خزانة التواريخ النجدية - ج1

- عبد الله بن عبد الرحمان آل بسام المزيد...
254 /
5

[الجزء الأول‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

مقدمة خزانة التواريخ النجدية

الحمد للّه الأول الآخر، الظاهر الباطن، المبدى‏ء المعيد، الذي بكل شي‏ء عليم. و الصلاة و السلام على خاتم الأنبياء و المرسلين، الذي كملت برسالته الرسالات، و تمت بنبوته النبوات، و على آله و صحبه و أتباعه الذين هم الآخرون زمنّا السابقون إلى دار الخلود.

صلاة و سلاما دائمين ما تعاقب الليل و النهار، و دارت الأفلاك و الأقمار، و أظلم الليل و أضاء النهار.

أمّا بعد: فإن التاريخ من العلوم المفيدة الممتعة تتداوله الأمم و الأجيال، و تعشق قراءته و سماعه كل الفئات، فأربابه كثيرون، و عشاقه لا يحصون، لما فيه من المتعة و اللذّة، و لما يعود به على القارى‏ء من فائدة.

فمن وعى التاريخ فكأنما أضاف أعمارا إلى عمره، و اطلع على أخبار الأولين و الآخرين. هذا مع سهولة قراءته و يسر فهمه.

و التاريخ فيه عبر و عظات، لما فيه من عرض لأحوال الأمم السالفة و الأجيال الماضية.

6

و لذا، فإن اللّه تبارك و تعالى أكثر من ذكر قصص الأمم الماضين في كتابه العزيز للاعتبار و الاتعاظ قال تعالى: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى‏ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَ حَصِيدٌ [هود: 100]، كما قال جل و علا: كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَ قَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً [طه: 99].

و أنا منذ نعومة أظفاري لي ولع بالتاريخ، و الذي نمّى هذه الرغبة والدي (رحمه اللّه تعالى)، فقد حفظت القرآن الكريم على يديه أنا و شقيقي الشيخ صالح بن عبد الرحمن البسام، و كان كلما مررنا بقصة نبي قصها علينا، و بيّن لنا ما جرى له مع قومه و ما انتهى إليه أمره، ثم صار يروي لنا السيرة النبوية و ما فيها من أحداث و غزوات، و كذلك أخبار الفتوحات الإسلامية، مما حببنا بالأخبار و السّير و التاريخ، و كان صاحب اطلاع واسع في ذلك.

هذا، و نحن في طور الصبا من أعمارنا.

ثم صرت أجالس كبار السن و الرواة من أسرتي (البسام) و غيرهم، من مثل:

1- الشيخ محمد سرور الصبان.

2- الأفندي الشيخ محمد نصيف.

3- الراوية محمد بن علي آل عبّيد.

4- الراوية محمد بن إبراهيم بن معتق، و غيرهم، فاستفدت ما عندهم من أخبار.

تاريخ نجد:

الجزيرة العربية و لا سيما منطقة نجد فهي منذ قامت الفتوحات‏

7

الإسلامية و صارت العواصم الإسلامية في غيرها، رحل عنها النابهون من أهلها من العلماء و الخطباء و الشعراء و الرواة و القراء و الفرسان و صاروا بجانب الخلفاء في تلك العواصم الإسلامية من الشام و العراق و مصر.

و أصبحت البلاد النجدية مهملة.

فخيّم عليها الجهل و الظلام و أهملت من جانب الخلافة الإسلامية، فلم يعد لها ذكر. و لم يدون ما جرى فيها من أحداث و أخبار بعد انتهاء الفتوحات زمن الخلفاء الأربعة.

ثم من القرن (التاسع) الهجري صرنا نرى بعض الترسيمات و التقييدات البسيطة بفقرات موجزة تشير إلى ما يحدث من فتن بين البلدان و القبائل، أو تشير إلى وفاة شهير بعلم أو غيره، أو تذكر خبر قحط أو خصب و نحو ذلك.

و هي مع هذا أخبار مقتضبة لا تعلل و لا تذكر أسباب تلك الأحداث، و أول من أطلعنا على ترسيماته جدنا الشيخ أحمد بن محمد بن بسام الذي توفي عام (1040 ه) ثم تلاه الشيخ أحمد المنقور، و الشيخ محمد بن ربيعة، ثم الشيخ ابن عباد، و الشيخ ابن يوسف، و الشيخ حمد بن لعبون.

ثم جاء بعد هؤلاء مؤرخان هما أوسع من قيّد أخبار نجد و هما:

الشيخ عثمان بن بشر بكتابه (عنوان- المجد)، و الشيخ إبراهيم بن عيسى بكتابه (عقد الدرر).

ثم جاء بعد هذا كله خالنا الشيخ عبد اللّه بن محمد البسام بكتابه (نزهة المشتاق). و الأستاذ مقبل بن عبد العزيز الذكير بكتابه (مطالع‏

8

السعود). و لقد حرصت على جمع هذه التواريخ (النجدية) المطبوع منها و الذي لا يزال مخطوطا، لإخرجها مجموعة باسم (خزانة التواريخ النجدية).

ولي أمل إن مدّ اللّه في العمر أن أعيد طباعتها بتحقيق و تعليق و إلحاق مصادر أخر. و لكني قدمت هذه المجموعة الآن بحالتها الحاضرة لتكون مساهمة في مناسبة مرور (مئة عام على تأسيس المملكة).

أسأل اللّه تعالى أن يحقق الأمل، و أن يعيننا إلى ما قصدنا و أردنا، و لا حول و لا قوة إلّا باللّه العلي العظيم.

و نشر هذه المجموعة التاريخية تعين من أراد البحث و الكتابة عن ما في البلاد النجدية من أخبار، و ما كانت عليه في أفكارها، و علمها، و حربها، و سلمها، و اقتصادها، و اجتماعها، و آثارها و غير ذلك من شؤون أهلها.

نسأل اللّه تعالى الإعانة و التوفيق و حسن القصد.

كتبه عبد اللّه بن عبد الرّحمن بن صالح آل بسّام‏

9

تاريخ ابن لعبون‏

تأليف المؤرخ العلامة حمد بن محمد بن ناصر بن لعبون (....- بعد 1257)

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

ترجمة المؤرخ الشيخ حمد بن محمد بن لعبون‏

و هذه ترجمة المؤلف المؤرخ و فقرات عن ابنه الشهير الشاعر الكبير محمد بن حمد بن لعبون تعليقات من كتابنا «علماء نجد» لكمال الفائدة:

الشيخ حمد بن محمد بن ناصر بن عثمان بن ناصر بن حمد بن إبراهيم بن حسين بن مدلج‏ (1)، الملقّب لعبونّا الوائلي العنزي نسبا من آل.

____________

(1) أما سبب تسميتهم- آل مدلج- فهو ما رواه المترجم له في تاريخه قال:

أول من عرفنا اسمه من أجدادنا- حسين- المشهور- ب: أبو علي- و كان في بلدة أشيقر صاحب فلاحة. و في أحد الأيام نزل قريبا من البلدة غزو من- آل حفيرة- شيخهم- مدلج الخياري-، و كانوا نحو ستمائة رجل فجذّ لهم من نخله الشي‏ء الكثير، و وضعه بين أسطر النخل، ثم خرج إليهم و دعاهم إلى ضيافته فأبوا، فعزم عليهم فجاؤوا فأكلوا، ثم عشاهم و باتوا عنده، فلما كان آخر الليل رحل الغزو خفية، فلما جاء الصباح و لم يجدهم، طووا الفرش التي كانت تحتهم، فوجد أبو علي أن شيخهم- مدلجا الخياري- قد وضع تحت الفراش كيسا ممتلئة بالنقود فركب أبو علي فرسا له، فلحقهم، ظنا منه أنهم نسوه، فامتنع مدلج أن يأخذها، و قال: إنما وضعتها لك على سبيل المعاونة لك على مروءتك، ثم عاد أبو علي و كانت زوجته حاملا، فقال: إن رزقنا اللّه ابنا سميناه-

12

مدلج. و مدلج هذا قال المترجم في تاريخه المخطوط: إن سبب تسمية جده بلعبون أن بندق ابن عمه- حمد بن حسين- ثارت عليه فنظمت شدقيه و برى‏ء، لكنه صار يسيل منه لعابه، فلقّب- بلعبون- و صارت ذريته يسمون- آل لعبون-. و هم من بني وهب من الحسنة أحد أفخاذ المصاليخ، أحد البطون الكبار للقبيلة الشهيرة عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان.

ولد في بلدة حرمة- إحدى بلدان سدير- و نشأ فيها و تعلّم، و صار اتجاهه إلى الأدب و التاريخ فعد من مؤرّخي نجد المعتبرين. و قد توفي والده محمد ابن ناصر- في حرمة عام 1181 ه.

ذكر ذلك في تاريخه المخطوط.

و لمّا استولى الإمام عبد العزيز بن محمد على بلدة حرمة عام 1193 ه، و أبعد بعض أكابرها، خرج منها المترجم له هو و عمه، و سكنا بلدة القصب إحدى بلدان الوشم، ثم ارتحلا إلى بلدة ثادق و ولد ابنه الشاعر فيها. قال المترجم له في تاريخه: و فيها- أي سنة 1205 ه- ولد الابن محمد بن حمد في ربيع الثاني. اه.

ثم إن الإمام عبد العزيز بن محمد جعل المترجم له كاتبا مع جباة الزكاة.

قال ابن بشر في «عنوان المجد»: و أخبرني حمد بن محمد

____________

- باسم هذا الرجل الكريم. فجاءهم ابن فسمّوه- مدلجّا- ا. ه. نقلا ملخصا من «تاريخ حمد بن لعبون» المخطوط. المؤلف. انظر تمام القصة (ص 14) من هذا الكتاب.

13

المدلجي، قال: كنت كاتبا لعمال علوي من مطير مرة في زمن عبد العزيز، فكان ما حصل منهم من الزكاة في سنة واحدة أحد عشر ألف ريال.

