البضاعة المزجاة - ج2

- محمد حسين‏ بن قارياغدي المزيد...
624 /
5

الجزء الثاني‏

متن الحديث الثامن والعشرين‏

[بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏]

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ يُونُسَ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ:

«إِنَّ مَوْلًى لِامِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) سَأَلَهُ مَالًا، فَقَالَ: يَخْرُجُ عَطَائِي، فَأُقَاسِمُكَ هُوَ. فَقَالَ: لَاأَكْتَفِي، وَخَرَجَ إِلى‏ مُعَاوِيَةَ، فَوَصَلَهُ، فَكَتَبَ إِلى‏ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يُخْبِرُهُ بِمَا أَصَابَ مِنَ الْمَالِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام):

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ مَا فِي يَدِكَ مِنَ الْمَالِ قَدْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ قَبْلَكَ، وَهُوَ صَائِرٌ إِلى‏ أَهْلِهِ‏ (1) بَعْدَكَ، وَإِنَّمَا لَكَ مِنْهُ مَا مَهَّدْتَ لِنَفْسِكَ، فَآثِرْ نَفْسَكَ عَلى‏ صَلَاحِ وُلْدِكَ، فَإِنَّمَا أَنْتَ جَامِعٌ لِاحَدِ رَجُلَيْنِ: إِمَّا رَجُلٌ عَمِلَ فِيهِ بِطَاعَةِ اللَّهِ، فَسَعِدَ (2) بِمَا شَقِيتَ بِهِ‏ (3)، وَإِمَّا رَجُلٌ عَمِلَ فِيهِ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَشَقِيَ‏ (4) بِمَا جَمَعْتَ لَهُ، وَلَيْسَ مِنْ هذَيْنِ أَحَدٌ بِأَهْلٍ أَنْ تُؤْثِرَهُ عَلى‏ نَفْسِكَ، وَلَا تُبَرِّدَ لَهُ عَلى‏ ظَهْرِكَ، فَارْجُ لِمَنْ مَضى‏ رَحْمَةَ اللَّهِ، وَثِقْ لِمَنْ بَقِيَ بِرِزْقِ اللَّهِ».

شرح‏

السند مرسل، أو ضعيف.

قوله (عليه السلام): (يخرج عطائي)؛ لعلّ إضافة العطاء إلى نفسه بأدنى ملابسة.

والمراد بالخروج الحصول والوصول.

____________

(1). في الطبعة الجديدة وجميع النسخ التي قوبلت فيها والبحار، ج 41، ص 117: «أهل».

(2). في الحاشية عن بعض النسخ: «فيسعد».

(3). في النسخة: «به» مرمّز ب «خ»، ولم يرد في الطبعتين.

(4). في الحاشية عن بعض النسخ: «فيشقى».

6

(فاقاسمك هو).

يُقال: قاسمه الشي‏ء، إذا أخذ كلّ قِسمةٍ. والضمير المرفوع نائب مناب المنصوب، ومرجعه العطاء، وقيام بعض الضمائر مقام بعض شائع ذائع، وصرّح بجوازه أهل العربيّة، وبهذا ظهر فساد ما قيل من أنّ الظاهر: «فاقاسمك»، ولعلّه تصحيف. (1) انتهى.

و قوله: (فوصله) أي أعطاه مالًا.

و قوله: (مهّدتَ).

في الصحاح: «تمهيد الأمر: إصلاحهُ». (2)

و قوله: (فآثر نفسك) بمدّ الألف، من الإيثار، وهو الاختيار؛ أي اختر صلاح نفسك في كسب المال وجمعه وإنفاقه.

(على صلاح وُلدك).

فلا تتجاوز في كسبه وجمعه حدّ الاقتصاد، وما تعيش به في حياتك؛ فإنّك إن جمعته لهم، (فإنّما أنت جامع) ما جمعته من المال‏ (لأحد رَجلين) أي لأحد صنفين من أصناف الوَرَثَة.

وهذا كالتعليل للإيثار.

(إمّا رجل) بالرفع على أنّه خبر مبتدأ محذوف؛ أي أحدهما رجل. وجرّه على أنّه بدل تفصيليّ من «رجلين» احتمال.

وعلى التقديرين كلمة «إمّا» هذه ليست بعاطفة، بل جي‏ء بها للتنبيه على الشكّ في أوّل الكلام؛ إذ لو كانت عاطفة لما تقدّمت على المعطوف، وإنّما العاطفة «إمّا» الثانية.

وأنكر بعض النحاة كون الثانية أيضاً للعطف؛ مستدلّاً بدخول الواو العاطفة عليها، فلو كانت هي أيضاً للعطف يلزم إيراد عاطفين معاً، فيكون أحدهما لغواً.

واجيب بأنّ الواو الداخلة على «إمّا» الثانية لعطفها على «إمّا» الاولى، وإمّا الثانية لعطف ما بعدها على ما بعد الاولى، ففيها فائدة اخرى.

____________

(1). الظاهر أنّ الشارح (رحمه الله) قد أشار بهذا إلى قول العلّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول، ج 25، ص 169، لكن أخطأ في ذلك؛ لأنّ ما أثبت العلّامة (رحمه الله) في المتن هو: «فاقاسمك»، ثمّ استظهره «فاقاسمكه» واحتمل أنّه تصحيف. ويحتمل أنّ الشارح (رحمه الله) قد رأى في نسخة من المرآة- التي كانت عنده- كما نقله، واللَّه العالم.

(2). الصحاح، ج 2، ص 541 (مهد) مع اختلاف في الألفاظ.

7

(عمل فيه) أي فيما جمعت له.

(بطاعة اللَّه)؛ بإنفاقه فيها.

(فسعد بما شقيت به). (1) الباء في الموضعين للسببيّة. أمّا سعادة ذلك الرجل فلأنّه أصاب مالًا بلا كسب ومشقّة وكدٍّ، وهو سعادة الدنيا؛ وأنفقه في الطاعة، وهو سعادة العُقبى؛ فجمع به بين السعادتين.

وأمّا شقاء مَن جَمَع له فظاهرٌ إن جَمَع من الحرام، أو من الحلال ولم يخرج حقوقه، بل وإن أخرجها أيضاً؛ لأنّه ضيّع أوقاته في جمع ما لا حاجة له إليه، ويرى ثوابه في ميزان غيره مع ما له من العقاب على بعض الوجوه.

و قوله: (وليس من هذين) أي من ذينك الرجلين.

(أحدٌ بأهل أن تؤثره على نفسك)؛ كأنّه ناظر إلى الأوّل من شقّي الترديد.

و قوله: (ولا تُبرّد له على ظَهرك) ناظر إلى الثاني منهما.

قال الجوهري:

البرد: نقيض الحرّ. وقد برد الشي‏ء- بالضمّ- وبردته أنا، فهو مبرود. وبرّدته تبريداً.

ولا يُقال: أبردته إلّافي لغةٍ رديئة. وسقيته شربةً بردتُ فؤاده، تبرده بَرْداً. وقولهم: لا تبرد عن فلان؛ أي إن ظلمك فلا تشتمه، فتنقص من إثمه. ويقال: ما برد لك على فلان؛ أي ما ثبت ووجب. وبرد لي عليه كذا من المال، ولي عليه ألفٌ بارد، وسموم بارد؛ أي ثابت لا يزول. (2)

و في القاموس: «عيشٌ باردٌ؛ أي هني‏ء». (3)

و في النهاية: «الصوم في الشتاء غنيمة باردة؛ أي لا تعب فيه ولا مشقّة، وكلّ محبوب عندهم بارد» انتهى. (4) والظاهر أنّ «لا تبرّد» عطف على «تؤثره». و «لا» مزيدة لتأكيد النفي.

قيل: والمعنى: ليس أحد هذين بأهل أن تثبت له مالًا أو ثِقلًا أو وزراً على ظهرك. (5) وكأنّ‏

____________

(1). في كلتا الطبعتين ومعظم نسخ الكافي:- «به».

(2). الصحاح، ج 2، ص 445 و 446 (برد) مع تلخيص.

(3). القاموس المحيط، ج 1، ص 277 (برد).

(4). النهاية، ج 1، ص 115 (برد).

(5). قاله المحقّق المازندراني (رحمه الله) في شرحه، ج 11، ص 404.

8

مراد هذا القائل أنّ «لا تبرّد» من البرد بمعنى الثبوت والوجوب والغنيمة الثابتة المستقرّة.

وأنت خبير بعد ما تلونا عليك من كلام أهل اللغة أنّ البرد بهذا المعنى لازم، وتوجيه هذا القائل إنّما يصحّ على تقدير كونه متعدّياً، وليس، فليس. فالصواب أن يُراد بالبرد أو التبريد إيصال الخفض والدعة وإزالة المشقّة؛ يعني لا تحمل له على ظهرك التعب والمشقّة، وتوريثه ليستريح هو، ويحصل لك مع المشقّة في الدنيا العقوبة في العقبى.

وفي نهج البلاغة: «ولا [أن‏] تحمل له على ظهرك». وفي بعض نسخه: «وتحمل» بدون «لا». (1) قال بعض شارحيه: «لا تحمل، عطف على «تؤثره»؛ أي وأن لا تحمل ثقلًا لأجله على ظهرك». (2) (فارجُ لمن مضى) من أولادك، أو مطلق أقاربك.

(رحمة) نصب على المفعول من «ارج».

وقوله: (ثِق) أمر من الوثوق، وهو الإتيان والاعتماد.

الحديث التاسع والعشرون‏

متن الحديث التاسع والعشرين (كلام عليّ بن الحسين (عليه السلام))

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏؛ وَ (3) عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ جَمِيعاً، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَالِبٍ الْأَسَدِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ:

كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) يَعِظُ النَّاسَ، وَيُزَهِّدُهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَيُرَغِّبُهُمْ فِي أَعْمَالِ الْآخِرَةِ بِهذَا الْكَلَامِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله)، وَحُفِظَ عَنْهُ، وَكُتِبَ، كَانَ يَقُولُ:

«أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، فَتَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ فِي هذِهِ الدُّنْيَا مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً، «وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ». (4)

وَيْحَكَ يَا ابْنَ آدَمَ الْغَافِلَ، وَلَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ! يَا (5) ابْنَ آدَمَ إِنَّ أَجَلَكَ أَسْرَعُ شَيْ‏ءٍ إِلَيْكَ، قَدْ أَقْبَلَ‏

____________

(1). انظر: نهج البلاغة، ص 549، الكلام 416.

(2). نقله المحقّق المازندراني (رحمه الله) في شرحه، ج 11، ص 404 و 405، ولم نعثر على قائله.

(3). في السند تحويل بعطف طبقتين على طبقتين.

(4). آل عمران (3): 30.

(5). في الطبعة الجديدة ومعظم النسخ التي قوبلت فيها و شرح المازندراني والأمالي للصدوق، ص 503، المجلس 76، ح 1:- «يا».

9

نَحْوَكَ حَثِيثاً يَطْلُبُكَ، وَيُوشِكُ أَنْ يُدْرِكَكَ، وَكَأَنْ قَدْ أَوْفَيْتَ أَجَلَكَ، وَقَبَضَ الْمَلَكُ رُوحَكَ، وَصِرْتَ إِلى‏ قَبْرِكَ وَحِيداً، فَرَدَّ إِلَيْكَ فِيهِ رُوحَكَ، وَاقْتَحَمَ عَلَيْكَ‏ (1) مَلَكَانِ: نَاكِرٌ وَنَكِيرٌ؛ لِمُسَاءَلَتِكَ، وَشَدِيدِ امْتِحَانِكَ.

أَلَا وَإِنَّ أَوَّلَ مَا يَسْأَلَانِكَ عَنْ رَبِّكَ الَّذِي كُنْتَ تَعْبُدُهُ، وَعَنْ نَبِيِّكَ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكَ، وَعَنْ دِينِكَ الَّذِي كُنْتَ تَدِينُ بِهِ، وَعَنْ كِتَابِكَ الَّذِي كُنْتَ تَتْلُوهُ، وَعَنْ إِمَامِكَ الَّذِي كُنْتَ تَتَوَلَّاهُ، ثُمَّ عَنْ عُمُرِكَ فِيمَا كُنْتَ‏ (2) أَفْنَيْتَهُ، وَمَالِكَ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبْتَهُ، وَفِيمَا (3) أَنْفَقْتَهُ، فَخُذْ حِذْرَكَ، وَانْظُرْ لِنَفْسِكَ، وَأَعِدَّ الْجَوَابَ قَبْلَ الامْتِحَانِ وَالْمُسَاءَلَةِ وَالاخْتِبَارِ؛ فَإِنْ تَكُ مُؤْمِناً عَارِفاً بِدِينِكَ، مُتَّبِعاً لِلصَّادِقِينَ، مُوَالِياً لِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ، لَقَّاكَ اللَّهُ حُجَّتَكَ، وَأَنْطَقَ لِسَانَكَ بِالصَّوَابِ، وَأَحْسَنْتَ الْجَوَابَ، وَبُشِّرْتَ بِالرِّضْوَانِ وَالْجَنَّةِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَاسْتَقْبَلَتْكَ الْمَلَائِكَةُ بِالرَّوْحِ وَالرَّيْحَانِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَذلِكَ تَلَجْلَجَ لِسَانُكَ، وَدُحِضَتْ حُجَّتُكَ، وَعَيِيتَ عَنِ الْجَوَابِ، وَبُشِّرْتَ بِالنَّارِ، وَاسْتَقْبَلَتْكَ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ بِنُزُلٍ مِنْ حَمِيمٍ، وَتَصْلِيَةِ جَحِيمٍ.

وَاعْلَمْ يَا ابْنَ آدَمَ، أَنَّ مِنْ وَرَاءِ هذَا أَعْظَمَ وَأَفْظَعَ وَأَوْجَعَ لِلْقُلُوبِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، «ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَ ذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ» (4)، يَجْمَعُ اللَّهُ- عَزَّ وَجَلَّ- فِيهِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، ذلِكَ يَوْمٌ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، وَتُبَعْثَرُ فِيهِ الْقُبُورُ، وَذلِكَ يَوْمُ الْآزِفَةِ؛ «إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ» (5)، وَذلِكَ يَوْمٌ لَا تُقَالُ فِيهِ عَثْرَةٌ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ أَحَدٍ فِدْيَةٌ، وَلَا تُقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ مَعْذِرَةٌ، وَلَا لِاحَدٍ فِيهِ مُسْتَقْبَلُ تَوْبَةٍ، لَيْسَ إِلَّا الْجَزَاءُ بِالْحَسَنَاتِ، وَالْجَزَاءُ بِالسَّيِّئَاتِ، فَمَنْ كَانَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عَمِلَ فِي هذِهِ الدُّنْيَا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ وَجَدَهُ، وَمَنْ كَانَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عَمِلَ فِي هذِهِ الدُّنْيَا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ شَرٍّ وَجَدَهُ.

فَاحْذَرُوا أَيُّهَا النَّاسُ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي مَا قَدْ نَهَاكُمُ اللَّهُ عَنْهَا، وَحَذَّرَكُمُوهَا فِي كِتَابِهِ الصَّادِقِ، وَالْبَيَانِ النَّاطِق.

فَلَا (6) تَأْمَنُوا مَكْرَ اللَّهِ وَتَحْذِيرَهُ وَتَهْدِيدَهُ عِنْدَ مَا يَدْعُوكُمُ الشَّيْطَانُ اللَّعِينُ إِلَيْهِ مِنْ عَاجِلِ‏

____________

(1). في كلتا الطبعتين للكافي:+ «فيه».

(2). في الطبعة الجديدة وأكثر النسخ التي قوبلت فيها والوافي:- «كنت».

(3). في الطبعة القديمة:+ «أنت».

(4). هود (11): 103.

(5). غافر (40): 18.

(6). في حاشية النسخة عن بعض النسخ وفي كلتا الطبعتين للكافي: «و لا».

10

الشَّهَوَاتِ وَاللَّذَّاتِ فِي هذِهِ الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ اللَّهَ- عَزَّ وَجَلَّ- يَقُولُ: «إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ». (1)

وَأَشْعِرُوا قُلُوبَكُمْ خَوْفَ اللَّهِ، وَتَذَكَّرُوا مَا قَدْ وَعَدَكُمُ اللَّهُ فِي مَرْجِعُكُمْ إِلَيْهِ مِنْ حُسْنِ ثَوَابِهِ، كَمَا قَدْ خَوَّفَكُمْ مِنْ شَدِيدِ الْعِقَابِ؛ فَإِنَّهُ مَنْ خَافَ شَيْئاً حَذِرَهُ، وَمَنْ حَذِرَ شَيْئاً تَرَكَهُ.

وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْغَافِلِينَ الْمَائِلِينَ إِلى‏ زَهْرَةِ الدُّنْيَا، الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: «أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ* أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ» (2)، أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى‏ تَخَوُّفٍ.

فَاحْذَرُوا مَا حَذَّرَكُمُ اللَّهُ بِمَا فَعَلَ بِالظَّلَمَةِ فِي كِتَابِهِ، وَلَا تَأْمَنُوا أَنْ يُنْزِلَ بِكُمْ بَعْضَ مَا تَوَاعَدَ بِهِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فِي الْكِتَابِ.

