نهاية الأفكار في مباحث الألفاظ / تقريرات - ج4

- الشيخ محمد تقي البروجردي المزيد...
214 /
1

الجزء الرابع‏

2

هذا هو القسم الأول من الجزء الرابع من كتاب نهاية الأفكار في مبحث الاستصحاب و التعادل و التراجيح‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ الحمد للَّه رب العالمين و صلى اللَّه على رسوله و خير خلقه محمّد و آله الطيبين الطاهرين المعصومين و لعنة اللَّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

[تتمة القسم الاول: مبحث القطع و الظن و بعض الاصول الملية]

[تتمة المقصد الثالث‏]

[تتمة تنقيح المقام‏]

(المقام الثاني)

و تحقيق الكلام فيه يستدعي تقديم أمور

(الأمر الأول)

في تعريف الاستصحاب و شرح حقيقته (اعلم) ان الاستصحاب استفعال من صحب، و هو في اللّغة أخذ الشي‏ء مصاحباً، و منه استصحاب اجزاء ما لا يؤكل لحمه في الصلاة (و في اصطلاح) الأصوليين أطلق بالعناية على الأصل المعروف المقابل للأصول الثلاثة (و قد عرفوه) بتعاريف أسدّها و أخصرها ما أفاده العلامة الأنصاري (قده) من انه إبقاء ما كان (اما) أخصريته فظاهرة (و اما) أسدّيته فلكونه حاويا لجميع المسالك في الاستصحاب على اختلافها في وجه حجيته (فان الإبقاء) الّذي هو مدلول الهيئة عبارة عن مطلق الحكم بالبقاء و التصديق به أعم من حكم الشارع و تعبده بالبقاء، أو حكم العقل و تصديقه الظني به، أو حكم العقلاء و بنائهم (و الاستصحاب) المصطلح المقابل للأصول الثلاثة عند القوم برُمّتهم على اختلاف إنظارهم في وجه حجيته، عبارة عن الحكم ببقاء ما كان من حيث انه كان (حيث انه) على التعبد و أخذه من مضامين الاخبار الناهية عن نقض اليقين بالشك، عبارة عن الحكم الإنشائي من الشارع في مرحلة الظاهر و تعبده ببقاء ما علم حدوثه سابقا و شك في بقائه لا حقاً (و على أخذه) من العقل، عبارة عن إدراك العقل و تصديقه الظنّي ببقاء ما كان‏

3

للملازمة الغالبية في الأشياء بين ثبوتها في زمان و بقائها في زمان لا حق عليه، إذ لا نعنى من حكم العقل الا دركه الوجداني و تصديقه قطعياً أو ظنياً (كما) انه بناء على أخذه من بناء العقلاء عبارة عن التزامهم على الجري العملي على بقاء ما كان بملاحظة كينونته في السابق ما لم يظهر لهم ارتفاعه (فعلى جميع) المسالك ينطبق التعريف المزبور على الأصل المذكور، و يرد النفي و الإثبات من الطرفين على معنى واحد (نعم) غاية- ما هناك اختلافهم في مصداقه، و لكنّه غير ضائر بوحدة المفهوم بعد كون نظر المثبتين طراً على اختلاف إنظارهم إلى إثبات الجامع الّذي ينفيه المنكرين (نعم) على ذلك يكون الاستصحاب المأخوذ من الاخبار الناهية عن نقض اليقين بالشك عبارة عما هو لازم مدلولها، لا نفس مدلولها، و هذا المقدار سهل في أمثال المقام «و اما» كون البقاء حقيقياً بناءً على أخذه من العقل، و تعبدياً بناءً على أخذه من الاخبار على مسلك إرجاع النقض في لا تنقض اليقين إلى المتيقن، لكونه على ذلك عبارة عن تصديق وجداني جزمي بالبقاء التعبدي «فغير ضائر» بوحدة المفهوم، إذ لا يوجب مثله اختلافا في مفهوم الابقاء، فإذا كان الظاهر من مدلول الهيئة في قوله إبقاء ما كان هو الحكم بالبقاء فلا جرم يكون ذلك بمفهومه الوجداني حاوياً لجميع المسالك و لا يكون في التعريف المزبور من جهة لفظ الإبقاء قصور عن إفادة حقيقة الاستصحاب «كما ان» التعبير بما كان أيضا مشعر بخروج الحكم بالبقاء لأجل تحقق علة وجوده في الزمان اللّاحق، أو لقيام الدليل على بقاء المستصحب في الزمان الثاني «كما انه» لا قصور فيه أيضا في إفادة اعتبار الشك الّذي هو أحد ركنيه و هو الشك بالمعنى الأعم الشامل لمطلق خلاف اليقين، بداهة ان حكم العقل ببقاء الشي‏ء استناداً إلى وجوده سابقاً، و كذا حكم الشارع و تعبده في الظاهر أو بناء العقلاء و جريهم عملا على وجوده تعبداً لا يكون إلّا من جهة كونه مشكوك البقاء في الزمان اللاحق، و إلّا لما كان لحكم الشارع و تعبده و لا لحكم العقل به ظناً، و لا لبناء العقلاء على الجري العملي على طبق الحالة السابقة مجال كما هو ظاهر «نعم» في اعتبار الشك الفعلي في حقيقة الاستصحاب بناءً على عدم أخذه من الاخبار، أو أخذه منها على مسلك‏

4

توجيه حرمة النقض إلى المتيقن لا إلى اليقين كلام سيأتي التعرض له إن شاء اللَّه تعالى «و انما الكلام» في استفادة الركن الآخر و هو اليقين بالوجود السابق في زمان إرادة الحكم بالبقاء من التعريف المزبور «حيث انه» بناء على أخذه من العقل بجعله من الأحكام العقلية غير المستقلة، أو أخذه من بناء العقلاء، يمكن ان يقال بعدم دخل الإحراز السابق في حقيقة الاستصحاب، إذ الاستصحاب على ذلك عبارة عن مجرد حكم العقل و تصديقه الظني بالبقاء، و من الواضح انه لا يكون للإحراز السابق دخل في هذا الحكم، و ان كان يحتاج إليه في مقام إحراز الحدوث و مرحلة تطبيق الحكم الاستصحابي على المورد (و اما) بناء على أخذه من الاخبار، فعلى مسلك توجيه النقض، إلى نفس اليقين فلا إشكال في دخل الإحراز السابق في حقيقة الاستصحاب لكونه من أركانه كالشك اللاحق، فلا بد من استفادته من التعريف المذكور «و اما» على مسلك توجيه النقض إلى المتيقن بجعل اليقين فيه مأخوذاً على نحو المرآتية إلى الواقع في مقام إيصال النهي إليه فلا يكون لليقين السابق دخل في حقيقته، فان مفاد النصوص على ذلك عبارة ممن مجرد تنزيل المشكوك منزلة المتيقن و ترتيب آثار الواقع في مقام الجري العملي، و من الواضح عدم احتياج ذلك إلى الإحراز السابق و ان كان مما يحتاج إليه في مقام إحراز الحدوث و تطبيقه على المورد، و لكنه غير مرتبط بمقام دخله في حقيقة الاستصحاب «بل على» هذا المسلك يمكن التشكيك في اعتبار الشك الفعلي فيه أيضاً و جريانه مع الغفلة و الشك التقديري كما سيجي‏ء، غاية الأمر تكون الغفلة مانعة عن تنجزه كسائر الأحكام التكليفية، بخلاف مسلك توجيه النقض إلى نفس اليقين كما هو المختار، فانه عليه لا محيص في حقيقة الاستصحاب من اليقين و الشك الفعليين (و ربما يترتب) على هذين المسلكين نتائج مهمة (منها) ذلك «و منها» حكومة الاستصحاب على سائر الأصول العملية على المسلك المختار و عدمها على المسلك الآخر كما سيأتي و مرت الإشارة إليه في الكتاب غير مرة «و منها» ما، سيأتي إن شاء اللَّه تعالى من صحة التفصيل في حجية الاستصحاب بين الشك في المقتضى و الشك‏

5

في الرافع على المسلك الآخر و عدم صحته على المختار «و كيف كان» فالمقصود بالبيان هو قصور التعريف المزبور عن إفادة اعتبار اليقين و الإحراز السابق في حقيقة الاستصحاب بناء على أخذه من الاخبار و إرجاع النقض في لا تنقض إلى اليقين بجعله مأخوذاً على نحو العنوانية لا المشيرية «إلّا ان يقال»: انه يستفاد ذلك من لفظ ما كان باعتبار ملازمة كونه كان مع اليقين الفعلي بوجوده سابقاً حين الحكم بالبقاء «بل يمكن» استفادته من لفظ الإبقاء أيضا باعتبار كونه إثباتاً للازم الشي‏ء من حيث ان الجزم بثبوت اللازم ملازم للجزم بثبوت الملزوم «و لئن» نوقش في الاستفادة المزبورة من دعوى عدم اقتضاء مجرد استلزام الإبقاء، أو الكينونة السابقة لليقين السابق لإفادة اعتباره في حقيقة الاستصحاب المأخوذ من الاخبار، فلك ان تعرفه بما هو مضمون الاخبار، و تقول: انه عبارة عن حرمة نقض اليقين بثبوت شي‏ء سابقاً بالشك في بقائه لا حقاً، فان الأمر سهل في أمثال المقام «ثم انك عرفت» ان الاستصحاب بناء على أخذه من العقل عبارة عن إدراك العقل و تصديقه الوجداني الظني ببقاء ما ثبت تعويلا على ثبوته سابقاً للملازمة الغالبية في الموجودات بين الحدوث و البقاء، و مرجعه إلى كون اعتباره من باب الظن الشخصي لا الظن النوعيّ، و إلّا فلا دليل على حجيته الا السيرة و بناء العقلاء و هي فرض تحققها و تماميتها توجب خروج الاستصحاب من الأدلة العقلية لدخوله حينئذ فيما دلت عليه السيرة، نظير ظواهر الألفاظ و غيرها من الأمارات التعبدية فلا يناسب جعله حينئذ من الأدلة العقلية و عدّه من العقليات غير المستقلة كما هو ظاهر (و عليه نقول) انه يكفى في وهن هذا المسلك استلزامه حصول الظن الفعلي بطرفي النقيض في بعض الموارد حسب اختلاف الحالة السابقة، كما في الماء البالغ إلى حد خاص الجاري فيه استصحاب القلة تارة و الكثرة أخرى، و هو كما ترى من المستحيل (لا يقال) الإشكال يتوجه إذا كان الاستصحابان جاريين فيه في زمان واحد، و اما إذا كانا في زمانين فلا محذور من جريانهما فيه، إذ لا يلزم منه اجتماع الظنين الفعليين بطرفي النقيض (و المقام) من هذا القبيل، فان الماء الشخصي البالغ إلى نقطة كذا في ظرف يجري فيه استصحاب‏

6

القلة لا يجري فيه استصحاب الكثرة لعدم كونه مسبوقاً بالكثرة في ذلك الظرف، و بالعكس في ظرف يجري فيه استصحاب الكثرة لا يكون مسبوقاً بالقلة حتى يجري فيه استصحابها، فمن أين ينتهي الأمر إلى محذور لزوم حصول الظن الفعلي بطرفي النقيض في نحو المثال المزبور كي يجعل ذلك من الموهنات لهذا المسلك (فانه يقال) نعم و لكن منشأ الظن الفعلي بكل من الكرية و القلة في الماء البالغ إلى حد خاص لما كان هي الملازمة بين الحدوث و البقاء، يكون الإشكال في اعتقاد هذه الملازمة في الماء المزبور، فان ملازمة بلوغ الماء الكذائي للظن الفعلي بالكرية تارة و بالقلة أخرى و لو في زمانين من المستحيل، فلا محيص على هذا المسلك من المصير في أمثال هذه الموارد، اما إلى عدم جريان أحد الاستصحابين، أو دعوى الغفلة عن أحدهما حين حصول الظن الاستصحابي بالآخر (بل من لوازم» هذا المسلك أيضا عدم صحة إطلاق التعارض في الاستصحابات المتعارضة، و لا حكومة الاستصحاب السببي على الاستصحاب المسببي، لاستحالة تحقق التعارض بين دليلين يكون حجيتها من حيث وصف الظن الفعلي، لأن اجتماع الظنين الفعليين بالمتنافيين محال فلا يمكن حصول الظن الفعلي بعدم اللازم في فرض حصوله بالملزوم و بالعكس «و هذا» بخلاف القول باعتباره من باب الاخبار، فانه لا محذور عقلا في التعبد بطرفي النقيض في زمانين، فأمكن إجراء كلا الاستصحابين في نحو المثال المتقدم «كما انه» عليه يصح إطلاق التعارض في الاستصحابات المتعارضة و المصير إلى الحكومة في الاستصحابات السببية «و كذا» يصح ذلك بناء على اعتباره من باب الظن النوعيّ و دخوله في أدلة السيرة كظواهر الألفاظ و غيرها من الأمارات المعتبرة من حيث إفادة نوعها الظن، فانه عليه أيضاً لا يرد محذور في البين كما هو ظاهر

الأمر الثاني‏

هل المسألة من المسائل الأصولية، أو القواعد الفقهية، أو من المبادئ التصديقية، فيه وجوه (و التحقيق) كونها من المسائل الأصولية، لوضوح ان الغرض من هذا العلم بعد ان كان تنقيح ما يصلح ان يقع وسطاً لإثبات الأحكام الكلية الفرعية، أو ما تنتهي إليه الفقيه عند عدم انكشاف الواقع لديه بعلم أو

7

علمي من الوظائف العملية المقررة عقلية أو شرعية، فلا جرم يكون المقياس في أصولية المسألة بكونها من القواعد التي لها دخل في الغرض الداعي إلى تدوين هذا العلم (و حيث) ان مسائله يرجع إلى صنفين صنف منها لوحظ فيه الحكاية و الكشف عن الواقع و لو ناقصاً و كان من شأنه الوقوع في طريق استنباط الأحكام الكلية و الوظائف النّفس الأمرية كالأمارات، و صنف آخر منها لم يلاحظ فيه هذه الجهة، بل كان مما ينتهي إليه الفقيه في مقام العمل في ظرف الجهل بالواقع و استتاره كالقواعد العملية شرعية أو عقلية و كان لكل من الصنفين دخل في الغرض الّذي لأجله دون هذا العلم، كان الاستصحاب لا محاله على جميع المسالك معدوداً من مسائل علم الأصول بل من أهمّ مباحثه (و كذلك الأمر) على ما أفاده العلامة الأنصاري قده من الميزان في أصولية المسألة بما يكون تطبيقه على موارده مخصوصاً بالمجتهد، حيث انه من جهة احتياجه إلى الفحص عن الأدلّة في تطبيقه على موارد الشبهات الحكمية يكون داخلا في مسائل العلم، لاختصاص امر تطبيقه بيد المجتهد «و ان كان» ما أفاده قده من الميزان لا يخلو عن إشكال، لاندراج كثير من القواعد الفرعية تحت الميزان المزبور كقاعدة الطهارة في الشبهات الحكمية و نفوذ الصلح و الشرط و عدم نفوذهما باعتبار كونهما مخالفين للكتاب و السنة أو غير مخالفين لهما، حيث ان تطبيق عنوان مخالفة الكتاب و السنة و تشخيص موارد نفوذ الصلح و الشرط عن موارد عدم نفوذهما يكون مختصاً بالمجتهد و ليس للمقلّد فيه نصيب «و اما بناء» على جعل ميزان المسألة بما يكون وسطاً لإثبات حكم المتعلق كما يقتضيه التعريف المعروف بأنه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية الكلية الظاهرية من جهة لفظ الاستنباط في إرادة وقوع القواعد طريقاً و وسطاً لاستنباط الأحكام الشرعية الكلية «فبناء» على أخذه من بناء العقلاء من باب الأمارية لا الأصلية لا إشكال أيضاً في كونه من المسائل الأصولية «و كذلك الأمر» بناء على أخذه من العقل الظني المنتهى اعتباره إلى مقدمات الانسداد بمناط الكشف «و اما بناء» على التعبد من جهة أخذه من الاخبار الناهية عن نقض اليقين بالشك، ففي كونه من المسائل الأصولية إشكال خصوصاً على مسلك‏

8

توجيه النقض فيها إلى المتيقن، فان مضامينها حينئذ لا تكون الا قاعدة فقهية ظاهرية منطبقة على مواردها كسائر القواعد الفقهية، كقاعدتي الضرر و الحرج، و قاعدة الطهارة و نحوها، و استفادة الأحكام الجزئية منها في مواردها انما يكون من باب التطبيق لا الاستنباط، و هو غير مرتبط بوقوعها وسطاً لإثبات الحكم الشرعي الكلي في مقام الاستنباط «و لكن الإشكال» كله في التعريف المزبور لما فيه من اقتضائه خروج مسائل الأصول العملية طُرّاً عن مباحث هذا العلم، و كذا مسألة حجية الظن بملاك الانسداد على حكومة العقل، بل و خروج الأمارات عنها أيضاً بناء على تنزيل المؤدى و جعل حكم المماثل في مرحلة الظاهر «فان» نتيجة دليل اعتبارها حينئذ حكم شرعي كلي ينحل إلى أحكام كلية أصولية و فرعية مطابقة لمؤديات الأمارات، لا انها تكون وسطاً لإثبات حكم كلي شرعي فرعي واقعي في مقام استنباطه، مع انه كما ترى، فان هذه المسائل من أهم مباحث هذا العلم، و لأجل ذلك قلنا في مبحث تعريف علم الأصول ان الجري، هو ان يقال في تعريفه انه هي القواعد الخاصة التي تعمل في استخراج الأحكام الفرعية الواقعية، أو الوظائف العملية عند التحير و عدم انكشاف الواقع بعلم أو علمي عقلية كانت أم شرعية و ان كان الأمر سهلا.

