نهاية المأمول في شرح كفايه الأصول‏

- الميرزا حسن الرضوي القمي‏ المزيد...
230 /
1

[الجزء الثانى‏]

[المقدمة]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه الذى جعل الحمد ثمنا لنعمائه و الشكر سببا لازدياد آلائه و الصلاة و السّلم على محمّد سيّد رسله و خاتم انبيائه و على آله ائمة الهدى و سادة التّقى من تمسك بهم نجى و تخلف عنهم غوى و هوى‏ اما بعد فان من أعلى سوابغ النّعم و اعلى جواهر المودعة فى بنى آدم العلم الذى من يرث منه شيئا يسيرا فقد اوتى خيرا كثيرا و كان علم الاصول من اجل العلوم قدرا و اعظمها شأنا و اجسمها فائدة؟؟؟ لقواعد الاحكام و مقياس لمدارك الحلال و الحرام فى شريع الإسلام فعطف عنان الهمة نحو تحصيله و صرف أوان الفرصة على تكميله جم غفير من السلف و الخلف بعموم البال فى تمهيد قواعده و تحصيل فرائده و احسنوا المقال فى زبدة اصوله و عمدة فصوله و اكثروا التّصنيف فيه فأفادوا و استفادوا و اجادوا و استجادوا فللّه درهم و عليه اجرهم و ممن اكمل هذا العلم و بلغ اقصى درجته فريد العصر وحيد الزّمان علامة الدّهر فهامة الدّوران موضح الطّريقة و محى الشريعة سالك مسالك الإدريس و جالس مستند التدريس المنتهى اليه رئاسة الاماميّة فى عصره الكلمة العليا و الآية العظمى الطّود الشامخ الى العلم الراسخ العالم الربّانى و الزاهد السّبحانى‏ المولى محمّد كاظم الهروى الخراسانى‏ أطاب اللّه رمسه الشريف و صنّف فيه كتابا حسن النظام مطبوع الفضلاء العظام موضحا فيه قوانين الأصول و مودعا فيه ضوابط الوصول الى غاية المراد و نهاية المامول مع اشارات هادية بدائع الافكار الى مفاتيح الأحكام فى معالم الدين و تلويحات واصلة لمسالك الأفهام الى مقاصد الحق و اليقين‏ المسمّى بكفاية الأصول‏ الذى فيه هداية للمسترشدين الى بحر الفوائد و عناية للمنتهين و المبتدين على اخذ القواعد و هو اليوم مطرح بين العلماء الاخيار و منظر بين فضلاء الامصار و كان بعض أسراره مكنونة و جواهر كلامه مخزونة لم يصل اليها ايدى الافكار و الأنظار و كان محتاجا الى شرح يميط عن وجوه المطالب استاره و يبرز فى ميادين الانظار اسراره فأزاح عن وجه المراد نقابه و أبرز عن اصل المرام حجابه بما افتلذه من ثمار تحقيقات مصنّفه فى مجالس درسه و اقتبسه من انوار علومه فى محفل بحثه علم الأعلام و باب الأحكام العلّامة الفهّام المولى المعظّم و الكهف الافخم قدوة الفقهاء و المجتهدين عمدة العلماء و المحقّقين حجّة الإسلام و المسلمين محى الهداية و يميت الضلالة تلميذه الممتحن السيّد السند المؤتمن‏ الحاج ميرزا سيد حسن‏

الرضوى القمىّ ادام اللّه ايام افاضاته فاتى بحمد اللّه بشرح يتشرّح به الصدور فى الورود و الصدور فاقدا فيه كلامه و موضحا به مرامه مودعا فيه نتائج افكاره و مميّزا بين دقيق النظر و جليله و مفرزا صحيح القول عن عليله و بلّغ الكفاية الى النّهاية و سماه‏ نهاية المأمول‏ فى شرح كفاية الأصول و بذل لهذه الطبعة أخوه الماجد السيّد الاجلّ ذو الشّرف و الفضل العالم الجليل و الفاضل النّبيل‏ الآقا سيّد مهدى الرّضوى‏ القمى ادام اللّه بقاءه و الملتزم بمقابلته و تصحيحه العبد الفانى محمّد السردرودي الهمدانى و جناب المستطاب الآقا شيخ عليخان عفى اللّه عن جرائمهما بمحمد و آله الطاهرين عليهم افضل السلام‏

2

المجلد الثّانى من كتاب نهاية المأمول من بيانات حجّة الاسلام الحاج ميرزا سيّد حسن القمىّ فى شرح كفاية الأصول من تحقيقات آية اللّه على الأنام ملّا محمّد كاظم الخراسانى فى الأمارات و الأصول‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين و الصّلاة و السّلام على خير خلقه محمّد و آله و لعنة اللّه على اعدائهم و مخالفيهم اجمعين الى يوم الدّين‏

المقصد السّادس فى بيان الامارات المعتبرة شرعا او عقلا

[فى حجية القطع‏]

و قبل الخوض فى ذلك لا باس بصرف الكلام الى بعض ما للقطع من الاحكام و إن كان خارجا من الفنّ و كان اشبه بمسائل الكلام لشدّة مناسبته مع المقام فذكر ما للقطع من الاحكام فى هذا العلم ليس من جهة كونه من العوارض الذّاتيّة للموضوع حتّى يكون من مسائل الفنّ مع كونه اشبه بمسائل الكلام بل من جهة انّه لما كان البحث فى الأصول عن القواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشّرعيّة كالاصول اللّفظيّة من اصالة الحقيقة و اصالة العموم و الاطلاق و الطّرق الشّرعيّة من الاجماع و الشّهرة و الخبر الواحد و الاصول الشّرعيّة من البراءة و الاستصحاب و الاشتغال و التكلّم فيها قد يكون من حيث الصّغرى اى التّكلّم فى اصل تحقّقه و وقوعه كما فى الاجماع فانّ التكلم فيه انما يكون من حيث وقوعه و تحققه و الّا فبعد وقوعه لا شبهة فى حجيّته فت و قد يكون من حيث الكبرى اى من حيث قيام الدّليل القطعى على حجيّته فاعتباره كان البحث عن حجته القطع و وجوب اتباعه من المبادى التّصديقيّة لهذا العلم و ح فلا باس بصرف الكلام الى بعض ما للقطع من الاحكام قبل الخوض فى المسائل لشدة مناسبته مع المقام‏

[فى بيان معنى المكلف‏]

و اذا عرفت ذلك فاعلم انّ البالغ العاقل الذى وضع عليه القلم و قد تعلّق عليه التّكليف فعلا اذا التفت الى حكم فعلى واقعىّ اولى و هو الذى يكون موضوعه نفس افعال المكلّفين بما هى هى او واقعىّ ثانوي و هو الذى يكون موضوعه افعال المكلّفين و لكن بعد العجز عن التّكليف الاوّلىّ بعد العلم به كالتيمم‏

3

كالتيمّم او التقيّة على الاظهر او حكم ظاهرىّ و هو ما يستفاد من الأمارات او الأصول الشرعيّة متعلق به او بمقلديه فامّا ان يحصل له القطع به و لو فى مرحلة الظّاهر أو لا و على الثانى لا بد من انتهائه الى ما استقلّ به لعقل من اتباع الظنّ لو حصل له و قد تمّت مقدّمات دليل الانسداد على تقدير الحكومة لا الكاشفيّة سواء تعلق الظنّ بالحكم الواقعى او الظاهرى او تعلّق بحجيّة الطرق من الخبر الواحد و الشهرة و امثالهما

[الفرق بين الحكومة و الكشف‏]

و الفرق بين الحكومة و الكشف اجمالا انه بعد تماميّة دليل الانسداد على تقرير الحكومة انّ العقل يحكم بوجوب متابعة الظنّ و انه واجب العمل لا انّ مظنونه حكم شرعىّ فعلىّ مط لا الحكم الواقعىّ و لا الظّاهرىّ لانّ المفروض حجّية الظنّ من باب الحكومة فلسان الدّليل اى العقل انما هو وجوب العمل على طبق الظنّ لا كون المظنون و ما وصل اليه الظنّ حكما شرعيّا ففى صورة مخالفة الظنّ للواقع ليس المظنون حكما شرعيّا لا واقعيّا اوليّا و لا ظاهريّا امّا عدم كونه واقعيّا اوليّا فلانه المفروض و اما عدم كونه ظاهريّا لانّ الحاكم به هو العقل دون الشرع و هذا بخلاف الكاشفيّة فانه ح انّ العقل يحكم بانّ الشارع قد حكم على وجوب متابعة الظنّ فيستكشف من ذلك ان للشارع حكما مجعولا ظاهريّا فى المظنون و ح يمكن ان يقال و كلّ ما ادّى اليه ظنّى فهو حكم اللّه فى حقى و حق مقلّدى و هذا بخلاف الحكومة فلا بدّ ان يقال كلّ ما ادّى اليه ظنّى فهو واجب على متابعته و ستجي‏ء الإشارة الى الفرق بينهما مفصّلا فى محلّه انش تعالى و كيف كان على الثانى لا بدّ من انتهائه الى ما استقلّ به العقل من اتباع الظنّ لو حصل له و الّا اى و ان لم يحصل له الظنّ الذى استقلّ العقل بحجّته فالرجوع الى الاصول العقليّة من البراءة و الاشتغال و التخيير على تفصيل ياتى فى محلّه انش‏

[كون العمل بالأمارات و الطرق المعتبرة و الاصول الشرعيّة عملا بالقطع‏]

فقد تحصّل من ذلك ان الأمارات و الطرق المعتبرة و الاصول الشرعيّة صارت داخلة فى حكم العقل فالعمل بها كان عملا بالقطع اذ بعد قيام الدّليل القطعى على حجّية الخبر الواحد و البراءة و أمثالهما يكون القطع بحجّيتهما عين القطع بالحكم الشرعىّ و لو ظاهرا ففى صورة المطابقة كان مؤدّيها واقعيّا اوليّا و فى صورة المخالفة كان ظاهريّا و كذلك قد تحصّل من ذلك تاخّر الاصول العقليّة عن الادلة الشرعيّة مط من غير فرق بين الدليل القائم على الحكم الواقعى و بين قيامه على الطرق و الأصول الشرعيّة فيعتبر فى العمل بالاصول العقليّة عدم وجود القطع و لا القطعىّ اى الذى قام الدليل على اعتباره و حجّيته‏

