نماذج الأصول في شرح مقالات الأصول‏ - ج3

- عباس‏ المدرسي اليزدي المزيد...
584 /
3

الجزء الثالث‏

مقدمة

الحمد لله على نعمه المتواصلة و له المجد و الثناء و الصلاة و السلام على عبده و رسوله محمد و آله الطيبين و اللعنة الابدية على أعدائهم أجمعين الى يوم الدين.

أما بعد فيقول المؤلف «عفى الله عنه» الحاج سيد عباس المدرسي اليزدي نجل سماحة آية الله العظمى المرحوم السيد يحيى المدرسي اليزدي الطباطبائي (قدس سره) أن هذا الكتاب الذي بين أيدينا الجزء الثالث من كتاب نماذج الاصول في شرح مقالات الاصول الذي ثناه جماعة من الفضلاء و العلماء ببياناتهم الحلو من أنه لم يؤلف في القرن الأخير بمثله في أصول الفقه من التفصيل و التبيين و ذكر الأقوال و المناقشة و كان اللازم تأليف مثل ذلك. و قال آخر لي بعد مطالعة الجزءين المطبوعين انك أتعبت نفسك في تأليفه فجزاك الله. و ثالث انك ولد المحقق العراقي حقا بإحياء مقالاته و ينبغي للحوزات العلمية أن يجعلوا منهجهم في التدريس مقالات الاصول و غير ذلك من الإفاضات الثمنية و هذا الجزء كسابقيه مملو من‏

4

كلمات الأعلام و المحققين من الاصوليين (قدس الله أسرارهم) و المناقشات و ها أنا أهدي موسوعتي هذه مع سائر الأجزاء و سائر مؤلفاتي و روحي و جسمي له الفداء الإمام المنتظر المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) و أن يكون ذلك ذخرا لي و لوالدي و لمؤلف المتن آية الله العظمى الشيخ ضياء الدين العراقي (قدس سره) و أرجو من الفضلاء و العلماء أن يعفوا عن عثراتي و خطاياي و أسأل الله تعالى أن يغفر لي و لوالدي كما أشكر من صاحب الفضيلة الحاج شيخ محمد الداوري «حفظه الله» الذي هو الساعي لطبع مؤلفاتي و على الله أجره و أجر كل ذو خير و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المؤلف‏

5

[المقالة العشرون في أن الأمر بالشى‏ء يقتضى النهى عن ضده أم لا]

مقالة (1) في أن الأمر بالشى‏ء يقتضى النهى عن ضده أم لا على أقوال (2) ثالثها التفصيل بين الضد الموجود و غيره بالاقتضاء في الاول- دون غيره ثم (3) ان الغرض من الاقتضاء ليس إلا الاقتضاء في عالم الثبوت و ان الاقتضاء في عالم الاثبات من تبعاته (4) و لذا ليس البحث مختصا بصورة ثبوت الأمر بلفظ

____________

[ادامة المقصد الاول: (بحث الاوامر)] (1)

النموذج العاشر في أن الأمر بالشي‏ء مثل الازالة مثلا هل يقتضي النهي عن ضده الخاص‏

مثل الصلاة، او العام كتركه على نحو الاطلاق و تحقيق الكلام فيه يكون في ضمن امور.

(2) قال الشيخ الانصاري في التقريرات ص 104: قد اختلف انظار الاعلام في ذلك فذهب الاكثر إلى توقف الوجود على العدم و عدم توقفه على الوجود.

و اختار جماعة منهم السيد المحقق السلطان و شيخنا البهائى و الكاظمي عدم التوقف من الطرفين و يظهر من المحقق الخونساري توقف وجود الضد المعدوم على رفع الضد الموجود و عدم توقف وجود الضد على عدم الآخر اذا كان معدوما فهو تفصيل بين وجود الضد و عدمه و التزم بالتوقف في صورة الوجود و بعدمه في صورة العدم و لازم الحاجبي و العضدي الالتزام بالتوقف من الطرفين إلخ ثم تعرض في ص 117 في المقدمة الخامسة للاقوال فراجع.

(3)

الأمر الاول: في أن البحث هنا عقلى‏

و هو ثبوت الملازمة بين فعل المأمور به و ترك الضد عقلا أو من باب المقدمية، فيكون البحث ثبوتيا لا إثباتيا.

(4) و البحث الاثباتي و هو أن يكون الكلام في دلالة الدليل على حرمة الضد بإحدى الدلالات الثلاث من المطابقة و التضمن و الالتزام من تبعاته لان المهم هو الاول يعني البحث الثبوتي و أما الثاني فلا يكون فيه فائدة.

6

و غيره (1) و به (2) نخرجه عن مباحث الالفاظ (3) و ربما يكون مثل هذا العنوان قابلا لان يجعل هذه المسألة من مبادئ الاحكام (4) و أمكن ادراجها أيضا

____________

(1) و من آثار كون البحث ثبوتيا أنه يجزي البحث في فرض كون الحكم مستفادا من دليل لبي أيضا مثل الاجماع و نحوه و البحث عن الملازمة لا تختص بالدليل اللفظي.

(2) و لاجل كون البحث ثبوتيا و أن الملازمة تكون عقلا أم لا فالبحث عقلي لا لفظي.

قال المحقق النائيني في الاجود ج 1 ص: 250 ثم إن المسألة عقلية و البحث إنما هو عن اقتضاء وجوب شي‏ء لحرمة ضده عقلا و التعبير باقتضاء الأمر في عنوان البحث و إن كان يوهم كونها من المباحث اللفظية إلا أنه لاجل كون الوجوب مدلولا للامر غالبا و إلا فكونه مستفادا من اللفظ أجنبي عما هو المهم في المقام إلخ.

(3)

الأمر الثاني إن المسألة يمكن تقريبها على وجوه و يختلف باختلافها.

(4) منها أن يجعلها من المبادئ الاحكامية قال المحقق الماتن في النهاية ج 1 ص 359: و يمكن أيضا أن تكون من المبادئ الاحكامية الراجعة إلى البحث عن لوازم وجوب الشي‏ء و أنه هل من لوازمه هو حرمة ضده أم لا أي يكون أحد الحكمين مستلزما ثبوته للحكم الآخر أو ليس بمستلزم، فإنه بعد الفراغ عن دلالة الصيغة على الوجوب اقتضت المناسبة البحث عن لوازمه بأنه هل من لوازم وجوب الشي‏ء هو حرمة ضده أم لا أو وجوب مقدمته أم لا كما تقدم.

ذكر المحقق المشكيني في الحاشية على الكفاية ج 1 ص 205 من الكفاية المحشي: بل قد يقال بعدم انطباق الاحكامية أيضا لانها عبارة عن مسائل تكون محمولاتها من عوارض الحكم بما هو و هنا ليس كذلك لانه يعرضه بما هو

7

في العقليات (1) الغير المستقلة (2) و إن كان جعلها من القواعد الكلية الواقعة في طريق استخراج أحكام كلية كما هو شأن المسائل‏

____________

متعلق بالضد و لكن قد تقدم منعه في مقدمة الواجب فلا يدفع بهذا الوجه احتمال كونها مبادئ أحكامية. و قال في كلام له ص 138: إن التضاد أيضا ينشأ من خصوصية كون المتعلقين واحدا و إلا لما كان تضاد في البين فعلم أن هذا المقدار من الخصوصية غير قادح في كون الملازمة من عوارض الحكمين إلخ. ذكر استادنا الآملي في المجمع ج 1 ص 318. لا يقال يمكن عنوان البحث بنحو يصير من المباحث الفقهية بأن يقال هل الضد يكون حراما أم لا لانا نقول و إن كان هذا ممكنا، و لكن قد مر أن المسألة الاصولية يكون الحكم الثابت فيها ناش عن ملاكات متعددة، و أما الفقهية هي ما يكون الحكم فيه ناشيا عن ملاك واحد مثلا وجوب الصلاة يكون ناشئا عن مصلحة فيها و هي سنخ واحد و حرمة الضد الذي يكون هو الصلاة لا يكون ملاكها مثل ملاك حرمة الاكل الذي يكون أيضا من الاضداد و هذا كله واضح.

(1) اي جعلها من المسائل الاصولية العقلية، فإن المسألة الاصولية هي ما تقع نتيجتها كبرى للصغريات الفقهية و البحث عن ثبوت الملازمة العقلائية بين وجوب الشي‏ء و حرمة ضده و عدمها يقع نتيجتها كبرى كذلك، مثلا نقول الصلاة ضد للازالة و كل ضد للشي‏ء المامور به حرام، فالصلاة حرام على فرض ثبوت الملازمة تكون باطلة و عند عدم ثبوتها فلا.

(2) و الاحكام العقلية تارة مستقلة من دون النظر إلى الأمر الشرعي كالدور و التسلسل و نحوهما، و اخرى غير المستقلة مع النظر إلى الأمر الشرعي كالملازمة بين وجوب المقدمة مع وجوب ذيها فيحتاج إلى الأمر بذي المقدمة و منها المقام الملازمة بين وجوب شي‏ء و حرمة ضده فيحتاج إلى الأمر بالشي‏ء.

8

الاصولية أوفق بالمقصود (1) و أيضا (2).

____________

(1) و بعد إمكان جعلها من المسائل الاصولية لا وجه لجعلها من المبادئ الاحكامية كما لا يخفي.

(2)

الأمر الثالث [المراد بالاقتضاء في العنوان‏]

قال في الكفاية ج 1 ص: 205 الاقتضاء في العنوان أعم من أن يكون بنحو العينية أي عين النهي عن النقيض فيكون معنى أزل النجاسة عن المسجد لا تترك الازالة أو الجزئية أي يكون معنى أزل النجاسة رجحان الفعل مع المنع من الترك أو اللزوم أي الدلالة اللفظية الالتزامية من جهة التلازم بين طلب أحد الضدين و طلب ترك الآخر أي الملازمة العقلية أو المقدمية على ما سيظهر. و قال المحقق النائيني في الاجود ج 1 ص: 251 و اللزوم البيّن بالمعنى الاخص أو الاعم إلخ. قال القائد الخميني في التهذيب ج 1 ص: 226 جمع بعض الاعاظم بين كون المسألة اصولية عقلية و بين تعميم الاقتضاء في العنوان إلى كونه على نحو العينيّة أو التضمن أو الالتزام بالمعنى الاخص و الاعم و علّل بأن لكل قائلا و لا يخفى ما فيه من التهافت إذ لو قلنا بأن المسائل اللغوية كالمشتق خارجة من الاصولية قال وجه للجمع بين الاصولية و التعميم لان الغرض من التعميم إدخال تمام المذاهب تحت العنوان فهنا نقول إن القول بالعينية في المسألة يجعلها من المسائل اللغوية بل القول بالتضمن و الالتزام كذلك ايضا على مبني القوم لانهم يجعلون الجميع من المداليل اللفظية كما لا يخفى، نعم لو قلنا كون المسألة لغوية لا ينافي الاصولية مع اختلاف الجهة المبحوث عنها كما مر في أول الكتاب و ان كان يرتفع به هذا إلا أن الجمع بين كون المسألة عقلية و بين ذلك التعميم تهافت لان الغرض منه إدخال مذهب القائل بإحدى الدلالات اللفظية في العنوان و لا يجتمع ذلك مع جعل الدلالة عقلية إلخ. قلت: التعميم باعتبار الاقوال في المسألة و كونها عقلية أو لفظية يبتنى على تلك المسألة و القائل لم يقل بالتعميم على جميع الاقوال بل و لا على مختاره من الملازمة العقلية فلا تنافي مع سائر المسالك تكون لفظية فما أورده لا يتم و الأمر سهل.

9

نقول إن منشأ الاقتضاء لدى القائل به تارة صرف الملازمة بين وجود ضد و عدم الآخر و أخرى دعوى مقدمية عدم أحد الضدين لوجود ضده فيدخل المسألة ح في طى مقدمات المسألة السابقة (1)

____________

(1) فيدخل على القول بمقدمية ترك الضد لوجود الضد الآخر في المسألة السابقة لانها إحدى مصاديقها و هو التلازم بين وجوب ذي المقدمة و وجوب المقدمة. قال المحقق الماتن في النهاية ج 1 ص 360. و البحث فيه في الاقتضاء و عدمه يقع من جهتين الأولى من جهة مقدمية ترك أحد الضدين لوجود الآخر كما عليه مبني كثير منهم حيث بنوا على حرمة الضد المأمور به بمناط مقدمية ترك لفعل الضد الواجب الثانية من جهة مجرد التلازم بين وجود أحد الضدين و ترك الآخر بدعوى اقتضاء هذا التلازم للتلازم بين حكميهما و صيرورة ترك الضد واجبا أيضا و اقتضاء وجوب الترك بمقتضى النهى عن النقيض لحرمة فعله و لا يخفى عليك حينئذ ان النزاع من الجهة الأولى يكون صغرويا محضا فإنه بعد الفراغ عن الكبرى و هي التلازم بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته كان الكلام في اثبات الصغرى و هي مقدمية ترك أحد الضدين لوجود الآخر بخلافه في النزاع من الجهة الثانية فإنه يكون في أصل كبرى لزوم اتحاد المتلازمين في الحكم و إلّا فأصل الصغرى و هو التلازم بين وجود أحد الضدين و ترك الآخر مما لا كلام فيه فهاتان الجهتان حينئذ متعاكستان في الجهة المبحوث عنها. و الصحيح كما أفاده.

