلك كما قال الله عز و جل‏ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى‏ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً. و أما التفكر في الخلق فهو بلواهم(ع)بأهل الوسوسة لا غير ذلك كما حكى الله عنهم من الوليد بن المغيرة المخزومي‏ إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ يعني قال للقرآن‏ إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ. أقول ما ذكره من التأويل حسن إلا أن في الكافي و غيره تتمة للحديث لا يحتمله و هي لكن المؤمن لا يظهر الحسد و من ثم حمل جماعة من أهل الحديث على ما هو أعم من‏

20

الغبطة أو أن القليل منه إذا لم يظهر ليس بذنب و الطيرة هي التشاؤم بالشي‏ء و انفعال النفس بما يراه أو يسمعه مما يتشاءم به و لا دليل على أنه لا يجوز ذلك على الأنبياء إذ ورد أنهم يتفاءلون بالشي‏ء الحسن و المراد بالتفكر في الوسوسة في الخلق التفكر فيما يحصل في نفس الإنسان من الوساوس في خالق الأشياء و كيفية خلقها و خلق أعمال العباد و التفكر في الحكمة في خلق بعض الشرور في العالم من غير استقرار في النفس و حصول شك بسببها و يحتمل أن يكون المراد بالخلق المخلوقات و بالتفكر في الوساوس التفكر و حديث النفس بعيوبهم و تفتيش أحوالهم و في الأخبار ما يؤيد الوجهين كما سيأتي و بعض أفراد هذا الأخير على الوجهين لا يستبعد عروضها لهم(ع)هذا. و اعلم أن الخلاف بين علماء الإسلام في عصمة الأنبياء(ع)يرجع إلى أربعة أقسام ما يقع في باب العقائد و ما يقع في التبليغ و ما يقع في الأحكام و الفتيا و ما يقع في أفعالهم و سيرهم ع. أما الاعتقادات فهم منزهون عن الكفر و الضلال فيما قبل النبوة و بعدها باتفاق الأمة غير أن الأزارقة من الخوارج جوزوا عليهم الذنب و عندهم كل ذنب كفر فيلزمهم تجويز الكفر عليهم بل يحكى عنهم أنهم قالوا يجوز أن يبعث الله نبيا و يعلم أنه يكفر بعد نبوته. و أما النوع الثاني و هو ما يتعلق بالتبليغ فقد اتفقت الأمة و أرباب الملل و الشرائع على وجوب عصمتهم عن الكذب و التحريف فيما يتعلق بالتبليغ عمدا و سهوا إلا القاضي أبو بكر فإنه جوز ما كان من ذلك على سبيل النسيان و فلتات اللسان. و أما النوع الثالث و هو ما يتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز خطأهم فيه عمدا و سهوا إلا شرذمة قليلة من العامة. و أما النوع الرابع و هو الذي يتعلق بأفعالهم فقد اختلفوا فيه على خمسة أقوال أولها قول أصحابنا الإمامية (رضوان الله عليهم) و هو نفي الذنب عنهم مطلقا الصغار و الكبار و العمد و النسيان و السهو و الإسهاء و لم يخالف فيه إلا الصدوق و شيخه محمد بن الحسن بن الوليد فإنهما جوزا عليهم الإسهاء من الله لا السهو من الشيطان و كذا القول في الأئمة الطاهرين ع. الثاني مذهب أكثر المعتزلة و هو أنه لا يجوز عليهم الكبائر و يجوز عليهم الصغائر إلا الصغائر الخسيسة المنفردة كسرقة حبة أو لقمة و كل ما ينسب فاعله إلى الدناءة و الضعة. الثالث و هو مذهب أبي علي الجبائي أنه لا يجوز أن يأتوا بصغيرة و لا كبيرة على جهة العمد لكن يجوز على جهة التأويل و السهو كما تقدم في حكاية آدم(ع)من أنه كان‏

21

منه غلطا في التأويل لأنه ظن أنه نهي عن شخص الشجرة لا عن نوعها فتناول من غير التي نهي عن شخصها. الرابع أنه لا يقع منهم الذنب إلا على طريق السهو و الخطأ لكنهم مؤاخذون به و إن رفع حكمه عن الأمة لقوة معرفتهم و علو مرتبتهم و قدرتهم على التحفظ و هو قول النظام و من تبعه. الخامس أنه يجوز عليهم الصغائر و الكبائر عمدا و سهوا و خطأ و هو قول الحشوية و كثير من أصحاب الحديث من العامة ثم إنهم اختلفوا في وقت العصمة على ثلاثة أقوال الأول أنه من وقت ولادتهم إلى أن يلقوا الله و هو مذهب الإمامية (رضوان الله عليهم). الثاني أنه من حين بلوغهم و لا يجوز عليهم الكفر و الكبيرة قبل النبوة و هو مذهب كثير من المعتزلة. الثالث أنه وقت النبوة أو ما قبله فيجوز صدور المعصية عنهم و هو قول أكثر الأشاعرة و منهم الفخر الرازي و أما دلائلنا على ما صرنا إليه فهي و إن كانت متكثرة إلا أن العمدة فيها أخبارنا المتواترة و إجماعنا المقطوع به حتى إنه صار من ضروريات ديننا. و قد ذكر سيدنا الأجل علم الهدى في الشافي و كتاب تنزيه الأنبياء(ع)جملة من الدلائل و البراهين القاطعة من أراد الاطلاع عليها فليطلها من هناك‏

22

الباب الأول في قصص آدم و حواء و أولادهما

و فيه فصول‏

الفصل الأول في فضلهما و العلة في تسميتهما و بدو خلقهما و سؤال الملائكة في ذلك‏

قال الله تعالى‏ وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ‏. أقول الخليفة من ينوب عن غيره و الهاء للمبالغة و هذه الآية و ما بمعناها دالة على أن الغرض و المقصود من خلق آدم(ع)أن يكون خليفة في الأرض لمن تقدمه من الجان و ليس المقصود من خلقه أن يكون في الجنة نعم كان الأولى به ألا يفعل ما فعل و ينزل من الجنة عزيزا كريما على خلع الجنة و على زوجته ثياب حور العين و الملائكة يزفونه و يسجدون له في الجنة. و أما قول الملائكة أَ تَجْعَلُ فِيها فهو تعجب أما من أن يستخلف لعمارة الأرض و إصلاحها من يفسد فيها و استكشاف عما خفي عليهم من الحكمة التي غلبت تلك المفاسد و استخبار عما يزيح شبههم و ليس باعتراض على الله و لا طعن في بني آدم و على وجه الغيبة كما توهمه من جواز الذنوب على الملائكة فإنهم أجل و أعلى من أن يظن بهم ذلك. و إنما عرفوا ذلك بإخبار من الله أو تلق من اللوح المحفوظ أو قياس لأحد الثقلين على الآخر. و قوله‏ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ‏ حال مقررة لجهة الإشكال عليهم قيل و كأنهم علموا أن المجعول خليفة ذو ثلاث قوى عليها مدار أمره شهوية و غضبية تؤديان به إلى الفساد و سفك الدماء و عقلية تدعوه إلى المعرفة و الطاعة و نظروا إليها مفردة و قالوا ما الحكمة في استخلافه و هو باعتبار تينك القوتين لا تقتضي الحكمة إيجاده فضلا عن استخلافه و أما

23

باعتبار القوة العقلية فنحن نقيم بما يتوقع منها سليما عن معارضة تلك المفاسد و غفلوا عن فضيلة كل واحد من القوتين إذا صارت مهذبة مطاوعة للعقل متمرنة على الخير كالعفة و الشجاعة و لم يعلموا أن التركيب يفيد ما يقصر عنه الآحاد كالإحاطة بالجزئيات و استخراج منافع الكائنات من القوة إلى الفعل الذي هو المقصود من الاستخلاف. و أما تعليم آدم الأسماء فبخلق علم ضروري فيه أو أنه ألقاه في روعه. و قوله‏ ثُمَّ عَرَضَهُمْ‏ أي المسميات المدلول عليها ضمنا. و أما ما يقال من أنه كان للملائكة أن يقولوا لو علمتنا كما علمت آدم لعلمنا مثله فجوابه أنهم أجابوا أنفسهم بقولهم‏ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ‏. و ذلك أن مقتضى الحكمة وضع الأشياء مواضعها على وفق الحكمة فحكمته تعالى إنما اقتضت إلقاء التعليم إلى آدم لا إلى الملائكة

وَ رَوَى الصَّدُوقُ بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ‏

إِنَّمَا سُمِّيَ آدَمَ(ع)لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ قَالَ الصَّدُوقُ اسْمُ الْأَرْضِ الرَّابِعَةِ أَدِيمٌ وَ خَلَقَ مِنْهَا آدَمَ فَلِذَلِكَ قِيلَ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ وَ قَالَ(ع)سُمِّيَتْ حَوَّاءُ لِأَنَّهَا مِنْ حَيٍّ يَعْنِي آدَمَ ع‏

و قد اختلف في اشتقاق اسم آدم(ع)فقيل اسم أعجمي لا اشتقاق له كآزر. و قيل إنه مشتق من الأدمة بمعنى السمرة لأنه كان أسمر اللون و قيل من الأدم بمعنى الألفة و الاتفاق. و أما اشتقاق حواء من حي أو الحيوان فهو من الاشتقاقات الشاذة أو الجعلية كلابن و تامر

وَ رَوَى الصَّدُوقُ (رحمه الله) أَيْضاً عَنِ ابْنِ سَلَّامٍ‏

أَنَّهُ قِيلَ لِلنَّبِيِّ (ص) هَلْ خُلِقَ آدَمُ مِنَ الطِّينِ كُلِّهِ أَوْ مِنْ طِينٍ وَاحِدٍ قَالَ بَلْ مِنَ الطِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ خُلِقَ مِنْ طِينٍ وَاحِدٍ لَمَا عَرَفَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً وَ كَانُوا عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ قَالَ فَلَهُمْ فِي الدُّنْيَا مِثْلُ ذَلِكَ قَالَ التُّرَابُ فِيهِ أَبْيَضُ وَ فِيهِ أَخْضَرُ وَ فِيهِ أَشْقَرُ يَعْنِي شَدِيدَ الْحُمْرَةِ وَ فِيهِ أَزْرَقُ وَ فِيهِ عَذْبٌ وَ فِيهِ مِلْحٌ فَلِذَلِكَ صَارَ النَّاسُ فِيهِمْ أَبْيَضَ وَ فِيهِمْ أَصْفَرَ وَ فِيهِمْ أَسْوَدَ وَ عَلَى أَلْوَانِ التُّرَابِ‏

الحديث‏

وَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)

إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بَعَثَ جَبْرَئِيلَ(ع)وَ أَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ بِأَرْبَعِ طِينَاتٍ طِينَةٍ بَيْضَاءَ وَ طِينَةٍ حَمْرَاءَ وَ طِينَةٍ غَبْرَاءَ وَ طِينَةِ سَوْدَاءَ وَ ذَلِكَ مِنْ سَهْلِهَا وَ حَزْنِهَا ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِأَرْبَعِ مِيَاهٍ عَذْبٍ وَ مَاءٍ مَالِحٍ وَ مَاءٍ مُرٍّ وَ مَاءٍ مُنْتِنٍ ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يُفْرِغَ الْمَاءَ فِي الطِّينِ فَجَعَلَ الْمَاءَ الْعَذْبَ فِي حَلْقِهِ وَ جَعَلَ الْمَاءَ الْمَالِحَ فِي عَيْنَيْهِ وَ جَعَلَ الْمَاءَ الْمُرَّ فِي أُذُنَيْهِ وَ جَعَلَ الْمَاءَ الْمُنْتِنَ فِي أَنْفِهِ‏

24

و جاء تعليله‏

فِي تَوْحِيدِ الْمُفَضَّلِ: عَنِ الصَّادِقِ(ع)

إِنَّمَا جُعِلَ الْمَاءُ الْعَذْبُ فِي الْحَلْقِ لِيَسُوغَ لَهُ أَكْلُ الطَّعَامِ وَ جُعِلَ الْمَاءُ الْمَالِحُ فِي الْعَيْنَيْنِ إِبْقَاءً عَلَى شَحْمَةِ الْعَيْنِ لِأَنَّ الشَّحْمَ يَبْقَى إِذَا وُضِعَ عَلَيْهِ الْمَاءُ وَ أَمَّا الْمَاءُ الْمُرُّ فِي الْأُذُنَيْنِ فَلِئَلَّا تَهْجُمَ الْهَوَامُّ عَلَى الدِّمَاغِ‏

و من ذلك أنها إذا وصلت إلى الماء المر في الأذنين ماتت و ربما تعدى الماء المر و وصل إلى الدماغ. و من العجب أنه جاءت إلي امرأة تستفتيني في أن بعض الجراحين أراد أن يكسر قطعة من عظم رأسها حتى يظهر الدماغ و ذلك أن هامة تسمى هزارپا دخلت أذنها و هي نائمة فوصلت إلى الدماغ و إلى مخ الرأس فصارت تأكل منه و ربما سكنت و بقيت على هذا أعواما و ما أفتيت في حكاية كسر شي‏ء من قحفة رأسها و جاء في كتب الطب أنه وقع مثل هذا في زمن أفلاطون فأخذ الرجل إلى الحمام و رفع قطعة من قحفة رأسه و استخرج الهامة ثم وضع القحفة على حالها و هذا منه ليس بعجيب فقد روي عنه لما قلع القحفة و ظهر هزارپا في الدماغ أراد أن يتناوله بالمنقاش فقال له أحد تلاميذه لا تفعل فإنه محكم أيديه و أرجله في حجاب الدماغ فحمي له المنقاش و وضعه على ظهره حتى رفع رجليه من حجاب الدماغ فتناوله و رماه‏

وَ عَنْهُ(ع)

أَوَّلُ مَنْ قَاسَ إِبْلِيسُ قَالَ‏

خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ‏

وَ لَوْ عَلِمَ إِبْلِيسُ مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي آدَمَ لَمْ يَفْتَخِرْ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ الْمَلَائِكَةَ مِنْ نُورٍ وَ خَلَقَ الْجَانَّ مِنَ النَّارِ وَ خَلَقَ الْجِنَّ صِنْفاً مِنَ الْجَانِّ مِنَ الرِّيحِ وَ صِنْفاً مِنَ الْمَاءِ وَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ صَفْحَةِ الطِّينِ ثُمَّ أَجْرَى فِي آدَمَ النُّورَ وَ النَّارَ وَ الرِّيحَ وَ الْمَاءَ فَبِالنُّورِ أَبْصَرَ وَ عَقَلَ وَ فَهِمَ وَ بِالنَّارِ أَكَلَ وَ شَرِبَ وَ لَوْ لَا النَّارُ فِي الْمَعِدَةِ لَمْ تَطْحَنِ الْمَعِدَةُ الطَّعَامَ وَ لَوْ لَا أَنَّ الرِّيحَ فِي جَوْفِ بَنِي آدَمَ تُلَهِّبُ نَارَ الْمَعِدَةِ لَمْ تَلْتَهِبْ وَ لَوْ لَا أَنَّ الْمَاءَ فِي جَوْفِ ابْنِ آدَمَ يُطْفِئُ حَرَّ الْمَعِدَةِ لَأَحْرَقَتِ النَّارُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ فَجَمَعَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي آدَمَ لِخَمْسِ خِصَالٍ وَ كَانَتْ فِي إِبْلِيسَ خَمْسَةٌ فَافْتَخَرَ بِهَا

وَ عَنْهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ‏

إِنَّ الْقَبْضَةَ الَّتِي قَبَضَهَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنَ الطِّينِ الَّذِي خَلَقَ مِنْهَا آدَمَ أَرْسَلَ إِلَيْهَا جَبْرَائِيلَ(ع)أَنْ يَقْبِضَهَا فَقَالَتِ الْأَرْضُ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تَأْخُذَ مِنِّي شَيْئاً فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ وَ قَالَ يَا رَبِّ تَعَوَّذَتْ بِكَ مِنِّي فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا إِسْرَافِيلَ فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا مِيكَائِيلَ فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا مَلَكَ الْمَوْتِ فَتَعَوَّذَتْ بِاللَّهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئاً فَقَالَ مَلَكُ الْمَوْتِ وَ إِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْهِ حَتَّى أَقْبِضَ مِنْكَ‏

25

أقول جاء في الرواية أن الله سبحانه أمر ملك الموت على الحتم و يدل على أن أمره تعالى لمن تقدمه ليس على سبيل الحتم‏

وَ رَوَى عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بِإِسْنَادِهِ إِلَى الْبَاقِرِ(ع)عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ص) قَالَ‏

إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقاً بِيَدِهِ وَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ الْجِنِّ وَ النَّاسِ فِي الْأَرْضِ سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ فَكَشَفَ عَنْ أَطْبَاقِ السَّمَاوَاتِ وَ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ انْظُرُوا إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ خَلْقِي مِنَ الْجِنِّ وَ النَّاسِ فَلَمَّا رَأَوْا مَا يَعْمَلُونَ فِيهَا مِنَ الْمَعَاصِي عَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا رَبَّنَا أَنْتَ الْعَزِيزُ الْقَادِرُ وَ هَذَا خَلْقُكَ الضُّعَفَاءُ يَعِيشُونَ بِرِزْقِكَ وَ يَعْصُونَكَ وَ لَا تَنْتَقِمُ لِنَفْسِكَ فَلَمَّا سَمِعَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ قَالَ‏

إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً

يَكُونُ حَجَّةً فِي أَرْضِي فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ سُبْحَانَكَ‏

تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها

كَمَا أَفْسَدَتْ بَنُو الْجَانِّ فَاجْعَلْ ذَلِكَ الْخَلِيفَةَ مِنَّا فَإِنَّا لَا نَعْصِيكَ وَ

نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ‏

فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَ‏

إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ‏

أُرِيدُ أَنْ أَخْلُقَ خَلْقاً بِيَدِي وَ أَجْعَلَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ أَنْبِيَاءَ وَ عِبَاداً صَالِحِينَ وَ أَئِمَّةً مَهْدِيِّينَ أَجْعَلَهُمْ خُلَفَاءَ عَلَى خَلْقِي فِي أَرْضِي وَ أُطَهِّرَ أَرْضِي مِنَ النَّاسِ وَ أَنْقُلَ مَرَدَةَ الْجِنِّ الْعُصَاةَ عَلَى خَلْقِي وَ أِسْكِنَهُمْ فِي الْهَوَاءِ وَ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ وَ أَجْعَلَ بَيْنَ الْجِنِّ وَ بَيْنَ خَلْقِي حِجَاباً فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا رَبَّنَا افْعَلْ مَا شِئْتَ فَبَاعَدَهُمُ اللَّهُ مِنَ الْعَرْشِ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ فَلَاذُوا بِالْعَرْشِ وَ أَشَارُوا بِالْأَصَابِعِ فَنَظَرَ الرَّبُّ إِلَيْهِمْ وَ نَزَلَتِ الرَّحْمَةُ فَوَضَعَ لَهُمْ الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ فَقَالَ طُوفُوا بِهِ وَ دَعُوا الْعَرْشَ فَطَافُوا بِهِ وَ هُوَ الْبَيْتُ الَّذِي يَدْخُلُهُ الْجِنُّ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَعُودُونَ إِلَيْهِ أَبَداً فَوَضَعَ اللَّهُ الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ تَوْبَةً لِأَهْلِ السَّمَاءِ وَ وَضَعَ الْكَعْبَةَ تَوْبَةً لِأَهْلِ الْأَرْضِ إِلَى أَنْ قَالَ ثُمَّ قَبَضَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ طِينَةَ آدَمَ وَ أَجْرَى فِيهَا الطَّبَائِعَ الْأَرْبَعَ الرِّيحَ وَ الدَّمَ وَ الْمِرَّةَ وَ الْبَلْغَمَ فَلَزِمَهُ مِنْ نَاحِيَةِ الرِّيحِ حُبُّ النِّسَاءِ وَ طُولُ الْأَمَلِ وَ الْحِرْصِ وَ لَزِمَهُ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَلْغَمِ حُبُّ الطَّعَامِ وَ الشَّرَابِ وَ الْبِرُّ وَ الْحِلْمُ وَ الرِّفْقُ وَ لَزِمَهُ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَرَّةِ الْغَضَبُ وَ السَّفَهُ وَ الشَّيْطَنَةُ وَ التَّجَبُّرُ وَ التَّمَرُّدُ وَ الْعَجَلَةُ وَ لَزِمَهُ مِنْ نَاحِيَةِ الدَّمِ حُبُّ النِّسَاءِ وَ اللَّذَّاتِ وَ رُكُوبُ الْمَحَارِمِ وَ الشَّهَوَاتِ‏

أقول قيل المراد بالريح السوداء و بالمرة الصفراء أو بالعكس أو المراد بالريح الروح و المرة الصفراء و السوداء معا إذ يطلق عليهما و تكرار حب النساء لمدخليتهما معا

وَ عَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ‏

كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ آدَمَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ هَبَطَ بِهِ مَعَهُ فِي الْجَنَّةِ

وَ عَنْهُ (ص)

أَهْلُ الْجَنَّةِ لَيْسَتْ لَهُمْ كُنًى إِلَّا آدَمُ(ع)فَإِنَّهُ يُكَنَّى بِأَبِي مُحَمَّدٍ تَوْقِيراً وَ تَعْظِيماً

وَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)

إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ آدَمَ(ع)مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَ أُمٍّ وَ عِيسَى(ع)مِنْ غَيْرِ أَبٍ لِيُعْلِمَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَ أُمٍّ وَ مِنْ غَيْرِ

26

أَبٍ كَمَا هُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِنْهُمَا وَ فِي قَوْلِهِ‏

خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ‏

قَالَ لَمَّا أَجْرَى اللَّهُ الرُّوحَ فِي آدَمَ مِنْ قَدَمَيْهِ فَبَلَغَتْ إِلَى رُكْبَتَيْهِ أَرَادَ أَنْ يَقُومُ فَلَمْ يَقْدِرْ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏

خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ‏

وَ قَالَ سُمِّيَتِ الْمَرْأَةُ امْرَأَةً لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنَ الْمَرْءِ يَعْنِي خُلِقَتْ مِنْ آدَمَ(ع)وَ سُمِّيَ النِّسَاءُ نِسَاءَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِآدَمَ أُنْسٌ غَيْرُ حَوَّاءَ

وَ عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْحَسَنِيِّ قَالَ‏

كَتَبْتُ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ الثَّانِي(ع)أَسْأَلُهُ عَنْ عِلَّةِ الْغَائِطِ وَ نَتْنِهِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ آدَمَ(ع)وَ كَانَ جَسَدُهُ طَيِّباً وَ بَقِيَ أَرْبَعِينَ سَنَةً مُلْقًى تَمُرُّ بِهِ الْمَلَائِكَةُ فَتَقُولُ لِأَمْرِ مَا خَلَقْتَ وَ كَانَ إِبْلِيسُ يَدْخُلُ فِي فِيهِ وَ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ فَلِذَلِكَ صَارَ مَا فِي جَوْفِ آدَمَ مُنْتِناً خَبِيثاً غَيْرَ طَيِّبٍ‏

وَ عَنْ أَحَدِهِمَا(ع)

أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمَّا أَرَادَ خَلْقَ آدَمَ(ع)قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ

إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً

فَقَالَ مَلَكَانِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ

أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ

فَوَقَعَتِ الْحُجُبُ فِيمَا بَيْنَهُمَا وَ بَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ كَانَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى نُورُهُ ظَاهِراً لِلْمَلَائِكَةِ فَلَمَّا وَقَعَتِ الْحُجُبُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُمَا عَلِمَا أَنَّهُ سَخِطَ مِنْ قَوْلِهِمَا فَقَالا لِلْمَلَائِكَةِ مَا حِيلَتُنَا وَ مَا وَجْهُ تَوْبَتِنَا فَقَالُوا مَا نَعْرِفُ لَكُمَا مِنَ التَّوْبَةِ إِلَّا أَنْ تَلُوذَا بِالْعَرْشِ فَلَاذَا بِالْعَرْشِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُمَا وَ رَفَعَتِ الْحُجُبَ فِيمَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُمَا وَ أَحَبَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَنْ يُعْبَدَ بِتِلْكَ الْعِبَادَةِ فَخَلَقَ اللَّهُ الْبَيْتَ فِي الْأَرْضِ وَ جَعَلَ عَلَى الْعِبَادِ الطَّوَافَ حَوْلَهُ وَ خَلَقَ الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ فِي السَّمَاءِ

أقول المراد من نوره تعالى الأنوار المخلوقة في عرشه أو أنوار الأئمة (ص) أو أنوار معرفته و فيضه فتكون حجبا معنوية

وَ فِي عِلَلِ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الرِّضَا(ع)

أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمَّا اسْتَغْفَرُوا مِنْ قَوْلِهِمْ‏

أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها

وَ عَلِمُوا أَنَّهُمْ أَذْنَبُوا فَنَدِمُوا وَ لَاذُوا بِالْعَرْشِ وَ اسْتَغْفَرُوا فَأَحَبَّ اللَّهُ أَنْ يُتَعَبَّدَ بِمِثْلِ تِلْكَ الْعِبَادَةِ فَوَضَعَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ بَيْتاً بِحِذَاءِ الْعَرْشِ يُسَمَّى الضُّرَاحَ ثُمَّ وَضَعَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا بَيْتاً يُسَمَّى الْمَعْمُورَ بِحِذَاءِ الضُّرَاحِ ثُمَّ وَضَعَ الْبَيْتَ بِحِذَاءِ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ(ع)فَطَافَ بِهِ فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ جَرَى ذَلِكَ فِي وُلْدِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ

وَ رُوِيَ‏

أَنَّهُ قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)لِمَ صَارَ الطَّوَافُ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ قَالَ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ

إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً

فَرَدُّوا عَلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَ قَالُوا

أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها

وَ كَانَ لَا يَحْجُبُهُمْ عَنْ نُورِهِ فَحَجَبَهُمْ عَنْ نُورِهِ سَبْعَةَ آلَافِ عَامٍ فَلَاذُوا بِالْعَرْشِ سَبْعَةَ آلَافِ فَتَابَ عَلَيْهِمْ وَ جَعَلَ لَهُمُ الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ وَ وَضَعَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ تَحْتَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ فَصَارَ الطَّوَافُ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ وَاجِباً عَلَى الْعِبَادِ لِكُلِّ أَلْفِ سَنَةٍ شَوْطاً وَاحِداً

27

: وَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ‏

كَانَ الصُّرَدُ دَلِيلَ آدَمَ(ع)مِنْ بِلَادِ سَرَانْدِيبَ إِلَى جُدَّةَ شَهْراً وَ هُوَ أَوَّلُ طَائِرٍ صَامَ لِلَّهِ تَعَالَى‏

وَ سَأَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)النَّبِيَّ (ص) كَيْفَ صَارَتِ الْأَشْجَارُ بَعْضُهَا تَحْمِلُ وَ بَعْضُهَا لَا تَحْمِلُ فَقَالَ كُلَّمَا سَبَّحَ آدَمَ تَسْبِيحاً صَارَتْ لَهُ فِي الدُّنْيَا شَجَرَةً مَعَ حَمْلٍ وَ كُلَّمَا سَبَّحَتْ حَوَّاءُ تَسْبِيحَةً صَارَتْ لَهَا فِي الدُّنْيَا شَجَرَةً مِنْ غَيْرِ حَمْلٍ‏

:

وَ سُئِلَ مِمَّا خَلَقَ اللَّهُ الشَّعِيرَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَمَرَ آدَمَ(ع)أَنِ ازْرَعْ مِمَّا اخْتَزَنْتَ لِنَفْسِكَ وَ جَاءَ جَبْرَئِيلُ بِقَبْضَةٍ مِنَ الْحِنْطَةِ فَقَبَضَ آدَمِ(ع)عَلَى قَبْضَةٍ وَ قَبَضَتْ حَوَّاءُ عَلَى قَبْضَةٍ فَقَالَ آدَمُ لِحَوَّاءَ لَا تَزْرَعِي أَنْتِ فَلَمْ تَقْبَلْ قَوْلَ [أَمْرِ] آدَمَ وَ كُلُّ مَا زَرَعَ آدَمُ(ع)جَاءَ حِنْطَةً وَ كُلُّ مَا زَرَعَتْ حَوَّاءُ جَاءَ شَعِيراً

وَ رَوَى الثِّقَةُ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ(ع)

فِي قَوْلِ اللَّهِ‏

وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى‏ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً

قَالَ عَهِدَ إِلَيْهِ فِي مُحَمَّدٍ وَ الْأَئِمَّةِ مِنْ بَعْدِهِ (ص) فَتَرَكَ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْمٌ فِيهِمْ أَنَّهُمْ هَكَذَا وَ إِنَّمَا سُمُّوا أُولُو الْعَزْمِ لِأَنَّهُ عَهِدَ إِلَيْهِمْ فِي مُحَمَّدٍ وَ أَوْصِيَائِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَ الْقَائِمِ(ع)وَ سِيرَتِهِ فَأَجْمَعَ عَزْمُهُمْ أَنْ كَذَلِكَ وَ الْإِقْرَارِ بِهِ‏

وَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)

فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏

وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً

إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ(ع)مِنَ الْمَاءِ الْعَذْبِ وَ خَلَقَ زَوْجَتَهُ مِنْ سِنْخِهِ فَيَرَاهَا مِنْ أَسْفَلِ أَضْلَاعِهِ فَجَرَى بِذَلِكَ الضِّلْعُ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ ثُمَّ زَوَّجَهَا إِيَّاهُ فَجَرَى بِسَبَبِ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا صِهْرٌ فَذَلِكَ قَوْلُهُ‏

نَسَباً وَ صِهْراً

فَالنَّسَبُ مَا كَانَ مِنْ نَسَبِ الرِّجَالِ وَ الصِّهْرُ مَا كَانَ مِنْ سَبَبِ النِّسَاءِ

وَ قَالَ‏

إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ مِنَ الطِّينِ وَ خَلَقَ حَوَّاءَ مِنْ آدَمَ فَهِمَّةُ الرِّجَالِ الْأَرْضُ وَ هِمَّةُ النِّسَاءِ فِي الرِّجَالِ‏

وَ قَالَ(ع)

لَمَّا بَكَى آدَمُ (ص) عَلَى الْجَنَّةِ كَانَ رَأْسُهُ فِي بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ وَ كَانَ يَتَأَذَّى بِالشَّمْسِ فَحَطَّ مِنْ قَامَتِهِ‏

وَ قَالَ‏

إِنَّ آدَمَ لَمَّا أُهْبِطَ مِنَ الْجَنَّةِ وَ أَكَلَ مِنَ الطَّعَامِ وَجَدَ فِي بَطْنِهِ ثِقَلًا فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى جَبْرَئِيلَ فَقَالَ يَا آدَمُ فَتَنَحَّ فَنَحَّاهُ فَأَحْدَثَ وَ خَرَجَ مِنْهُ الثِّقَلُ‏

وَ قَالَ(ع)

أَتَى هَذَا الْبَيْتَ أَلْفَ أَتْيَةٍ عَلَى قَدَمَيْهِ مِنْهَا سَبْعُمِائَةِ حَجَّةٍ وَ ثَلَاثُمِائَةِ عُمْرَةٍ

وَ عَنْهُ(ع)

لَمَّا أَنْ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ أَوْقَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَعَطَسَ فَأَلْهَمَهُ اللَّهُ أَنْ حَمِدَهُ فَقَالَ اللَّهُ يَا آدَمُ حَمِدْتَنِي فَوَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَوْ لَا عَبْدَانَ أُرِيدُ خَلْقَهُمَا فِي آخِرِ الزَّمَانِ مَا خَلَقْتُكَ قَالَ يَا رَبِّ بِقَدْرِهِمْ عِنْدَكَ مَا اسْمُهُمَا فَقَالَ تَعَالَى يَا آدَمُ انْظُرْ نَحْوَ الْعَرْشِ فَإِذَا بِسَطْرَيْنِ مِنْ نُورٍ أَوَّلُ السَّطْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ عَلِيٌّ مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ وَ

28

السَّطْرُ الثَّانِي إِنِّي آلَيْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ أَرْحَمَ مَنْ وَالاهُمَا وَ أُعَذِّبَ مَنْ عَادَاهُمَا

وَ فِي قِصَصِ الْأَنْبِيَاءِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ‏

اجْتَمَعَ وُلْدُ آدَمَ فِي بَيْتٍ فَتَشَاجَرُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ خَيْرُ خَلْقِ اللَّهِ أَبُونَا آدَمُ وَ قَالَ بَعْضُهُمْ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَ قَالَ بَعْضُهُمْ حَمَلَةُ الْعَرْشِ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ هِبَةُ اللَّهِ فَحَكَوْا لَهُ فَرَجَعَ إِلَى آدَمَ(ع)وَ قَالَ يَا أَبَتِ إِنِّي دَخَلْتُ عَلَى إِخْوَتِي وَ هُمْ يَتَشَاجَرُونَ فِي خَيْرِ خَلْقِ اللَّهِ فَسَأَلُونِي فَلَمْ يَكُنْ عِنْدِي مَا أُخْبِرُهُمْ فَقَالَ آدَمُ يَا بُنَيَّ إِنِّي وَقَفْتُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ فَنَظَرْتُ إِلَى سَطْرٍ عَلَى وَجْهِ الْعَرْشِ مَكْتُوبٌ‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

مُحَمَّدٌ وَ آلُ مُحَمَّدٍ خَيْرٌ مَنْ بَرَأَ اللَّهُ‏

وَ رَوَى الْعَيَّاشِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْمِقْدَامِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ‏

سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)مِنْ أَيِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَ اللَّهُ حَوَّاءَ فَقَالَ أَيَّ شَيْ‏ءٍ يَقُولُونَ هَذَا الْخَلْقُ قُلْتُ يَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَهَا مِنْ ضِلْعٍ مِنْ أَضْلَاعِ آدَمَ فَقَالَ كَذَبُوا كَانَ يُعْجِزُهُ أَنْ يَخْلُقَهَا مِنْ ضِلْعِهِ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ أَيِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَهَا فَقَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ آبَائِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ طِينٍ فَخَلَطَهَا بِيَمِينِهِ وَ كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ فَخَلَقَ مِنْهَا آدَمَ وَ فَضَلَتْ فَضْلَةٌ مِنْ الطِّينِ فَخَلَقَ مِنْهَا حَوَّاءَ

أقول هذا الخبر معمول عليه بين أصحابنا (رضوان الله عليهم) و ما ورد من أنه خلق من ضلع من أضلاعه و هو الضلع الأيسر القصير محول على التقية أو على التأويل أو بأن يراد أن الطينة التي قررها الله سبحانه لذلك الضلع خلق منها حواء لأنها خلقت منه بعد خلقه فإنه يلزم كما قال(ع)أن يكون آدم ينكح بعضه بعضا فيقوى بذلك مذهب المجوس في نكاح المحرمات‏

وَ عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ‏

سَأَلْتُهُ عَنْ إِبْلِيسَ أَ كَانَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَ هَلْ كَانَ يَلِي مِنْ أَمْرِ السَّمَاءِ شَيْئاً قَالَ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَ لَمْ يَكُنْ يَلِي مِنْ أَمْرِ السَّمَاءِ شَيْئاً