[تعميم متعلق القطع‏]

و انما عمّمنا متعلق القطع لعدم اختصاص احكامه بما اذا كان متعلقا بالاحكام الواقعيّة لانّ الأحكام و الآثار الثابتة للقطع لا تنفك عنه و لا تختلف باختلاف المقطوع فانه لا ينفك عن الآثار الذّاتية و احكامه النّفسيّة سواء تعلق بالحكم الواقعى او الظّاهرى ضرورة

4

ضرورة ان المقطوع اذا كان حكما شرعيا سواء كان هو الحكم الواقعى او الظاهرى يؤثر القطع اثره و يوجب تنجز المقطوع على القاطع و عدم معذوريّته فى المخالفة و انما خصصنا بالفعلى لاختصاصها بما اذا كان متعلقا به اى و انما خصّصنا الحكم الشرعى بالفعلى دون مراتبه الأخر لاختصاص احكام القطع بما اذا كان القطع متعلقا بالحكم الفعلى لان الحكم اذا لم يكن فى المرتبة الفعليّة لا يجب امتثاله لعدم كونه حكما حقيقة و لا امرا و لا نهيا على ما ستطلع عليه‏

[تقسيم الطرق الشرعية و مناقشته‏]

و اعلم انه على هذا التقسيم لا يرد عليه اشكال و هذا بخلاف التقسيم الذى افاده الشيخ (ره) فانه يرد عليه كثير من الاشكالات منها تخصيصه الحكم بالواقعى على ما هو الظاهر من كلامه مع انك قد عرفت انه لا وجه للاختصاص و منها عدم تقييده الحكم بالفعليّة مع انّ القطع بالحكم الغير الفعلى لا اثر له كما عرفت و منها تداخل حكمى الظنّ و الشّك لأن المراد من الظنّ فى كلامه هو الظنّ الحقيقى اللّغوى الأعمّ من المعتبر شرعا و غيره كما انّ المراد من الشك هو اللّغوى ايضا اى ما كان طرفاه متساويين و مقتضى اختصاص مرجع الشّك بهذا المعنى بالاصل وجوب العمل على طبق الظنّ حتى الظنّ الغير المعتبر مع انه من موارد جريان الأصول كما انّ مقتضى هذا الاختصاص وجوب العمل على طبق الأصول حتى فى مورد الشّك الذى قام الطريق المعتبر الذى لا يفيد الظنّ اصلا لا شخصا و لا نوعا على العمل على حكم فى مورده مع ان المتعلق ح انما هو العمل بالطريق المذكور لتقدّم الطريق على الاصول العمليّة و لو لم يكن مفيدا للظنّ اصلا و لم يكن اعتبار ذلك الطريق بلحاظ الظنّ لا نوعا و لا شخصا و لذلك عدلنا عمّا فى رسالة شيخنا العلامة اعلى اللّه مقامه من تثليث الاقسام و ان ابيت الا عن ذلك التثليث فالاولى ان يقال انّ المكلّف امّا ان يحصل له القطع أو لا و على الثانى امّا ان يقوم عنده طريق معتبر و امارة شرعيّة سواء كانت حجّيتها بلحاظ افادتها الظنّ شخصا او نوعا ام لا أو لا و السرّ فى ذلك التثليث لئلا يتداخل الاقسام فيما يذكر لها من الاحكام و مرجعه على الأخير اى عند عدم حصول القطع و عدم قيام الطرق المعتبرة الى القواعد المقررة عقلا او نقلا لغير القاطع و لغير من يقوم عنده الطريق سواء كان الظنّ الغير المعتبر موجودا ام لا على تفصيل ياتى فى محله انش و اعلم ان لشيخنا الاستاذ كلاما فى بعض تعليقاته عند كلامه لئلا يتداخل الاقسام فيما يذكر لها من الاحكام فقال و لكن لا يخفى انّ جهة البحث فيهما يختلف و يكون فى الطّرفين فيما لهما من الحكم عقلا او شرعا بخلاف الوسط فانه فى اصل الحقيقة و ثبوته شرعا و بعبارة اخرى يكون صغرويّا بخلافهما فانه فيهما فى الكبرى انتهى هذا نعم يرد على هذا التقسيم بمذاق شيخنا الاستاذ اختلاف متعلق القطع و الأمارات و الاصول لان متعلق القطع لا بدّ ان يكون حكما فعليّا و الا لم يجب امتثاله كما عرفت و امّا الامارات فلو كان متعلقها ايضا كذلك ففى صورة الموافقة يلزم اجتماع الحكمين المتماثلين الفعليّين و فى صورة

5

و فى صورة المخالفة يلزم اجتماع الحكمين المتضادّين الفعليّين فيستكشف من امتناعهما ان متعلّق الأمارة اى الحكم الواقعى كان حكما انشائيّا لا فعليّا و يصير فعليّا بعد قيام الأمارة المعتبرة فى صورة مطابقتها للحكم الواقعى بحيث كان قيام الأمارة المطابقة معتبرا فى فعليّته و ح ليس الّا حكما واحدا فعليّا و امّا فى صورة المخالفة فالحكم الواقعى كان حكما انشائيّا لا فعليّا و مفاد الامارة حكما فعليّا فلا يجتمع على هذا الحكمان الفعليّان لا فى صورة المطابقة و لا فى صورة المخالفة و هكذا بالنّسبة الى الأصول الشرعية من غير فرق ففعليّة الحكم الواقعى مشروطة بعدم قيام الأمارة المعتبرة على طبقها و كذلك الأصول الشرعيّة او على خلافها لما سيجي‏ء فى محلّه من استحالة تعلق الحكمين الفعليّين على مكلّف واحد و موضوع واحد فى زمان واحد سواء كانا متماثلين او متضادّين فان امتناع اجتماع المتماثلين كاجتماع الضّدين ضرورىّ و ح فان تعلّق على المكلّف الحكم الواقعى على وجه الفعليّة فلا بدّ ان لا يكون الثّانوى بفعلى و بالعكس فقد ظهر من ذلك اختلاف متعلق القطع و الأمارات و الأصول نعم هذا الايراد مشترك الورود بالنّسبة الى تقسيم الشّيخ (ره) ايضا و الحمل مشترك و ستجي‏ء الإشارة الى الحمل عند كلام ابن قبة (ره) فافهم و تبصّر هذا فى تقسيم حالات المكلّف‏

[الكلام فى مجارى الأصول‏]

و امّا الكلام فى مجارى الأصول فاقول ان الحكم المشكوك اما ان تكون له حالة سابقة متيقّنة ملحوظة فى نظر الحاكم و المكلف بالكسر و هو الشرع او العقل لا المكلف بالفتح لانّ ملاحظة المكلّف بالفتح يكون شرطا لجريان الاستصحاب لا لمجراه فهو مجرى الاستصحاب بقول مط سواء كان الشّك فى المقتضى على المختار او المانع الأعمّ من الدافع و الرّافع سواء كان الاستصحاب بلا معارض او كان معارضا باستصحاب آخر فى مقابله فان الاستصحاب كان جاريا فى مورد المعارضة ايضا عندنا بمعنى ان المورد لا يخرج عن كونه مجرى الاستصحاب بمجرّد المعارضة و إن كانا بعد الجريان يتساقطان و ان لم يكن له حالة سابقة ملحوظة او كانت و لم يلاحظها الحاكم فى جعل الحكم فامّا ان يكون الاحتياط ممكنا ام لا و الثانى مجرى التخيير و على الاول فامّا ان يدلّ دليل عقلى او نقلىّ على ثبوت العقاب بمخالفة الواقع المجهول أو لا و الاوّل مجرى الاحتياط سواء كان الشّكّ فى التّكليف او المكلّف به و الثانى مجرى البراءة من غير فرق بين الشّكّ فى التكليف او المكلّف به ايضا هذا و هذا التّحديد لمجارى الأصول سليم عن كثير من الإشكالات الواردة على تحديدى الشيخ (ره) المنقولين احدهما فى متن الفرائد و الثانى فى حاشيته و ان لم يخلو هذا التقسيم ايضا عن مناقشات غير خفيّة على المتامل و اقلّها فى صورة دوران الامر بين الوجوب و التحريم و الاباحة فان فى هذه الصّورة لا يمكن الاحتياط فيها مع انها ليست من مجرى التخيير و لكن مع ذلك كله كان هذا التقسيم احسن و اضبط تقسيم فى المقام فاضبط

6

و كيف كان فبيان احكام القطع و اقسامه يستدعى رسم امور

[الامر] الأوّل انّهم اختلفوا فى منجزية القطع و حجّيته‏

بمعنى انقداح الملزم العقلى و المحرّك العقلائى فى نفس القاطع نحو فعل ما قطع بوجوبه و ترك ما قطع بحرمته بحيث يرى نفسه مذموما على ترك الاوّل و فعل الثانى في صورة مطابقته للواقع او و لو فى صورة مخالفته للواقع ام لا فيقع الكلام فى المقامين الأول فى انّ القطع بالحكم الشّرعىّ فى صورة مطابقته للواقع هل يكون حجّة على المكلّف بمعنى كونه منجّز المقطوعة الذى هو نفس الواقع بالفرض ام لا و بعبارة اخرى هل يصحّ للمولى مؤاخذة العبد على ترك امتثاله مع كونه قاطعا بالتكليف ام لا

[حكم العقل بوجوب العمل على وفق القطع‏]