و لمّا خرج إبراهيم باشا إلى نجد و استولى على بلدانها، و هدم الدرعية عام 1233 ه، انتقل المترجم له إلى حوطة سدير و أقام فيها إلى عام 1338 ه، ثم انتقل منها إلى بلدة التويم، و صار إماما و خطيبا في البلدة المذكورة، و استوطنها هو و ذريته.

ألّف تاريخا عن نجد يعد من أحسن التواريخ لا يزال مخطوطا، و أكثر ما فيه لم يذكره مؤرخو نجد، و كأنهم لم يطلعوا عليه كما اطلعوا على «تاريخ الفاخري»، الذي سلخوه بلا رد شكر له.

و هذا التاريخ ألّفه رغبة لابن عمه التاجر الثري ضاحي بن عون المدلجي، فقد قال في مقدمة التاريخ: أما بعد فقد سألني من طاعته على واجبة، و صلاته إلي واصلة، أن أجمع له نبذة من التاريخ تطلعه على ما حدث بعد الألف من الهجرة، من الولايات و الوقائع المشتهرة، من الحروب و الملاحم، و الجدب و ملوك الأوطان، و وفيات الأعيان، و غير ذلك مما حدث في هذه الأزمان، خصوصا في الدولة السعودية الحنفية، فأجبته إلى ذلك، و رأيت أن أكمل له الفائدة و لغيره بمقدمة تكون كالأساس للبنيان. اه.

قال الشيخ إبراهيم بن عيسى: انتقل حمد بن محمد بن لعبون من بلد حوطة سدير و سكن بلد التويم و استوطنها هو و ذريته، و توفي فيها- (رحمه اللّه تعالى)-. و له كتاب في التاريخ مفيد وقفت عليه بخط يده،

14

و التقطت منه فوائد كثيرة. و له مشاركة في العلوم و كان حسن الخط.

فطبع من هذا التاريخ في عام 1357 ه بمطبعة أم القرى، و لكن لم يطبع منه إلّا المقدمة التي أشار إليها: بأنها أساس للتاريخ. أما التاريخ فلا يزال مخطوطا قليل النسخ.

و قد ذكر في هذا التاريخ ولادة أبنائه: محمد، و زامل، و ناصر، و حجاته و تنقلاته في البلدان. و لا داعي لنقلها هنا.

وفاته:

توفي في بلد التويم، و لم أقف على السّنة التي توفي فيها. إلّا أنه ذكر وفاة ابنه محمد في عام 1247 ه.

و له ثلاثة أبناء: محمد، و زامل، و عبد اللّه.

و أما ابنه محمد: فهو الشاعر النبطي الكبير المشهور. قال والده في تاريخه المخطوط: و في سنة خمس و مئتين و ألف ولد الابن محمد بن حمد بن لعبون الشاعر المشهور، و انتقل من بلدة ثادق إلى بلد الزبير و هو ابن سبعة عشر سنة. و له أشعار مشهورة عند العامة، نرجو اللّه أن يسامحه.

مات في الكويت في الطاعون الذي أفنى أهل البصرة، و الزبير، و الكويت عام 1247 ه. فيكون عمره اثنين و أربعين سنة. اه، من تاريخ أبيه.

***

15

تفصيل نسب آل لعبون‏

و هذا نسب آل لعبون نقلناه من كتاب «تحفة المشتاق» تأليف خالنا الشيخ عبد اللّه بن محمد بن عبد العزيز بن حمد البسام و سيأتي طرف منها في تاريخ المؤلف نفسه و نصه كما يلي:

و إليك تفصيل نسب آل مدلج، نقلته من تاريخ حمد بن محمد بن لعبون المعروف في بلد التّويم بقلمه، قال:

أول من سمّي لنا من أجدادنا حسين أبو علي، من بني وائل، ثم من بني وهب من الحسنة، و كان لوهب ولدان، و هما منبّه و عليّ، و هو جد ولد على المعروفين اليوم‏

و لمنبّه ولدان و هما حسن جدّ الحسنة، و صاعد جدّ المصاليخ.

و لصاعد ولدان و هما: يعيش وقوعي و النسل لهما.

فنزل حسين أبو علي المذكور في بلد أشيقر، و نزل عليه بعد ذلك في بلد أشيقر عدّة رجال من بني وائل، منهم: يعقوب أخو شميسة جدّ آل أبو ربّاع، أهل حريملاء من آل حسني من بشر.

و حتايت جدّ آل حتايت المعروفين من وهب من النّويطات.

16

و سليم جدّ آل عقيل منهم أيضا.

و توسّعوا في أشيقر بالفلاحة، و صار لهم شهرة و كثرت أتباعهم.

و نزل عندهم جدّ آل هويمل، و آل عبيد المعروفين الآن في التويم من آل أبو ربّاع.

و اشتهر حسين أبو علي في أشيقر بالسّخاء و المروءة و إكرام الضيف.

و في أثناء أمره أقبل غزو من آل مغيرة، و معهم أموال كثيرة، قد أخذوها من قافلة كبيرة بين الشام و العراق، فألقاهم الليل إلى بلد أشيقر، فنزلوا قريبا من نخل «أبو علي» و كانوا متبّرزين عن ضيافة البلد، فأمر أبو عليّ بجذاذ جملة من نخلة، و وضعه في الأرض بين أسطر النخل، ثم دعا الغزو المذكورين، و أميرهم حينئذ مدلج الخياري، المشهور في نجد بالشجاعة، و كثرة الغزوان، و هو رئيس عربان آل مغيرة، فدخلوا إليه، و أجلسهم على التمر، فأكلوا حتى شبعوا عن آخرهم، و هم نحو مائة رجل.

ثم أمر أبو علي مدلجا المذكور و رؤساء الغزو بالمبيت عنده، و ذبح لهم، و صنع لهم طعاما خصّهم به، فلما كان آخر الليل و عزموا على المسير وضع مدلج تحت الوسادة صرّة كبيرة فيها مال كثير، مما أخذوه من القافلة و ساروا، فلما كان بعد صلاة الصبح، و طووا الفراش وجدوا الصّرّة تحت الوسادة، فركب أبو عليّ فرسا له، فلحقهم ظنّا أنهم قد نسوها فأبى مدلج أن يأخذها و قال: إنما وضعتها لك على سبيل المعاونة لك على مروءتك، فرجع أبو عليّ بها. و كانت زوجته حاملا فقال لها: إن‏

17

ضيفنا البارحة من أهل المروءة و الكرم، فإن رزقنا اللّه ولدا ذكرا سمّيناه على اسمه مدلج، و ولدت ذكرا فسماه مدلجا.

و نشأ مدلج في بلد أشيقر، في حجر أبيه، ثم صار له بعد أبيه شهرة عظيمة، و اجتمع عليه من قرابته جماعات و من بني وائل، و تمكنوا في أشيقر بالمال و الرجال و الحراثة، فخافوا منهم الوهبة أهل أشيقر، أن يضمعوا في البلد، فتمالأوا الوهبة على إجلائهم من البلد، بلا تعدّ منهم في دم و لا مال.

و كان أهل أشيقر قد قسموا البلد قسمين: يوم يخرجون الوهبة بأنعامهم و سوانيهم للمرعى، و معهم سلاحهم، و ذلك أيّام الربيع، و يقعد بنو وائل في البلد، يسقون زروعهم و نخيلهم، و يوم يخرج فيه بنو وائل بأنعامهم و سوانيهم، و يقعدون الوهبة، يسقون زروعهم و نخيلهم.

فقال الوهبة بعضهم لبعض: إنّ الرأي إذا كان اليوم الذي يخرج فيه بنو وائل للمرعى، و انتصف النهار، أخرجنا نساءهم و أولادهم و أموالهم خارج البلد، و أغلقنا أبواب البلد دونهم، و أخذنا سلاحنا و جعلنا في البروج بوارديّة، يحفظون البلد ببنادقهم، فإذا رجع بنو وائل منعناهم من الدخول، ففعلوا ذلك. فلما رجع بنو وائل آخر النهار، منعوهم من الدخول، و قالوا لهم: هذه أموالكم و نساؤكم و أولادكم قد أخرجناها لكم، و ليس لنا في شي‏ء من ذلك طمع، و إنّما نخاف من شرور تقع بيننا و بينكم، فارتحلوا عن بلدنا، ما دام نحن و أنتم أصحابا. و من له زرع فليوكّل وكيلا عليه منا، و نحن نقوم بسقيه حتى يحصد. و أما بيوتكم و نخيلكم فكل منكم يختار له وكيلا منّا، و يوكّله على ماله، فإذا سكنتم في‏

18

أي بلد، فمن أراد القدوم إلى بلادنا لبيع عقاره فليقدم، و ليس عليه بأس، و ليس لنا طمع في أموالكم، و إنما ذلك خوفا منكم أن تملكوا بلدنا و تغلبونا عليها فنمّ الأمر بينهم على ذلك.

ثم رحل بنو وائل، مدلج و بنوه و جدّ أهل حريملاء و سليم، و جد آل هويمل الذين منهم آل عبيد المعروفون في التّويم، و القصارى المعروفون في الشّقّة من قرى القصيم، و آل نصر اللّه المعروفون في الزّبير، فاستوطنوا بلد التّويم.

و كان أول من سكنها مدلج و بنوه ثم اجتمع عليه قرابته.

و كانت بلد التّويم قبل ذلك قد استوطنها أناس من عايذ بني سعيد، بادية و حاضرة، ثم إنهم جلوا عنها و دمرت، و عمرها مدلج و بنوه، و ذلك سنة 700 تقريبا.

و نزل آل حمد و آل «أبو ربّاع» في حلة، و آل مدلج في حلة البلد. ثم إنه بدا لآل حمد الارتحال و التفرّد لهم في وطن، فسار عليّ بن سليمان بن حمد الذي هو أبو حمد الأدنى، و راشد، و توجه إلى وادي حنيفة، فقدم علي بن معمّر رئيس العيينة، و كان قد صار طريقه على أرض حريملاء، و فيها حوطة لآل «أبو ريشة» الموالي، قد استوطنوها قبل ذلك، ثم ضعف أمرهم، و ذهبوا، و استولى عليها ابن معمّر، و ذلك بعد دمار ملهم، انتقال شرايد أهله إلى بلد العيينة، فساوم عليّ بن سليمان المذكور ابن معمّر في حوطة حريملاء، و اشتراها منه بست مائة أحمر، و انتقل إليها من التّويم، و سكنها هو و بنو عمه سويد و حسن ابنا راشد آل حمد، و جدّ آل عدوان، و جدّ البكور، و آل مبارك و غيرهم من بني بكر بن وائل و ذلك سنة 1045 ه.