الأمر الثالث‏

لا إشكال في مباينة الاستصحاب مع قاعدة اليقين. فان المعتبر في القاعدة ان يكون الشك فيها متعلقاً دقة بعين ما تعلق به اليقين بنحو يكون معروض الوصفين واحداً بالدقة العقلية وجوداً و حدّاً و مرتبة، و لذلك لا بد فيها من اختلاف زمان الوصفين واحداً بالدقة العقلية وجوداً و حدّاً و مرتبة، و لذلك لا بد فيها من اختلاف زمان الوصفين مع اتحاد زمان المشكوك و المتيقن لاستحالة طروهما على محل واحد في زمان كذلك (بخلاف الاستصحاب) فان فيه يختلف معروض الوصفين دقة في عالم عروضهما، حيث ان معروض اليقين فيه هو أصل ثبوت الشي‏ء في زمان، و معروض الشك هو حيث بقائه في ثاني زمان حدوثه بحيث يكون المتحقق في هذه المرحلة قضيتان قضية متيقنة أبدية و قضية مشكوكة أزلية بلا ارتباط بينهما من جهة الحدوث و البقاء الا من جهة الذات التي هي منشأ انتزاعهما في مرحلة الاتصاف في الخارج (و بذلك) يكون الاستصحاب على عكس القاعدة، فانه يعتبر فيه اختلاف‏

9

زمان معروض الوصفين لا زمان الوصفين نفسهما، لجواز اتحاد زمانهما فيه، كما لو علم يوم الجمعة بعدالة زيد يوم الخميس و شك في يوم الجمعة أيضاً في عدالته فيه، بل المعتبر في الاستصحاب هو اجتماع اليقين و الشك حين الحكم بالبقاء سواء كان مبدأ حدوث اليقين قبل حدوث الشك، أو بعده، أم كان حدوثهما متقارنين زماناً كالمثال المتقدم (و إلّا) فبدونه لا يصدق الشك في البقاء، بل الشك يكون ساريا فيخرج عن موضوع الاستصحاب كما هو ظاهر.

و من التأمل، فيما ذكرنا يظهر انه لا بد في الاستصحاب من اتحاد القضية المتيقنة و المشكوكة بحسب الموضوع و المحمول، و المراد بالوحدة المزبورة انما هو وحدتهما وجوداً خارجياً كي يصدق تعلق الشك بما تعلق به اليقين السابق و يصدق على القضية المشكوكة انها بقاء للقضية المتيقنة، لا مجرد وحدتهما بحسب الذات و الحقيقة و لو مع تعددهما في الخارج وجوداً (بداهة) انه لا يكفي في الاستصحاب مجرد الاتحاد في الحقيقة و الماهية و لو مع تعدد الوجود خارجاً، و إلّا يلزم جريان الاستصحاب عند اليقين بوجود فرد و الشك في فرد آخر و هو كما ترى (و لذا) كان بناء المحققين على عدم جريان الاستصحاب في القسم الثالث من أقسام الشك في وجود الكلي كما سيجي‏ء تحقيقه إنشاء تعالى (و لا ان المراد) هو وحدتهما وجوداً و حدّاً و مرتبة، و إلّا فلا يتصور فيه الشك في البقاء و ينطبق على قاعدة اليقين لا الاستصحاب (لا يقال) على هذا يشكل تطبيق الاستصحاب على الأحكام الشرعية، فان موضوعاتها لما كان عبارة عن الموجودات الذهنية و لو بما هي مرآة إلى الخارج و كان ظرف محمولاتها ممحضا بكونه ذهنياً لا خارجيا، لأن الخارج ظرف اتصافها بها لا ظرف عروضها، فلا جرم في ظرف عروض محمولاتها لا يتصور لموضوع القضيتين وحدة خارجية لا فعلية و لا فرضية كي يصدق تعلق الشك في القضية المشكوكة بما تعلق به اليقين (بل الوحدة) المتصورة بينهما في هذا الصقع لا تكون الا ذاتية، و إلّا فموضوع كل قضية لا يكون إلّا موجوداً ذهنياً مغايراً لما هو الموضوع في القضية الأخرى (فإذا كان) المفروض عدم كفاية الوحدة الذاتيّة في جريان الاستصحاب و كان الخارج‏

10

أجنبياً عن صقع عروض هذه المحمولات، فمن أين يتصور الشك في البقاء في القضايا الشرعية التكليفية حتى يجري فيها الاستصحاب (فانه يقال) ان ظرف عروض هذه المحمولات و ان كان ذهنياً و بالنسبة إلى هذا الظرف لا يتصور لموضوع القضيتين وحدة خارجية و لو فرضية و لا يتوارد اليقين و الشك على محل واحد من حيث الحدوث و البقاء، لأن ما هو معلوم كان معلوما إلى الأبد و ما هو مشكوك كان مشكوكا من الأزل (إلّا انه) يكتفى بوحدة منشأ انتزاعهما في مرحلة الاتصاف في الخارج في صدق البقاء و النقض في موضوع القضايا التكليفية، حيث يصدق على القضية المشكوكة في هذه المرحلة انها بقاء للقضية المتيقنة فيشملها دليل حرمة النقض لكونه مقصوراً إلى مرحلة اتصاف الموضوع بحكمه في الخارج، لا إلى مرحلة العروض كما هو ظاهر.

(ثم ان) في استصحاب الأحكام الكلية مطلقا و ان كان مدركها النقل إشكالا آخر، و حاصله ان الشك في بقاء الحكم الكلي لأجل اختلاف الحالات و تبادلها راجع إلى الشك في بقاء موضوعه، لأن موضوع الأحكام الكلية انما هو المفاهيم الكلية و باختلاف القيود و تبادل الحالات يختلف المفهوم المأخوذ موضوعا للحكم بعين اختلافه في مرحلة كونه معروضا للحسن و القبح و المصلحة و المفسدة، فإذا شك في بقاء الحكم الكلي، اما للشك في بقاء القيد المعلوم قيديته، أو لفقد ما يشك في قيديته أو لغير ذلك، يرجع هذا الشك لا محالة إلى الشك في بقاء موضوعه فلا يجري فيه الاستصحاب (و منشأ) هذا الإشكال هو تخيل رجوع جميع القيود التي تؤخذ في القضية بحسب اللب إلى الموضوع و ان كان بحسب ظاهر القضية راجعاً إلى الحكم (اما لقضاء الوجدان) بدخل القيود المأخوذة في القضايا الطلبية في مصلحة موضوع الحكم و عدم تعلق الاشتياق و الإرادة الفعلية الناشئة عن العلم بالمصلحة في الذات الا في ظرف تحقق جميع القيود (أو البرهان) من لا بدية كون موضوع الأحكام بعينه هو معروض المصالح (فان) لازمه في جميع موارد دخل القيد في مصلحة التكليف هو رجوعه إلى ما هو موضوع التكليف، و إلّا فبدونه يلزم إطلاق مصلحة الموضوع لعدم الواسطة بين الإطلاق و التقييد و استحالة الإهمال النّفس الأمري، و لازم الإطلاق المزبور هو تحقق المصلحة في الذات و لو مع عدم وجود القيد و هو مساوق‏

11

عدم دخله في مصلحة التكليف و هو خلف (و لكن فيه) ما لا يخفى من الفرق بين قيود الحكم و قيود الموضوع (فان) مرجع كون الشي‏ء قيداً للوجوب و الحكم كما أوضحناه في مبحث المقدمة في شرح الواجبات المشروطة إلى دخله بنحو العلية لأصل الاحتياج إلى الشي‏ء الّذي به يصير الشي‏ء متصفاً بكونه ذات مصلحة كالزوال و الاستطاعة بالنسبة إلى الصلاة و الحج في قبال قيود الواجب الراجعة إلى دخلها في تحقق المحتاج إليه و وجود ما هو المتصف بالمصلحة فارغا عن الاتصاف بكونه صلاحا كالطهور و الستر بالنسبة إلى الصلاة (و من الواضح) عدم صلاحية رجوع مثل هذه القيود في لب الإرادة إلى الذات المعروضة للمصلحة (لأن) كون الشي‏ء من الجهات التعليلية للحكم و من علل اتصاف الشي‏ء بكونه ذات مصلحة و ان كان موجباً لضيق قهري في طرف الحكم و المصلحة و يمنع عن إطلاقهما، لاستحالة ان يكون للشي‏ء إطلاق يشمل حال عدم علمه و يستتبع ذلك أيضا نحو ضيق فرضي في طرف الذات التي هي معروض هذه المصلحة، لامتناع أوسعية دائرة الموضوع عن حكمه، و لكن لا يكاد يقيد به الذات، لأنه من المستحيل تقيد الموضوع بحكمه أو بما هو من علله (بل الموضوع) في نحو هذه القضايا عبارة عن الذات العارية عن حيثيتي الإطلاق و التقييد، كما هو الشأن في كل معروض بالنسبة إلى عرضه في الاعراض الخارجية و غيرها (حيث) ان كل عرض بعروضه على الذات يوجب ضيقاً في ذات معروضه بنحو لا يكون لها إطلاق يشمل حال عدم عارضه و مع ذلك لا تكون مقيدة به أيضا و انما هي حصة من الذات التوأمة مع الحكم على نحو القضية الحينية لا مطلقة و لا مقيدة به (و بعد ذلك) نقول انه إذا كان مثل هذا الضيق الناشئ عن ضيق العارض في مرحلة عروضه غير مأخوذ في نفس معروض الحكم و المصلحة، ففي موارد ظهور القضية في رجوع القيد المأخوذ فيها إلى كونه قيدا للوجوب لا للواجب لا مجال للإشكال في استصحاب الحكم الكلي من الجهة المزبورة، فانه على ما بيناه يكون الموضوع في أمثال هذه القضايا عبارة نفس الذات القابلة للبقاء حتى مع اليقين بانتفاء قيد حكمه فضلا عن الشك في انتفائه، فإذا شك في قيدية ما علم انتفائه للحكم أو في بقاء ما علم قيديته له‏

12

يجري فيه الاستصحاب، كما يجري فيه عند الشك في بقاء سائر أعراضه الخارجية لأجل الشك في بقاء عللها، فيقال: ان هذه الذات في ظرف تحقق قيد كذا كانت متصفة بالمرادية و بعد الشك في بقاء القيد يشك في بقائها على الاتصاف المزبور، فيجري فيه الاستصحاب و لو مع البناء على كون مدار الوحدة في القضيتين على الأنظار الدقية فضلا عما هو التحقيق من كفاية الوحدة العرفية فانه عليه ربما يجري الاستصحاب و لو كان القيد بحسب الدقة من قيود الموضوع و من مقوماته، لأنه ربما يرى العرف بحسب ما هو المرتكز في أذهانهم من مناسبة الحكم و الموضوع كون الموضوع للحكم هو نفس الذات و ان القيد من الأمور غير المقومة له أو من الجهات التعليلية لطرو الحكم على ذات الموضوع (نعم) لو قلنا ان عموم لا تنقض مسوق بلحاظ ما يستفاد من لسان الدليل و يفهم منه العرف في تشخيص موضوعات الأحكام و تحديد مفاهيم الألفاظ و مداليلها، لا بلحاظ ما يفهمه بلحاظ ما ارتكز في ذهنه في نظائره من الأحكام العرفية و مناسبات الحكم و الموضوع، كان اللازم التفصيل في جريان الاستصحاب بين الأحكام حسب اختلاف أدلتها من حيث اللسان، فيفرق بين ان يكون القيد المشكوك دخله و لو بقاء مأخوذاً في ظاهر القضية على نحو التوصيف كقوله:

الماء المتغير نجس، أو مأخوذاً على نحو التعليل للحكم كقوله: الماء إذا تغير نجس بإجراء الاستصحاب في الثاني دون الأول.

(لا يقال) ان موضوع الحكم بما هو موضوع و ان كان غير مقيد بقيود الحكم و لكنه لا إطلاق له أيضا يشمل حال عدم القيد، لأن ملازمة الحكم لموضوعه و عدم تخلفه عنه موجبة لضيق قهري في ذات الموضوع بنحو لا يكاد ينطبق الا على حصته من الذات الملازمة مع القيد لا مقيدة به (و معه) يتوجه الإشكال المزبور، إذ يقال:

ان موضوع الحكم بوصف كونه موضوعا غير معلوم البقاء في الآن الثاني مع الشك في بقاء ما علم قيديته للحكم أو العلم بانتفاء ما شك في قيديته له و لا (يندفع) ذلك الا بالبناء على كفاية الأنظار العرفية في وحدة القضيتين و تعددهما، و إلّا فبناء على اعتبار الأنظار العقلية لا محيص من الإشكال حيث يكفي فيه مجرد عدم إطلاق‏

13

الموضوع بما هو موضوع الشامل لحال عدم القيد (فانه يقال): ان الغرض من لزوم اتحاد الموضوع بنحو الدقة في باب الاستصحاب ليس إلّا ذات الموضوع المحفوظ في الحالتين لا بوصف معروضيته، فلا بد من تجريد متعلق اليقين و الشك عن هذه الجهة كي يصدق تعلق الشك بعين ما تعلق به اليقين، و إلّا فمع عدم التجريد من هذه الجهة لا يتصور اجتماع اليقين و الشك في زمان واحد، و يلزمه انطباقه على قاعدة اليقين لا الاستصحاب، و لازمه المنع عن استصحاب الاعراض الخارجية أيضا كسواد الجسم و بياضه و هو كما ترى، فلا محيص حينئذ من تجريد متعلق الشك و اليقين من الحيثية المزبورة بجعله عبارة عن ذات الموضوع المحفوظة في حالتي اليقين بعروض العارض و شكه حتى يصدق تعلق الشك بما تعلق به اليقين، و عليه كما يجري الاستصحاب في الاعراض الخارجية، كذلك يجري في الأحكام الكلية، إذ لا فرق بينهما من هذه الجهة (نعم) غاية ما هناك من الفرق بينهما هو ان القيود بوجوداتها الخارجية في الاعراض علل عروضها على محالها و في الأحكام علل اتصاف الموضوعات بأحكامها، لا علل عروضها عليها، إذ في ظرف عروضها لا تحتاج إلى وجود قيودها خارجا و انما المحتاج إليه في هذه المرحلة هو وجودها لحاظا و تصوراً كما أوضحناه في مبحث المقدمة في شرح الواجبات المشروطة.

(ثم ان العجب) من المحقق الخراسانيّ (قدس سره) انه كيف يصدق هذا الإشكال في المقام في استصحاب الأحكام الكلية و يلتجئ في الجواب عنها إلى دعوى كفاية الأنظار العرفية في اتحاد القضيتين في الاستصحاب، مع انه على ما أفاده في مبحث المقدمة من تصوير الواجب المشروط في فسحة من هذا الإشكال و حيث ان له تصوير جريان الاستصحاب فيها بنحو ما ذكرناه و لو مع البناء على لزوم اتحادهما بالنظر الدّقّي العقلي (نعم) يتّجه هذا الإشكال على مسلك مثل الشيخ (قدس سره) فيما سلكه من عدم تصوير الواجبات المشروطة و إرجاعها طراً بحسب اللبّ إلى المعلقة

الأمر الرابع‏

لا شبهة في انه على المختار من تعلق النقض باليقين يعتبر في الاستصحاب فعلية اليقين و الشك لأنهما مما به قوام حقيقته فلا استصحاب مع الغفلة

14

لعدم حصولها معها (و اما) بناء على مسلك توجيه حرمة النقض إلى الواقع بجعل اليقين المأخوذ في دليله طريقاً لمجرد إيصال النهي إلى الواقع من دون دخل لليقين فيه أصلا، فقد عرفت انه لا مجال لدعوى ركنية اليقين و الشك الفعليين في الاستصحاب و التعبد ببقاء الواقع (نعم) غاية، هناك دخلهما في مقام إحراز الحدوث و مرحلة تطبيقه على المورد، و نتيجة ذلك هي جريان الاستصحاب و التعبد بالبقاء مع الغفلة و الشك التقديري أيضا، غاية الأمر تكون الغفلة مانعة عن تنجزه كسائر الأحكام الفعلية الواقعية، لا عن أصل فعليته.