كانَ مِنَ الْجِنِ‏

وَ كَانَ مَعَ الْمَلَائِكَةِ وَ كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تَرَاهُ أَنَّهُ مِنْهَا وَ كَانَ اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا فَلَمَّا أُمِرَ بِالسُّجُودِ كَانَ مِنْهُ الَّذِي كَانَ وَ قَالَ(ع)لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ قَبْلَ أَنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ كَانَ إِبْلِيسُ يَمُرُّ بِهِ فَيَضْرِبُهُ بِرِجْلِهِ وَ يَقُولُ إِبْلِيسُ لِأَمْرٍ مَّا خُلِقْتَ‏

وَ قَالَ السَّيِّدُ ابْنُ طَاوُسٍ فِي كِتَابِ سَعْدِ السُّعُودِ مِنْ صَحَائِفِ إِدْرِيسَ النَّبِيِّ(ع)

خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي صَوَّرَهَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ

يقول علي بن طاوس فأسقط بعض‏

29

المسلمين بعض هذا الكلام و قال إن الله خلق آدم على صورته فاعتقد الجسم فاحتاج المسلمون إلى تأويل الحديث. و قال في الصحف ثم جعل طينة آدم جسدا ملقى على طريق الملائكة التي تصعد فيه إلى السماء أربعين سنة ثم ذكر تناسل الجن و فسادهم و هروب إبليس منهم إلى الله و سأله أن يكون مع الملائكة و إجابة سؤاله و ما وقع من الجن حتى أمر الله إبليس أن ينزل مع الملائكة لطرد الجن فنزل و طردهم من الأرض التي أفسدوا فيها إلى آخر كلامه. و اعلم أنهم ذكروا في أخبار الملائكة عن الفساد وجوها منها أنهم قالوا ذلك ظنا لما رأوا من حال الجن الذين كانوا قبل آدم في الأرض و هو المروي عن ابن عباس و في أخبارنا إرشاد إليه. و منها أنهم علموا أنه مركب من الأركان المتخالفة و الأخلاط المتنافية الموجبة للشهوة التي منها الفساد و الغضب منه سفك الدماء. و منها أنهم قالوا ذلك على اليقين لما يروي ابن مسعود و غيره أنه تعالى لما قال للملائكة إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قال ربنا و ما يكون الخليفة قال تكون له ذرية يفسدون في الأرض و يتحاسدون و يقتل بعضهم بعضا فعند ذلك قالوا ربنا أَ تَجْعَلُ فِيها إلى آخرها و منها أنه تعالى كان قد أعلم الملائكة أنه إذا كان في الأرض خلق عظيم أفسدوا فيها و سفكوا الدماء. و منها أنه لما كتب القلم في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة فلعلهم طالعوا اللوح فعرفوا ذلك. و منها أن الخليفة إذا كان معناه النائب عن الله في الحكم و القضاء و الاحتياج إنما يكون عند التنازع و اختلال النظام كان الإخبار عن وجود الخليفة إخبارا عن وقوع الفساد و الشر بطريق الالتزام. و منها

أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمَّا خَلَقَ النَّارَ خَافَتِ الْمَلَائِكَةُ خَوْفاً شَدِيداً فَقَالُوا لِمَنْ خَلَقْتَ هَذِهِ النَّارَ قَالَ لِمَنْ عَصَانِي مِنْ خَلْقِي وَ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ خَلْقٌ غَيْرُ الْمَلَائِكَةِ فَلَمَّا قَالَ‏

إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً

عَرَفُوا أَنَّ الْمَعْصِيَةَ مِنْهُمْ‏

و قد جوز الحشوية صدور الذنب من الملائكة و جعلوا اعتراضهم هذا على الله من أعظم الذنوب و نسبة بني آدم إلى القتل و الفساد من الكبائر لأنه غيبة لهم و لأنهم مدحوا أنفسهم بقولهم‏ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ‏ و هو عجب. و أيضا قولهم‏ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا اعتذار و العذر دليل الذنب. و أيضا قوله‏ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏ دل على أنهم كانوا كاذبين فيما قالوه. و الجواب عن هذا كله ظاهر و هو أن ليس غرضهم الاعتراض بل السؤال عما خفي‏

30

عليهم من وجه الحكمة و ليس لمن لم يوجد غيبة

وَ فِي كِتَابِ قِصَصِ الرَّاوَنْدِيِّ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ‏

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)كَمْ كَانَ طُولُ آدَمَ(ع)حِينَ هُبِطَ بِهِ إِلَى الْأَرْضِ وَ كَمْ كَانَ طُولُ حَوَّاءَ قَالَ وَجَدْنَا فِي كِتَابِ عَلِيٍّ(ع)أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمَّا أَهْبَطَ آدَمَ وَ زَوْجَتَهُ حَوَّاءَ إِلَى الْأَرْضِ كَانَتْ رِجْلَاهُ عَلَى ثَنِيَّةِ الصَّفَا وَ رَأْسُهُ دُونَ أُفُقِ السَّمَاءِ وَ أَنَّهُ شَكَا إِلَى اللَّهِ مَا يُصِيبُهُ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ فَصَيَّرَ طُولَهُ سَبْعِينَ ذِرَاعاً بِذِرَاعِهِ وَ جَعَلَ طُولَ حَوَّاءَ خَمْسَةً وَ ثَلَاثِينَ ذِرَاعاً بِذِرَاعِهَا

وَ فِي الْكَافِي‏

بَعْدَ قَوْلِهِ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى جَبْرَئِيلَ(ع)أَنَّ آدَمَ قَدْ شَكَا مَا يُصِيبُهُ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ فَأَغْمَزَهُ غَمْزَةً وَ صَيَّرَ طُولَهُ سَبْعِينَ ذِرَاعاً بِذِرَاعِهِ وَ أَغْمَزَ حَوَّاءَ فَصَيَّرَ طُولَهَا خَمْسَةً وَ ثَلَاثِينَ ذِرَاعاً بِذِرَاعِهَا

أقول هذا الحديث عده المتأخرون من مشكلات الأخبار لوجهين. الأول أن طول القامة كيف يصير سببا للتضرر بحر الشمس مع أن حرارة الشمس إنما تكون بالانعكاس من الأجرام الأرضية و حده أربعة فراسخ في الهواء. الثاني أن كونه(ع)سبعين ذراعا بذراعه يستلزم عدم استواء خلقته و أنه يتعسر عليه كثير من الأعمال الضرورية و أجيب الأول بوجهين أحدهما أن يكون للشمس حرارة من غير جهة الانعكاس أيضا و تكون قامته(ع)طويلة جدا بحيث تتجاوز الطبقة الزمهريرية و يتأذى من تلك الحرارة و يؤيده حكاية ابن عناق أنه كان يشوي بعين الشمس. الثاني أنه كان لطول قامته لا يمكنه الاستظلال ببناء و لا شجر و لا جبل فلا يمكنه الاستظلال و لا الجلوس تحت شي‏ء فكان يتأذى من حرارة الشمس لذلك. و أما الجواب عن الثاني فمن وجوه أكثرها فيه من التكلف ما أوجب الإعراض عن ذكره لبعده عن لفظ الحديث و معناه. و أما الوجوه القريبة فمنها ما ذكره بعض الأفاضل من أن استواء الخلقة ليس منحصرا فيما هو معهود الآن فإن الله تعالى قادر على خلق الإنسان على هيئات أخر كل منها فيه استواء الخلقة و ذراع آدم(ع)يمكن أن يكون قصيرا مع طول العضد و جعله ذا مفاصل أو لينا بحيث يحصل الارتفاق به و الحركة كيف شاء. و منها ما روي عن شيخنا بهاء الدين طاب ثراه من أن في الكلام استخداما بأن يكون المراد بآدم حين إرجاع الضمير إليه آدم ذلك الزمان من أولاده و لا يخفى بعده و عدم جريانه في حواء إلا بتكلف. و منها ما قاله شيخنا المحدث سلمه الله تعالى و هو أن إضافة الذراع إليهما على التوسعة

31

و المجاز بأن نسب ذراع صنف آدم إليه و صنف حواء إليها أو يكون الضميران راجعين إلى الرجل و المرأة بقرينة المقام. و منها أن الباء في قوله بذراعه للملابسة أي كما قصر من طوله قصر من ذراعه لتناسب الأعضاء و إنما خص الذراع لأن جميع الأعضاء داخلة في الطول بخلاف الذراع و المراد بالذراع في قوله سبعين ذراعا أما ذراع من كان في زمن آدم أو ما كان في زمن من صدر عنه الخبر. و الأوجه عندي هو الوجه الأول و ذلك لأن استواء الخلقة إنما يكون بالنسبة إلى أغلب أنواع ذلك العصر و الشائع في ذلك العصر

رُوِيَ‏

أَنَّ مُوسَى(ع)أَرْسَلَ النُّقَبَاءَ الِاثْنَيْ عَشَرَ لِيَأْتُوا لَهُ بِخَبَرِ الْعَمَالِقَةِ حَتَّى يَغْزُوهُمْ فَلَمَّا قَرُبُوا مِنْ بِلَادِهِمْ رَآهُمْ رَجُلٌ مِنَ الْعَمَالِقَةِ فَوَضَعَ الِاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فِي طَرَفِ كُمِّهِ وَ حَمَلَهُمْ إِلَى سُلْطَانِهِمْ وَ صَبَّهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَ قَالَ هَؤُلَاءِ مِنْ قَوْمِ مُوسَى أَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَضَعَ رِجْلِي عَلَيْهِمْ أَقْتُلُهُمْ فَقَالَ اتْرُكْهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَى صَاحِبِهِمْ وَ يُخْبِرُونَهُ بِمَا يَرَوْنَ فَطَلَبُوا مِنْهُ زَاداً لِلطَّرِيقِ فَأَعْطَاهُمْ رُمَّانَةً عَلَى ثَوْرٍ نِصْفُهَا خَالٍ مِنَ الْحَبِّ يَضَعُونَهُ فَوْقَ النِّصْفِ الْآخَرِ الَّذِي يَأْكُلُونَ مِنْهُ وَ فِي اللَّيْلِ يَنَامُونَ فِي النِّصْفِ الْخَالِي فَهُوَ فِي اللَّيْلِ مَنَامٌ وَ فِي النَّهَارِ غِطَاءٌ

و كان قوم موسى بالنسبة إليهم غير مستوي الخلقة و كذا العكس. على أن الأخبار الواردة بصفات حور العين و ولدان الجنة و أكثر ما ورد فيها لو وجد في الدنيا لكان بعيدا عن استواء الخلقة

الفصل الثاني في سجود الملائكة و له معناه و أنها أية جنة كانت و معنى تعليمه الأسماء

قال الله تعالى‏ وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى‏ وَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ‏. و قال عز شأنه‏ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ‏ و قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ‏. و قال عز جلاله‏ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى‏ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ‏

32

و قوله‏ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ‏

فِي مَجْمَعِ الْبَيَانِ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ‏

أَنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانَتْ تُقَاتِلُ الْجِنَّ فَسُبِيَ إِبْلِيسُ وَ كَانَ صَغِيراً وَ كَانَ مَعَ الْمَلَائِكَةِ فَتَعَبَّدَ مَعَهَا بِالْأَمْرِ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ فَسَجَدُوا وَ أَبَى فَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏

إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِ‏

وَ رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَ مُجَاهِدٍ

أَنَّ إِبْلِيسَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَرْتَكِبَ الْمَعْصِيَةَ مَلَكاً مِنَ الْمَلَائِكَةِ اسْمُهُ عَزْرَائِيلُ وَ كَانَ مِنْ سُكَّانِ الْأَرْضِ وَ كَانَ سُكَّانُ الْأَرْضِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُسَمَّوْنَ الْجِنَّ وَ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَلَائِكَةُ أَشَدُّ اجْتِهَاداً وَ لَا أَكْثَرُ عِلْماً مِنْهُ فَلَمَّا عَصَى اللَّهَ لَعَنَهُ وَ جَعَلَهُ شَيْطَاناً وَ سَمَّاهُ إِبْلِيسَ‏

وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ*

فِي عِلْمِ اللَّهِ‏

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ‏

أَوَّلُ مَنْ قَاسَ إِبْلِيسُ فَأَخْطَأَ الْقِيَاسَ فَمَنْ قَاسَ الدِّينَ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ رَأْيِهِ قَرَنَهُ اللَّهُ بِإِبْلِيسَ‏

و قوله‏ أَنْظِرْنِي إِلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ‏ يعني يخرجون من قبورهم للجزاء أراد الخبيث أن لا يذوق الموت في النفخة الأولى و أجيب بالإنظار إِلى‏ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ* و هي النفخة الأولى ليذوق الموت بين النفختين و هو أربعون سنة. و قوله‏ فَبِما أَغْوَيْتَنِي‏ أي خيبتني من رحمتك و جنتك و امتحنتني بالسجود لآدم فغويت عنده أو حكمت بغوايتي و هذا كله تأويل و الظاهر أنه كان يعتقد أن الإضلال عن الله تعالى و هو من جملة اعتقاداته الخبيثة. و تعجبني مقالة حكيتها في كتاب زهر الربيع و هي أني تباحثت مع علماء الجمهور فانتهى الحال إلى قوله إن الشيطان كان من أهل العلم فما مذهبه فقلت إنه كان في الأصول من الأشاعرة و في الفروع من الحنفية فتعجب من قولي فقال و ما الدليل قلت أما الأول فقوله‏ فَبِما أَغْوَيْتَنِي‏ فنسب الإضلال و الإغواء إلى الله تعالى و هذا هو مذهب الجبرية من الأشاعرة. و أما الثاني فعمله بالقياس في قوله‏ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ‏ فعمل بقياس الأولوية زعما منه أن السجود إنما يكون للأشرف الأفضل و هو بزعمه أفضل من آدم لأنه مخلوق من النار و هي أشرف من الطين. و الحاصل أن مذهب الشيطان أفضل من مذهب الحنفية لأنه يعمل بقياس الأولوية و أبو حنيفة كان يعمل بقياس المساواة الذي هو أضعف القياسات و أردؤها. و قوله‏ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ‏

رَوَى أَبُو جَعْفَرٍ(ع)

قَالَ‏

ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ‏

33

بَيْنِ أَيْدِيهِمْ‏

مَعْنَاهُ أُهَوِّنُ عَلَيْهِمْ أَمْرَ الْآخِرَةِ

وَ مِنْ خَلْفِهِمْ‏

آمُرُهُمْ بِجَمْعِ الْأَمْوَالِ وَ الْبُخْلِ بِهَا عَنِ الْحُقُوقِ لِتَبْقَى لِوَرَثَتِهِمْ‏

وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ‏

أُفْسِدُ عَلَيْهِمْ أَمْرَ دِينِهِمْ بِتَزْيِينِ الضَّلَالَةِ وَ تَحْسِينِ الشُّبْهَةِ

وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ‏

بِتَحَبُّبِ اللَّذَّاتِ إِلَيْهِمْ وَ تَغْلِيبِ الشَّهَوَاتِ عَلَى قُلُوبِهِمْ‏

وَ فِي كِتَابِ الْخَرَائِجِ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيِّ(ع)وَ فِيهِ‏

أَنَّهُ لَا أَحَدَ مِنْ مُحِبِّي عَلِيٍّ(ع)نَظَّفَ قَلْبَهُ مِنْ قَذَرِ الْغِشِّ وَ الدَّغَلِ وَ الْغِلِّ وَ نَجَاسَةِ الذُّنُوبِ إِلَّا لَكَانَ أَطْهَرَ وَ أَفْضَلَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ

وَ فِي جَوَابِ مَسَائِلِ الزِّنْدِيقِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)

أَنَّهُ سُئِلَ أَ يَصْلُحُ السُّجُودُ لِغَيْرِ اللَّهِ قَالَ لَا قَالَ فَكَيْفَ أَمَرَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ فَقَالَ إِنَّ مَنْ سَجَدَ بِأَمْرِ اللَّهِ فَكَانَ سُجُودُهُ إِذْ كَانَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ‏

وَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْهُ(ع)

سَجَدَتِ الْمَلَائِكَةُ لِآدَمَ وَ وَضَعُوا جِبَاهَهُمْ عَلَى الْأَرْضِ تَكْرِمَةً مِنَ اللَّهِ‏

وَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الثَّالِثِ(ع)

أَنَّ السُّجُودَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِآدَمَ لَمْ يَكُنْ لِآدَمَ إِنَّمَا كَانَ طَاعَةً لِلَّهِ وَ مَحَبَّةً مِنْهُمْ لِآدَمَ‏

وَ فِي الْخَرَائِجِ عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ آبَائِهِ(ع)

أَنَّ يَهُودِيّاً سَأَلَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَنْ مُعْجِزَةِ النَّبِيِّ (ص) فِي مُقَابَلَةِ مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ فَقَالَ هَذَا آدَمُ أَسْجَدَ اللَّهُ لَهُ مَلَائِكَتَهُ فَهَلْ فَعَلَ بِمُحَمَّدٍ (ص) شَيْئاً مِنْ هَذَا فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)لَقَدْ كَانَ ذَلِكَ وَ لَكِنْ أَسْجَدَ اللَّهُ لِآدَمَ مَلَائِكَتَهُ لَمْ يَكُنْ سُجُودَ طَاعَةٍ إِنَّهُمْ عَبَدُوا آدَمَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لِكُلٍّ اعْتِرَافاً لِآدَمَ بِالْفَضِيلَةِ وَ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ لَهُ وَ مُحَمَّدٌ (ص) أُعْطِيَ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَ عَلَا صَلَّى عَلَيْهِ فِي جَبَرُوتِهِ وَ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْمَعِهَا وَ تَعَبَّدَ الْمُؤْمِنُونَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَهَذِهِ زِيَادَةٌ لَهُ يَا يَهُودِيٌ‏

أقول اتفق علماء الإسلام على أن ذلك السجود لآدم(ع)لم يكن سجود عبادة و إلا لحصل الشرك لكنهم ذكروا فيه أقوالا. الأول أن ذلك السجود كان لله تعالى و آدم(ع)كان قبلة و هو قول أبي علي الجبائي و جماعة. الثاني أن السجود في اللغة هو الانقياد و الخضوع فهذا هو السجود لآدم. و يبعده مع أنه خلاف التبادر قوله تعالى‏ فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ‏ و كذلك الحديث السابق الثالث أن السجود كان تعظيما لآدم(ع)و تكرمة و هو في الحقيقة عبادة لله تعالى‏

34

لكونه بأمره و هذا هو الأظهر من الأخبار

وَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ طَابَ ثَرَاهُ‏

إِنَّ الِاسْتِكْبَارَ أَوَّلُ مَعْصِيَةٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهَا قَالَ إِبْلِيسُ يَا رَبِّ أَعْفِنِي مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ وَ أَنَا أَعْبُدُكَ عِبَادَةً لَمْ يَعْبُدْكَهَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَ لَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَا حَاجَةَ لِي إِلَى عِبَادَتِكَ إِنَّمَا أُرِيدُ مِنْ حَيْثُ أُرِيدُ لَا مِنْ حَيْثُ تُرِيدُ فَأَبَى أَنْ يَسْجُدَ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏

فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ‏

قَالَ إِبْلِيسُ كَيْفَ يَا رَبِّ وَ أَنْتَ الْعَدْلُ الَّذِي لَا تَجُورُ فَثَوَابُ عَمَلِي بَطَلَ قَالَ لَا وَ لَكِنْ سَلْنِي مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا مَا شِئْتَ ثَوَاباً لِعَمَلِكَ أُعْطِكَ فَأَوَّلُ مَا سَأَلَ الْبَقَاءُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَعْطَيْتُكَ قَالَ سَلَّطْنِي عَلَى وُلْدِ آدَمَ قَالَ سَلَّطْتُكَ قَالَ أَجْرِنِي فِيهِمْ مَجْرَى الدَّمِ فِي الْعُرُوقِ قَالَ قَدْ أَجْرَيْتُكَ قَالَ لَا يُولَدُ لَهُمْ وَاحِدٌ إِلَّا وُلِدَ لِي اثْنَانِ وَ أَرَاهُمْ وَ لَا يَرَوْنِي وَ أَتَصَوَّرُ لَهُمْ فِي كُلِّ صُورَةٍ شِئْتُ فَقَالَ قَدْ أَعْطَيْتُكَ قَالَ يَا رَبِّ زِدْنِي قَالَ لَقَدْ جَعَلْتُ لَكَ وَ لِذُرِّيَّتِكَ صُدُورَهُمْ أَوْطَاناً قَالَ رَبِّ حَسْبِي قَالَ إِبْلِيسُ عِنْدَ ذَلِكَ‏

فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ‏

...

ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ‏

الْآيَةِ

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)

لَمَّا أَعْطَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى إِبْلِيسَ مَا أَعْطَاهُ مِنَ الْقُوَّةِ قَالَ آدَمُ(ع)يَا رَبِّ سَلَّطْتَ إِبْلِيسَ عَلَى وُلْدِي وَ أَجْرَيْتَهُ فِيهِمْ مَجْرَى الدَّمِ فِي الْعُرُوقِ وَ أَعْطَيْتَهُ مَا أَعْطَيْتَهُ فَمَا لِي وَ وُلْدِي فَقَالَ لَكَ وَ لِوُلْدِكَ السَّيِّئَةُ بِوَاحِدَةٍ وَ الْحَسَنَةُ بِعَشَرَةٍ أَمْثَالِهَا قَالَ يَا رَبِّ زِدْنِي قَالَ التَّوْبَةُ مَبْسُوطَةٌ إِلَى أَنْ تَبْلُغَ النَّفْسُ الْحُلْقُومَ قَالَ يَا رَبِّ زِدْنِي قَالَ أَغْفِرُ وَ لَا أُبَالِي قَالَ حَسْبِي قَالَ جُعِلْتُ فِدَاكَ بِمَا ذَا اسْتَوْجَبَ إِبْلِيسُ مِنَ اللَّهِ أَنْ أَعْطَاهُ مَا أَعْطَاهُ فَقَالَ بِشَيْ‏ءٍ كَانَ مِنْهُ شَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ قُلْتُ وَ مَا كَانَ مِنْهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ قَالَ رَكْعَتَيْنِ رَكَعَهُمَا فِي السَّمَاءِ فِي أَرْبَعَةِ آلَافِ سَنَةٍ

أقول‏

وَ فِي نَهْجِ الْبَلَاغَةِ مِنْ قَوْلِهِ(ع)

إِنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي السَّمَاءِ فِي سِتَّةِ آلَافِ سَنَةٍ لَا يُدْرَى أَ مِنْ سِنِي الدُّنْيَا أَمْ سِنِي الْآخِرَةِ

و على هذا فلو كان من سني الآخرة لبلغ من السنين شيئا كثيرا. و اعلم أن جماعة من الصوفية قد شكروا لإبليس إباءه عن السجود لآدم قالوا إنه أراد اختصاص السجود بالله تعالى فسموه من أجل هذا سيد الموحدين عليه و عليهم‏ لَعْنَةُ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ‏

وَ فِي كِتَابِ فَضَائِلِ الشِّيعَةِ لِلصَّدُوقِ طَابَ ثَرَاهُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ‏

كُنَّا جُلُوساً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (ص) إِذْ أَقْبَلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ‏

35

عَزَّ وَ جَلَّ لِإِبْلِيسَ‏

أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ‏

فَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ الَّذِينَ هُمْ أَعْلَى مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) أَنَا وَ عَلِيٌّ وَ فَاطِمَةُ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ كُنَّا فِي سُرَادِقِ الْعَرْشِ نُسَبِّحُ وَ تُسَبِّحُ الْمَلَائِكَةُ بِتَسْبِيحِنَا قَبْلَ أَنْ خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ آدَمَ بِأَلْفَيْ عَامٍ فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ آدَمَ أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يَسْجُدُوا لَهُ وَ لَمْ يَأْمُرْنَا بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ إِلَّا إِبْلِيسَ فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى‏

أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ‏

مِنْ هَؤُلَاءِ الْخَمْسِ الْمَكْتُوبَةِ أَسْمَاؤُهُمْ فِي سُرَادِقِ الْعَرْشِ‏

وَ عَنْهُ (ص) قَالَ‏

إِنَّمَا كَانَ لَبِثَ آدَمُ وَ حَوَّاءُ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى أُخْرِجَا مِنْهَا سَبْعَ سَاعَاتٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا حَتَّى أَهْبَطَهُمَا اللَّهُ مِنْ يَوْمِهِمَا ذَلِكَ‏

وَ فِي كِتَابِ عِلَلِ الشَّرَائِعِ عَنْ وَهْبٍ قَالَ‏

لَمَّا أَسْجَدَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ لِآدَمَ(ع)وَ أَبَى إِبْلِيسُ أَنْ يَسْجُدَ قَالَ لَهُ رَبُّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏

اخْرُجْ مِنْها

ثُمَّ قَالَ عَزَّ وَ جَلَّ يَا آدَمُ انْطَلِقْ إِلَى هَؤُلَاءِ الْمَلَأِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَقُلْ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا وَ عَلَيْكَ السَّلَامُ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى رَبِّهِ قَالَ لَهُ رَبُّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى هَذِهِ تَحِيَّتُكَ وَ تَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ مِنْ بَعْدِكَ فِيمَا بَيْنَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ

عِلَلِ الشَّرَائِعِ مُسْنَداً إِلَى الصَّادِقِ(ع)

قَالَ سَأَلْتُهُ عَنْ جَنَّةِ آدَمَ فَقَالَ جَنَّةٌ مِنْ جِنَانِ الدُّنْيَا تَطْلُعُ مِنْهَا الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ لَوْ كَانَتْ مِنْ جِنَانِ الْخُلْدِ مَا خَرَجَ مِنْهَا أَبَداً

: وَ رَوَى عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ مِثْلَهُ أَيْضاً

و قد وقع الاختلاف بين علماء المسلمين في أن جنة آدم(ع)هل كانت في الأرض أم في السماء و على الثاني هل هي جنة الخلد و الجزاء أم غيرها ذهب أكثر المفسرين و جمهور المتعلمة إلى أنها جنة الخلد و هو ظاهر أكثر علمائنا (رضوان الله عليهم). و قال أبو هاشم جنة من جنان الدنيا غير جنة الخلد و ذهب طائفة من علماء المسلمين إلى أنها بستان من بساتين الدنيا في الأرض كما دل عليه الخبر. احتج الأولون بالتبادر و عهدية الألف و اللام و لا يخفى ما فيه. و احتجت الفرقة الثانية بأن الهبوط يدل على الإهباط من السماء إلى الأرض و ليست بجنة الخلد لأن من دخلها خلد فيها فلزم المطلوب. و الجواب الانتقال من أرض إلى أرض أخرى يسمى هبوطا كقوله تعالى‏ اهْبِطُوا مِصْراً. و احتج القائلون بأنها من بساتين الدنيا بأن جنة الخلد لا يخرج داخلها و لا يفنى نعيمها. و أجيب عنه بأنه إنما يمكن بعد الدخول و الاستقرار و ذكروا في الكتب الكلامية

36

دلائل متكثرة على ما ساروا إليه و هذان الخبران يعارضهما ظواهر الآيات و الأخبار مع إمكان حملهما على التقية

وَ عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ قَالَ‏

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَ كَانَ إِبْلِيسُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَمْ مِنَ الْجِنِّ قَالَ كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تَرَى أَنَّهُ مِنْهَا وَ كَانَ اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا فَلَمَّا أُمِرَ بِالسُّجُودِ كَانَ مِنْهُ الَّذِي كَانَ‏

أقول اختلف علماء الإسلام في أن إبليس هل كان من الملائكة أم لا فأكثر المتكلمين و كثير من علمائنا كالشيخ المفيد طاب ثراه على أنه لم يكن من الملائكة بل‏ كانَ مِنَ الْجِنِ‏ قال و قد جاءت الأخبار متواترة عن أئمة الهدى س و هو مذهب الإمامية و ذهبت طائفة إلى أنه من الملائكة و اختاره شيخ الطائفة في التبيان قال و هو المروي عن أبي عبد الله(ع)و الظاهر في تفاسيرنا. ثم اختلفت الطائفة الأخيرة. فقيل إنه كان خازنا للجنان. و قيل كان له سلطان السماء و سلطان الأرض. و قيل كان يسوم ما بين السماء و الأرض- و ما صار إليه المفيد طاب ثراه هو مدلول الأحاديث المستفيضة

وَ الْعَيَّاشِيُّ مُسْنَداً إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّهُ قَالَ‏

أَوَّلُ بُقْعَةٍ عُبِدَ اللَّهُ عَلَيْهَا ظَهْرُ الْكُوفَةِ لَمَّا أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يَسْجُدُوا لِآدَمَ سَجَدُوا عَلَى ظَهْرِ الْكُوفَةِ

وَ فِي تَفْسِيرِ الْإِمَامِ الْعَسْكَرِيِّ(ع)قَالَ‏

إِنَّ اللَّهَ لَمَّا امْتَحَنَ الْحُسَيْنَ(ع)وَ مَنْ مَعَهُ بِالْعَسْكَرِ الَّذِينَ قَتَلُوهُ وَ حَمَلُوا رَأْسَهُ قَالَ لِعَسَاكِرِهِ أَنْتُمْ فِي حِلٍّ مِنْ بَيْعَتِي فَالْحَقُوا بِعَشَائِرِكُمْ وَ قَالَ لِأَهْلِ بَيْتِهِ قَدْ جَعَلْتُكُمْ فِي حِلٍّ مِنْ مُفَارَقَتِي فَإِنَّكُمْ لَا تُطِيقُونَهُمْ لِتَضَاعُفِ أَعْدَادِهِمْ وَ مَا الْمَقْصُودُ غَيْرِي فَدَعُونِي وَ الْقَوْمَ فَإِنَّ اللَّهَ يُعِينُنِي كَعَادَتِهِ فِي أَسْلَافِنَا فَأَمَّا عَسْكَرُهُ فَفَارَقُوهُ وَ أَمَّا أَهْلُهُ الْأَدْنَوْنَ فَأَبَوْا وَ قَالُوا لَا نُفَارِقُكَ فَقَالَ لَهُمْ فَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ وَطَّنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ عَلَى مَا وَطَّنْتُ نَفْسِي عَلَيْهِ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا يَهَبُ الْمَنَازِلَ الشَّرِيفَةَ لِعِبَادِهِ بِاحْتِمَالِ الْمَكَارِهِ وَ إِنَّ اللَّهَ خَصَّنِي مَعَ مَنْ مَضَى مِنْ أَهْلِي الَّذِينَ أَنَا آخِرُهُمْ بَقَاءً فِي الدُّنْيَا مِنَ الْكَرَامَاتِ بِمَا يَسْهُلُ مَعَهَا احْتِمَالُ الْمَكْرُوهَاتِ وَ إِنَّ لَكُمْ شَطْرَ ذَلِكَ مِنْ كَرَامَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَ اعْلَمُوا أَنَّ الدُّنْيَا حُلْوُهَا وَ مُرُّهَا حُلُمٌ وَ الِانْتِبَاهُ فِي الْآخِرَةِ أَ وَ لَا أُحَدِّثُكُمْ بِأَوَّلِ أَمْرِنَا قَالُوا بَلَى يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ آدَمَ عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ

عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ

37

جَعَلَ مُحَمَّداً وَ عَلِيّاً وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ أَشْبَاحاً خَمْسَةً فِي ظَهْرِ آدَمَ وَ كَانَتْ أَنْوَارُهُمْ تُضِي‏ءُ فِي آفَاقِ السَّمَاوَاتِ وَ الْحُجُبِ وَ الْجِنَانِ وَ الْكُرْسِيِّ وَ الْعَرْشِ فَأَمَرَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ تَعْظِيماً لَهُ إِنَّهُ قَدْ فَضَّلَهُ بِأَنَّهُ جَعَلَهُ وِعَاءً لِتِلْكَ الْأَشْبَاحِ الَّتِي عَمَّتْ أَنْوَارُهَا فِي الْآفَاقِ‏

فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى‏*

أَنْ يَتَوَاضَعَ لِأَنْوَارِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ وَ قَدْ تَوَاضَعَتِ الْمَلَائِكَةُ

وَ فِي حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ‏

أَنَّ آدَمَ نَظَرَ إِلَى ذِرْوَةِ الْعَرْشِ فَرَأَى نُورَ أَشْبَاحِنَا فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَا آدَمُ هَذِهِ الْأَشْبَاحُ أَفْضَلُ خَلَائِقِي وَ عَرَّفَهُ أَسْمَاءَهُمْ وَ قَالَ بِهِمْ آخُذُ وَ بِهِمْ أُعْطِي وَ بِهِمْ أُعَاقِبُ وَ بِهِمْ أُثِيبُ فَتَوَسَّلْ بِهِمْ يَا آدَمُ وَ إِذَا دَهَتْكَ دَاهِيَةٌ فَاجْعَلْهُمْ إِلَيَّ شُفَعَاءَكَ فَإِنِّي آلَيْتُ عَلَى نَفْسِي لَا أَرُدُّ لَهُمْ سَائِلًا فَلِذَلِكَ حِينَ نَزَلَتْ مِنْهُ الْخَطِيئَةِ دَعَا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِمْ‏

فَتابَ عَلَيْهِ‏

وَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ جَرِيرٍ

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَيَّ شَيْ‏ءٍ يَقُولُ أَصْحَابُكَ فِي قَوْلِ إِبْلِيسَ‏

خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ‏

قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ قَدْ قَالَ وَ ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ قَالَ كَذَبَ يَا إِسْحَاقُ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ إِلَّا مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَالَ قَالَ اللَّهُ‏

الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ‏

خَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ تِلْكَ النَّارِ مِنْ تِلْكَ الشَّجَرَةِ وَ الشَّجَرَةُ أَصْلُهَا مِنْ طِينِ‏

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بِإِسْنَادِهِ إِلَى الصَّادِقِ(ع)

فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى‏

إِلى‏ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ‏

يَوْمَ يَذْبَحُهُ رَسُولُ اللَّهِ (ص) عَلَى الصَّخْرَةِ الَّتِي فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ‏

أقول يشير إلى أن إنظاره إلى يوم خروج القائم(ع)و هو القيامة الصغرى و الأخبار المستفيضة دالة عليه‏

الفصل الثالث في أن ذنبه كان ترك الأولى و كيفية قبول توبته و الكلمات التي تلقاها من ربه و كيفية نزوله من الجنة و حزنه عليها

فِي كِتَابِ النُّبُوَّةِ

أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ مِنَ الطِّينِ وَ خَلَقَ حَوَّاءَ مِنْ آدَمَ فَهِمَّةُ الرِّجَالِ الْمَاءُ وَ الطِّينُ وَ هِمَّةُ النِّسَاءِ الرِّجَالُ‏

وَ فِي الْعِلَلِ وَ الْأَمَالِي مُسْنَداً إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)قَالَ‏