19

ثم إنّ سليما جد آل عقيل قدم على ابن معمّر من بلد التّويم، فنزل عنده في بلد العيينة فأكرمه، و نشأ ابنه عقيل بن سليم، و صار أشهر من أبيه و له ذرية كثيرة.

و أما مدلج فإنه تفرّد في بلد التّويم هو و أتباعه و جيرانه، و عمروه و غرسوه.

ثم نشأ ابنه حسين بن مدلج، و عظم أمره، و صار له شهرة، و له أربعة أولاد: إبراهيم، و إدريس، و مانع، و حسن، و صار لهم صيت.

فأما إدريس فإنه أعقب زامل أبو محمد و الفارس المشهور، الذي قتل في وقعة القاع سنة 1084 ه، و هي وقعة مشهورة بين أهل التّويم بأهل جلاجل، قتل فيها محمد بن زامل بن إدريس رئيس بلد التّويم، المذكور، و إبراهيم بن سليمان بن حمّاد بن عامر الدوسريّ رئيس بلد جلاجل.

و محمد المذكور هو أبو فوزان جد عبد اللّه بن حمد بن فوزان، و مفبز جدّ مفيز بن حسين بن مفيز بن حسين و هم من آل زامل.

و أما مانع فهو جد آل حزيم بن مانع المعروفين.

و أما حسن فهو جد آل جطيل و المفارعة.

و أما إبراهيم بن حسين فإنه ارتحل في حياة أبيه إلى موضع بلد حرمة المعروفة، و هي مياه و آثار منازل، قد تعطلت، من منازل بني سعيد من عايذ، و نزلها إبراهيم المذكور، و عمرها و غرسها، و نزل عليه كثير من قرابته و أتباعه، و تفرّد بملكها عن أبيه و إخوته.

و كان نزول إبراهيم بن حسين بن مدلج المذكور بلد حرمة و عمارته‏

20

لها تقريبا سنة 770 ه، و عمارة بلد المجمعة سنة 820 ه.

ثم إنه توفي حسين بن مدلج في بلد التّويم، و صار أميرها بعده ابنه إدريس.

فأما إبراهيم بن حسين فإنه استقر في بلد حرمة و كان لأبيه فداويّ فارس يقال له عبد اللّه الشمريّ من آل ويبار، من عبدة من شمّر، فلما مات حسين المذكور قدم على ابنه إبراهيم في حرمة، و طلب منه قطعة من الأرض لينزلها و يغرسها، فأشار أولاد إبراهيم على أبيهم أن يجعله أعلى الوادي، لئلا يحول بينهم و بين سعة الفلاة و المرعى، فأعطاه موضع المجمعة المعروفة. و صار كلما حضر أحد من بني وائل و طلب من إبراهيم و أولاده النزول عندهم، أمروه أن ينزل عند عبد اللّه التّمّري طلبا للسعة و خوفا من التّضييق عليهم، في منزل و حرث و فلاة، و لم يخطر ببالهم النظر في العواقب، و أن أولاد عبد اللّه الشّمّري و جيرانهم لا بدّ أن ينازعوهم بعد ذلك و يحاربوهم فيكون من ضمّوه إليهم تقوية لهم عليهم.

فأتاهم جدّ التواجر و هو من جبارة من عنزة.

و وجدت في بعض التواريخ أن التواجر من بني وهب من النّويطات من عنزة، و جدّ آل بدر و هو من آل جلاس من عنزة، و جدّ آل سحيم من الحبلان من عنزة.

و جد التّمارى من زعب، و غيرهم فنزلوا عند عبد اللّه الشمّري.

و كان أولاد عبد اللّه الشّمّري ثلاثة: سيف، و دهيس، و حمد.

فأما حمد فهو أبو سويد، و ذريّته في الشّقة المعروفة من قرى القصيم.

21

و أما سيف فهو أبو علي و غانم و إبراهيم.

فأما غانم فهو أبو مجحد، جدّ آل مجحد المعروفين.

و أما إبراهيم بن سيف فهو أبو الشيخ عبد اللّه بن إبراهيم بن سيف، العالم المشهور، في المدينة على ساكنها أفضل الصلاة و السلام، و الشيخ عبد اللّه هذا هو أبو الشيخ العالم العلامة إبراهيم بن عبد اللّه بن سيف بن عبد اللّه الشمريّ المتوفى في المدينة المنورة سنة 1189 ه، (رحمه اللّه تعالى)، و هو مصنف كتاب «العذب الفائض شرح ألفية الفرايض» و له عقب في المدينة المنورة.

و أما سيف فهو أبو علي و غانم و إبراهيم.

فأما غانم فهو أبو مجحد، جدّ آل مجحد المعروفين.

و أما إبراهيم بن سيف فهو أبو الشيخ عبد اللّه بن إبراهيم بن سيف، العالم المشهور في المدينة، على ساكنها أفضل الصلاة و السلام، و الشيخ عبد اللّه هذا هو أبو الشيخ العالم العلامة إبراهيم بن عبد اللّه بن سيف بن عبد اللّه الشمّري، المتوفى في المدينة المنورة سنة 1189 ه، (رحمه اللّه تعالى)، و هو مصنف كتاب «العذب الفائض شرح ألفية الفرايض»، و له عقب في المدينة المنورة.

و أما عليّ بن سيف فهو أبو حمد بن علي المشهور.

و عثمان جد آل فايز و آل فوزان.

و أما حمد بن علي بن سيف فهو أبو عثمان، و منصور، و ناصر الشيوخ المعروفون في بلد المجمعة.

22

و عثمان بن حمد بن علي بن سيف بن عبد اللّه الشّمّريّ، هذا هو الذي عناه حميدان الشّويعر بقوله:

الفيحا ديرة عثمان‏* * * و مقابلتها بلاد الزّيره‏

و هو جدّ آل عثمان شيوخ المجمعة في الماضي، الذين من بقيتهم اليوم في المجمعة آل مزيد المعروفين.

و باقي اليوم من آل سيف آل محرج، و آل حمّاد، و آل جبر، و آل فايز، و آل مفيز، و آل مجحد.

و أما دهيش بن عبد اللّه الشّمّري فله عدة أولاد، و صار بينهم و بين بني عمهم آل سيف ابن عبد اللّه الشّمّري حروب عظيمة، عند رياسة بلد المجمعة، و صارت الغلبة لآل سيف، فارتحلوا آل دهيش إلى بلد حرمة، و سكنوا عند آل مدلج، و كانوا أصهارا لهم، فقاموا معهم في حرب آل سيف، و وقع بينهم حروب كثيرة و قتل من الفريقين عدّة قتلى، منهم عثمان بن ناصر بن حمد بن إبراهيم بن حسين بن مدلج الوائلي الشجاع المشهور، و هو الملقب ب لعبون و هو جد آل لعبون.

و قد تقدم ذكر السّبب الذي أوجب تسميته بهذا الاسم.

و قد انقطعوا آل دهيش ابن عبد اللّه الشّمّريّ، ما نعلم اليوم منهم أحدا.

و أما إبراهيم بن حسين بن مدلج الوائليّ صاحب بلد حرمة فأولاده أربعة: محمد و عبد اللّه، و إسماعيل، و حمد.

فأما محمد فأولاده: حمد، و إبراهيم، و مانع.

23

و لحمد بن محمد ولدان: محمد، و ناصر.

و أولاد محمد بن حمد بن محمد خمسة: إبراهيم، و ناصر و محمد، و عثمان، و عبد اللّه. و أما إبراهيم بن محمد بن إبراهيم فهو جد آل مانع.

و المشهور منهم اليوم ذرية مانع بن إبراهيم و هم: إبراهيم أبو عودة، و مانع، و محمد، و عثمان، و محمد. فيكون عودة و أخوه عبد العزيز ابني إبراهيم بن عودة بن إبراهيم بن مانع بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن حسين بن مدلج ابن حسين الوائلي.

و أما محمد فهو جد آل المعيبيّ هؤلاء آل محمد.

و أما آل عبد اللّه بن إبراهيم بن حسين فهم المعروفون اليوم بالحسانا غلب عليهم الاسم و إلّا فهم و قبيلتهم في النّسبة إلى حسين سواء.

و الموجود منهم: آل حمد بن عبد الوهاب بن حمد، و آل حمد بن جاسر بن محمد بن عبد اللّه بن إبراهيم بن حسين.

و أما إسماعيل بن إبراهيم بن حمد بن حسين فله من الولد: مانع، و إبراهيم، و الباقي من ذريتهم اليوم ذرّيّة محمد بن إبراهيم بن عون بن إبراهيم بن إسماعيل، و حمد بن عبد اللّه بن مانع بن إسماعيل منهم ضاحي بن محمد بن عون بن إبراهيم بن إسماعيل التاجر المشهور المتوفى في بلد بمبي من بلاد الهند سنة 1260 ه.

و أما حمد بن إبراهيم بن حسين بن مدلج فهو أبو ناصر و إبراهيم و حسين. و ناصر خمسة أولاد: حمد و عثمان و عبد اللّه و عون و إبراهيم.

فأما حمد فمات و لم يعقب.

24

و أما عون بن ناصر فله: إبراهيم قتل في مغيرا.

و أما إبراهيم فله عبد اللّه اليابس، الشجاع البوارديّ المشهور، و مبارك. و أما عثمان فله: ناصر و حمد و عبد اللّه.

و لناصر ستّة أولاد: محمد، و عليّ، و عبد اللّه، و عثمان، و فرج، و فوزان.

فخلّف محمد بن ناصر حمد، و خلف عبد اللّه ناصر.

و لناصر ثلاثة أولاد: عبد العزيز، و إبراهيم، و محمد.

و لفراج بن ناصر ثلاثة أولاد: فراج، و ناصر، و زيد.