وَاللَّهِ‏ (3) لَقَدْ وَعَظَكُمُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ بِغَيْرِكُمْ؛ فَإِنَّ السَّعِيدَ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، وَلَقَدْ أَسْمَعَكُمُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مَا قَدْ فَعَلَ بِالْقَوْمِ الظَّالِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْقُرى‏ قَبْلَكُمْ، حَيْثُ قَالَ: «وَ كَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً»، وَإِنَّمَا عَنى‏ بِالْقَرْيَةِ أَهْلَهَا، حَيْثُ يَقُولُ: «وَ أَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ» (4)، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: «فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ» (5)؛ يَعْنِي يَهْرُبُونَ.

قَالَ: «لا تَرْكُضُوا وَ ارْجِعُوا إِلى‏ ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَ مَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ» (6) فَلَمَّا أَتَاهُمُ الْعَذَابُ‏ «قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ* فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ» (7)، وَايْمُ اللَّهِ إِنَّ هذِهِ عِظَةٌ لَكُمْ، وَتَخْوِيفٌ إِنِ اتَّعَظْتُمْ وَخِفْتُمْ.

ثُمَّ رَجَعَ الْقَوْلُ مِنَ اللَّهِ فِي الْكِتَابِ عَلى‏ أَهْلِ الْمَعَاصِي وَالذُّنُوبِ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: «وَ لَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ» (8)، فَإِنْ قُلْتُمْ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ- عَزَّ وَجَلَّ-

____________

(1). الأعراف (7): 201.

(2). النحل (16): 45.

(3). في حاشية النسخة عن بعض النسخ: «تاللَّه».

(4). الأنبياء (21): 11.

(5). الأنبياء (21): 12.

(6). الأنبياء (21): 13.

(7). الأنبياء (21): 14 و 15.

(8). الأنبياء (21): 46.

11

إِنَّمَا عَنى‏ بِهذَا أَهْلَ الشِّرْكِ، فَكَيْفَ ذلِكَ، وَهُوَ يَقُولُ: «وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَ إِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَ كَفى‏ بِنا حاسِبِينَ» (1).

اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ أَهْلَ الشِّرْكِ لَايُنْصَبُ لَهُمُ الْمَوَازِينُ، وَلَا يُنْشَرُ [لَهُمُ‏] الدَّوَاوِينُ، وَإِنَّمَا يُحْشَرُونَ إِلى‏ جَهَنَّمَ زُمَراً، وَإِنَّمَا نَصْبُ الْمَوَازِينِ وَنَشْرُ الدَّوَاوِينِ لِاهْلِ الْإِسْلَامِ.

فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ- عَزَّ وَجَلَّ- لَمْ يُحِبَّ زَهْرَةَ الدُّنْيَا وَعَاجِلَهَا لِاحَدٍ مِنْ أَوْلِيَائِهِ، وَلَمْ يُرَغِّبْهُمْ فِيهَا وَفِي عَاجِلِ زَهْرَتِهَا وَظَاهِرِ بَهْجَتِهَا، وَإِنَّمَا خَلَقَ الدُّنْيَا وَخَلَقَ أَهْلَهَا لِيَبْلُوَهُمْ فِيهَا أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا لِآِخِرَتِهِ، وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ ضَرَبَ لَكُمْ فِيهِ الْأَمْثَالَ، وَصَرَّفَ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.

فَازْهَدُوا فِيمَا زَهَّدَكُمُ اللَّهُ- عَزَّ وَجَلَّ- فِيهِ مِنْ عَاجِلِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ اللَّهَ- عَزَّ وَجَلَّ- يَقُولُ وَقَوْلُهُ الْحَقُّ: «إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَ الْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَ ازَّيَّنَتْ وَ ظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ». (2)

فَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ يَتَفَكَّرُونَ، وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ اللَّهَ- عَزَّ وَجَلَّ- قَالَ لِمُحَمَّدٍ (صلى الله عليه و آله): «وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ». (3)

وَلَا تَرْكَنُوا إِلى‏ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا رُكُونَ مَنِ اتَّخَذَهَا دَارَ قَرَارٍ وَمَنْزِلَ اسْتِيطَانٍ؛ فَإِنَّهَا دَارُ بُلْغَةٍ، وَمَنْزِلُ قُلْعَةٍ، وَدَارُ عَمَلٍ.

فَتَزَوَّدُوا الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ فِيهَا قَبْلَ تَفَرُّقِ أَيَّامِهَا، وَقَبْلَ الْإِذْنِ مِنَ اللَّهِ فِي خَرَابِهَا، فَكَانَ قَدْ أَخْرَبَهَا الَّذِي عَمَرَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَابْتَدَأَهَا، وَهُوَ وَلِيُّ مِيرَاثِهَا.

فَأَسْأَلُ اللَّهَ الْعَوْنَ لَنَا وَلَكُمْ عَلى‏ تَزَوُّدِ التَّقْوى‏ وَالزُّهْدِ فِيهَا، جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنَ الزَّاهِدِينَ فِي عَاجِلِ زَهْرَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، الرَّاغِبِينَ لآِجِلِ ثَوَابِ الْآخِرَةِ، فَإِنَّمَا نَحْنُ بِهِ وَلَهُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلى‏ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ، وَسَلَّمَ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ».

شرح‏

السند مجهول.

قوله: (يعظ الناس)؛ الوعظ والعِظة: النصح. والاسم: الموعظة. والفعل كوَعَدَ.

____________

(1). الأنبياء (21): 47.

(2). يونس (10): 24.

(3). هود (11): 113.

12

وقيل: الوعظ: الأمر بالطاعة والوصيّة بها. وقيل: هو تذكير مشتمل على زجر وتخويف، وحَمْل على طاعة اللَّه بلفظ يرقّ له القلب. (1)

و قوله: (فتجد كلّ نفس) إلى آخره، إشارة إلى قوله تعالى: «يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ». (2) قال البيضاوي:

«يَوْمَ» منصوب ب «تَوَدُّ»؛ أي يتمنّى كلّ نفس يومَ تجد صحائف أعمالها، أو جزاء أعمالها من الخير والشرّ حاضرة، لو أنّ بينها وبين ذلك اليوم وهَوْله‏ «أَمَداً بَعِيداً».

أو بمضمرٍ، نحو اذكر. و «تَوَدُّ» حال من الضمير في «عملت»، أو خبر ل «ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ». و «تجد» مقصور على‏ «ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ». ولا تكون «ما» شرطيّة؛ لارتفاع «تودّ»، وقرئ: «ودّت»، وعلى هذا تصحّ أن تكون شرطيّة، ولكنّ الحمل على الخبر أوقع معنى؛ لأنّه حكاية كائن، وأوفق للقراءة المشهورة. انتهى. (3) وقيل: التقدير في قوله: «وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ»؛ أي «محضراً» حذف للاختصار، ولدلالة العطف وما بعده عليه. و «من» مزيدة للمبالغة في عموم الخير والسوء لجميع الأفراد وإن صغر.

وقوله: «تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً» استئناف، أو حال عن فاعل «عملت». و «لو» للتمنّي، وللمبالغة فيه. وضمير التأنيث للنفس، وضمير التذكير ل «يوم»، أو ل «سوء» على احتمال‏ (4). إلى هاهنا كلام القائل.

وعلى ما ذكره البيضاوي فلا حذف في قوله: «وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ».

«وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ»؛ فلا تتعرّضوا لسخطه بمخالفة أحكامه وأوليائه، وموالاة أعدائه.

وهو تهديد عظيم مُشعر بتناهي المنهيّ عنه في القبح، وذكر «النفس» ليعلم أنّ المحذّر منه عقاب يصدر منه، فلا يؤوبه دونه بما يحذّر من الكفرة.

____________

(1). قاله المحقّق المازندراني (رحمه الله) في شرحه، ج 11، ص 405.

(2). آل عمران (3): 30.

(3). تفسير البيضاوي، ج 2، ص 26 و 27.

(4). قاله المحقّق المازندراني (رحمه الله) في شرحه، ج 11، ص 405.

13

(ويحك‏ (1) ابن آدم الغافل)؛ منصوب على أنّه صفة ابن آدم؛ أي الغافل عمّا يُراد منه ويفعل به.

(وليس بمغفول عنه)؛ لعلمه تعالى بما يصدر عنه، بل بما يخطر بباله، مع أنّ عليه من الحافظين كراماً كاتبين، يعملون ما يفعل.

(إنّ أجلك أسرعُ شي‏ء إليك).

في القاموس: «الأجل، محرّكة: غاية الوقت في الموت، ومدّة الشي‏ء» (2). والظاهر هنا المعنى الأوّل. وقيل: الثاني، كالمسافة للأوّل، والإنسان يقطعها بأقدام الآنات والأنفاس، فبمرور كلّ آنٍ ونَفَسٍ يقرب منه، وليس شي‏ء أسرع من مرورهما. (3)

و قوله: (حثيثاً) أي مُسرِعاً حريصاً.

(ويوشِك أن يدركك) أي الأجل؛ لأنّ الطالب السريع في الزمان اليسير والمسافة القليلة كان قريب الوصول وسريع الحصول.

وفيه تذكير للموت، وترغيب فيما ينفع من العمل لما بعده آناً فآناً، لئلّا تكون ميتة على غير عُدّة.

(وكأن قد أوفيتَ أجلك).

الظاهر أنّ «كأن» مخفّف «كأنّ». واحتمال كونه من الأفعال الناقصة بعيد.

و «أوفيت» على بناء الفاعل، أو المفعول. قال الفيروزآبادي: «وفى الشي‏ء: تمّ وكثر.

وأوفى فلاناً حقّه: أعطاه وافياً. وأوفيت القوم: أتيتهم. وأوفى عليه: أشرف». (4) (وقبض المَلك روحَك).

«ملك» بفتح اللّام؛ أي ملك الموت. أو بكسرها؛ أي ملك الملوك تعالى شأنه. (5)

و قوله: (وحيداً) أي متفرّداً بلا رفيق ولا أنيس من معارفك وأقربائك. يُقال: رجلٌ وَحَدٌ

____________

(1). في المتن الذي ضبطه الشارح (رحمه الله) سابقاً:+ «يا».

(2). القاموس المحيط، ج 3، ص 327 (أجل).

(3). قاله المحقّق المازندراني (رحمه الله) في شرحه، ج 11، ص 406.

(4). القاموس المحيط، ج 4، ص 401 (وفي).

(5). قال المحقّق المازندراني (رحمه الله): «إمّا بسهولة، أو بصعوبة باعتبار التفاوت في الإيمان والأخلاق والأعمال، ولا يبعد أن يجعل هذا وجه الجمع بين الروايات المختلفة في صعوبة قبض الروح وسهولته».

14

وأحَدٌ- محرّكتين- ووحيدٌ ومتوحّد؛ أي متفرّد.

(فردّ إليك فيه) أي في القبر (روحك).

(واقتحم) أي دخل فجأةً، أو عُنقاً. يُقال: اقتحم النهر؛ أي دخله. واقتحم المنزل، إذا هجمه.

(عليك‏ (1) مَلكان: ناكرٌ ونكير) عطف بيان، أو بدل من ملكين.

والمشهور فيهما: مُنكرٌ ونكير. قال في القاموس: «مُنكر ونكير: فتّانا القبور». (2) وقال: «فَتَنه يَفْتِنُهُ: أوقعه في الفتنة. والفتّان: اللصّ، ومنكر ونكير». (3)

و قوله: (امتحانك) أي اختبارك في العقائد والأعمال.

و قوله: (ثمّ عن عُمُرك فيما أفنيته) إلى آخره.

في بعض النسخ: «فيما كنت أفنيته». وفيه دلالة على أنّه يسأل في القبر عن الأعمال أيضاً.

(فخُذ حِذْرك).

في القاموس: «الحِذر، بالكسر، ويُحرّك: الاحتراز» (4). وقال الزمخشري في قوله تعالى:

«خُذُوا حِذْرَكُمْ»: (5) الحِذر والحَذَر بمعنى، كالإثر والأثَر. يُقال: أخذ حذره، إذا تيقّظ واحترز من المخوف، كأنّه جعل الحذر آلتَهُ التي يقي بها نفسه، ويعصم بها رُوحَه. انتهى. (6) وظاهر أنّه لا يحصل ذلك إلّابمحاسبة النفس قبل الموت، وحملها على فعل ما ينبغي، وترك ما لا ينبغي، كما أشار إليه ب قوله: (وانظر لنفسك) إلى آخره.

النظر، محرّكة: الفكر في الشي‏ء يقدّره ويقيسه، والفعل منه كنصر.

وكان ذكر الاختبار بعد الامتحان للمبالغة والتأكيد.

وقيل: فيه إشعار بأنّ سؤالهما إنّما هو للاختبار والامتحان، والتنبيه على الخطأ والصواب؛

____________

(1). في الطبعتين للكافي:+ «فيه».

(2). القاموس المحيط، ج 2، ص 148 (فتن).

(3). القاموس المحيط، ج 2، ص 255 (فتن).

(4). القاموس المحيط، ج 2، ص 6 (حذر).

(5). النساء (4): 71 و 102.

(6). تفسيرالبيضاوي، ج 3، ص 302 (مع اختلاف يسير).

15

ليترتّب عليه الثواب أو العقاب، وقد جرى قضاء اللَّه تعالى وحكمته على اختبار الخلائق في بَدوِ التكليف إلى أن يستقرّوا في دار القرار أو البوار. (1)

و قوله: (لقّاك اللَّه حجّتك) أي استقبل بها إليك، ولقّنها، وأفاضها عليك، وألهمكَ إيّاها.

وفي القاموس: «لقّاه الشي‏ء: ألقاه إليه. «وَ إِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ» (2): يُلقى إليك وحياً من اللَّه». (3) والحجّة: البرهان. والمراد هنا العقائد الحقّة، والأعمال الصالحة.

و قوله: (وأحسنتَ الجواب).

قال الجوهري: «هو يُحسِنُ الشي‏ء؛ أي يَعْلَمُهُ». (4) (وبُشّرت بالرضوان).

البشارة والبُشرى‏: الخبر السارّ. والمراد بالرضوان رضاء اللَّه وجنّته. قال الجوهري:

«بشّرني بوجهٍ حَسَنٍ؛ أي لقيني. [هو] حَسَنُ البِشر: طَلِقُ الوجه» (5). وقال: «الرِضوان: الرضا، وكذلك الرُّضْوان بالضمّ. ورضيت عنه رضى- مقصورٌ- مصدر محض. والاسم: الرضاء، ممدود» (6) انتهى.

وقيل: الرضا والرضوان- بالكسر والضمّ- ضدّ السخط، إلّاأنّ الرضا لغة أهل الحجاز، والرضوان لغة قيس وتميم. (7)

و قوله: (بالرَّوح والريحان).

في القاموس: «الروح، بالضمّ: ما به حياة الأنفس، والوحي، وحكم اللَّه وأمره. وبالفتح:

الراحة، والرحمة، ونسيم الرِّيح. وبالتحريك: السعة. والريحان: نبت طيّب الرائحة والرزق». (8) وقال الجوهري: «رَوحٌ وريحان؛ أي رحمةٌ ورزق». (9)

____________

(1). قاله المحقّق المازندراني (رحمه الله) في شرحه، ج 11، ص 407.

(2). النمل (27): 6.

(3). القاموس المحيط، ج 4، ص 386 (لقي).

(4). الصحاح، ج 5، ص 2099 (حسن).

(5). الصحاح، ج 2، ص 590 (بشر).

(6). الصحاح، ج 6، ص 2357 (رضا) مع تلخيص.

(7). قاله المحقّق المازندراني (رحمه الله) في شرحه، ج 11، ص 407 و 408.

(8). القاموس المحيط، ج 1، ص 224 (روح) مع التلخيص.

(9). الصحاح، ج 1، ص 368 (روح).

16

وأقول: إن قرئ هنا «الروح» بالضمّ، فالمراد الحياة الأبديّة، وحكمه تعالى بالبقاء والسعادة.

و قوله: (تلجلج لسانُك، ودُحضت حجّتُك).

التلجلج: التردّد في الكلام. ودحضت الحجّة- كمنع- دحوضاً؛ أي بطلت.

(وعَييتَ) بصيغة الخطاب؛ أي عجزت.

(عن الجواب).

في القاموس: «عَييَ بالأمر- كرضي-: لم يهتدِ لوجه مراده، أو عجز عنه، ولم يطق إحكامه. وعَيِيَ في المنطق- كرضي- عيّاً: حَصَرَ». (1) (وبُشّرتَ بالنّار) من باب التهكّم.

و قوله: (بنُزُلٍ من حميم، وتَصلية جحيم).

النُّزُل، بالضمّ وبضمّتين: ما هُيّئ للضيف أن ينزل عليه، والطعام ذو البركة، والفضل، والعطاء. وإطلاقه هنا أيضاً من باب التهكّم.

والمراد بالحميم: الشراب المغلّى في قدور جهنّم. قال الجوهري: «الحميم: الماء الحارّ، والمطر الذي يأتي في شدّة الحرّ. والحميم: العَرَق». (2) وقال: «الجحيم: [اسم‏] من أسماء النار، وكلّ نار عظيمة في مَهواةٍ (3) فهي‏ (4) جحيم». (5)

و في القاموس: «الجحيم: النار الشديد التأجّج، وكلّ نار بعضها فوق بعض، والمكان الشديد الحرّ». (6) وفيه: «صلّاه تصلية؛ أي ألقاه في النار للإحراق». (7) قال البيضاوي: «وذلك ما يجد في القبر من سموم النار ودخانها». (8)

و قوله: (من وراء هذا) إشارة إلى ما ذكر من قوله: «وقبض الملك» إلى قوله: «وتصلية

____________

(1). القاموس المحيط، ج 4، ص 368 (عيي).