38

جَاءَ نَفَرٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (ص) فَسَأَلُوهُ عَنْ مَسَائِلَ فَقَالُوا أَخْبِرْنَا عَنِ اللَّهِ لِأَيِّ شَيْ‏ءٍ وَقَّتَ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي خَمْسِ مَوَاقِيتَ عَلَى أُمَّتِكَ فِي سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ فَأَجَابَ إِلَى أَنْ قَالَ وَ أَمَّا صَلَاةُ الْعَصْرِ فَهِيَ السَّاعَةُ الَّتِي أَكَلَ فِيهَا مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنَ الْجَنَّةِ فَأَمَرَ اللَّهُ ذُرِّيَّتَهُ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ اخْتَارَهَا لِأُمَّتِي فَهِيَ مِنْ أَحَبِّ الصَّلَوَاتِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ أَوْصَانِي أَنْ أَحْفَظَهَا مِنْ بَيْنِ الصَّلَوَاتِ وَ أَمَّا صَلَاةُ الْمَغْرِبِ فَهِيَ السَّاعَةُ الَّتِي تَابَ اللَّهُ فِيهَا عَلَى آدَمَ وَ كَانَ بَيْنَ مَا أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ وَ بَيْنَ مَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ثَلَاثُمِائَةِ سَنَةٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا وَ فِي أَيَّامِ الْآخِرَةِ يَوْمٌ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِنْ وَقْتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى الْعِشَاءِ فَصَلَّى آدَمُ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ رَكْعَةً لِخَطِيئَتِهِ وَ رَكْعَةً لِخَطِيئَةِ حَوَّاءَ وَ رَكْعَةً لِتَوْبَتِهِ فَافْتَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ هَذِهِ الثَّلَاثَ رَكَعَاتٍ عَلَى أُمَّتِي ثُمَّ قَالَ فَأَخْبِرْنِي لِأَيِّ شَيْ‏ءٍ تُوَضَّأُ هَذِهِ الْجَوَارِحُ الْأَرْبَعُ وَ هِيَ أَنْظَفُ الْمَوَاضِعِ فِي الْجَسَدِ وَ قَالَ النَّبِيُّ (ص) لَمَّا أَنْ وَسْوَسَ الشَّيْطَانُ إِلَى آدَمَ وَ دَنَا مِنَ الشَّجَرَةِ وَ نَظَرَ إِلَيْهَا ذَهَبَ مَاءُ وَجْهِهِ ثُمَّ قَامَ وَ هُوَ أَوَّلُ قَدَمٍ مَشَتْ إِلَى الْخَطِيئَةِ ثُمَّ تَنَاوَلَ بِيَدِهِ ثُمَّ مَسَّهَا فَأَكَلَ مِنْهَا فَطَارَ الْحُلِيُّ وَ الْحُلَلُ عَنْ جَسَدِهِ ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَ بَكَى فَلَمَّا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ عَلَى ذُرِّيَّتِهِ الْوُضُوءَ عَلَى الْجَوَارِحِ الْأَرْبَعُ وَ أَمَرَهُ أَنْ يَغْسِلَ الْوَجْهَ لِمَا نَظَرَ إِلَى الشَّجَرَةِ وَ أَمَرَهُ أَنْ يَغْسِلُ السَّاعِدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ لِمَا تَنَاوَلَهُ مِنْهَا وَ أَمَرَهُ أَنْ يَمْسَحَ الْقَدَمَيْنِ لِمَا مَشَى إِلَى الْخَطِيئَةِ ثُمَّ قَالَ أَخْبِرْنِي لِأَيِّ شَيْ‏ءٍ فَرَضَ اللَّهُ الصَّوْمَ عَلَى أُمَّتِكَ بِالنَّهَارِ ثَلَاثِينَ يَوْماً وَ فَرَضَ اللَّهُ عَلَى آدَمَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ (ص) لِمَا أَكَلَ آدَمُ مِنَ الشَّجَرَةِ بَقِيَ فِي بَطْنِهِ ثَلَاثِينَ يَوْماً وَ فَرَضَ اللَّهُ عَلَى ذُرِّيَّتِهِ ثَلَاثِينَ يَوْماً الْجُوعَ وَ الْعَطَشَ وَ الَّذِي يَأْكُلُونَهُ تَفَضُّلٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْهِمْ وَ كَذَلِكَ كَانَ عَلَى آدَمَ فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي ذَلِكَ ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ (ص)

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ‏

تَفْسِيرِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ‏

إِنَّ مُوسَى(ع)سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ آدَمَ(ع)فَجَمَعَ فَقَالَ لَهُ مُوسَى يَا أَبَتِ أَ لَمْ يَخْلُقْكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَ نَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَ أَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ وَ أَمَرَكَ أَنْ لَا تَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ فَلِمَ عَصَيْتَهُ قَالَ يَا مُوسَى بِكَمْ وَجَدْتَ [حل على‏] [خَطِيئَتِي‏] قَبْلَ خَلْقِي فِي التَّوْرَاةِ قَالَ بِثَلَاثِينَ سَنَةً قَالَ فَهُوَ نَسْلُكَ قَالَ الصَّادِقُ(ع)فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ع‏

أقول وجد أن الخطيئة قبل الخلق أما في عالم الأرواح كما قيل بأن تكون روح موسى(ع)اطلعت على ذلك في اللوح أو المراد أنه وجد في التوراة أن تقدير خطيئة آدم(ع)كان قبل خلقه بثلاثين سنة و في الأخبار دلالة عليه و قوله فحج أي غلبه في الحجة.

39

و هذا من فروع مسألة القضاء و القدر و راجع إلى العلم القديم و هي المعركة الكبرى بين علماء الإسلام و ضل به خلق كثير و طوائف لا تحصى فوردوا النار بهاتين المسألتين‏

وَ عَنْهُ(ع)

لَمَّا خَرَجَ آدَمُ مِنَ الْجَنَّةِ نَزَلَ عَلَيْهِ جَبْرَئِيلُ(ع)فَقَالَ يَا آدَمُ أَ لَيْسَ اللَّهُ خَلَقَكَ بِيَدِهِ وَ نَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَ أَسْجَدَ لَكَ الْمَلَائِكَةَ وَ زَوَّجَكَ حَوَّاءَ أَمَتَهُ وَ أَسْكَنَكَ الْجَنَّةَ وَ أَبَاحَهَا لَكَ وَ نَهَاكَ مُشَافَهَةً أَنْ لَا تَأْكُلْ مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتَ مِنْهَا وَ عَصَيْتَ اللَّهَ فَقَالَ آدَمُ(ع)إِنَّ إِبْلِيسَ حَلَفَ لِي بِاللَّهِ أَنَّهُ لِي نَاصِحٌ فَمَا ظَنَنْتُ أَنَّ أَحَداً مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يَحْلِفُ بِاللَّهِ كَاذِباً

مَعَانِي الْأَخْبَارِ وَ عُيُونِ الْأَخْبَارِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى الْهَرَوِيِّ قَالَ‏

قُلْتُ لِلرِّضَا(ع)يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنِ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَكَلَ مِنْهَا آدَمُ وَ حَوَّاءُ مَا كَانَتْ فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا فَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِي أَنَّهَا الْحِنْطَةُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَرْوِي أَنَّهَا الْعِنَبُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَرْوِي أَنَّهَا شَجَرَةُ الْحَسَدِ فَقَالَ كُلُّ ذَلِكَ حَقٌّ قُلْتُ فَمَا مَعْنَى هَذِهِ الْوُجُوهِ عَلَى اخْتِلَافِهَا فَقَالَ يَا أَبَا الصَّلْتِ إِنَّ شَجَرَةٍ الْجَنَّةِ تَحْمِلُ أَنْوَاعاً فَكَانَتْ شَجَرَةُ الْحِنْطَةِ وَ فِيهَا عِنَبٌ وَ لَيْسَتْ كَشَجَرَةِ الدُّنْيَا وَ إِنَّ آدَمَ(ع)لَمَّا أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِإِسْجَادِ مَلَائِكَتِهِ وَ بِإِدْخَالِهِ الْجَنَّةَ قَالَ فِي نَفْسِهِ هَلْ خَلَقَ اللَّهُ بَشَراً أَفْضَلَ مِنِّي فَعَلِمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مَا وَقَعَ فِي نَفْسِهِ فَنَادَاهُ ارْفَعْ رَأْسَكَ يَا آدَمَ فَانْظُرْ إِلَى سَاقِ عَرْشِي فَرَفَعَ آدَمَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إِلَى سَاقِ الْعَرْشِ فَوَجَدَ عَلَيْهِ مَكْتُوباً لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ زَوْجَتُهُ فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَقَالَ آدَمُ(ع)يَا رَبِّ مَنْ هَؤُلَاءِ فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ وَ هُمْ خَيْرٌ مِنْكَ وَ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِي وَ لَوْلَاهُمْ مَا خَلَقْتُكَ وَ لَا خَلَقْتُ الْجَنَّةَ وَ النَّارَ وَ لَا السَّمَاءَ وَ الْأَرْضَ فَإِيَّاكَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِمْ بِعَيْنِ الْحَسَدِ وَ تَمَنَّى مَنْزِلَتَهُمَا فَتَسَلَّطَ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ حَتَّى أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا وَ تَسَلَطَّ عَلَى حَوَّاءَ لِنَظَرِهَا إِلَى فَاطِمَةَ(ع)بِعَيْنِ الْحَسَدِ حَتَّى أَكَلَتْ مِنَ الشَّجَرَةِ كَمَا أَكَلَ مِنْهَا آدَمُ فَأَخْرَجَهُمَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَنْ جَنَّتِهِ وَ أَهْبَطَهُمَا عَنْ جِوَارِهِ إِلَى الْأَرْضِ‏

أَقُولُ‏

اخْتَلَفُوا فِي الشَّجَرَةِ الَّتِي وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهَا فَقِيلَ كَانَتِ السُّنْبُلَةَ. وَ رَوَوْهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَ يَدُلُّ عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَخْبَارِ وَ قِيلَ هِيَ الْكَرْمَةُ وَ قِيلَ شَجَرَةُ الْكَافُورِ. وَ قِيلَ التِّينَةُ وَ قِيلَ شَجَرَةُ الْعِلْمِ عِلْمِ الْخَيْرِ وَ الشَّرِّ وَ قِيلَ هِيَ شَجَرَةُ الْخُلْدِ الَّتِي كَانَتْ‏

40

تَأْكُلُ مِنْهَا الْمَلَائِكَةُ

وَ الْكُلُّ مَرْوِيٌّ فِي الْأَخْبَارِ

و هذه الرواية تجمع بين الروايات و أكثر الأقوال و سيأتي ما هو أجمع للأقوال و الأخبار و المراد بالحسد هنا الغبطة التي تركها هو الأولى و قوله و تمنى منزلتهم دال عليه و حينئذ فمعنى شجرة الحسد الشجرة التي كان سبب الأكل منها الحسد

عِلَلِ الشَّرَائِعِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى الْبَاقِرِ(ع)قَالَ‏

لَوْ لَا أَنَّ آدَمَ أَذْنَبَ مَا أَذْنَبَ مُؤْمِنٌ أَبَداً وَ لَوْ لَا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ تَابَ عَلَى آدَمَ مَا تَابَ عَلَى مُذْنِبٍ أَبَداً

وَ فِيهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)

لَمَّا أَهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ ظَهَرَتْ فِيهِ شَامَةٌ سَوْدَاءُ فِي وَجْهِهِ مِنْ قَرْنِهِ إِلَى قَدَمِهِ فَطَالَ حُزْنُهُ وَ بُكَاؤُهُ عَلَى مَا ظَهَرَ بِهِ فَأَتَاهُ جَبْرَئِيلُ(ع)فَقَالَ مَا يُبْكِيكَ يَا آدَمُ قَالَ لِهَذِهِ الشَّامَةِ الَّتِي ظَهَرَتْ بِي قَالَ قُمْ فَصَلِّ فَهَذَا وَقْتُ الْأُولَى فَقَامَ فَصَلَّى فَانْحَطَّتِ الشَّامَةُ إِلَى صَدْرِهِ فَجَاءَهُ فِي الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ فَقَالَ يَا آدَمُ قُمْ فَصَلِّ فَهَذِهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ فَقَامَ فَصَلَّى فَانْحَطَّتِ الشَّامَةُ إِلَى سُرَّتِهِ فَجَاءَ فِي الصَّلَاةِ الثَّالِثَةِ فَقَالَ يَا آدَمُ قُمْ فَصَلِّ فَهَذَا وَقْتُ الصَّلَاةِ الثَّالِثَةِ فَقَامَ فَصَلَّى فَانْحَطَّتِ الشَّامَةُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ فَجَاءَهُ فِي الصَّلَاةِ الرَّابِعَةِ فَقَالَ يَا آدَمُ قُمْ فَصَلِّ فَهَذَا وَقْتُ الصَّلَاةِ الرَّابِعَةِ فَقَامَ فَصَلَّى فَانْحَطَّتِ الشَّامَةُ إِلَى رِجْلَيْهِ فَجَاءَهُ فِي الصَّلَاةِ الْخَامِسَةِ فَقَالَ- آدَمُ قُمْ فَصَلِّ فَهَذَا وَقْتُ الصَّلَاةِ الْخَامِسَةِ فَقَامَ فَصَلَّى فَخَرَجَ مِنْهَا فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ جَبْرَئِيلُ(ع)يَا آدَمُ مَثَلُ وُلْدِكَ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ كَمَثَلِكَ فِي هَذِهِ الشَّامَةِ مَنْ صَلَّى مِنْ وُلْدِكَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ خَمْسَ صَلَوَاتٍ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَمَا خَرَجْتَ مِنْ هَذِهِ الشَّامَةِ

وَ فِيهِ‏

أَنَّهُ سَأَلَ الشَّامِيُّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لِمَ صَارَ الْمِيرَاثُ‏

لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ‏

قَالَ مِنْ قِبَلِ السُّنْبُلَةِ كَانَ عَلَيْهَا ثَلَاثُ حَبَّاتٍ فَبَادَرَتْ إِلَيْهَا حَوَّاءُ فَأَكَلَتْ مِنْهَا حَبَّةً وَ أَطْعَمَتْ آدَمَ حَبَّتَيْنِ فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَرِثَ الذَّكَرُ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ‏

وَ فِيهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)

كَيْفَ صَارَ الْمِيرَاثُ‏

لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ‏

قَالَ لِأَنَّ الْحَبَّاتِ الَّتِي أَكَلَ مِنْهَا آدَمُ وَ حَوَّاءُ فِي الْجَنَّةِ كَانَتْ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ أَكَلَ آدَمُ مِنْهَا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ حَبَّةً وَ أَكَلَتْ حَوَّاءُ سِتّاً فَلِذَلِكَ صَارَ الْمِيرَاثُ‏

لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ‏

أقول يجمع بين الخبرين بحمل ما تقدم على أول سنبلة أخذاها كذلك حتى صار ثماني عشرة أو المراد أنها كانت على شعبة فيها ثلاث حبات و كانت الشعبة ست‏

وَ عَنْهُ(ع)فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ قَالَ فِيهِ‏

أَنَّ آدَمَ جَاءَ مِنَ الْهِنْدِ وَ كَانَ مَوْضِعُ قَدَمَيْهِ حَيْثُ يَطَأُ عَلَيْهِ الْعُمْرَانَ وَ مَا بَيْنَ الْقَدَمِ إِلَى الْقَدَمِ صَحَارِيَ لَيْسَ فِيهَا شَيْ‏ءٌ ثُمَّ جَاءَ إِلَى الْبَيْتِ فَطَافَ‏

الحديث‏

41

وَ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ

وَ سُئِلَ عَنْ أَيَّامِ الْبِيضِ مَا سَبَبُهَا قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (ص) يَقُولُ إِنَّ آدَمَ لَمَّا عَصَى رَبَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ نَادَاهُ مُنَادٍ مِنْ لَدُنِ الْعَرْشِ يَا آدَمُ اخْرُجْ مِنْ جِوَارِي فَإِنَّهُ لَا يُجَاوِرُنِي أَحَدٌ عَصَانِي فَبَكَى وَ بَكَتِ الْمَلَائِكَةُ فَبَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ جَبْرَئِيلَ فَأَهْبَطَهُ إِلَى الْأَرْضِ مُسْوَدّاً فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَلَائِكَةُ ضَجَّتْ وَ بَكَتْ وَ انْتَحَبَتْ وَ قَالَتْ يَا رَبِّ خَلْقاً خَلَقْتَهُ وَ نَفَخْتَ فِيهِ مِنْ رُوحِكَ وَ أَسْجَدْتَ لَهُ مَلَائِكَتَكَ فَبِذَنْبٍ وَاحِدٍ حَوَّلْتَ بَيَاضَهُ سَوَاداً فَنَادَى مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ صُمْ لِرَبِّكَ الْيَوْمَ فَصَامَ فَوَافَقَ يَوْمَ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ فَذَهَبَ ثُلُثُ السَّوَادِ ثُمَّ نُودِيَ يَوْمَ الرَّابِعَ عَشَرَ أَنْ صُمْ لِرَبِّكَ فَصَامَ فَذَهَبَ ثُلُثَا السَّوَادِ ثُمَّ نُودِيَ فِي الْيَوْمِ الْخَامِسَ عَشَرَ بِالصِّيَامِ فَصَامَ وَ قَدْ ذَهَبَ السَّوَادُ كُلُّهُ فَسُمِّيَتْ أَيَّامَ الْبِيضِ الَّتِي رَدَّ اللَّهُ فِيهَا عَلَى آدَمَ مِنْ بَيَاضِهَا ثُمَّ نَادَى مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ يَا آدَمُ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ أَيَّامٍ جَعَلْتُهَا لَكَ وَ لِوُلْدِكَ مَنْ صَامَهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ فَإِنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ ثُمَّ قَالَ فَأَصْبَحَ آدَمُ وَ لَهُ لِحْيَةٌ سَوْدَاءُ كَالْحُمَمِ فَصَرَفَ يَدَهُ إِلَيْهَا فَقَالَ يَا رَبِّ مَا هَذِهِ فَقَالَ هَذِهِ اللِّحْيَةُ زَيَّنْتُكَ بِهَا أَنْتَ وَ ذُكُورَ وُلْدِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ

مَعَانِي الْأَخْبَارِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى الْمُفَضَّلِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)

إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْأَرْوَاحَ قَبْلَ الْأَجْسَادِ بِأَلْفَيْ عَامٍ فَجَعَلَ أَعْلَاهَا وَ أَشْرَفَهَا أَرْوَاحَ مُحَمَّدٍ وَ عَلِيٍّ وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ وَ الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُمْ (ص) فَعَرَضَهَا

عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ‏

فَغَشِيَهَا نُورُهُمْ فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لِلسَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبَالِ فَهَؤُلَاءِ حُجَجِي عَلَى خَلْقِي لَهُمْ وَ لِمَنْ تَوَلَّاهُمْ خَلَقْتُ جَنَّتِي وَ لِمَنْ خَالَفَهُمْ وَ عَادَاهُمْ خَلَقْتُ نَارِي فَمَنِ ادَّعَى مَنْزِلَتَهُمْ مِنِّي وَ مَحَلَّهُمْ مِنْ عَظَمَتِي عَذَّبْتُهُ عَذَاباً

لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ‏

وَ مَنْ أَقَرَّ بِوَلَايَتِهِمْ وَ لَمْ يَدَّعِ مَنْزِلَتَهُمْ مِنِّي جَعَلْتُهُ مَعَهُمْ فِي رَوْضَاتِ جَنَّاتِي فَوَلايَتُهُمْ أَمَانَةٌ عِنْدَ خَلْقِي فَأَيُّكُمْ يَحْمِلُهَا وَ بِأَثْقَالِهَا يَدَّعِيهَا لِنَفْسِهِ دُونَ خُبْرَتِي فَأَبَتِ السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرْضُ وَ الْجِبَالُ‏

أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ‏

مِنِ ادِّعَاءِ مَنْزِلَتِهَا وَ تَمَنِّي مَحَلِّهَا مِنْ عَظَمَةِ رَبِّهَا فَلَمَّا أَسْكَنَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ آدَمَ وَ زَوْجَتَهُ الْجَنَّةَ قَالَ لَهُمَا

كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ

يَعْنِي شَجَرَةَ الْحِنْطَةِ

فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ‏

فَنَظَرَا إِلَى مَنْزِلَةِ مُحَمَّدٍ وَ عَلِيٍّ وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ وَ الْأَئِمَّةِ مِنْ بَعْدِهِمْ فَوَجَدَاهَا أَشْرَفَ مَنَازِلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَقَالا يَا رَبَّنَا لِمَنْ هَذِهِ الْمَنْزِلَةُ فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ ارْفَعَا رَأْسَيْكُمَا إِلَى سَاقِ الْعَرْشِ فَرَفَعَا رَأْسَيْهِمَا فَوَجَدَا اسْمَ مُحَمَّدٍ وَ عَلِيٍّ وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ وَ الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُمْ (ص) مَكْتُوبَةً مِنْ سَاقِ الْعَرْشِ مِنْ نُورِ الْجَبَّارِ جَلَّ جَلَالُهُ فَقَالا يَا رَبَّنَا مَا أَكْرَمَ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ عَلَيْكَ فَقَالَ لَوْلَاهُمْ لَمَا خَلَقْتُكُمَا إِيَّاكُمَا أَنْ تَنْظُرَا إِلَيْهِمْ بِعَيْنِ الْحَسَدِ وَ تَتَمَنَّيَا مَنْزِلَتَهُمْ عِنْدِي فَتَدْخُلَا بِذَلِكَ فِي نَهْيِي وَ عِصْيَانِي‏

فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ‏

قَالا رَبَّنَا وَ مَنِ الظَّالِمُونَ قَالَ الْمُدَّعُونَ لِمَنْزِلَتِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ قَالا رَبَّنَا فَأَرِنَا مَنَازِلَ ظَالِمِيهِمْ فِي نَارِكَ حَتَّى نَرَاهَا كَمَا

42

رَأَيْنَا مَنْزِلَتَهُمْ فِي جَنَّتِكَ فَأَمَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى النَّارَ فَأَبْرَزَتْ جَمِيعَ مَا فِيهَا مِنْ أَلْوَانِ الْعَذَابِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِمَا يَا آدَمُ وَ يَا حَوَّاءُ لَا تَنْظُرَا إِلَى أَنْوَارِ حُجَجِي بِعَيْنِ الْحَسَدِ فَأُهْبِطُكُمَا عَنْ جِوَارِي‏

فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ‏

...

وَ قاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ‏

فَحَمَلَهُمَا عَلَى تَمَنِّي مَنْزِلَتِهِمْ فَنَظَرَا إِلَيْهِمْ بِعَيْنِ الْحَسَدِ فَخُذِلَا حَتَّى أَكَلَا مِنْ شَجَرَةِ الْحِنْطَةِ فَعَادَ مَكَانَ مَا أَكَلَا شَعِيراً فَأَصْلُ الْحِنْطَةِ كُلِّهَا مِمَّا لَمْ يَأْكُلَاهُ وَ أَصْلُ الشَّعِيرِ كُلِّهِ مِمَّا عَادَ مَكَانَ مَا أَكَلَاهُ فَلَمَّا أَكَلَا مِنَ الشَّجَرَةِ طَارَ الْحُلِيُّ وَ الْحُلَلُ عَنْ أَجْسَادِهِمَا وَ بَقِيَا عُرْيَانَيْنِ فَنَادَاهُمَا

أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ‏

تِلْكَ‏

[تِلْكُمَا] الشَّجَرَةِ وَ أَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ‏

فَ

قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ‏

قَالَ اهْبِطَا مِنْ جِوَارِيَ فَلَا يُجَاوِرُنِي فِي جَنَّتِي مَنْ يَعْصِينِي فَهَبَطَا مَوْكُولَيْنِ إِلَى أَنْفُسِهِمَا فِي طَلَبِ الْمَعَاشِ فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمَا جَاءَهُمَا جَبْرَئِيلُ(ع)فَقَالَ لَهُمَا إِنَّكُمَا ظَلَمْتُمَا أَنْفُسَكُمَا بِتَمَنِّي مَنْزِلَةِ مَنْ فُضِّلَ عَلَيْكُمَا فَجَزَاؤُكُمَا مَا قَدْ عُوقِبْتُمَا بِهِ مِنَ الْهُبُوطِ مِنْ جِوَارِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى أَرْضِهِ فَاسْأَلَا رَبَّكُمَا بِحَقِّ الْأَسْمَاءِ الَّتِي رَأَيْتُمُوهَا عَلَى سَاقِ الْعَرْشِ حَتَّى يَتُوبَ عَلَيْكُمَا فَقَالا اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ بِحَقِّ الْأَكْرَمِينَ عَلَيْكَ مُحَمَّدٍ وَ عَلِيٍّ وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ وَ الْأَئِمَّةِ إِلَّا تُبْتَ عَلَيْنَا وَ رَحِمْتَنَا فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا فَلَمْ تَزَلْ أَنْبِيَاءُ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ يَحْفَظُونَ هَذِهِ الْأَمَانَةَ وَ يُخْبِرُون بِهَا أَوْصِيَاءَهُمْ وَ الْمُخْلَصِينَ مِنْ أُمَمِهِمْ فَيَأْبَوْنَ حَمْلَهَا وَ يُشْفِقُونَ مِنْ ادِّعَائِهَا وَ حَمَلَهَا الْإِنْسَانُ الَّذِي قَدْ عَرَفْتَ فَأَصْلُ كُلِّ ظُلْمٍ مِنْهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏

إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا

أقول لا يتوهم أن آدم(ع)صار يتمنى منزلتهم من الظالمين المدعين لمنزلتهم حتى يستحق بذلك أليم النكال فإن في عده من الظالمين هنا نوعا من التجوز لأنه تشبه بهم في التمني و مخالفة الأمر الندبي لا في ادعاء المنزلة و غصبها و القتل عليها و حمل الأمانة غير حفظها كما يدل عليه قوله فلم تزل أنبياء الله يحفظون هذه الأمانة إلى قوله فيأبون حملها فالمراد بحملها ادعاؤها بغير حق و غصبها و قال الزجاج كل من خان الأمانة فقد حملها و من لم يحمل الأمانة فقد أداها فآدم(ع)لم يكن من الحاملين للأمانة على ما ذهب إليه بعض المفسرين و فسروا الإنسان بآدم و قوله الذي قد عرفت هو الأول و هذا مشهور لا أصل له‏

لِأَنَّ الثَّانِيَ: كَمَا قَالَ الصَّادِقُ(ع)سَيِّئَةٌ مِنْ سَيِّئَاتِ الْأَوَّلِ‏

وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ‏

وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ‏

لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ‏

وَ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ‏

عَطَسَ فَأَلْهَمَهُ اللَّهُ‏

43

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏

فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ يَرْحَمُكَ رَبُّكَ فَلَمَّا أَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَتَهُ تَدَاخَلَهُ الْعُجْبُ فَقَالَ يَا رَبِّ خَلَقْتَ خَلْقاً أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنِّي فَلَمْ يُجِبْ ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَةَ فَلَمْ يُجِبْ ثُمَّ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ نَعَمْ لَوْلَاهُمْ مَا خَلَقْتُكَ فَقَالَ يَا رَبِّ فَأَرِنِيهِمْ فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى مَلَائِكَةِ الْحُجُبِ أَنْ ارْفَعُوا الْحُجُبَ فَلَمَّا رُفِعَتْ إِذَا آدَمُ بِخَمْسَةِ أَشْبَاحٍ قُدَّامَ الْعَرْشِ فَقَالَ يَا رَبِّ مَنْ هَؤُلَاءِ قَالَ يَا آدَمُ هَذَا مُحَمَّدٌ نَبِيِّي وَ هَذَا عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ابْنُ عَمِّ نَبِيِّي وَ وَصِيُّهُ وَ هَذِهِ فَاطِمَةُ ابْنَةُ نَبِيِّي وَ هَذَانِ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ ابْنَا عَلِيٍّ وَ وَلَدَا ابْنَةَ نَبِيِّي ثُمَّ قَالَ يَا آدَمُ هُمْ وُلْدُكَ فَفَرِحَ بِذَلِكَ فَلَمَّا اقْتَرَفَ الْخَطِيئَةَ قَالَ يَا رَبِّ أَسْأَلُكَ بِمُحَمَّدٍ وَ عَلِيٍّ وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ لَمَّا غَفَرْتَ لِي فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ بِهَذَا فَهَذَا الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏

فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ‏

فَلَمَّا هَبَطَ إِلَى الْأَرْضِ صَاغَ خَاتَماً فَنَقَشَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ يُكَنَّى آدَمُ بِأَبِي مُحَمَّدٍ ع‏

مَعَانِي الْأَخْبَارِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى الصَّادِقِ(ع)قَالَ‏

لَقَدْ طَافَ آدَمُ(ع)بِالْبَيْتِ مِائَةَ عَامٍ مَا يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ حَوَّاءَ وَ لَقَدْ بَكَى عَلَى الْجَنَّةِ حَتَّى صَارَ عَلَى خَدَّيْهِ مِثْلُ النَّهْرَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ مِنَ الدُّمُوعِ وَ لَقَدْ قَامَ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ ثِيَابُهُ جُلُودُ الْإِبِلِ وَ الْبَقَرِ فَقَالَ اللَّهُمَّ أَقِلْنِي عَثْرَتِي وَ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي وَ أَعِدْنِي إِلَى الدَّارِ الَّتِي أَخْرَجْتَنِي مِنْهَا فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ قَدْ أَقَلْتُكَ عَثْرَتَكَ وَ غَفَرْتُ لَكَ ذَنْبَكَ وَ سَأُعِيدُكَ إِلَى الدَّارِ الَّتِي أَخْرَجْتُكَ مِنْهَا

أقول فيه دلالة على أن الجنة التي أخرج منها هي جنة الخلد لأنها التي سيعود إليها و كذلك الأخبار السابقة و ما بمعناها الدالة على أنه نظر إلى منزلة محمد و علي و إلى أنه رآهم مكتوبين على أركان العرش فإن العرش سقف لجنة الخلد كما

جَاءَ فِي الْحَدِيثِ‏

أَنَّ الْجَنَّةَ فَوْقَ السَّمَاءِ وَ سَقْفُهَا الْعَرْشُ‏

و التأويل بالجمل على أنها جنة البرزخ التي تأوي أرواح المؤمنين بعيد لما عرفت و حينئذ فطريق الجمع ما مر من حمل الأخبار الدالة على أنها من بساتين الدنيا على التقية. و في ذلك الكتاب‏

الْحَدِيثُ عَنِ الصَّادِقِ ع. وَ فِيهِ‏

أَنَّ الْكَلِمَاتِ الَّتِي تَلَقَّاهَا آدَمُ(ع)

فَتابَ عَلَيْهِ‏

هِيَ النَّبِيُّ وَ أَهْلُ بَيْتِهِ(ع)ثُمَّ قَالَ الْمُفَضَّلُ فَمَا يَعْنِي عَزَّ وَ جَلَّ بِقَوْلِهِ‏

فَأَتَمَّهُنَ‏

قَالَ يَعْنِي أَتَمَّهُنَّ إِلَى الْقَائِمِ(ع)اثْنَيْ عَشَرَ إِمَاماً تِسْعَةً مِنْ وُلْدِ الْحُسَيْنِ ع.

أقول‏

وَرَدَ

أَنَّ الْكَلِمَاتِ هِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى‏

رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا

الْآيَةِ. وَ وَرَدَ أَيْضاً أَنَّهَا قَوْلُهُ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَ بِحَمْدِكَ وَ تَبَارَكَ اسْمُكَ وَ تَعَالَى جَدُّكَ الدُّعَاءِ.

و ورد غيره أيضا.

44

و الجمع بين الروايات الجمع بينها إلا أن الأصل هو ما روي عن السادة الأطهار (ص) من أنها أسماؤهم‏

وَ فِي الْحَدِيثِ‏

أَنَّ آدَمَ(ع)لَمَّا كَثُرَ وُلْدُهُ وَ وُلْدُهُ كَانُوا يَتَحَدَّثُونَ عِنْدَهُ وَ هُوَ سَاكِتٌ فَقَالُوا يَا أَبَهْ مَا لَكَ لَا تَتَكَلَّمُ فَقَالَ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ لَمَّا أَخْرَجَنِي مِنْ جِوَارِهِ عَهِدَ إِلَيَّ وَ قَالَ أَقْلِلْ كَلَامَكَ تَرْجِعْ إِلَى جِوَارِي‏

قِصَصِ الرَّاوَنْدِيِّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ‏

إِنَّ آدَمَ(ع)نَزَلَ بِالْهِنْدِ فَبَنَى اللَّهُ تَعَالَى لَهُ الْبَيْتَ فَلَمَّا خَطَا مِنَ الْهِنْدِ فَكَانَ مَوْضِعُ قَدَمَيْهِ حَيْثُ خَطَا عُمْرَانَ وَ مَا بَيْنَ الْقَدَمِ وَ الْقَدَمِ صَحَارِيَ‏

أقول‏

الْمَشْهُورُ فِي الْأَخْبَارِ عَنِ السَّادَةِ الْأَطْهَارِ (ص)

أَنَّ نُزُولَ آدَمَ(ع)كَانَ عَلَى الصَّفَا وَ نُزُولَ حَوَّاءَ عَلَى الْمَرْوَةِ

و هذا الخبر و ما روي بمعناه يدل على أن نزولهما كان بالهند و حمله بعض أهل الحديث على التقية لأنه المشهور بين العامة أن آدم(ع)هبط على جبل في سرنديب يقال له نود و حواء هبطت في جدة مع أنه يمكن أن يقال إن هبوطهما على الصفا و المروة بعد دخولهما مكة من‏ اهْبِطُوا مِصْراً

الْعَيَّاشِيُّ عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ (ص)

أَنَّ مُوسَى(ع)سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ آدَمَ(ع)حَيْثُ عُرِجَ إِلَى السَّمَاءِ فِي أَمْرِ الصَّلَاةِ فَفَعَلَ فَقَالَ لَهُ مُوسَى يَا أَبَتِ أَنْتَ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَ أَبَاحَ لَكَ جَنَّتَهُ ثُمَّ نَهَاكَ عَنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَمْ تَصْبِرْ عَنْهَا حَتَّى أُهْبِطْتَ إِلَى الْأَرْضِ بِسَبَبِهَا فَلَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَضْبِطَ نَفْسَكَ عَنْهَا حَتَّى أَغْرَاكَ إِبْلِيسُ فَأَطَعْتَهُ فَأَنْتَ الَّذِي أَخْرَجْتَنَا مِنَ الْجَنَّةِ بِمَعْصِيَتِكَ فَقَالَ آدَمُ(ع)ارْفُقْ بِأَبِيكَ يَا بُنَيَّ فِيمَا لَقِيَ مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ يَا بُنَيَّ إِنَّ عَدُوِّي أَتَانِي مِنْ وَجْهِ الْمَكْرِ وَ الْخَدِيعَةِ فَحَلَفَ لِي بِاللَّهِ إِنَّهُ فِي مَشُورَتِهِ عَلَيَ‏

لَمِنَ النَّاصِحِينَ‏

وَ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ لِي مُنْتَصِحاً إِنِّي لِشَأْنِكَ يَا آدَمُ لَمَغْمُومٌ قُلْتُ وَ كَيْفَ قَالَ قَدْ كُنْتُ أَنِسْتُ بِكَ وَ بِقُرْبِكَ مِنِّي وَ أَنْتَ تَخْرُجُ مِمَّا أَنْتَ فِيهِ إِلَى مَا أَسْتَكْرِهُهُ فَقُلْتُ لَهُ وَ مَا الْحِيلَةُ فَقَالَ إِنَّ الْحِيلَةَ هُوَ ذَا مَعَكَ أَ فَلَا

أَدُلُّكَ عَلى‏ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَ مُلْكٍ لا يَبْلى‏

فَكُلَا مِنْهَا أَنْتَ وَ زَوْجُكَ فَتَصِيرَا مَعِي فِي الْجَنَّةِ أَبَداً مِنَ الْخَالِدِينَ وَ حَلَفَ لِي بِاللَّهِ كَاذِباً إِنَّهُ‏

لَمِنَ النَّاصِحِينَ‏

وَ لَمْ أَظُنَّ يَا مُوسَى أَنَّ أَحَداً يَحْلِفُ بِاللَّهِ كَاذِباً فَوَثِقْتُ بِيَمِينِهِ فَهَذَا عُذْرِي فَأَخْبِرْنِي يَا بُنَيَّ هَلْ تَجِدُ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ أَنَّ خَطِيئَتِي كَائِنَةٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ أُخْلَقَ قَالَ لَهُ مُوسَى بِدَهْرٍ طَوِيلٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثاً

أقول أما أن تلك الشجرة شجرة الخلد فهو غير كاذب فيما قاله إلا أن من أكلها أفادته‏

45

الخلد في الجنة إذا كان الأكل مباحا منها يكون مأمورا به و إذا كان الأكل منهيا عنه يكون أثره المترتب عليه ما وقع على آدم من إخراجه من الجنة في ذلك اليوم و قوله بدهر طويل يرجع حاصله إلى أن الله سبحانه علم بذنب آدم و قدره موافقا للعلم القديم كما هو حال جميع مقدرات الله سبحانه و مقدراته‏

الْعَيَّاشِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ‏

سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)وَ أَنَا حَاضِرٌ كَمْ لَبِثَ آدَمُ(ع)وَ زَوْجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى أَخْرَجَهُمَا مِنْهَا فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى نَفَخَ فِي آدَمَ رُوحَهُ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ثُمَّ بَرَأَ زَوْجَتَهُ مِنْ أَسْفَلِ أَضْلَاعِهِ ثُمَّ أَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَتَهُ وَ أَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ فَوَ اللَّهِ مَا اسْتَقَرَّ فِيهَا إِلَّا سِتَّ سَاعَاتٍ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ حَتَّى عَصَى اللَّهَ فَأَخْرَجَهُمَا اللَّهُ مِنْهَا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَ مَا بَاتَا فِيهَا وَ صُيِّرَا بِفِنَاءِ الْجَنَّةِ حَتَّى أَصْبَحَا

فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما

...