و أما فوزان بن حمد و عثمان بن ناصر فانقطعوا.

و مات محمد بن ناصر أبو كاتب هذه الشجرة سنة 1182 ه.

و أما حمد بن عثمان بن ناصر فله ثلاثة أولاد: عثمان و فوزان و محمد.

و أما حسين بن حمد بن إبراهيم فله: عبد اللّه و عثمان أبو حسين العميم.

و لمحمد بن ناصر بن عثمان بن ناصر بن حمد بن إبراهيم بن حسين بن مدلج الملقب بابن لعبون ولد: و هو حمد بن محمد كاتب هذه الشجرة.

و لحمد بن محمد كاتب هذه الشجرة ثلاثة أولاد:

محمد الشاعر المشهور، المولود في بلد ثادق سنة 1205 ه وقت جلوتنا.

25

و ذلك أن عبد العزيز بن محمد بن سعود لما ملك بلد حرمة أمر بهدم بعض بيوتها، و قطع بعض نخيلها، و جلا بعض أهلها و ذلك سنة 1193 ه.

و كان ممن جلا حمد بن محمد كاتب هذه الشجرة، و عمه فراج و أولاده، و سكنوا في القصب، ثم ارتحلوا منها إلى ثادق، و ولد الابن محمد بها كما ذكرنا، و حفظ القرآن، و تعلم الحظّ، و كان خطّه فائقا، و تكلم بالشعر في صغره، و مدح عمر بن سعود بن عبد العزيز بقصائد كثيرة، ثم سافر قاصدا بلد الزّبير، و هو ابن سبعة عشر سنة، و صار نابغة وقته في الشعر، و له أشعار مشهورة عند العامة، نرجو اللّه أن يسامحه.

و لم يزل هناك إلى أن توفي في بلد الكويت سنة 1247 ه في الطاعون العظيم الذي عمّ العراق و الزّبير و الكويت، هلكت فيه حمايل و قبايل، و خلت من أهلها منازل، و بقي الناس في بيوتهم صرعى لم يدفنوا، فلا حول و لا قوة إلّا باللّه العلي العظيم.

فيكون عمره اثنين و أربعين سنة، و ليس له عقب (رحمه اللّه).

و إخوته زامل و عبد اللّه ساكنان مع أبيهما في بلد التّويم، و ذلك أن إبراهيم باشا لما أخذ الدرعية سنة 1233 ه، ارتحلت أنا و العم فراج من ثادق، و معه أولاده، فسكن العمّ فراج و أولاده في حرمة، و أما أنا فسكنت في حوطة سدير، فلما كان سنة 1238 ه ارتحلت بأولادي إلى بلد التّويم، و سكنت فيه و جعلته وطنا، و الحمد للّه رب العالمين.

***

26

صورة من تاريخ ابن لعبون المخطوط

27

هذه ورقة من تاريخ ابن لعبون المخطوط

28

هذه صحيفة من تاريخ حمد بن لعبون المخطوط فيها ذكر ولادات أبنائه‏

29

[مقدمة]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه رب العالمين، و صل اللهم على سيدنا محمد الصادق لأمين، و على آله و صحبه أجمعين.

أمّا بعد: فقد سألني من إجابته عليّ واجبة، و منته و صلته إليّ واصلة واصبة، ابن العم الشفيق الذي بمنزلة الأخ الشقيق، المؤيد من اللّه اللطف و العون الشيخ: ضاحي بن محمد بن إبراهيم بن عون، أن أثبت له نسب قبيلته المسمّين بآل مدلج، طلبا منه لحفظ الأنساب، و للمواصلة التي توجب الثواب.

فأجبته إلى ذلك، و كتبت برسمه ما بلغني و تلقيته من أشياخ القبيلة مثل: عبد اللّه بن أحمد بن فواز، و حمد بن عبد اللّه بن مانع و غيرهما، و ما رأيته في الوثائق بخط العلماء.

و أحببت أن أذكر قبل ذلك مقدمة تكون كالأساس في البنيان؛ ينتفع بها المنتهي فضلا عن المبتدى‏ء في هذا الشأن.

و أذكر فصولا تتعلق بالمقصود من الأنساب، و تطلع ما غاب عن أكثر الطلاب على سبيل التلخيص و الاختصار، حاذفا ذكر القائل و الناقل‏

30

في جميع الأخبار إلّا النزر القليل؛ استغناء عن التطويل، ملتقطا له من كتب عديدة في هذا الشأن معتمدة عند أهل الأذهان.

فأقول و أنا الفقير إلى اللّه الغني، حمد بن محمد بن ناصر بن عثمان بن ناصر بن حمد بن إبراهيم بن حسين بن مدلج الوائلي الحنبلي.

أما المقدمة: فاعلم علمك اللّه البيان، و أصلح لك الشأن، و صانك عن كل ما عاب و شان، و أثبت لأصلك الفرع و الأغصان:

إن اللّه تعالى لما أهبط آدم إلى الأرض، كما ذكر ابن الجوزي و غيره، أنه عاش ألف سنة، و ولدت له حواء أربعين بطنا توأما، في كل بطن ذكر و أنثى [أولهم قابيل و توأمته‏] و تزاوجوا.

و لم يمت آدم حتى رأى من ولده و ولد ولده أربعين ألفا، و انقرض نسلهم غير نسل شيث، و هو خليفة أبيه.

[و كذا في تاريخ ابن جرير: أن حواء ولدت أربعين ولدا، و قيل مئة و عشرين‏].

و كان بين موت آدم و ولادة نوح ألف و ست مئة و اثنان و أربعون سنة، و من الآباء نحو ثمانية، فهو: نوح بن لامخ بن متوشلح بن أخنوخ بن برد بن مهلايل بن قينان بن أنوش بن شيث.

قال قتادة: و كان بين آدم و نوح عشرة قرون، كلهم على الهدى.

ثم حدث فيهم الشرك، فأرسل اللّه إليهم نوحا، فكذبوه و آذوه.

فأهلكهم اللّه بالطوفان. و كان الطوفان عاما على القول الصحيح، و المجوس تنكره، و بعضهم يخصه ببابل. و أنجى نوحا و أصحاب السفينة،

31

و كان منهم أولاد نوح الثلاثة، و هم: سام، و حام، و يافث، و غيرهم.

و أكثر ما قيل: أن أهل السفينة ثمانون رجلا، و انقرض نسلهم إلّا بني نوح. [و الصحيح: أن جميع أهل الأرض من ولد نوح، لقوله تعالى:

وَ جَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ‏ [الصافات: 77].

فسام أبو العرب، و فارس، و الروم.

و أما حام، فهو أبو السودان على اختلاف أجناسهم من: الحبش، و النوبة، و الزيلع، و البجا، و الدمادم، و الإفرنج، و التكرور، و الكانم.

و أديانهم الكفر، و عقائدهم مختلفة.

قال جالينوس: إنهم يختصون بعشر خصال: تفلفل الشعر، و خفة اللحى، و انتشار المنخرين، و غلظ الشفتين، و تحديد الأسنان، و نتن الجلد، و سواد اللون، و تشقق اليدين و الرجلين، و طول الذكر، و كثرة الطرب. و أجناسهم أكثر أهل الأرض. و أكثر أوطانهم الخصب، و الريف.

و أوطانهم من سواحل النيل الجنوبية إلى حدود المشرق.

و أما يافث، فهو أبو يأجوج و مأجوج، و أبو الترك على اختلاف أجناسهم. و قاعدة مملكتهم و سلطتهم إقليم الصين من بلاد المشرق.

و منهم التتار الذين أهلكوا كثيرا من أهل بلاد الإسلام، حتى وصلوا إلى بغداد و ملكوا العراق، و قتلوا الخليفة المستعصم العباسي.

و استقرت سلطتهم فيه إلى أن أبادهم اللّه. و انخزل أيضا طائفة من الترك، من المشرق من بلاد ماهان نحو خمسين ألف بيت مختارين للإسلام، قاصدين بلاد الروم، و جهاد الكفار مع سليمان طغرل، فهلك في الطريق.

32

و سار ابنه طغرل، و ابن ابنه عثمان بن طغرل، حتى قدموا على سلطان بلاد الروم علاء الدين السلجوقي، المنسوب إلى الترك، فأكرمهم و أذن لهم في جهاد الكفار، ثم توفي طغرل سنة 689 ه.

و كان أجّل أولاده عثمان، فأسند السلطان أموره إليه لما رأى نجدته و شجاعته وجده في جهاد الكفار، و أكرمه و بعث إليه بالراية السلطانية، فلم يزل يتداولها بنوه إلى أن وصلت إلى سلطان الوقت محمود بن مصطفى الموجود حال التأريخ سنة 1254 ه. و محمود بن عبد الحميد، تمام ثلاثين سلطانا أولهم عثمان.

و أما سام بن نوح، فهو أبو العرب، و الروم، و بني إسرائيل، و فارس. و أغلب أوطانهم و منازلهم جزيرة العرب، و هي على ما ذكر في القاموس: ما أحاط بحر الهند، و بحر الشام، ثم دجلة و الفرات. أو: ما بين عدن أبين إلى ظاهر الشام طولا، و من جدة إلى ريف العراق عرضا.

و حددها السيوطي في قلائده، فقال: اعلم أن مساكن العرب في ابتداء الأمر كانت بجزيرة العرب الواقعة بين أوساط المعمور، و أعدل أماكنه، و أفضل بقاعه حيث الكعبة الحرام، و تربة أشرف الخلق نبيّنا محمد (صلى اللّه عليه و سلم).

و هذه الجزيرة متسعة الأرجاء، يحيط بها من الغرب: بعض بادية الشام حيث البلقاء إلى أيلة، ثم إلى القلزم الآخذ من أيلة حيث العقبة الموجودة بطريق حجاج مصر، إلى الحجاز، إلى أطراف اليمن حيث حلى، و زبيد، و ما داناهما.

و من جهة الجنوب: بحر الهند المتصل به بحر القلزم من جهة

33

الجنوب إلى عدن، إلى أطراف اليمن حيث بلاد مهرة على ظفار و ما حولها.