(2). الصحاح، ج 5، ص 1905 (حمم).

(3). في الحاشية: «المَهواة: ما بين الجبلين ونحو ذلك».

(4). في النسخة: «فهو».

(5). الصحاح، ج 5، ص 1883 (جحم).

(6). القاموس المحيط، ج 4، ص 87 (جحم).

(7). القاموس المحيط، ج 4، ص 352 (صلي).

(8). تفسير البيضاوي، ج 5، ص 294.

17

جحيم».

(أعظم وأفظع وأوجع للقلوب يوم القيامة).

يحتمل نصب «أعظم» وما عطف عليه على أن يكون اسم «إنّ»، و «من وراء» متعلّقاً بالثلاثة، و «يوم القيامة» بالرفع خبره، أو بالعكس، ولعلّه أنسب.

ويحتمل كون الثلاثة اسم «إنّ»، و «من وراء» خبره، و «يوم القيامة» بالرفع، أو بالنصب، على أن يكون فاعلًا، أو عطف بيان لها.

قال الجوهري: «فَظُع الأمر- بالضمّ- فظاعة، فهو فظيع؛ أي شديد شنيع جاوز المقدار». (1) وقال: «الوجع: المرض». (2) «ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ». (3)

قال البيضاوي:

«ذلِكَ» إشارة إلى يوم القيامة، وعذاب الآخرة دلّ عليه. قوله: «مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ»؛ أي يجمع له الناس، والتغيير للدلالة على ثبات معنى الجمع لليوم، وأنّه من شأنه لا محالة، وأنّ الناس لا ينفكّون عنه، فهو أبلغ من قوله: «يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ»، ومعنى الجمع له الجمع؛ لما فيه من المحاسبة والمجازاة. «وَ ذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ»؛ أي مشهود فيه أهل السماوات والأرضين، فاتّسع فيه بإجراء الظرف مجرى المفعول، ولو جعل اليوم مشهوداً في نفسه لبطل الغرض من تعظيم اليوم وتمييزه؛ فإنّ سائر الأيّام كذلك. (4) وأقول: كونه مشهوداً فيه؛ إمّا لأنّه يُشهَدُ فيه على الخلائق بما عملوا، وإمّا لأنّهم يحضرونه للحساب، والخروج عن عهدة ما كلّفوا به في دار الدنيا.

و قوله: (يجمع اللَّه فيه) أي في ذلك اليوم.

(الأوّلين والآخرين) بيان لسابقه.

ويحتمل أن يكون كلّ منهما إضافيّاً بالنسبة إلى الآخر.

وقيل: لعلّ المراد بالأوّلين الامم السابقة، وبالآخرين هذه الامّة. (5)

____________

(1). الصحاح، ج 3، ص 1259 (فظع).

(2). الصحاح، ج 3، ص 1294 (وجع).

(3). هود (11): 103.

(4). تفسير البيضاوي، ج 3، ص 261 (مع تلخيص).

(5). قاله المحقّق المازندراني (رحمه الله) في شرحه، ج 11، ص 408.

18

(ذلك يوم)؛ مبتدأ وخبر.

(ينفخ في الصور) أي ينفخ فيه في الصور، حذف الجارّ بقرينة ما بعده.

قال الجوهري: «الصور: هو القَرْن الذي ينفخ فيه إسرافيل (عليه السلام) عند بعث الموتى إلى الحشر». (1) وقيل: الصُّور جمع صُورَةٍ، يريد صُور الموتى ينفخ فيها الأرواح. والصحيح الأوّل؛ لأنّ الأحاديث تعاضدت عليه تارةً بالصور، وتارةً بالقرن. (2) (وتُبَعثر فيه القبور).

قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى: «إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ» (3): «أي بعث». (4) وقال الجوهري:

بعثر الرجل متاعَهُ: قلب بعضه على بعض. ويُقال: بعثرت الشي‏ء، إذا استخرجته وكشفته. وقال أبو عبيدة في قوله تعالى: «بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ»: اثير واخرج. قال:

وتقول: بعثرت حوضي؛ أي هدمته، وجعلت أسفله أعلاه، انتهى. (5) والظاهر أنّ «تبعثر» على صيغة المضارع المجهول من الرباعيّ المجرّد. وقيل: يحتمل كونه على صيغة الماضي المعلوم من باب التفعلل على تشبيه القبر بإنسان أكل طعاماً، فلم يستقرّ في معدته فردّه‏ (6). قال في النهاية: «تبعثرت النفس: جاشت، وانقلبت وغثت». (7) (وذلك يوم الآزفة) إشارة إلى قوله تعالى: «وَ أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ» (8) الآية. يُقال: أزِفَ الترحّل أزفاً وازوفاً، إذا دنا. والرجل: عجّل. والأزف، محرّكة:

الضيق، وسوء العيش.

____________

(1). انظر: الصحاح، ج 2، ص 716 (صور).

(2). قاله المحقّق المازندراني (رحمه الله) في شرحه، ج 11، ص 408.

(3). العاديات (100): 9.

(4). تفسير البيضاوي، ج 5، ص 521.

(5). الصحاح، ج 2، ص 593 (بعثر).

(6). قاله المحقّق المازندراني (رحمه الله) في شرحه، ج 11، ص 408.

(7). النهاية، ج 1، ص 139 (بعثر).

(8). غافر (40): 18.

19

قال بعض المفسّرين: «الآزفة، صفة القيامة سُمّيت بها لقربها ودنوّها» (1). وقيل: لضيق عيش أكثر الناس فيها. (2) وقيل: صفة المجازاة.

وقيل: المراد اللحظة الآزفة، وهي مشارفتهم النار. وقيل: يوم الآزفة: يوم الموت، وقت خروج الروح. (3) «إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ»؛ جمع حَنْجَرَة، وهي الحلقوم.

وقيل: المراد هنا التراقي؛ يعني فارقت قلوبهم أماكنها خوفاً، فصارت في حلوقهم، فلا هي تعود إلى أماكنها، فيتروّحوا، ولا تخرج فيستريحوا. (4) «كاظِمِينَ».

في القاموس: «كَظَمَ غيظه يَكظُمُهُ: ردّه، وحبسه. والباب: أغلقه. والبعير كظوماً: أمسك عن الجرّة. ورجلٌ كظيم، ومكظوم: مكروب. وكُظِم- كعُنِي- كظُوماً: سكت». (5) قال بعض المفسّرين: معنى كاظمين ساكنين، لا معذرة لهم. وقيل: حابسين الكلام.

وقيل: مُردّدين حزنهم في أجوافهم كجرّة البعير. وقيل: باكين. وقيل: مغمومين. (6) وعلى التقادير نصبه على الحال من مفعول «أنذِر». وقيل: من «القلوب» بتقدير أصحابها، ولذلك جمعه جمع العقلاء، كقوله: «فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ» (7). (8) (وذلك يوم لا تُقال فيه عَثرة).

الإقالة: فسخ البيع، والعفو عن الزلّة. والعثرة: الزلّة. قيل: معنى «أقاله اللَّه عثرته» أنّه وافقه في نقض العهد، وأجابه إليه؛ إذ وقع العهد بين العبد وبينه تعالى في أنّه إذا عصاه يُعاقَب، فإذا استقال العاصي في ذلك اليوم، وندم من ذلك العهد، وطلب منه تعالى أن ينقضه ليتخلّص من العقاب، لا يُقال ولا يجاب؛ لأنّ العهد مُبرَم لا ينقض. (9) (ولا تُقبل من أحدٍ معذرة).

____________

(1). تفسير البيضاوي، ج 5، ص 88.

(2). قاله المحقّق المازندراني (رحمه الله) في شرحه، ج 11، ص 408.

(3). انظر: تفسير البيضاوي، ج 5، ص 88.

(4). انظر: تفسير البيضاوي، ج 5، ص 88؛ شرح المازندراني، ج 11، ص 408 و 409.

(5). القاموس المحيط، ج 4، ص 172 (كظم).

(6). انظر: تفسير مجمع البيان، ج 8، ص 433؛ تفسير الثعلبي، ج 8، ص 271؛ زاد المسير،، ج 7، ص 37؛ فتح القدير للشوكاني، ج 4، ص 486.

(7). الشعراء (26): 4.

(8). قاله العلّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول، ج 25، ص 171. وانظر أيضاً: شرح المازندراني، ج 11، ص 409.

(9). قاله المحقّق المازندراني (رحمه الله) في شرحه، ج 11، ص 409.

20

قيل: أي عذر لا يكون صاحبه صادقاً فيه، أو توبةٌ. (1) وقيل: أي معذرة غير المحقّ، وإلّا فاللَّه سبحانه أعدل وأكرم من [أن‏] لا يقبل معذرة المحقّ. أو المراد: ليس له معذرة في المخالفة حتّى تقبل؛ لأنّه تعالى قطع الأعذار ببعث الرسل، وإنزال الكتب، ونصب الوصيّ، والهداية إلى سبيله. (2)

و قوله: (مُستقبَلُ توبة) بالباء الموحّدة فيما رأيناه من النسخ. وكأنّه مصدر، أو اسم مكان على صيغة اسم المفعول؛ أي لا يكون لأحد في ذلك اليوم استئناف توبة وإحداثها، أو مكانها ومحلّها.

ويحتمل كونه على صيغة اسم الفاعل؛ أي من يستقبل إلى توبته، ويتوجّه إليها، ويقبلها.

وعلى التقديرين يكون مرفوعاً على الابتدائيّة، أو على أنّه اسم «لا»، و «توبة» بالجرّ على الإضافة، واحتمال كون «مستقبل» بالجرّ على أنّه صفة ل «أحد» و «توبة» بالرفع على الابتدائيّة أو الاسميّة بعيد.

وضبطه بعض الشارحين بالياء المثنّاة التحتانيّة، وقال: «أي ليس لأحدٍ مستقيل طالب الرجوع إلى الدنيا توبة ورجوع إليها؛ ليفعل فيها ما يكفّرها». وقال: «أو المراد أنّه ليس لطالب غفران الذنب في ذلك اليوم توبة منه؛ لفوات محلّها، وهو الدنيا». (3)

و قوله: (فمن كان من المؤمنين ...) فذلكة، أو تفسير وبيان للفقرة السابقة.

قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ» (4) الآية:

ولعلّ حسنة الكافر وسيّئة المجتنب عن الكبائر تؤثّران في نقص الثواب والعقاب.

وقيل: الآية مشروطة بعدم الإحباط والمغفرة، أو من الاولى مخصوصة بالسعداء، والثانية بالأشقياء. والذرّة: النملة الصغيرة، أو الهباء. انتهى. (5)

و قوله: (من الذنوب والمعاصي ما قد نهاكم) إلى آخره.

قيل: لعلّ قوله: «من الذنوب» بيان للموصول بعده، أو الموصول بدل من «الذنوب». (6)

____________

(1). قاله العلّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول، ج 25، ص 171.

(2). قاله المحقّق المازندراني (رحمه الله) في شرحه، ج 11، ص 409.

(3). قاله المحقّق المازندراني (رحمه الله) في شرحه، ج 11، ص 409.

(4). الزلزلة (99): 7.

(5). تفسير البيضاوي، ج 5، ص 519 (مع تلخيص).

(6). قاله العلّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول، ج 25، ص 171.

21

وأقول: الظاهر أنّ الموصول صفة للذنوب.

والعطف في‏ قوله: (في كتابه الصادق والبيان الناطق) إمّا للبيان والتفسير، أو يُراد بالمعطوف بيان جبرئيل، أو الرسول، أو أوصيائه؛ فإنّ مناهي الكتاب ومحرّماته بعضها ظاهر لا يحتاج إلى البيان، وبعضها باطن لا يعلم إلّاببيانهم. ووصف البيان بالناطق مجاز باعتبار دلالته على المقصود، وإفصاحه عنه كالنطق.

و قوله: (فلا تأمنوا مكر اللَّه) إلى‏ قوله: (في هذه الدنيا)؛ إشارة إلى قوله- عزّ وجلّ- في سورة الأعراف: «وَ إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ‏ (1) مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ». (2)

و قوله: (فإنّ اللَّه- عزّ وجلّ- يقول) تعليل لما سبق من الحثّ على ذكر اللَّه عند دعوة الشيطان إلى شهوات الدنيا ولذّاتها.

«إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ».

هذه الآية أيضاً في سورة الأعراف بعد الآية السابقة.

قال البيضاوي:

«طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ» لَمّة منه، وهو اسم فاعل من طاف يطوف، كأنّها طافت بهم، ودارت حولهم، فلم تقدر أن تؤثّر فيهم. أو من طاف به الخيال يَطيف طَيْفاً، والمراد بالشيطان الجنس.

«تَذَكَّرُوا» ما أمر اللَّه به، ونهى عنه‏ «فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ» (3)؛ بسبب تذكّر مواقع الخَطأ ومكائد الشيطان، فيحترزون عنها، ولا يتّبعونه فيها. والآية تأكيد وتقرير لما قبلها. انتهى. (4)

و في القاموس: «الطّيف: الخيال الطائف في المنام، أو مجيئهُ في النوم». (5) (وأشعروا قلوبكم خوفَ اللَّه) أي ألبِسُوه إيّاها. أو الزِقوه بها، واجعلوه ملازماً لها غير مفارق‏

____________

(1). في الحاشية: «نزغ الشيطان بينهم ينزغ نَزعاً؛ أي أفسد، وأغوى».

(2). الأعراف (7): 200.

(3). الأعراف (7): 201.

(4). تفسير البيضاوي، ج 3، ص 85.

(5). القاموس المحيط، ج 3، ص 170 (طيف) مع اختلاف يسير.

22

عنها. أو اجعلوه شعاراً وعلامة لسلامتها وخلوصها.

وقيل: يحتمل أن يكون معناه: اجعلوا قلوبكم شاعرة غير غافلة من خوفه. (1) قال الفيروزآبادي:

الشعار، ككتاب: جلّ الفرس، والعلامة في الحرب والسفر- ويفتح- وما تحت الدثار من اللباس، وهو ما يلي شعر الجسد، ويفتح. وأشعَرَهُ غيره: ألبسَهُ إيّاه. وأشعر الهمُّ قلبي: لزِق به. وكلّ ما ألزقته بشي‏ء، أشعرته به. والقوم: نادوا بشعارهم، أو جعلوا لأنفسهم شِعاراً. والبدنة: أعلمها. (2)

و قوله: (كما قد خوّفكم من شديد العقاب) أي كما لزمكم أن تذكروا ما قد خوّفكم.

و قوله: (فإنّه من خاف شيئاً حذره)؛ بكسر الذال من الحِذر- بالكسر وبالتحريك- وهو الاحتراز.

وقيل: الجملة تعليل للأمر بإشعار الخوف‏ (3). ولا يخفى بُعده، بل الظاهر أنّه بيان لكيفيّة تذكّر التخويف من شديد العقاب وعلامته، وإرشاد لسلوك طريقته.

(ولا تكونوا من الغافلين) عن عذاب اللَّه وموجباته.

(المائلين إلى زهرة الدُّنيا).

في القاموس: «الزهرة، ويحرّك: النبات ونَوره. ومن الدنيا: بهجتها ونضارتها وحسنها». (4)

و قوله: (الذين مكروا السيّئات) صفة اخرى للغافلين.

ويحتمل أن يكون مبتدأ، وما بعده خبره.

وعلى التقديرين، قوله: (فإنّ اللَّه- عزّ وجلّ- يقول) استشهاد لسوء خاتمة المكر السيّ‏ء.

«أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ».

الاستفهام للإنكار والتوبيخ. قال بعض المفسّرين:

أي المكرات السيّئات، وهم الذين احتالوا لهلاك الأنبياء، أو الذين مكروا برسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، وراموا صدَّ أصحابه عن الإيمان.

____________

(1). قاله المحقّق المازندراني (رحمه الله) في شرحه، ج 11، ص 410.

(2). القاموس المحيط، ج 2، ص 59 (شعر).

(3). قاله العلّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول، ج 25، ص 171.

(4). القاموس المحيط، ج 2، ص 43 (زهر) مع التلخيص.

23

«أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ»؛ كما خسف بقارون.

«أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ» (1) بغتةً من جانب السماء، كما فعل بقوم لوط.

«أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ» أي متقلّبين في مسائرهم ومتاجرهم.

«فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ» (2) عمّا أراد بهم.

«أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى‏ تَخَوُّفٍ» (3)؛ على مخافة بأن يُهلك قوماً قبلهم، فيتخوّفوا، فيأتيهم العذاب وهم متخوّفون. أو على أن ينقص‏ (4) شيئاً بعد شي‏ء في أنفسهم وأموالهم حتّى يهلكوا، من تخوّفته، إذا تنقّصته. (5) (واللَّه لقد وعظكم اللَّه في كتابه بغيركم) ممّن أهلكه من العُصاة والعُتاة بعصيانهم وعتوّهم.

قال الفيروزآبادي: «وعظه يعظه وَعْظاً وعِظَةً ومَوعظةً: ذكره ما يُليّن قلبه من الثواب والعقاب». (6) وقوله (عليه السلام): (وُعِظ بغيره) على البناء للمفعول.

وقوله تعالى: «وَ كَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ» أي كسرناها وأهلكنا أهلها.

قال الجوهري: «قَصَمت الشي‏ء قَصْماً، إذا كسرته حتّى يبين». (7) «كانَتْ ظالِمَةً» صفة لأهل القرية.