(و قد رتب) على ذلك ثمرة مهمة في من كان متيقنا بالحدث ثم غفل و صلى فشك بعد الفراغ من الصلاة في تطهره قبل الصلاة (فقيل) في الفرض المزبور بصحة الصلاة و عدم وجوب إعادتها بناء على اعتبار فعلية الشك و اليقين في الاستصحاب، لقاعدة الفراغ الحاكمة على استصحاب بقاء الحدث الجاري بعد الصلاة عند الالتفات إلى حاله المقتضى لترتب أثر البطلان على المأتي به من حيث وجوب الإعادة و القضاء، لأن المقدار الّذي ينفع الاستصحاب المزبور انما هو بالنسبة إلى الصلوات الآتية، و اما بالنسبة إلى الصلاة المأتي بها في حال الغفلة، فالقاعدة تكون حاكمة عليه (و اما بناء) على كفاية الشك التقديري، فلا بد من الحكم بالبطلان و وجوب الإعادة و القضاء عند الالتفات إلى حاله، لجريان استصحاب الحدث قبل الصلاة في حال الغفلة و اقتضائه محكومية الصلاة بالفساد.

(أقول): و لا يخفى عليك ما في الابتناء و التفريع المزبور فان كل طريق أو أصل معتبر عقلياً كان أو شرعياً عند قيامه عند قيامه على شي‏ء انما يجب اتباعه و يترتب عليه الأثر من المنجزية أو المعذرية في ظرف وجوده و بقائه على حجيته لا مطلقا حتى في ظرف انعدامه أو خروجه عن الحجية (و إلّا) فلا يكفى مجرد وجوده و حجيته في زمان في ترتب الأثر عليه للتالي حتى في أزمنة انعدامه أو خروجه عن الحجية (و بعد ذلك نقول) انه بناء على كفاية الشك التقديري و ان كان يجري استصحاب الحدث في ظرف الغفلة قبل الصلاة، و لكنه لا يترتب عليه إلّا بطلان الصلاة سابقاً، و اما وجوب‏

15

الإعادة أو القضاء في ظرف بعد الفراغ فلا يترتب على الاستصحاب المزبور، لأنه من آثار الاستصحاب الجاري في ظرف بعد الفراغ لا من آثار استصحاب الحدث الجاري في ظرف الغفلة قبل الصلاة، و انما أثر ذلك هو عدم جواز الدخول في الصلاة و جواز قطعها في فرض دخوله فيها غفلة، فإذا كان الاستصحاب الجاري في ظرف بعد الفراغ محكوما بالقاعدة فمن حين الفراغ لا بد من الحكم بالصحّة للقاعدة لا البطلان لعدم جريان الاستصحاب من ذلك الحين و لا أثر للحكم بالبطلان سابقا بعد كون العمل محكوما بالصحّة من الحين بمقتضى القاعدة (نعم) لو كانت القاعدة في جريانها منوطة بعدم كون المصلى محكوما بالمحدثية سابقا، كان لأخذ الثمرة مجال، و لكن الأمر ليس كذلك قطعا، لعدم كون هذا القيد شرطا في القاعدة (و انما) الشرط فيها مجرد كون الشك في الصحة حادثاً بعد الفراغ من العمل، و من هنا لا تجري فيما لو حدث الالتفات و الشك قبل الفراغ و لو لم يجر استصحاب الحدث و لا كان المكلف محكوما بالمحدثية حين الشروع في الصلاة، كما في موارد توارد الحالتين التي لا يجري فيها الاستصحاب، اما لعدم جريانه في نفسه مع العلم الإجمالي، أو من جهة سقوطه بالمعارضة.

(و بذلك) ظهر اندفاع توهم اقتضاء البيان المزبور للحكم بصحة الصلاة و عدم وجوب إعادتها حتى في فرض اليقين بالحدث و الشك الفعلي في الطهارة قبل الصلاة، لفرض عدم اقتضاء محكومية الصلاة بالفساد حال الإتيان بها بالاستصحاب الجاري قبل الصلاة لبطلانها بعد الفراغ، و حكومة القاعدة على استصحاب الحدث الجاري في ظرف الفراغ؛ و هذا مما لا يلتزم به أحد من الأصحاب (توضيح الاندفاع) هو ان بنائهم على بطلان الصلاة و وجوب إعادتها في مفروض النقض انما هو لأجل عدم كون المورد مجرى لقاعدة الفراغ، لاختصاصها بالشك الحادث بعد الفراغ و عدم شمولها لما إذا حدث الالتفات و الشك قبله، إذ حينئذ يجري استصحاب الحدث في ظرف بعد الفراغ لسلامته عما يقتضي صحة العمل و مقتضاه هو الحكم بالبطلان و وجوب الإعادة؛ لا ان ذلك من جهة مجرد استصحاب الحدث الجاري‏

16

قبل الشروع في الصلاة و اشتراط القاعدة في جريانها بعدم كون الصلاة حال الإتيان بها محكومة بالبطلان (كيف و لازمه) هو الحكم بالصحّة للقاعدة في فرض طرو الغفلة حين الشروع في الصلاة، كما لو تيقن بالحدث و شك في الطهارة قبل الصلاة ثم غفل فصلى فتجدد له الشك في الطهارة بعد الفراغ مع القطع بعدم تطهره من الحدث الاستصحابي قبل الصّلاة (لوضوح) انه لا يكون له حكم ظاهري بتحصيل الطهارة حين الشروع في الصلاة، فان الاستصحاب وظيفة عملية للشاك بما هو شاك فيكون متقوما بالشك حدوثا و بقاء، فمن حين طرو الغفلة يرتفع الحدث الاستصحابي بارتفاع شكه؛ فلا استصحاب حين الشروع في الصلاة يقتضى محكومية المصلى بالمحدثية حتى يمنع عن جريان قاعدة الشك بعد الفراغ، مع ان ذلك كما ترى.

(و توهم) ان المانع عن صحة الصلاة و عن جريان القاعد حينئذ هو الحدث الاستصحابي السابق على طرو الغفلة (فمدفوع) بان الصالح للمنع عن الصحة انما هو الحدث الباقي إلى حين الشروع في الصلاة؛ لا الحدث مطلقا، فمانعية الحدث الاستصحابي عن صحة الصلاة انما تكون في فرض بقائه على الالتفات إلى حين الشروع فيها، و إلّا فمع زواله بطرو الغفلة قبل الشروع في الصلاة لا يصلح الحدث الاستصحابي السابق للمانعية عن صحة الصلاة و عن جريان قاعدة الفراغ حين الشك المتجدد بعد الفراغ، فينحصر المنع عن صحة الصلاة و عن جريان قاعدة الشك بعد الفراغ في الفرض المزبور بما ذكرنا من اختصاص القاعدة في جريانها بصورة الشك الحادث بعد الفراغ من العمل بحيث لا يكون مسبوقا بالالتفات و الشك قبل العمل و ان غفل حين الشروع فيه (و عليه) نقول: في المقام انه لا مجال لمثل هذا التفريع و أخذ الثمرة المزبورة بين القولين، فانه بعد ان كان الشك في الحدث ممحضاً بكونه بعد الفراغ من الصلاة فمن حين الفراغ تجري فيها قاعدة الشك بعد الفراغ المقتضية لصحتها و الحاكمة على أصالة فسادها بعد الصلاة، قلنا باعتبار الشك الفعلي في جريان الاستصحاب، أو بكفاية الشك التقديري (و لعمري) ان ذلك واضح لا سترة عليه، و انما أطلنا الكلام في ذلك لما يظهر من العلامة الأنصاري قده من تسليم الثمرة

17

المزبورة و تعليل بطلان الصلاة و عدم جريان قاعدة الشك بعد الفراغ بسبق الأمر بالطهارة و النهي عن الدخول في الصلاة بدونها (نعم) يمكن ان يفرض وجود الثمرة بين القولين في عكس المسألة فيما لو علم بالطهارة فشك فيها قبل الصلاة ثم غفل و صلى و بعد الفراغ من الصلاة حصل له شك مقرون بعلم إجمالي بتوارد الحالتين عليه قبل الصلاة، حيث انه بناء على كفاية الشك التقديري في الاستصحاب يحكم عليها بالصحّة و عدم وجوب الإعادة (و اما بناء) على اعتبار الشك الفعلي، فلا طريق إلى إحراز صحة صلاته و فسادها، لأنه حين حصول الشك المقرون بالعلم الإجمالي بتوارد الحالتين لا مجال لجريان الاستصحاب اما لعدم جريانه في نفسه مع العلم الإجمالي المزبور، و اما لسقوطه بالمعارضة (و اما قاعدة الشك) بعد الفراغ فهي أيضا غير جارية لاختصاص جريانها بصورة الشك الحادث بعد الفراغ من العمل فيه فتأمل.

(الأمر الخامس)

ينقسم الاستصحاب باعتبار اختلاف المستصحب و الدليل الدال عليه و باعتبار الشك المأخوذ فيه إلى أقسام (اما اقسامه) بالاعتبار الأول، فلان المستصحب تارة يكون وجوديا، و أخرى عدميا (و على التقديرين) تارة يكون حكما شرعيا، و أخرى موضوعا ذا حكم شرعي (و على الأول) تارة يكون حكما كليا، و أخرى حكما جزئيا (و على التقديرين) فتارة يكون من الأحكام التكليفية، و أخرى من الأحكام الوضعيّة (و اما اقسامه) بالاعتبار الثاني فلان الدليل الدال على ثبوت المستصحب، تارة يكون عقليا و أخرى شرعيا (و على الثاني) فتارة يكون لفظيا كالكتاب و السنة، و أخرى لُبيا كالإجماع (و اما اقسامه) بالاعتبار الثالث «فلان» الشك في بقاء المستصحب تارة يكون من جهة الشك في المقتضى و قابلية المستصحب في نفسه للبقاء، و أخرى يكون من جهة الشك في الرافع مع القطع باستعداد المستصحب للبقاء «و على الثاني» تارة يكون الشك في وجود الرافع، و أخرى في رافعية الموجود «اما من‏

18

جهة» عدم تعين المستصحب لتردده بين ما يكون الموجود رافعا له و ما لا يكون كذلك، كفعل الظهر المشكوك كونه رافعا للاشتغال بالصلاة المكلف بها قبل العصر يوم الجمعة لتردده بين كونها هي الظهر أو الجمعة، و كالوضوء المشكوك كونه رافعاً للحدث المردد بين الأصغر و الأكبر «و اما» للجهل بصفة كون الموجود رافعاً كالمذي، أو الجهل بكونه مصداقا للرافع كالرطوبة المرددة بين البول و الوذي «فهذه» أقسام متصورة للاستصحاب بالاعتبارات الثلاثة المتقدمة «و الظاهر» هو وقوع الخلاف بين الاعلام في كل واحد من هذه الأقسام «حيث» انهم بين قائل بحجيته مطلقا، و قائل بعدم حجيته كذلك «و ثالث» بالتفصيل بين الوجوديّ و العدمي باعتباره في الأول دون الثاني (و رابع) عكس ذلك (و خامس) بالتفصيل بين الأحكام التكليفية و الوضعيّة بين الأحكام الجزئية و الكلية «و ثامن» بين الشك في المقتضى و الشك في الرافع «و تاسع» مفصل بين كون الدليل المستصحب عقليا أو شرعيا «و عاشر» بين ثبوت المستصحب بدليل لفظي كالكتاب و السنة، و ثبوته بدليل لبي كالإجماع إلى غير ذلك من التفاصيل التي استقصاها الشيخ (قدس سره) في فرائده «و لكن الأقوى» هو حجية الاستصحاب في جميع هذه الأقسام باعتبار المستصحب و الدليل الدال عليه و الشك المأخوذ فيه، و سيتضح تحقيق ذلك إن شاء اللَّه تعالى عند التعرض لذكر أدلة الاستصحاب.

«و قبل الخوض» فيها لا بأس بالتعرض لما أفاده الشيخ (قدس سره) من التفصيل في جريان الاستصحاب بين ان يكون دليل المستصحب عقليا أو شرعيا بجريانه في الثاني دون الأول «حيث قال» الثاني من حيث انه أي المستصحب قد يثبت بالدليل الشرعي و قد يثبت بالدليل العقلي، و لم أجد من فصل بينهما إلّا ان في تحقق الاستصحاب مع ثبوت الحكم بالدليل العقلي و هو حكم العقل المتوصل به إلى حكم شرعي تأملا، نظراً إلى ان الأحكام العقلية كلها مبيّنة و مفصلة من حيث مناط الحكم الشرعي، و الشك في بقاء الحكم المستصحب و عدمه لا بد و ان يرجع إلى الشك‏

19

في موضوع حكم العقل لأن الجهات المقتضية للحكم العقلي بالحسن و القبح كلها راجعة إلى قيود فعل المكلف الّذي هو الموضوع، فالشك في حكم العقل حتى لأجل وجود الرافع لا يكون إلّا للشك في موضوعه، و الموضوع لا بد ان يكون محرزاً معلوم البقاء في الاستصحاب كما سيجي‏ء «و لا فرق» فيما ذكرنا بين ان يكون الشك من جهة الشك في وجود الرافع و بين ان يكون لأجل الشك في استعداد الحكم، لأن ارتفاع الحكم العقلي لا يكون إلّا بارتفاع موضوعه، فيرجع الأمر بالاخرة إلى تبدل العنوان، أ لا ترى إذا حكم العقل بقبح الصدق الضار فحكمه يرجع إلى ان الضار من حيث انه ضار حرام، و معلوم ان هذه القضية غير قابلة للاستصحاب عند الشك في الضرر مع العلم بتحققه سابقا، لأن قولنا المضر قبيح حكم دائمي لا يحتمل ارتفاعه أبداً و لا ينفع في إثبات القبح عند الشك في بقاء الضرر، و لا يجوز ان يقال ان هذا الصدق كان قبيحاً سابقا فيستصحب قبحه، لأن الموضوع في حكم العقل بالقبح ليس هذا الصدق، بل عنوان المضر، و الحكم له مقطوع البقاء (و هذا) بخلاف الأحكام الشرعية فانه قد يحكم الشارع على الصدق بكونه حراماً و لا يعلم ان المناط الحقيقي فيه باق في زمان الشك أو مرتفع فيستصحب الحكم الشرعي، انتهى كلامه (قدس سره) (أقول): و لا يخفى ما فيه، فان الإشكال المزبور ان كان راجعا إلى شبهة عدم إحراز بقاء الموضوع في استصحاب الأحكام المستكشفة من الأحكام العقلية، بدعوى ان القيود في الأحكام العقلية بأجمعها راجعة إلى نفس الموضوع الّذي هو فعل المكلف، فالشك في بقاء الحكم المستكشف من الحكم العقلي حتى لأجل الشك في وجود الرافع يرجع إلى الشك في بقاء موضوعه، كما لعله هو الظاهر بل الصريح من بعض كلامه (ففيه) (أولًا) منع الكلية المزبورة، لا مكان دخل بعض القيود في الأحكام العقلية بكونه من الجهات التعليلية لطرو الحسن أو القبح على نفس الذات، كما لعله من هذا القبيل عنوان المضرية للصدق و النافعية للكذب في الحكم عليهما بالقبح و الحسن (فان الظاهر)

20

من مثل هذه العناوين كونها من الجهات التعليلية لطرو الحسن و القبح على نفس الذات، لا من الجهات التقييدية المأخوذة في الموضوع، نظير عنوان المؤثرية في الإضرار و الانتفاع الّذي هو من الجهات التعليلية لطرو الحسن و القبح على ما هو المؤثر و هو الذات، و عنوان المقدمية التي هي جهة تعليلية لطرو الوجوب على ما هو مصداق المقدمة من دون ان يكون لعنوان المقدمية دخل في موضوع الحكم (و عليه) فلا قصور في استصحاب الحكم الشرعي المستكشف من الحكم العقلي لأن موضوع الحكم حينئذ عبارة عن نفس الذات و مثله مما يقطع ببقائه في الزمان الثاني حتى مع القطع بانتفاء قيد حكمه فضلا عن صورة الشك فيه.