وَ ناداهُما رَبُّهُما أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ

فَاسْتَحَى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ وَ خَضَعَ وَ قَالَ‏

رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا

وَ اعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَاغْفِرْ لَنَا قَالَ اللَّهُ لَهُمَا اهْبِطَا مِنْ سَمَاوَاتِي إِلَى الْأَرْضِ فَإِنَّهُ لَا يُجَاوِرُنِي فِي جَنَّتِي عَاصٍ وَ لَا فِي سَمَاوَاتِي‏

وَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)

إِنَّ آدَمَ لَمَّا أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ ذَكَرَ مَا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهَا فَنَدِمَ فَذَهَبَ لِيَتْنَحِيَ مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَخَذَتِ الشَّجَرَةُ بِرَأْسِهِ فَجَرَّتْهُ إِلَيْهَا وَ قَالَتْ لَهُ أَ فَلَا كَانَ فِرَارُكَ قَبْلَ أَنْ تَأْكُلَ مِنِّي‏

و في هذا الحديث دلالة على أن تلك الجنة كانت في السماء و الظاهر أنها شجرة الخلد

وَ فِي تَفْسِيرِ الْإِمَامِ الْعَسْكَرِيِّ(ع)وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ

شَجَرَةَ الْعِلْمِ شَجَرَةَ عِلْمِ مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ آثَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَى سَائِرِ خَلْقِهِ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏

وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ

شَجَرَةَ الْعِلْمِ فَإِنَّهَا لِمُحَمَّدٍ وَ آلِهِ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ لَا يَتَنَاوَلُ مِنْهَا بِأَمْرِ اللَّهِ إِلَّا هُمْ وَ مِنْهَا مَا كَانَ يَتَنَاوَلُهُ النَّبِيُّ وَ عَلِيٌّ وَ فَاطِمَةُ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ) بَعْدَ إِطْعَامِهِمْ الْمِسْكِينَ وَ الْيَتِيمَ وَ الْأَسِيرَ حَتَّى لَمْ يُحِسُّوا بَعْدُ بِجُوعٍ وَ لَا عَطَشٍ وَ لَا تَعَبٍ وَ لَا نَصَبٍ وَ هِيَ شَجَرَةٌ تَمَيَّزَتْ مِنْ بَيْنِ أَشْجَارِ الْجَنَّةِ إِنَّ سَائِرَ أَشْجَارِ الْجَنَّةِ كَانَ كُلُّ نَوْعٍ مِنْهَا يَحْمِلُ نَوْعاً مِنَ الثِّمَارِ الْمَأْكُولِ وَ كَانَتْ هَذِهِ الشَّجَرَةُ وَ جِنْسُهَا تَحْمِلُ الْبُرَّ وَ الْعِنَبَ وَ التِّينَ وَ الْعُنَّابَ وَ سَائِرَ أَنْوَاعِ الثِّمَارِ وَ الْفَوَاكِهِ وَ الْأَطْعِمَةِ فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ الْحَاكُونَ بِذِكْرِ الشَّجَرَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ بُرَّةٌ وَ قَالَ آخَرُونَ هِيَ عِنَبَةٌ وَ قَالَ آخَرُونَ هِيَ عُنَّابَةٌ وَ قَالَ اللَّهُ‏

وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ

تَلْتَمِسَانِ بِذَلِكَ دَرَجَةَ مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ فِي فَضْلِهِمْ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَصَّهُمْ بِهَذِهِ الدَّرَجَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ وَ هِيَ الشَّجَرَةُ الَّتِي مَنْ تَنَاوَلَ مِنْهَا بِإِذْنِ اللَّهِ أُلْهِمَ عِلْمَ الْأَوَّلِينَ‏

46

وَ الْآخِرِينَ مِنْ غَيْرِ تَعَلُّمٍ وَ مَنْ تَنَاوَلَ بِغَيْرِ إِذْنِ اللَّهِ خَابَ مِنْ مُرَادِهِ وَ عَصَى رَبَّهُ‏

فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ‏

بِمَعْصِيَتِكُمَا وَ الْتِمَاسِكُمَا دَرَجَةً قَدْ أُوثِرُ بِهَا غَيْرَكُمَا إِذَا رُمْتُمَا بِغَيْرِ حُكْمِ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏

فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ‏

عَنْهُمَا

[عَنْها]

عَنِ الْجَنَّةِ بِوَسْوَسَتِهِ وَ غُرُورِهِ بِأَنْ بَدَأَ بِآدَمَ فَقَالَ‏

ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ‏

إِنْ تَنَاوَلْتُمَا مِنْهَا تَعْلَمَانِ الْغَيْبَ وَ تَقْدِرَانِ عَلَى مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مَنْ خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْقُدْرَةِ

أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ‏

لَا تَمُوتَانِ أَبَداً وَ كَانَ إِبْلِيسُ بَيْنَ لَحْيَيِ الْحَيَّةِ أَدْخَلَتْهُ الْحَيَّةُ وَ كَانَ آدَمُ يَظُنُّ أَنَّ الْحَيَّةَ هِيَ الَّتِي تُخَاطِبُهُ وَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ إِبْلِيسَ قَدِ اخْتَبَأَ بَيْنَ لَحْيَيْهَا فَرَدَّ آدَمُ عَلَى الْحَيَّةِ أَيَّتُهَا الْحَيَّةُ هَذَا مِنْ غُرُورِ إِبْلِيسَ كَيْفَ أَرُومُ التَّوَصُّلَ إِلَى مَا مَنَعَنِي رَبِّي وَ أَتَعَاطَاهُ بِغَيْرِ حُكْمِهِ فَلَمَّا أَيِسَ إِبْلِيسُ مِنْ قَبُولِ آدَمَ عَادَ ثَانِيَةً بَيْنَ لَحْيَيِ الْحَيَّةِ فَخَاطَبَ حَوَّاءَ مِنْ حَيْثُ يُوهِمُهَا أَنَّ الْحَيَّةَ هِيَ الَّتِي تُخَاطِبُهَا وَ قَالَ يَا حَوَّاءُ أَ رَأَيْتِ هَذِهِ الشَّجَرَةَ الَّتِي كَانَ اللَّهُ حَرَّمَهَا عَلَيْكُمَا قَدْ أَحَلَّهَا لَكُمَا بَعْدَ تَحْرِيمِهَا لِمَا عَرَفَ مِنْ حُسْنِ طَاعَتِكُمَا لَهُ وَ ذَلِكِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ الْمُوَكَّلِينَ بِالشَّجَرَةِ الَّتِي مَعَهَا الْحِرَابُ يَدْفَعُونَ عَنْهَا سَائِرَ حَيَوَانَاتِ الْجَنَّةِ لَا يَدْفَعُونَكُمَا عَنْهَا إِنْ رُمْتُمَا فَاعْلَمَا بِذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ أُحِلَّ لَكُمَا وَ أَبْشِرِي بِأَنَّكِ إِنْ تَنَاوَلْتِهَا قَبْلَ آدَمَ كُنْتِ أَنْتِ الْمُسَلِّطَةَ عَلَيْهِ الْآمِرَةَ النَّاهِيَةَ فَوْقَهُ فَقَالَتْ حَوَّاءُ سَوْفَ أُجَرِّبُ هَذَا فَرَامَتِ الشَّجَرَةَ فَأَرَادَتِ الْمَلَائِكَةُ أَنْ يَدْفَعُوهَا عَنْهَا بِحِرَابِهَا فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهَا إِنَّمَا تَدْفَعُونَ بِحِرَابِكُمْ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ يَزْجُرُهُ وَ أَمَّا مَنْ جَعَلْتُهُ مُتَمَكِّناً مُمَيِّزاً مُخْتَاراً فَكِلُوهُ إِلَى عَقْلِهِ الَّذِي جَعَلْتُهُ حُجَّةً عَلَيْهِ فَإِنْ أَطَاعَ اسْتَحَقَّ ثَوَابِي وَ إِنْ عَصَى وَ خَالَفَ أَمْرِي اسْتَحَقَّ عِقَابِي فَتَرَكُوهَا وَ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهَا بَعْدَ مَا هَمُّوا بِمَنْعِهَا بِحِرَابِهِمْ فَظَنَّتْ أَنَّ اللَّهَ نَهَاهُمْ عَنْ مَنْعِهَا لِأَنَّهُ قَدْ أَحَلَّهَا بَعْدَ مَا حَرَّمَهَا فَقَالَتْ صَدَقَتِ الْحَيَّةُ وَ ظَنَّتْ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِهَا هِيَ الْحَيَّةُ فَتَنَاوَلَتْ مِنْهَا وَ لَمْ تُنْكِرْ مِنْ نَفْسِهَا شَيْئاً فَقَالَتْ لِآدَمَ(ع)أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الشَّجَرَةَ الْمُحَرَّمَةَ عَلَيْنَا قَدْ أُبِيحَتْ لَنَا وَ تَنَاوَلْتُ مِنْهَا وَ لَمْ تَمْنَعْنِي مَلَائِكَتُهَا وَ لَمْ أُنْكَرْ شَيْئاً مِنْ حَالِي فَلِذَلِكَ اغْتَرَّ آدَمُ(ع)وَ غَلِطَ فَتَنَاوَلَ فَأَصَابَهُمَا مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ‏

فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها

بِغَرُورٍ

فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ‏

مِنَ النَّعِيمِ‏

وَ قُلْنَا

يَا آدَمُ وَ يَا حَوَّاءُ وَ يَا أَيَّتُهَا الْجَنَّةُ وَ يَا إِبْلِيسُ‏

اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ

وَ آدَمُ وَ حَوَّاءُ وَ أَوْلَادُهُمَا أَعْدَاءٌ لِلِّحْيَةِ وَ إِبْلِيسَ وَ أَوْلَادُهُ أَعْدَاؤُكُمْ‏

وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ

لِلْمَعَاشِ‏

وَ مَتاعٌ إِلى‏ حِينٍ‏

الْمَوْتِ وَ كَانَتْ الْحَيَّةُ مِنْ أَحْسَنِ دَوَابِّ الْجَنَّةِ وَ هُبُوطُهَا كَانَ مِنَ الْجَنَّةِ وَ هُبُوطُ إِبْلِيسَ مِنْ حَوَالَيْهَا فَإِنَّهُ كَانَ مُحَرَّماً عَلَيْهِ دُخُولُ الْجَنَّةِ

الحديث أقول اختلف في كيفية وصول إبليس إلى آدم و حواء حتى وسوس إليهما و إبليس كان قد أخرج من الجنة حين أبى السجود و هما في الجنة.

47

فَقِيلَ‏

إِنَّ آدَمَ كَانَ يَخْرُجُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ وَ إِبْلِيسُ لَمْ يَكُنْ مَمْنُوعاً مِنَ الدُّنُوِّ مِنْهُ فَكَانَ يُكَلِّمُهُ وَ كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يَهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ وَ بَعْدَ أَنْ أُخْرِجَ مِنَ الْجَنَّةِ.

وَ قِيلَ‏

إِنَّهُ كَلَّمَهُمَا فِي الْأَرْضِ بِكَلَامٍ عَرَفَاهُ وَ فَهِمَاهُ مِنْهُ.

و

قِيلَ‏

إِنَّهُ دَخَلَ فِي شِدْقِ الْحَيَّةِ وَ خَاطَبَهُمَا مِنْ شِدْقِهَا

قَالَ صَاحِبُ الْكَامِلِ‏

إِنَّ إِبْلِيسَ أَرَادَ دُخُولَ الْجَنَّةِ فَمَنَعَتْهُ الْخَزَنَةُ فَأَتَى كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ دَوَابِّ الْأَرْضِ وَ عَرَضَ نَفْسَهُ عَلَيْهَا أَنْ تَحْمِلَهُ حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ لِيُكَلِّمَ آدَمَ وَ زَوْجَتَهُ فَكُلُّ الدَّوَابِّ أَبَى عَلَيْهِ ذَلِكَ حَتَّى أَتَى الْحَيَّةَ وَ قَالَ لِمَا أَمْنَعُكَ مِنْ ابْنِ آدَمَ فَأَنْتَ فِي ذِمَّتِي إِنْ أَدْخَلْتَنِي فَجَعَلَتْهُ مَا بَيْنَ نَابَيْنِ مِنْ أَنْيَابِهَا ثُمَّ دَخَلَتْ بِهِ وَ كَانَتْ رَاسِيَةً عَلَى أَرْبَعِ قَوَائِمَ مِنْ أَحْسَنِ دَابَّةٍ خَلَقَهَا اللَّهُ كَأَنَّهَا بُخْتِيَّةٌ فَأَعْرَاهَا اللَّهُ تَعَالَى وَ جَعَلَهَا تَمْشِي عَلَى بَطْنِهَا

انتهى. و

قِيلَ‏

راسلهما بالخطاب‏

و ظاهر الآيات تدل على المشافهة و

وَرَدَ

أَنَّ السَّمَّ الَّذِي فِي أَنْيَابِ الْحَيَّةِ مِنْ مَقْعَدِ الشَّيْطَانِ فِيهِ إِمَّا لِأَنَّهُ أَثَّرَ فِيهِ السَّمَّ أَوْ لِأَنَّ السَّمَّ خُلِقَ هُنَاكَ بِسَبَبِهِ.

أقول أعظم شبهة المخطئة للأنبياء(ع)قصة آدم(ع)حيث سماه عاص بقوله‏ وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏. و أجاب عنه علم الهدى طاب ثراه بأن العصيان مخالفة الأمر أعم من كونه واجبا أو ندبا و أطال في تحقيق المقام و كل هذا يرجع إلى‏

قَوْلِهِ(ع)

حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ‏

و قد حققنا جملة القول في هذه المقالة الواردة في الأنبياء و الأئمة(ع)في شرحنا على الصحيفة السجادية عند شرح دعاء الإمام علي بن الحسين(ع)إذا استقال من ذنوبه‏

وَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ‏

رَنَّ إِبْلِيسُ أَرْبَعَ رَنَّاتٍ أَوَّلُهُنَّ يَوْمَ لُعِنَ وَ حِينَ أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ وَ حِينَ بُعِثَ مُحَمَّدٌ (ص) عَلَى حِينِ‏

فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ‏

وَ حِينَ أُنْزِلَتْ أُمُّ الْكِتَابِ وَ نَخَرَ نَخْرَتَيْنِ حِينَ أَكَلَ يَعْنِي آدَمَ مِنَ الشَّجَرَةِ وَ حِينَ أُهْبِطَ مِنَ الْجَنَّةِ

أقول الرنة الصوت و الصياح و النخير الصوت من الأنف و الأول للحزن و الثاني للفرح‏

وَ عَنْهُ(ع)

الْبَكَّاءُونَ خَمْسَةٌ آدَمُ وَ يَعْقُوبُ وَ يُوسُفُ وَ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ (ص) وَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(ع)فَأَمَّا آدَمُ فَبَكَى لِلْجَنَّةِ حَتَّى صَارَ فِي خَدَّيْهِ مِثْلُ الْأَوْدِيَةِ

وَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ

أَنَّهُ بَكَى حَتَّى خَرَجَ مِنْ إِحْدَى عَيْنَيْهِ مِنَ الدُّمُوعِ مِثْلُ مَاءِ دِجْلَةَ

48

وَ مِنَ الْأُخْرَى مِثْلُ مَاءِ الْفُرَاتِ‏

: وَ عَنْهُ(ع)

لَمَّا أَهْبَطَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ آدَمَ(ع)مِنَ الْجَنَّةِ أَهْبَطَ مَعَهُ مِائَةً وَ عِشْرِينَ قَضِيباً مِنْهَا أَرْبَعُونَ مَا يُؤْكَلُ مِنْهَا دَاخِلُهَا وَ خَارِجُهَا وَ أَرْبَعُونَ مِنْهَا مَا يُؤْكَلُ دَاخِلُهَا وَ يُرْمَى خَارِجُهَا وَ أَرْبَعُونَ مِنْهَا مَا يُؤْكَلُ خَارِجُهَا وَ يُرْمَى بِدَاخِلِها وَ غِرَارَةٌ فِيهَا بَذْرُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ الْغِرَارَةُ الْجُوَالِقُ مُعَرَّبُ جُوَالٍ‏