وإنّما وصفت القرية به؛ لإقامتها مقامه، كما قال (عليه السلام): (وإنّما عنى بالقرية أهلها).

و قوله: (حيث يقول) تعليل لسابقه.

«وَ أَنْشَأْنا بَعْدَها» أي بعد هلاك أهلها.

«قَوْماً آخَرِينَ» (8) مكانهم؛ فإنّ لفظ القوم يدلّ على أنّ المراد بها أهلها، وإلّا فالمناسب أن يقول: وأنشأنا بعدها قُرىً اخرى.

(فقال عزّ وجلّ) في سورة الأنبياء متّصلًا بالآية السابقة: «فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا» أي فلمّا

____________

(1). النحل (16): 45.

(2). النحل (16): 46.

(3). النحل (16): 47.

(4). في المصدر: «أن ينقصهم».

(5). تفسير البيضاوي، ج 3، ص 400.

(6). القاموس المحيط، ج 2، ص 400 (وعظ).

(7). الصحاح، ج 5، ص 2013 (قصم).

(8). الأنبياء (21): 11.

24

أدركوا شدّة عذابنا إدراك المشاهد المحسوس.

وقد تقدّم تفسير هذه الآية عن أبي جعفر (عليه السلام)، وذكرنا هناك ما يتعلّق بها، ونقول هاهنا:

كان ضمير التأنيث في قوله: «إِذا هُمْ مِنْها» راجع إلى شدّة العذاب المفهوم من البأس.

( «يَرْكُضُونَ» (1)؛ يعني يهربون) مُسرعين راكضين دوابّهم، أو متشبّهين بهم من فرط إسراعهم.

وقوله (عليه السلام): (قال: «لا تَرْكُضُوا») تنبيه على إرادة القول هنا.

قال بعض المفسّرين: «لا تركضوا على إرادة القول؛ أي قيل لهم استهزاءً: لا تركضوا؛ إمّا بلسان الحال، أو المقال. والقائل ملك، أو مَن ثَمَّ من المؤمنين». (2) «وَ ارْجِعُوا إِلى‏ ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ» من التنعّم والتلذّذ.

والإتراف: إبطار النعمة.

«وَ مَساكِنِكُمْ» التي كانت لكم.

«لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ» (3) غداً عن أعمالكم، أو تعذّبون؛ فإنّ السؤال من مقدّمات العذاب. أو تُقصَدون للسؤال والتشاور في المهامّ والنوازل. هذا قول المفسّرين، ويرد عليه أنّه لا مدخل للرجوع عن هذا السؤال‏ (4)، وقد فسّره أبو جعفر (عليه السلام) بالسؤال عن الكنوز والذخائر، كما مرّ.

«قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ». (5)

قالوا ذلك لمّا رأوا العذاب، أو لم يروا وجه النجاة، فلذلك لم ينفعهم.

«فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ».

قال البيضاوي:

أي فما زالوا (6) يردّدون ذلك، وإنّما سمّاه دعوى؛ لأنّ المُوَلوِل كأنّه يدعو الويل، ويقول: يا ويل، تَعالَ، فهذا أوانك، وكلّ من «تلك» و «دعواهم» يحتمل الاسميّة والخبريّة.

____________

(1). الأنبياء (21): 12.

(2). تفسيرالبيضاوي، ج 4، ص 85.

(3). الأنبياء (21): 13.

(4). انظر: شرح المازندراني، ج 11، ص 411 و 412.

(5). الأنبياء (21): 14.

(6). هكذا في المصدر. وفي النسخة:- «زالوا».

25

«حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً» مثل الحصيد، وهو النبت المحصود، ولذلك لم يجمع.

«خامِدِينَ» (1): ميّتين، من خمدت النار، وهو مع «حصيداً» بمنزلة المفعول الثاني، كقولك: جعلته حلواً حامضاً؛ إذ المعنى: وجعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود. أو صفة له، أو حال من ضميره. انتهى. (2) واعلم أنّ هذه قصّة بني اميّة بعد ظهور الصاحب (عليه السلام)، كما مرّ. وقال جمع من العامّة: إنّ أهل «حضور» من قرى اليمن بعث إليهم نبيّ، فقتلوه، فسلّط اللَّه عليهم بخت نصر، فوضع السيف فيهم، فنادى مناد من السماء: يا لثارات الأنبياء! فندموا، وقالوا: يا ويلنا، إلى آخره. (3) (ثمّ رجع القولُ من اللَّه في الكتاب) في تلك السورة بعينها.

وذكر «ثمّ» للإشعار بتخلّل الآيات بينها وبين السابقة.

وقوله: «وَ لَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ».

قال البيضاوي:

أدنى شي‏ء من العذاب، وفيه مبالغات ذكر المسّ، وما فيه النفحة من معنى القلّة؛ فإنّ أصل النفح هبوب رائحة الشي‏ء، والبناء الدالّ على المرّة.

«مِنْ عَذابِ رَبِّكَ» من الذي ينذرون به.

«لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ»؛ (4) لدعوا على أنفسهم بالويل، واعترفوا عليها بالظلم. (5) (فإن قلتم: أيّها الناس)؛ خطاب لمن أنكر صدق مضامين الآيات السابقة على أهل التوحيد.

(إنّ اللَّه- عزّ وجلّ- إنّما عنى بهذا) الذي ذكر وأمثاله ممّا دلّ على عقوبة أهل الظلم.

(أهلَ الشرك) مفعول «عنى»؛ يعني: لا يعني به أهل الإسلام؛ لأنّهم غير معاقبين بزعمكم الباطل.

فقال (عليه السلام) في جوابهم: (فكيف ذلك)؛ يعني اختصاص العقوبة بأهل الشرك.

____________

(1). الأنبياء (21): 15.

(2). تفسير البيضاوي، ج 4، ص 86.

(3). انظر: تفسير السمرقندي، ج 2، ص 421؛ تفسير البيضاوي، ج 4، ص 85.

(4). الأنبياء (21): 46.

(5). تفسير البيضاوي، ج 4، ص 96.

26

(وهو) سبحانه‏ (يقول) بعد الآية السابقة متّصلًا بها: «وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ».

قال البيضاوي:

أي العدل توزن بها صحائف الأعمال. وقيل: وضع الميزان تمثيل لإرصاد الحساب السويّ والجزاء على حسب الأعمال [بالعدل‏]، وإفراد «القسط» لأنّه مصدر وصف به للمبالغة.

«لِيَوْمِ الْقِيامَةِ»؛ لجزاء يوم القيامة، أو لأهله، أو فيه كقولك: جئتُ لخمسٍ خلون من الشهر.

«فَلا تُظْلَمُ»: فلا تنقص‏ «نَفْسٌ شَيْئاً» من حقّها، أو [لا] تظلم شيئاً من الظلم.

«وَ إِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ» أي وإن كان العمل أو الظلم مقدار حبّة. ورفع نافع‏ «مِثْقالَ» على «كان» التامّة.

«أَتَيْنا بِها»: أحضرناها. والضمير للمثقال، وتأنيثه لإضافته إلى الحبّة.

«وَ كَفى‏ بِنا حاسِبِينَ» (1)؛ إذ لا مزيد على علمنا وعدلنا. (2) إلى هاهنا كلامه. ويمكن أن يكون المراد عدم وقوع الغلط في حسابه.

وقوله (عليه السلام): (أهلَ الشرك لا يُنصب لهم الموازين).

قيل: لا ينافي ذلك معاقبتهم على سيّئات أعمالهم، وكونهم مكلّفين بالفروع؛ إذ يعاملهم اللَّه بعلمه، وإنّما يوضع الموازين للمسلمين تشريفاً لهم. أو لأنّهم لما كانوا مطيعين في اصول الدِّين أو بعضها، يوضع لهم الميزان لئلّا يزعم زاعم أنّهم ظُلموا في عقوبتهم. (3) والمراد بالدواوين دفاتر أعمالهم وصحائف أفعالهم.

والزمر- كزفر- جمع الزمرة، بالضمّ، وهي الفوج والجماعة من الناس في تفرّقهم.

و قوله: (وإنّما خلق الدنيا وخلق أهلها ليبلوهم أيّهم أحسن عملًا لآخرته) إشارة إلى قوله تعالى: «إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ» (4) و «كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا». (5)

____________

(1). الأنبياء (21): 47.

(2). تفسير البيضاوي، ج 4، ص 96 (مع اختلاف يسير).

(3). قاله العلّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول، ج 25، ص 173 و 174.

(4). الأعراف (7): 54؛ يونس (10): 3.

(5). هود (11): 7.

27

قال البيضاوي:

«لِيَبْلُوَكُمْ» متعلّق ب «خَلَقَ»؛ أي خلق ذلك ليعاملهم معاملة المبتلي لأحوالكم كيف تعملون؛ فإنّ جملة ذلك أسباب وموادّ لوجودكم ومعاشكم، وما تحتاج إليه أعمالكم، ودلائل وأمارات تستدلّون بها، وتستنبطون منها. وإنّما جاز تعليق فعل البلوى لما فيه من معنى العلم من حيث إنّه طريق إليه كالنظر والاستماع. وإنّما ذكر صيغة التفضيل والاختبار الشامل لفرق المكلّفين باعتبار الحسن والقبح؛ للتحريض على إحصاء المحاسن، والتحضيض على الترقّي دائماً في مراتب العلم والعمل؛ فإنّ المراد بالعمل ما يعمّ عمل القلب والجوارح، ولذلك قال النبيّ (عليه السلام):

«أيّكم أحسنُ عقلًا، وأورع من محارم اللَّه، وأسرع في طاعة اللَّه» (1)، والمعنى: أيّكم أكمل علماً وعملًا. (2) (لقد ضرب لكم فيه) أي في الدنيا.

(الأمثال)؛ لإيضاح المشتبهات. يُقال: ضربَ مثلًا؛ أي وصف وبيّن. والمَثَل، محرّكة:

الحجّة، والحديث.

(وصرّف الآيات).

في القاموس: «تصريف الآيات: تبيينها» (3). والمراد بالآيات آيات الوعد والوعيد.

(لقوم يعقلون) أي يدركون ويفهمون الغرض الأصلي من تلك الأمثال والآيات.

(فإنّ اللَّه- عزّ وجلّ- يقول) في التزهيد عن الدنيا، والتنفير عنها.

(وقوله الحقّ)؛ الذي لا يعتريه ريب وشبهة. أو الثابت الذي لا يزول ولا يبدّل.

«إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا».

قال البيضاوي:

يعني حالها العجيبة في سرعة تقضّيها، وذهاب نعيمها بعد إقبالها، واغترار الناس بها.

____________

(1). انظر: تخريج الأحاديث والآثار للزيلعي، ج 7، ص 71؛ الكشّاف للزمخشري، ج 2، ص 260؛ الدرّ المنثور للسيوطي، ج 4، ص 211.

(2). تفسير البيضاوي، ج 3، ص 221 و 222 (مع اختلاف يسير).

(3). القاموس المحيط، ج 3، ص 162 (صرف).

28

«كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ»؛ فاشتبك بسببه حتّى خالط بعضه بعضاً.

«مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَ الْأَنْعامُ» من الزرع والبقول والحشيش.

«حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها». (1) قال الجوهري: «الزُّخرُف: الذهب، ثمّ يشبّه به كلّ مموّهٍ مُزوّر. والمزخرف: المزيّن». (2) «وَ ازَّيَّنَتْ» بأصناف النبات وأشكالها وألوانها المختلفة كعروس اخذت من ألوان الثياب والزين، فتزيّنت بها.

و «ازّيّنت» أصله: تزيّنت، فادغم.

«وَ ظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها»؛ متمكِّنون من حَصْدِها، ورفع غلّتها.

«أَتاها أَمْرُنا» ضَرب زرعها ما يجتاحه.

«لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها» أي فجعلنا زَرْعها.

«حَصِيداً» شبيهاً بما حُصِد من أصله.

«كَأَنْ لَمْ تَغْنَ»؛ كأن لم يغن زرعها؛ أي لم يلبث.

والمضاف محذوف في الموضعين للمبالغة، وقرئ بالياء على الأصل.

«بِالْأَمْسِ» فيما قُبيله، وهو مَثَلٌ في الوقت القريب، والممثّل به مضمون الحكاية، وهو زوال خضرة النبات فجأةً، وذهابه حُطاماً بعد ما كان غَضّاً، والتفّ وزيّن الأرض حتّى طمع فيه أهله، وظنّوا أنّه قد سلم من الجوائح لا الماء، وإن وليه حرف التشبيه؛ لأنّه من التشبيه المركّب.

«كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» (3)؛ فإنّهم المفتنون به.

(فكونوا عباد اللَّه) أي يا عباد اللَّه.

(من القوم الذين يتفكّرون) في الآيات الدالّة على فناء الدنيا، وسرعة زوالها، ويجدون ما هو الغرض الأصلي منها.

(ولا تركنوا إلى الدنيا) وأهلها الذين يميلون إليها، ويتّخذونها دار استيطان.

قال الفيروزآبادي: «ركن إليه- كنصر وعلم ومنع- ركوناً: مالَ، وسكن». (4)

____________

(1). تفسير البيضاوي، ج 3، ص 193.

(2). الصحاح، ج 4، ص 1369 (زخرف).

(3). يونس (10): 24.

(4). القاموس المحيط، ج 4، ص 229 (ركن).

29

و قوله: (فإنّ اللَّه عزّ وجلّ ...) إشارة إلى أنّ النهي عن الركون إليها شامل للنهي عن الركون إلى أهلها، كما أشرنا إليه. أو إلى أنّ المراد بالركون إليها الركون إلى أهلها.

(قال لمحمّد (صلى الله عليه و آله)) ليبلّغ إلى الامّة. وخاطبه على سبيل التعظيم وأراد غيره.

«وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا».

قال بعض المفسّرين: «أي لا تميلوا إليهم أدنى ميل؛ فإنّ الركون هو الميل اليسير». (1) «فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ» (2) بركونكم إليهم.

وإذا كان الركونُ إلى مَن وُجد منه ما يسمّى ظلماً كذلك، فما ظنّك بالركون إلى الظالمين؛ أي الموسومين بالظلم، ثمّ بالميل إليهم كلّ الميل، ثمّ بالظلم نفسه والانهماك فيه؟!

ولعلّ الآية أبلغ ما يتصوّر في النهي عن الظلم والتهديد عليه. وخطاب للرسول ومَن معه من المؤمنين؛ للتثبيت على الاستقامة التي هي العدل؛ فإنّ الزوال عنها بالميل إلى أحد طرفي إفراط وتفريط ظلم على نفسه أو غيره، بل ظلم في نفسه.

و قوله: (ركونَ مَن اتّخذها دارَ قرار) أي كركونه.

وفيه إيماء إلى أنّ الركون إليها لا بهذا الاعتبار، بل باعتبار تحصيل ما يتوقّف عليه بقاء الحياة وإعمال الطاعات. وجعلها محلّ العبرة ممدوح، كما أشار إليه أيضاً ب قوله: (فإنّها دارُ بُلغة) بالضمّ.

قال في المصباح: «البُلغة: ما يتبلّغ به من العيش ولا يفضل. يُقال: تبلّغ به، إذا اكتفى به.

وفي هذا بلاغ وبُلغة وتبلّغ؛ أي كفاية». (3) (ومنزل قُلعةٍ) أي ارتحال وتقلّع. قال الفيروزآبادي:

القُلعة، بالضمّ: العَزل، والمال العارية، أو ما لا يدوم، والضعيف الذي إذا بُطِش به لم يثبت. ومنزلُنا منزل قُلعةٍ أيضاً، وبضمّتين، وكَهُمَزَة؛ أي ليس بمستوطنٍ كأنّه يقطع ساكنه. أو معناه: لا نملكه، أو لا ندري متى نتحوّل عنه. ومجلسٌ قُلعَةٌ: يحتاج صاحبه إلى أن يقوم مرّة بعد مرّة. والدنيا دار قُلعة؛ أي انقلاع. وهو على قُلعَةٍ؛ أي رحلة. (4)

____________

(1). تفسير البيضاوي، ج 3، ص 266.

(2). هود (11): 113.

(3). المصباح المنير، ص 131 (بلغ).

(4). القاموس المحيط، ج 3، ص 74 (قلع). وقال المازندراني (رحمه الله) في شرحه، ج 11، ص 415: «وفيه تنبيه على أنّ الدنيا ليست بدار لهم، ليلتفتوا عن الركون إليها، ويتوقّعوا الارتحال والخروج منها».

30

و قوله: (قبل تفرّق أيّامها)؛ كأنّ المراد بها أيّام بقاء الدنيا، أو أيّام عمر أحد، وبخرابها انقضاء تلك الأيّام.

و قوله: (عَمَرها) بتخفيف الميم وتشديدها.

في القاموس: «عمره اللَّه وعمّره: أبقاه. وعمّر نفسه: قدّر لها قدراً محدوداً. وعمر اللَّه منزلك عمارة: جعله آهلًا». (1)

و قوله: (وهو وليّ ميراثها) أي مالكها الحقيقي، والأولى بالتصرّف فيها؛ لأنّها تفنى، وهو يبقى كالوارث. ووارث الشي‏ء: الباقي بعد فنائه.

(فإنّما نحن به وله).

قيل: الظاهر من الضمير راجع إلى ثواب الآخرة؛ أي نحن متلبّسون به، كناية عن قربه.