و من جهة المشرق: بحر فارس الخارج من بحر الهند إلى جهة الشمال، إلى بلاد البحرين، ثم إلى البصرة، ثم إلى الكوفة من بلاد العراق.

و من جهة الشمال: الفرات أخذا من الكوفة على حدود العراق، إلى عانة، إلى بالس من بلاد الجزيرة الفراتية، إلى البلقاء من برية الشام حيث وقع الابتداء.

و دور هذه الجزيرة فيما ذكره في تقويم البلدان: سبعة أشهر، و أحد عشر يوما تقريبا بسير الأثقال.

قال المدائني: و جزيرة العرب هذه تشتمل على خمسة أقسام:

تهامة، و نجد، و حجاز، و عروض، و يمن. اه.

فصل [قال السيوطي: و اعلم أن اليمن كان هو منازل العرب العاربة]

من عاد، و ثمود، و طسم، و جديس، و أميم، و جرهم، و حضرموت، و من في معناهم. ثم انتقلت ثمود منهم إلى الحجر من أرض الشام، و كانوا به حتى هلكوا، كما ورد به القرآن الكريم.

و هلك بقايا العاربة باليمن من عاد و غيرهم، و خلفهم بنو قحطان بن عابر، فعرفوا بعرب اليمن إلى الآن، و بقوا فيه إلى أن خرج منه عمرو مزيقيا عند توقع سيل العرم. و كانت أرض الحجاز منازل بني عدنان إلى أن غزاهم بختنصر، و نقل من نقل منهم إلى الأنبار من بلاد العراق.

34

و لم تزل العرب بعد ذلك كله في التنقل عن جزيرة العرب، و الانتشار في الأقطار إلى أن كان الفتح الإسلامي، فوغلوا في البلاد إلى أن وصلوا إلى بلاد الترك و ما داناها.

و نزل منهم طائفة بالجزيرة الفراتية، و صاروا إلى أقصى المغرب، و جزيرة الأندلس، و بلاد السودان. و ملأوا الآفاق، و عمروا الأقطار.

و صار بعض عرب اليمن إلى الحجاز، فأقاموا به. و ربما صار بعض عرب الحجاز إلى اليمن، فأقاموا به، و بقي منهم في الحجاز و اليمن على ذلك إلى الآن. و تفرقوا بالأقطار، منتشرين في الآفاق، و قد ملأوا ما بين الخافقين. اه.

ثم إن بني سام تناسلوا حتى انتهى النسب إلى عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام. قيل: إن عابر هو النبي هود (عليه السلام). و من ولدي عابر لصلبه: فالغ و قحطان، فافترقت القبائل الإبراهيمية و القحطانية.

و كان بين نوح و إبراهيم آباء يأتي ذكرهم في عمود النسب النبوي.

ثم تفرقت قبائل العرب، و بني إسرائيل، و الروم، و فارس، من إبراهيم، فإسماعيل أبو العرب سوى بني قحطان على قول من يجعله قحطان بن عابر بن شالح بن أزفخشد بن سام بن نوح، و لا خلاف أن عدنان من ولده.

و أما إسحاق بن إبراهيم، فهو أبو يعقوب المسمى إسرائيل، فذريته بنو إسرائيل أنبياؤهم و أممهم.

و أما العيص بن إسحاق، فذريته الروم، و في قول بعضهم: و فارس.

35

و لا خلاف أن عدنان من ولد إسماعيل، و لكن الخلاف في عدة الآباء الذين بين عدنان و إسماعيل؛ فعد بعضهم بينهم آباء كثيرة، و عد بعضهم سبعة.

و الذي ذكره البيهقي قال: عدنان بن أدد بن المقوم بن ناحور بن تيرح ابن يعرب بن يشجب بن ثابت بن إسماعيل.

و أما الذي ذكره الحلواني في شجرة النسب- و هو المختار- فهو:

عدنان ابن أد بن أدد بن اليسع بن الهميسع بن سلامان بن نبت بن حمل بن قيدار ابن إسماعيل.

و الذي ذكر ابن إسحاق نحو ما ذكر البيهقي، قال البيهقي: كان شيخنا أبو عبد اللّه- يعني الحاكم- يقول: نسبة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) صحيحة إلى عدنان. و ما وراء عدنان، فليس فيه شي‏ء يعتمد عليه.

قال القضاعي في كتابه «عيون المعارف»: لقد روي أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «لا تجاوزوا معد بن عدنان كذب النسابون»، ثم قرأ: وَ قُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً [الفرقان: 38]. و لو شاء اللّه أن يعلمه علمه.

قال التوزري: الصحيح أنه من قول ابن مسعود، و علي. و الذي عليه البخاري و غيره من العلماء موافقة ابن إسحاق على رفع النسب، و يسمون بني إسماعيل العرب المستعربة.

و أما العرب العاربة، فهم بنو قحطان بن عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام.

قال السيوطي: و شذ بعضهم، فقال: قحطان بن الهميسع بن يثمن‏

36

ابن نبت بن إسماعيل. فعلى قولهم تكون العرب كلها من ولد إسماعيل.

قال: و من العرب من ينسب إلى قحطان نفسه إلى الآن.

فصل في ذكر بني قحطان‏

و كان لقحطان عدة أولاد نحو أربعة عشر، منهم: يعرب، و جرهم، و حضر موت. و ملك اليمن بعده ابنه يشجب. و ولد يشجب سبأ، فملك اليمن بعد أبيه.

و كان لسبأ عدة أولاد، و اشتهر منهم خمسة. و من نسلهم جميع قبائل اليمن. و هم:

حمير، و من عقبه كانت ملوك اليمن من التبابعة. و من نسله:

قضاعة بن مالك بن حمير.

الثاني من أولاد سبأ: كهلان أبو القبائل الكثيرة، منهم: بنو جفنة، و قبائل الأزد من الأوس و الخزرج و غيرهم، و قبائل همدان بن زيد، و كندة، و لخم، و جدام، و طيى‏ء، و مذحج، و صدى، و خولان، و أنمار.

الثالث: عمرو بن سبأ، و بعضهم يجعل من عقبه: لخم، و جذام.

فأما حمير، فالمشهور منهم غير التبابعة و الأذواء: بنو قضاعة.

و المشهور من قبائل قضاعة ثمان عمائر:

العمارة الأولى: جهينة بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحافي ابن قضاعة.

العمارة الثانية: بلى بن عمرو بن الحافي.

37

العمارة الثالثة: بنو كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحافي. و منازلهم في الجاهلية؛ دومة الجندل و تبوك. و جاء الإسلام، و عليهم الأكيدر.

العمارة الرابعة: بهرا بن عمرو بن الحافي.

العمارة الخامسة: تنوخ، قال أبو عبيد هم ثلاثة بطون: نزار، و الأحلاف، و فهم.

العمارة السادسة: نهد بن زيد بن سود بن أسلم بن الحافي.

العمارة السابعة: بنو مهرة بن حيدان بن عمرو بن الحافي.

العمارة الثامنة: جرم بن زبان بن حلوان بن عمران بن الحافي.

و أما كهلان بن سبأ، قال في «العبر»: و العدد فيهم أكثر من حمير، فالمشهور منهم ثمان عمائر:

الأولى: جذام، و جعلهم صاحب حماة من بني عمرو بن سبأ هو و أخوه لخم، و يتفرع من جذام أحد و عشرون بطنا ما بين صغار و كبار.

العمارة الثانية: من كهلان لخم، و لخم و جذام عما كندة.

العمارة الثالثة: كندة و بلادهم باليمن.

العمارة الرابعة: طيى‏ء بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد ابن كهلان.

و يتفرع من طيى‏ء: أفخاذ و عمائر كثيرة.

فمن أفخاذهم: بنو سلسلة بن غنم بن ثوب بن معن بن عتود بن عنين بن ثعل البطن المعروف. و منهم بنو عدي البطن بن أفلت بن‏

38

سلسلة بن عمرو بن سلسلة. و من بن عدي بنو ربيعة بن حازم بن علي بن المفرج بن دغفل بن جراح بن شبيب بن مسعود بن سعيد بن حرب بن الربيع بن علفى بن حوط بن عمرو بن خالد بن سعيد بن عدي.

قال الحمداني: كان ربيعة هذا قد نشأ في أيام الأتابك: زنكي و ابنه العادل نور الدين محمود صاحب الشام، و نبغ من بين العرب، و ولد له أربعة: فضل، و مر، و نابت، و دغفل. و كلهم توارثوا أرض غسان بالشام و ملكهم على العرب، ثم صارت الرياسة لآل عيسى بن مهنا بن فضل بن ربيعة يتداولونها. و منازلهم من حمص إلى جعبر إلى الرحبة، آخذين على شفاء الفرات إلى نوحي البصرة. و ينضم إليهم من سائر العرب: زعب، و آل حرب، و بنو كلب، و كلاب، و آل خالد حمص، و خالد الحجاز الذين منهم آل جناح، و الضبيبات من مياس، و الجبور، و الدعم، و القرشة، و الثبوت، و المعامرة، و العلجان، و فرقة من عائد، و آل يزيد و الدواسر.

قال المقر بن فضل اللّه آل عيسى بن مهنا: هم ملوك البر ما بعد و اقترب، و سادات الناس، و لم تصلح على غيرهم العرب و ذكر في الثناء عليهم كلاما طويلا.

الفخذ الثاني: آل مرا بن ربيعة قال في «مسالك الأبصار»: و ديارهم من بلاد الحيدور، إلى الزرقاء، إلى بصرى، و شرقا إلى الحرة المعروفة بحرة كشب قرب مكة إلى شعباء، إلى الهضب المعروف بهضب الراقي، و يدخلهم في إمرتهم من العرب حارثة، و بنو لام، و مدلج، و بنو صخر، و زبيد حوران، و يأتيهم من عرب البرية آل ظفير، و المفارجة، و آل غزى، و آل برجس، و الخرسان، و آل مغيرة، و آل فضل، و بنو حسين الشرفاء،

39

و البطنان، و مطير، و عنزة، و خثعم، و عدوان، و غيرهم.

الفخذ الثالث: آل عليّ: و هم بنو علي بن حديثة بن غضبة بن فضل المقدم.