فنقول لا شبهة فى وجوب العمل بالوجوب الّذى نقلناه ايضا اى بمعنى انقداح الملزم العقلى و المحرّك العقلائى الخ على وفق القطع عقلا و لزوم الحركة على طبقه جزما و كونه موجبا لتنجّز التكليف الفعلى فيما اصاب باستحقاق الذمّ و العقاب على مخالفته و عذرا فيما أخطأ قصورا لا تقصيرا و سيجى‏ء الإشارة الى الفرق فى التنبيهات و تاثيره فى ذلك لازم و صريح الوجدان به شاهد و حاكم فلا حاجة الى مزيد بيان و اقامة برهان ففى الحقيقة ان مرجع النزاع الى ان المنجزية هل يكون من اللّوازم الغير المنفكة للقطع و من ذاتياته بحيث لا يجوز انفكاكه عنه و يستحيل الجعل التركيبى بالنّسبة اليها نفيا و اثباتا تشريعا و تكوينا ام لا فبناء على كونه من اللوازم الغير المنفكة و من ذاتياته يرجع الجعل التركيبى اثباتا الى تحصيل الحاصل و نفيا الى انفكاك ذاتى الشي‏ء عن الشي‏ء و كلاهما مستحيل و المراد بالذاتى هنا ليس هو الذاتى فى باب ايساغوجى و المستعملة فى الكليات الخمس اى ما يكون مقوما للشي‏ء و ليس بخارج عنه بل المراد منه هو الذّاتى فى باب البرهان اى ما يكون منتزعا من حاق الشي‏ء و نفس هويته من دون الاحتياج الى وساطة شي‏ء آخر غير نفس ذلك الشي‏ء كالامكان للممكنات و الوجوب للواجب و الزّوجيّة للأربعة و هذا الوجه طريق عام شامل لجميع الموارد من دون اختصاص بالمقام من غير فرق بين مرحلة التشريع و التكوين و بين الأمور الذّهنيّة و المفاهيم العقليّة و الموجودات الخارجيّة فان لكلّ شي‏ء ذاتيات و لوازم بذلك المعنى و يستحيل تطرق الجعل بالنّسبة الى ذاته بذاته و بالنسبة الى ذاتيّاته و لوازمه بالجعل التركيبى اثباتا و نفيا و هذا امر بديهىّ عند اهل العلم و لا خلاف فيه الا عند بعض ارباب الجدل من الأشاعرة فالشّأن ح فى بيان ذاتيات الشي‏ء و لوازمه و اثبات ان الأمر الفلانى من الذّاتيات لذلك الشي‏ء و لوازمه الغير المنفكة و لكن بعد اثبات ذلك كان استحالة تعلّق الجعل بها من المسلميّات فنقول لا ينبغى الأشكال فى انّ القطع طريق الى الواقع و علّة تامّة للكشف عن متعلّقه‏

7

متعلقه كشفا تامّا بالذات بل حقيقته نفس الانكشاف و عين الإراءة و الطريقية من دون تغاير بينه و بين الكشفيّة و الطريقية فى المصداق و الحقيقة و ينتزع مفهوم الطّريقيّة و الانكشاف و المنجزيّة عن حاق ذاته و نفس هويّته من غير احتياج الى انضمام امر آخر و ظاهر انّ ما هو كذلك فهو واجب الحجّية بالذّات و علّة تامّة للمنجزيّة بالذات و الضرورة و يجب اتباعه و التّعبّد به و العمل على طبقه بحكم العقل الصريح اذ ليس للقاطع حالة منتظرة عن العمل على مقتضى علمه و متابعة قطعه و الإتيان بمقطوعه‏

[فى بيان عدم امكان جعل القطع‏]

و ح لا يخفى بانّ ذلك لا يكون بجعل جاعل لعدم جعل تاليفى حقيقة بين الشي‏ء و لوازمه بل عرضا يتبع جعله بسيطا فتطرق الجعل التركيبى اصالة اليه اثباتا يئول الى تحصيل الحاصل و نفيا الى انفكاك ذاتى الشي‏ء عن الشي‏ء و مرجعه الى التناقض او الخلف فانّ المولى اذا امر باتيان الماء مثلا مع تعلّق امره بالماء من حيث هو هو لا من حيث المعلوميّة ثم نهى عن العمل بعلمه فى مقام الامتثال يرجع ذلك النّهى الى النّهى عن اتيان الماء فإن كان مع ذلك اتيان الماء محبوبه و مطلوبه فيرجع الى التناقض للأمر بالشّي‏ء و النّهى عنه فى زمان واحد و ان لم يكن مطلوبا له فى هذا الحال فهو خلف لأنّ المفروض تعلق القطع به بما هو مطلوبه الواقعى الفعلى ففرض تعلق الجعل التركيبى به اصالة يستلزم تحصيل الحاصل او التّناقض او الخلف و التّوالى باسرها باطلة و بذلك انقدح امتناع المنع عن تاثيره ايضا مع انه يلزم منه اجتماع الضّدّين اعتقادا مط سواء طابق الواقع ام لا و حقيقة فى صورة الإصابة كما لا يخفى و اعلم ان التمسّك بلزوم اجتماع الضّدّين اعتقادا مط و حقيقة في صورة الإصابة كالتّمسّك بالدّور و التسلسل و امثالها فى المقام ممّا لا يخفى و إن كان التمسّك باجتماع الضّدّين فى صورة الإصابة له وجه ثم لا يذهب عليك انّ التكليف ما لم يبلغ مرتبة البعث و الزّجر لم يصر فعليّا و ما لم يصر فعليّا لم يكد يبلغ مرتبة التنجّز و استحقاق العقوبة على المخالفة و إن كان ربما يوجب موافقته استحقاق المثوبة و ذلك لأن الحكم ما لم يبلغ تلك المرتبة لم يكن حقيقة بامر و لا نهى و لا مخالفته عن عمد بعصيان بل كان ممّا سكت اللّه عنه كما فى الخبر فلاحظ و تدبّر و ذلك ليس من جهة القصور فى المطلوب‏

[فى بيان مراتب الحكم اجمالا]

بيان ذلك انّ للأحكام مراتبا الأولى مرتبة الاقتضاء و العلم بالمصلحة و المفسدة النفس الأمريّة من دون إنشاء بعث و زجر اصلا بل ليست هذه المرتبة الّا العلم بالمصلحة و المفسدة النفس الأمريّة و الثانية مرتبة الإنشاء على طبق تلك المصالح و المفاسد كاختراع القانون على طبق المصلحة و المفسدة و الحكم فى تلك المرتبة له فعليّة الإنشاء لا فعليّة البعث و الزّجر و الحكم بهذا المعنى يشمل جميع افراد المكلّفين و لا ينفكّ عن المصالح و المفاسد النفس الأمريّة و لا يعتبر فى تحقّقه غير المصلحة و المفسدة الموجودة فى الواقعة فهى علّة تامّة للإنشاء الثّالثة مرتبة البعث‏

8

و الزّجر و الطلب و الإلزام على وفق المصالح و المفاسد و الأحكام فى تلك المرتبة لها فعليّة البعث و الزّجر امّا واقعيّة اوليّة و امّا واقعيّة ثانويّة و الحكم بهذا المعنى مشروط بالشرائط و فقد الموانع و لا يكفى فى تحقّقه مجرّد المصلحة و المفسدة النفس الأمريّة بل ينفك عنها بكثير من الموارد كما فى الصّبى المميّز و المجنون بل اكثر المكلّفين فى اوّل البعثة و الرابعة مرحلة التنجّز على المكلّفين بقيام الحجّة القاطعة للعذر على الاحكام الفعليّة و ستجي‏ء الاشارة الى بيان لذلك فى محلّه انش استقصاء و قد ظهر من ذلك ان ترتّب آثار القطع و احكامه عليه انما هو بالنّسبة الى الأحكام الفعليّة ضرورة انّ القطع بوجود المصلحة و المفسدة المقتضية للبعث و الزّجر كما فى المرتبة الأولى و كذا الحكم الإنشائي الغير الفعلى كما فى المرتبة الثانية غير مؤثر فى شي‏ء بداهة ان مجرّد وجود المصلحة و المفسدة المقتضية للبعث و الزّجر لم يكن بحكم و المرحلة الثانية و إن كان الحكم موجودا فيها إلّا انه انشائى لا اثر له بمجرّده فانه ربما يكون فى هذه المرتبة بعض الموانع موجودا او بعض الشرائط مفقودا فى المكلّف فالأمر و النهى الحقيقى الذى يكون سببا لتحريك العبد و زجره ليس الا فى مرحلة البعث و الزّجر و الفعليّة لانّه لا يبلغ تلك المرتبة الا بعد وجود الشرائط و فقد الموانع و غير تلك المرتبة امّا لا يكون بحكم او يكون و لكن لا يكون له اثر لأنه مجرد الانشاء على طبق المصالح و المفاسد و فى تلك المرتبة امّا الشرائط مفقودة و امّا الموانع موجودة و مع احدى هذه لا اثر للحكم فافهم نعم فى كونه بهذه المرتبة اى بمرتبة الفعليّة موردا للوظائف المقرّرة شرعا للجاهل اشكال لزوم اجتماع الضّدين فى صورة المخالفة او اجتماع المثلين كما فى صورة الموافقة على ما ياتى تفصيله انش تعالى مع ما هو التحقيق فى دفعه فى التوفيق بين الحكم الواقعى و الظاهرى و هذا بخلاف المرتبة الأولى و الثانية فانه ليس فيهما ذلك الأشكال امّا فى المرتبة الأولى فانه ليس الاملاك الحكم لا نفسه حتى يجئ فيه الاجتماع و امّا الثانية فلأن الإنشاء خفيف المئونة لأنه ليس الا ايجاد المعنى باللفظ و ايجاد معنى الضّدّين او المثلين باللفظ امر غير محال فانتظر لتمام الكلام فى محله انش تعالى‏

فى التنبيهات‏

[التنبيه‏] الأوّل انّ وجوب الأتباع هاهنا لم يكن بحكم مولوىّ‏

لعدم ملاكه و هو ان يصير داعيا فى المامور ان لم يكن له داع امّا لطمع الجور و القصور او لمحض الشوق الى قرب جنابه تعالى او لخوف العقاب و البعد عنه بل المراد من الوجوب هاهنا هو مجرّد الإرشاد من العقل‏