الأمر الرابع: [المراد بالضد]

قال في الكفاية ج 1 ص: 206 إن المراد بالضد هاهنا هو مطلق المعاند و المنافي وجوديا كان أو عدميا إلخ. بشهادة إطلاقهم ضد العام على‏

10

و حيث (1) ان العقل يأبى عن اقتضاء صرف الملازمة بين الشيئين الملازمة بين حكميهما بشهادة الوجدان بأن الاشتياق إلى شي‏ء لا يقتضي الاشتياق إلى لوازم وجوده من احتياجه إلى زمان‏

____________

الترك و كما في تروك الصوم. قال المحقق العراقي في النهاية ج 1 ص 360 الضد فالظاهر ان المراد به هو مطلق المعاند الشامل للنقيض أيضا فإنه تارة يطلق و يراد به معناه الاخص و هو المعاندة بين الشيئين على نحو لا يمكن اجتماعهما في محل واحد، مع جواز ارتفاعهما كالسواد و البياض. و اخرى يطلق و يراد به مطلق المعاند الشامل للنقيض ايضا بنحو لا يجوز ارتفاعهما أيضا، فكان إطلاقه في المقام بمعناه الاعم الشامل للنقيض لا بمعناه الاخص نعم ذلك بمعناه الاخص أيضا لا يختص بالوجوديّين كما توهم بل يعمه و ما لو كان أحدهما أمرا عدميا كالترك الخاص بالنسبة إلى الفعل المطلق بل و ما إذا كانا معا عدميين كما في صوم يومين منع فرض عدم قدرة المكلف خارجا إلا على أحد الصومين. و قال استادنا الآملي في المجمع ج 1 ص 319 بل يشمل المثلين أيضا أو المتزاحمين مثل صوم يومين لا يقدر المكلف على الجمع بينهما و إتيان الازيد من الواحد و كذا يشمل النقيضين لعموم ملاك البحث إلخ. و بالجملة إن الضد باصطلاح أهل المعقول الأمر الوجودي الذي لا يجتمع مع وجودي آخر في زمان واحد لكن المراد هنا مطلق المنافر الاعم من الوجودي و العدمى كما عرفت. و قال المحقق العراقي في النهاية ج 1 ص 359: أما الأمر و النهى فالظاهر أن المراد بهما يعم النفسي و الغيري و الاصلي و التبعي، و قال استادنا الآملي في المنتهى ج 1 ص: 18 إن المراد بالشى‏ء ما يعم الفعل و الترك كما في تروك الصوم، و لا يختص بأمر وجودي كما يوهمه ظاهر لفظ الشي‏ء، و هو كذاك، (1)

الأمر الخامس في بيان الضد الخاص‏

كالصلاة حيث لو تحقق من المكلف لامتنع عليه الاتيان بالمأمور به كالازالة، و استدلوا للاقتضاء بوجهين: الاول‏

11

لامتنع عليه الاتيان بالمأمور به كالازالة، و استدلوا للاقتضاء بوجهين: الاول الملازمة. و الثاني مقدمية عدم أحد الضدين لوجود الضد الآخر و يقع الكلام حينئذ في الملازمة. قال في الكفاية ج 1 ص 210: و أما من جهة لزوم عدم اختلاف المتلازمين في الوجود في الحكم أي إذا كان ترك أحد الضدين ملازما لفعل الآخر كان ملازما له في الحكم فإذا كان الضد واجبا كان ترك ضده كذلك فغايته أن لا يكون أحدهما فعلا محكوما بغير ما حكم الآخر به لا أن يكون محكوما بحكمه أي و إلا ثبت الحكم بلا ملاك يقتضيه و هو ممتنع بل الثابت امتناع أن يكون أحد المتلازمين محكوما عليه بغير حكم الآخر و هو إنما يقتضي عدم الحكم على ترك الضد بغير الوجوب إذا كان حكم ضده الوجوب فلا يكون محكوما بحكم أصلا لا بالوجوب لانه بلا ملاك، و لا بالتحريم و لو كان فيه ملاكه لانه مع وجود الضد تكليف بما لا يطاق و لا بغيرها لانه لغو و عدم خلو الواقعة عن الحكم- أي يشكل ما ذكر بأن يلزم خلو ترك الضد عن الحكم مع أن المعروف عدم خلو الواقعة عن الحكم الجواب- إنما يكون بحسب الحكم الواقعي لا الفعلي فلا حرمة للضد من هذه الجهة أيضا بل على ما هو عليه لو لا الابتلاء بالمضاد للواجب الفعلي من الحكم الواقعي. و تبعه في ذلك المحقق الماتن و غيره، قال المحقق العراقى في النهاية ج 1 ص 364 و ح ان التلازم بين وجود أحد الضدين و ترك الآخر و في مثله نقول بان من الواضح أيضا عدم اقتضاء مجرد التلازم بين الشيئين التلازم بين حكميهما أيضا بحيث لا بد و أن يكون محكوما بحكم ملازمة كي بعد اثبات وجوب الترك بالمناط الزبور يحكم بحرمة نقيضه و هو الفعل بمقتضى النهي عن النقيض و ذلك لان غاية ما يقتضيه الملازمة المزبورة إنما هو عدم كون أحدهما محكوما بما يضاد حكم الآخر لا وجوب كونه محكوما بحكمه كيف و إن دعوى سراية الحكم من أحد المتلازمين إلى الآخر مما يحكم بخلافها بداهة الوجدان و الارتكاز عند طلب شي‏ء و الأمر به من حيث وضوح وقوف الطلب و الأمر و الحب و البغض على‏

12

أو مكان و بهذه الجهة (1) أيضا نقول بان الأمر بالطبيعة لا يقتضي سراية الاشتياق إلى الخصوصية بل ربما يكون الخصوصية مبغوضا لديه مع أنهما حيثيتان متلازمان بل و متحدان وجودا (2).

____________

نفس متعلقة و عدم سرايتها منه إلى ما يلازمه من الامور الآخر بوجه اصلا و توضيحه أكثر من ذلك إن الضد يقارن وجوده عدم ضده للتنافي بين وجوديهما في الاجتماع و العدم ليس بشي‏ء يتعلق به الارادة أصالة لتتعلق به تبعا في مثل الفرض و إنما يتحقق لعدم تعلق الارادة بنقيضه أعني به وجود الضد فإن إرادة الملزوم لا تستلزم إرادة لازمة إرادة تكوينية تبعية، و إنما يلزم من وجوده وجود لوازمه تكوينا و ذلك لا يستلزم إرادتها تكوينا إذا لم تشتمل على شي‏ء من المصلحة، و لا يقاس بمقدمة الواجب للفرق بين المتلازمين في الوجود بلا إن يتوقف وجود أحدهما على وجود الآخر و بين الملزوم و لازمه المتوقف وجود أحدهما على وجود الآخر فإن الملازمة بين الأمرين في الثانى تستلزم إرادة الملزوم إرادة لازمه تكوينا تبعا لتوقف وجود الملزوم على وجود اللازم فيصح بملاحظة الملازمة بين الارادتين تكوينا أن يقال بالملازمة بين إرادة الملزوم تشريعا و بين إرادة لازمه تشريعا أيضا ليتوقف وجود الملزوم على وجود لازمه، و أما المتلازمان اللذان لا يتوقف وجود أحدهما على وجود الآخر فلا موجب لاستلزام إرادة أحدهما لارادة الآخر إذا لم يشتمل على غرض المريد كما أشرنا إليه.

(1) أي عدم التلازم بين الحكمين على الطبيعة و على الخصوصية الفردية.

(2) كالصلاة في مكان المغصوب أو انقاذ الغريق و الحريق في المكان المغصوب فالاشتياق إلى طبيعة الصلاة او الانقاذ محقق و الخصوصية الفردية الملازمة لها مبغوضة مع أنهما متحدان وجودا.

13

فالعمدة في المقام تخيل مقدمية (1) عدم أحد الضدين لوجود ضده نظرا إلى تمانعهما في الوجود و إن وجود كل واحد من موانع وجود الآخر و معلوم أن عدم المانع من إجراء العلة التامة و حيث عرفت من أن دخل عدم المانع بل و وجود الشرط ليس دخلا تأثيرا بل هي دخيلة في قابلية المعلول‏

____________

(1)

الأمر السادس في بيان مقدمية عدم أحد الضدين لوجود الضد الآخر

ذكر الشيخ الانصاري في التقريرات ص 104 و احتج الاكثرون لاثبات التوقف في طرف الترك بوجهين- الثانى إن الضدين متمانعان عن الآخر و عدم المانع من الامور التى يتوقف عليها المعلول فعدم الضد مما يتوقف عليه وجود الآخر- أما الصغرى و هو التمانع بين الضدين فهو ضروري بعد تصور معنى التضاد فإن عدم اجتماعهما في الوجود مأخوذ في حقيقة التضاد فلا يجوز اتصاف المحل بأحدهما إلا بعد خلوه و الفراغ عن الآخر و إلا لم يكونا ضدين. توضيحه: قال المحقق العراقى في النهاية ج 1 ص 361. فتقريب الاقتضاء إنما هو من جهة قضية المنافرة و المعاندة بين الوجودين و عدم اجتماعهما في التحقق بدعوى اقتضاء تلك المنافرة و المعاندة لمقدمية عدم الضد لوجود الضد الآخر نظرا إلى وضوح كون عدم المانع من المقدمات و من أجزاء العلة التامة للشي‏ء فإذا ثبت مقدمية عدمه و لوجود الضد الواجب فلا جرم يجب بوجوب مقدمى غيري بمقتضى كبرى التلازم بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته و مع وجوبه يقع فعله لا محالة بمقتضى النهى عن النقيض حراما و منهيا عنه. و هذا هو المشهور بينهم في الاستدلال.

14

للوجود (1) كما فصلنا الكلام فيه في باب المقدمة لا يبقى مجال منع المقدميّة باستحالة مؤثرية العدم في الوجود لعدم سنخية بينهما كيف و لازم‏

____________

(1) إشارة إلى إيراد على الاستدلال، و الجواب عنه أما ملخص الايراد بمنع المقدمية نظرا إلى انتفاء السنخيّة بين الوجود و العدم و استحالة كون العدم من مقدمات وجود الشي‏ء و أجزاء علته و يظهر ذلك من بعضهم منها ما. أورد عليه المحقق الاصفهانى في النهاية ج 1 ص 224، و أما تأثير الوجود في العدم بنحو السببية فهو غير معقول لان الاثر لا بد من أن يكون من سنخ مؤثره بل العلية و الاستناد المذكور ان في باب عدم المعلوم بعدم علته فهو أيضا تقريب و إلا فلا علية في الاعدام فضلا عن علية الوجود للعدم بل نقول على التحقيق المتقدم إن مانعية الضد إما عن وجود الضد الآخر معه كما هو لازم التضاد فعدمه مستند إلى عم قابلية المحل لهما ذاتا لا تأثير للضد في عدم ضده و أما عن وجود الضد بدلا عنه فمانعية الضد مستحيلة للزوم الخلف أو الانقلاب لانه مع فرض وجوده يعقل ترتب المانعية عليه ففرض وجود الآخر ح بدلا عن وجود ما هو مفروض الوجود خلف أو انقلاب فما نعنيه الضد على أي حال غير معقولة و إنما المعقول مانعية سبب أحدهما عن تأثير سبب الآخر، و نظير ذلك أورد عليه المحقق النائيني في الاجود ج 1 ص 255 (إلى أن قال): عدم المانع فدخله باعتبار أن المانع يزاحم المقتضى في تأثيره و يمنعه عن ذلك كالرطوبة المانعة من تأثير النار في الاحراق فدخله إنما هو لاجل مانعية وجوده و إلا فلا معى لتأثير العدم في الوجود و كونه من أجزاء علته بداهة استحالة تأثير الاعدام في شي‏ء أو تأثرها منه و من الواضح أن المانعية إنما تتحقق في فرض وجود المقتضى‏

15

مع بقية الشرائط ليستند عدم المعلول إلى وجود المانع فلو فرض عدم المقتضى أو عدم الشرائط فاستناد عدم المعلول إلى وجود المانع مما لا يتوهمه أحد مثلا إذا فرضنا عدم وجود النار في العالم أصلا أو كانت و لم تكن مماسة للجسم القابل للاحراق فلو ادعى أحد أن عدم احتراق الجسم في هذا الفرض مستند إلى وجود المانع عن الاحتراق لكانت الدعوى مما يضحك الثكلى فالمانع إنما يتصف بالمانعية عند وجود المقتضي مع بقية الشرائط و إلا فلا يتصف بالمانعية ليكون عدمه من مقدمات وجود المعلول و يترتب على ذلك أنه يستحيل أن يكون وجود أحد الضدين مانعا من وجود الآخر بداهة أنه عند وجود أحد الضدين يستحيل وجود المقتضى للضد الآخر فعدمه مستند إلى عدم مقتضيه لا إلى وجود ضده و هذا بالنسبة إلى إرادة شخص واحد في غاية الوضوح لاستحالة تحقق إرادة كل من الضدين في آن واحد. و أما بالنسبة إلى إرادة شخصين للضدين فلان إحدى الارادتين تكون مغلوبة للارادة الأخرى فلا تكون متصفة بصفة الاقتضاء فيكون وجودها كعدمها لعدم القدرة على متعلقها إلى أن قال فاتضح أن المانع المتوقف على عدمه وجود المعول هو ما كان مزاحما لتأثير المقتضى أثره عند اجتماع شرائطه و هذا المعنى مفقود في الضدين‏

16

هذا الكلام (1) اخراج عدم المانع كلية عن إجراء العلة و هو كما ترى.