(و ثانياً) على فرض تسلّم الكلية المزبورة في القيود المأخوذة في الأحكام العقلية (نقول) انه يتوجه الإشكال المزبور بناء على اعتبار وحدة الموضوع في القضية المشكوكة و المتيقنة بالأنظار العقلية الدقية (و لكن) يلزمه المنع عن جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي المستكشف من الدليل الشرعي أيضاً، لقيام احتمال تغاير الموضوع في كل مورد يكون الشك في بقاء الحكم الشرعي من جهة الشك في انتفاء ما له الدخل في موضوع الحكم قطعاً أو احتمالا سواء في الشبهة الحكمية أو الموضوعية، فإذا حكم الشارع على الصدق الضار بكونه حراماً و احتمل مدخلية الوصف المزبور في موضع الحكم فعند الشك في بقائه على مضريته لا يجري فيه الاستصحاب لعدم إحراز بقاء الموضوع في الزمان الثاني (بل يلزمه) سد باب الاستصحاب في الأحكام رأساً إلّا في الموارد النادرة لأنه ما من مورد يشك في بقاء الحكم الشرعي لأجل الشك في انتفاء بعض الخصوصيات حتى الشك في وجود الرافع أو رافعية الموجود الا و يحتمل مدخلية الخصوصية المشكوكة وجوداً أو عدماً في موضوع الحكم الشرعي و مناطه و لو بحسب لبّ الإرادة، و مع قيام احتمال تغاير الموضوع لا يجري فيه الاستصحاب (و اما) على ما هو التحقيق من كفاية الوحدة بالأنظار العرفية حسب ما هو المرتكز في أذهانهم في نظائره من أحكامهم العرفية بمناسبات الحكم و الموضوع كما هو مختاره قده أيضا فلا قصور في جريان الاستصحاب، فانه‏

21

كما يجري الاستصحاب في الحكم الشرعي المستكشف من الدليل الشرعي حتى فيما كان الموضوع مأخوذاً في لسان الدليل على نحو التقييد كالماء المتغير و الصدق الضار و الكذب النافع و نحو ذلك لعدّهم الخصوصيات المأخوذة فيه في لسان الدليل من الحالات غير المقوّمة للموضوع (كذلك) يجري في الحكم المستكشف من الدليل العقلي (و اما الجزم) بانتفاء الحكم العقلي حينئذ لعدم دركه فعلا مع الشك في مناط حكمه، فغير ضائر بجريان الاستصحاب في الحكم الشرعي المستكشف منه، لما سيجي‏ء من ان استتباع الحكم الشرعي للحكم العقلي انما هو في مقام الكشف و الإثبات لا الثبوت، و انما هو في هذا المقام تابع تحقق مناطه واقعاً فيمكن بقاء الحكم الشرعي ثبوتاً ببقاء مناطه و ان انتفى كاشفه الّذي هو الحكم العقلي (فعلى كل تقدير) لا مجال للتفرقة في جريان الاستصحاب بين كون دليل الحكم شرعياً و كونه عقلياً (نعم) بناء على ان عموم لا تنقض مسوق بلحاظ ما يستفاد من لسان الدليل حسب فهم العرف في تشخيص موضوعات الأحكام و تحديد مفاهيم الألفاظ و مداليلها، لا بلحاظ ما ارتكز في أذهانهم العرفية بما تخيلوه من الجهات و المناسبات، لا بأس بالتفرقة في جريان الاستصحاب بين الأحكام بلحاظ اختلاف أدلتها، فيفصل بين الثابت بالدليل اللفظي الظاهر في كون القيد من قيود الحكم كقوله: الماء إذا تغير ينجس و الصدق إذا كان ضاراً حرام، و بين الثابت بالدليل العقلي المثبت للحكم لعنوان خاص كالصدق الضار و الكذب النافع بجريان الاستصحاب في الأول عند الشك في انتفاء قيده المعلوم قيديته أو الشك في قيدية ما يعلم انتفائه، لعدم تطرق الشك في أمثال ذلك إلى موضوع المستصحب، و عدم جريانه في الثاني لعدم انفكاك الشك في بقاء الحكم المستكشف منه عن الشك في بقاء موضوعه (و لكن) لازم ذلك هو تعميم الإشكال المزبور من هذه الجهة في الأحكام المستكشفة من الإجماع و السيرة أيضا، بداهة انه لا خصوصية لهذه الشبهة بالاحكام المستكشفة من الأدلة العقلية، بل هي تجري في كل حكم شرعي يكون طريق كشفه غير الأدلة اللفظية من اللبيات عقلا كان أو إجماعا أو سيرة، فإذا ثبت حكم شرعي لموضوع خاص في حال من الأحوال بإجماع أو سيرة قطعية، فعند الشك في زوال‏

22

ما يقطع بدخله في المناط أو القطع بزوال ما يحتمل دخله فيه تجري فيه الشبهة المزبورة في الدليل العقلي، لعدم انفكاك الشك في بقاء الحكم حينئذ عن الشك في بقاء موضوعه، فلا وجه حينئذ للتفصيل بين الدليل الشرعي و العقلي و تخصيص الإشكال بخصوص الحكم المستكشف من الدليل العقلي (هذا كله) إذا كان مبنى المنع عن استصحاب الأحكام المستكشفة من الأدلة العقلية شبهة عدم إحراز بقاء الموضوع (و اما إذا كان) مبنى المنع المزبور شبهة عدم تطرق الشك فيها من جهة الشبهة الحكمية أو الموضوعية كما يقتضيه ظاهر بعض كلامه الآخر، من ان الأحكام العقلية كلها من حيث المناط و الموضوع تكون مبنية و مفصلة، لأنه لا يحكم بشي‏ء بالحسن أو القبح الا بعد درك موضوعه و تشخيصه بخصوصياته و تميز ما له الدخل في مناط حكمه مما لا دخل له فيه، فلا يتطرق إليه الإهمال و الإجمال، و إذا كان مناط الحكم الشرعي و موضوعه هو المناط و الموضوع في الحكم العقلي، فلا يتصور فيه الشك أيضا حتى يجري فيه الاستصحاب (ففيه) أولا منع لزوم كون حكم العقل بالحسن و القبح عن مناط محرز تفصيلي عنده، بل كما يكون ذلك، كذلك قد يكون عن مناط محرز إجمالي أيضا (بداهة) انه قد لا يدرك العقل دخل بعض الخصوصيات في مناط حكمه و موضوعه تفصيلا لعجزه عن تمييز ما له الدخل فيه واقعا مما لا دخل له فيه، و انما يحكم بشي‏ء واجد لبعض الخصوصيات بالحسن أو القبح كحكمه بقبح الكذب الضار و حسن الصدق النافع لمكان ان المشتمل على تلك الخصوصيات هو المتيقن في قيام مناط القبح و الحسن به مع احتمال ان لا يكون لبعض الخصوصيات دخل في مناط الحسن و القبح (و من الواضح) حينئذ إمكان تحقق الشك في بقاء المناط و لو مع العلم بانتفاء بعض ما له الدخل في العلم بوجوده إجمالا فضلا عن الشك في انتفائه (و في مثله) و ان ارتفع الحكم العقلي فيه بالحسن أو القبح و يجزم بانتفائه فعلا، لأنه فرع دركه المنوط بوجود جميع ما له الدخل في العلم بوجوده إجمالا (و لكن) ليس المقصود من الاستصحاب هو استصحاب الحكم العقلي كي ينافيه الجزم المزبور، بل المقصود منه استصحاب الحكم الشرعي المستكشف منه بقاعدة الملازمة، و الجزم بانتفاء الحكم العقلي لا يضر

23

بجريان الاستصحاب في الحكم الشرعي المستكشف منه (لأن بقاء) الحكم الشرعي ثبوتا تابع بقاء مناط القبح واقعا، لا تابع بقاء نفس الحكم العقلي، و الملازمة المزبورة بينهما انما تكون في مقام الكشف و الإثبات لا في مقام الثبوت أيضا بحيث يدور الحكم الشرعي حدوثا و بقاء مدار الحكم للعقلي بالحسن و القبح (و حينئذ) فإذا كان كان الشك في بقاء المناط العقلي مستتبعا للشك في بقاء الحكم الشرعي واقعا فلا محالة يجري فيه الاستصحاب (و ثانيا) على فرض لزوم كون الأحكام العقلية عن مناط محرز تفصيلي بخصوصياته (نقول): ان غاية، ما يقتضيه ذلك هو المنع عن تطرق الشك في المناط العقلي من جهة الشك في قيدية شي‏ء فيه (و اما الشك فيه) من جهة الشك في بقاء ما هو معلوم القيدية كالشك في بقاء الكذب على نافعيته و الصدق على مضريته، فهو امر ممكن، بل كثيراً ما يقع مثل هذا الشك في المناطات العقلية، و في مثله و ان يرتفع الحكم العقلي بالحكم العقلي بالحسن أو القبح فعلا، و لكنه بالنسبة إلى الحكم الشرعي المستكشف منه لا محذور من استصحابه بعد استتباع الشك في بقاء المناط العقلي للشك في بقاء الحكم الشرعي (مع إمكان) دعوى تطرق الشك في الحكم الشرعي في الأول أيضا، نظراً إلى احتمال أوسعية مناط الحكم الشرعي من مناط الحكم العقلي بقيامه بالأعم من الواجد لبعض الخصوصيات و الفاقد لها، أو احتمال قيام مناط آخر مقام المناط الأول عند انتفائه الموجب لبقاء شخص الحكم الأول بلا اقتضاء تغيير المناط تغييراً لشخص الإرادة، نظير تبدل عمود الخيمة بالنسبة إلى هيئتها الموجودة الشخصية، فان حال المصالح و المناطات بالنسبة إلى الأحكام كحال عمود الخيمة بالنسبة إلى هيئتها الشخصية القائمة، فكما لا يوجب تبدل عمود الخيمة تغييراً في شخص هيئتها القائمة، كذلك تبدل المصالح و المناطات (و مع) إمكان تطرق الشك في بقاء الحكم الشرعي المستكشف بأحد الوجهين يجري فيه الاستصحاب و لو مع القطع بزوال بعض ما له الدخل في الحكم العقلي فتدبر (هذا كله) في استصحاب الحكم الشرعي المستكشف من الحكم العقلي بالحسن أو القبح بقاعدة الملازمة.

24

(و اما) استصحاب نفس الحكم العقلي بالحسن أو القبح عند الشك في بقاء مناطه لشبهة حكمية أو موضوعية، فلا شبهة في انه لا سبيل إلى استصحابه، و ذلك لا من جهة ما قيل من عدم ترتب أثر عملي على استصحابه إلّا باعتبار إرادة إثبات الحكم الشرعي من استصحابه و هو غير ممكن لكونه من أوضح افراد الأصل المثبت، لأنه من استصحاب أحد المتلازمين لإثبات الملازم الآخر (بل من جهة) الجزم بانتفائه حينئذ و عدم إمكان تطرق الشك في الأحكام العقلية الوجدانية التي منها باب التحسين و التقبيح العقليين، فان حقيقة الحسن العقلي ليس إلّا عبارة عن ملائمة الشي‏ء لدى القوة العاقلة كسائر ملائمات الشي‏ء لدى سائر قواه من الذائقة و السامعة و نحوهما مما هو في الحقيقة من آلات درك النّفس، قبال ما ينافر لدى القوة العاقلة المسمى بالقبح (و من الواضح) امتناع تطرق الشك في مثل هذه الإدراكيات الوجدانية، إذ هي تدور مدار حصول صفة الانبساط و الاشمئزاز، نظير سائر الحالات الوجدانية كالفرح و الحزن، فإذا انبسط العقل من شي‏ء لكونه ملائما لديه يحكم بحسنه، كما انه باشمئزازه عنه لمنافرته لديه يحكم بقبحه و لا يمكن فيه تطرق الشك و الاحتمال لامتناع خفاء الوجدانيات على الوجدان (نعم) المشكوك ما هو انما هو مناط حكمه من المصالح و المفاسد النّفس الأمرية و لكنه أجنبي عن الأحكام العقلية الوجدانية (كما ان) ما هو القابل لتطرق الشك و الاحتمال فيه في العقليات هو الأحكام العقلية الاستكشافية في باب الملازمات و نحوها من الأمور الواقعية كحكمه بثبوت الملازمة بين الشيئين و حكمه باستحالة اجتماع النقيضين و الضدين و امتناع التكليف بغير المقدور (فان درك) العقل فيها لما كان طريقا إلى الواقع لا مقوما لحكمه، كأحكامه الوجدانية التي منها باب التحسين و التقبيح كان المجال لتطرق الشك و الاحتمال فيها، كالشك في استحالة الشي‏ء أو الشك في الملازمة بين الشيئين، بخلافه في أحكامه الوجدانية التي يكون دركه و تصديقه مقوم حكمه، فانه يمنع تطرق الشك و الاحتمال لاستحالة خفاء الوجدانيات على الوجدان (و بهذه) الجهة نفرق بين سنخي الحكم العقلي في باب التخطئة و التصويب أيضا، حيث نقول ان باب التحسين و التقبيح العقليين الناشئين‏

25

من إدراك العقل لما يلائمه و ينبسط منه و ما ينافره و يشمئز منه ليس مما يتطرق إليه التخطئة كالاحكام العقلية الاستكشافية، بل لا بد فيه من الالتزام بالتصويب المحض؛ بخلاف الأحكام العقلية الاستكشافية في باب الملازمات و نحوها، فان درك العقل و تصديقه فيها لما كان طريقا إلى الواقع لا مقوما لحكمه كان لتطرق التخطئة إليها مجال (بل لا محيص) من القول بها، لأن الملازمة الواقعية بين الشيئين و كذا الاستحالة الواقعية للشي‏ء قد يدركها العقل فيحكم بها و قد لا يدركها أو يدرك عدمها، و كذا المصلحة و المفسدة الواقعية و الحسن و القبح الواقعيان قد يدركها العقل و قد لا يدركها أو يخطئ عنها فيحكم بعدمها (و بالجملة) المقصود من هذا التطويل بيان الفرق بين سنخي الحكم العقلي و ان عدم جريان الاستصحاب في نفس الحكم العقلي بالحسن أو القبح انما هو من جهة الجزم بانتفائه عند الشك في المناط لعدم إمكان تطرق الشك في الأحكام العقلية الوجدانيّة، لا انه من جهة كونه من الأصول المثبتة كي يبتنى جريانه فيه على القول بالأصل المثبت (نعم) ما هو المشكوك حينئذ هو مناط حكمه من المصالح و المفاسد الواقعية، و لكنه غير مرتبط بنفس الحكم العقلي بالحسن و القبح (كما ان) ما هو القابل لطرو الشك فيه هو الأحكام العقلية الاستكشافية في باب الملازمات و نحوها من مثل استحالة اجتماع الضدين و النقيضين و استحالة التكليف بغير المقدور من الحكيم تعالى مما يكون درك العقل و تصديقه طريقا لفهمه الاستحالة الواقعية لا مقوما لاستحالة الشي‏ء (و حينئذ) فتسليم تطرق الشك في الحكم العقلي بالحسن أو القبح لا يكون إلّا من جهة الخلط بين سنخي الحكم العقلي و جعلهما على منوال واحد.

(و من التأمل فيما ذكرنا) يظهر أيضا فساد ما توهم من ثبوت إيجاب الاحتياط العقلي عند الشك في المناط من المصالح و المفاسد المقتضية لحكم العقل بالحسن و القبح عند دركها، بخيال انه لا يمكن ان يكون للعقل في موارد الشك في الموضوع حكم على خلاف حكمه على الموضوع الواقعي بالحسن أو القبح، بل لا بد و ان يكون له عند الشك حكم طريقي آخر بقبح الإقدام على ما لا يؤمن ان يكون هو الموضوع للقبح، (بخلاف) الأحكام الشرعية فان للشارع ان يجعل في رتبة الشك في الموضوع حكما مخالفاً لما

26

رتب على الموضوع الواقعي (إذ فيه) ان حكم العقل بإيجاب الاحتياط في رتبة الشك في الموضوع الّذي حكم بقبحه فرع إمكان تطرق الشك في حكمه الوجداني بالحسن أو القبح، و على ما بينا من امتناع ذلك لاستحالة خفاء الوجدانيات على الوجدان أين يتصور الشك في الحكم كي يبقى المجال لحكمه الطريقي بإيجاب الاحتياط (و اما) توهم كفاية مجرد الشك في الموضوع و المناط في حكمه بإيجاب الاحتياط (فمدفوع) بان لازمه حكمه به في كل شبهة بدوية حكمية أو موضوعية، و هو كما ترى، فان مرجعه إلى القول بأصالة الحذر في الأشياء لدى العقل (هذا) في الأحكام العقلية الوجدانية (و اما أحكامه) الاستكشافية من مثل استحالة التكليف بغير المقدور و بما لا يطاق فتصور الشك فيها و ان كان صحيحا، و لكن لا يلزم ان يكون له عند الشك في الاستحالة حكم طريقي على وفق حكمه بالموضوع الواقعي، و إلّا يلزم حكمه بعدم التكليف مع الشك في القدرة (مع انه) ليس كذلك قطعا، بل العقل في مثله يحكم عند الشك بوجوب الاحتياط كما هو واضح (و كيف كان) فهذا كله في استصحاب الحكم الشرعي المستكشف من الحكم العقلي بالحسن أو القبح بقاعدة الملازمة، و استصحاب نفس الحسن و القبح العقليين.