و «له» أي خُلِقنا وكلّفنا لأجله. (2) هذا كلامه. والأظهر إرجاع الضمير في الموضعين إلى اللَّه تعالى؛ أي نحن موجودون به، متقوّمون باستعانته، وكلّفنا لإخلاص العمل له.

وقال بعض الشارحين:

أي إنّما نحن موجودون باللَّه تعالى وله؛ ففي الاولى إشارة إلى تفويض الامور كلّها إليه، وفي الثانية إشارة إلى طلب التقرّب منه بالإتيان بالمأمورات والاجتناب عن المنهيّات، وبها يتمّ نظام الدِّين. (3) الحديث الثلاثون‏

متن الحديث الثلاثين (حديث الشيخ مع الباقر (عليه السلام))

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ:

حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، قَالَ:

بَيْنَا أَنَا مَعَ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، وَالْبَيْتُ غَاصٌّ بِأَهْلِهِ، إِذْ أَقْبَلَ شَيْخٌ يَتَوَكَّأُ عَلى‏ عَنَزَةٍ لَهُ، حَتّى‏ وَقَفَ‏ (4) عَلى‏

____________

(1). القاموس المحيط، ج 2، ص 95 (عمر).

(2). قاله العلّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول، ج 25، ص 175.

(3). قاله المحقّق المازندراني (رحمه الله) في شرحه، ج 11، ص 415.

(4). في الحاشية عن بعض النسخ: «قام».

31

بَابِ الْبَيْتِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، ثُمَّ سَكَتَ.

فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): «وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ».

ثُمَّ أَقْبَلَ الشَّيْخُ بِوَجْهِهِ عَلى‏ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، ثُمَّ سَكَتَ، حَتّى‏ أَجَابَهُ الْقَوْمُ جَمِيعاً، وَرَدُّوا (عليه السلام).

ثُمَّ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ عَلئ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، ثُمَّ قَالَ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، أَدْنِنِي مِنْكَ، جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ، فَوَ اللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكُمْ، وَأُحِبُّ مَنْ يُحِبُّكُمْ، وَوَاللَّهِ مَا أُحِبُّكُمْ وَأُحِبُّ مَنْ يُحِبُّكُمْ لِطَمَعٍ فِي دُنْيَا، وَ (1) إِنِّي لَأُبْغِضُ عَدُوَّكُمْ، وَأَبْرَأُ مِنْهُ، وَوَاللَّهِ مَا أُبْغِضُهُ وَأَبْرَأُ مِنْهُ لِوَتْرٍ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِلُّ حَلَالَكُمْ، وَأُحَرِّمُ حَرَامَكُمْ، وَأَنْتَظِرُ أَمْرَكُمْ، فَهَلْ تَرْجُو لِي جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ؟

فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): «إِلَيَّ، إِلَيَّ» حَتّى‏ أَقْعَدَهُ إِلى‏ جَنْبِهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا الشَّيْخُ، إِنَّ أَبِي عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) أَتَاهُ رَجُلٌ، فَسَأَلَهُ عَنْ مِثْلِ الَّذِي سَأَلْتَنِي عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ أَبِي (عليه السلام): إِنْ تَمُتْ تَرِدُ عَلى‏ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله)، وَعَلى‏ عَلِيٍّ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَيَثْلَجُ قَلْبُكَ، وَيَبْرُدُ فُؤَادُكَ، وَتَقَرُّ عَيْنُكَ، وَتُسْتَقْبَلُ بِالرَّوْحِ وَالرَّيْحَانِ مَعَ الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ، لَوْ قَدْ بَلَغَتْ نَفْسُكَ هَاهُنَا- وَأَهْوى‏ بِيَدِهِ إِلى‏ حَلْقِهِ- وَإِنْ تَعِشْ تَرى‏ مَا يُقِرُّ اللَّهُ بِهِ عَيْنَكَ، وَتَكُونُ مَعَنَا فِي السَّنَامِ الْأَعْلى‏».

قَالَ‏ (2) الشَّيْخُ: كَيْفَ قُلْتَ يَا أَبَا جَعْفَرٍ؟

فَأَعَادَ (عليه السلام) عَلَيْهِ الْكَلَامَ، فَقَالَ الشَّيْخُ: اللَّهُ أَكْبَرُ يَا أَبَا جَعْفَرٍ، إِنْ أَنَا مِتُّ أَرِدُ عَلى‏ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله) وَعَلى‏ عَلِيٍّ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عليهم السلام)، وَتَقَرُّ عَيْنِي، وَيَثْلَجُ قَلْبِي، وَيَبْرُدُ فُؤَادِي، وَأُسْتَقْبَلُ بِالرَّوْحِ وَالرَّيْحَانِ مَعَ الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ، لَوْ قَدْ بَلَغَتْ نَفْسِي [إِلى‏] هَاهُنَا، وَإِنْ أَعِشْ أَرى‏ مَا يُقِرُّ اللَّهُ بِهِ عَيْنِي، فَأَكُونُ مَعَكُمْ فِي السَّنَامِ الْأَعْلى‏؟!

ثُمَّ أَقْبَلَ الشَّيْخُ يَنْتَحِبُ، يَنْشِجُ هَا هَا هَا، حَتّى‏ لَصِقَ بِالْأَرْضِ، وَأَقْبَلَ أَهْلُ الْبَيْتِ يَنْتَحِبُونَ، [وَ] يَنْشِجُونَ لِمَا يَرَوْنَ مِنْ حَالِ الشَّيْخِ.

وَأَقْبَلَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَمْسَحُ بِإِصْبَعِهِ الدُّمُوعَ مِنْ حَمَالِيقِ عَيْنَيْهِ وَيَنْفُضُهَا، ثُمَّ رَفَعَ الشَّيْخُ رَأْسَهُ،

____________

(1). في الطبعة القديمة:+ « [اللَّه‏]».

(2). في الطبعة القديمة وبعض نسخ الكافي: «فقال».

32

فَقَالَ لِابِي جَعْفَرٍ (عليه السلام): يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، نَاوِلْنِي يَدَكَ جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ. فَنَاوَلَهُ يَدَهُ، فَقَبَّلَهَا، وَوَضَعَهَا عَلى‏ عَيْنَيْهِ وَخَدِّهِ، ثُمَّ حَسَرَ عَنْ بَطْنِهِ وَصَدْرِهِ، [فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى‏ بَطْنِهِ وَصَدْرِهِ‏] (1) ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ.

وَأَقْبَلَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَنْظُرُ فِي قَفَاهُ وَهُوَ مُدْبِرٌ، ثُمَّ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ عَلَى الْقَوْمِ، فَقَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلى‏ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلى‏ هذَا».

فَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ: لَمْ أَرَ مَأْتَماً قَطُّ يُشْبِهُ ذلِكَ الْمَجْلِسَ.

شرح‏

السند ضعيف.

قوله: (والبيت غاصّ بأهله)؛ في القاموس: «منزل غاصّ بالقوم: ممتلئ». (2)

و قوله: (يتوكّأ) أي يتّكئ.

(على عَنَزَة له)؛ هي بالتحريك: رُمَيح بين العصا، والرمح فيه زُجّ، وهو الحديدة التي في أسفل الرمح.

و قوله: (السلام عليك يابن رسول اللَّه) إلى‏ قوله: (ورَدّوا (عليه السلام)).

قيل: فيه شي‏ء من الآداب؛ إذ دلّ على أنّه ينبغي أن يسلّم الداخل على جماعة أوّلًا على أفضلهم، ويخاطبه بخطاب شريف، وأن يضمّ مع السلام الرحمة والبركة، ويصبر حتّى يسمع الجواب، ويسلّم على الحاضرين بإسقاط الضميمة. (3)

و قوله: (أدنني منك)؛ في القاموس: «أدناه: قرّبه». (4)

و قوله: (لوتَر).

قال الفيروزآبادي: «الوِتر، بالكسر ويُفتح: الذَّحل، أو الظُّلم فيه» (5).

وقال: «الذَّحْل: الثأر، أو طلب مكافأة بجناية جنيت عليك، أو عداوة اتيت إليك، أو هو العداوة والحِقد». (6)

____________

(1). في الطبعة القديمة:- «فوضع يده على بطنه وصدره».

(2). القاموس المحيط، ج 2، ص 310 (غصص).

(3). قاله المحقّق المازندراني (رحمه الله) في شرحه، ج 11، ص 415.

(4). القاموس المحيط، ج 4، ص 329 (دنو).

(5). القاموس المحيط، ج 2، ص 152 (وتر).

(6). القاموس المحيط، ج 3، ص 379 (ذحل).

33

و قوله: (وأنتظر أمركم)؛ يعني ظهور دولة الحقّ.

(فهل تَرجو لي) المغفرة والرحمة ونجاة الآخرة وأمثالها ممّا يصلح أن يكون متعلّق الرجاء هنا ومفعوله.

ويفهم منه أنّه مع ما ذكر خائف من التقصير فيه، وذلك من كمال الإيمان.

و قوله: (إليّ، إليّ) متعلّق بمحذوف من نحو: «ادنُ»، أو «أَقبِل»، أو «تحوّل». والتكرير للمبالغة، وتنشيط المخاطب.

و قوله: (ويثلَج قلبُك، ويبرد فؤادك).

قال الفيروزآبادي: «ثَلَجَتْ نفسي- كنصر وفرح- ثلوجاً وثَلجاً: اطمأنّت». (1) وقال: «عيش بارد؛ أي هَني‏ء». (2) وقال الجوهري: «البرد: نقيض الحرّ، والبرودة: نقيض الحرارة. وقد بَرُد الشي‏ء- بالضمّ- وبَرَدْتُهُ أنا، وبرّدته تبريداً. ولا يقال: أبردته إلّافي لغةٍ رديّة» انتهى. (3) وبرودة القلب هنا كناية عن سكون حرقته، وزوال حزنه وغيظه.

(وتقرّ عينُك).

قال الجوهري: «قرّت عينه تَقِرّ، وهو نقيض سَخُنَتْ عينه. وأقرّ اللَّه عينه: أعطاه حتّى تقرّ، فلا تطمح إلى مَن هو فوقه» (4) انتهى.

وقرّه كناية عن السرور، والأصل فيها أنّ دمعة الحزن حارّة، ودمعة السرور باردة.

و قوله: (وتُستقبل) عملًا لبناء للمفعول.

و قوله: (نفسُك) بسكون الفاء، أو فتحها. والأوّل في أمثال هذا المقام أشهر وأنسب.

و قوله: (ترى ما يُقرّ اللَّه به عينك)؛ يعني فخر في زمن ظهور دولتهم (عليهم السلام).

وقوله (عليه السلام): (في السنام الأعلى).

قال في النهاية: «سنام كلّ شي‏ء: أعلاه». (5)

____________

(1). القاموس المحيط، ج 1، ص 181 (ثلج).

(2). القاموس المحيط، ج 1، ص 277 (برد).

(3). الصحاح، ج 2، ص 445 (برد).

(4). الصحاح، ج 2، ص 790 (قرر).

(5). النهاية، ج 2، ص 409 (سنم).

34

ولعلّ المراد هاهنا أعلى درجات الجنان. (1) وقيل: استعار لفظ «السنام» لأشرف مرتبة من مراتب الإنسانيّة، وأرفع درجة من درجات الكرامة الربّانيّة، ثمّ وصفها بالأعلى ترشيحاً لها وتصريحاً بعلوّها. (2)

و قوله: (كيف قلتَ).

ليس السؤال محمولًا على ظاهره، وهو الاستفهام، بل للتشوّق بسماعه ثانياً.

و قوله: (اسْتَقْبَلُ) على صيغة المتكلّم المجهول.

و قوله: (ينتحب، ينشِج).

في بعض النسخ: «وينشج» بالواو. وفي بعضها: «ينتحب ينشج».

وعلى نسخة الأصل «ينشج» حال من فاعل «ينتحب». قال الجزري: «النحيب والنحب والانتحاب: البُكاء بصوت طويل». (3) وقال: «النشيج: صوت معه توجّع وبكاء، كما يردّد الصبيّ بكاءه في صدره. وقد نشج يَنشج نشيجاً». (4)

و قوله: (ها ها ها) حكاية عن صوت البكاء.

و قوله: (حَماليق عينيه).

الظاهر أنّ الضمير راجع إلى الشيخ.

في القاموس:

حملاق العين، بالكسر والضمّ، وكعصفور: باطن أجفانها الذي يسوّد بالكحلة، أو ما غطّته الأجفان من بياض المقلة، أو باطن الجفن الأحمر الذي إذا قلب للكحل بدت حمرته، أو ما لزق بالعين من موضع الكحل من باطن. والجمع: الحماليق. (5) (ويَنفُضُها).

الضمير للدموع. يُقال: نفض الثوب وغيره: حرّكه، لينتفض، ويذهب ما فيه من الغبار ونحوه.

____________

(1). كما قاله العلّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول، ج 25، ص 177.

(2). قاله المحقّق المازندراني (رحمه الله) في شرحه، ج 11، ص 417.

(3). النهاية، ج 5، ص 27 (نحب).

(4). النهاية، ج 5، ص 53 (نشج).

(5). القاموس المحيط،، ج 3، ص 224 (حملق).

35

والظاهر أنّ الضمائر في‏ قوله: (ثمّ حسر) إلى‏ قوله: (وصدره) للشيخ، إلّاالبارز في «يده»؛ فإنّه راجع إلى أبي جعفر (عليه السلام).

وفيه احتمالان آخران؛ يُقال: حسر كمّه عن ذراعيه، كنصر وضرب؛ أي كشفه، يعني كشف الشيخ الثوب عن بطنه وصدره، ووضع يد أبي جعفر (عليه السلام) عليهما للتيمّن والتبرّك والتشرّف والتخلّص من وسوسة الشيطان وعقوبة النيران. (1)

و قوله: (ثمّ قام، فقال: السلام عليكم).

قيل: دلَّ على أنّه ينبغي للخارج من المجلس أن يسلّم على أهله جميعاً (2). وفيه تأمّل.

و قوله: (لم أرَ مَأتماً) إلى آخره؛ يعني من أجل كثرة البكاء.

في القاموس: «المأتَم، كمقعد: كلّ مجتمع في حزن أو فرح، أو خاصّ بالنساء، أو بالشوابّ». (3) وقال الجوهري: «المأتم عند العرب: النساء يجتمعن في الخير والشرّ. والجمع: المآتم.

وعند العامّة: المصيبة. تقول: كنّا في مأتم فلان». (4) الحديث الواحد والثلاثون‏

متن الحديث الواحد والثلاثين‏

عَنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏ (5)، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ:

«كَانَ رَجُلٌ يَبِيعُ الزَّيْتَ، وَكَانَ يُحِبُّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله) حُبّاً شَدِيداً، كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَذْهَبَ فِي حَاجَتِهِ لَمْ يَمْضِ حَتّى‏ يَنْظُرَ إِلى‏ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله)، قَدْ (6) عُرِفَ ذلِكَ مِنْهُ، فَإِذَا جَاءَ تَطَاوَلَ لَهُ حَتّى‏ يَنْظُرَ إِلَيْهِ حَتّى‏ إِذَا كَانَ ذَاتُ يَوْمٍ دَخَلَ عَلَيْهِ، فَتَطَاوَلَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله) حَتّى‏ نَظَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ مَضى‏ فِي حَاجَتِهِ، فَلَمْ يَكُنْ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ رَجَعَ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله) قَدْ فَعَلَ ذلِكَ، أَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ: اجْلِسْ، فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ،

____________

(1). قاله العلّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول، ج 25، ص 178.

(2). قاله المحقّق المازندراني (رحمه الله) في شرحه، ج 11، ص 417.

(3). القاموس المحيط،، ج 4، ص 72 (أتم).

(4). الصحاح، ج 5، ص 1857 (أتم).

(5). في الوافي: «أحمد بن محمّد، عن ابن عيسي» بدل «أحمد بن محمّد بن عيسى».

(6). هكذا في النسخة وبعض نسخ الكافي والوافي. وفي الطبعتين وأكثر نسخ الكافي: «وقد».

36

فَقَالَ: مَا لَكَ فَعَلْتَ الْيَوْمَ شَيْئاً لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ قَبْلَ ذلِكَ؟

فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيّاً، لَغَشِيَ قَلْبِي شَيْ‏ءٌ مِنْ ذِكْرِكَ حَتّى‏ مَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَمْضِيَ فِي حَاجَتِي، حَتّى‏ رَجَعْتُ إِلَيْكَ، فَدَعَا لَهُ، وَقَالَ لَهُ خَيْراً، ثُمَّ مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله) أَيَّاماً لَايَرَاهُ، فَلَمَّا فَقَدَهُ سَأَلَ عَنْهُ.

فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا رَأَيْنَاهُ مُنْذُ أَيَّامٍ، فَانْتَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله)، وَانْتَعَلَ مَعَهُ أَصْحَابُهُ، وَانْطَلَقَ حَتّى‏ أَتى‏ (1) سُوقَ الزَّيْتِ، فَإِذَا دُكَّانُ الرَّجُلِ لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ، فَسَأَلَ عَنْهُ جِيرَتَهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَاتَ، وَلَقَدْ كَانَ عِنْدَنَا أَمِيناً صَدُوقاً إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ فِيهِ خَصْلَةٌ. قَالَ: وَمَا هِيَ؟

قَالُوا: كَانَ يَرْهَقُ يَعْنُونَ يَتْبَعُ النِّسَاءَ.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله): (رحمه الله)، وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ يُحِبُّنِي حُبّاً لَوْ كَانَ نَخَّاساً لَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ».