____________

(1) هذا هو الجواب عن الإيراد و ذكر المحقق العراقي في النهاية ج 1 ص 361 و لكن فيه ما تقدم سابقا من ابتناء هذا الاشكال على اتحاد المقدمات طرا في كيفية الدخل في وجود المعلول و رجوع دخل الجميع إلى المؤثرية و المتأثرية كما في المقتضى فإنه على هذا المبنى لا محيص من إخراج عدم المانع بقول مطلق عن المقدمات و عن كونه من أجزاء العلة التامة نظرا إلى انتفاء السنخية بين الوجود و العدم و امتناع تأثير العدم في الوجود و إلا فبناء على اختلاف المقدمات في كيفية الدخل في المعلول و رجوع بعضها إلى كونها معطيات الوجود كما في المقتضى و رجوع بعضها الآخر إلى كونها معطيات الحدود للوجود و القابلية كما في الشرط و عدم المانع على ما شرحناه سابقا، فلا مجال للمنع عن مقدمية عمد الضد بالبيان المزبور. و تقدم ذلك مفصلا، و أجاب الكفاية عن أصل الاستدلال بالمقدمية ج 1 ص 206 بقوله: و ذلك لان المعاندة و المنافرة بين الشيئين- أي استحالة اجتماع الضدين- لا يقتضى- أي لا يكون كل منهما مانعا عن الآخر إلا عدم اجتماعهما في التحقق- أي غاية ما يقتضيه ذلك إنما هو التلازم بين وجود أحدهما عدم الآخر أي استحالة اجتماعها مع الممنوع مع أن وجودها ليس من الموانع و لا عدمه من المقدمات، هذا أولا و ثانيا- و حيث لا منافات أصلا بين أحد العينين- أي السواد- و ما هو نقيض الآخر و هو عدم البياض و بديله بل بينهما كمال الملاءمة كان أحد العينين مع نقيض الآخر و ما هو بديله في مرتبة واحدة أي في عرض واحد من دون أن يكون في البين ما يقتضى تقدم أحدهما على الآخر كما لا يخفى أي يكونان إذا فعل المأمور به و ترك ضده معلولى علة واحدة لا تقدم لاحدهما على الآخر فلا

17

وجه لجعل ترك الضد من مقدمات المأمور به، فكما أن قضية المنافاة بين هي المتناقضين لا تقتضى تقدم ارتفاع أحدهما في ثبوت الآخر أي السبب الباعث لحصول أحد النقيضين فإنه باعث لحصول هذا و ارتفاع الآخر في عرض واحد من غير ترتب و توقف بينهما فإذا حصل السبب لوجود الانسان مثلا حصل الانسان و ارتفع اللاإنسان في رتبة واحدة من دون أن يرتفع اللاإنسان أولا ثم يحصل الانسان في المرتبة المتأخرة- كذلك في المتضادين- أي الضد للشي‏ء كالسواد للبياض هو الذي في مرتبته لا السواد السابق و لا اللاحق لاجتماعهما معه و الضدان لا يجتمعان و كذا عدم السواد و النقيض للسواد هو الذي في مرتبته لا عدمه السابق و لا عدمه اللاحق لاجتماعهما معه و النقيضان لا يجتمعان فيكون عدم السواد متحدا في الرتبة مع السواد المتحد مع البياض و المتحد مع شي‏ء متحد مع شي‏ء آخر متحد مع الشى‏ء الأخير أيضا.

18

كما أن شبهة ورود الدور في المقام من استلزام لتمانع بينهما توقف كل واحد من الوجود و العدم على الآخر (1) نظرا أن عدم كل‏

____________

(1) ذكر في الكفاية الوجه الثالث للدور ج 1 ص 207.

قال: كيف و لو اقتضى التضاد توقف وجود الشي‏ء على عدم ضده توقف الشي‏ء على عدم مانعة لاقتضى توقف عدم الضد على وجود الشي‏ء توقف عدم الشي‏ء على مانعة بداهة ثبوت المانعية في الطرفين و كون المطاردة من الجانبين أي كما يكون عدم المانع من مقدمات الوجود فكذلك وجود المانع من مقدمات العدم و هو دور واضح و ما قيل أي المحقق الخونساري في التفصى عن هذا الدور أي بيانه يتوقف على مقدمة و هي أن الوجود محتاج في تحققه إلى تحقق جميع أجزاء علته التامة من المقتضى و الشرط و عدم المانع و العدم يكفي فيه انتفاء واحد منها و لذا كان انتفاء كل واحد من أجزاء العلة للوجود علة تامة للعدم و لكن إذا انتفى المجموع او اثنان أو ثلاثة فإن كانت في عرض واحد فالمؤثر هو المجموع لانتفاء الترجيح و عدم جواز توارد العلل المتعددة على معلول واحد و إلا فالسابق هو المؤثر لصلاحية السبق للترجيح إذا عرفت ذلك فاعلم- من أن التوقف من طرف الوجود فعلى- أي من جهة كونه وجوديا يحتاج إلى تحقق جميع أجزاء علته و منها عدم مانعة فيكون توقفه على العدم فعليا بخلاف التوقف من طرف العدم أي عدم الضد فإنه أي عدم الشي‏ء إنما يستند إلى وجود المانع على فرض ثبوت المقتضي له مع شراشر شرائطه غير عدم وجود ضده و لعله كان محالا أي لعل فرض وجود المقتضي لذلك الضد مع وجود هذا الضد محالا لاجل انتهاء عدم وجود أحد الضدين مع وجود الآخر إلى عدم تعلق الارادة الازلية به و تعلقها بالآخر حسب ما اقتضته الحكمة البالغة

19

أي يستحيل ثبوت المقتضي- أي الارادة- لكلا الضدين إذ في حال إرادة فعل الصلاة يمتنع إرادة ضده الإزالة- فيكون العدم دائما مستندا إلى عدم المقتضي له- أي عدم الازالة حين فعل الصلاة مستند على عدم إرادة الازالة لا إلى وجود الصلاة- فلا يكاد يكون مستندا إلى وجود المانع- اي فعل الصلاة- كي يلزم الدور- أي من ذلك ترى عدم صحة- استناد عدم الاحراق إلى وجود الرطوبة مع عدم وجود النار أو عدم تحقق شرطه الذي هو المماسة و المحاذاة الخاصة بخلافه في ظرف وجود أصل النار و تحقق المحاذاة الخاصة و مماسة الجسم مع النار إذ صح استناد عدم الاحراق إلى وجود المانع و الرطوبة و على ذلك فحيث إنه تحقق الصارف في المقام عن الوجود فلا جرم في مثله يكون عدم الضد مستندا إلى عدم الارادة و الصارف الذي هو أسبق رتبة من المانع لا إلى وجود الضد حتى يلزم الدور- إن قلت هذا إذا لوحظا منتهيين إلى إرادة شخص واحد- أي شخص واحد لا يمكن أن يريد ايجاد الضدين معا في الخارج فلا محالة إذا تعلقت إرادته بايجاد أحدهما لم تتعلق بايجاد الآخر و بالعكس فعندئذ يكون عدم الضد مع وجود الضد الآخر مستند إلى عدم المقتضي لا إلى وجود المانع- و أما إذا كان كل منهما متعلقا لارادة شخص فأراد مثلا أحد الشخصين حركة شي‏ء و أراد الآخر سكونه فيكون المقتضي لكل منهما حينئذ موجودا فالعدم لا محالة يكون فعلا مستندا إلى وجود المانع- أي لا إلى عدم ثبوت المقتضي قلت هاهنا أيضا- أي مستند إلى عدم ثبوت المقتضي فإن المقتضي مركب من القدرة و الارادة و الثانية و إن كانت موجودة و لكن الأولى منتفية في الفرض و انتفائها مقدم رتبة على وجود المانع فإنه ح مستند إلى عدم قدرة المغلوب منهما في إرادته و هي مما لا بد منه في وجود المراد و لا يكاد يكون بمجرد الارادة بدونها- أي القدرة- لا إلى وجود الضد- أي وجود المانع- لكونه مسبوقا بعدم قدرته- أي عدم المقتضي- كما لا يخفى.

20

شرط وجود الآخر و وجود كل واحد علة لعدم الآخر أيضا لا يكاد يتم كما عرفت في بحث المقدمة بأن عدم الشي‏ء في صورة عدم المقتضى و وجود المانع مستندا إلى عدم المقضي لا وجود المانع ففي ما نحن فيه (1) عدم الضد مستند إلى عدم إرادته لا وجود الضد.

____________

(1) و بما ذكره في الكفاية، قال المحقق الماتن في النهاية ج 1 ص 363 و قد أورد عليه الاستاد في الدورة السابقة بانه بعد ان كان المعلول استناده في طرف الوجود إلى مجموع أجزاء العلة من المقتضى و الشرط و عدم المانع في عرض واحد بتخلل فاء واحد بينهما في قولك وجدت العلة بأجزاء فوجد المعلول لا بتخلل فاءين بقولك وجد فوجد فوجد المعلول و إلا يلزمه خروج مثل عدم المانع عن كونه من أجزاء العلة التامة في التأثير في تحقق المعلول أي لعدم تأثير العدم في الوجود فلا جرم بمقتضاه حفظ الرتبة بين النقيضين لا بد و أن يكون عدمه أيضا عند انتفاء العلة بأجزائها مستندا إلى انتفاء الجميع في عرض واحد بنحو تخلل فاء واحد على نحو استناد وجوده إلى مجموع أجزاء العلة لا إلى خصوص بعض أجزائها و هو عدم المقتضى فيبطل حينئذ ما ادعى من الترتب و الطولية بين أجزاء العلة التامة من المقتضي و الشرط و المانع في مقام التأثير الفعلى في وجود المعلول و إن ما يرى من عدم صحة استناد عدم الاحراق في المثال المزبور عند عدم وجود النار و تحقق المحاذات الخاصة إلى الرطوبة و وجود المانع فإنما هو فيما إذا أريد، استنادا إلى خصوص المانع و إلا فصحة استناده ح إلى عدم المجموع مما لا ريب فيه كما هو واضح، و أما صحة استناده إلى خصوص عدم المقتضي مع انتفاء الشرط و وجود المانع أيضا فلعله من جهة أقوائية المقتضي ح من بين أجزاء العلة عند العرف في استناد

21

العدم إليه و إلا فبحسب الدقة لا يكون العدم إلا مستندا إلى عدم وجود علته التامة التي من أجزائها الشرط و المانع و من ذلك ربما يكون الأمر بالعكس في استناد العدم عرفا إلى شي‏ء كما في الخشبة التى تحت البحر حيث صح استناد عدم إحراقه إلى وجود الماء عند كونه تحت البحر عرفا و لا يصح استناده إلى عدم وجود النار بل و لئن علل عدم إحراقه إلى عدم وجود النار و الحال هذه ترى بأنه يضحك عليه العرف و ح فإذا لا يكون أجزاء العلة التامة في عالم التأثير في المعلول إلا في عرض واحد و مرتبة واحدة بنحو لا يتخلل بينه و بين المجموع إلا فاء واحد، نقول في المقام أيضا بأن العلة التامة لوجود الصلاة إذا كانت هي الارادة و ترك ضدها الذي هو الازالة حسب ما هو المفروض من مقدمية الترك للوجود و لم يكن بينهما في مقام التأثير في الاثر ترتب و طولية بل كان استناده إلى مجموع الأمرين في عرض واحد بتخلل فاء واحد كقولك وجدت الارادة و ترك الازالة فوجدت الصلاة فلا جرم في طرف العدم أيضا بمقتضى حفظ الرتبة بين النقيضين لا يكونان إلا في مرتبة واحدة فإذا قلب ح كل من الارادة و الترك إلى النقيض بقلب الارادة إلى عدمها و الترك إلى الفعل فقهرا يكون العدم مستندا إلى مجموع الأمرين من وجود الصارف و فعل الضد الذي هو المانع لا أنه مستند إلى خصوص الصارف و عدم الارادة و عليه يتوجّه محذور الدور المزبور نظرا إلى فعلية التوقف ح من الطرفين كما هو واضح و لكن الاستاد (دام ظله) أجاب عن ذلك أخيرا و بنى على الترتب و الطولية بين أجزاء العلة التامة من المقتضي و الشرط و المانع و التزم بتقدم المقتضي على الشرط و المانع رتبة بمقتضى ما بنى عليه من اختلاف أجزاء العلة في كيفية الدخل في وجود المعلول برجوع بعضها كالمقتضى إلى كونها مؤثرات و معطيات الوجود و رجوع بعضها إلى كونها معطيات الحدود للوجود كالشرط و عدم المانع فإنه‏

22

واحد نعم الذي يرد (1) على المقدمية في الطرفين هو استلزام كون وجود كل واحد في رتبة متأخرة عن الآخر نظرا إلى حفظ الرتبة الواحدة بين النقيضين و نفس هذه الجهة محذور مستقل بل هو في الحقيقة وجه استحالة الدور أيضا هذا كله مضافا إلى إمكان دعوى أن مجرد التعاند بين الوجودين لا يقتضى التمانع المصطلح بل غاية اقتضائه عدم اجتماعهما في الوجود.

____________

عليه يكون المقتضى باعتبار كونه مؤثرا و معطيا لاصل الوجود مقدما رتبة على ما يكون دخله في حدوده و لو بنحو دخل منشأ الاعتبار في الأمر الاعتباري كتقدم ذات الوجود على حده العارض عليه رتبة و ح فعند انتفاء المقتضي و وجود المانع لا جرم يكون العدم مستندا إلى عدم ثبوت المقتضي و لا مجال لاستناده إلى وجود المانع أو عدم شرطه إلا في ظرف ثبوت اصل المقتضى للوجود و ح ففى المقام أيضا حيثما كان عدم الارادة و الصارف أسبق رتبة من الشرط و المانع بمقتضى حفظ الرتبة بين النقيضين فقهرا يكون العدم عند عدم الارادة مستندا إلى الصارف لا إلى وجود المانع و هو الضد حتى يتوجه محذور الدور المزبور و هو واضح. لكن الظاهر كما سيأتي أن أجزاء العلة التامة في الرتبة الواحدة و لو يكون الشرائط حدود او اضافات فيصح الوجه الاول و يبقى الدور بحاله، فانه كما اجزاء العلة في الوجود في عرض واحد كذلك بديله و هو اجزاء العلّة للعدم ايضا في عرض واحد.