قال في «مسالك الأبصار»: و هم و إن كانوا من ضئضى‏ء آل فضل فقد انفردوا منهم حتى صاروا طائفة أخرى، و ديارهم مرج دمشق و غوطتها إلى الجوف و الحيانية إلى الشبكة إلى تيماء، و من أفخاذ طيى‏ء بنو سنبس بن معاوية بن جرول بن ثعل البطن المعروف بن عمرو بن الغوث بن طيى‏ء، و عدّ الحمداني منهم ثلاثة أحياء و هم: الخزاعلة، و بنو عبيد، و جموح.

قال: و كان لهم شأن أيام بني عبيد القداح، و من بطون طيى‏ء أبيّ ابن غنم بن حارثة الثعلى.

و ولد لأبي سيف و مسعود و حارثة و حضنتهم أمة يقال لها: غزية، فغلبت عليهم.

قال الحمداني: و منهم قوم بالشام و العراق و الحجاز و فيما بينها.

قال: و هم بطون و أفخاذ ترجع إلى أصلين هما: البطنان، و أجود، فمن البطنان آل دعيج، و آل روق، و آل مسعود، و آل تميم.

و من الأجود: آل منيع، و آل سعيد، و آل سند، و آل ابن الحرم، و آل علي و ساعدة، و بني حميد و بني مالك،- و ذكر ابن فضل اللّه أنهم تارة بعصون و تارة يطيعون.

قال في «مسالك الأبصار»: و منهم طائفة بطريق الحجيج البغدادي، مياههم اليحموم، و اللغيف و المعينة.

40

قال: و ذكر لي نصر بن برجس أن دار آل أجود الرخيمية و الدفينة و لينة، و زرود، و ديار آل عمرو بالجوف، و ديار بقاياهم: اللصيف، و اليحموم، و اللام، و المعية، و يليهم ديار ساعدة من الخضراء إلى برية زرود، ثم آل خالد، و دارهم: التنومة، و حنيذ، و أبو الديدان، و القربع، و الكوارة إلى الرسوس إلى عنيزة إلى وضاخ إلى جبلة إلى السر إلى العودة إلى العشيرية إلى الأنجل. انتهى كلام صاحب المسالك.

و من بني ثعل: بنو عدي بن أخزم بن ربيعة بن أبي أخزم، و اسمه هزومة بن ثعل.

فمن بني عدي: حاتم بن عبد اللّه بن سعد بن الحشرج بن امرى‏ء القيس بن عدي الجواد، و ابنه عدي وفد إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و لم يرتد، و شهد القادسية، و مهران و قس الناطق، و النخيلة، و معه اللواء، ثم شهد الجمل مع عليّ ففقئت عينه، و شهد صفين و النهروان، و مات في زمن المختار، و هو ابن عشرين و مئة سنة، و أوصى أن لا يصلّى عليه المختار، و قد ترجم عماد الدين الحافظ ابن كثير لحاتم في تاريخه فنسبه.

ثم قال أبو سفانة: كان جوادا ممدوحا في الجاهلية، و كذلك كان ابنه في الإسلام و كانت لحاتم مآثر و أمور عجيبة. و أخبار مستغربة في كرمه، يطول ذكرها، و لكنه لم يقصد بها وجه اللّه و الدار الآخرة، و إنما كان قصده الرياء و السمعة و الذكر.

قال الحافظ البزار: حدثنا محمد بن معمر: حدثنا عبيد بن واقد:

حدثنا أبو نصر الناجي، عن عبد اللّه بن دينار، عن عبد اللّه بن عمر قال:

ذكر حاتم عند النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: «ذاك أراد أمرا فأدركه». حديث غريب.

41

قال الدارقطني: تفرد به عبيد عن أبي مضر.

و قال الإمام أحمد بالإسناد عن عدي قال: قلت يا رسول اللّه: إن أبي كان يصل الرحم، و يفعل و يفعل.

قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ- يعني الحاكم-: حدثني أبو بكر محمد بن عبد اللّه بن يوسف العماني: حدثنا أبو سعيد عبيد بن كثير بن عبد الواحد الكوفي: حدثنا ضرار بن صرد:

حدثنا عاصم بن حميد عن أبي حمزة الثمالي، عن عبد الرحمن بن جندب، عن كميل بن زياد النخعي قال: قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه: يا سبحان اللّه، ما أزهد كثيرا من الناس في خير، و عجبا لرجل يجيئه أخوه المسلم في الحاجة فلا يرى نفسه للخير أهلا، فلو كان لا يرجو ثوابا، و لا يخشى عذابا، لكان ينبغي له أن يسارع في مكارم الأخلاق، فإنها تدل على سبيل النجاح.

و قام إليه رجل فقال: فداك أبي و أمي يا أمير المؤمنين، أسمعته من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)؟ قال: نعم، و ما هو خير منه: لما أوتي بسبايا طيى‏ء و وقعت جارية حمراء لعساء ذلفاء هيطاء شماء الأنف معتدلة القامة و الهامة، درماء الكعبين، خدلجة الساقين، لفاء الفخذين، خمصة الخصرين، ضامرة الكشحين، مصقولة المتنين.

فلما رأيتها أعجبت بها و قلت لأطلبن إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يجعلها في فيئي، فلما تكلمت أنسيت جمالها لما رأيت من فصاحتها. فقالت: يا محمد إن رأيت أن تخلّي عنا، و لا تشمت بي أحياء العرب، فإني ابنة سيد قومي، و إن أبي كان يحمي الذمار، و يفك العاني، و يشبع الجائع،

42

و يكسي العاري، و يقري الضيف، و يطعم الطعام، و يفشي السلام و لم يرد طالب حاجة قط، أنا ابنة حاتم طيى‏ء. فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): «يا جارية، هذه صفة المؤمنين حقا، لو كان أبوك مؤمنا لترحمنا عليه، خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، و اللّه يحب مكارم الأخلاق». فقام أبو بردة بن نيار فقال يا رسول اللّه و اللّه يحب مكارم الأخلاق؟ فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

«و الذي نفسي بيده لا يدخل الجنة أحد إلّا بحسن الخلق». انتهى ما ذكر ابن كثير.

و من إخوان ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيى‏ء ثعلبة، و هو جرم رهط عامر بن جون و نبهان رهط زيد الخيل.

و من طيى‏ء بنو لام بن عمرو بن طريف بن عمرو بن ثمامة بن مالك ابن جدعي، منهم: أوس بن حارثة بن لام، و راس أخوه سعد أيضا.

و من طيى‏ء بحتر بن عتود.

و من طيى‏ء شمر. قال ابن الكلبي: شمر و زريق بطن من ثعل، و هما ابنا عبد جذيمة بن زهير بن ثعلبة بن سلامان بن ثعل، و لقيس بن شمر هذا يقول امرؤ القيس:

* و هل أنا لاق حيّ قيس بن شمّرا*

منهم عبدة بن امرى‏ء القيس بن زيد بن عبد رضى بن خذيمة بن شمر أبو الحرنفش الشاعر، و هو الذي أسرته الديلم و له حديث، انتهى.

و قال امرؤ القيس:

و جاد قسيّا فالطّها فمسطّحا* * * و جوّا و روّي نخل قيس بن شمّرا

قلت: و قد غلبت هذه النسبة إلى شمر على أهل جبل طيى‏ء من‏

43

البادية و بعض الحاضرة، و الظاهر أنهم كلهم ليسوا من نسله، و لا يبعد أن ينسب إليه غير من يجتمع معه، في عمود نسبه من سائر طيى‏ء، و كذلك من خالطهم، أو نازلهم من جار، أو حليف قد ينسب إليهم مع تطاول الأزمان.

قال في «العبر»: كانت منازلهم في اليمن فخرجوا على إثر خروج الأزد منه، فنزلوا: سميراء و فيدا في جوار بني أسد، ثم غلبوا بني أسد على أجا و سلمي، و هما جبلان يعرفان بجبلي طيى‏ء، فاستمروا فيها ثم تفرقوا في أول الإسلام في الفتوحات.

قال ابن سعيد: و في بلادهم الآن أمم كثيرة: حجازا، و شاما، و عراقا، و هم أصحاب الرياسة في العرب إلى الآن.

و من عمائر كهلان: مذحج بن أدد أخو طيى‏ء، و من مذحج سعد العشيرة ولد مذحج المذكور، و إنما سمي سعد العشيرة لأنه بلغ ولده و ولد ولده ثلاث مئة رجل يركبون معه، و كان إذا سئل عنهم يقول هؤلاء عشيرتي وقاية لهم من العين، و من سعد العشيرة زبيد- بضم الزاي-.

و منهم بنو منبّه و هو زبيد بن صعب بن سعد العشيرة و يعرف بزبيد الأكبر، و هو زبيد الحجاز.

قال في «المسالك»: و عليهم درك الحاج المصري من الصفراء إلى الجحفة.

و منهم زبيد الأصغر بن ربيعة بن سلمة بن مازن بن ربيعة بن زبيد الأكبر، و من هؤلاء عمرو بن معد يكرب فارس العرب.

و ذكر في «مسالك الأبصار» في عرب الحجاز حربا و لم يعزهم إلى‏

44

قبيلة، قال: و هم ثلاثة بطون: بنو مسروح، و بنو سالم، و بنو عبد اللّه.

و أقول: قد رأيت من عزا حربا هؤلاء إلى عدنان.

قال أبو العباس أحمد بن عبد اللّه في كتابه «نهاية الأرب»: بنو حرب بطن من هلال بن عامر ذكرهم الحمداني و قال: منازلهم الحجاز.

و من مذحج بنو مراد بن مذحج و له من الولد ناجية و زاهرة، منهم بنو قرن الذين منهم أويس الزاهد قتل مع علي يوم صفين، و من مراد ابن ملجم قاتل عليّ.