(و اما استصحاب) الموضوع الّذي حكم العقل بحسنه أو قبحه و الشارع بوجوبه أو حرمته (فان كان) الشك فيه لبعض الأمور الخارجية، كالشك في بقاء وصف الإضرار في الكذب الّذي حكم بقبحه، فلا شبهة في جريان الاستصحاب فيه (و ان كان) الشك فيه لأجل انتفاء بعض الخصوصيات التي يحتمل دخله في موضوعية الموضوع، فالذي يظهر من بعض الاعلام نفى الإشكال عن جريان الاستصحاب فيه أيضا (و لكن) دقيق النّظر وفاقا للشيخ (قدس سره) يقتضى المنع عن جريانه فيه (فان) الغرض من استصحاب الموضوع في مثل المقام الّذي هو من الشبهات الحكمية، ان كان استصحابه بوصف موضوعية للحكم، فهو يرجع إلى استصحاب حكمه لأن وصف الموضوعية منتزع عن حكمه فيغني استصحاب الحكم عن استصحابه (و ان كان) الغرض استصحاب ذات الموضوع التي عرض عليها الحكم لا هي بوصف معروضيتها للحكم، فمثل هذا الاستصحاب غير جار في كلية موضوعات الأحكام في الشبهات‏

27

الحكمية (لأن) مرجع الشك فيها إلى ان الموضوع خصوص الواجد للقيد المحتمل دخله أو هو الأعم من الواجد و الفاقد، و بذلك يدور امره بين ما هو مقطوع البقاء و ما هو مقطوع الارتفاع، و من المعلوم انه لا يجري فيه الاستصحاب لانتفاء الشك في البقاء على كل تقدير فيكون استصحابه كاستصحاب الفرد المردد (نعم) ما هو مشكوك البقاء حينئذ انما هو عنوان ما هو المعروض للحكم بنحو الإجمال، و لكنه بهذا العنوان الإجمالي لم يترتب عليه أثر شرعي حتى يجري فيه الاستصحاب و إذ الأثر الشرعي انما رتب على ما هو معروض الحكم واقعا و مثله مما لا شك في بقائه لتردده بين مقطوع البقاء و مقطوع الارتفاع فتدبر.

(ثم انك عرفت) وقوع الخلاف في حجية الاستصحاب بين الاعلام في جميع ما له من الأقسام باعتبار المستصحب، و باعتبار الدليل الدال عليه، و باعتبار الشك المأخوذ فيه (إلّا انه يظهر) من بعضهم كصاحب الرياض و غيره فيما حكى عنهم تخصيص النزاع في حجية الاستصحاب بالأمور الوجودية، حيث نفي الخلاف في الاستصحابات العدمية و جعل الاستصحاب بالأمور الوجودية، حيث نفي الخلاف في الاستصحابات العدمية و جعل الاستصحاب فيها مورد وفاق الجميع (و لعل) منشأ ذلك ملاحظة تسالمهم على بعض الأصول العدمية، كأصالة عدم القرنية و أصالة عدم النقل و أصالة عدم المعارض و المزاحم و نحوها مما جرت السيرة على الأخذ بها، فتخيل ان ذلك من جهة وفاقهم على حجية الاستصحاب في مطلق الأمور العدمية و ان المذكورات من موارد الاستصحابات العدمية و صغرياتها (و لكنه كما ترى) لا ترتبط تلك الأصول العدمية بالاستصحاب المصطلح، و انما هي أصول عقلائية برأسها جارية في الموارد الخاصة (اما) أصالة أصالة عدم القرينة فظاهرة، إذ هي بناء على عدم إرجاعها إلى أصل وجودي تكون برأسها أصلا عقلائياً قد استقرت سيرة العقلاء على الأخذ بها في خصوص باب الألفاظ في مقام إثبات ظهور الكلام و استفادة مراد المتكلم منه عند احتمال احتفافه حين صدوره بما يوجب عدم ظهوره في معناه الموضوع له، و لذا ترى بنائهم طراً على الأخذ بالأصل المزبور لإثبات ظهور اللفظ

28

في معناه الموضوع له و استفادة مراد المتكلم من ظاهر لفظه حتى من لا يعتمد على الاستصحاب أصلا و من لا يرى حجية مثبتات الأصول و ينكرها أشد الإنكار (مع وضوح) ان انعقاد ظهور الكلام و استقراره انما هو من اللوازم العادية لعدم احتفافه بالقرينة الصارفة، و مثل هذه الجهة لا يكاد تثبت باستصحاب عدم القرينة الا على القول بالمثبت (فاتفاقهم) على الأخذ بالأصل المزبور لإثبات ظهور اللفظ مع مصير أكثرهم إلى رفض مثبتات الأصول و ذهاب بعضهم إلى إنكار حجية الاستصحاب مطلقا، يكشف عن صدق ما ادعيناه من كونها أصلا عقلائيا برأسها غير مرتبطة بالاستصحاب (نعم) بناء على حجية الاستصحاب من باب الأمارية لا الأصلية، يمكن دعوى اندراج الأصل المزبور في الاستصحاب المصطلح، و لكن المبنى سخيف جداً (هذا) في القرائن المتصلة المانعة عن انعقاد ظهور اللفظ.

(و اما القرائن المنفصلة) المانعة عن حجية ظهور اللفظ بعد انعقاده و استقراره (فان قلنا) بإناطة موضوع الحجية في الظهورات الصادرة بعدم قيام القرينة على إرادة خلاف الظاهر منها، فلا بأس بدعوى اندراج الأصل المزبور في الاستصحاب، و لو بناء على أخذه من مضامين الاخبار؛ لكونه حينئذ من قبيل الموضوعات المركبة أو المقيدة المحرزة بعضها بالوجدان و بعضها بالأصل، حيث ان أصل ظهور اللفظ تكون محرزاً بالوجدان و قيده و هو عدم القرينة على الخلاف محرز بالأصل، فيترتب عليه وجوب الأخذ بالظاهر، مع إمكان منع كون ذلك أيضاً من باب الاستصحاب و انه أصل عقلائي استقرت على التمسك به سيرة العقلاء في باب الألفاظ (و ان قلنا) كما هو التحقيق ان موضوع الحجية فيها نفس ظهور اللفظ في المعنى، و ان رفع اليد عن الحقيقة و العموم و الإطلاق عند قيام دليل منفصل على التجوز و التخصيص و التقييد انما هو بمناط الأخذ بأقوى الحجتين، لا بمناط خروج العموم و الإطلاق عن موضوع الحجية (بشهادة) انه قد يقدم العام على الخاصّ و المطلق على المقيد إذا كان ظهورهما في العموم و الإطلاق أقوى من ظهور دليل الخاصّ و المقيد في التخصيص و التقييد، فيخرج مفروض البحث عن مجرى أصالة العدم رأسا فلا يتأتى الكلام فيه بأنه من باب‏

29

الاستصحاب أو من باب كونه أصلا عقلائيا برأسه (إذ ليس) وجوب رفع اليد عن العموم و الإطلاق حينئذ من لوازم قيام القرنية الواقعية على التخصيص أو التقييد و انما هو من لوازم وصول حجة أقوى على خلافه، فمع عدم العلم بذلك يكون المتبع هو العموم و الإطلاق بلا احتياج إلى إحراز عدمها بالأصل (و لذلك) ترى بنائهم على الأخذ بظهور الخطابات في العموم و الإطلاق عند إجمال القرينة المنفصلة، و إلّا كان اللازم هو التوقف و عدم الأخذ بالعموم و الإطلاق مع الشك في قرينية الموجود لعدم أصل في البين يحرز به حال الموجود (و من هذا البيان) يظهر الكلام في المعارض و المزاحم عند الشك في وجودهما، فان حالهما حال القرائن المنفصلة في ان مانعيتهما انما هي بوجودهما الواصل إلى المكلف، لا بوجودهما الواقعي النّفس الأمري كي يحتاج إلى إحراز عدمهما بالأصل.

(و اما أصالة) عدم النقل عند الشك في أصل النقل عن وضعه الأول، أو الشك في تقدمه على الاستعمال و تأخره عنه مع العلم بأصل النقل و تاريخ الاستعمال، فهي أيضا قاعدة برأسها مختصة بموردها غير مرتبطة بالاستصحاب (و إلّا) فلا تخلو عن إشكال المثبتية؛ لأن حمل اللفظ على المعنى المعلوم وضعه له في الأول، و على المعنى المنقول منه في الثاني انما هو من لوازم ظهور اللفظ، و ظهوره في معناه الموضوع له أولا، يكون من اللوازم العادية لعدم نقله إلى معنى آخر؛ و الاستصحاب بناء على الأصلية و التعبد من الاخبار لا يثبت تلك اللوازم (نعم) لو قيل برجوعها إلى أصالة بقاء ظهور اللفظ في معناه الأول، أمكن دعوى كونها من باب الاستصحاب على تأمل فيه و إشكال (و لكن) على ذلك تخرج عن مفروض كلام القائل المزبور، لكونها حينئذ من الاستصحاب الوجوديّ لا العدمي، كخروجها أيضا عن مفروض كلامه في فرض إرجاعها إلى أصالة تشابه الأزمان بنحو الاستصحاب القهقرى إلى زمان الاستعمال (و لكن التحقيق) فيها و في غيرها هو ما ذكرناه من كونها أصولا عقلائية مخصوصة بباب الألفاظ.

(و اما أصالة) عدم الحائل التي تمسكوا بها في باب الوضوء و الغسل عند الشك‏

30

في وجود ما يمنع عن وصول الماء إلى البشرة من جص أو قير أو دم برغوث و نحوه، فيمكن ان يقال: بعدم كونها أيضا من باب الاستصحاب، بل و لا من باب قاعدة المقتضي و المانع (و انها) برأسها أصل عقلائي مدركها الغلبة من حيث ان الغالب هو خلو البشرة عن مثل هذه الموانع، فعند الشك يلحق المشكوك بالغالب، و لذلك يمنع عن جريان الأصل المزبور و تسالمهم عليه في الموارد التي تكون الغلبة على الخلاف، كما في بعض ذي الصنائع المباشر للجص و نحوه كالبنّاء و نحوه (و إلّا) فلو كان ذلك من باب الاستصحاب و التعبد بعدم نقض اليقين بالشك، توجه إليه إشكال عدم إثباته وصول الماء إلى البشرة الا على المثبت الّذي هو مرفوض عندهم (و اما توهم) حجية المثبت بالخصوص في تلك الموارد بدليل اتفاقهم على الأخذ بالأصل المزبور عند الشك في وجود ما يمنع عن وصول الماء إلى البشرة، فبعيد جدّاً، لكونه خلاف إطلاق القول منهم بالمنع في مثبتات الأصول و عدم تعرضهم لخروج هذه الموارد عن عموم الحكم بالمنع (كما ان دعوى) كونه من باب خفاء الواسطة أبعد، إذ عهدة إثباته على مدعيه (و ان أبيت) الا عن كون ذلك من باب الاستصحاب، فليكن من الاستصحاب الجاري في المسبب و هو أصالة بقاء الماء المصبوب على جريانه في محال الوضوء و الغسل، نظير الأصل الجاري في الأمور التدريجية (حيث انه) يصب الماء على المرفق مثلا يعلم باتصافه بالجريان على البشرة، و من جهة الشك في وجود الحائل في عضو خاص يشك في بقاء جريانه على البشرة، فيستصحب بقائه، و بذلك يتم الحكم المزبور و يندفع إشكال المثبتية أيضا (و لكن) يدخل حينئذ في الاستصحاب الوجوديّ لا العدمي الّذي هو فرض كلام القائل المزبور (نعم) لازم ذلك هو الالتزام بجريان الأصل المزبور حتى في موارد غلبة وجود الحاجب على البشرة و هو أيضا مشكل (و بالجملة) المقصود من هذا التطويل مجرد إبطال ما زعمه المستدل في تشبثه بهذه الأصول العدمية لا ثبات اتفاق الأصحاب على اعتبار الأصحاب في مطلق الأمور العدمية، بإبداء الإشكال في كون تلك الأصول المسلمة من باب الاستصحاب،

31

لا ان المقصود نفى هذه الأصول برمتها عن كونها من باب الاستصحاب بنحو السلب الكلي (و من الواضح) انه يكفى هذا المقدار من التشكيك في المنع عن التشبث بهذه الأصول العدمية لا ثبات الاتفاق المزبور، مضافا إلى وجدان الخلاف منهم في اعتبار الاستصحابات العدمية.

(ثم ان في قبال ذلك) توهم آخر، و هو دعوى مفروغية عدم جريان الاستصحاب في الأمور العدمية و الاعدام الأزلية الناشئة من عدم تحقق علل وجودها (بتقريب) انه لا بد في جريان الاستصحاب من كون المستصحب أثراً شرعيا أو موضوعا لأثر شرعي حتى يكون التعبد بالبقاء بلحاظ ذلك الأثر، و إلّا فلا يجري الاستصحاب بمحض كون الشي‏ء متيقنا سابقا و مشكوكا لا حقا، و الاعدام الأزلية كعدم الوجوب و الحرمة و عدم الجعل كلها من هذا القبيل، لأن العدم بما هو عدم ليس أثراً شرعيا تناله يد الجعل و الرفع فلا يجري فيه الاستصحاب، من غير فرق بين القول برجوع مفاد حرمة النقض إلى جعل المماثل أو إلى الأمر بالمعاملة مع المشكوك أو الشك معاملة الواقع أو اليقين به، فعلى كل تقدير يحتاج التعبد بالبقاء إلى أثر شرعي و بدونه لا يجري الاستصحاب (و لكنه توهم فاسد) فان العدم بما هو و ان لم يكن أثراً شرعيا، إلّا انه بقاء و استمراراً يكون من الأمور التي تنالها يد الجعل و الرفع التشريعي (لأن) للشارع إبقاء ذلك العدم و له رفعه و قلبه بالنقيض و لو بجعل ما يقتضى الوجود (و من الواضح) انه يكفي هذا المقدار من الشرعية في جريان الاستصحاب، إذ لا نعنى من شرعية الأثر في باب الاستصحاب و غيره الا ما يكون امر رفعه و وضعه بيد الشارع و لو إبقاء و استمراراً، فإذا كان عدم الجعل و عدم الوجوب و الحرمة بهذا الاعتبار امراً شرعياً يجري فيه الاستصحاب لا محالة.

(و قد يظهر من بعض الاعلام) التفصيل في الاعدام بين ان يكون المستصحب هو عدم الجعل الأزلي السابق على تشريع الأحكام، و بين ان يكون غيره، فمنع عن جريان الاستصحاب في الأول دون الثاني (و أفاد) في وجه التفصيل المزبور بما محصله‏

32

ان عدم الجعل و ان كان من الأمور التي تنالها يد الجعل و الرفع التشريعي فيكون المستصحب شرعيا بهذا الاعتبار، إلّا انه لا يكفى مجرد شرعية المستصحب في جريان الاستصحاب ما لم ينته إلى أثر عملي، فان الأثر العملي مما لا بد منه في صحة التنزيل و التعبد بعدم نقض اليقين بالشك، و لا أثر لاستصحاب عدم الجعل إلّا باعتبار ما يستتبعه من عدم المجعول و إثبات عدمه باستصحاب عدم الجعل يكون من المثبت المرفوض عند المحققين، إذ ليس ترتب المجعول على الجعل ترتباً شرعيا و انما هو ترتب عقلي محض، فمن هذه الجهة لا يجري الاستصحاب في عدم الجعل (بخلاف غيره) من الاعدام كعدم المجعول، فانه يجري فيه الاستصحاب عند إحراز الجعل و الشك في تحقق ما أنيط به المجعول (و فيه) مضافا إلى عدم ثمرة عملية لهذا التفصيل بعد جريان الأصل باعترافه في المجعول الّذي هو المسبب، لأنه ما من مورد يشك فيه في الجعل الا و يشك فيه في تحقق المجعول فيجري استصحاب عدمه (و إلى) ما يأتي من إباء الأحكام التكليفية بمراتبها عن تطرق الجعل التشريعي إليها (ان الجعل) و المجعول ليسا في الخارج الا امراً وجدانياً، فان مرجع الجعل بعد ان كان إلى لحاظ الشي‏ء و جعله واجبا أم جزء أو شرطاً لواجب فلا محالة يكون التغاير بينهما ممحضاً بصرف الاعتبار نظير الإيجاد و الوجود، فباعتبار إضافته إلى الجاعل جعل و باعتبار لحاظ نفسه مجعول، و في مثله لا محذور من استصحاب عدم الجعل و ترتيب ما للمجعول عليه من الآثار (و على فرض) تسلم المغايرة الخارجية بينهما و لو بدعوى ان الجعل عبارة عن إنشاء الوجوب و الحرمة و المجعول عبارة عن المنشأ بهذا الإنشاء، نظير الإنشاء في الأحكام الوضيعة و الحقائق الاعتبارية في أبواب العقود و الإيقاعات (نقول): ان الإشكال انما يرد إذا كان نسبة الجعل إلى المجعول من قبيل العلية و المعلولية نظير العلل الخارجية بالنسبة إلى معاليلها، و إلّا فبناء على كون النسبة بينهما من قبيل نسبة منا شي‏ء الاعتبار للأمور الاعتبارية كالإنشاء في أبواب العقود و الإيقاعات «فلا قصور في استصحاب عدم الجعل و لا يرتبط المقام بالأصول المثبتة، إذ عدم جعل الوجوب حينئذ واقعيا أو

33

ظاهريا مستتبع لعدم الوجوب كذلك، فكان عدم الوجوب الظاهري من لوازم عدم الجعل الظاهري و هو الاستصحاب لا من لوازم نفس المستصحب واقعا حتى، يتوجه محذور المثبتية، فإذا كان عدم الجعل مما امر رفعه و وضعه بيد الشارع و يكتفى في شرعية الأثر في باب الاستصحاب و غيره بهذا المقدار من الشرعية، فلا محالة يجري فيه الاستصحاب، و يترتب باستصحاب عدمه عدم الوجوب الظاهري فتدبر

[الأدلة التي استدلوا بها على حجّية الاستصحاب‏]

«و كيف كان» فالمهم هو عطف الكلام إلى ذكر الأدلة التي استدلوا بها على حجّية الاستصحاب و تنقيح دلالة المختار منها على وجه يتضح ما هو المختار من الحجّية مطلقا.