(1) و قال صاحب الكفاية ج 1 ص 208، و ما قيل في التفصى عن هذا الدور غير سديد فإنه و إن كان قد ارتفع به الدور- أي وجود الضد يتوقف على عدم المانع لكن عدم الضد لا يتوقف على وجود الضد بل بوجود الصارف- إلا أنه غائلة

23

لزوم توقف الشي‏ء على ما يصلح به إن يتوقف عليه على حالها لاستحالة أن يكون الشي‏ء الصالح- أي وجود الضد لان يكون- أي وجود الضد- موقوفا عليه- أي وجود الضد الشي‏ء- أي عدم الضد- موقوفا- خبر ليكون الاول- عليه أي علي عدم الضد ضرورة أنه لو كان- أي وجود الضد- في مرتبة يصلح لان يستند عليه- أي في حال وجود المقتضى لعدم انصرافه فيستند العدم إلى وجود المانع- لما كاد يصح أن يستند- أي وجود الضد- فعلا إليه. توضيح ذلك قال المحقق العراقى في النهاية ج 1 ص 361. قال فالاولى هو المنع عن المقدمية بما في الكفاية إلى أن قال و هو واضح الاستحالة من جهة استلزامه لكون الشي‏ء في رتبتين و بيان ذلك انا لو فرضنا في مثل الصلاة و الازالة مثلا توقف الازالة على عدم الصلاة توقف الشي‏ء على عدم مانعة فلازم التوقف و المقدمية هو تقدم العدم المزبور على وجود الازالة و لازم ذلك بمقتضى حفظ الرتبة بين النقيضين تقدم وجود الصلاة أيضا على عدم الازالة نظرا إلى كونها في رتبة عدمها الذي هو مقدم رتبة على وجود الازالة نظرا إلى كونها في رتبة عدمها الذي هو مقدم رتبة على وجود الازالة فإذا فرضنا بمقتضى المعاندة المزبورة توقف الصلاة أيضا على الازالة توقف الشي‏ء على عدم مانعة يلزمه لا محالة بمقتضى حفظ الرتبة بين النقيضين تقدم الازالة أيضا وجودا و عدما على وجود الصلاة و لازمه ح صيرورة كل من الصلاة و الازالة في رتبة متأخرة عن الآخر الملازمة لكن كل منهما في رتبتين و هو كما ترى مقطوع استحالته و ح فكان ذلك برهانا قطعيا على استحالة ما ادعى من المقدمة بين الضدين كما هو واضح- إلى أن قال- و ح فالعمدة في الاشكال على المقدمية هو ما ذكرنا من لزوم كون الشي‏ء في رتبتين نظرا إلى مقدمية ترك كل واحد من الضدين بعد كون المطاردة من الطرفين لوجود الضد الآخر بل ذلك أيضا لازم للاشكال الثانى أيضا نظرا إلى بقاء غائلة الدور و هو لزوم كون الشي‏ء في رتبتين بعد على حاله و إن اندفع فعلية التوقف بالبيان المزبور كما هو واضح‏

24

و هذا المقدار (1) لا يقتضي تقدم أحدهما على الآخر بل غاية الأمر اقتضائه وجود أحدهما مع عدم الآخر و لو في رتبة واحدة و ح لا موجب لاقتضاء أزيد من التلازم بين أحد الوجودين في الضدين مع‏

____________

(1) هذا هو الجواب الاول من صاحب الكفاية و قد تقدم مفصلا. و أجاب المحقق الاصفهانى عن الوجهين الاولين في كلام صاحب الكفاية بل الدور أيضا كما تبعه استاذنا الخوئي- في هامش الاجود ج 1 ص 208- قال في النهاية ج 1 ص 219. و تحقيق الجواب عنه أن غاية ما يقتضيه الملاءمة بين الضدين و نقيض ضده هي المقارنة الزمانية بين الضد و عدم الآخر و المقارنة الزمانية لا تنافي التقدم بالعلية أو بالطبع كما أن التقدم الزمانى لا ينافي العلية أيضا و أما كون عدم الضد بديلا لعين الضد فلا يقتضى أن يكون في رتبته بل كما لا يأبى من أن يكون في رتبة ضده كذلك لا يأبى عن أن يكون متقدما عليه أو متأخرا عنه طبعا و الشاهد على ما ذكرنا من أن نقيض ما لا تقدم له على شي‏ء لا يأبى عن أن يكون متقدما عليه بالطبع هو أن الشرط وجوده متقدم بالطبع على مشروطه قضاء لحق الشرطية و عدمه لا تقدم له بالطبع على مشروطة لان التقدم بالطبع لشى‏ء على شي‏ء بملاك يختص بوجوده او عدمه لا أن ذلك جزاف بخلاف التقدم الزمانى و المعية الزمانية فإن نقيض المتقدم زمانا إذا فرض قيامه مقامه لا محالة يكون متقدما بالزمان و لذا قيل و أشرنا إليه سابقا إن ما مع العلة ليس له تقدم على المعلول إذا التقدم بالعلية شأن العلة دون غيره بخلاف ما مع المتقدم بالزمان فإنه أيضا متقدم لانه في الزمان المتقدم- إلى أن قال- فنقول ملاك التقدم بالعلية أن لا يكون للمعلول وجوب الوجود إلا و للعلة وجوبه و ملاك التقدم بالطبع أن لا يكون للمتأخر وجود إلا و للمتقدم وجود و لا عكس‏

25

فإنه يمكن أن يكون للمتقدم وجود و ليس للمتأخر وجود كالواحد و الكثير فإنه لا يمكن أن يكون للكثير وجود إلا و الواحد موجود و يمكن أن يكون الواحد موجودا و الكثير غير موجود فما فيه التقدم هنا هو الوجود و في التقدم بالعلية وجوب الوجود و منشأ التقدم الطبعى تارة كون المتقدم من علل قوام المتأخر كالجزء و الكل و الواحد و الاثنين فيسري إلى الوجود فيكون التقدم في مرتبة التقدم الماهوي تقدما بالماهية و التجوهر و في مرتبة الوجود تقدما بالطبع، و أخرى كون المتقدم مؤثرا فيتقدم بوجود الاثر كالمقتضى بالاضافة إلى المقتضى و ثالثة كون المتقدم مصححا لفاعلية الفاعل او متمما لقابلية القابل بل كالشروط الوجودية و العدمية فكما أن الوضع و المحاذات مصحح لفاعلية النار في الاحراق مثلا، كذلك خلوّ المحل عن الرطوبة متمم لقابلية المحل للاحتراق و هكذا الأمر في السواد و البياض فإن خلو الموضوع عن السواد متمم لقابلية الموضوع لعروض البياض لعدم قابلية الجسم الابيض للسواد و الاسود للبياض و منه يتضح للمتأمل عدم ورود الدور الآتي إذ عدم اتصاف الجسم بالسواد لا يحتاج إلى فاعل و قابل كى يحتاج إلى مصحح فاعلية الفاعل و متمم قابلية القابل كى يتوهم توقف عدم الضد على وجود الضد أيضا، و اتضح مما ذكرنا تحديد ملاك التقدم بالطبع أن الصلاة و الازالة لهما التقدم و التأخر بالطبع فإنه لا وجود للازالة مثلا إلا و الصلاة غير موجودة و كذا الصلاة بالاضافة إلى ترك الازالة بخلاف عدم إحداهما على وجود الأخرى فإنه يمكن عدمهما معا و عدم إمكان عدم الضدين اللذين لا ثالث لهما ليس من حيث التوقف بل من حيث انحصار التضاد بين اثنين إلى أن قال فالتحقيق الذي ينبغى و يليق هو تسليم مقدمية عدم الضد لوجود الآخر بنحو التقدم بالطبع كما عرفت إلا أنه مع ذلك لا يجدي الخصم شيئا إذ ليس كل متقدم بالطبع يجب بالوجوب المقدمى كما

26

عرفت في أجزاء الواجب فإن الجزء كما عرفت في المبحث السابق له التقدم الطبعى لكنه حيث لا وجود للاجزاء بالاسر وراء وجود الواجب النفسى فلا معنى لايجابها بوجوب غيري زيادة على وجوبها النفسى و إن كان لها التقدم الطبعى فكذا في عدم الضد الموقوف عليه وجود ضده فإن البعث إلى الضد كاف في تحصيله لانه لا يوجد إلا و شرطه محقق و هو عدم ضده لا أن وجوده موقوف خارجا على تحصيل عدم ضده بخلاف المقدمات المبائنة تحققا عن ذيها هذا في العدم الازلى و أما العدم الطارئ فإن كان المأمور به مما يتحقق بمجرد الارادة كالاعراض القائمة بالشخص من الازالة و الصلاة فوجود الارادة و هي مقتضى الازالة مساوق لعدم إرادة الصلاة و لو كان في أثنائها فعدم الصلاة و رفع اليد عنها لا يحتاج إلى تسبيب، و أما إذا كان المأمور به لا يتحقق بمجرد الارادة كما إذا أمر بإيجاد البياض في محل مشغول بالسواد فإن إرادة وجود البياض و عدم إرادة بقاء السواد لا يكفى في زوال السواد فلا محالة يجب رفعه و حيث إن حكه أو غسله أمر وجودي لا يؤثر في العدم بل ملازم له لانتقال السواد بانتقال الاجزاء الصغار القائم بها فيوجب الحك أو الغسل حركتها من مكان إلى مكان و هي ملازمة لعدم السواد في المحل فلا محالة لا يجب الحك أو الغسل لعدم المقدمية و لا يجب ملازمة المقدور عليه بالقدرة على ملازمة الوجودي إلا بعد اللابدية من اتيان ملازمة الوجودي و لو عقلا و ليس كذلك إلا بعد المقدمية عقلا إلخ. و فيه أولا: لا نعرف تقدم الطبعى في قبال التقدم الزمانى و التقدم الرتبى، فإن الشي‏ء اما متقدم زمانا او رتبة و لذا ما مثل يكون من قبيل العلل، و ثانيا أن ما ذكره من كون البديل لا يقتضى أن يكون في رتبته ممنوع فإنه ح لا يكون بديلا لو كان في رتبتين كما في النقيضين فيعتبر اتحاد الرتبة في النقيضين و إلا لا يكون المتقدم نقيضان فالنقيضان عدم الشي‏ء في موطن‏

27

الوجود زمانا و رتبة. و ثالثا: ما مثل من عدم الشرط ففيه إن عدم الشرط ايضا مقدم رتبة على المشروط فإنه بانتفائه ينتفى المشروط و هو الدخيل في انتفاء المشروط مقتضى تقدم أجزاء العلة رتبة على المعلول مضافا إلى أنه قال الشرط متقدم عليه بالطبع ليس كذلك بل تقدم عليه رتبة بالعلة و التوقف و المقدمية، و ما ذكره من الملاك موجود في العدم بعين ما في الوجود بعنوان النقيض كما عرفت فلا فرق بين التقدم الزمانى و الرتبى في ذلك أصلا و ما ذكره من الامثلة كل ذلك تقدم بالعلية كما هو واضح و وجوب الوجود و ما ذكره من أن الواحد موجود في الكثير و الواحد موجود و الكثير ليس بموجود سفسطة من الكلام فإن الكثير موجود فالواحد من أجزائه موجود، و الواحد موجود فالكثير بما هو كثير ليس بموجود، لكن نفس الواحد في ضمنه كما كان الكثير موجودا موجود و من أجزائه فلا تفاوت أصلا. و رابعا: ما ذكره من الصلاة و الازالة فلا تقدم لعدم إحداهما مع وجود الآخر بل من المتقارنات كما عرفت لتمانعهما فلا وجه لتسليم المقدمية أصلا و توهم عدم سراية الوجوب إليه فإنه على فرض التسليم فلا يكفى البعث إلى وجود الضد لحصول شرطه فيمكن أن يأتى بالضد الآخر كالصلاة و لا يحصل شرط الازالة فلا بد و أن يترشح الوجوب إليه و من ذلك تعرف الاشكال في بقية كلامه. فتحصل إلى هنا أن أجزاء العلة التامة تكون في صف واحد من التأثير و التقدم بالعلية في طرف الوجود و العدم، و إنما الاختلاف بالرتبة فلا مقدمية لترك الصلاة لفعل الازالة أصلا نعم يكون التلازم بينهما و سيأتى و يلزم الخلف و تقدم الشي‏ء على نفسه، كما تقدم مفصلا و ذكر استادنا الخوئي في هامش الاجود ج 1 ص 255 في رد المحقق النائيني بأن عدم الضد يستند إلى عدم المقتضى قال: إن ما أفاده من دعوى استحالة وجود المقتضى لكل من الضدين في أن واحد غير صحيح لان كلا من المقتضيين‏

28

أيضا يقتضى أثره في نفسه و مع قطع النظر عن الآخر فمقتضى البياض مثلا إنما يقتضيه في نفسه كما أن مقتضى السواد مثلا إنما يقتضيه كذلك و هذا أمر ممكن لا استحالة فيه أصلا، إنما المستحيل هو اقتضاء شي‏ء للبياض المقارن للسواد مثلا و أين ذلك من فرض وجود المقتضى لكل من الضدين في نفسه لا بقيد اجتماعه مع الآخر و لو لا ما ذكرناه لاستحال استناد عدم الشي‏ء إلى وجود مانعة أبدا لان الاثر المترتب على وجود المانع أن لم يكن مضادا للممنوع فلا موجب لكونه مانعا منه و إن كان مضادا له فكيف يعقل وجود المقتضى لما فرض ممنوعا ليستند عدمه إلى وجود المانع إلخ. و لكن فيه إن المقتضى لكليهما موجود من الملاك و المصلحة فهو مسلم لكن يقتضى أثره في نفسه في مورد الاجتماع و التقارن ممنوع لتضادهما بأن يتعلق إرادته بالسواد فقط في حين مقارنتها مع الارادة بالبياض فقد في نفس المحل و المقتضي يؤثر في سائر الافراد لا ربط له بهذا الفرد و هذه الحصة من المقتضى و كونه مع قطع النظر عن ملاحظة الآخر لا أثر له لانه لا يدور مدار اللحاظ بل من الامور الواقعية فالعدم لا محالة مستند إلى عدم المقتضي و هو الارادة و مجرد لو لا وجود الضد الآخر لكان يؤثر أثره و لكن وجوده يزاحمه في تأثيره لا يوجب ثبوت الارادة هذا و إن قيل هذه الشأنية تكفي في ثبوت الدور المتقدم لكن قد عرفت أنه الخلف، و تقدم الشي‏ء على نفسه و هو محال فالمقدمية غير ثابتة على كل حال بين عدم الضد الخاص و وجود الضد الآخر.

29

عدم الآخر بلا مقدمية لاحدهما على الآخر اصلا و ح فلا موجب لاقتضاء الأمر بأحدهما النهى عن الآخر إذ قد عرفت بأن ما هو مقتضى له من المقدمية فصغراه ممنوعة و ما هو موجود من صغرى الملازمة فكبرى اقتضائه ممنوعة و لذا كان نظر المشهور بين القائلين بالاقتضاء إلى حيث المقدمية و التمانع المصطلحة و لا أظن فيهم من التزم باقتضاء صرف تلازم الوجودين التلازم بين حكميهما. فراجع كلماتهم (1) نعم غاية ما يقتضى التلازم المزبور عدم اجتماع الأمر بأحد الوجودين مع الأمر بالآخر فوجوب الشي‏ء حينئذ لا يقتضى إلا عدم وجوب الآخر لا حرمته و هذا المقدار في الجملة ما لا إشكال فيه.