و من مذحج أيضا النخع، و منهم أيضا جنب و صدي و رهي، فمن جنب: معاوية بن الحارث بن منبّه بن جنب، كان إليه البيت و الملك و هو الذي تزوج عبيدة بنت مهلهل بن ربيعة الوائلي، و فيها يقول مهلهل:

أنكحها فقدها الأراقم في‏* * * جنب و كان الحباء من أدم‏

لو بأبانين جاء يخطبها* * * خضب ما أنف خاطب بدم‏

و اسم بنت مهلهل عبيدة و إليها نسب قبائل من جنب، و تزوجها بعد معاوية روح بن مدرك بن عبد الحميد بن مدرك جد آل ضيغم بن منيف.

و قيل: إنهم من نزار بن عنز بن وائل دخلوا في نسب جنب لأن أمهم عبيدة.

و من مذحج عنس منهم الأسود الذي تنبأ، و من إخوة مذحج الأشعر و هو نبت بن أدد جدّ الأشعرين.

و من أعظم عمائر كهلان: الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ، و هم من أعظم الأحياء، فقد قسمهم الجوهري إلى‏

45

ثلاثة أقسام: أزد شنوءة، و هم بنو نصر بن الأزد، و شنوءة لقبه، و أزد السراة و هو موضع باليمن، نزل فيه فرق منهم، و أزد عمان نزلها طائفة منهم، و من ملوكهم عبد و جيفر اللذان كتب إليهم النبي (صلى اللّه عليه و سلم).

و من أعظم ملوكهم: بنو جفنة بن عمرو بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرى‏ء القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازن الزاد بن الأزد، و هم ملوك الشام، و أخو جفنة محرق أول من عاقب بالنار و ثعلبة العنقاء، و حارثة و إخوتهم و يدعون غسان و جماع غسان إلى مازن الزاد، و إنما غسان ماء شربوا منه بين زبيد، و رمع قال حسان:

إما سألت فإنا معشر نجب‏* * * الأزد نسبتنا و الماء غسان‏

و أول من ملك منهم جفنة قال صاحب حماة: و ذلك قبل الإسلام بما يزيد على أربع مئة سنة، و بقي بأيديهم إلى أن كان آخرهم جبلة بن الأيهم في زمن نبينا (صلى اللّه عليه و سلم)، و هو الذي أسلم ثم تنصر في أيام عمر و كان طوله اثني عشر شبرا، و فيهم يقول حسان:

للّه درّ عصابة نادمتهم‏* * * يوما بجلّق في الزّمان الأوّل‏

أولاد جفنة حول قبر أبيهم‏* * * قبر ابن مارية الكريم المفضل‏

يسقون من ورد البريض عليهم‏* * * بردى يصفّق بالرّحيق السّلسل‏

بيض الوجوه كريمة أحسابهم‏* * * شمّ الأنوف من الطّراز الأول‏

و من قبائل الأزد الأنصار: و هم من غسان، و هما الأوس و الخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمر، و مزيقيا بن عامر ماء السماء المتقدم، و أمهما قيلة بنت الأرقم بن عمرو بن جفنة و ولد للخزرج عدة أولاد تفرعت قبائلهم منهم.

46

و أما الأوس فلم يكن له إلّا ابن واحد و هو مالك، و من مالك تفرعت قبائل الأوس.

قال الحافظ ابن كثير في تاريخه «البداية و النهاية»:

قال الحافظ أبو بكر الخرائطي: حدثنا عبد اللّه بن أبي سعيد: حدثنا حازم بن عقال بن حبيب بن المنذر بن أبي الحصين بن السموءل بن عاديا الغساني قال: لما حضرت الأوس بن حارثة الوفاة اجتمع إليه قومه من غسان فقالوا: إنه قد حضر من أمر اللّه ما ترى، و قد كنا نأمرك بالتزوج في شبابك، و هذا أخوك الخزرج له خمسة بنين و ليس لك ولد غير مالك.

فقال: ليس يهلك هالك ترك مثل مالك، إن الذي يخرج النار من الوشمة قادر على أن يجعل لمالك نسلا و رجالا بسلا، و كل إلى الموت، ثم أقبل على مالك فقال: أي بنيّ المنية و لا الدنية، العقاب و لا العتاب، التجلّد و لا التبلّد، القبر خير من الفقر إنه من قل ذل.

و من كرم الكريم الدفع عن الحريم، و الدهر يومان: فيوم لك، و يوم عليك. فإن كان لك فلا تبطر، و إن كان عليك فاصطبر، و كلاهما سيخسر ليس يغلب منهما المليك المتوّج و لا اللئيم المعلج سلم ليوميك حياك ربك ثم أنشأ يقول:

شهدت السّبايا يوم آل محرّق‏* * * و أدرك عمري صيحة اللّه في الحجر

فلم أر ذا ملك في الناس واحدا* * * و لا سوقة إلّا إلى الموت و القبر

فعلّ الذي أردى ثمودا و جرهما* * * سيعقب لي نسلا إلى آخر الدهر

تقرم بهم في آل عمرو بن عامر* * * عيون لدى الداعي إلى طلب الوتر

فإن تكن الأيام أبلين جدّتي‏* * * و شيّبن رأسي و المشيب مع العمر

47

فإنّ لنا ربّا علا فوق عرشه‏* * * عليما بما يأتي من الخير و الشر

ألم يأت قومي أنّ للّه دعوة* * * يفوز بها أهل العبادة و البر

إذا بعث المبعوث من آل غالب‏* * * بمكّة فيما بين مكة و الحجر

هنالك تبغوا نصره ببلادكم‏* * * بني عامر إنّ السعادة في النّصر

قال ثم قضى في ساعته. انتهى نقل ابن كثير.

و من بطون كهلان الكبار: خزاعة و هو عمرو بن لحي، و هو ربيعة ابن حارثة بن عمر، و مزيقيا بن عامر، و هو الذي غير دين إبراهيم، ود العرب إلى عبادة الأوثان، و منه تفرقت خزاعة.

و إنما صارت الحجابة إليه من قبل أمه فهيرة بنت عامر بن حارث مضاض الجرهمي فحجب عمرو، و بنوه، إلى أن صارت إلى أبي غبشان فسكر يوما، و قد شرب هو و قصي بن كعب بن لؤي، فابتاع قصي، مفاتيح البيت بزق خمر، و دفعها قصيّ إلى ابنه عبد الدار فقام عند البيت و نادى: يا بني إسماعيل قد رد اللّه عليكم مفاتيح بيت أبيكم، و أف؟؟؟

أبو غبشان فندم، و ضربت العرب المثل بذلك، فقيل: أخسر من؟؟؟

أبي غبشان.

و من بطون كهلان: همدان بن مالك بن زيد بن ربيعة بن الخيار زيد بن كهلان، منهم: حاشذ و بكيل ابنا جشم بن خيوان بن نوف همدان، و من هذين البطنين تفرقت همدان، منهم: بنو يام بن أصفى رافع بن مالك بن جشم فولد يام جشم و مذكر و ولد مذكر بن يام ه؟؟؟

و مواجدا، و هم الأحلاف و العنز فتحالفا عليه.

و منهم: وادعة البطن بن عمرو بن عامر بن شامخ بن رافع، و منهم‏

48

آل ذي رعين، و منهم: أرحب بن مالك بن بكيل، و منهم: بنو السبيع من حاشد الذين منهم أبو إسحاق السبيعي عمرو بن عبد اللّه الفقيه، و بنو خيوان الذين دفع إليهم ابن لحي يعوق، و منهم: بنو وادعة.

و من كهلان بنو أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث، و قد ذكر في «العبر»: أنه لما تكاثر بنو إسماعيل فصارت رياسة الحرم لمضر مضي أنمار بن نزار إلى اليمن فتناسل بنوه بها فعدّ في اليمانية، و عليه ينطبق ما حكاه الجوهري فولد أنمار عبقر و الغوث، و صهيب، و خزيمة، و إخوة لهم و أمهم بجيلة بنت صعب بن سعد العشيرة و بها يعرفون، و كان بلادهم مع إخوتهم خثعم؛ و من بجيلة بنو قسر و اسمه مالك بن عبقر، و من بطونهم عرينة بن نذير بن قسر.

و أما خثعم أخو بجيلة فاسمه أفيل بن أنمار و بلادهم مع إخوتهم بجيلة بسروات اليمن، و الحجاز إلى تبالة.

و منهم: بنو أكلب بن عفرس بن حلف بن خثعم.

و منهم ناهس و شهران ابنا عفرس إليهما العدد و الشرف، و كود بن عفرس، و الفزع بن شهران بطن و بنو حرب، و هو أوس بن وهب اللّه بن شهران.

و منهم: بنو عرفجة ابن كعب بن مالك بن قحافة البطن بن عامر بن ربيعة بن عامر بن سعد بن مالك بن نسر بن وهب اللّه بن شهران و عرفجة أم كعب.

و من قحافة: عبد اللّه بن مالك ولي الصوائف أربعين سنة لمعاوية

49

و غيره إلى زمن سليمان بن عبد الملك، و فيه مات و كسر على قبره أربعون لواء.

و منهم جليحة و الريث و مبشر، أبناء أكلب بن ربيعة بن عفرس.

و منهم: جشم بن حارثة بن سعد بن عامر بن تيم اللّه البطن، و ولد جليحة بن أكلب و اهب و شهران.

و من خثعم أيضا: بنو منبّه، و معاوية، و آل مهدي، و نصر، و بنو حاتم، و آل مدركة، و آل زياد.

و منازل الجميع بيشة و ما حولها، و بلادهم بلاد خير و زرع و فواكه كثيرة، و أكثر ميرة مكة من الحنطة و الشعير، و غيرهما من بلادهم.

و من كهلان قبائل كثيرة لم نذكرهم من الأزد و غيرهم، مثل غامد و زهران و دوس بن عدنان و عك بن عدنان و قبائل كندة، و بنو الحارث بن كعب، ملوك نجران الذين من أشرافهم بنو عبد المدان، و هو عمرو بن الدبان بن قطن بن زياد البطن و النخع، و بنو جعفى، و أود و زبيد ابنا صعب. انتهى ما اختصرناه من أنساب قحطان.

و أما بنو إسماعيل:

فإن الذي بين إسماعيل و عدنان من الآباء مختلف فيه خلافا كثيرا، إذا تقرر ذلك فعدنان هو شعب نسب العرب المستعربة الذي تفرع منه قبائلها و عمائرها و بطونها و أفخاذها و فصائلها.