شرح‏

السند مرسل.

قوله: (قد عُرف ذلك منه) أي صار ذلك منه معروفاً بين الناس.

هذا إن قرئ «عرف» على بناء المفعول. وإن قرئ على بناء الفاعل، فمعناه: عرف رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) ذلك منه في ذهابه ومجيئه.

(فإذا جاء تطاول له لينظر (2) إليه).

يُقال: تطاول واستطال، إذا ارتفع ومدَّ عنقه لينظر إلى شي‏ء بعيد، وبينه وبينه حائل.

والظاهر أنّ المستتر في «جاء» و «تطاول» راجع إلى الرجل، والبارز في «له» إلى رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله). ويحتمل العكس؛ أي كان إذا جاء هذا الرجل تطاول رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، ومدَّ عنقه من بين الناس ليراه الرجل. والثاني أنسب ب قوله: (حتّى إذا كان ذات يوم) إلى آخره.

و قوله: (لغشي قلبي شي‏ءٌ من ذكرك) أي من تذكّر لك وغلبة محبّتك.

قال الجوهري: «غشيه غشياناً، أي جاءه». (3)

____________

(1). في الطبعة القديمة: «أتوا». وفي حاشية النسخة عن بعض نسخ الكافي: «انتهى».

(2). في المتن الذي نقله الشارح (رحمه الله) سابقاً: «حتّى ينظر».

(3). الصحاح، ج 6، ص 2447 (غشا).

37

والانتعال: لبس النعال.

والدُكّان، كرمّان: بناء يسطّح أعلاه للمقعد.

والجيرة، بالكسر: جمع الجار، وهو المجاور والشريك في التجارة.

وفي القاموس:

رهقه، كفرح: غشيه، ولحقه، أو دنا منه سواء أخذه أو لم يأخذه. والرهق، محرّكة:

السفه، والنوك، (1) والخفّة، وركوب الشرّ، والظلم، وغشيان المحارم، واسم من الإرهاق- وهو أن يحمل الإنسان ما لا يطيقه- والكذب، والعجلة. رهق، كفرح في الكلّ، وكمعظّم: الموصوف بالرهق، ومَنْ يظنّ به السوء. انتهى. (2) ولمجي‏ء الرهق بهذه المعاني بيّن (عليه السلام) ما هو المقصود منه هنا ب قوله: (يعنون) أي يقصدون بقولهم: يرهق.

(يتبع النساء).

في القاموس: «تبعه- كفرح- تبعاً وتباعة: مشى خلفه، ومرَّ به فمضى معه. وتِبْعُ المرأة، بالكسر: عاشقها، وتابِعُها، وأتبعتهم: تبعتهم، وذلك إذا كانوا سبقوك فلحقتهم» (3) انتهى.

قيل: المراد هنا أنّه كان مائلًا إلى ملامستهنّ، ولا يلزم أن يكون ذلك على وجه الحرام مع احتماله. (4) ويفهم من قوله (صلى الله عليه و آله): (لو كان نخّاساً لغفر اللَّه له) ذمّ عظيم للنخّاس، وهو بيّاع الدوابّ والرقيق.

وقد وردت في ذمّه روايات اخر، ويفهم من بعضها تخصيص الذمّ ببيّاع الرقيق فقط، وأنّه قاسي القلب لا يبالي بالتدليس وبيع الأحرار.

وقد روي عن الباقر (عليه السلام) أنّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) قال: «إنّ شرّ الناس مَن باع الناس». (5)

____________

(1). في الحاشية: «النوك، بالضمّ والفتح: الحمق. القاموس». القاموس المحيط، ج 3، ص 322 (نوك).

(2). القاموس المحيط، ج 3، ص 239 (رهق) مع تلخيص.

(3). القاموس المحيط، ج 3، ص 9 (تبع) مع التلخيص.

(4). قاله المحقّق المازندراني (رحمه الله) في شرحه، ج 11، ص 418.

(5). الكافي، ج 5، ص 114، ح 4؛ التهذيب، ج 6، ص 362، ح 1037؛ الاستبصار، ج 3، ص 63، ح 208؛ علل الشرائع، ج 2، ص 530، ح 1.

38

الحديث الثاني والثلاثون‏

متن الحديث الثاني والثلاثين‏

عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسى‏، عَنْ مُيَسِّرٍ، قَالَ:

دَخَلْتُ عَلى‏ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، فَقَالَ: «كَيْفَ أَصْحَابُكَ؟».

فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، لَنَحْنُ عِنْدَهُمْ أَشَرُّ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارى‏ وَالْمَجُوسِ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا.

قَالَ: وَكَانَ مُتَّكِئاً، فَاسْتَوَى جَالِساً، ثُمَّ قَالَ: «كَيْفَ قُلْتَ؟».

قَالَ: (1) قُلْتُ: وَاللَّهِ لَنَحْنُ عِنْدَهُمْ أَشَرُّ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارى‏ وَالْمَجُوسِ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا.

فَقَالَ: «أَمَا وَاللَّهِ، لَايَدْخُلُ‏ (2) النَّارَ مِنْكُمُ اثْنَانِ، لَاوَاللَّهِ وَلَا وَاحِدٌ، وَاللَّهِ إِنَّكُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «وَ قالُوا ما لَنا لا نَرى‏ رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ* أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ* إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ»». (3)

ثُمَّ قَالَ: «طَلَبُوكُمْ وَاللَّهِ فِي النَّارِ، (4) فَمَا وَجَدُوا مِنْكُمْ أَحَداً».

شرح‏

السند موثّق على المشهور، إن كان ميسّر ابنَ عبد العزيز الثقة (5)، كما هو الظاهر، وإلّا فمجهول. قوله (عليه السلام): (كيف قلتَ)؛ سؤال على سبيل التعجّب والاستبعاد. وقوله تعالى: «وَ قالُوا ما لَنا لا نَرى‏ رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ» الآية. مرّ تفسيره في خبر أبي بصير في الحديث السادس.

وقوله تعالى: «إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ». قال البيضاوي: «أي الذي حكيناه عنهم‏ «لَحَقٌّ» لابدّ أن يتكلّموا به، ثمّ بيّن ما هو، فقال:

«تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ» وهو بدلٌ من‏ «لَحَقٌّ»، أو خبر محذوف، وقرئ «تخاصم» بالنصب‏

____________

(1). في الطبعتين للكافي وجميع النسخ التي قوبلت في الطبعة الجديدة:-/ «قال».

(2). في الطبعة القديمة: «لا تدخل».

(3). ص (38): 62-/ 64.

(4). في النسخة:+/ «واللَّه» مرمّز ب «خ».

(5). انظر: رجال الطوسي، ص 309، الرقم 4572؛ رجال الكشّي، ص 244، ح 446؛ رجال العلّامة، ص 171، الرقم 11.

39

على البدل من ذلك». (1)

متن الحديث الثالث والثلاثين (وصيّة النبيّ (صلى الله عليه و آله) لأمير المؤمنين (عليه السلام))

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى‏، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ: «كَانَ فِي وَصِيَّةِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه و آله) لِعَلِيٍّ (عليه السلام) أَنْ قَالَ: يَا عَلِيُّ، أُوصِيكَ فِي نَفْسِكَ بِخِصَالٍ، احْفَظْهَا (2) عَنِّي- ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَعِنْهُ- أَمَّا الْأُولى‏ فَالصِّدْقُ، وَلَا تَخْرُجَنَّ مِنْ فِيكَ كَذِبَةٌ أَبَداً. وَالثَّانِيَةُ الْوَرَعُ، وَلَا تَجْتَرِئْ عَلى‏ خِيَانَةٍ (3) أَبَداً. وَالثَّالِثَةُ الْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ، كَأَنَّكَ تَرَاهُ. وَالرَّابِعَةُ كَثْرَةُ الْبُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، يُبْنى‏ لَكَ بِكُلِّ دَمْعَةٍ أَلْفُ بَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ. وَالْخَامِسَةُ بَذْلُكَ مَالَكَ وَدَمَكَ دُونَ دِينِكَ. وَالسَّادِسَةُ الْأَخْذُ بِسُنَّتِي فِي صَلَاتِي وَصَوْمِي وَصَدَقَتِي. أَمَّا الصَّلَاةُ فَالْخَمْسُونَ رَكْعَةً، وَأَمَّا الصِّيَامُ فَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فِي الشَّهْرِ: الْخَمِيسُ فِي أَوَّلِهِ، وَالْأَرْبِعَاءُ فِي وَسَطِهِ، وَالْخَمِيسُ فِي آخِرِهِ. وَأَمَّا الصَّدَقَةُ فَجُهْدَكَ حَتّى‏ تَقُولَ: قَدْ أَسْرَفْتُ وَلَمْ تُسْرِفْ. وَعَلَيْكَ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ، (4) وَعَلَيْكَ بِصَلَاةِ الزَّوَالِ، وَعَلَيْكَ بِصَلَاةِ الزَّوَالِ، وَعَلَيْكَ بِصَلَاةِ الزَّوَالِ، وَعَلَيْكَ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ عَلى‏ كُلِّ حَالٍ، وَعَلَيْكَ بِرَفْعِ يَدَيْكَ فِي صَلَاتِكَ وَتَقْلِيبِهِمَا، وَعَلَيْكَ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ، وَعَلَيْكَ بِمَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ فَارْكَبْهَا، وَمَسَاوِي الْأَخْلَاقِ فَاجْتَنِبْهَا، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَلَا تَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَكَ».

شرح‏

السند صحيح. قوله: (في نفسك)؛ يعني أنّ الخصال الآتية متعلّقة بامور تختصّ بنفسك، لا بمعاشرة

____________

(1). تفسير البيضاوي، ج 5، ص 53.

(2). في الطبعة القديمة وحاشية النسخة: «فاحفظها».

(3). في الحاشية عن بعض النسخ: «جناية».

(4). في الحاشية عن بعض النسخ والتهذيب: «وعليك بصلاة الليل» ثلاث مرّات.

40

الناس. وقوله: (دونَ دينك) أي عند حفظ دينك وصيانته من التضييع، أو عند تحصيله. ويحتمل كون «دون» بمعنى سوى. وقوله: (فجُهدك) أي فاجهد جهدك، وأبلغ غايتك، أو بقدر جهدك وطاقتك. والجهد على الأوّل بالفتح والنصب، وعلى الثاني بالضمّ والرفع بحذف المبتدأ أو الخبر. وقوله: (ثلاثة أيّام في الشهر)؛ قال الشهيد (رحمه الله) في الدروس: يتأكّد أوّل خميس في العشر الأوّل، وأوّل أربعاء في العشر الثاني، وآخر خميس في العشر الأخير. وروي: «خميس بين أربعاءين، ثمّ أربعاء بين خميسين» (1)، كقول ابن الجنيد (2).

وروي: «مطلق الخميس والأربعاء في الأعشار الثلاثة»، كقول أبي الصلاح‏ (3). (4) وقال ابن الطاووس (رحمه الله) في الدروع الواقية: اعلم أنّ الظاهر من عمل أصحابنا أنّه أربعاء بين خميسين، غير أنّ الشيخ الطوسي (رحمه الله) روى في تهذيبه عن أبي بصير، قال: سألت الصادق (عليه السلام) عن صوم ثلاثة أيّام في الشهر، فقال: «في كلّ عشرة أيّام يوماً: خميس وأربعاء وخميس، والشهر الذي يأتي أربعاء وخميس وأربعاء». (5) فعلم من ذلك أنّ الإنسان مخيّر بين أن يصوم أربعاء بين خميسين، أو خميساً بين أربعاءين، فعلى أيّهما عمل فليس عليه شي‏ء، والذي يدلّ على ذلك ما ذكره إسماعيل بن داود، قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن الصيام، فقال: «ثلاثة أيّام في الشهر:

الأربعاء، والخميس، والجمعة». فقلت: إنّ أصحابنا يصومون الأربعاء بين خميسين؟ فقال: «لا بأس بذلك، ولا بأس بخميس بين أربعاءين» (6). (7) ثمّ قال: الفصل الحادي عشر فيما نذكره من الرواية بأنّه إذا اتّفق خميسان في أوّله،

____________

(1). انظر: وسائل الشيعة، ج 7، ص 313.

(2). انظر: مختلف الشيعة، ج 1، ص 238.

(3). انظر: الكافي في الفقه، ص 180.

(4). الدروس الشرعيّة، ج 1، ص 280 و 281.

(5). التهذيب، ج 4، ص 303، ح 917.

(6). التهذيب، ج 4، ص 304، ح 918.

(7). الدروع الواقية، ص 59 و 60 (مع تلخيص واختلاف يسير).

41

وأربعاءان في وسطه، وخميسان في آخره، أنّ صوم الأوّل منهما أفضل. فعن الصادق (عليه السلام): «إذا كان أوّل الشهر خميسين، فصوم آخرهما أفضل؛ وإذا كان وسط الشهر أربعاءين، فصوم آخرهما أفضل». (1) ثمّ قال: ولعلّ المراد بذلك أنّ من فاته [صوم‏] الخميس الأوّل أو الأربعاء الأوّل، فإنّ الآخر منهما أفضل من تركهما؛ لأنّه لو لا هذا الحديث لربّما اعتقد الإنسان أنّه إذا فاته الأوّل منهما ترك صوم الآخر، وأمّا اتّفاق خميسين في آخره، فقد روى ابن بابويه في كتاب من لايحضره الفقيه أنّ العالم (عليه السلام) سُئِلَ عن خميسين يتّفقان في آخر العشر، فقال (عليه السلام): « [صم‏] الأوّل منهما، فلعلّك لا تلحق الثاني». (2) ثمّ قال: أقول: هذان الحديثان يحتمل أنّهما لا يتنافيان، وذلك أنّه إذا كان يوم الثلاثين من الشهر يوم الخميس، وفيه خميس آخر في العشر، فينبغي أن يصوم الخميس الأوّل منهما؛ لجواز أن يهلّ الشهر ناقصاً، فيذهب منه صوم يوم الخميس الثلاثين، بخلاف ما إذا كان يوم الخميس الآخر يوم التاسع والعشرين من الشهر، وقبله خميس آخر في العشر؛ فإنّ الأفضل هاهنا صوم الخميس الذي هو التاسع والعشرين؛ لأنّه لا يخاف فواته على اليقين. (3) (وعليك بصلاة الزوال) أي نافلته على الظاهر (4)، مع احتمال الفريضة حينئذٍ نظير قوله تعالى: «وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى‏» (5) على قول. وقوله: (برفع يديك) أي في التكبيرات. وقوله: (وتقليبهما). لعلّ المراد ردّهما بعد الرفع، أو تقليبهما في أحوال الصلاة بأن يضعهما في كلّ حال على ما

____________

(1). نقله العلّامة المجلسي (رحمه الله) في بحار الأنوار، ج 97، ص 105، ح 41 عن كتاب النوادر لجعفر بن مالك الفزاري، عن أحمد بن ميثم، عن زياد القندي، عن عبداللَّه بن سنان، عن الإمام الصادق (عليه السلام).

(2). الفقيه، ج 2، ص 51، ح 223. وعنه في بحار الأنوار، ج 97، ص 105، ذيل ح 41.

(3). الدروع الواقية، ص 61-/ 63 (مع التلخيص واختلاف يسير).

(4). واستظهره أيضاً العلّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول، ج 25، ص 180.

(5). البقرة (2): 283.

42

ينبغي أن تكونا عليه، أو رفعهما في القنوت، وجعل بطونهما إلى السماء بالتضرّع والابتهال. وقوله (صلى الله عليه و آله): (عند كلّ وضوء). لعلّ التخصيص للإشعار بتأكّده في الوضوء، أو بكونه من مستحبّاته.

متن الحديث الرابع والثلاثين‏

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ‏ (1)، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ (عليهما السلام)، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله): حَسَبُ الْمَرْءِ دِينُهُ وَعَقْلُهُ وَمُرُوءَتُهُ‏ (2) وَشَرَفُهُ وَجَمَالُهُ وَكَرَمُهُ تَقْوَاهُ».

شرح‏

السند ضعيف. قوله: (حسبُ المرء دينُه). قال الجوهري: «الحَسَب: ما يعدّه الإنسان من مفاخر آبائه، ويقال: حسبه دينه. ويُقال:

ماله». (3) (وعقله ومُروءته). في بعض النسخ: «ومروءته وعقله». والمُروءة- مهموز بعد الميم والراء-: الإنسانيّة.

واشتقاقه من المرء، وقد يخفّف بالقلب والإدغام؛ أي شرف المرء إنّما هو بالدِّين وكماله، لا بمفاخر آبائه وشرف أجداده.

(وجماله) أي حسنه وبهجته بالعقل والإنسانيّة والشرافة؛ أي العلوّ والمجد في الدِّين. (4) (وكرمُهُ) أي كونه كريماً شريفاً مكرّماً عند اللَّه وعند الناس‏ (تقواه) وورعه عن محارم اللَّه عزّ وجلّ.

____________

(1). في الطبعة القديمة وبعض نسخ الكافي:+/ «بن محمّد بن عليّ بن عبداللَّه بن جعفر الطيّار».

(2). في الطبعتين للكافي: «ومروءته وعقله». وفي بعض نسخ الكافي:+/ «ومروءته عقله».

(3). الصحاح، ج 1، ص 110 (حسب).