____________

(1) قال المحقق القمى في القوانين ج 1 ص 108 الثانية أن ترك الضد مما يتوقف عليه فعل المأمور به لاستحالة وجود الضدين في محل واحد فوجود أحدهما يتوقف على انتفاء الآخر عقلا فالتوقف عقلى و إن كان الضد شرعيا، إذ المراد بعد فرضه ضدا و قد أغرب بعض المحققين فانكر كونه مقدمة و قال: إنه من المقارنات الاتفاقية. و قال في الفصول ص: 94 و لنا على أنه يستلزم النهي عن الضد الخاص حيث لا يكون الضد وجود ما تعلق الأمر بتركه و لو في ضمن الكل إن ترك الضد حينئذ مما يتوقف عليه حصول الواجب و يجب لما مر من وجوب مقدمة الواجب و وجوب الترك للتوصل إلى الواجب معنى النهى الغيري و قد يستدل على ذلك بأن فعل الضد مستلزم لترك الواجب المحرم فيحرم لاستحالة اختلاف حكم المتلازمين و قد مر ضعفه سابقا حيث بينا أن مستلزم الحرام لا يكون من حيث كونه مستلزما له حراما ما لم يكن سببا فعليا و لا ريب‏

30

أن فعل الضد و إن كان لمانعيته سببا لترك الواجب إلا إنه سبب شأنى غالبا لاستناد ترك الواجب إلى الصارف دون فعل الضد فيحرم الصارف دونه و كذا الحال فيما لو فسر النهى بطلب الكف حيث يتوقف فعل الواجب عليه إلخ. إلى غير ذلك من كلماتهم إلى هنا تبين عدم مقدمية ترك أحد الضدين لوجود الضد الآخر و لا ملازمة بين وجوب الضد و حرمة ضد الآخر اصلا.

الأمر السابع في اقتضاء العينية و التضمن و الالتزام في الضد العام‏

بمعنى الترك، و قال صاحب الفصول ص: 93 لنا ان الأمر بالشى‏ء عين النهى عن الضد العام إن فسر الترك فيهما بعدم الفعل. إن معنى النهى عن الترك ح طلب ترك الترك لان معنى النهى طلب الترك و طلب ترك الترك عين طلب الفعل في المعنى و ذلك ظاهر، و إنما قلنا إنه عينه في المعنى إذ لا ريب في تغايرهما بحسب المعنى المفهوم كالوجود و عدم العدم إلى أن قال إن الكلام في عينية المفهومين بحسب الصدق لا في التسمية إذ لم يدع أحد أن النهى عن الضد له معنى غير معناه المتداول أعنى طلب الترك حتى يطالب فيه بالنقل أي نقل عن أهل اللغة و يرجع ح إلى اللفظ و عينية المفهومين في الصدق و إن كانت من الامور الواضحة إلا أن التشاجر في نظائرها غير عزيز في كتب القوم، و لنا على أنه يستلزم النهى عن الضد العام إلى أن قال و لنا على أنه يستلزم النهى عن الضد الخاص إلى أن قال و لنا أنه عين النهى عن ضده الخاص حيث يكون الضد وجود ما تعلق الأمر بتركه و لو في ضمن الكل و إن مطلوبية الترك عين النهى عن الفعل فإن كان الترك تمام المطلوب فلا إشكال فإن قول القائل اترك كذا أمر بترك الفعل و هو معنى النهي و مثله تجنب، و احترز و كف فإن المفهوم منها عرفا إنما هو طلب و إن كان جزئه كما في الصوم فإن اعتبر منفردا كان واجبا غيريا من باب المقدمة كما مر، و هو معنى النهى عن فعله و إن اعتبر في ضمن‏

31

الكل كان واجبا نفسيا بوجوب الكل إلخ. و توضيح ذلك إن حقيقة النهى عبارة عن طلب الترك قبال الأمر الذي هو طلب الوجود و إن ترك الترك في المقام بعد إن كان عبارة أخرى عن الوجود الذي هو طارد العدم قهرا كان طلب الوجود أيضا عبارة أخرى عن النهى عن النقيض الذي هو عبارة عن طلب ترك الترك و مقتضاه ح هو عينية الأمر بالشى‏ء مع النهى عن النقيض بحسب المنشأ و إن لم يكن كذلك بحسب المفهوم، نظير الانسان و الحيوان الناطق مختلفان مفهوما و متحدان مصداقا، و أجاب عنه صاحب الكفاية ج 1 ص 211 و من هنا انقدح أنه لا وجه لدعوى العينية ضرورة أن اللزوم يقتضى الاثنينية لا الاتحاد و العينية نعم لا بأس بها بأن يكون المراد بها أنه يكون هناك طلب واحد و هو كما يكون حقيقة منسوبا إلى الوجود و بعثا إليه كذلك يصح أن ينسب إلى الترك بالعرض و المجاز و يكون زجرا و ردعا عنه فافهم، و ذلك على ما اختاره من كفاية حسن الاستعمال بالطبع و لا يحتاج الى وجود احدى العلائق لعدم وجودها في المقام و على أي.

و بمثل ذلك أجاب المحقق العراقى في النهاية ج 1 ص 377. قال في مثله كان المتعين هو الاخير من كونه على نحو الالتزام دون العينية و التضمن إلى أن قال و ذلك لما سيجى‏ء من أن حقيقة النهى عن الشي‏ء ليس إلا عبارة عن الزجر عن الوجود في قبال الأمر الذي هو الارسال و البعث نحو الوجود لا أنه عبارة عن طلب الترك كى يلزمه اشتراكه مع الأمر في جزء المدلول و هو الطلب فيلزم عينيتهما في المقام بحسب المنشأ و عليه فمن الواضح المغايرة التامة بين مدلوليهما علاوة عما كان بين مفهوميهما من المغايرة إلى أن قال و ح يتعين الأمر بكونه على نحو الالتزام نظرا إلى ما هو الواضح من الملازمة التامة بين إرادة الشي‏ء و كراهة تركه بحسب الارتكاز بحيث لو التفت الترك ليبغضه‏

32

و يمنع عنه نعم لا بأس بدعوى العينية بينهما بحسب الانشاء بلحاظ كونه مبرزا عن مبغوضية الترك كإبراز عن محبوبية الوجود و مطلوبيته. و عليه يلازم الأمر الشي‏ء النهى عن ضده العام بقاعدة الملازمة لا العينية و مثل ذلك اختار المحقق النائيني في الاجود ج 1 ص 252. و أما دعوى الدلالة عليه بالالتزام بنحو اللزوم البين بالمعنى الاخص بأن يكون نفس تصور الوجوب كافيا في تصور المنع عن الترك فليس ببعيدة و على تقدير التنزل عنها فالدلالة الالتزامية باللزوم البين بالمعنى الاعم مما لا إشكال فيها و لا كلام. و لكن يرد عليه كما أفاد استادنا الآملي في المنتهى ص 26 قال بعدم الملازمة بين الأمر بالشى‏ء و النهى عن ضده العام لان الأمر بالشى‏ء لا يعقل أن يكون زجرا عن تركه لتغايرهما مفهوما و مصداقا نعم إذا قيل إن الأمر بالشى‏ء وجوبا يستلزم الزجر عن تركه فلا مانع من قبوله لان الشي‏ء المشتمل على مصلحة تدعوا إلى إرادته من الغير بنحو الالزام يكون تركه مبغوضا لمريده بغضا يساوق حب فعله و إيجاده في المرتبة و لا ريب في أن ملاك الزجر هو بعض المزجور عنه سواء كان الداعى إلى بغضه اشتماله على المفسدة أم شدة حب نقيضه حب الشي‏ء و لو كان بنحو الغلو و الافراط لا يستلزم بغض تركه على نحو الحقيقة بل بالعرض و المجاز لان البغض كالحب لا ينشأ في النفس متعلقا بشي‏ء الا لملاك يقتضيه و لا ريب في أن ترك الشي‏ء المحبوب او المراد ليس فيه ملاك يدعوا إلى بغضه أو كراهته كما أن الشي‏ء المبغوض لملاك يقتضي بغضه لا يكون تركه محبوبا بلا ملاك يقتضى حبه و إرادته نعم يصح نسبة البغض إلى ترك المحبوب بالعرض و المجاز عرفا و كذا الأمر بالنسبة إلى ترك المبغوض كما مر.

و اختار ذلك استاذنا الخوئي أيضا في هامش الاجود ج 1 ص 251. و الحق عدم اقتضائه لها لان الحكم الواحد و هو الوجوب في محل الكلام لا يخل إلى حكمين‏

33

ليكون تارك الواجب تاركا له و مرتكبا للمحرم ضرورة أن الوجوب إنما ينشأ من مصلحة لزومية في متعلقه فتركه ترك ما فيه المصلحة لا أنه فعل ما فيه المفسدة، نعم يصح إطلاق المبغوض على ترك الواجب بنحو من العناية و المسامحة لكنه أجنبى عما هو محل الكلام كما هو ظاهر و بذلك يظهر لك فساد ما أفاده شيخنا الاستاذ (قدس سره) من تسليم دلالة الأمر بالشى‏ء على النهى عن تركه بالدلالة الالتزامية باللزوم البيّن بالمعنى الاعم بل بمعناه الاخص أيضا هذا مع أن نفيه البعد عن اللزوم البين بالمعنى الاخص يناقص ما أفاده أولا من دعوى بداهة إمكان غفلة الأمر بالشي‏ء عن تركه فضلا عن أن يتعلق به طلبه كما هو ظاهر إلخ. و لكن فيه أنه على التنزل لا يرد النقض بل لا يبعد على الاخص لوجوده في ارتكازه كما في المقدمات و لكن الحق مع ما عليه المحقق العراقي و المحقق النائيني و غيرهما كالمحقق الاصفهاني كما سيأتي أيضا من كونه من لوازم بيانه أنه إن أريد من الكراهة الكراهة التفصيلية المتوقفة على الالتفات الى الموضوع تفصيلا مع ما عليه من الجهات فالحق عدم الملازمة و إن أريد الكراهة الارتكازية أي من نفس تلك المصلحة الكامنة في الوجوب فالحق هو الملازمة بينهما و عليه فاللفظ الدال على إحداهما بالمطابقة دال على الأخرى بالالتزام نعم إن دلالة مثل الصيغة على الارادة ليست دلالة لفظية فلا تكون مطابقة و التزاما بل تدل على احداهما كما تدل على الأخرى فتكون عقلية فان الحكم هي الارادة المبرزة كما مر مرارا. و قال في المعالم لنا على الاقتضاء في العام بمعنى الترك ما علم من أن ماهية الوجوب مركبة من أمرين أحدهما المنع من الترك فصيغة الأمر الدالة على الوجوب دالة على النهى عن الترك بالتضمن و ذلك واضح إلخ.

و مراده من قوله ما علم إلخ، ما ذكره قبل هذا من قوله و حقيقة الوجوب ليست إلا رجحان الفعل مع المنع من الترك. و أجاب عنه صاحب الكفاية ج 1 ص 211.

و التحقيق أنه لا يكون الوجوب إلا طلبا بسيطا و مرتبة وحيدة أكيدة من الطلب لا مركبا من طلبين، نعم في مقام تحديد تلك المرتبة و تعيينها ربما يقال الوجوب يكون عبارة من طلب الفعل مع المنع عن الترك و يتخيل منه أنه يذكر له حدا

34

فالمنع عن الترك ليس من أجزاء الوجوب و مقوماته بل من خواصه و لوازمه بمعنى أنه لو التفت الأمر إلى الترك لما كان راضيا به لا محالة، و كان يبغضه البتة. و نعم ما قال و توضيح ذلك قال المحقق الاصفهانى في النهاية ج 1 ص: 228.

أما كونه بسيطا سواء كان إرادة نفسانية أو أمرا اعتباريا عقلائيا، فواضح إذ على الاول هو من الاعراض و هي من البسائط الخارجية، و على الثانى فهو أمر انتزاعي اعتباري ينتزع من الانشاء بداعى البحث و التحريك و الاعتباريات أشد بساطة من الاعراض إذ ليس لها جنس و فصل عقلى أيضا بخلاف الاعراض كما هو واضح.

و أما كونه مرتبة وحيدة أكيدة فهو مبنى على كونه من الكيفيات النفسانية و توصيفها بالتأكد بملاحظة ما اشتهر و قد مر مرارا أن الوجوب و الاستحباب مرتبتان من الارادة متفاوتان بالضعف و الشدة إلا أن الذي يقتضى دقيق النظر و إن كان على خلاف ما اشتهر أنه لا فرق في الارادة الوجوبية و الندبية من حيث المرتبة بل الفرق من حيث كيفية الغرض الداعى، و البرهان عليه أن المراد التشريعى كما يختلف من حيث اللزوم و عدمه كذلك المراد التكوينى ضرورة أن ما يفعله الانسان بإرادته ليس دائما مما لا بد منه و لا مناص عنه و مع ذلك ما لم يبلغ الشروق حده المحرك للعضلات لم يتحقق المراد فليس المراد اللزومى مما لا بد في ارادته مرتبة فوق مرتبة ارادة المراء الغير بحيث لو لم يبلغ تلك المرتبة لم يتحقق المراد و إنما التفاوت في الغرض الداعي من حيث كونه لزوميا أو غير لزومى بل الشوق الطبعي ربما يكون أشد من الشوق العقلى لموافقة المراد في الاول لهواه دون الثاني مع عدم اللابدية حتى من حيث الهوى في الاول و ثبوت اللابدية العقلية في الثاني، فإذا كان الأمر كذلك في الارادة التكوينية فكذا الارادة التشريعية إذ لا فرق بينهما إلا من حيث تعلق الأولى بفعل نفسه و تعلق الثانية بفعل غيره، فالشوق إلى فعل الغير إذا بلغ حدا ينبعث من البعث كان إرادة تشريعية سواء كان المشتاق إليه ذا مصلحة ملزمة أم لا و ليس‏

35

الغرض من هذا البيان أن الارادة ليست ذات مراتب لبداهة كونها ذات مراتب كسائر الكيفيات النفسانية بل الغرض أن التحريك الناشئ من الارادة و فيما لا بد منه و في غيره لا يختلفان من هذه الحيثية و إن اختلفتا في نفسها لشدة موافقة المراد للغرض، فإن المرتبة الضعيفة إذا كانت قابلة لتحريك العضلات فلا محالة لا حالة منتظرة لحركتها فلا معنى لتوقفها على بلوغها فوق هذه المرتبة و إلا لزم الخلف فكذا الحال في الارادة التشريعية و التحقيق أن المراد اللزومى و غيره يختلفان من حيث شدة الملاءمة للطبع و عدمها فلا محالة ينبعث منهما شوقان متفاوتان بالشدة و الضعف فكذا في الارادة التشريعية فيكون الشوق المتعلق بما فيه مصلحة لزومية أشد حيث إن ملائمته لطبع المولى أقوى و إن كان بلوغه دون هذه المرتبة كافيا في الحركة و التحريك في التكوينى و التشريعى إلى أن قال إن كراهة الترك أو أمر آخر وجوديا كان أو عدميا ليس شدة في حقيقة الطلب فإن غير الحقيقة لا يوجب اشتداد حقيقة أخرى مضافا إلى أن الكراهة صفة أخرى تقابل الارادة فلا يعقل أن تكون مقومة لها و المنع من الترك من الاعتبارات المنتزعة من الانشاء فلا يعقل أن يكون مقوما للصفة النفسانية و عدم الرضا و عدم الاذن لا يقوم الحقيقة البسيطة الثبوتية و أما الضعف في الارادة أو في سائر موارد التشكيك فراجع إلى حد من الوجود يلزمه عدم وجدان الفرق لا أن الحد بنفسه عدمى و من جميع ذلك ظهر أن هذه المعانى من لوازم الوجوب لا من مقوماته إلخ. و فيه أن ضعف الارادة و شدتها تابع للاعراض لا محالة و يؤثر في كيفية التحريك لا محالة أيضا فلم يأت بشي‏ء مغاير لما عليه القوم من الاختلاف في المرتبة و طبع المولى لا أثر له بعد ما كان الاحكام تابع المصالح و المفاسد. فتحصل إلى هنا أن الأمر بالشي‏ء لا يقتضي النهي عن ضده الخاص لكن يقتضي النهي عن ضده العام بالتلازم في الجملة كما مر مفصلا.