و [التنبيه‏] الثانى انّ وجوب الاتباع بالمعنى الذى ذكرناه انما يكون بنحو العلّة التّامّة لا بنحو الاقتضاء و التعليق على عدم المنع عنه شرعا

لما عرفت ان القطع كاشف بنفسه بحيث لا يرى العبد بين نفسه و بين المأمور به سترة و حجابا و هذا بخلاف العلم الاجمالى فانّه على نحو الاقتضاء

9

الاقتضاء على ما هو التّحقيق عند الشيخ الأستاذ كما سيجي‏ء فى محله انش تعالى‏

[التنبيه‏] الثالث [فى ذكر تنبيهات شيخنا الأستاذ فى بعض تعليقاته على الفرائد]

قال شيخنا الأستاذ فى بعض تعليقاته على الفرائد و ينبغى التّنبيه على امور

[التنبيه‏] الاوّل انّ القطع لما كان بنفسه يكشف عن متعلقه تمام الانكشاف كان متعلّقه بمجرّد تعلّقه به ثابتا لدى القاطع من دون تاليف قياس‏

يقع فى وسطه و هذا امر اوضح من ان يخفى بخلاف الظنّ المعتبر و كذا الأصول العمليّة فانه لا بدّ فى اثباته به تعبّدا فى توسيطه من قياس مؤلّف من صغرى وجدانيّة و كبرى شرعيّة ماخوذة ممّا دلّ على اعتباره مثل ان يقال انّ صلاة الجمعة مثلا مظنون الوجوب و كلّ مظنون الوجوب واجب هذا بالنّسبة الى المتعلّق و امّا آثاره فمع القطع به انما يترتّب عليه مط لكن لا من القطع به بل من القطع به النّاشى منه و من القطع بالملازمة فلا بدّ فيه من تاليف قياس هكذا مثلا صلاة الجمعة واجبة و كلّ واجب تجب مقدّمته او يحرم ضدّه و هكذا ساير ما له شرعا او عقلا او عادة و مع الظنّ به انما يترتب عليه بعد ثبوته به على النحو الذى عرفته خصوص ما له شرعا و لو بالواسطة بلا توسيطه ايضا بل بما يتالّف من صغرى ماخوذة ممّا دلّ على اعتباره و كبرى مستفادة مما دلّ على ثبوت تلك الآثار له فيقال صلاة الجمعة التى ظنّ وجوبها واجبة لما مرّ و كلّما كانت واجبة تكون كذا شرعا لما دلّ على ذلك فظهر مما بيناه انّ الفرق انما هو توسيط الظنّ دون القطع فى اثبات نفس ما تعلقا به من الحكم لا فى ترتيب آثاره جلية كما افاده (قدس سرّه) فتامل جيدا

[التنبيه‏] الثانى [انّ اختلاف افراد القطع لا يوجب التفاوت اصلا فيما هو اثره من وجوب الاتباع‏]

انّ اختلاف افراد القطع اصابة و خطاء قصورا و تقصيرا و إن كان يوجب تفاوت افراد القاطع في صورة اتباعه و عدمه فى استحقاق العقوبة و عدمه كما مستشير اليه كما يتفاوت معه الحال فى طرف متعلقه بآثاره و احكامه العقليّة و الشرعيّة فى الثبوت و عدمه الا انّ ذلك لا يوجب التفاوت اصلا فيما هو اثره من وجوب الاتباع بالمعنى المزبور حيث انه تمام موضوع لهذا الكلام فتفطّن و لا تكن من الغافلين‏

[التنبيه‏] الثالث انّ اطلاق الحجّية عليه و على ساير الطّرق و الأمارات المعتبرة بل الأصول العمليّة من باب واحد

و معنى طرد و هو عبارة عمّا يقطع به عذره لو خالفه و يصير عذره لو وافقه فيما أخطأ و خالف و بعبارة اخرى يطلق عليه و عليها بالمعنى الذى يستعمل فيه فى العرف العام لا بما اصطلح عليه فى الميزان و الظاهر عدم اصطلاح جديد لها فى الأصول كما يظهر من عبارته (قدس سرّه) اذا المراد الخ استقراره كيف و قد عرفت عدم توسيط واحد من الطرق و الأصول فى احكام متعلقاتها بل فى اثبات نفس عناوينها فتدبّر جيّدا

[التنبيه‏] الرّابع [فى حكم خطأ القاطع فى قطعه‏]

انّ القاطع لو أخطأ قطعه فإن كان عن قصور فلا اشكال فى عدم استحقاق العقوبة على مخالفة الواقع و إن كان عن تقصير فانما يستحقها فيما لولاه لتمكّن من الواقع امّا باصابته او اصابة ما يرجع اليه عند فقده من امارة او اصل لا مط و لا فيما اذا لم يتمكّن منه لخطإ ما يقوم عنده و ذلك لأنّ المؤاخذة ح بلا بيان و لا برهان انتهى كلامه فيه‏

10

الأمر الثانى [فى التجرى‏]

قد عرفت انه لا شبهة فى انّ القطع يوجب استحقاق العقوبة على المخالفة و يوجب استحقاق المثوبة على الموافقة فى صورة الإصابة فهل يوجب استحقاقها في صورة عدم الإصابة على التجرّى بمخالفته و استحقاق المثوبة على الانقياد بموافقته أو لا يوجب شيئا و اعلم انّ هذا المقام هو المقام الثّانى فى منجّزية القطع و وجوب اتباعه في صورة المخالفة كما اذا قطع بوجوب ما ليس بواجب شرعا و حرمة ما ليس بحرام شرعا و هذا هى مسئلة التجرّى و تحرير محل النّزاع فيه يمكن ان يقع على وجوه ثلاثة الاول انّ القطع هل يكون منجّز المقطوعة عقلا و يجب متابعته مع كونه غير مطابق للواقع بحيث يوجب استحقاق المؤاخذة فى صورة ترك المتابعة ام لا كما قطع بوجوب ما ليس بواجب مثلا و حرمة ما ليس بحرام و المسألة على هذا التحرير اشبه بمقاصد الكلام و تكون من المبادى التصديقيّة لهذا الفنّ كما فى المقام الأوّل و الثانى هل القطع يؤثر فى مقطوعه بحيث لو كان مقطوعه غير حسن فهل القطع بكونه حسنا يصير ذا حسن او قطع بكونه قبيحا مع كونه بحسب الواقع حسنا فهل يؤثر القطع بكونه قبيحا فى صيرورته قبيحا ام لا بل المقطوع بعد القطع بكونه حسنا او قبيحا باق على ما هو عليه من الحسن و القبح الواقعى و بعبارة اخرى هل يورث الحسن العقلى فى مقطوعه الذى كان قبيحا واقعيّا فيما لم يكن بحسن فى الواقع و يورث القبح العقلى فى مقطوعه الذى كان حسنا واقعا ام لا فعلى هذا تكون المسألة اصوليّة لما عرفت مرارا من انّ مسائل الأصول هى ما كانت نتيجتها واقعة فى طريق الاستنباط ففيما نحن فيه مثلا اذا قلنا بمؤثرية القطع فى حسن مقطوعه او قبحه و تغييره عمّا هو عليه فبضميمة مقدمة الملازمة بين العقل و الشرع يستنبط الحكم الشّرعى الفرعى ايضا فى ذاك الموضوع الثّالث ما قد يظهر من الشّيخ العلّامة الأنصارى (ره) و هو انّ الفعل الغير المحرّم واقعا هل يصير مبغوضا شرعا و حراما شرعيّا مولويّا ام لا و التحريران الأخيران فاسدان امّا الاول فلبداهة انّ القطع غير مؤثر فى مقطوعه لانّه طريق اليه و تاثير الطّريق فى ذى الطريق لا معنى له و ستجي‏ء الإشارة الى ردّه فى كلام شيخنا الأستاذ و امّا الأخير فالظ انه غير مناسب للمقام لأن الكلام فى المقام فى المسألة العقليّة لا الحكم الشرعىّ الفرعى و الا فالواجب المطالبة بالدّليل الشّرعى لأن المسألة على هذا كانت من الشّبهة الحكميّة و القاطع للنّزاع فى الحكم الشّرعى ليس الا وجود الدّليل السّمعى لا التمسّك بالأدلّة العقليّة فاذا التحرير الصحيح المناسب للمقام هو التحرير الاوّل فنقول على هذا قد عرفت انه لا شبهة فى ان القطع يوجب استحقاق العقوبة على المخالفة و المثوبة على الموافقة فى صورة الإصابة فهل يوجب استحقاقها فى صورة عدم الإصابة على التجرّى بمخالفته و استحقاق المثوبة على الانقياد بموافقته أو لا يوجب شيئا الحق انّه يوجبه بشهادة