(4). قال المحقّق الفيض (رحمه الله) في الوافي، ج 4، ص 305، ح 1984: «اريد بالجمال الزينة الظاهرة من الأخلاق الحسنة والأطوار المستحسنة».

43

وقال بعض الشارحين في شرح هذا الكلام: أي من له اعتقاد بالدِّين، ومروّة داعية لرعاية حقوق المؤمنين، وعقل مُدرك لما ثبت في الشرع من القوانين، وجمال؛ أي حسن ظاهر بالأعمال الصالحة، وحسن باطن بالأخلاق الفاضلة، وتقوى من اللَّه داعية إلى اجتناب المنهيّات، والسبق إلى الخيرات، فهو حسيب نجيب شريف كريم، ومن لم يكن له هذه الخصال وإن كان ذا حسب بالآباء والجاه والمال فهو خسيس دني‏ء لئيم؛ فربّ عبدٍ حبشيٍّ خيرٌ من حُرٍّ هاشميّ قرشيّ. (1) هذا كلامه، فتأمّل. الحديث الخامس والثلاثون‏

متن الحديث الخامس والثلاثين‏

عَنْهُمْ، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُقْبَةَ وَثَعْلَبَةَ بْنِ مَيْمُونٍ وَغَالِبِ بْنِ عُثْمَانَ وَهَارُونَ بْنِ مُسْلِمٍ‏ (2)، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي فُسْطَاطٍ لَهُ بِمِنًى، فَنَظَرَ إِلى‏ زِيَادٍ الْأَسْوَدِ مُنْقَطِعَ الرِّجْلَيْنِ‏ (3)، فَرَثى‏ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: «مَا لِرِجْلَيْكَ هكَذَا؟». قَالَ: جِئْتُ عَلى‏ بَكْرٍ لِي نِضْوٍ، فَكُنْتُ أَمْشِي عَنْهُ عَامَّةَ الطَّرِيقِ، فَرَثى‏ لَهُ، وَقَالَ لَهُ عِنْدَ ذلِكَ زِيَادٌ:

إِنِّي أُلِمُّ بِالذُّنُوبِ حَتّى‏ إِذَا ظَنَنْتُ أَنِّي قَدْ هَلَكْتُ، ذَكَرْتُ حُبَّكُمْ، فَرَجَوْتُ النَّجَاةَ، وَتَجَلّى‏ عَنِّي. فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): «وَهَلِ الدِّينُ إِلَّا الْحُبُّ؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالى‏: «حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ» (4)، وَقَالَ: «إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» (5)، وَقَالَ: «يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ» (6)، إِنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ (صلى الله عليه و آله)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُحِبُّ الْمُصَلِّينَ وَلَا أُصَلِّي، وَأُحِبُّ الصَّوَّامِينَ‏

____________

(1). قاله المحقّق المازندراني (رحمه الله) في شرحه، ج 11، ص 420.

(2). لم نجد مع الفحص الأكيد غير هنا رواية الحسن بن عليّ بن فضّال عن هارون بن مسلم، ولا رواية هارون عن بريد بن معاوية، واحتملنا التحريف في اسم هذا الرجل من ناحية النسّاخ، والمظنون أنّ الصحيح هو: «مروان بن مسلم»، وهو يروي عن بريد، ويروي عنه الحسن، كما تشاهد روايته عن بريد في الكافي، ج 1، ص 177، ح 4؛ ورواية الحسن عنه في: ج 2، ص 224، ح 9؛ وج 3، ص 557، ح 3؛ وج 3، ص 563، ح 1؛ وغيرها.

(3). في الطبعة القديمة وحاشية النسخة: «منقلع الرجل».

(4). الحجرات (49): 7.

(5). آل عمران (3): 31.

(6). الحشر (59): 9.

44

وَلَا أَصُومُ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله): أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلَكَ مَا اكْتَسَبْتَ. وَقَالَ: مَا تَبْغُونَ وَمَا تُرِيدُونَ، أَمَا إِنَّهَا لَوْ كَانَتْ‏ (1) فَزْعَةٌ مِنَ السَّمَاءِ، فَزِعَ كُلُّ قَوْمٍ إِلى‏ مَأْمَنِهِمْ، وَفَزِعْنَا إِلى‏ نَبِيِّنَا، وَفَزِعْتُمْ إِلَيْنَا».

شرح‏

السند ضعيف. قوله: (في فُسطاط)؛ هو بالضمّ: السرادق من الأبنية. وقوله: (منقطع الرجلين) بالنصب على الحاليّة من زياد. وفي بعض النسخ: «منقلع الرجلين» (2)، والمآل واحد. والمقصود أنّهما انقطعا عن العمل من كثرة المشي.

(فرثى له). في النهاية: «رثى له، إذا رقَّ وتوجّع». (3) وقوله: (على بَكر لي نِضو) بالجرّ صفة «بكر». قال الجزري: «البكر، بالفتح: الفتى من الإبل، بمنزلة الغلام من الناس، والانثى: بكرة». (4) وقال: «النضو، بالكسر: الدابّة التي أهزلتها الأسفار، وأذهبت لحمها». (5) (فكنت أمشي عنه) أي معرضاً عن ركوبه.

(عامّةَ الطريق) بتشديد الميم؛ أي تمامه، أو أكثره. وقوله: (إنّي المّ بالذنوب) إلى قوله: (وتجلّى عنّي). قال الجوهري: «الإلمام: النزول. وقد أَلمَّ به؛ أي نزل به. وألمَّ الرجل من اللمم، وهو

____________

(1). في الطبعة القديمة: «كان».

(2). كما ضبطه المحقّق الفيض (رحمه الله) في الوافي، ج 5، ص 826، ح 3096، ثمّ قال في شرحه: «أي لم تثبت قدماه على الأرض».

(3). النهاية، ج 2، ص 196 (رثى).

(4). النهاية، ج 1، ص 149 (بكر).

(5). النهاية، ج 5، ص 72 (نضو).

45

صغار الذنوب». (1) وفي القاموس: «جَلا الهمَّ عنه: أذهبه. وقد انجلى، وتجلّى». (2) وقيل: معنى «ألمَّ بالذنوب» أنزل بها، واقترفها، أو أقرب منها، وأكاد أقترفها، فذكر المحبّة على الأوّل بسبب رجاء النجاة من العقوبة، وتجلّى ظنّ الهلاك بها. وعلى الثاني سبب لرجاء النجاة من الذنوب وتجلّيها عنه. (3) وأنت خبير بما في التوجيه الثاني من البُعد، والظاهر الأوّل مع تخصيص الذنوب بالصغائر. وقوله: (وهل الدِّين إلّاالحبّ). اللّام فيه للعهد؛ يعني ليس حقيقة الدِّين إلّاالحبّ المعهود، وهو حبّنا أهل البيت، فهو أصل لثبوت الدين، فكأنّه نفسه وحقيقته. وقوله تعالى: «حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ» (4)؛ إمّا بنصب الأدلّة، أو بالتوفيق له، أو بما وعد عليه من النصر والفتح في الدنيا، والجنّة والنعيم في الاخرى. ووجه تطبيق الآية على المدّعى ما أفاده بعض الأفاضل من أنّ الدين هو الإيمان؛ أعني الإقرار باللَّه وبالرسول والأوصياء، والإيمان لا يتحقّق إلّابحبّهم بحكم الآية، فالدين لا يتحقّق إلّابحبّهم. وبعبارة اخرى: الإيمان هو الإقرار بعليّ أمير المؤمنين وأوصيائه (عليهم السلام)؛ لأنّ الإقرار بهم يستلزم الإقرار باللَّه وبرسوله، دون العكس، وهو لا يتحقّق إلّابحبّهم، والتقريب على التقديرين واضح. (5) وقال: «إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ» (6) الآية. قال الفاضل المذكور: الدِّين- وهو متابعة النبيّ (صلى الله عليه و آله) فيما جاء به، الذي أعظمه الولاية- يتوقّف على المحبّة،

____________

(1). الصحاح، ج 5، ص 2032 (لمم) مع تلخيص.

(2). القاموس المحيط، ج 4، ص 313 (جلو).

(3). قاله المحقّق المازندراني (رحمه الله) في شرحه، ج 11، ص 421.

(4). الحجرات (49): 7.

(5). قاله المحقّق المازندراني (رحمه الله) في شرحه، ج 11، ص 421.

(6). آل عمران (3): 31.

46

وثمرته المحبّة، بدليل الشرط المذكور والمقدّر، فهو محفوف بالمحبّتين: محبّة العبد له تعالى، ومحبّته تعالى له، فلا يتحقّق إلّابها، وهو المطلوب. (1) وقال: «يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إلَيْهِمْ» (2)؛ مدحهم بحبّ المهاجرين، وليس إلّابحبّهم للدين، وهو المطلوب.

وقوله: (احبّ المصلّين ولا اصلّي) إلى آخره. كأنّ المراد بالصلاة والصوم النافلة، وفي إرادة العموم على ما هو الظاهر إشكال، ويفهم من السياق أنّ الرجل كان مؤمناً مع احتمال عدمه، وأنّ المحبّة سبب للنجاة.

وقيل: قوله: (ولك ما اكتسبتَ) إشارة إلى أنّ أعمال الخير سبب لرفع الدرجات. (3) وقال أبو جعفر (عليه السلام): (ما تَبغون) أي أيّ شي‏ءٍ تطلبون أيّها الشيعة.

(وما تُريدون) بعد حصول ما هو أصل السعادة الأبديّة، والنجاة الاخرويّة لكم. وقوله: (فَزْعَة) بالضمّ، أو بالفتح. قال الفيروزآبادي: «الفزعة: الذُّعر، والفَرَق. وفزع إليه، كفرَح: لجأ. وفُزَعة، كهُمزَة: من يفزع منهم. وبالضمّ: من يفزع منه». (4) وأقول: لعلّ المراد هنا ما يكون منشأ للفزع والخوف مطلقاً، كالصور وأمثاله.

متن الحديث السادس والثلاثين‏

سَهْلٌ‏ (5)، عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُقْبَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ صَارَتْ فِرْقَةٌ مُرْجِئَةً، وَصَارَتْ فِرْقَةٌ حَرُورِيَّةً، وَصَارَتْ فِرْقَةٌ قَدَرِيَّةً، وَسُمِّيتُمُ التُّرَابِيَّةَ وَشِيعَةَ عَلِيٍّ، أَمَا وَاللَّهِ، مَا هُوَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَاشَرِيكَ لَهُ، وَرَسُولُهُ (صلى الله عليه و آله) وَآلُ رَسُولِ اللَّهِ (عليهم السلام) وَشِيعَةُ آلِ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله)، وَمَا النَّاسُ إِلَّا هُمْ، كَانَ عَلِيٌّ (عليه السلام) أَفْضَلَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله)، وَأَوْلَى النَّاسِ بِالنَّاسِ». حَتّى‏ قَالَهَا ثَلَاثاً.

شرح‏

____________

(1). شرح المازندراني، ج 11، ص 421.

(2). الحشر (59): 9.

(3). قاله المحقّق المازندراني (رحمه الله) في شرحه، ج 11، ص 421.

(4). القاموس المحيط، ج 3، ص 63 (فزع) مع التلخيص.

(5). السند معلّق على سابقه.

47

السند ضعيف.

قوله (عليه السلام): (الحمد للَّه) إلى آخره؛ حمد اللَّه لوجود الفرقة الناجية الآتية، لا بوجود الفرق الهالكة.

قال الجزري:

المرجئة: فرقة من فِرَق الإسلام يعتقدون أنّه لا يضرّ مع الإيمان معصية، كما [أنّه‏] لا ينفع مع الكفر طاعة. سُمّوا مرجئة؛ لاعتقادهم أنّ اللَّه تعالى أرجأ تعذيبهم على المعاصي؛ أي أخّره عنهم. والمرجئة تهمز ولا تهمز، وكلاهما بمعنى واحد (1). (2) وقال صاحب الملل والنحل:

المرجئة كما يطلق على طائفة يؤخّرون العمل عن النيّة والعقد، وعلى طائفة يؤخّرون حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة، ولا يقضون عليه بحكم ما في الدنيا، وهم والوعيديّة فرقتان متقابلتان، كذلك تطلق على من أخّر عليّاً (عليه السلام) من الدرجة الاولى إلى الرابعة، وهم والشيعة فرقتان متقابلتان. انتهى. (3) والحروريّة: الخوارج؛ سمّوا بها لأنّ مبدأ اجتماعهم كان في قرية تسمّى «حروراء» بالفتح والمدّ، وقد يقصّر، وهي قرية بالكوفة.

والقدريّة: قد تطلق على المعتزلة القائلين باستقلال العباد في أفعالهم الاختياريّة، وعدم مدخليّة مشيئة اللَّه سبحانه وإرادته فيها. وقد تُطلق على الأشاعرة، وهم الجبريّة القائلين بأنّ أفعال العباد خيرها وشرّها صادرة عنه تعالى، ولا مدخليّة للعبد فيها إلّاباعتبار المحلّيّة فقط، أو الكسب؛ يعني صدور الفعل مقارناً لإرادته التي لا مدخل لها فيه، بل إذا تعلّقت قدرته بفعل بادرت القدرة الإلهيّة، فتوجده.

(وسمّيتم التُّرابيّة)؛ باعتبار انتسابكم إلى أبي تراب، وهو كنية عليّ (عليه السلام).

و قوله: (ما هو إلّااللَّه ...)؛ لعلّ الضمير راجع إلى الحقّ، أو إلى المحقّ، والعارف بالحقّ المعلوم بقرينة المقام، أو إلى من وجبت طاعته، كما قيل؛ (4) وفيه بُعْد.

و قوله: (وما الناس إلّاهُم) أي الرسول والأئمّة وشيعتهم.

____________

(1). في المصدر: «التأخير» بدل «واحد».

(2). النهاية، ج 2، ص 206 (رجا).

(3). الملل النحل، ج 1، ص 139 (مع تلخيص واختلاف يسير).

(4). قاله المحقّق المازندراني (رحمه الله) في شرحه، ج 11، ص 422.

48

وقيل: المراد بالناس هذا الهيكل مع كمال صورته الظاهرة بالأعمال الصالحة وصورته الباطنة بالعلم والإيمان والأخلاق الفاضلة، دون الهيكل فقط؛ لأنّه بدون الصورة المذكورة عند أهل الحقّ في الظاهر، كالناس المصنوع من الخشب، كما قال تعالى: «كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ» (1)، وفي الباطن كالكلب أو الحمار، كما قال: «فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ» (2)، وقال: مثلهم‏ «كَمَثَلِ الْحِمارِ» (3). (4)

و قوله: (وأولى الناس بالناس) أي بأمرهم وإمارتهم.

(حتّى قالها) أي هذه الكلمات، وهي‏ قوله: (كان عليّ أفضل الناس) إلى آخره.

الحديث السابع والثلاثون‏

متن الحديث السابع والثلاثين‏

عَنْهُ، عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبَانٍ الْكَلْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْوَاسِطِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ:

قُلْتُ لَهُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، لَقَدْ تَرَكْنَا أَسْوَاقَنَا انْتِظَاراً لِهذَا الْأَمْرِ، حَتّى‏ لَيُوشِكُ الرَّجُلُ مِنَّا أَنْ يَسْأَلَ فِي يَدِهِ، فَقَالَ: «يَا [أَبَا] عَبْدِ الْحَمِيدِ، أَ تَرى‏ مَنْ حَبَسَ نَفْسَهُ عَلَى اللَّهِ أَنْ‏ (5) لَايَجْعَلَ اللَّهُ لَهُ مَخْرَجاً؟! بَلى‏، وَاللَّهِ لَيَجْعَلَنَّ اللَّهُ لَهُ مَخْرَجاً، رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً أَحْيَا أَمْرَنَا».

قُلْتُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، إِنَّ هؤُلَاءِ الْمُرْجِئَةَ يَقُولُونَ: مَا عَلَيْنَا أَنْ نَكُونَ عَلَى الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ حَتّى‏ إِذَا جَاءَ مَا تَقُولُونَ: كُنَّا نَحْنُ وَأَنْتُمْ سَوَاءً؟

فَقَالَ: «يَا عَبْدَ الْحَمِيدِ، صَدَقُوا، مَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَمَنْ أَسَرَّ نِفَاقاً فَلَا يُرْغِمُ اللَّهُ إِلَّا بِأَنْفِهِ، وَمَنْ أَظْهَرَ أَمْرَنَا أَهْرَقَ اللَّهُ دَمَهُ، يَذْبَحُهُمُ اللَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، كَمَا يَذْبَحُ الْقَصَّابُ شَاتَهُ».

قَالَ: قُلْتُ: فَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ وَالنَّاسُ فِيهِ سَوَاءٌ؟

قَالَ: «لَا، أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ سَنَامُ الْأَرْضِ وَحُكَّامُهَا، لَايَسَعُنَا فِي دِينِنَا إِلَّا ذلِكَ».

قُلْتُ: فَإِنْ مِتُّ قَبْلَ أَنْ أُدْرِكَ الْقَائِمَ (عليه السلام)؟

____________

(1). المنافقون (63): 4.

(2). الأعراف (7): 176.

(3). الجمعة (62): 5.

(4). قاله المحقّق المازندراني (رحمه الله) في شرحه، ج 11، ص 422 و 423.

(5). في الطبعتين للكافي وجميع النسخ التي قوبلت في الطبعة الجديدة:- «أن».