36

الأمر الثامن: [في الفرق بين الضدين الخاصين الذين لهما الثالث و بين ما لا ثالث لهما]

وقع الكلام في ثبوت الفرق بين الضدين الخاصين الذين لهما الثالث و بين ما لا ثالث له في الاقتضاء و عدمه ذهب المحقق العراقى إلى الثاني، قال في النهاية ج 1 ص: 365 و عليه فلا مجال لا ثبات حرمة فعل الضد حتى يترتب عليه فساده إذا كان عبادة لا بمناط التلازم و لا بمناط المقدمية خصوصا على ما تقدم منا في البحث المتقدم من تخصيص الوجوب بالمقدمة الموصلة فإنه على المقدمية أيضا حينئذ لا يكاد اتصاف فعل الضد المقرون بوجود الصارف بالحرمة الفعلية من جهة خروجه ح عن دائرة ما هو نقيض الواجب من غير فرق في ذلك بين أن يكون الضدان مما لهما ثالث بحيث أمكن تركهما معا أم لا كما هو واضح، و الأمر كما ذكر للاستحالة المتقدمة لكن ذهب المحقق النائيني إلى الاول قال في الاجود ج 1 ص 252 و توهم أن الأمر بأحد الضدين الذين لا ثالث لهما عين النهى عن الضد الآخر كما تقدم أن الأمر كذلك في النقيضين لاشتراك الجميع في الملاك و هو امتناع اجتماعهما في الخارج و ارتفاعهما فيه مدفوع بما عرفت من بطلان دعوى العينية في المقيس عليه فكيف بالمقيس نعم قد عرفت عدم البعد في دعوى الملازمة البينة بالمعنى الاخص في الضد العام بمعنى الترك فيكون دعوى الملازمة البينية بما نحن أيضا غير بعيدة إلا أنها ليست بالمعنى الاخص قطعا لعدم كفاية تصور نفس الملزوم في تصور لازمه بل الثابت هي الملازمة البينة بالمعنى الاعم، فإن قلت إذا سلمت الملازمة البينة في الضدين الذين لا ثالث لهما فلا بد لك من تسليمها في مطلق الضدين و لو كان لهما ثالث فإن الجامع بين الاضداد الوجودية مضاد للواجب و لا ثالث لهما فإذا كان حراما فيكون كل فرد وجد منه في الخارج متصفا بالحرمة لا محالة قلت الجامع بين الاضداد الوجودية ليس إلا عبارة عن عنوان انتزاعى يشار به إلى نفس الاضداد الخارجية فكل فرد منه مضاد بنفسه و بخصوصيته للواجب لا

37

باعتبار انطباق الجامع عليه و من المعلوم أن مضادة كل واحد منها بخصوصيته تنفى انحصار التضاد في الاثنين و عليه فلا يسري حكم الضدين اللذين لا ثالث لهما إلى ما إذا كان لهما ثالث باعتبار الجامع الانتزاعى فلا تصح فيه دعوى اللزوم البين بمعناه الاخص أو الاعم هذا مضافا إلى أن الجامع و إن فرض كونه من الماهيات المتأصلة إلا أنه لا يوجد في الخارج إلا في ضمن أفراده و من المعلوم أن الملاك في دعوى اللزوم البين في الضدين اللذين لا ثالث لهما هو ملازمة وجود أحدهما لترك الآخر خارجا و بالعكس فكل منهما و إن لم يكن بنفسه رافعا للآخر كالنقيضين إلا أنه لازم لما هو نقيضه و رافعه فيسري اليهما حكم النقيضين و هو استلزام الأمر بأحدهما للنهى عن الآخر و هذا الملاك مفقود في الضدين اللذين لهما ثالث قطعا لان الموجود في الخارج ليس هو نفس الجامع بل فرده و مصداقه و لا ملازمة بين تركه و وجود الضد الآخر على الفرض و بالجملة ما هو واجد لملاك دعوى اللزوم البين و هو الجامع لا يوجد في الخارج بنفسه و ما يوجد في الخارج و هو الفرد غير واجد لملاكها فتلخص مما ذكرنا أن الأمر بأحد النقيضين يستلزم النهى عن الآخر باللزوم البين بالمعنى الاخص و الأمر بأحد الضدين فيما لا ثالث لهما كالحركة و السكون و الاجتماع و الافتراق يستلزم النهى عن الآخر باللزوم البين بالمعنى الاعم و فيما لهما ثالث لا استلزام أصلا و أما الأمر بأحد المتقابلين بتقابل العدم و الملكة كالتكلم و السكوت بناء على كون السكوت أمرا عدميا، فالظاهر أنه يستلزم النهي عن الآخر باللزوم البين بالمعنى الاخص كما في النقيضين فإن أحدهما بنفسه رافع للآخر لا أنه ملازم للرافع و مجرد إمكان ارتفاعهما في موضوع غير قابل أجنبى عما هو الملاك في دعوى اللزوم البين بالمعنى الاخص. و أورد عليه استاذنا الآملي في المنتهى ص 24. أما أولا فلانه فرق واضح بين النقيضين و بين الضد الملازم لعدم ضده من حيث اقتضاء الأمر بأحدهما للنهى عن الآخر في نظر

38

العرف فإن العرف يرى أن أحد النقيضين إذا كان محبوبا كان نقيضه مبغوضا مثلا إذا كان وجود الشي‏ء محبوبا كان عدمه مبغوضا بنظر العرف و ليس الأمر كذلك في الشي‏ء و لوازمه و مقارناته فإن الشي‏ء إذا كان محبوبا لا يقتضى حبه ان يكون مقارنة في الوجود أو ملازمة محبوبا ليكون نقيض ذلك المقارن أو الملازم مبغوضا لهذا، قيل باقتضاء الأمر بالشى‏ء للنهى عن نقيضه في الاول دون الثانى.

و أما ثانيا فإنه إذا تنزلنا و قلنا بأن حب الشي‏ء يستلزم سراية الحب إلى مقارنة أو ملازمة فلا موجب لحصر هذا الاقتضاء في الضدين اللذين لا ثالث لهما لان الملاك الموجب للاقتضاء المزبور هي الملازمة أم المقارنة في الوجود و هذا الملاك متحقق في كل ضد مع عدم ضده سواء كان لهما ثالث أم لم يكن إذ لا دخل لعدم الثالث في الملاك المزبور كما لا يخفى. و أورد بمثل ذلك استاذنا الخوئي في هامش الاجود ج 1 ص 253 ثم لا يخفى أنه على تقدير تسليم الدلالة الالتزامية في الضد الخاص فيما إذا لم يكن للضدين ثالث لا بد من تسليم الدلالة فيما إذا كان للضدين ثالث أيضا ضرورة أن ملاك الدلالة على النهى إنما هو استلزام وجود الشي‏ء لعدم ضده و هو أمر يشترك فيه جميع الاضداد. و أما استلزام عدم الشي‏ء لوجود ضده المختص بما إذا لم يكن للضدين ثالث فهو أجنبى عن الملاك المزبور بالكلية فما أفيد في المتن من تسليم الدلالة في الضدين اللذين ليس لهما ثالث في إنكارها في الضدين اللذين لهما ثالث لا يمكن المساعدة عليه اصلا. و لكن أفاد استاذنا البجنوردي في المنتهى ج 1 ص 305. أما التلازم قال كما أنه موجود في الذين لا ثالث لهما يقينا فالكبرى و هي لزوم كون المتلازمين في الوجود متوافقين في الحكم مما هو واضح البطلان لان مناط الحكم ربما يكون في أحدهما دون الآخر فيكون وجوده في‏

39

فاقد الملاك جزافا إلى أن قال و مما ذكرنا ظهر عدم تمامية ما احتمله شيخنا الاستاد في الضدين الذين ليس لهما ثالث من أن وجوب أحدهما ملازم عرفا كالحركة مثلا لوجوب عدم الآخر كالسكون و لعل السر في هذا التوهم هو أن غالب موارد الضدين الذين لا ثالث لهما من قبيل العدم و الملكة و قد اشتبهوا في تسميتهم إياها بالضدين فحينئذ يكون داخلا في القسم الاول أي النهى عن ضده العام كما تقدم. و أورد عليه استاذنا الخوئي في المحاضرات ج 3 ص 39 قد ظهر أن الأمر كذلك في النقيضين و المتقابلين بتقابل العدم و الملكة كالتكلم و السكوت فإن اعتبار الشارع الفعل على ذمة المكلف لا يستلزم النهى عن نقيضه و اعتبار عدمه كما أن اعتبار الملكة في ذمة المكلف لا يستلزم النهى عن عدمها فالامر بالازالة مثلا كما لا يستلزم النهى عن الصلاة المضادة لها كذلك لا يستلزم النهى عن نقيضها و هو العدم البديل لها ضرورة أن المتفاهم منه عرفا ليس إلا وجوب الازالة في الخارج لا حرمة تركها و لذلك قلنا إن كل حكم شرعي متعلق بشي‏ء لا ينحل إلى حكمين أحدهما متعلق به و الآخر بنقيضه إلخ. فلا تقتضي بشي‏ء من الوجوه عن النهى عن ضده الخاص و لا النقيض و لا العدم و الملكة أصلا نعم في الضد العام تقدم.

في شبهة الكعبي‏

الأمر التاسع: في شبهة الكعبى‏

نقل في هامش القوانين ج 1 ص 112 حاشية السيد على إلى أن قال: كما نقله العميد و المدقق المحشى في حاشية المعالم حيث قرره في المنية إلى أن قال و قال في الحاشية و ذكروا في تقرير شبهة الكعبي انه ما من مباح إلا و هو ترك حرام فإن السكوت ترك القذف و السكوت‏

40

ترك القتل و ترك الحرام واجب انتهى و ما عداهما مما نقل كما في مختصر الحاجبي فهو تأويل إلخ. و قال في القوانين المباح يجوز تركه خلافا للكعبى فإنه قال بوجوب المباح و المنقول عنه مشتبه المقصود إلى أن قال و المنقول عنه في دليله وجها أحدهما: إن ترك الحرام واجب و هو متلازم الوجود مع فعل من الافعال فكل ما يقارنه فهو واجب لامتناع اختلاف المتلازمين في الحكم و ثانيهما: إنه لا يتم ترك الحرام إلا بإتيان فعل من الافعال و هو واجب فذلك الفعل أيضا واجب لان ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. و قال في الفصول ص 91.

و أعلم أن المقالة المنقولة عن الكعبي في المقام لا يخلو عن نوع إجمال إلخ.

و زاد الشيخ الاعظم الانصاري في التقريرات وجها ثالثا قال ص 122 و ثالثها إن ترك الحرام عين فعل المباح فوجوب تركه ليس إلا وجوب فعل المباح إلخ. و هذه الوجوه الثلاثة تقدم بطلانها من المقدمية و التلازم و العينية و ذكر المحقق النائيني الاستدلال الثانى المزبور في الاجود ج 1 ص 261. و قال بقى الكلام فيما ذهب إليه الكعبى من القول بانتفاء المباح و هذا القول مبتن على مقدمتين الأولى:

توقف ترك الحرام على فعل من الافعال الوجودية بدعوى استحالة خلو المكلف عن فعل من الافعال الاختيارية الثانية احتياج الحادث في بقائه إلى المؤثر فيترتب عليهما إن ترك الحرام يتوقف حدوثا و بقاء على إيجاد فعل من الافعال الاختيارية فيكون واجبا بالوجوب المقدمى فلا يمكن فرض مباح في الخارج و يرد عليه أن المقدمة الأولى ممنوعة بداهة أن الحرام بما أنه من الافعال الاختيارية يكفى في عدمه وجود الصارف و عدم الارادة فلا يكون موقوفا على إيجاد فعل آخر و إنما يكون ملازما له في الخارج بل يمكن فرض خلو المكلف عن تمام الافعال الارادية لعدم تعلق إرادته بها و أما اتصافه في هذا الحال بالسكون لا محالة فإنما هو من باب الاتفاق لا من جهة صدوره منه بالارادة

41

و الاختيار نعم لو فرضنا توقف بقاء الصارف على فعل من الافعال الوجودية أحيانا بحيث لو لم يستغل به لاضمحل الصارف و يقع في الحرام يقينا لامكن أن يلتزم فيه بوجوب إيجاده مقدمة للواجب و لا ضير فيه إذ لا يلزم منه إنكار المباح رأسا إلا أن الصحيح هو عدم وجوبه شرعا لعدم كون وجوب الصارف المتوقف عليه شرعيا و إنما هو واجب عقلى لتوقف الامتثال الواجب عقلا عليه و ذلك لان الاحكام الشرعية إنما تتعلق بالافعال الخارجية لا بالدواعى المتوقف عليها الامتثال الواجب عقلا فإذا لم يكن الصارف واجبا شرعا فلا يكون ما هو مقدمة وجوده واجبا شرعيا ليلزم منه انتفاء المباح بل إنما يجب الاتيان به عقلا لتوقف واجب عقلى عليه نظير لزوم الاتيان عقلا بتمام أطراف العلم الإجمالي بالتكليف الوجوبى لتوقف الامتثال الواجب عقلا عليه و من الواضح أن كون شي‏ء واجبا عقلا لا يلزم منه نفى المباح و الحكم عليه بالوجوب شرعا.