11

بشهادة الوجدان بصحّة مؤاخذته و ذمّه على تجرّيه و هتك حرمته لمولاه و خروجه عن رسوم عبوديّته و كونه بصدد الطّغيان و عزمه على العصيان و صحّة مثوبته و مدحه على اقامته بما هو قضيّة عبوديّته من العزم على موافقته و البناء على طاعته هذا مضافا الى ما عرفته سابقا فى المقام الاوّل من كون القطع منجّزا بالضرورة و الذّات و لازم الاتباع بحكم العقل الصّريح و الوجدان الصّحيح من غير فرق بين صورة المطابقة و عدمها و العمدة فى ذلك انّ المناط فى استحقاق العقاب ليس هو مخالفة الحكم الواقعى فقط و لا مناط الثواب هو نفس موافقة الحكم الواقعى فقط بل الملاك كلّه فى ذلك هو التجرّى و الطغيان و الخروج عن سلك العبوديّة و التصرف فى سلطنة المولى و هتك حرمته بالعزم على المعصية كما انّ المناط فى الثّانى هو نفس الانقياد و اظهار العبوديّة و المتابعة لعزم موافقة امر المولى من غير فرق بين المصادفة و عدمها فوقوع الفصل المأمور به او المنهىّ عنه فى الخارج ليس هو المناط و الملاك فى الاستحقاق بل المناط و الملاك هو التجرّى على المولى و الانقياد له و ان قلنا بانّه لا يستحقّ مؤاخذته او مثوبته ما لم يعزم على المخالفة او الموافقة بمجرّد سوء سريرته او حسنها و إن كان مستحقا للذّمّ او المدح بما يستتبعانه كسائر الصّفات و الاخلاق الذميمة او الحسنة و ان شئت قلت انّ المجهول قد يستعلم من مقام المعلوم فنقول لا شكّ ان المعصية الحقيقيّة و هى المخالفة في صورة المطابقة يستتبع استحقاق العقاب و هو امّا مستند الى الموافقة و وقوع المنهىّ عنه فى الخارج او مستند الى التجرّى و الطّغيان و الهتك و الخروج عن سلك العبوديّة امّا الاوّل فلا وجه لعدم كون الموافقة تحت اختيار العبد فت و من المعلوم جعل الأمر الغير الاختياري ملاكا للاستحقاق امر مرغوب عنه و العقل يابى عنه فيكون الملاك هو الثانى فالملاك للاستحقاق انما هو اظهار الشّقاق و النّفاق مع المولى و اظهار العبوديّة و الخضوع له لا وقوع المأمور به و عدمه و وقوع الفعل المنهىّ و عدمه نعم يتحقّق اظهار الطغيان و المخالفة بنفس المبادى الاربعة التى جامعها معنى الاختيار و هو العلم و الإرادة و القدرة و العزم سواء وقع المأمور به او المنهىّ عنه فى الخارج ام لا فانّ الأفعال الخارجيّة نسبتها الى المبادى الأربعة نسبة المعلول الى العلّة فانّ صدور الفعل من الفاعل اختيارا يتوقف على تحقق تلك المبادى و بدونها لا يتحقق اختيارا فالملاك فى الحقيقة للاستحقاق هو نفس حقيقة الاختيار لا ما به يحصل اظهار الطغيان و المخالفة و اظهار العبوديّة و المتابعة فانقدح بذلك انّه لا فرق فى صورة الإصابة و عدمها و انه يستحق العقاب و المؤاخذة في صورة مخالفته مع القطع به و ان قلنا بانّه لا يستحق مؤاخذته او مثوبته ما لم يعزم على المخالفة او الموافقة بمجرّد سوء سريرته و بالجملة

12

ما دامت فيه صفة كامنة لا يستحق بها الا مدحا او لوما بمعنى لو فرض كون الفاعل لو ابتلى بالواجب او الحرام يظهر منه الطّغيان او الانقياد و بهذه الصّفة الكامنة لا يستحق ثوابا و لا عقابا و إن كان مستحقا للّوم او المدح و انما يستحقّ الجزاء بالمثوبة و العقوبة مضافا الى احدهما اذا صار بصدد الجرى على طبقها و العمل على وفقها و جزم و عزم و اتى بما هو جامع لمعنى الاختيار و ذلك لعدم صحّة مؤاخذته بمجرّد سوء سريرته من دون ذلك و حسنها معه كما يشهد به مراجعة الوجدان الحاكم بالاستقلال فى مثل باب الاطاعة و العصيان و ما يستتبعان من استحقاق النيران او الجنان فان قلت ان هذا يؤيّد التحرير الثانى لمسألة التجرّى و هو ان القطع هل يؤثر فى مقطوعه ام لا فعلى عقاب التجرّى يلزم كون القطع مؤثرا فى مقطوعه قلت لا ملازمة فى ذلك بل نقول بعقاب التجرّى و لكن ذلك مع بقاء الفعل المتجرّى به او المنقاد به على ما هو عليه من الحسن او القبح و الوجوب او الحرمة واقعا بلا حدوث تفاوت فيه بسبب تعلق القطع بغير ما هو عليه من الحكم و الصّفة و لا يغيّر جهة حسنه او قبحه بجهة اصلا لما عرفت ان القطع يكون طريقا الى مقطوعه و لا معنى لتأثير الطريق فى ذى الطريق مضافا الى انّه لا معنى لتأثير القطع فى مبغوض المولى او محبوبه سيّما فى المبغوضات المنبعثة عن المصالح و المفاسد النفس الأمريّة فان قلت انّ هذا مناف لما هو الحقّ عند الاماميّة من ان الحسن و القبح فى الأشياء انما يكون بالوجوه و الاعتبار و عدم كونهما ذاتيّا لها فعلى هذا من الممكن تاثير القطع فى مقطوعه و تغييره عما هو عليه و ارتفاع الحسن و القبح الواقعيّين بواسطة تعلّق القطع بخلافهما فيكون القطع من الوجوه و الاعتبارات التى يتغيّر الأشياء بواسطتها عما هى عليها قلت لا ملازمة فى ذلك فانّ الحق ان الحسن و القبح بالوجوه و الاعتبارات و لكن ليس كلّ وجه محسّنا و مقبّحا عندهم ضرورة انّ القطع بالحسن او القبح لا يكون من الوجوه و الاعتبارات التى بها يكون الحسن و القبح عقلا و لا ملاكا للمحبوبيّة و المبغوضيّة شرعا ضرورة عدم تغيّر الفعل عمّا هو عليه من المبغوضيّة و المحبوبيّة للمولى بسبب قطع العبد بكونه محبوبا او مبغوضا له فان قلت فما تقول فى القطع الذى كان جزء للموضوع فان المقطوع مع القطع صارا موردين للحسن و القبح قلت كلّا فانّ المقطوعات بقيد المقطوعيّة و المعلوميّة صارت موجبة للحسن و القبح كالبول المعلوم البوليّة مثلا فانّ البول بقيد المعلوميّة صار موضوعا للنجاسة لا انّ القطع بالبول صار وجها لتعلّق النجاسة بالبول و صار وجها للحسن و القبح لا انّ القطع بالوجه صار وجها للحسن و القبح و الحاصل انّ القطع طريق الى الأشياء و الطريق قد يخطى كما قد يصيب فلا معنى بل يستحيل ان يكون القطع بوجه الحسن او القبح وجها للحسن او القبح‏

13

او القبح فقتل ابن المولى لا يكاد يخرج عن كونه مبغوضا له و لو اعتقد العبد بانه عدوّه و كذا قتل عدوّه مع القطع بانه ابنه لا يخرج عن كونه محبوبا ابدا هذا و ان شئت اشباع الكلام لحسم مادّة الأشكال فاستمع لما سيتلى عليك فنقول من اوّل الأمر انّ المقام الثانى و هو منجّزية القطع فى صورة المخالفة للواقع قد حرّرناه بوجوه ثلاثة الأول فى انّ القطع بوجوب ما ليس بواجب و القطع بحرمة ما ليس بحرام هل يكون منجّزا لمقطوعه و واجب الأتباع بحيث يوجب استحقاق العقاب فى ترك المتابعة ام لا و الثّانى انّ هذا الفعل الغير المحرّم واقعا هل يصير مبغوضا شرعا و حراما مولويّا بواسطة تعلق القطع به ام لا و الثّالث انّ القطع هل يؤثّر فى مقطوعه و يوجب حسنه فيما اذا لم يكن بحسن واقعا او يوجب قبحه فيما لم يكن بقبيح فى الواقع ام لا امّا التّحرير الثّانى فغير مباين للمقام كما عرفت سابقا و امّا الثالث ففاسد جدّا لاستحالة ذلك لأنّ القطع ليس الّا نفس الانكشاف و ليس له الّا وجود مرآتى لانكشاف الواقع و الطريق الى الشي‏ء قد يصيب كما انه قد يخطى فيستحيل ان يكون الطريق الى الحسن و القبح وجها لهما كما انّ القطع بالوجوب مثلا يستحيل ان يكون موضوعا للوجوب و كما انّ القطع بالخمريّة يستحيل ان يكون موضوعا للخمريّة نعم يمكن ان يكون موضوعا للحرمة فيما اذا كان جزء للموضوع و ما ذكرناه فى الوضوح و البداهة عند الوجدان بمكان لا يحتاج الى البرهان لكن بقى الكلام فى انّ القطع بوجوب شي‏ء او حرمته او القطع بموضوع الحرمة كالقطع بالخمريّة او موضوع الوجوب كالقطع بالماء اذا توهّم انه واجب الشّرب سواء كان مطابقا للواقع ام لا هل يمكن ان يصير عنوانا ثانويّا لحكم شرعى آخر مثل متعلقه او مثل حكم متعلّقه و بعبارة اخرى هل يجوز ان يكون القطع بالحكم الشّرعى من الوجوب و الحرمة او القطع بموضوع الحكم موضوعا لحكم شرعى مثل متعلقه او مثل حكم متعلقه بان يكون القطع بالحكم او بموضوعه عنوانا ثانويّا لثبوت حكم الوجوب غير الوجوب الذى قطع به او قطع بموضوعه و كذلك القطع بالحرمة او بموضوعها عنوانا ثانويّا لثبوت بحكم الحرمة لهذا العنوان غير الحرمة التى قطع بها او قطع بموضوعها سواء ثبت هذا الحكم لذلك العنوان ابتداء او من جهة قاعدة الملازمة بعد قبول صيرورة القطع بالوجه وجها للحسن و القبح ام لا و الحاصل انّ الكلام فى امكان تعلق الحكم الشّرعى بما قطع بوجوبه او قطع بحرمته او قطع بموضوع الحرمة او موضوع الوجوب سواء كان القطع مطابقا للواقع ام لا بعد التنزّل عن استحالة كون القطع بالوجه وجها للحسن و القبح و تسليم صيرورة هذا العنوان متعلقا للحكم الشّرعى و الحقّ امتناع تعلق الحكم الشّرعى بما قطع بوجوبه او حرمته او قطع بموضوع الوجوب او الحرمة و عدم جواز صيرورة