عِلَلِ الشَّرَائِعِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ أَعْيَنَ قَالَ‏

قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)هَلْ تَدْرِي مَا كَانَ الْحَجَرُ قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ كَانَ مَلَكاً عَظِيماً مِنْ عُظَمَاءِ الْمَلَائِكَةِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَلَمَّا أَخَذَ اللَّهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمِيثَاقَ كَانَ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ وَ أَقَرَّ ذَلِكَ الْمَلَكُ فَاتَّخَذَهُ اللَّهُ أَمِيناً عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ فَأَلْقَمَهُ الْمِيثَاقَ وَ أَوْدَعَهُ عِنْدَهُ وَ اسْتَعْبَدَ الْخَلْقَ أَنْ يُجَدِّدُوا عِنْدَهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ الْإِقْرَارَ بِالْعَهْدِ وَ الْمِيثَاقَ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ جَعَلَهُ اللَّهُ مَعَ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ يَذْكُرُ الْمِيثَاقَ وَ يُجَدِّدُ عِنْدَهُ الْإِقْرَارَ كُلَّ سَنَةٍ فَلَمَّا عَصَى آدَمُ(ع)وَ أُخْرِجَ مِنَ الْجَنَّةِ أَنْسَاهُ اللَّهُ الْعَهْدَ وَ الْمِيثَاقَ الَّذِي أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ عَلَى وُلْدِهِ لِمُحَمَّدٍ وَ وَصِيِّهِ وَ جَعَلَهُ بَاهِتاً حَيْرَانَ فَلَمَّا تَابَ عَلَى آدَمَ حَوَّلَ ذَلِكَ الْمَلَكَ فِي صُورَةِ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ فَرَمَاهُ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى آدَمَ وَ هُوَ بِأَرْضِ الْهِنْدِ فَلَمَّا رَآهُ أَنِسَ إِلَيْهِ وَ هُوَ لَا يَعْرِفُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ أَنَّهُ جَوْهَرَةٌ فَأَنْطَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فَقَالَ يَا آدَمُ أَ تَعْرِفُنِي قَالَ لَا قَالَ أَجَلْ اسْتَحْوَذَ عَلَيْكَ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاكَ ذِكْرَ رَبِّكَ وَ تَحَوَّلَ إِلَى الصُّورَةِ الَّتِي كَانَ بِهَا فِي الْجَنَّةِ مَعَ آدَمَ(ع)فَقَالَ لِآدَمَ أَيْنَ الْعَهْدُ وَ الْمِيثَاقُ فَوَثَبَ إِلَيْهِ آدَمُ وَ ذَكَرَ الْمِيثَاقَ وَ بَكَى وَ خَضَعَ لَهُ وَ قَبَّلَهُ وَ جَدَّدَ الْإِقْرَارَ بِالْعَهْدِ وَ الْمِيثَاقِ ثُمَّ حَوَّلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ جَوْهَرَ الْحَجَرِ دُرَّةً بَيْضَاءَ صَافِيَةً تُضِي‏ءُ فَحَمَلَهُ آدَمُ عَلَى عَاتِقِهِ إِجْلَالًا لَهُ وَ تَعْظِيماً فَكَانَ إِذَا أَعْيَا عَلَيْهِ حَمَلَهُ عَنْهُ جَبْرَئِيلُ(ع)حَتَّى وَافَى بِهِ مَكَّةَ فَمَا زَالَ يَأْنَسُ بِهِ بِمَكَّةَ وَ يُجَدِّدُ لَهُ الْإِقْرَارَ كُلَّ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمَّا أَهْبَطَ جَبْرَائِيلَ(ع)إِلَى أَرْضِهِ وَ بَنَى الْكَعْبَةَ هَبَطَا إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَ الْبَابِ وَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ تَرَاءَيَا لِآدَمَ حِينَ أَخَذَ الْمِيثَاقَ وَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَلْقَمَ الْمَلَكَ الْمِيثَاقَ فَلِتِلْكَ الْعِلَّةِ وَضَعَ فِي ذَلِكَ الرُّكْنِ وَ نَحَّي آدَمَ مِنْ مَكَانِ الْبَيْتِ إِلَى الصَّفَا وَ حَوَّاءَ إِلَى الْمَرْوَةِ وَ جَعَلَ الْحَجَرَ فِي الرُّكْنِ فَكَبَّرَ اللَّهَ وَ هَلَّلَهُ وَ مَجَّدَهُ فَلِذَلِكَ جَرَتِ السُّنَّةُ بِالتَّكْبِيرِ فِي اسْتِقْبَالِ الرُّكْنِ الَّذِي فِيهِ الْحَجَرُ مِنَ الصَّفَا

وَ فِيهِ عَنْهُ(ع)قَالَ‏

أَهْبَطَ آدَمَ(ع)مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى الصَّفَا وَ حَوَّاءَ إِلَى الْمَرْوَةِ وَ قَدْ كَانَتِ امْتَشَطَتْ فِي الْجَنَّةِ فَلَمَّا صَارَتْ فِي الْأَرْضِ قَالَتْ مَا أَرْجُو مِنَ الْمَشْطِ وَ أَنَا مَسْخُوطٌ عَلَيَّ فَحَلَّتْ مَشْطَهَا فَانْتَشَرَ مِنْ مَشْطِهَا الْعِطْرُ الَّذِي كَانَتْ امْتَشَطَتْ بِهِ فِي الْجَنَّةِ فَطَارَتْ بِهِ الرِّيحُ فَأَلْقَتْ أَثَرَهُ فِي الْهِنْدِ فَلِذَلِكَ صَارَ الْعِطْرُ بِالْهِنْدِ

وَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ

أَنَّهَا حَلَّتْ عَقِيصَتَهَا فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى مَا كَانَ فِيهَا مِنْ ذَلِكَ الطِّيبِ رِيحاً فَهَبَّتْ بِهِ فِي الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ‏

49

وَ فِيهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)

أَنَّ النَّبِيَّ (ص) سُئِلَ مِمَّا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْكَلْبَ قَالَ خَلَقَهُ مِنْ بُزَاقِ إِبْلِيسَ قَالَ وَ كَيْفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَمَّا أَهْبَطَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ آدَمَ وَ حَوَّاءَ إِلَى الْأَرْضِ أَهْبَطَهُمَا كَالْفَرْخَيْنِ الْمُرْتَعِشَيْنِ فَغَدَا إِبْلِيسُ الْمَلْعُونُ إِلَى السِّبَاعِ وَ كَانُوا قَبْلَ آدَمَ فِي الْأَرْضِ فَقَالَ لَهُمْ إِنَّ طَيْرَيْنِ قَدْ وَقَعَا مِنَ السَّمَاءِ لَمْ يَرَ الرَّاءُونَ أَعْظَمَ مِنْهُمَا تَعَالَوْا فَكُلُوهُمَا فَتَعَاوَتِ السِّبَاعُ مَعَهُ وَ جَعَلَ إِبْلِيسُ يَحُثُّهُمْ وَ يَصِيحُ بِهِمْ وَ يَعِدُهُمْ بِقُرْبِ الْمَسَافَةِ فَوَقَعَ مِنْ فِيهِ مِنْ عَجَلَةِ كَلَامِهِ بُزَاقٌ فَخَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ ذَلِكَ الْبُزَاقِ كَلْبَيْنِ أَحَدُهُمَا ذَكَرٌ وَ الْآخَرُ أُنْثَى فَقَامَا حَوْلَ آدَمَ وَ حَوَّاءَ الْكَلْبَةُ بِجُدَّةَ وَ الْكَلْبُ بِالْهِنْدِ فَلَمْ يَتْرُكَا السِّبَاعَ أَنْ يَقْرَبُوهُمَا وَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ صَارَ الْكَلْبُ عَدُوَّ السَّبُعِ وَ السَّبُعُ عَدُوَّ الْكَلْبِ‏

وَ فِيهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ‏

إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَوْحَى إِلَى جَبْرَئِيلَ(ع)أَنِّي قَدْ رَحِمْتُ آدَمَ وَ حَوَّاءَ فَاهْبِطْ عَلَيْهِمَا بِخَيْمَةٍ مِنْ خِيَمِ الْجَنَّةِ فَاضْرِبِ الْخَيْمَةَ مَكَانَ الْبَيْتِ وَ قَوَاعِدِهِا الَّتِي رَفَعَهَا الْمَلَائِكَةُ قَبْلَ آدَمَ فَهَبَطَ بِالْخَيْمَةِ عَلَى مِقْدَارِ أَرْكَانِ الْبَيْتِ فَنَصَبَهَا وَ أَنْزَلَ آدَمَ مِنَ الصَّفَا وَ حَوَّاءَ مِنَ الْمَرْوَةِ وَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْخَيْمَةِ وَ كَانَ عَمُودُ الْخَيْمَةِ قَضِيباً مِنْ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ فَأَضَاءَ نُورُهُ جِبَالَ مَكَّةَ فَامْتَدَّ ضَوْءُ الْعَمُودِ وَ هُوَ مَوْضِعُ الْحَرَمِ الْيَوْمَ فَجَعَلَهُ اللَّهُ حَرَماً لِحُرْمَةِ الْخَيْمَةِ وَ الْعَمُودِ لِأَنَّهُمَا مِنَ الْجَنَّةِ وَ مُدَّتْ أَطْنَابُ الْخَيْمَةِ حَوْلَهَا فَمُنْتَهَى أَوْتَادِهَا مَا حَوْلَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَ أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى جَبْرَئِيلَ أَنِ اهْبِطْ إِلَى الْخَيْمَةِ بِسَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يَحْرُسُونَهَا مِنْ مَرَدَةِ الشَّيَاطِينِ وَ يُؤْنِسُونَ آدَمَ وَ يَطُوفُونَ حَوْلَ الْخَيْمَةِ فَكَانُوا يَطُوفُونَ حَوْلَهَا وَ يَحْرُسُونَهَا ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى جَبْرَئِيلَ(ع)بَعْدَ ذَلِكَ أَنِ اهْبِطْ إِلَى آدَمَ وَ حَوَّاءَ فَنَحِّهِمَا عَنْ مَوْضِعِ الْقَوَاعِدِ وَ ارْفَعْ قَوَاعِدَ بَيْتِي لِمَلَائِكَتِي وَ خَلْقِي مِنْ وُلْدِ آدَمَ فَهَبَطَ عَلَيْهِمَا وَ أَخْرَجَهُمَا مِنَ الْخَيْمَةِ وَ نَحَّاهُمَا عَنِ الْبَيْتِ وَ نَحَّى الْخَيْمَةَ عَنْ مَوْضِعِ الْبَيْتِ وَ قَالَ يَا آدَمُ إِنَّ السَّبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ الَّذِينَ أَنْزَلَهُمُ اللَّهُ إِلَى الْأَرْضِ سَأَلُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَبْنِيَ لَهُمْ مَكَانَ الْخَيْمَةِ بَيْتاً عَلَى مَوْضِعِ التُّرْعَةِ الْمُبَارَكَةِ حِيَالَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ فَيَطُوفُونَ حَوْلَهُ كَمَا كَانُوا يَطُوفُونَ فِي السَّمَاءِ حَوْلَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ فَأَوْحَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى إِلَى أَنْ أُنَحِّيَكَ وَ أَرْفَعَ الْخَيْمَةَ فَرَفَعَ قَوَاعِدَ الْبَيْتِ بِحَجَرٍ مِنَ الصَّفَا وَ حَجَرٍ مِنَ الْمَرْوَةِ وَ حَجَرٍ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ وَ حَجَرٍ مِنْ جَبَلِ السَّلَامِ وَ هُوَ ظَهْرُ الْكَعْبَةِ فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى جَبْرَئِيلَ(ع)أَنِ ابْنِهِ وَ أَتِمَّهُ فَاقْتَلَعَ جَبْرَئِيلُ(ع)الْأَحْجَارَ الْأَرْبَعَةَ مِنْ مَوْضِعِهَا بِجَنَاحِهِ فَوَضَعَهَا حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَرْكَانِ الْبَيْتِ عَلَى قَوَاعِدِهِ وَ نَصَبَ أَعْلَامَهَا ثُمَّ أَوْحَى إِلَى جَبْرَئِيلَ أَنِ ابْنِهِ وَ أَتِمَّهُ مِنْ حِجَارَةِ أَبِي قُبَيْسٍ وَ اجْعَلْ لَهُ بَابَيْنِ بَاباً شَرْقاً

50

وَ بَاباً غَرْباً فَأَتَمَّهُ جَبْرَئِيلُ(ع)فَلَمَّا فَرَغَ طَافَتِ الْمَلَائِكَةُ حَوْلَهُ فَلَمَّا نَظَرَ آدَمُ وَ حَوَّاءُ إِلَى الْمَلَائِكَةِ يَطُوفُونَ حَوْلَ الْبَيْتِ انْطَلَقَا فَطَافَا سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ ثُمَّ خَرَجَا يَطْلُبَانِ مَا يَأْكُلَانِ‏

وَ فِيهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ‏

إِنَّ آدَمَ(ع)لَمَّا أُهْبِطَ مِنَ الْجَنَّةِ اشْتَهَى مِنْ ثِمَارِهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عَلَيْهِ قَضِيبَيْنِ مِنْ عِنَبٍ فَغَرَسَهُمَا فَلَمَّا أَوْرَقَا وَ أَثْمَرَا وَ بَلَغَا جَاءَ إِبْلِيسُ فَحَاطَ عَلَيْهِمَا حَائِطاً فَقَالَ لَهُ آدَمُ مَا لَكَ يَا مَلْعُونُ فَقَالَ إِبْلِيسُ إِنَّهُمَا لِي فَقَالَ كَذَبْتَ فَرَضِيَا بَيْنَهُمَا بِرُوحِ الْقُدُسِ فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَيْهِ قَصَّ عَلَيْهِ آدَمُ(ع)قِصَّتَهُ فَأَخَذَ رُوحُ الْقُدُسِ شَيْئاً مِنْ نَارٍ فَرَمَى بِهَا عَلَيْهِمَا فَالْتَهَبَتْ فِي أَغْصَانِهِمَا حَتَّى ظَنَّ آدَمُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمَا شَيْ‏ءٌ إِلَّا احْتَرَقَ وَ ظَنَّ إِبْلِيسُ مِثْلَ ذَلِكَ قَالَ فَدَخَلَتِ النَّارُ حَيْثُ دَخَلَتْ وَ قَدْ ذَهَبَ مِنْهُمَا ثُلُثَاهُمَا وَ بَقِيَ الثُّلُثُ فَقَالَ الرُّوحُ أَمَّا مَا ذَهَبَ مِنْهُمَا فَحَظُّ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ وَ مَا بَقِيَ فَلَكَ يَا آدَمُ‏

الْعَيَّاشِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ‏

مَا بَكَى أَحَدٌ بُكَاءَ ثَلَاثَةٍ آدَمَ وَ يُوسُفَ وَ دَاوُدَ فَقُلْتُ مَا بَلَغَ بُكَاؤُهُمْ فَقَالَ أَمَّا آدَمُ(ع)فَبَكَى حِينَ أُخْرِجَ مِنَ الْجَنَّةِ وَ كَانَ رَأْسُهُ فِي بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ فَبَكَى حَتَّى تَأَذَّى بِهِ أَهْلُ السَّمَاءِ فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ فَحَطَّ مِنْ قَامَتِهِ فَأَمَّا دَاوُدُ فَإِنَّهُ بَكَى حَتَّى هَاجَ الْعُشْبُ مِنْ دُمُوعِهِ وَ كَانَ لَيَزْفِرُ الزَّفْرَةَ فَيُحْرِقُ مَا يُنْبِتُ مِنْ دُمُوعِهِ وَ أَمَّا يُوسُفُ فَإِنَّهُ كَانَ يَبْكِي عَلَى أَبِيهِ يَعْقُوبَ وَ هُوَ فِي السِّجْنِ فَتَأَذَّى أَهْلُ السِّجْنِ فَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يَبْكِيَ يَوْماً وَ يَسْكُتَ يَوْماً

عِلَلِ الشَّرَائِعِ وَ عُيُونِ الْأَخْبَارِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى قَالَ‏

سُئِلَ أَبُو الْحَسَنِ(ع)عَنِ الْحَرَمِ وَ أَعْلَامِهِ فَقَالَ إِنَّ آدَمَ(ع)لَمَّا أُهْبِطَ مِنَ الْجَنَّةِ هَبَطَ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ وَ النَّاسُ يَقُولُونَ بِالْهِنْدِ فَشَكَا إِلَى رَبِّهِ عَزَّ وَ جَلَّ الْوَحْشَةَ وَ أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَا كَانَ يَسْمَعُ فِي الْجَنَّةِ فَأَهْبَطَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْهِ يَاقُوتَةً حَمْرَاءَ فَوَضَعَتْ فِي مَوْضِعِ الْبَيْتِ فَكَانَ يَطُوفُ بِهَا آدَمُ(ع)وَ كَانَ يَبْلُغُ ضَوْؤُهَا الْأَعْلَامَ فَعُلِّمَتِ الْأَعْلَامُ عَلَى ضَوْئِهَا فَجَعَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ حَرَماً

أقول فيه دلالة على ما قدمنا سابقا من الأخبار الواردة بنزوله(ع)بالهند محمول على التقية. و أما الجمع بين هذين الخبرين من نزول الياقوتة و ما تقدم من نزول الخيمة

فَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ‏

أَنَّ تِلْكَ الْخَيْمَةَ كَانَتْ يَاقُوتَةً.

و قيل في وجه الجمع بنزولهما متعاقبين أو متقاربين‏