و بالجملة أن ترك الحرام مستند إلى الصارف لا فعل المباح فالمباح باق على إباحته.

(في ثمرة النهي عن الضد)

الأمر العاشر: [في ثمرة النهي عن الضد]

الثمرة قال في الكفاية ج 1 ص 212 تظهر الثمرة في أن نتيجة المسألة و هي أن النهى عن الضد بناء على الاقتضاء بضميمة أن النهى في العبادات يقتضى الفساد ينتج فساده إذا كان عبادة إلخ، بما مر ان الأمر بالازالة إذا اقتضى البعث إلى ترك الصلاة فقد اقتضى الزجر عن فعلها ففعلها عصيان للامر بالازالة فلا يمكن التعبّد به، و قال صاحب الكفاية ج 1 ص 212 و عن البهائي رضى اللّه عنه أنه أنكر الثمرة بدعوى أنه لا يحتاج في استنتاج الفساد إلى النهي عن الضد بل يكفي عدم الامر به لاحتياج العبادة إلى الأمر إلخ. و توضيحه أنه‏

42

يقتضى عدم الأمر به لامتناع الأمر بالمتضادين في وقت واحد فإذا لم يكن الضد مأمورا به يقع فاسدا لان صحته موقوفة على الأمر به و المفروض عدمه و أجاب عنه في الكفاية بقوله و فيه انه يكفى مجرد الرجحان و المحبوبيّة للمولى فإنه يصح منه أن يتقرب به منه كما لا يخفى و الضد بناء على عدم حرمته يكون كذلك أي له الملاك و المحبوبية فإن المزاحمة على هذا لا توجب إلا ارتفاع الأمر المتعلق به فعلا مع بقائه على ما هو عليه من ملاكه من المصلحة كما هو مذهب العدلية أو غيرها أي شي‏ء كان كما هو مذهب الاشاعرة و عدم حدوث ما يوجب مبغوضيته أي و عدم خروجه عن قابلية التقرب به كما حدث بناء على الاقتضاء إلخ، و يشير في هذا الكلام إلى الخلاف بين العدلية و الاشاعرة فذهب الامامية و المعتزلة إلى أن الاحكام تابع المصالح و المفاسد لان الفعل بدون المصلحة و المفسدة يكون قبيحا و القبيح يستحيل عليه تعالى و قالت الاشاعرة بعدم تبعية الاحكام للمصالح و المفاسد بل جوزوا الأمر و النهى بلا غرض فإن الأمر بالفعل للمصلحة و النهي للمفسدة من شأن الناقض المستكمل بذلك الغرض و هو تعالى كامل لا نقص فيه فالحسن ما أمر به المولى و القبيح ما نهى عنه المولى و الجواب عنه أن النقص إنما يلزم إذا كان عائدا إليه تعالى و أما إذا كان عائدا إلى غيره فلا يوجب نقصا فيه تعالى و الحق بالجواب المحقق النائيني في الاجود ج 1 ص 263. و أما على الثاني أي أن يكتفى في العبادية باشتمالها على ملاك الأمر فتصح مطلقا أما بناء على عدم القول باقتضاء الأمر بالشى‏ء للنهى عن ضده فواضح و أما بناء على الاقتضاء فلان العبادة حينئذ و إن كانت منهيا عنها إلا أن هذا النهى غيري نشأ من مقدمية تركها أو ملازمته للمأمور به و لم ينشأ من مفسدة في متعلقه ليكون موجبا لاضمحلال ما فيه من الملاك الصالح للتقرب بما اشتمل عليه و بالجملة صحة العبادة و عدمها في فرض المزاحمة

43

إنما تدوران مدار كفاية وجود الملاك في وقوع الفعل عبادة و عدم كفايته فيه سواء في ذلك القول باقتضاء الأمر بالشى‏ء للنهى عن ضده و القول بعدمه إلى أن قال لما ستعرف في بحث النهى عن العبادة إنشاء اللّه تعالى من أن النهي المانع عن التقرب بالعبادة إنما هو النهي النفسى لا الغيري لان النهى الغيري لا ينشأ من مفسدة في متعلقه ليكشف عن عدم تمامية ملاك الأمر و بما أنك عرفت في مبحث التعبدي و التوصلى كفاية قصد الملاك في صحة العبادة و عدم اشتراطها بقصد الأمر إذ لم يدل دليل شرعي على اعتبار أزيد من قصد التقرب بالعمل في وقوعه عبادة، و أما تطبيقه على قصد الأمر و غيره من الدواعي القربية فإنما هو بحكم العقل و قصد الملاك إن لم يكن أقوى في حصول التقرب بنظر العقل من قصد الأمر فلا أقل من كونه مثله تعرف أن الاقوى في محل الكلام صحة الفرد المزاحم و لو بنينا على كونه منهيا عنه بالنهى الغيري فضلا عما إذا لم يكن كذلك. و قال استادنا الآملي و نعم ما قال في المنتهى ص: 27 و يمكن دفع الاشكال عن الثمرة بأن العمل المشتمل على مصلحة تعبدية إنما يصح التقرب به و يصلح له إذا لم يردع الشارع عنه، و أما مع النهى عنه و لو غيريا فلا يكاد يصح التقرب به و إن لم يشتمل على مفسدة ذاتية خصوصا إذا قلنا بأن وجود الضد مقدمة لعدم ضده إذ عليه يكون فعل الضد مقدمة للمعصية فيكون مبغوضا لكونه شروعا في المعصية كما أشرنا إلى ذلك في استحقاق الثواب على مقدمة الواجب في بعض مباحثها فاتضح صحة الثمرة المذكورة بناء على كفاية اشتمال العمل على ملاك العبادة في صلوحه للتقرب به و إن لم يكن مأمورا به فعلا لما أشرنا إليه من أنه على الاقتضاء تكون العبادة منهيا عنها فلا يصح التقرب بها و إن اشتملت على ملاك التعبد بها للردع عنها شرعا و بناء على عدم الاقتضاء يصح التقرب بها و إن لم يكن مأمورا بها لكفاية الملاك العبادي‏

44

في صحة التقرب بذيه إذا لم يردع عنه. و في الاجود ج 1 ص 262 و غيره أيضا و أورد المحقق الثانى على إنكار الثمرة في صورة مزاحمة الموسع بالمضيق ما قد أوضحه جماعة من المحققين ممن تأخر عنه بما حاصله أن الأمر بالشي‏ء إذا كان مقتضيا للنهى عن ضده فلا محالة يكون الفرد المزاحم من الواجب الموسع منهيا عنه فيقيد به إطلاق الأمر به كما هو الحال في غير المقام من بقية موارد النهى عن العبادة و اجتماع الأمر و النهي بناء على تقديم جانب النهى فلا محالة يقع فاسدا بناء على عدم كفاية الاشتمال على الملاك في الصحة، و أما إذا بنينا على عدم الاقتضاء فغاية ما يقتضيه الأمر بالمضيق هو عدم الأمر بهذا الفرد المزاحم لعدم القدرة على الاتيان به شرعا و هو في حكم عدم القدرة عليه عقلا و ذلك لا يقتضى الفساد بداهة إن الوجوب إنما يتعلق بصرف وجود الطبيعة لا بخصوصية أفرادها ليرجع التخيير بينها إلى التخيير الشرعي فملاك الامتثال إنما هو انطباق المأمور به على الفرد الخارجى لا كون الفرد بشخصه مأمورا به و ح فبما أن الواجب الموسع له أفراد غير مزاحمة و صرف وجود الطبيعة مقدور للمكلف يصح تعلق الأمر به من المولى إذ لا مزاحمة بينه و بين الواجب المضيق و إنما المزاحمة بين المضيق و الفرد المزاحم من الموسع و إذا كان صرف وجود الطبيعة مطلوبا للمولى و كان انطباقه على الفرد المزاحم قهريا فيتحقق به الامتثال قهرا و يكون مجزيا عقلا و بالجملة حال الفرد المزاحم حال غيره من الافراد فكما أن ملاك الامتثال فيها هو انطباق المأمور به عليها لا كون أنفسها مأمورا بها كذلك يكون الملاك في الفرد المزاحم هو الانطباق المذكور أيضا، لا يخفى أنه قبل أن نذكر جواب المحقق الثانى نشير إلى جهة و هي إن القدرة شرط عقلى أم شرعي، ذكر القائد الخميني في التهذيب ج 1 ص 244 و عليه غيره من الاساتذة أيضا و على أي قال: إن الاحكام الشرعية غير مقيدة بالقدرة لا

45

شرعا و لا عقلا و إن كان حكم العقل بالاطاعة و العصيان في صورة القدرة، توضيحه أن الاحكام الشرعية الكلية عارية بحكم الاطلاق عن التقييد بالقدرة فيشمل الجاهل و العاجز بإطلاقها و توهم أن الارادة الاستعمالية و إن تعلقت بالمطلق إلا أن الجدية متعلقة بالمقيدة بالقدرة مدفوع بأن التقييد إما من جانب الشرع أو من ناحية العقل و كلاهما فاسدان. أما الاول فلانه لو كانت مقيدة بها من الشرع لزم القول بجريان البراءة عند الشك في القدرة و هم لا يلتزمون به بل قائلون بالاحتياط مع الشك فيها و لزم أيضا جواز احداث ما يعذر به اختيار أو لا أظن التزامهم به و منه يعلم عدم كشف التقييد الشرعي عقلا على أن ذلك لا يجامع ما أجمعوا عليه من بطلان اختصاص الاحكام بالعالمين لان التفكيك بين العلم و القدرة غير واضح إذ لو كشف العقل عن التقييد بالقدرة شرعا فلا بد و أن يكشف عن التقييد بالعلم أيضا لان مناط التقييد واحد و هو قبح خطاب العاجز و الجاهل. و أما الثانى أعنى تقييد العقل مستقلا فلان تصرف العقل بالتقييد في حكم الغير و إرادته مع كون المشرع غيره باطل إذ لا معنى أن يتصرف شخص في حكم غيره و الحاصل أن تصرفه في الادلة لا يرجع إلى محصل بل تصرف العقل في إرادة المولى أو جعله لا معنى معقول له إذ التقييد و التصرف لا يمكن إلا للجاعل لا لغيره، نعم يخص للعقل حكم مقام الاطاعة و العصيان و تشخيص أن مخالفة الحكم في أي مورد توجب استحقاق العقوبة و في أي مورد لا توجبه و ليس للعقل إلا الحكم بأن الجاهل و العاجز و نظيرهما معذورون في ترك الواجب أو إتيان الحرام من غير تصرف في الدليل فظهر أن ما يطلب من العقل لانقاذ الجهل و العجزة من لهيب النار يحصل بحكمه بأن هؤلاء معذورون في ترك الامتثال و لا حاجة معه إلى التقييد لو لم نقل أنه مجال و الذي أوقعهم فيه هو توهم قبح الخطاب إلى هم غافلا عن أن الملاك في الاحكام الكلية غير الجزئية

46

و الشخصية. و على أي ذكرناه لاجل التذكر. و أورد عليه أولا استادنا الآملي في المنتهى ص 82 قال أما في توجيه المحقق فلانه و إن سلمنا كون القدرة شرطا عقليا في جواز التكليف لا قيدا في المكلف به و سلمنا صحة الشرط المتأخر و اخترنا أن المكلف به و هو طبيعى العمل لا فرده لكن العقل لا يجوز تعلق التكليف بالطبيعى إلا من الناحية التى يرى المكلف قادرا فيها عليه فإذا فرضنا أن المكلف قادر على الطبيعى من بعض نواحيه عاجز عنه من ناحية أخرى فالعقل لا يصحح التكليف بذلك الطبيعي باعتبار جميع نواحيه لان انبساط التكليف عليه كذلك لغو قبيح فلا محالة يكون المكلف به حصة منه و عليه لا يكون المأتي به حال المزاحمة فردا لتلك الحصة ليتحقق الامتثال به و أورد عليه ثانيا المحقق النائيني في الاجود ج 1 ص 263 و قال و فيه ان ما ذكره أي المحقق إنما يتم بناء على أن يكون منشأ اعتبار القدرة شرطا للتكليف هو قبح تكليف العاجز إذ عليه يمكن أن يقال الموسع بما أنه مقدور في الفرض المزبور و لو بالقدرة على فرد منه لا يكون التكليف به قبيحا و بما أن انطباقه على الفرد المزاحم قهري يكون أجزاؤه عقليا، و أما إذا بنينا على أن اعتبار القدرة إنما هو الاقتضاء نفس التكليف ذلك لا لحكم العقل بقبح تكليف العاجز ضرورة أن الاستناد إلى أمر ذاتى سابق على الاستناد إلى أمر عرضى فلا يمكن تصحيح الفرد المزاحم بذلك أصلا. توضيح ذلك أن الآمر إنما يأمر بشي‏ء ليحرك عضلات العبد نحو الفعل بالارادة و الاختيار بجعل الداعى له إلى ترجيح أحد طرفي الممكن و هذا المعنى بنفسه يستلزم كون متعلقه مقدورا لامتناع جعل الداعى نحو الممتنع عقلا أو شرعا و عليه فالبعث لا يكون إلّا نحو المقدور فتخرج الافراد غير المقدورة عن حيز الطلب فالفرد المزاحم و إن كان من أفراد نفس الطبيعة إلا أنه ليس من أفرادها بما هي مأمور بها و متعلقة للطلب ليكون‏

47

انطباق المأمور به عليه قهريا فيكون مجزيا و بالجملة انطباق الطبيعة المأمور بها على الفرد المزاحم يتوقف على عدم تقييدها بقيد القدرة، و أما إذا كانت مقيدة بها لاقتضاء نفس الطلب ذلك امتنع انطباقها على ذلك الفرد ليتحقق به امتثال الأمر المتعلق بصرف وجودها فلو بنينا على اشتراط صحة العبادة بتعلق الأمر بها فلا بد من الالتزام بفساد الفرد المزاحم لخروجه عن حيز الطبيعة المأمور بها. أما للنهى و أما لتقيدها بالقدرة المانع من انطباقها على الفرد المزاحم نعم إذا بنينا على كفاية الاشتمال على الملاك في الصحة فلا بد من الالتزام بصحة الفرد المزاحم في الصورتين لما عرفت من أنه تام الملاك حتى بناء على كونه منهيا عنه أيضا. و أجاب عنه استادنا الآملي في المنتهى ص 29 فهو أولا التزامه بصحة توجيه المحقق لو لا أخذ القدرة قيدا و شرطا في المأمور به مع أن التوجيه المزبور لا يتم على مختار صاحب الايراد حتى مع الغض عن أخذ القدرة قيدا في المأمور به لان توجيه المحقق لا يتم إلا على القول بأحد الأمرين.