(و هي أمور)

«فمنها» الإجماع المحكي في كلام جماعة كالمبادي و النهاية

«و فيه ما لا يخفى» إذ لا وجه لدعوى الإجماع في هذه المسألة التي كثر فيها الاختلاف و الأقوال خلفا عن عن سلف، لا على ثبوت الحجية و لا على عدمها «نعم» لا بأس بدعوى قيام الشهرة أو ما يقرب من الإجماع على اعتبار الاستصحاب في الجملة و لو في خصوص باب الطهارة في الشبهات الموضوعية مع كون الشك في الرافع، بل يمكن دعوى اتفاقهم على ذلك، لأنه من البعيد جداً إرادة القائل بعدم الحجية النفي المطلق حتى في الموارد المذكورة في الأسئلة الواردة في الاخبار الناهية عن نقض اليقين بالشك.

[و منها بناء العرف و العقلاء من ذوي الأديان و غيرهم‏]

«و منها» بناء العرف و العقلاء من ذوي الأديان و غيرهم على الأخذ بالحالة السابقة عند الشك في انتقاضها في الأمور الراجعة إلى معاشهم و معادهم، بل قد يقال:

ان عليه بناء ذوي الشعور من كافة أنواع الحيوان من الوحوش و الطّيور و نحوهما في رجوعها إلى أو كارها و مأواها «و فيه أيضا ما لا يخفى» اما دعوى كون الأخذ بالحالة السابقة من فطريّات ذوي الشعور من كافة الحيوان، فلا ترجع إلى محصل، بداهة ان ما جرى عليه ديدن الحيوانات من الرجوع إلى مساكنها انما هو من جهة

34

الاعتياد أو الغفلة عن الجهات المزاحمة لقصورها عن درك هذه الجهات، لا انه من جهة الاستصحاب و البناء على الجري العملي على طبق الحالة السابقة مع الالتفات و الشك في انتقاضها «و اما السيرة» العقلائية و الطريقة العرفية الارتكازية فهي و ان كانت على الأخذ بالحالة السابقة، و لكن يمنع كون ذلك من باب الاستصحاب و الأخذ بأحد طرفي الشك تعبداً، بل ذلك منهم انما هو من جهة الغفلة عما يوجب زوال الحالة السابقة كما هو الغالب، أو من جهة حصول الاطمئنان لهم بالبقاء، أو من جهة مجرد الاحتياط و رجاء البقاء كما في المراسلات و نحوها من الأمور غير الخطيرة «و على فرض» ثبوت البناء المزبور منهم يمنع تحققه في مطلق الأمور حتى الراجعة إلى معادهم و ما يتدينون به من أحكام دينهم، بل المتيقن منه كونه من الأمور الراجعة إلى معاشهم و أحكامهم العرفية.

(كيف) و ثبوت هذا البناء الارتكازي منهم حتى في الأمور الدينية ينافي هذا الخلاف العظيم بين الأعاظم من الاعلام خلفا عن سلف و ذهاب جمع منهم إلى عدم الحجية إذ المنكرين للحجية أيضا من العقلاء بل كل واحد منهم بمثابة الف عاقل، فثبوت هذا الخلاف العظيم بينهم قديما و حديثا يكشف عن عدم ثبوت بنائهم على الأخذ بالحالة السابقة تعبداً في الأمور الدينية و الأحكام الشرعية (و عليه) فلا يكاد ينفع مثل هذا البناء للاستدلال به على حجية الاستصحاب و لو مع اليقين بعدم ورود ردع من الشارع بنحو العموم أو الخصوص عن البناء المزبور (إذ بعد) عدم ثبوت بنائهم على الأخذ بالحالة السابقة تعبداً في الأمور الدينية، لا يحتاج إلى الردع عن بنائهم لو فرض كونه غير مرضي عند الشارع من جهة كونهم بأنفسهم مرتد عين بالنسبة إليها هذا (و لكن الإنصاف) ان المناقشة الأولى في غير محلها، فان ثبوت بنائهم على الأخذ بالحالة السابقة من باب الاستصحاب و الشك الوجداني في انتقاضها و تساوي احتمال البقاء و الارتفاع مما لا سبيل إلى إنكاره، لما يرى منهم بالوجدان و العيان في ترتيبهم آثار البقاء على الشي‏ء عملا مع الشك في ارتفاعه من حيث إرسالهم‏

35

المكاتيب و البضائع المهمة إلى من هو في البلاد البعيدة بلا وثوق منهم ببقائه على ما كان من الحياة و العقل و الغنى مع ما لهم من الأغراض المهمة، و من غير تحقيق عن حال من يرسل إليه البضائع من كونه حيا أو ميتا و من حيث بقائه على عقله و أمانته كل ذلك بمقتضى ارتكازهم و جبلتهم التي أودعها فيهم بارئهم كما يشير إلى ذلك بعض الاخبار الناهية عن نقض اليقين بالشك، كقوله (عليه السلام): لزرارة لا ينبغي ان تنقض اليقين بالشك الظاهر في كون الأخذ بالحالة السابقة مع الشك في انتقاضها من الارتكازيات العرفية و الطريقة العقلائية (و لا ينافي) ذلك ما يرى من مداقة بعض الأشخاص و عدم أخذه بالحالة السابقة الا بعد الوثوق و الاطمئنان العادي بالبقاء، فان ذلك منهم نحو احتياط لحفظ أغراضهم و عدم تضييع أموالهم، و لذلك لا يكون الآخذ بالحالة السابقة بلا تحصيل الوثوق ملوما عندهم و لو مع انكشاف الخلاف (نعم) المناقشة الثانية في محلها، لما ذكرنا من عدم ثبوت تحقق البناء المزبور منهم حتى في الأمور الدينية و الأحكام، الشرعية، لو لا دعوى وضوح انه لا يكون لهم طريقة خاصة في الأمور الدينية وراء ما يسلكونه بارتكازهم في أمورهم الدنيوية مما يرجع إلى معاشهم و نظامهم، و انه بمقدمات عدم الردع يستكشف إمضاء الشارع لتلك الطريقة المألوفة الارتكازية فتكون دليلا على حجية الاستصحاب (و لكن الشأن) في إثبات هذه الجهة، و إلّا فبدونه يكفي في المنع عنه مجرد الشك في ذلك (و على فرض) ثبوت البناء المزبور منهم في الأمور الدينية لا مجال للتشبث بمقدمات عدم الردع لكشف إمضاء الشارع (إذ يكفي) في الردع عن بنائهم العمومات الناهية عن العمل بما وراء العلم (و توهم) عدم صلاحية هذه النواهي للرادعية عن بنائهم، لمكان مضادتها مع أصل وجود هذا البناء و السيرة المزبورة و لاستحالة تحقق هذه السيرة حتى من المتدينين منهم مع ثبوت ردع الشارع عنها (فمن وجود) هذه السيرة و تحققها بالوجدان بضميمة المضادة المزبورة يستكشف عدم صلاحية العمومات الناهية للرادعية عن بنائهم (مدفوع) بان بناء العقلاء من المسلمين على شي‏ء تارة يكون بما انهم مسلمون و متدينون بشرائع الإسلام، و أخرى يكون ذلك منهم لا بما هم مسلمون و متدينون بها، بل بما هم‏

36

من العقلاء، و من أهل العرف، و الّذي يضاد وجوده مع الردع الشرعي بحيث يستحيل تحققه مع ثبوته انما هو الأول (و اما الثاني) فلا يكون ردع الشارع عنه مضاداً مع أصل وجوده، بل هو انما يكون مانعاً عن حجيته (و حيث) ان المقصود من السيرة المزبورة هي سيرة العقلاء الذين منهم المسلمون فلا بد في تتميمها من التشبث بمقدمات عدم الردع لإثبات إمضاء الشارع لها و فينتهي المجال حينئذ إلى دعوى صلاحية الآيات الناهية عن العمل بما وراء العلم للرادعية عنها (نعم) انما لا ينتهي المجال إلى ذلك فيما لو قررت السيرة المزبورة بسيرة المسلمين بما هم كذلك لا بما هم من أهل العرف و العقلاء (و لكن) الكلام حينئذ في أصل الصغرى (و اما توهم) خروج جميع موارد السيرة العقلائية عن العمل بما وراء العلم بالتخصص كما عن بعض الأعاظم قده، بدعوى اقتضائها لخروج مواردها عن موضوع تلك النواهي (ففيه) انه من الغرابة بمكان، إذ ذلك مخصوص بباب الطرق و الأمارات كظواهر الألفاظ و نحوها، حيث انها باقتضائها لتتميم الكشف و إثبات العلم بالواقع تكون واردة على الآيات الناهية و مخرجة لموردها عن موضوع تلك النواهي بالتخصص، لا فيمثل المقام الّذي هو من الأصول المعمولة عند العقلاء في ظرف استتار الواقع و الجهل به، فان بنائهم حينئذ على الأخذ بالحالة السابقة لا يخرج مورده عن كونه عملا بغير العلم (نعم) لو كان بنائهم على الاستصحاب و الجري العمل على طبق الحالة السابقة من باب الأمارية نظير ظواهر الألفاظ و باب حجية خبر الواحد، لا من باب الأصلية، كان لدعوى ورود السيرة في المقام على العموميات الناهية و خروج موردها عن موضوعها مجال «و لكن ذلك» مع انه لا طريق إلى إثباته، يلزم دخول الاستصحاب في الأمارات، و هو مما لا يلتزم به القائل المزبور، فان المختار عنده كونه من الأصول لا الأمارات.

«و بما ذكرنا» يظهر اندفاع ما أورده من الإشكال على الكفاية من منافاة ما أفاده في المقام من صلاحية الآيات الناهية للرادعية عن السيرة العقلائية لما تقدم منه في مبحث حجية خبر الواحد من عدم صلاحية تلك النواهي للرادعية عن الطريقة

37

العقلائية «وجه الاندفاع» ما عرفت من الفرق بين المقام و باب حجية خبر الواحد، حيث ان عدم رادعية الآيات هناك انما هو من جهة قيام السيرة العقلائية على تتميم الكشف و إثبات العلم بالواقع الموجب لخروج موردها عن موضوع تلك النواهي، (بخلاف) المقام، فان بنائهم على الأخذ بالحالة السابقة لا يكون من باب الأمارية و انما هو من باب الأصلية في ظرف الجهل بالواقع، فلا يلازم القول بعدم صلاحية الآيات للرداعة عن بنائهم هناك للقول به في المقام أيضا «فما أفاده» المحقق الخراسانيّ قده في كفايته من التفكيك بين المقامين في صلاحية الآيات الناهية للرادعية عن الطريقة العقلائية في المقام دون ما هناك في غاية المتانة «نعم» لو كان المراد من عدم العلم في تلك النواهي هو عدم العلم بمطلق الوظيفة أعم من الواقعية و الظاهرية، لا عدم العلم بخصوص الواقع، لأمكن المصير إلى عدم الرادعية في المقام أيضا «و لكنه» خلاف الظاهر جداً، فانّ الظاهر المتبادر من نحو قوله سبحانه: لا تقف ما ليس لك به علم هو عدم العلم بالوظيفة الواقعية، لا بمطلق الوظيفة و لو ظاهرية «فالأقوى» حينئذ ما أفاده المحقق الخراسانيّ من عدم اعتبار السيرة العقلائية في المقام على الأخذ بالحالة السابقة، و ان فرض كونها أقوى من بنائهم على العمل بالخبر الواحد، إذ لا أثر لحيث أقوائيتها ما لم تنته إلى كشف إمضاء الشارع لها و لو بمعونة مقدمات عدم الردع، و مع صلاحية الآيات الناهية للرادعية عنها لا مجال لكشف إمضاء الشارع لها كما هو ظاهر (ثم انه من التأمل) فيما ذكرنا يظهر انه لا مجال للتشبث بالحكم العقلي الظني ببقاء ما ثبت و لو بضميمة اندراجه في صغريات الانسداد بالنسبة إلى الأحكام التي في دائرة الاستصحابات؛ إذ ذلك أيضا مخدوش صغرى و كبرى.

و منها الاخبار الكثيرة البالغة حد الاستفاضة، و هي العمدة في الباب‏

(فمنها) صحيحة زرارة

و لا يضر بها الإضمار بعد كون مضمرها مثل زرارة الّذي لا يروى إلّا

38

عن الإمام (عليه السلام)، قال قلت له: الرّجل ينام و هو على وضوء أ يوجب الخفقة و الخفقتان عليه الوضوء، قال (عليه السلام): يا زرارة قد تنام العين و لا ينام القلب و الاذن، فإذا نام القلب و الاذن فقد وجب الوضوء، قلت: فان حرك في جنبه شي‏ء و هو لا يعلم، قال (عليه السلام):

لا حتى يستيقن انه قد نام حتى يجي‏ء من ذلك امر بين، و إلّا فانه على يقين من وضوئه و لا ينقض اليقين أبداً بالشك، و لكن تنقضه بيقين آخر (و تقريب) الاستدلال بها على حجية الاستصحاب مطلقا انما هو بتجريد اليقين في قوله (عليه السلام):

و إلّا فانه على يقين من وضوئه عن خصوصية إضافته إلى الوضوء و عدم دخلها في الحكم بحرمة النقض لتكون اللام في كبرى القياس و هي قوله (عليه السلام): و لا ينقض اليقين بالشك للجنس لا للعهد.