49

قَالَ: «إِنَّ الْقَائِمَ‏ (1) مِنْكُمْ إِذَا قَالَ: إِنْ أَدْرَكْتُ قَائِمَ آلِ مُحَمَّدٍ نَصَرْتُهُ، كَالْمُقَارِعِ مَعَهُ بِسَيْفِهِ، وَالشَّهَادَةُ مَعَهُ شَهَادَتَانِ».

شرح‏

السند ضعيف.

قوله: (لقد تركنا أسواقنا) إلى آخره.

لمّا كان الأئمّة (عليهم السلام) أبهموا الأمر على شيعتهم لمصلحة، كانوا يرجون أن يكون ظهور دولة الحقّ والخروج بالسيف على يد غير الإمام الثاني عشر، ولا يزالون منتظرين لذلك.

وقيل: لعلّ ترك الأسواق لتهيئتهم للحرب، واشتغالهم بما يوجب ممارستهم فيها. أو لقوّة رجائهم وتقريبهم هذا الأمر، فتركوا المكاسب؛ لغفلتهم بعدم احتياجهم إليها بعد ظهور هذا الأمر، أو لاهتمامهم بطلب العلم وهداية الحقّ، وعدم اعتنائهم بالتجارة رجاءً لما ذكر. (2) وقال الفاضل الأمين:

كأنّه ناظر إلى ما نطقت به الأحاديث من أنّ اللَّه تعالى قدّر أوّلًا أن يكون ظهور الأمر على يد الصادق (عليه السلام)، ثمّ قدّر تقديراً آخر أن يكون على يد المهدي، فهذه الجماعة كانوا غافلين عن التقدير الآخر، فاشتغلوا بأخذ السلاح وتعلّم آداب الحرب وما أشبه ذلك. (3)

و قوله: (حَبَس نفسَه على اللَّه) أي على طاعته، أو حبس نفسه في الطاعة متوكّلًا على اللَّه.

ويحتمل كون «على» بمعنى اللّام؛ أي حبس للَّه‏طاعته.

ولعلّ المراد ب «هؤلاء المرجئة» مطلق من أخّر عليّاً (عليه السلام) عن غيره.

و قوله: (يقولون ما علينا) إلى‏ قوله: (صدقوا).

قيل: كأنّهم قالوا: ما نحن عليه من الاعتقاد بخلافة الثلاثة على تقدير بطلانه، كما زعمتم لا يضرّنا (إذا جاء ما تقولون) من ظهور المهديّ المنكر لخلافتهم، فإنّا إذا علمنا أنّه أيضاً ينكرها كما تنكرونها نؤمن به، ونتوب عمّا كنّا فيه، والتوبة تمحق تلك الخطيئة عنّا، وحينئذٍ

____________

(1). في كلتا الطبعتين وأكثر النسخ التي قوبلت في الطبعة الجديدة: «القائل» بدل «القائم».

(2). قاله العلّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول، ج 25، ص 183- 184.

(3). حكاه عنه المحقّق المازندراني (رحمه الله) في شرحه، ج 11، ص 423.

50

نحن وأنتم سواء في الدين وأمر الخلافة.

فأجاب (عليه السلام) بأنّهم في هذا القول صادقون؛ فإنّ‏ (من تاب) توبةً خالصة (تاب اللَّه عليه) وقبل توبته. (1) (ومَنْ أسرَّ نفاقاً) وأبطنه وأظهر الإيمان بلسانه وجوارحه.

(فلا يُرغم اللَّه إلّابأنفه).

في القاموس: «الرغم: الكُره- ويثلّث- والتراب، كالرغام، والذلّ. ورغم أنفي للَّه، مثلّثة: ذلّ عن كره. وأرغمه الذلّ، وأرغمه اللَّه: أسخطه» (2)؛ يعني من أسرّ نفاقاً أذلّه اللَّه وأسخطه في الدنيا والآخرة.

وقيل: إنّ الرغم مأخوذ من المراغمة، وهي الاضطراب والتحيّر؛ يعني جعله اللَّه مضطرباً متحيّراً أبداً. (3) (ومن أظهر أمرنا أهرق اللَّه دمه) أي من أفشى سرّنا بترك التقيّة، وأظهر التشيّع عند المخالفين، يمكّنهم اللَّه من إهراق دمه.

وهذا إمّا خبر، أو دعاء. وقيل: دعاء على مَن أظهر أسرارهم من أهل النفاق عند أعدائهم للإضرار بهم وبشيعتهم. (4) وقيل: يحتمل أن يكون المراد: من ادّعى الإمامة بغير حقّ، وخرج بغير إذن الإمام. (5) وأصل أهراق: أراق. يُقال: أراق الماء، إذا صبّه، ثمّ ابدلت الهمزة هاء، فقيل: «هراقه» بفتح الهاء، ثمّ جمع بين البدل والمبدل منه، فقيل: «أهراق».

وضمير «دمه» راجع إلى لفظ الموصول، وفي‏ قوله: (يَذبحهم اللَّه على الإسلام) راجع إليه باعتبار المعنى.

والذبح: الشقّ، والفتق، والنحر، والخنق. وفعله كمنع.

____________

(1). قاله المحقّق المازندراني (رحمه الله) في شرحه، ج 11، ص 423.

(2). القاموس المحيط، ج 4، ص 121 (رغم).

(3). راجع: شرح المازندراني، ج 11، ص 424.

(4). قاله المحقّق المازندراني (رحمه الله) في شرحه، ج 11، ص 424.

(5). قاله العلّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول، ج 25، ص 184.

51

ويحتمل أن يكون «على» للتعليل؛ أي لأجل تضييعهم حدود الإسلام، وعدم عملهم بقوانينه.

وقيل: الظاهر أنّ الظرف حال عن المفعول، وأنّ «على» للاستعلاء والاستيلاء (1)؛ أي مع كونهم داخلين على الإسلام غير خارجين منه.

وفي القاموس: «قَصَبه يقصبه: قطعه. والقصّاب: الزمّار». (2)

و قوله: (فنحن يومئذٍ والناس فيه سواء) متفرّع على قوله (عليه السلام): «صدقوا»، والضمير لليوم، والناس المخالفون الذين تابوا عند ظهور دولة الحقّ.

والمراد بالمساواة المشاركة في الدرجة والمنزلة الرفيعة عند الصاحب (عليه السلام).

و قوله: (سنام الأرض وحكّامها) كناية عن دولة الشيعة يومئذٍ، ورفعة قدرهم، ونفاذ أمرهم.

وأصل السنام- بالفتح- ما هو للإبل، ومن الأرض: وسطها، ثمّ استعمل في أعالي الشي‏ء كائناً ما كان.

(لا يسعنا في ديننا إلّاذلك) أي لا يجوز لنا في قوانين ديننا إلّاأن نفضّلكم بسبق إيمانكم على غيركم.

و قوله: (إنّ القائم منكم) أي الذي يقوم لنصرته (عليه السلام)، ويستعدّ له.

وفي بعض النسخ: «القائل منكم»، وهو الظاهر.

و قوله: (كالمُقارع) خبر «إنّ».

في القاموس: «قَرَع رأسه بالعصا: ضربه. والمقارعة: أن تقرع الأبطال بعضهم بعضاً». (3)

و قوله: (والشهادة معه شهادتان)؛ لعلّ المراد أنّ للمتمنّي ثواب شهادة واحدة، ولمن أدركها معه ثواب شهادتين؛ لشهادته معه، ولكونه مؤمناً منتظراً لظهور دولته (عليه السلام).

وقد روي: «أنّ المؤمن شهيد، وإن مات على فراشه». (4)

____________

(1). قاله المحقّق المازندراني (رحمه الله) في شرحه، ج 11، ص 424.

(2). القاموس المحيط، ج 1، ص 117 (قصب) مع التلخيص.

(3). القاموس المحيط، ج 3، ص 68 (قرع).

(4). انظر: الأمالي للطوسي، ص 676، ح 1426. وعنه في بحار الأنوار، ج 52، ص 144، ح 64.

52

أو المراد أنّ للمتمنّي ثواب الشهادة معه، وللشهادة معه ثواب شهادتين مع غيره، فللمتمنّي ثواب شهادتين.

وقيل: المراد أنّ الحضور معه حضوران: بالقَصد، والفِعل. (1) الحديث الثامن والثلاثون‏

متن الحديث الثامن والثلاثين‏

عَنْهُ‏ (2)، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ الْكِنْدِيِّ، قَالَ:

دَخَلْنَا عَلى‏ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فِي زَمَنِ مَرْوَانَ، فَقَالَ: «مَنْ أَنْتُمْ؟». فَقُلْنَا: مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَقَالَ: «مَا مِنْ بَلْدَةٍ مِنَ الْبُلْدَانِ أَكْثَرَ مُحِبّاً لَنَا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَلَا سِيَّمَا هذِهِ الْعِصَابَةِ، إِنَّ اللَّهَ- جَلَّ ذِكْرُهُ- هَدَاكُمْ لِامْرٍ جَهِلَهُ النَّاسُ، وَأَحْبَبْتُمُونَا وَأَبْغَضَنَا النَّاسُ، وَاتَّبَعْتُمُونَا وَخَالَفَنَا النَّاسُ، وَصَدَّقْتُمُونَا وَكَذَّبَنَا النَّاسُ، فَأَحْيَاكُمُ اللَّهُ مَحْيَانَا، وَأَمَاتَكُمُ [اللَّهُ‏] مَمَاتَنَا، فَأَشْهَدُ عَلى‏ أَبِي أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا بَيْنَ أَحَدِكُمْ وَبَيْنَ أَنْ يَرى‏ مَا يُقِرُّ اللَّهُ بِهِ‏ (3) عَيْنَهُ، وَأَنْ يَغْتَبِطَ إِلَّا أَنْ تَبْلُغَ نَفْسُهُ هذِهِ- وَأَهْوى‏ بِيَدِهِ إِلى‏ حَلْقِهِ- وَقَدْ قَالَ اللَّهُ- عَزَّ وَجَلَّ- فِي كِتَابِهِ: «وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَ جَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَ ذُرِّيَّةً» (4)، فَنَحْنُ ذُرِّيَّةُ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله)».

شرح‏

السند ضعيف.

قوله: (أكثر محبّاً لنا من أهل الكوفة، ولا سيّما هذه العصابة).

«العصابة» بالكسر: الجماعة. ولعلّها إشارة إلى جماعة مخصوصين من أهل الكوفة، ويكون المراد بالمحبّ الشيعة مطلقاً.

وقيل: لعلّ المراد بالمحبّ أعمّ من الشيعة؛ أي محبّنا في الكوفة أكثر من غيرها، وفضل عدد الشيعة فيها على غيرها أكثر من فضل عدد المحبّ. (5)

____________

(1). قاله المحقّق المازندراني (رحمه الله) في شرحه، ج 11، ص 424.

(2). الظاهر أنّ الضمير راجع إلى سهل المذكور في سند الحديث (36).

(3). في الطبعة الجديدة وجميع النسخ التي قوبلت فيها والوافي:- «به».

(4). الرعد (13): 38.

(5). قاله العلّامة المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول، ج 25، ص 185.

53

(فأحياكم اللَّه مَحيانا) إلى آخره.

في النهاية: «المحيا: مَفعل من الحياة، ويقع على المصدر والزمان والمكان» (1)؛ أي جعل حياتكم وموتكم كحياتنا وموتنا في المسابقة إلى الخيرات والفوز بالسعادات.

و قوله: (فأشهد) على صيغة المتكلّم.

و قوله: (يغتبط) على بناء الفاعل، أو المفعول.

قال الفيروزآبادي: «الغبطة، بالكسر: حسن الحال، والمسرّة. وقد اغتبط، والحسدُ». (2) والحاصل أنّ الشيعة إذا مات لم يتخلّل بينه وبين ثوابه عقاب أصلًا.

الحديث التاسع والثلاثون‏

متن الحديث التاسع والثلاثين‏

حُمَيْدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكِنْدِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُدَيْسٍ، عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي الصَّبَّاحِ، قَالَ:

سَمِعْتُ كَلَاماً يُرْوى‏ عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه و آله) وَعَنْ عَلِيٍّ (عليه السلام) وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَعَرَضْتُهُ عَلى‏ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، فَقَالَ:

«هذَا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله) أَعْرِفُهُ». قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله): الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، وَأَكْيَسُ الْكِيسِ التَّقِيُّ، وَأَحْمَقُ الْحُمْقِ الْفَجُورُ، وَشَرُّ الرَّوِيِّ رَوِيُّ الْكَذِبِ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَأَعْمَى الْعَمى‏ عَمَى الْقَلْبِ، وَشَرُّ النَّدَامَةِ نَدَامَةُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَعْظَمُ الْخَطَايَا عِنْدَ اللَّهِ لِسَانُ الْكَذَّابِ، وَشَرُّ الْكَسْبِ كَسْبُ الزِّنى‏، (3) وَشَرُّ الْمَآكِلِ أَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَحْسَنُ الزِّينَةِ زِينَةِ الرَّجُلِ هَدْيٌ حَسَنٌ مَعَ إِيمَانٍ، وَأَمْلَكُ أَمْرِهِ بِهِ وَقِوَامُ خَوَاتِيمِهِ.

وَمَنْ يَتَّبِعِ السُّمْعَةَ يُسَمِّعِ اللَّهُ بِهِ الْكَذِبَةَ، وَمَنْ يَتَوَلَّ الدُّنْيَا يَعْجِزْ عَنْهَا، وَمَنْ يَعْرِفِ الْبَلَاءَ يَصْبِرْ عَلَيْهِ، وَمَنْ لَايَعْرِفْهُ يَنْكُلْ.

____________

(1). النهاية، ج 1، ص 471 (حيا).

(2). القاموس المحيط، ج 2، ص 375 (غبط).

(3). في كلتا الطبعتين ومعظم النسخ التي قوبلت في الطبعة الجديدة: «الربا».

54

وَالرَّيْبُ كُفْرٌ، وَمَنْ يَسْتَكْبِرْ يَضَعْهُ اللَّهُ، وَمَنْ يُطِعِ الشَّيْطَانَ يَعْصِ اللَّهَ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ يُعَذِّبْهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَشْكُرْ يَزِيدُهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَصْبِرْ عَلَى الرَّزِيَّةِ يُعِينُهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَحَسْبُهُ اللَّهُ.

لَا تُسْخِطُوا اللَّهَ بِرِضَا أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَا تَقَرَّبُوا إِلى‏ أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ تَتَبَاعَدُوا (1) مِنَ اللَّهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ- عَزَّ وَجَلَّ- لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ شَيْ‏ءٌ يُعْطِيهِ بِهِ خَيْراً، وَلَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْهُ شَرّاً إِلَّا بِطَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ مَرْضَاتِهِ، وَإِنَّ طَاعَةَ اللَّهِ نَجَاحٌ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ يُبْتَغى‏، وَنَجَاةٌ مِنْ كُلِّ شَرٍّ يُتَّقى‏، وَإِنَّ اللَّهَ- عَزَّ ذِكْرُهُ- يَعْصِمُ مَنْ أَطَاعَهُ، وَلَا يَعْتَصِمُ بِهِ مَنْ عَصَاهُ، وَلَا يَجِدُ الْهَارِبُ مِنَ اللَّهِ- عَزَّ وَجَلَّ- مَهْرَباً، وَإِنَّ أَمْرَ اللَّهِ نَازِلٌ وَلَوْ كَرِهَ الْخَلَائِقُ، وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ، مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، فَتَعَاوَنُوا (2) عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى‏ «وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ»». (3)

شرح‏

السند مجهول.

ورواه الصدوق (رحمه الله) في الفقيه‏ (4) وفي أماليه‏ (5) بسند حسن، مع زيادات.

قوله: (الشقيّ من شقي).

وفي بعض الروايات: «السعيد سعيد في بطن امّه، والشقيّ شقيّ في بطن امّه». (6) والمشهور في تفسيره أنّ اللَّه تعالى لمّا علم سعادة كلّ شخص، وهي ثباته في سبيل اللَّه وسلوكه فيه، وعلم شقاوة كلّ أحد، وهي سلوكه في سبيل الطاغوت وثباته فيه، فالسعيد من هو في علم اللَّه أن يكون في عاقبة أمره سعيداً، وإن كان بالنظر إلى ظاهر أحواله في أكثر عمره عند الناس شقيّاً، وكذا الشقيّ. ولمّا كان وجوده العيني وانطباق العلم بالمعلوم في بدو وجوده في بطن امّه، نسب السعادة والشقاوة إليه في هذا الوقت.

أو المراد من بطن الامّ ما قبل الولادة مطلقاً.

هذا ولا يبعد أن يكون الحديث إشارة إلى كسب ما انجرّ إلى السعادة والشقاوة، أعني‏

____________

(1). في الحاشية عن بعض النسخ: «بتباعد». وفي بعض النسخ الكافي والوافي: «يتباعد». وفي بعض النسخ: «يتباعدوا».

(2). في الحاشية عن بعض النسخ: «و تعاونوا».

(3). المائدة (5): 2.

(4). الفقيه، ج 4، ص 402، ح 5868.

(5). الأمالي للصدوق، ص 487، ح 1. والسند فيه هكذا: «حدّثنا الشيخ الفقيه أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي (رحمه الله)، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن صفوان بن يحيى، عن أبي الصبّاح الكناني».

(6). انظر: تفسير روح البيان، ج 1، ص 104.