أما إمكان الشرط المتأخر، و أما إمكان الواجب المعلق لان فعلية الأمر بالواجب الموسع في حال مزاحمة الواجب المضيق مع كون القدرة شرطا في فعلية التكليف و مع عدم القدرة في نظر الشارع على الموسع في حال مزاحمة المضيق لا تتأتى إلا إذا اكتفينا بالقدرة على الموسع في الزمان الثانى أعنى به حين ارتفاع المزاحمة بالمضيق فالاكتفاء بالقدرة المتأخرة في فعلية الأمر في الزمان الاول هو أحد فروع القول بالشرط المتأخر أو إذا قيل بأن الواجب الموسع و إن كان وجوبه حال المزاحمة فعليا إلا أن ظرف امتثاله و الاتيان بمتعلقه هو الزمان الثانى اعنى به حين ارتفاع المزاحمة و هو تمسك بالواجب المعلق و صاحب الايراد لا يقول بكل منهما و ثانيا ان ما ذكره وجها للفرق بين مختاره و مختار المحقق فليس بوجه يوجب الفرق في النتيجة و ذلك لأنا لو سلمنا ان نفس‏

48

التكليف يستلزم بطبعه كون المكلف به مقدورا لما كنا نسلم امكان اخذ ما يقتضيه الحكم قيدا في الموضوع لان الموضوع متقدم بالطبع على حكمه و هو متاخر عنه كذلك و لا يمكن اخذ ما ينشأ من المتأخر قيدا او جزءا في المتقدم و إلّا لزم تقدم المتأخر أو تأخر المتقدم بل يكون حال ما ينشأ من الحكم حال نفس الحكم بالنسبة إلى موضوعه فكما ان نفس الحكم لا يمكن ان يكون قيدا لموضوعه كذلك ما ينشأ منه و عليه يكون متعلق الحكم غير مقيد بالقدرة.

و الموجود في المنتهى لاستاذنا الآملي هو بيانات المحقق العراقى على ما كان يصرح بذلك الاستاد و انما سواه بعنوان تقريرات نفسه لبعض الجهات لكثرة المقررين درس الاساتذة فتهاون امر المقررين و رتبتهم و على أي قد ذكر الوجه الاول بل الثانى من الجواب استادنا الخوئي في هامش الاجود ج 1 ص 263 لا يخفى انه بناء على اعتبار وجود الأمر في صحة العبادة و الاغماض عما سيجى‏ء من صحة تعلق الأمر بالضدين على نحو الترتب لا مناص عن القول بفساد العبادة الموسعة المزاحمة بالواجب المضيق بناء على ما اختاره شيخنا الاستاد من استحالة تعلق الطلب بأمر متأخر مقدور في ظرفه لانه على ذلك لا يعقل تعلق الطلب بغير المضيق لعدم كون فرد من افراده مقدورا بالفعل فلا يعقل طلب صرف وجود الطبيعة ح ليكون انطباقه على ما اتى به في الخارج فهى قهريا و اجزائه عن الاتيان بالمأمور به ثانيا عقليا و لا يفرق في ذلك بين القول بأن منشأ اعتبار القدرة في متعلق التكليف هو حكم العقل بقبح خطاب العاجز و القول بأن منشأه هو اقتضاء نفس التكليف ذلك نعم اذا كان الواجب ذا افراد عرضية و كان بعض افراده مزاحما بواجب اهم لا جميعها او قلنا بصحة تعلق الوجوب بأمر متأخر في ظرفه كما هو المختار عندنا لصح الاتيان بالفرد المزاحم بداعى امتثال الأمر بالطبيعة المقدورة بالقدرة على فرد منها بناء على‏

49

ان منشأ اعتبار القدرة هو الحكم العقلى المزبور لكن الفرض الأول خارج عما هو محل الكلام في المقام و الثانى خلاف ما هو مختار شيخنا الاستاد فلا وجه لما في المتن من التفصيل و تسليم ما افاده المحقق الثانى على تقدير و انكاره على تقدير آخر. و قال في ص 264 تحرك المكلف نحو الفعل و انبعاثه عن بحث المولى انما يتحقق في ظرف وصول التكليف إليه و حصول الداعى له إلى الامتثال من جهة حكم العقل بلزومه و اما التكليف في نفسه فهو كما عرفت سابقا ليس إلا عبارة عن اعتبار كون الفعل على ذمة المكلف كما ان الانشاء على ما ذكرناه لا شأن له إلا انه ابراز لذلك الاعتبار القائم بالنفس فلا مقتضى لاختصاص متعلق الحكم بالحصة الارادية و الاختيارية بل الفعل على اطلاقه متعلق الحكم سواء في ذلك المقدور و غيره نعم القدرة دخيله في حكم العقل بلزوم الامتثال و من الواضح إن ذلك لا يقتضي اعتبارها في متعلق التكليف بوجه اصلا و قال في المحاضرات ج 1 ص 63 و عليه فلا مقتضى للالتزام بأن متعلقه حصة من الطبيعة و هي الحصة المقدورة فإن المقتضى له ليس إلا توهم أن الغرض من التكليف حيث أنه جعل الداعي فجعل الداعي نحو الممتنع غير معقول أي لغو و لكنه غفلة عن الفارق بين جعل الداعى نحو الممتنع و جعل الداعى نحو الجامع بين المجتمع و الممكن و الذي لا يمكن جعل الداعى نحوه هو الاول دون الثانى، فإن الداعى نحوه من الوضوح بمكان فالنتيجة يصح الاتيان بالفرد المزاحم بداعي الأمر بالطبيعة فالصحيح ما ذهب إليه المحقق النائيني من تحقق الثمرة إلخ. و فيه لا يجتمع ذلك مع كون الحكم على نحو القضايا الحقيقية و أنه يكون الحكم فعليا عند فعلية شرائطه فهل يكون له القدرة أو ليس له القدرة كيف يتحقق الحكم على الجامع بينهما و ما يجعل في ذمة المكلف الحكم المقدور أو غير المقدور. بقى فيه تنبيهات:

50

التنبيه الاول: في تخصيص الثمرة ببعض الصور أو تعميمه‏

ذكر المحقق النائيني في الاجود ج 1 ص/ 262 و أما ثمرة البحث فقد يقال إنها تظهر فيما إذا وقعت المزاحمة بين الواجب الموسع و المضيق و فيما إذا وقعت بين مضيقين أحدهما أهم من الآخر. و عليهما مشي إلى تمام البحث لكن يظهر من صاحب الفصول و غيره تعميم الثمرة، قال في الفصول ص: 96 فأعلم أن جماعة زعموا أن ثمرة النزاع في الضد الخاص تظهر فيما إذا دار الأمر بين واجب مضيق و عبادة موسعة فإنه لو أتى ح بالموسع عصى و صحت عبادته بناء على القول بعدم الاقتضاء و بطلت على القول بالاقتضاء نظرا إلى انتفاء الرجحان الذي به قوام العبادة إلى أن قال ثم إن جماعة قصروا الثمرة على الصورة المذكورة و نفوها في المضيقين لانهما إن تساويا فالتخيير و إلا تعين الأهم و امتنع الأمر بالآخر و هو ضعيف إذ ليس منشأ هذا الامتناع عند التحقيق إلا لزوم الأمر بالشي‏ء و ضده. و هذا بعينه وارد في الموسع أيضا كما سننبه عليه و وجه التفصي عنه في المقامين واحد كما سنذكره بل أقول و يظهر الثمرة في غير أوامر الشرع أيضا ممن ليس له أهلية الايجاب كأمر صاحب الدار لمن إذن له بمطلق التصرف فيها بأمر فعلى القول باقتضاء الأمر بالشى‏ء النهى عن اضداده الخاصة يحرم عليه جميع التصرفات المضادة له ما عدا الخروج منها إذ ليس له المنع منه فيبطل لو كانت عبادة و كذا الحال بالنسبة إلى اللابس ثوب الأمر و شبهه. و أوضح من ذلك ما أشار إليه الشيخ الانصاري في التقريرات ص 113 في تحرير محل النزاع بان إخراج الموسعين عن محل النزاع مما لا وجه له فإن الملازمة التى اثبتوها بين الأمر بالشى‏ء و النهى عن ضده عقلية سارية في جميع الاوامر فكما أن الأمر المضيق يقتضي النهي عن ضده الموسع كذلك الامر الموسع يقتضي ذلك من غير فرق و الحاكم بذلك هو العقل على القول‏

51

بالاقتضاء غاية الأمران النهى في الموضعين يختلف حسب اختلاف الأمرين فالامر المضيق يقتضي النهي عن ضده على جهة التضييق و التعيين، و الامر الموسع يقتضيه على جهة التوسعة و التخيير فالاضداد الواقعة في وقت الازالة مثلا منهية على سبيل الضيق و يجب الاجتناب عنها فورا مضيقا معينا و الاضداد الواقعة في وقت الصلاة منهية توسعة فيجب الاجتناب عنها في مقدار فعل الصلاة من أول الوقت إلى آخره و هكذا الكلام في المضيقين المتساويين في الاهمية فإن قاعدة الاقتضاء المزبور قاضية باقتضاء كل منهما النهى عن الآخر على سبيل التخيير العارض للامرين باعتبار التزاحم و التكافؤ و إن تردد في آخر كلامه فراجع. و يظهر من المحقق العراقى أيضا التعميم و ذلك بحسب ما بين من الصور و أحكامها على ما سيأتى و إن لم يصرح بالتعميمين فالنتيجة إن الثمرة تعم و لا وجه للتخصيص أصلا.

التنبيه الثاني: [الكلام في مرحلة الاثبات و إن العمل مشتمل على ملاك العبادة أو غير مشتمل عليه‏]

تقدم في ثمرة البحث إن اشتمال الفعل على ملاك العبادة كاف في صحة التقرب به و وقوعه عبادة هذا في مرحلة الثبوت، أما الكلام في مرحلة الاثبات و إن العمل مشتمل على ملاك العبادة أو غير مشتمل عليه ففى ذلك مسلكين المسلك الاول التمسك بإطلاق المادة و المسلك الثانى التمسك باطلاق الهيئة و نتيجتها واحدة أما الاول ذكر المحقق النائيني في الاجود ج 1 ص 265 فإن قلت تصحيح العبادة في حال المزاحمة بالملاك يتوقف على إحراز كونها واجدة له في هذا الحال و هو لا يجتمع مع القول باقتضاء نفس الطلب لاعتبار القدرة في متعلقه إذ عليه يكون اعتبار القدرة فيه شرعا و القدرة دخلية في ملاكه فيرتفع الملاك بارتفاع القدرة، بيان ذلك أنا لو بنينا على أن اعتبار القدرة في متعلق الأمر إنما هو بحكم العقل لقبح تكليف العاجز فيمكن أن يقال ح إن إطلاق متعلقه شرعا يكشف عن كونه ذا ملاك مطلقا في حال القدرة و عدمها فإطلاق المتعلق يكون كاشفا عن تمامية الملاك في المتعلق مطلقا و إن كان تعلق‏

52

التكليف به مشروطا عقلا بكونه مقدورا. و أما إذا بنينا على أن نفس تعلق الطلب بشي‏ء يقتضى اعتبار القدرة عليه فيكون تعلق الطلب به مقيدا لاطلاق متعلقه و مضيقا لدائرة فكأنه قيد المتعلق بحال القدرة لقطا فيكون هذا التقييد كاشفا عن اعتبار القدرة فيه شرعا و دخلها في الملاك واقعا نظيرا دلالة الدليل على تقييد وجوب الحج بالاستطاعة مطابقة- إلى أن قال- و لو سلم فيما نحن فيه عدم القطع بالتقييد شرعا الكاشف عن دخل القدرة في الملاك فلا محالة يحتمل ذلك بحيث لو كانت دخيلة في الملاك لصح للمتكلم أن يكتفى في بيانه بنفس إيقاع الطلب على ما تعلق به فيكون المقام من قبيل احتفاف الكلام بما يصلح لكونه قرينة و معه لا يمكن التمسك بالاطلاق- إلى أن قال- قلت: إذا كان متعلق الطلب مقيدا بالقدرة كما في آيتى الحج و الوضوء فالتقييد يكشف عن دخل القدرة في الملاك واقعا بداهة أنه لا معنى لاخذ قيد في متعلق الطلب إثباتا إذا لم يكن دخيلا في الملاك ثبوتا- إلى أن قال- و أما إذا لم يكن متعلق الطلب مقيدا بالقدرة في مرتبة سابقة على تعلق الطلب به بل كان اعتبار القدرة فيه لتعلق الطلب به سواء كان التقييد ناشئا من حكم العقل بقبح خطاب العاجز أو من اقتضاء نفس تعلق الطلب به ذلك فمعروض الطلب في مرتبة سابقة على عروضه و هي مرتبة اقتضاء المتعلق لعروض الطلب عليه التى هي عبارة أخرى عن مرتبة وجدانه للملاك يكون مطلقا لا محالة و التقييد في مرتبة لا حقة و هي مرتبة عروض الطلب لا يعقل أن يكون تقييدا في مرتبة سابقة عليه و بالجملة المادة التى يعرض عليها الطلب و إن كانت مقيدة بالقدرة عليها حال عروضه إلا أن إطلاقها في مرتبة سابقة عليه يكشف عن عدم دخل القدرة في الملاك و عن كون ذات العمل الذي هو معروض الطلب واجدا للملاك التام و إلّا لكان على المولى تقييده في تلك المرتبة فمن الاطلاق في مقام الاثبات يستكشف عدم‏