14

هذا العنوان متعلقا للحكم الشّرعى لا ابتداء و لا من طريق الملازمة بعد تسليم كون القطع بالوجه وجها للحسن و القبح فانّ الأحكام الشرعيّة و إن كانت تدور مدار الأسماء و العناوين و يختلف باختلافها فالضّرب بعنوان الإيذاء حرام و بعنوان التّأديب مستحبّ و بعنوان الأمر بالمعروف و النّهى عن المنكر واجب لكن القطع بالشّي‏ء ليس عنوانا ثانويّا لذلك الشّي‏ء قابلا لتعلق الحكم الشّرعى به مستقلّا لا اوّلا و بالذّات و لا ثانيا و بالعرض من جهة قاعدة الملازمة و ليس القطع بالشّي‏ء عنوانا آخر و من باب اجتماع العنوانين و اختلاف الجهتين فتامّل و يمكن ان يستدلّ على ذلك بوجوه الاوّل استلزامه اجتماع المثلين فى موضوع واحد من جهة واحدة امّا في صورة مطابقة القطع للواقع فالاستلزام واضح عند الحاكم و القاطع و امّا في صورة المخالفة و ان لم يكن عند الحاكم الّا انّه لازم عند القاطع لأن القاطع يرى الواقع باعتقاده رؤية تامّة و كان الوجوب و الحرمة ثابتا عنده و ح لو تعلقت حرمة اخرى بمقطوعه لكونه مقطوع الحرمة فاجتماع المتماثلين عنده واضح بيّن و الثانى انّ القاطع لشي‏ء لا توجّه له الا بمقطوعه و ح لو تعلق به حكم آخر غير الحكم الذى قطع به كان حكما غير ملتفت اليه لاستحالة التفاته الى غير مقطوعه و الثالث ان صدور الحكم من المولى انما هو لأحداث الداعى فى نفس المكلّف على الإطاعة باىّ داع كان من اقسام قصد القربة و مع القطع بالحكم يكون الدّاعى فيه موجودا و ح لو تعلق به حكم آخر لكان لغوا لأنّ حكمه الأوّل امّا يكون محرّكا له ام لا فإن كان محرّكا لا معنى لحكمه الثانى و ان لم يكن محرّكا فالثّانى كالأوّل كان لغوا و الرابع انه لا شبهة فى ان الموضوع امّا علّة تامّة للحكم او جزء للعلّة التامّة له و ح لو كان القطع بالشي‏ء عنوانا ثانويّا و علّة لحكم آخر لتسلسل الى غير النّهاية كما فى عنوان الإطاعة و المعصية فكما انّ عنوان الإطاعة و المعصية غير قابل لتعلق حكم المولوى عليهما لاستلزامه التّسلسل و إن كان فيه كلام فكذلك عنوان القطع بالشّي‏ء اذ بعد فرض انّ القطع بالشي‏ء علّة تامّة لحدوث الحكم كان التسلسل لازما لا محالة اذا المفروض انّ كلّ حكم مقطوع كان مقطوعا و القطع بالحكم فى اىّ مرتبة كان علّة تامّة لحدوث حكم آخر و الّا يلزم التّرجيح من غير مرجّح و هو محال و لا فرق فى هذا الوجه بين الإصابة و الخطإ و بين ان يكون القطع بالحكم او بموضوع الحكم كالقطع بالخمريّة مثلا و الخامس انّ ذلك مستلزم لتعلّق الحكم الشرعى بالأمر الغير المقدور فى صورة خطاء القطع بيانه انّ الاختيار لا بدّ فيه من اجتماع امور اربعة الأوّل حديث النفس الثانى هيجان الرّغبة المسمّى بالميل و الثالث الجزم و حكم القلب بانه ينبغى صدوره بدفع صوارفه و موانعه و الرابع الإرادة و ح ان المكلّف اذا قطع بكون المائع خمرا و كان بحسب الواقع ماء و شربه‏

15

بعنوان الخمريّة فلا شكّ فى صدور شرب الماء عنه لكنّه لم يقع عنه اختيارا اذ المبادى انما تحقّقت لصدور شرب الخمر لا صدور شرب الماء فما قصده لم يقع عنه و ما وقع عنه لم يصدر عنه اختيارا فلو تعلّق حكم آخر بهذا الشرب بعنوان انه مقطوع الخمريّة لكان متعلقا بامر غير مقدور و هكذا الكلام فى القطع بنفس الحكم و هو واضح و لكن لا يخفى انّ هذا الوجه غير جار في صورة الإصابة كما لا يخفى و السادس انه من الواضح ان اجتماع المثلين كاجتماع المتنافيين فى الاستحالة و لا فرق بينهما فى حكم العقل و ح فلو كان القطع بشي‏ء قابلا لذلك لكان قابلا لتعلق حكم مناف لذاك الحكم اذ المفروض ان القطع بشي‏ء كان قابلا لأحداث حكم شرعىّ آخر و لا فرق من هذه الجهة بين حكم و حكم و الحال انّ اجتماع الحكمين المتنافيين من جهة واحدة محال فكك الحكمان المتماثلان فتلخّص من جميع ذلك انّ القطع بالشّي‏ء سواء كان القطع بالحكم الشّرعى او القطع بموضوعه سواء كان مطابقا للواقع ام مخالفا له ليس عنوانا ثانويّا لذلك الشّي‏ء و ليس قابلا لعروض حكم آخر عليه بهذا العنوان لا الحكم العقلى و لا الحكم الشّرعىّ فلا يمكن ان يصير القطع بوجه الحسن او القبح وجها للحسن و القبح العقليّين حتى يستتبع بقاعدة الملازمة الحكم الشرعى سواء كان نفس الفعل الذى قطع بوجوبه او بحرمته من حيث هو غير موجّه بوجه اصلا ام كان له وجه مثل الوجه الطارى او مخالفا له و بعد تسليم صيرورة هذا العنوان علّة تامّة للحكم العقلى الذى هو الملاك للحكم الشرعى فنقول باستحالة تعلق الحكم الشرعى على هذا الفعل بهذا العنوان لا مثل هذا الحكم الذى قطع به او بموضوعه و لا ما ينافيه لا ابتداء و لا من جهة الملازمة لاستلزامه اجتماع الحكمين المتماثلين الى آخر ما استشكلناه آنفا و قد عرفته مفصّلا فقد تحصّل من جميع ذلك ان الفعل المتجرّى به او الفعل المنقاد به لا يوجب بنفسه استحقاق العقاب و الثواب لما عرفت من استحالة ان يكون الفعل الماتى به المقطوع وجوبه او حرمته متعلقا للحكم العقلى و لا الحكم الشرعى لعدم صدوره عنه بعنوان الأمر الواقعى المجهول و لا بعنوانه المقطوع اختيارا فان شرب الماء باعتقاد كونه خمرا ليس اختياريّا لا بعنوانه الواقعى المجهول اى عنوان شرب الماء و لا بعنوانه المقطوع اى كونه مقطوع الحرمة فان المبادى انما تعلّقت على عنوان الخمريّة لا على شرب الماء و لا مقطوع الحرمة و شرب الخمر غير صادر عنه و ما صدر عنه و هو شرب الماء بعنوان كونه مقطوع الحرمة ليس صادرا عنه اختيار العدم تعلّق المبادى به بكلا عنوانيه و من اجل هذا قال شيخنا الأستاذ دام ظله مع ان الفعل المتجرّى به او المنقاد به بما هو مقطوع الحرمة او الوجوب لا يكون اختياريّا فانّ القاطع لا يقصده الا بما قطع انّه عليه من عنوانه الواقعى الاستقلالى لا بعنوانه الطّارى الآلي بل لا

16

يكون غالبا بهذا العنوان مما يلتفت اليه فكيف يكون من جهات الحسن او القبح عقلا و من مناطات الوجوب او الحرمة شرعا و لا يكاد يكون صفة موجبة لذلك إلّا اذا كانت اختياريّة فتحصّل من جميع ما ذكرنا عدم استحقاق الثواب او العقاب على المتجرّى به او المنقاد به و ان قلنا باستحقاق الثواب و العقاب على نفس عنوان التجرّى و الانقياد فكما انّهما غير موجبين لإيراث الثواب و العقاب فكذلك غير موجبين لإيراث المدح و الذمّ لأن ما يورث تلك الامور انما يكون فى الامور الاختياريّة التى صدرت عن المبادى الأربعة فلا ينبغى توهّم استحقاق الثواب و العقاب بذلك الفعل فكذلك المدح و الذّمّ و الحسن و القبح و لذا لو قتل العبد ابن المولى باعتقاد عدوّه كان عذره مسموعا فى صدور هذا الفعل و لو كان صدوره عنه اختياريّا لما كان له وجه لسماع عذره عقلا فان قلت انّ هذا ينتقض بما اذا قطع بحرمة شي‏ء كان حراما بغير الحرمة التى قطع بها او قطع بوجوب شي‏ء كان واجبا بغير الوجوب الّذى قطع به فانّ استحقاق العقاب و الثواب على نفس الفعل ثابت ح لصدور الفعل المحرّم عنه مع انه قد صدر عنه بلا اختيار كما اذا قطع بخمريّة مائع و شربه و لم يكن خمرا و كان موضوعا محرّما بعد الحرمة الخمريّة و كما اذا كان للمولى ابنان الصّغير و الكبير و نهى عبده عن قتلهما فقتل العبد طغيانا على مولاه الكبير باعتقاده انه ولده الصّغير بحيث لم يقتل لو علم انه ولده الكبير للحبّ المفرط منه اليه فانّ قتل الكبير ح لم يصدر عنه بالاختيار فلا ينبغى على ما قلت استحقاقه العقاب على قتله مع انه لا شبهة فى استحقاق العقاب قلت انّ استحقاق العقاب انما يكون على عنوان تجريه على مولاه لا على قتله الكبير و الحاصل انه لا فرق بين هذا الفرض و بين ما اذا اتى بفعل قطع بحرمته و كان مباحا فى الواقع فان استحقاق العقاب فيه ثابت بالبرهان الذى ذكرناه فكما ان استحقاق العقاب فى المباح ليس على نفس الفعل فكذلك فى ذلك الفرض نعم اذا قصد الفعل على نحو تعدّد المطلوبى كما اذا اراد قتل ابن المولى و اراد ان يكون ولده الكبير فاتفق صدور قتل الصغير عنه و كما اذا اراد الإفطار فيشهر رمضان و اراد الافطار بمائع مخصوص فظهر انه مائع آخر فلا شكّ فى كون ما صدر عنه اختياريّا لكونه مقصودا و مطلوبا له بالفرض و عدم حصول مطلوب آخر غيره لا يوجب كون الفعل غير اختيارىّ فان المفروض انّ خصوصيّة قتل ولده الكبير كانت مقصودة بقصد زائد و عدم حصوله لا ينافى كون مطلوبه الآخر الصّادر عنه اختياريّا و هكذا الكلام فى الإفطار ثم انّ ما ذكر من عدم كون الفعل الصّادر اختياريّا اذا لم يكن مرادا و مقصودا لعدم كونه مسبوقا بالمبادى الأربعة لا ينافى تعلّق بعض الأحكام الشرعيّة على هذا الفعل من جهة تحقّق عنوان‏