(و لتوضيح الكلام) في ذلك لا بأس بالتعرض لبيان فقه الحديث الشريف (فنقول): الظاهر من السؤال الواقع في الفقرة الأولى من كلام الراوي هو كونه سؤالا عن مفهوم النوم الناقض من انه بحد يدخل فيه الخفقة و الخفقتان أو بحد لا يدخلان في مفهومه، فان احتمال كونه سؤالا عن ناقضية الخفقة و الخفقتان مستقلا بعيد في الغاية و لا يناسب قوله: الرّجل ينام، و لذلك أجابه الإمام (عليه السلام) بخروجهما عن مفهوم النوم الناقض، ببيان ان النوم الناقض هو خصوص نوم القلب و الاذن لا مطلق مراتبه الشامل لنوم العين وحدها، بل المستفاد من جوابه (عليه السلام) ان المدار في الناقضية على خصوص نوم القلب الّذي هو سلطان الجوارح و ان نوم الاذن انما اعتبر لكونه أمارة على نوم القلب، لا لخصوصيته فيه «و اما السؤال» الثاني و هو قوله فان حرك إلخ؛ فظاهره كونه سؤالا عن الشبهة الموضوعية بناء على ما فهمه من أمارية نوم الاذن لنوم القلب الّذي عليه مدار الناقضية، حيث انه يشك حينئذ في تحقق نوم القلب بهذه المرتبة من النوم الغالب على الاذن، فأجابه الإمام (عليه السلام): بما هو نتيجة الاستصحاب بقوله: لا حتى يستيقن أنه قد نام «و يحتمل» كونه سؤالا عن حكم الشبهة المصداقية من انه مع الشك في تحقق النوم هل يجب عليه الوضوء أم لا «و يحتمل» أيضا كونه سؤالا عن الشبهة المفهومية بناء على فهمه من كلام الإمام (عليه السلام) موضوعية

39

نوم الاذن لا أماريته لنوم القلب فيكون السؤال عن حدّ النوم الناقض و صدقه على تلك المرتبة من نوم الاذن نظير سؤاله الأول الراجع إلى كونه عن صدقه على الخفقة التي هي نوم العين وحدها «و لكن» الظاهر ما عرفت من كونه سؤالا عن الشبهة المصداقية أو عن حكمها، لا عن الشبهة المفهومية؛ كيف و لازمه تكفل الإمام (عليه السلام) لرفع الشك عنه ببيان الواقع كما في الفقرة الأولى، لا إبقاء السائل على شكه و التعرض لحكم الشبهة الموضوعية بقوله: لا حتى يستيقن انه قد نام (نعم) الّذي يبعد كونه سؤالا عن الشبهة المصداقية هو تطبيق الإمام الاستصحاب على الوضوء الّذي يكون الشك في بقائه مسببا عن الشك في تحقق النوم، فان من اللازم حينئذ تطبيقه على عدم النوم، لما قرر في محله من عدم جريان الأصل المسببي مع جريان الأصل السببي (و لا يرد) هذا الإشكال على الفرض الأخير، إذ عليه يكون تطبيق الاستصحاب على الوضوء على القاعدة، بملاحظة عدم جريانه حينئذ في طرف السبب الّذي هو النوم، لأن استصحابه يكون من قبيل الاستصحاب الفرد المردد بين ما هو مقطوع الوجود و ما هو مقطوع العدم، فانه على تقدير صدقه على تلك المرتبة من نوم الاذن يقطع بتحققه و على تقدير كونه عبارة عن المرتبة الأخرى المنطبقة على نوم القلب يقطع بعدم بتحققه، فعلى كل تقدير لا شك فيه حتى يجري فيه الاستصحاب «و اما المفهوم منه فهو و ان كان مشكوكا، و لكن لا يكون بنفسه موضوعا للأثر كي يجري فيه الاستصحاب، لأن الأثر الشرعي و هو وجوب الوضوء انما يكون ترتبه على واقع النوم و مصداقه الّذي يحكى عنه هذا المفهوم، و بعد تردده بين ما يقطع بتحققه و ما يقطع بعدم تحققه لا يجري فيه الاستصحاب، كما هو الشأن في جميع المفاهيم المجملة المرددة بين الأقل و الأكثر «و لذلك» نقول: في مسألة الرضاع انه لا مجرى لأصالة عدم تحقق الرضاع المحرم فيما لو تحقق عشر رضعات و شك في تحقق الرضاع المحرم به، لعدم ترتب أثر شرعي على المفهوم منه (و تردد) ما له الأثر الشرعي بين ما يقطع بتحققه و ما يقطع بعدم تحققه (و لا مجال أيضا) لمقايسته أمثال المقام بباب الكلي المردد بين الفردين أحدهما مقطوع الارتفاع و الآخر مقطوع البقاء، كالحدث المردد

40

بين الأصغر و الأكبر «فان جريان» الاستصحاب هناك في الكلي و هو الحدث بعد الإتيان بالوضوء انما هو باعتبار ان لنفس الكلي و الجامع أثر شرعي و هو عدم جواز الدخول في الصّلاة، و هذه الجهة مفقودة في المفاهيم المجملة المرددة بين الأقل و الأكثر كما في المقام و مسألة الرضاع و باب الغناء و نحوها، لعدم ترتب أثر شرعي على عنوان النوم و مفهومه و لا على عنوان الرضاع المحرم و لا على عنوان الغناء بما هي هذه العناوين «و حينئذ» فعلى كل تقدير سواء كان السؤال عن الشبهة المفهومية أو المصداقية لا محيص من أحد الإشكالين «نعم» قد يدفع الإشكال الأول، تارة بمنع تطبيق الاستصحاب في الرواية على الوضوء الّذي هو المسبب، بدعوى ان المستفاد من قوله (عليه السلام): لا حتى يستيقن انه قد نام انما هو تطبيقه على عدم النوم ببيان انه لا يرفع اليد عن اليقين بعدم النوم إلّا باليقين بوجوده، فيكون قوله (عليه السلام):

بعد ذلك و إلّا فانه على يقين منطبقا على عدم النوم بجعل عدم وجوب الوضوء عليه كناية عن عدم تحقق سببه و هو النوم لما بينهما من شدة الملازمة و لو في خصوص المورد «و أخرى بمنع السببية و المسببية بينهما حقيقة؛ بدعوى ان الطهارة و الحدث امران وجوديان عرضيان غير مسبب أحدهما عن عدم الآخر، غايته انه يلازم ارتفاع أحدهما مع وجود الآخر من جهة ما كان بينهما من التمانع و التعاند بحسب الوجود «و فيه» اما الوجه الأول، فهو خلاف ظاهر الرواية جداً، لوضوح ظهور قوله (عليه السلام) حتى يستيقن في كونه في مقام تطبيق الاستصحاب على الوضوء، لا على عدم النوم، فانه بعد ان سئل الراوي عن وجوب الوضوء عليه بهذه المرتبة من نوم الاذن، أجابه (عليه السلام) بما هو نتيجة الاستصحاب من انه لا يرفع اليد عن اليقين بالوضوء ما لم يعلم بتحقق رافعه الّذي هو النوم و الحدث (و اما الوجه الثاني) فلكونه خلاف ما تقتضيه الأدلة الدالة على وجوب الوضوء عند تحقق هذه الأحداث الظاهرة في كونها بنفسها من موجبات الوضوء، و لذلك جرى عليه ديدن الأصحاب الظاهرة في كونها بنفسها من موجبات الوضوء و لذلك جرى عليه ديدن الأصحاب أيضا حيث جعلوها من موجبات الوضوء كما هو ظاهر (و كيف كان).

فقوله (عليه السلام): و إلّا فانه على يقين من وضوئه و لا ينقض اليقين بالشك أبداً

41

(يحتمل) ان يكون جزاء الشرط محذوفا و أقيمت العلة و هي قوله فانه على يقين من وضوئه مقامه، نظير قوله سبحانه «و ان تجهر بالقول فانه يعلم السّر و أخفى» و «ان تكفروا فان اللَّه غني عنكم»، فمعنى الحديث انه ان لم يستيقن انه قد نام فلا يجب عليه الوضوء لأنه على يقين من وضوئه (و يحتمل) ان يكون الجزاء نفس قوله فانه على يقين من وضوئه لا علة لجواب الشرط المحذوف، اما يجعل الجملة إنشائية، فيكون المعنى ان لم يستيقن انه قد نام فليبن علي يقين من وضوئه في مقام الجري العملي.

(و اما بجعلها) على ظاهرها في الاخبار فيكون المستفاد منه بدلالة الاقتضاء انه ان لم يستيقن بالنوم فهو متيقن بالوضوء و لا ينقض اليقين بالشك، و إلّا فلا ترتب بين كونه شاكاً في النوم و كونه متيقنا بالوضوء (و يحتمل) أيضا ان يكون الجزاء هو قوله (عليه السلام): و لا ينقض اليقين بالشك، و يكون قوله فانه على يقين من وضوئه توطئة للجزاء، فالمعنى ان لم يستيقن بالنوم فحيث انه كان على يقين من وضوئه فلا ينقض اليقين بالشك (فعلى كل حال) سواء جعل الجزاء نفس قوله فانه على يقين من وضوئه، أو جعل كونه امراً مقدراً، أو جعل كونه عبارة عن قوله و لا ينقض اليقين بالشك تكون الرواية دالة على حجية الاستصحاب و لو في خصوص المورد، حيث لا يتوقف دلالتها على الحجية على تعيين ان الجزاء أي شي‏ء، و لذلك لا يهمنا البحث عن تعيين الجزاء و تشخيصه (و انما المهم) في المقام هو تجريد اليقين عن خصوصية إضافته إلى الوضوء بجعل إضافة اليقين إلى الوضوء لمجرد بيان أحد المصاديق لما يتعلق به اليقين لا لبيان تقييد اليقين به ليكون اللام في كبرى القياس و هي قوله و لا ينقض اليقين بالشك للجنس لا للعهد فيفيد قاعدة كلية مطردة في باب الوضوء و غيره (و إلّا) فمع عدم تجريده عن الخصوصية المزبورة لا يفيد قاعدة كلية مطردة في جميع الموارد، بل غايته إفادة قاعدة كلية في خصوص باب الوضوء، فان شرط الإنتاج في الشكل الأول هو ان يكون المحمول في صغرى القياس بما له من القيود موضوعا في كبرى القياس، و من المعلوم انه لو كان المحمول في الصغرى هو اليقين المضاف إلى الوضوء بهذه الخصوصية لا مطلق اليقين مجرداً عن الإضافة المزبورة، يلزمه اختصاص الموضوع‏

42

في الكبرى أيضا باليقين المتعلق بالوضوء، و مثله لا ينتج إلّا حجية الاستصحاب في خصوص باب الوضوء، لا حجيته مطلقا حتى في غير باب الوضوء (بل ان تأملت) ترى ان العمدة في استفادة التعميم من الرواية هي هذه الجهة أعني تجريد اليقين عن خصوصية إضافته إلى الوضوء، و إلّا فبدونه لا تجدي في استفادة التعميم مجرد كون الألف و اللام في اليقين للجنس لا للعهد، لأن كون اللام للجنس لا يقتضى إلّا قاعدة كلية في خصوص باب للوضوء فلا يمكن التعدي منه إلى غيره من الطهارات الثلاث فضلا عن التعميم المطلق (فلا بد) في استفادة التعميم المطلق من تجريد اليقين عن إضافته إلى طبيعة الوضوء ليكون الموضوع في الكبرى هو مطلق اليقين بالشي‏ء المستتبع قهراً لكون اللام فيه للجنس لا للعهد حتى يفيد قاعدة كلية سارية في جميع أبواب الفقه (و عليه نقول): انه يمكن دعوى الجزم بعدم دخل الإضافة المزبورة في اليقين المحكوم بعدم النقض، لظهور الرواية حسب ما يفهمه العرف في كونها في مقام الاستدلال على نحو الشكل الأول من القياس لا عطاء قاعدة كلية لمطلق اليقين بالشي‏ء الّذي يكون مورد السؤال من جزئياته و مصاديقه (فان) لازم قياسيته بعد ظهور الصغرى في كونها لبيان حكم اليقين بطبيعة الوضوء لا خصوص اليقين المتعلق بالوضوء الشخصي هو كون الكبرى أعني حرمة نقض اليقين كليا شاملا لمطلق اليقين بالشي‏ء الملازم لكون اللام فيه للجنس المندرج فيه صغراه الّذي هو من جزئياته و مصاديقه بلا اختصاصه بخصوص اليقين بالوضوء ليكون اللام فيه للعهد المشير إلى اليقين بالوضوء فيفيد قاعدة كلية في خصوص باب الوضوء (بداهة) ان ذلك لا يناسب قياسيته إلّا بفرض جعل الصغرى شخص اليقين المتعلق بالوضوء الخاصّ، و هو مع كونه خلاف ظهور الصغرى في كونها لبيان اليقين المتعلق بطبيعة الوضوء لا شخص اليقين المتعلق بالوضوء الخاصّ، يلزمه عدم التعدي من الوضوء إلى غيره من الطهارات و هو كما ترى (فلا محيص) حينئذ من جعل الكبرى كليا شاملا لمطلق اليقين بالشي‏ء المندرج فيه صغراه الّذي من جزئياته و مصاديقه، فيكون إضافة اليقين إلى الوضوء في الرواية حينئذ و تخصيصها بالذكر من بين المصاديق من جهة كونه مورداً لسؤال الراوي لا من جهة خصوصية فيه كما هو

43

ظاهر (و مما يؤيد) ما ذكرناه بل يشهد له وقوع هذه الجملة كبرى لصغريات متعددة في النصوص الأخرى و تطبيقها على مثل الطهارة الخبثية تارة، و ركعات الصلاة أخرى، و الصوم ثالثة، فان ذلك قرينة عدم اختصاص الكبرى المزبورة بباب دون باب (بل و يشهد لذلك) أيضا ظهور سوق الرواية في كونه في مقام إدراج المورد تحت كبرى ارتكازية لا تعبدية و هي ان اليقين بالشي‏ء لا ينقض بالشك فيه (و بذلك كله) لا يبقى مجال توهم اختصاص الكبرى باليقين المتعلق بالوضوء، مضافا إلى ان التعميم هو الّذي يقتضيه مناسبة الحكم و الموضوع فان اليقين من جهة إبرامه و استحكامه هو المناسب لأن يضاف إليه النقض و لا مدخلية في ذلك لخصوصية إضافته إلى الوضوء كما هو ظاهر (نعم لو أغمض) عما ذكرنا لا يتم ما أفاده المحقق الخراسانيّ (قدس سره) لإثبات التعميم و لو على عهدية اللام من دعوى قوة احتمال ان يكون من وضوئه متعلقا بالظرف لا باليقين ليكون المعنى انه من طرف وضوئه على يقين و لا ينقض اليقين بالشك؛ فان المستفاد منه حينئذ بعد كون الأصغر نفس اليقين لا اليقين المتعلق بالوضوء هو عدم جواز نقض مطلق اليقين بالشي‏ء بالشك في بقائه (إذ فيه أولا) ان مجرد الاحتمال لا يجدى شيئا ما لم يبلغ إلى الظهور المعتد به، و إلّا فيسقط الكلام عن الحجية لا جماله لو فرض تكافؤ الاحتمالين (و ثانيا) ان غاية ذلك خروج من وضوئه عن كونه من الجهات التقييدية لليقين إلى التعليلية، و مثله لا يوجب إطلاقا في اليقين المأخوذ في الصغرى، فان اليقين على العلية و ان كان غير مقيد به و لكن لا إطلاق له أيضا يشمل اليقين المتعلق بغير الوضوء كما هو الشأن في جميع المعاليل بالإضافة إلى عللها، حيث يستحيل ان يكون لها إطلاق يشمل حال فقد عللها، و عليه فلا يكون اليقين في الصغرى الا الحصة الملازمة للتعلق بالوضوء العارية عن حيثية الإطلاق و التقيد به، و حينئذ فإذا كان الألف و اللام في الكبرى للعهد تلزمه الإشارة لا محالة إلى اليقين الناشئ من قبل الوضوء، و مثله لا يدفع دعوى الاختصاص، و لا يفيد عموم الكبرى لكل يقين كما هو واضح (و ثالثا) ان استفادة

44

الإطلاق من الكبرى المزبورة فرع جريان مقدمات الحكمة، و تماميتها منوط بعدم وجود المتيقن في مقام التخاطب، و بعد فرض تيقن نوع اليقين المتعلق بالوضوء، لا يبقى مجال الأخذ بإطلاق الكبرى و التعدي عن نوع اليقين بالوضوء إلى غيره، فلا محيص حينئذ في استفادة عموم الكبرى من جعل اللام فيها للجنس بالتقريب الّذي ذكرناه، و معه لا يفرق بين جعل من وضوئه من الجهات التعليلية لليقين أو الجهات التقييدية، فانه على كل تقدير يتم دعوى التعميم كما هو ظاهر.