و قد ذكر في «العبر»: أن جميع الموجودين من ولد إسماعيل من نسله، قال و مواطن بني عدنان مختصة بنجد، و كلها بادية رحالة إلّا قريشا

50

بمكة و نجد. قال السهيلي: و لا يشارك بني عدنان في أرض نجد أحد من قحطان إلّا طيى‏ء من كهلان.

ثم افترق بنو عدنان في تهامة الحجاز، ثم العراق و الجزيرة الفراتية، و ولد لعدنان معد، و ولد لمعد نزار، و ولد لنزار أربعة: مضر، و ربيعة، و إياد، و أنمار، و من مضر تفرعت أكثر القبائل العدنانية و هم: بنو إلياس ابن مضر، و بنو قيس عيلان بن مضر، و خندق اسم امرأة إلياس، عرف بنوه بها.

.. و كان لإلياس من الولد: مدركة على عمود النسب، و طابخة، و قمعة، و ولد مدركة: خزيمة و هذيلا، و ولد خزيمة: كنانة أبا القبائل المشهورة، و أسدا أبا بني أسد فولد كنانة النضر على عمود النسب و عبد مناة.

و من كنانة: بنو ليث، و ضمرة ابنا بكر بن عبد مناة بن كنانة، و بنو الهون، و سائر الأحابيش، و بنو مدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة المعروفون بالقيافة، و بنو فراس بن غنم بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة.

و فيهم يقول علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه لبعض من كان معه:

لوددت أن لي بألف منكم سبعة من بني فراس، و منهم: بنو الديل بن بكر، و منهم: بنو غفار بن مليل بن ضمرة، رهط أبي ذر، و أبي بصرة، و أبي سريحة، و أبي اللحم خلف ابن مالك صاحب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).

و من بني ليث: يعمر الشداخ بطن، و هو الذي شدخ الدماء بين قريش و أسد و خزاعة.

51

و من كنانة: بنو جذيمة الذين قتلهم خالد بن الوليد.

و من كنانة: قريش و هو فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، و قريش لقّب عليه لشدته تشبيها بدابّة في البحر يقال لها: قريش، أو لغير ذلك، و قيل: قريش النضر بن كنانة و الذين عليه الجمهور الأول.

فمن بطونهم: بنو عدي بن كعب بن لؤي رهط عمر بن الخطاب، و بنو سهم رهط عمرو بن العاص، و بنو تميم بن مرة رهط أبي بكر و صلحة، و بنو زهرة بن كلاب رهط عبد الرحمن بن عوف، و سعد ابن أبي وقّاص، و بنو أسد بن عبد العزي رهط الزبير، و بنو عبد الدار الحجبة، و بنو أمية بن عبد شمس بن مناة و بنو مخزوم بن يقظة، و بنو هشام ابن عبد مناة؛ و المسطفون من قريش بنو هاشم بن عبد مناة.

و بالجملة فقريش قد ملأت الأقطار و انتشرت في الآفاق، و أنسابهم مشهورة في السير و التواريخ يجدها من طلبها هؤلاء المنسوبون إلى مدركة بن إلياس بن مصر.

و أما أخوه طابخة بن إلياس فهو جد بني تميم، و الرباب، و ضبة، فإن تميما هو ابن مر بن أد بن طابخة، و هو أبو القبائل الكثيرة.

قال في «شرح ذات الفروع»: كان تميم في الفترة التي بين سليمان و عيسى (عليهما السلام).

و قد ذكر أنه في زمن الإسكندر، و أنه يلي شرطته، و كان يطلب الحنيفية، و ينكر عبادة الأصنام، و كان في زمن عمرو بن لحي، و ذكر أنه أدرك عيسى بعد أن مضى من عمره دهر طويل، و أن عيسى سأله عن نفسه و دينه، فأخبره فقال: هل تستطيع أن تصحبني؟ قال: نعم يا رسول اللّه،

52

قال: أنت وزيري و أخي، و مضيا معا فلم يزل معه حتى رفع، ثم مضى إلى اليمين يسيح و معه ابن أخيه المعافر بن يعفر بن مر فلم يزل بها حتى مات، و كان عمره ستمائة سنة، و هو و كعب بن لؤي في زمن واحد، و مات في بلد يقال لها: ريمام.

و أبناء تميم زيد مناة و عمرو و الحارث فولد زيد مناة مالكا، و ولد مالك حنظلة أبا القبائل الكثيرة، و أشرفهم بنو ابنه دارم بن مالك بن حنظلة.

و منهم أبو سود و عوف ابنا مالك بن حنظلة، يقال لهم: بنو طهية، و يتفرع من حنظلة أفخاذ كثيرة و من أعظمهم بنو يربوع بن حنظلة، و كانت الردافة في الجاهلية لهم لأنه لم يكن في العرب أكثر غارة على ملوك الحيرة منهم، و صالحوهم على أن جعلوا لهم الردافة و يكفوا عن أهل العراق. قال في «الصحاح»: الردافة أن يجلس الملك و يجلس الردف عن يمينه فإذا شرب الملك شرب الردف قبل الناس، و إذا غزا الملك قعد في موضعه، و كان خليفته و إذا عادت كتيبة أخذ الردف المرباع.

و منهم عتاب بن هرمي بن رياح بن يربوع ردف النعمان.

و منهم معقل بن قيس من رجال أهل الكوفة و كان مع عليّ فوجهه إلى بني سامة فقتل منهم و سبي. و ذكر المبرد أن المستورد الخارجي خرج على المغيرة بن شعبة، و هو والي الكوفة، فوجه إليهم معقلا فدعاه المستورد إلى المبارزة و قال: علام يقتل الناس بيني و بينك؟ فقال معقل:

النصف سألت. فخرج إليه فاختلفا بينهما ضربتين فخر كل منهم ميتا.

و منهم مالك و متمم ابنا نويرة قتل مالك يوم البطاح، و منهم بنو كليب بن يربوع الذين منهم جرير الشاعر.

53

و أما بنو سعد بن زيد مناة بن تميم فلهم بطون كثيرة أيضا، منهم بنو منقر بن عبيد بن مقاعس الذين منهم قيس بن عاصم الذي قد رأس وفدا على النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال: هذا سيد أهل الوبر، و عمرو بن الأهتم وفد أيضا، و من ولده خالد بن صفوان بن عبد اللّه بن عمرو بن الأهتم.

و من بني مرة بن عبيد الأحنف بن قيس و هو الضحاك بن قيس أدرك عهد النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و لم يصحبه.

قال ابن قتيبة لما دعا النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بني تميم إلى الإسلام كان الأحنف فيهم و لم يجيبوا، فقال الأحنف: إنه ليدعوكم إلى مكارم الأخلاق و ينهاكم عن ملومها، و أسلم و لم يفد على النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فلما كان رمان عمر وفد إليه و كان من أجل التابعين و أكابرهم، و كان موصوفا بالعقل و الدهاء و العلم و الحلم و شهد صفين مع علي و شهد بعض فتوحات خراسان و لما استقر الأمر لمعاوية دخل عليه يوما فقال: و اللّه يا أحنف ما أذكر يوم صفين إلّا كان حزازة في قلبي إلى يوم القيامة، فقال الأحنف: و اللّه يا معاوية إن القلوب التي أبغضناك بها لفي صدورنا، و إن السيوف التي قاتلناك بها لفي أغمادها، و إن تدن من الحرب فترا ندن منها شبرا، و إن تمش إليها نهرول. ثم خرج و كانت أخت معاوية من وراء الحجاب تسمع، فقالت يا أمير المؤمنين: من هذا الذي يتهدد و يتوعد؟

فقال: هذا الذي إذا غض غضب لغضبه مائة ألف من بني تميم لا يدرون فبم غضب.

و روي أن معاوية لما نصب ولده يزيد لولاية العهد أقعده في قبة حمراء، فجعل الناس يسلمون على معاوية ثم يميلون إلى يزيد حتى جاء

54

رجل ففعل ذلك، ثم رجع إلى معاوية و قال: يا أمير المؤمنين اعلم أنك لو لم تول هذا أمور المسلمين لأضعتها و الأحنف جالس. فقال معاوية: فما لك لا تقول يا أبا بحر؟ فقال: أخاف اللّه إن كذبت، و أخافكم إن صدقت، فقال معاوية: جزاك اللّه عن الطاعة خيرا، و أمر له بألوف. فلما خرج لقيه ذلك الرجل بالباب فقال: يا أبا بحر، إني لأعلم أن شر ما خلق اللّه هذا و ابنه، و لكنهم قد استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب و الأقفال، فليس نطمع في استخراجها إلّا بما سمعت. فقال له الأحنف: أمسك عليك، فإن ذا الوجهين لا يكون عند اللّه وجيها.

و من كلامه في ثلاث خصال ما أقولهن إلّا ليعتبر معتبر: ما دخلت بين اثنين قط حتى يدخلاني بينهما، و لا أتيت باب أحد من هؤلاء ما لم أدع إليه- يعني الملوك-، و لا حللت حبوتي إلى ما يقوم الناس إليه.

و من كلامه: ألا أدلكم على المحمدة بلا مزرية؟ الخلق السجيح، و الكف عن القبيح، ألا أخبركم بأدوى الداء؟ الخلق الدنيّ و اللسان البذيّ؟ و من كلامه: ما خان شريف، و لا كذب عاقل، و لا اغتاب مؤمن، و قال: ما ادخرت الآباء للأبناء، و لا أبقت الموتى للأحياء، أفضل من اصطناع المعروف عند ذوي الأحساب و الآداب. و قال: جنبوا مجلسنا ذكر الطعام و النساء، فإني أبغض الرجل يكون وصافا لفرجه و بطنه، و إن من المروءة أن يترك الرجل الطعام و هو يشتهيه. و قال الأحنف أيضا: وجدت الحلم أنصر لي من الرجال.

قال الساوردي: و صدق، لأن من حلم كان الناس أنصاره، و قال له رجل: إن قلت لي كلمة لتسمعن عشرا. فقال: لكنك لو قلت عشرا لم‏