17

عنوان فيه كان ملاكا و مناطا لحكم شرعىّ كما اذا اراد قتل من يكون جائز القتل شرعا للقصاص مثلا فظهر كونه شخصا آخر غير جائز القتل و كما فى مثل ابن المولى حيث انّه اراد قتل ولده الكبير لا على نحو تعدّد المطلوبى فظهر كونه ولده الصّغير فان القتل لم يصدر عنه اختيارا له و مع ذلك فى تلك الموارد لا امتناع من تعلق الحكم الشّرعىّ الوضعى عليها كالحدّ او القصاص او الدّية لو ساعدها الدليل الشرعى كما اذا ثبت القصاص على الفعل العمدى و شمل العمد عرفا على هذا الفعل فح لا نضايق اجراء حكم الشرعىّ الوضعى عليه مع كونه غير اختيارىّ لأن الفعل الغير الاختياري لا يصلح لأن يتعلق بها الاحكام العقليّة من المدح و الذمّ و الحسن و القبح و استحقاق الثواب و العقاب و امّا الحكم الوضعى فيترتّب بعد مساعدة الدليل هذا كلّه فى احكام المقطوع و فعل المتجرّى به او المنقاد به و قد ظهر انّ التحرير الصحيح هو الوجه الاوّل من الوجوه الثّلاثة و ح نقول الحق استحقاق العقاب في صورة التجرّى و المخالفة و استحقاق الثواب فى صورة المتابعة و الانقياد و إن كان القطع مخالفا للواقع لما عرفت فى المقام الأوّل من كون القطع منجّزا بالذّات و الضرورة و واجب الاتباع بحكم العقل من غير فرق بين المطابقة و المخالفة للواقع لأن المناط كما عرفت سابقا فى استحقاق العقاب ليس هو مخالفة الحكم الواقعى فقط كما ان استحقاق الثواب ليس مناطه هو متابعة الحكم الواقعى فقط بل الملاك فى ذلك هو التجرّى و الطغيان مع المولى و الخروج عن سلك العبوديّة و الاقدام على اظهار المخالفة و هتك حرمة المولى كما ان الملاك فى الثّانى انّما هو عدم اظهار الشقاق و النفاق مع المولى و خضوعه و خشوعه له لا وقوع الفعل المأمور به و عدمه و وقوع الفعل المنهىّ عنه و عدمه و يتحقق اظهار الطغيان و المخالفة بنفس المبادى الأربعة فانّ نسبة افعال الجوارح الى المبادى الأربعة نسبة المعلول الى العلّة و الملاك لاستحقاق الثواب و العقاب هو نفس حقيقة الاختيار لا ما به يحصل اظهار الطغيان و المخالفة و لا ما به يحصل اظهار العبوديّة و المتابعة نعم الطغيان و المخالفة و الانقياد و المتابعة انما يظهر من الكون بالجزء الاخير من المبادى الاربعة التى هى العلّة التّامة لوقوع الفعل الاختيارى و بعبارة اخرى الإظهار لا يتحقّق الا بعد تحقق مجموع المبادى و قبل تحقّقها لا يتحقق الإظهار و يكون ما فى نفسه من صفة لو ابتلى بالمحرّم او الواجب ليطغى على مولاه صفة كامنة و لا يترتّب عليه استحقاق الثواب و العقاب و ان استحق المدح و الذمّ و بالجملة استحقاق الثواب و العقاب انما هو على اظهار الانقياد و الطغيان و هو غير متحقق بدون تحقق معنى الاختيار و اما بعد تحقق الاختيار فالعقل مستقلّ على الاستحقاق لأن اختياريّة الفعل الخارجى معلول للأفعال القلبيّة و العلّة تمام المعلول و كماله و لا شكّ انّ‏

18

ما يترتّب على المعلول من المبغوضيّة و المحبوبيّة و المدح و الذمّ و الحسن و القبح و غيرها من الأحكام و الآثار لا بدّ ان يترتّب على العلّة لا محالة لاستحالة فقدان اثر من الآثار الثابتة للمعلول الحاصلة من ناحية العلّة فى نفس العلّة لأن معطى الشي‏ء ليس فاقدا له بل من الواجب ان يترتّب على العلّة آثار المعلول و احكامه بنحو اعلى و ابسط كما يظهر ذلك من الحديث الشريف نيّة المؤمن خير من عمله و نيّة الكافر شرّ من عمله و لكن ذلك مع بقاء الفعل المتجرّى به او المنقاد به على ما هو عليه من الحسن و القبح و الوجوب و الحرمة واقعا بلا حدوث تفاوت فيه بسبب تعلق القطع بغير ما هو عليه من الحكم و الصّفة مضافا الى انّ الفعل المتجرّى به او المنقاد به بما هو مقطوع الوجوب و الحرمة لا يكون اختياريّا كما عرفت ذلك مفصّلا آنفا ان قلت اذا لم يكن الفعل كذلك اى لم يكن الفعل اختياريّا فلا وجه لاستحقاق العقاب على مخالفة القطع لكون المطابقة و الخطاء فيه لم يكن باختيارىّ و اذا لم يكن باختيارى و هل كان العقاب عليها الا عقابا على ما ليس بالاختيار و من الواضح انّ العقاب على ما لا يكون بالاختيار كان قبيحا مع انه لا شكّ فى استحقاق العقاب على مخالفة القطع قلت العقاب انما يكون على قصد العصيان و العزم على الطغيان لا على فعل الصّادر بهذا العنوان بلا اختيار ان قلت انّ القصد و العزم انما يكون من مبادى الاختيار و هى ليست باختياريّة و الا لتسلسل لأنهما ايضا يحتاجان الى المبادى فننقل الكلام الى هذه المبادى فامّا ان يقال بانها ليست باختياريّة فيلزم اناطة استحقاق الثواب و العقاب الى ما ليس بالاختيار و امّا يقال بانّها اختياريّة فيحتاج ايضا الى المبادى الأربعة و هكذا فامّا يلزم التسلسل او اناطة الاستحقاق الى ما ليس بالاختيار (1) قلت مضافا الى ان الاختيار الذى ينتزع عن الفعل المستند الى تلك المبادى الأربعة و ان لم يكن بالاختيار الا ان بعض مباديه غالبا يكون وجوده بالاختيار للتمكن من عدمه كالعزم فانه قد ينفسخ بالتّامل فيما يترتّب على ما عزم عليه من تبعة العقوبة و اللوم و المذمّة يمكن ان يقال انّ حسن المؤاخذة و العقوبة انما يكون من تبعة بعده عن سيّده بتجرّيه عليه في صورة خطاء قطعه كما كان من تبعته بالعصيان فى صورة المصادفة و مطابقة قطعه للواقع فكما انه يوجب البعد عنه كذلك لا غرو فى ان يوجب حسن العقوبة فانه و ان لم يكن باختياره إلّا انه بسوء سريرته و خبث باطنه بحسب نقصانه و اقتضاء استعداده ذاتا و امكانا و ان شئت قلت انّ المبادى الأربعة و الأفعال القلبيّة إن كانت اختياريّة فلزوم التسلسل بيّن و ان لم يكن اختياريّة اى مسبوقة باختيار آخر فيلزم سلب الاختيار عن المكلّف فى افعاله و اناطة استحقاق الثواب و العقاب على امر غير اختيارىّ و كلاهما باطل فاقول اعادة لما كتبنا و شرحناه فى المجلد الأوّل من هذا الكتاب‏

____________

(1) قال صدر الدين الشيرازى فى الأسفار فى فصل الإرادة فى الحيوان ردا على من جعل القصد و الإرادة من الافعال الاختيارية و فى جعل القصد و الإرادة من الافعال الاختيارية نظر اذ لو كان الامر كذلك لاحتاج الى قصد آخر و يلزم التسلسل و القول بامر البعض اختيارى دون البعض تحكم لا يساعده الوجدان بل الظاهر انه اذا غلب الشوق تحقق الاجماع بالضرورة و بيان الافعال الاختيارية ينتهى الى الأمور الاضطرارية التى تصدر عن الحيوان بالايجاب الخ انتهى كلامه‏

19

الكتاب لما فيها من الفائدة انه لا شبهة و لا شكّ فى انتهاء سلسلة الممكنات الى الواجب تعالى شأنه ذاتا و صفة و فعلا و كمالا كما هو مقتضى توحيد الذّات و الصّفات و الأفعال و الكمال و لذا قال الشاعر بالفارسى‏