إزاحة شبهة

قد يورد على دلالة الرواية على حجية الاستصحاب و لو في خصوص موردها بما حاصله انه لا بد في الاستصحاب من ان يكون المستصحب مما يتصور له البقاء و الاستمرار ليكون بحدوثه متعلقاً لليقين و ببقائه متعلقاً للشك فيجتمع فيه بهذه العناية اليقين و الشك الفعليان (و الوضوء) باعتبار كونه عبارة عن الغسلات و المسحات الخاصة لا يكون بذاته قابلا للدوام و الاستمرار فلا يتصور فيه الشك في البقاء، حتى يكون إيجاب المضي على طبق اليقين به من باب تطبيق الاستصحاب، بل لا بد و ان يكون ذلك من باب تطبيق قاعدة المقتضى و المانع باعتبار ان الوضوء مقتضى للآثار التي منها جواز الدخول في الصلاة، و النوم و أمثاله من الأحداث المانعة عن تأثيره فيها، و لما كان الراوي متيقناً بالمقتضى و هو الوضوء و شاكا في تحقق الحدث المانع عن تأثيره أجابه الإمام (عليه السلام) بعدم نقض اليقين بالمقتضى بالشك بالمانع من مثل النوم و أمثاله (و فيه) ان الوضوء بذاته و ان كان امراً حدوثياً غير قابل للبقاء و الاستمرار إلّا انه باعتبار مسببه و هو الطهارة امر قابل للدوام و البقاء؛ و بهذه الجهة أمكن تطبيق الاستصحاب عليه لتمامية أركانه فيه من اليقين السابق بالحدوث و الشك اللاحق بالبقاء و لذا أضيف إليه النقض في الاخبار الكثيرة، بقوله (عليه السلام): لا ينقض الوضوء الا ما خرج من طرفيك أو النوم (و ان شئت قلت): ان اليقين بالوضوء في المقام كناية عن اليقين بأثره من الطهور القابل لتعلق الشك ببقائه، لا انه بنفسه موضوع النقض كي يقتضى حمل الرواية على قاعدة المقتضى و المانع، و النكتة، في التعبير عن اليقين‏

45

بالطهارة باليقين بالوضوء هي خفائها عن الأذهان في مورد الوضوء بنحو لا طريق إليها الا من جهة اليقين بسببها الّذي هو الوضوء، و يؤيده جعل اليقين بنفس الطهارة الخبثية في الرواية الآتية صغرى لهذا القياس باعتبار وضوحها و عدم خفائها عن الأذهان بحيث يحتاج الإشارة إليها إلى الإشارة إلى سببها (و حينئذ) فبعد ظهور الكبرى المزبورة في الرواية في اليقين الحقيقي بالشي‏ء و الشك فيه نفسه الظاهر في اتحاد متعلق الوصفين و لو بنحو من العناية لا وجه لصرفها عما تقتضيه من الظهور في الاستصحاب لاستخراج القاعدة المزبورة باعمال ضرب من المسامحة و العناية في اليقين في الكبرى بجعل اليقين بالشي‏ء هو اليقين بالعناية الّذي هو عين اليقين بمقتضيه خصوصا مع ظهور كبرى نقض اليقين بالشك في كونه من جهة المعاندة بين الوصفين لا المعاندة بين متعلقيهما (و لا أقل) من تقديم العرف حسب ارتكازه في مثل هذه القضية المسامحة في وحدة متعلق الوصفين بتجريده عن التقطيع الحاصل فيه من جهة تعلق الوصفين على العناية في اليقين بجعل ظهور القضية في وحدة المتعلقين بنحو من الاتحاد قرينة على كون اليقين بالوضوء كناية عن اليقين بالطهارة الحاصلة منه، خصوصا مع ملاحظة تكرر هذه الكبرى في غير واحد من الاخبار (و حينئذ) فلا إشكال في دلالة الرواية على حجية الاستصحاب، كما لا إشكال أيضا في استفادة التعميم منها في جميع أبواب الفقه.

(و منها) صحيحة أخرى لزرارة

مضمرة أيضا، قال قلت: له أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شي‏ء من المني فعلمت اثره إلى ان أصب عليه الماء فحضرت الصلاة و نسيت ان بثوبي شيئا و صليت، ثم اني ذكرت بعد ذلك، قال (عليه السلام): تعيد الصلاة و تغسله ... قلت فان لم أكن رأيت موضعه و علمت انه اصابه فطلبته و لم أقدر عليه فلما صليت وجدته قال (عليه السلام): تغسله و تعيد، قلت: فان ظننت انه اصابه و لم أتيقن ذلك فنظرت و لم أر شيئا فصليت فيه فرأيت فيه، قال (عليه السلام): تغسله و لا تعيد الصلاة، قلت: لم ذلك قال (عليه السلام): لأنك كنت على يقين من طهارتك فشككت و ليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك أبداً، قلت فانى قد علمت انه اصابه و لم أدر أين هو فاغسله، قال (عليه السلام): تغسل من ثوبك الناحية التي ترى انه قد أصابها حتى تكون على يقين‏

46

من طهارتك، قلت. فهل عليّ ان شككت انه اصابه شي‏ء قال (عليه السلام): لا و لكن انما تريد ان تذهب بالشك الّذي وقع من نفسك، قلت: ان رأيته في ثوبي و انا في الصلاة، قال (عليه السلام) تنقض الصلاة و تعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته، و ان لم تشك ثم رأيته رطباً قطعت الصلاة و غسلته ثم بنيت على الصلاة لأنك لا تدري لعله شي‏ء أوقع عليك فليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك.

و تقريب الاستدلال بهذه الصحيحة على حجية الاستصحاب كما في الصحيحة الأولى (فان) في فقرتي الرواية صدراً و ذيلا دلالة واضحة على المدعي و تطبيق الاستصحاب على المورد خصوصاً الفقرة الأخيرة منها فانها بقرينة إبداء الإمام (عليه السلام) احتمال وقوع نجاسته جديدة حين رؤيتها في الصلاة ظاهرة في تطبيق الاستصحاب على المورد المقتضى لعدم الإعادة (و حينئذ) فلا إشكال من هذه الجهة

و انما الكلام و الإشكال فيها في موضعين‏

(أحدهما)

فيما في الفقرة الثانية المفروضة في كلام الراوي من العلم الإجمالي بنجاسته ثوبه، و حاصله ان مثل زرارة كيف يتصور في حقه الإقدام على الدخول في الصلاة مع العلم الإجمالي بنجاسة ثوبه، حيث ان الحمل على غفلته عن نجاسة ثوبه حين الدخول في الصلاة بعيد في الغاية كبعد حمله على صورة حصول القطع بالعدم بعد الفحص، و أبعد منه حمله على عدم منجزية العلم الإجمالي عنده (و لكن) يدفع هذا الإشكال بالالتزام بغفلته عن نجاسة ثوبه حين الدخول في الصلاة (إذ لم يكن) في البين ما يوجب بعد ذلك منه، و لا كان في كلامه أيضاً ما يبعده غير انه طلبها و لم يظفر بها فدخل في الصلاة ثم وجدها بعد الصلاة.

(و ثانيهما)

في كيفية تطبيق الاستصحاب في الفقرة الثانية على المورد و تصحيح تعليل عدم وجوب الإعادة بعد الالتفات و العلم بوقوع الصلاة في الثوب النجس بقوله (عليه السلام): لأنك كنت على يقين من طهارتك إلخ، مع ان الإعادة بعد انكشاف وقوع الصلاة في النجاسة لا تكون من نقض اليقين بالطهارة بالشك فيها بل هي من‏

47

نقض اليقين بها باليقين، بالنجاسة، و لأجل هذا الإشكال وقعوا في حيص و بيص و سلك كل في حله سبيلا (أقول): و لا يخفى ان أصل هذا الإشكال مبنى على كون النجاسة المرئية بعد الصلاة هي النجاسة المظنونة التي خفيت عليه قبل الصلاة، فانه عليه يتوجه الإشكال بان هذا التعليل انما يصحح مشروعية الدخول في الصلاة مع ظن الإصابة لكون المنع عن الدخول فيها لأجل الظن المزبور نقضا لليقين بالطهارة بالشك فيها، لا نفى إعادة الصلاة بعد إتمامها و تبين وقوعها في النجاسة، لأن إعادة الصلاة حينئذ لا تكون من نقض اليقين بالشك و انما هي من نقض اليقين باليقين (و اما لو كانت) النجاسة المرئية مما احتمل وقوعها بعد الصلاة بحيث لم يعلم وقوع الصلاة فيها كما لعله الظاهر أيضا و لو بقرينة تغير أسلوب العبارة من كلام الراوي في هذه الفقرة بقوله: فلما صليت فيه فرأيت فيه خاليا عن الضمير الّذي أتى به في الفقرة قبلها بقوله: فلما صليت وجدته مع الضمير، فانه لو كانت النجاسة المرئية هي المظنونة التي خفيت عليه قبل الصلاة لكان الجري ان يقول: رأيته مع الضمير لا خاليا عنه، مؤيداً ذلك بما في الفقرة الأخيرة من الرواية التي أبدى فيها الإمام (عليه السلام) احتمال وقوع النجاسة حين رؤيتها، فلا يرد في البين إشكال (بداهة) استقامة تعليل عدم وجوب الإعادة حينئذ بعدم نقض اليقين بالطهارة بالشك فيها، إذ إعادة الصلاة باحتمال وقوعها في النجاسة عين الاعتناء باحتمال نجاسة الثوب حال الاشتغال بالصلاة و هي نقض لليقين بطهارته بالشك فيها و لكن الّذي يبعد ذلك استيحاش السائل عن التفرقة بين الفرضين و سؤاله عن لم التفصيل، فانه لو لا فرض كون النجاسة المرئية هي المظنونة سابقا لا مجال لاستيحاشه مع ارتكازية الاستصحاب في ذهنه (و كيف كان) فقد أجابوا في التفصي عن الإشكال المزبور بوجوه.

(منها) ان حسن التعليل انما هو من جهة اقتضاء الأمر الظاهري للاجزاء، فان الراوي لما كان مستصحبا للطهارة حال الدخول في الصلاة إلى حين الفراغ منها كانت صلاته مجزية عن الإعادة و لو بعد تبين الخلاف (و فيه ما لا يخفى) فانه مع‏

48

بعده في نفسه ينافي ظهور الرواية (إذ عليه) ينبغي تعليل عدم الإعادة باقتضاء الأمر الظاهري للاجزاء، لا بعدم نقض اليقين بالطهارة بالشك (و احتمال) ان عدم التعليل بذلك من جهة كونه مرتكزاً في ذهن الراوي، فمن هذه الجهة لم يتعرض لبيان ذلك بل تعرض لبيان وجود الأمر الظاهري باستصحاب الطهارة (مدفوع) بأنه مضافا إلى انه من البعيد كل البعد اقتضاء الأوامر الطريقية للاجزاء عند مثل زرارة اما مطلقا أو في خصوص المورد بحيث كان من المرتكزات الذهنية غير المحتاج إلى التنبيه عليها، خصوصا مع وجود الخلاف العظيم في تلك المسألة و ذهاب المعظم فيها إلى عدم الاجزاء (انه لا يناسب) ذلك تعليل عدم الإعادة بحرمة نقض اليقين بالشك، فان معنى حرمة نقض اليقين بالشك هو حرمة رفع اليد عن آثار المتيقن المترتب عليه ببركة اليقين و وجوب ترتبها عليه، لا وجوب ترتيب آثار نفس الاستصحاب، و إذا كان عدم الإعادة من آثار نفس الاستصحاب و لوازمه لا من لوازم المستصحب و آثاره، فلا يكون نقيضه و هو الإعادة معنونا بكونه نقضا لليقين بالشك كي بذلك يحسن التعليل المزبور، فحسن التعليل بعدم نقض اليقين بالشك لا يكون إلّا إذا كانت الإعادة معنوناً بعنوان النقض المزبور، و لا يكون ذلك إلّا إذا كانت من آثار المستصحب لا الاستصحاب و معه يتوجه الإشكال المزبور بان الإعادة مع انكشاف الخلاف تكون من نقض اليقين باليقين لا بالشك.

و منها ما عن المحقق الخراسانيّ قده من ان حسن التعليل بالاستصحاب انما هو باعتبار ان الشرط في باب الطهارة الخبثية حال الالتفات إليها مجرد إحراز الطهارة و لو بالأصل لانفسها، فالحكم بصحة الصلاة و عدم وجوب إعادتها انما هو من جهة ان الراوي كان محرزاً للطهارة باستصحابها حال الإتيان بالصلاة و واجداً لما هو شرط صحتها واقعا (و فيه) انه ينبغي حينئذ تعليل عدم الإعادة بنفس إحراز الطهارة حال الإتيان بها (لا بالطهارة) المحرزة بالاستصحاب في ظرف انكشاف الخلاف كما هو مقتضى التعليل الظاهر في كونها تمام المناط لعدم الإعادة، لا انها جزء المناط أو مقدمة لكبرى‏

49

أخرى تكون هي العلة لعدم الإعادة (و دعوى) ان ذلك انما هو بلحاظ حال قبل انكشاف الخلاف أعني حال الإتيان بالصلاة كما يقتضيه أيضا ظهور القضية في الماضوية، لا انه بلحاظ حال بعد انكشاف الخلاف، و ذلك أيضا لنكتة التنبيه على كبرى أخرى تكون هي العلة لعدم الإعادة و هي موضوعية الاستصحاب في ذلك الحال في صحة العمل و كفاية إحراز الطهارة و لو بالأصل في الشرطية واقعا (مدفوعة) بان ذلك انما يوجب حسن التعليل بالاستصحاب إذا كانت الكبرى المزبورة مركوزة في ذهن الراوي من الخارج بنحو يوجب تحذير مثله بقوله (عليه السلام): فليس لك إلخ، و إلّا فعلى ما هو المرتكز في الأذهان في نحو هذه الأوامر من الطريقية المحضة لا يفيد التعليل المزبور شيئا و لو كان ذلك بلحاظ الحال السابق لا الحال الفعلي، فانه مع انكشاف وقوع الصلاة في النجاسة، يتوجه الإشكال بان الإعادة تكون من نقض اليقين باليقين لا بالشك، فصحة التعليل بمثل هذه القاعدة المغروسة طريقتها في الأذهان تحتاج إلى إعمال تعبد على خلاف ما هو المرتكز في ذهن الراوي من الطريقية المحضة غير المفيدة للاجزاء، ببيان كبرى أخرى و هي موضوعية الاستصحاب و كفاية مجرد إحراز الطهارة بالأصل و لو في خصوص المورد في صحة العمل و في الشرطية واقعا، و بدونه يبقى الإشكال في الرواية على حاله و لا يمكن الذب عنه بمثل التقريب المزبور، إلّا بما ذكرناه من التقريب (و من التأمل فيما ذكرنا) يظهر أيضا انه لا مجال لتصحيح التعليل المزبور بجعله من قبيل التعليل بالإسكار لحرمة شرب الخمر لإفادة كبرى كلية و هي كفاية إحراز الطهارة في الشرطية واقعا و عدم وجوب الإعادة على كل من كان محرزا للطهارة (إذ فيه) ان ذلك يتم إذا كان لسان التعليل جريان الاستصحاب في المورد تعبداً (إذ حينئذ) بدلالة الاقتضاء يستفاد منه كفاية مجرد إحراز الطهارة بالاستصحاب في الشرطية واقعا أو في الاجزاء و عدم وجوب الإعادة، لا فيما كان ذلك بلسان ان جريانه في المورد كان بمقتضى الارتكاز كما هو قضية تحذيره بقوله فليس ينبغي لك إلخ (و إلّا) فبعد ان كان المغروس في الأذهان طريقية الاستصحاب و عدم اقتضائه الاجزاء لا موضوعيته، فلا بد في الحكم بعدم الإعادة من التنبيه على موضوعية الاستصحاب‏

50

في المورد، و بدونه يبقى الإشكال المزبور على حاله.

مع انه على ذلك لا مجال لجريان الاستصحاب في المورد لعدم ترتب أثر عملي حينئذ على الطهارة الواقعية (فان المراد) من أمثال هذه الأوامر الطريقية و التنزيلات الظاهرية التي منها حرمة نقض اليقين بالشك انما هو الأمر بترتيب ما للواقع من الآثار العملية لو لا الأمارة أو الاستصحاب، و مع فرض خروج الطهارة الواقعية عن موضوع الشرطية و عدم ترتب أثر عملي عليها لا يجري فيها الاستصحاب، فلا تكون حينئذ طهارة استصحابية حتى يترتب عليها الآثار المزبورة.

و اما ما أفاده في دفع الإشكال من كفاية كونها شرطا اقتضائيا في جريان الاستصحاب (فمدفوع) بان مجرد الشرطية الاقتضائية غير كافية في جريان الاستصحاب ما لم تبلغ إلى مرحلة الفعلية، لأن الاستصحاب وظيفة عملية و لا بد في جريانه من ترتب أثر عملي على المستصحب (كما ان) ما أفاده من كفاية كونها من قيود الشرط الّذي هو إحرازها بخصوصها لا غيرها في جريان الاستصحاب لعدم انعزالها حينئذ عن الشرطية بالمرة و انه بجريان الاستصحاب فيها يتحقق إحرازها الّذي هو شرط فعلي (مدفوع) بان المراد من قيد الشرط ان كان هو الطهارة بوجودها اللحاظي الاعتقادي، فهو مع انه من عدم بانعدام اعتقاده غير مجد في جريان الاستصحاب (لأن) من شرط جريانه ان يكون المستصحب بوجوده الواقعي مما يترتب عليه الأثر، لا بوجوده الذهني الاعتقادي (و ان كان) المراد به الطهارة الواقعية فيلزم في المقام بطلان الصلاة بانعدامه حسب الفرض (فعلى كل تقدير) لا مجال لتصحيح التعليل المزبور بالبيان المذكور.

(و منها) ان حسن التعليل انما هو بلحاظ ان الشرط هو الجامع بين الطهارة الواقعية و الظاهرية، حيث انه باستصحاب الطهارة يتحقق أحد فردي الجامع الموضوع للتكليف أو الوضع، فيترتب عليه عدم وجوب إعادة الصلاة لكونها واجدة لما هو شرط صحتها واقعا (و فيه) ان هذا المقدار لا يصحح امر الاستصحاب (لوضوح) ان مقتضى شرطية الجامع بين الطهارتين هو خروج الطهارة