من همان دم كه وضو ساختم از چشمه عشق‏* * * چار تكبير زدم يكسره بر هرچه كه هست‏

اى لا وجود و لا علم و لا قدرة و لا حول و لا قوّة الّا باللّه و بعد ذلك فلا اشكال فى اناطة استحقاق العقاب و الثواب على نفس حقيقة الاختيار الذى هو غير اختيارىّ بل لا مناص عن ذلك حيث انّ العقل مستقلّ باستحقاق العقاب و الثواب على اظهار الطغيان و التجرّى و اظهار المتابعة و الانقياد بمجرّد العزم على الطاعة و اختيارها و العزم على المعصية و اختيارها من دون توقّف على وقوع الفعل الجوارحى فى الخارج و عدمه مع انه لا شبهة فى كون الاختيار غير اختيارىّ و مسبوقا بامور ذاتية من السعادة الذاتيّة و الشقاوة الذاتيّة فانّ لكل نفس ذاتيّات و لوازم غير معلّلة و غير مجعولة بالجعل المستقلّ و لا بد من انتهاء الاختيار اليهما و يكفى فى تصحيح التّكليف تعلّق الاحكام على الأفعال الاختياريّة التى كانت منتهية الى الاختيار و إن كان اصل الاختيار غير اختيارىّ بل تابعا للسعادة و الشقاوة الذاتيّين كما نطقت به الأخبار و دلّ عليه الاعتبار و الحاصل انّه لا اشكال فى انتهاء الإرادة و الاختيار الى ارادة اللّه و اختياره كالذّوات و الصّفات و الوجودات كما انه لا ينبغى الأشكال فى اناطة استحقاق العقاب و الثواب على نفس الاختيار اعنى العلم و القدرة و الارادة التى هى غير اختيارىّ قطعا و كان منبعثا عن السّعادة و الشّقاوة الذّاتيّتين و امّا الكلام فى الأشكال الأوّل فلأن الاختيار لو كان اختياريّا و مسبوقا باختيار آخر لتسلسل و لازمه انقطاع سلسلة الممكنات عن الواجب تعالى و فرض ما كان ممكنا واجبا فان الأفعال و الصّفات كالذّوات لا اشكال فى امكانها و عدم كونها واجبة الوجود و لا بدّ من انتهائها الى اللّه تعالى و ما ليس منتهيا الى الواجب كان واجبا لا ممكنا و هذا خلف و يلزم ايضا التفويض المحض الذى حكم ببطلانه العقل و الشرع و الحاصل انّ مقتضى التوحيد الوجودى و مقتضى الأمر بين الأمرين انتهاء الاختيار الى اللّه تعالى فانّ الذى ثبت عقلا و نقلا كون الافعال اختياريّة فانّ الممكن قادر مختار مريد لافعاله لا فى اصل اختياره و قدرته و ارادية ضرورة انه و إن كان مختارا فى افعاله لكنّه ليس مختارا فى اختياره بل يكون مسخّرا فى اصل اختياره لاختيار اللّه تعالى فنحن مختارون باختيار هو فى عين كون الفعل فعلنا و مستندا الينا هو فعل اللّه و مستندا اليه تعالى حقيقة بلا شوب مجاز كما قال اللّه تعالى‏ وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى‏ و محصّل المرام انّا لا نقول بسلب الاختيار راسا و عدم استناد الأفعال‏

20

الى الاختيار اصلا حتى يلزم الجبر كما قالت به الأشاعرة و لا نقول باختياريّة الاختيار و الاستقلال فيه بان يكون اصل الاختيار اختياريّا حتّى يلزم التفويض و عزل العلّة التامّة عن العلّية كما قالت به المعتزلة بل نقول بالأمر بين الأمرين و الحسنة بين السّيّئتين فنحن مختارون فى عين الاضطرار و مضطرّون فى عين الاختيار و بدون ذلك امّا يلزم الجبر او التّفويض و قد دلّ الدّليل من العقل و النقل و الاعتبار على بطلان كليهما و اما الكلام فى الأشكال الثانى اى اناطة استحقاق العقاب و الثّواب على الأمر الغير الاختياريّ فلانّ كلّ ما بالعرض لا بدّ و ان ينتهى الى ما بالذات فانّ فعل الحسن او فعل القبيح ليس صدوره عن الفاعل ذاتيا بمعنى بلا توسيط الأفعال القلبيّة بل بالعرض و بتوسيط المبادى الأربعة و من المعلوم انّ العلم و القدرة و الإرادة ذاتيّات للنفوس و ناشئة عن السعادة و الشقاوة الذّاتيّين فانّ خبث الطّينة و حسن السّريرة يدعو الإنسان الى اظهار الطغيان و الإتيان بفعل القبيح و اظهار المتابعة و الانقياد و الإتيان بفعل الحسن فينبعث الاختيار عن السّعادة و الشقاوة الذاتيّين و استحقاق الثواب و العقاب من السّعادة و الشقاوة فانّ السّعادة الذاتيّة من آثارها القهريّة القرب و الزّلفى الى ساحة عزّه كما انّ الشقاوة الذاتيّة من آثارها القهريّة البعد عن حريم كبريائه و من البديهة ان الذاتى غير معلّل و غير مجعول بالأصالة بل مجعول بالعرض و التّبع فانّ اللّه لم يجعل السّعيد سعيدا و لا الشقىّ شقيّا بل افاض اللّه تعالى عليه الوجود و كانت السّعادة و الشقاوة ذاتيّا له و اذا انتهى الأمر اليه يرتفع الأشكال و ينقطع السّؤال بلم فانّ الذاتيّات ضرورىّ الثبوت للذات و بذلك ايضا ينقطع السّؤال عن انه لم اختار الكافر و العاصى الكفر و العصيان و المؤمن و المطيع الإطاعة و الأيمان فانه يساوق السّؤال عن انّ الحمار لم يكون ناهقا و الإنسان لم يكون ناطقا كلّ يعمل على شاكلته‏

مه فشاند نور سگ عوعو كند* * * هركسى بر خلقت خود مى‏تند

رگ‏رگست اين آب شيرين آب شور* * * در خلايق مى‏رود تا نفخ صور

فظهر من جميع ذلك ان مقتضى الشقاوة الذّاتيّة فى الشّقى اختيار افعال القبيحة و المحرّمة باختيار هو عين اختيار اللّه تعالى و مقتضى السّعادة الذّاتيّة فى السّعيد اختيار افعال الحسنة باختيار هو عين اختيار اللّه و الأخبار على هذا المعنى كثيرة روى فى الكافى لو علم النّاس كيف خلق اللّه الخلق لم يلم احد احدا و باسناده عن مولانا الصّادق (ع) خلق اللّه السّعادة و الشقاوة قبل ان يخلق خلقه فمن خلقه اللّه سعيدا لم يبغضه ابدا و ان عمل شرّا ابغض عمله و لم يبغضه و إن كان شقيّا لم يحبّه ابدا و ان عمل صالحا احبّ عمله و ابغضه لما يصير اليه فاذا احبّ اللّه شيئا لم يبغضه ابدا و اذا ابغض شيئا لم يحبّه ابدا و عن النّبىّ (ص)

21

النبىّ (ص) الشقىّ من شقى فى بطن امّه و السّعيد من سعد فى بطن امّه و روى ايضا النّاس معادن كمعادن الذهب و الفضّة و عن الصادق (ع) خطب رسول اللّه (ص) النّاس ثم رفع يده اليمنى قابضا على كفّه ثمّ قال أ تدرون ايّها الناس ما فى كفى قالوا اللّه و رسوله اعلم فقال اسماء اهل الجنّة و اسماء آبائهم و قبائلهم الى يوم القيمة ثم رفع يده الشمال فقال ايّها الناس أ تدرون ما فى كفى قالوا اللّه و رسوله اعلم فقال اسماء اهل النار و اسماء آبائهم و اسماء قبائلهم الى يوم القيمة ثم قال حكم اللّه و عدل فريق فى الجنّة و فريق فى السّعير و عنه (ع) يسلك بالسّعيد فى طريق الأشقياء حتى يقول الناس ما اشبه بهم بل هو منهم ثمّ يتداركه السّعادة و قد تسلك بالشّقى طريق السّعداء حتى يقول الناس ما اشبه بهم بل هو منهم ثم يتداركه الشقاوة ان من كتبه اللّه سعيدا و ان لم يبق من الدنيا الا كفواق تامّة ختم له بالسّعادة و نعم ما قاله الشاعر بالفارسى‏

پيش از من تو بر رخ جانها كشيده‏اند* * * طغراى نيك‏بختى و نيل بداخترى‏

و بالجملة تفاوت افراد الإنسان فى القرب منه جلّ شانه و عظمت كبريائه و البعد عنه سبب لاختلافها فى استحقاق الجنّة و درجاتها و النار و دركاتها و موجب لتفاوتها فى نيل الشفاعة و عدم نيلها و تفاوتها فى ذلك بالأخرة يكون ذاتيّا و الذاتى لا يعلّل و من المعلوم ان الشقاوة و السّعادة الذاتيّين لهما مراتب فالسّعادة الذاتيّة بعض مراتبها يوجب الولاية التامّة اللّه ولىّ الّذين آمنوا و بعضها يوجب الولاية الخاصّة امّا المطلقة او المقيدة كما ان الشقاوة الذاتيّة بعض مراتبها يشمله شفاعة الشافعين و العفو الحتمى او الفضلى و بعض مراتبها لا تنفعه الشفاعة و لا يشمله العفو مط لا لقصور الشفاعة و العفو بل لعدم قابليّة المحلّ و لا يشفعون الا لمن ارتضى ان قلت على هذا فلا فائدة فى بعث الرسل و انزال الكتب و الوعظ و الانذار قلت ذلك لينتفع به من حسنت سريرته و طابت طينته ليكمل به نفسه و يخلص مع ربه انه‏ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ‏ قال اللّه تعالى‏ وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى‏ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ‏ و ليكون حجّة على من سائت سريرته و خبثت طينته ليهلك من هلك عن بيّنة و يحيى من حى عن بيّنة كي لا يكون للناس على اللّه حجّة بل كان له حجّة بالغة هذا تمام الكلام فى المقامين من القطع و قد عرفت ان الكلام فى منجزية القطع انما يكون عقليّة معرفة و لا مجال لغير العقل و لو كان لكان تقرير الحكم العقل و ح لا يخفى انّ فى الآيات و الرّوايات الدالة على ما ذكرنا شهادة على صحة ما حكم به الوجدان الحاكم على الإطلاق فى باب الاستحقاق للعقوبة و المثوبة و معه لا حاجة بل لا كفاية فى التمسك على منجزيّة القطع و وجوب اتباعه و على عقاب التجرّى بالإجماع المنقول من جماعة على ان ظان ضيق الوقت عصى لو اخّر الصلاة و ان انكشف بقاء الوقت و كذا التمسّك بانّ الاتفاق على ان سلوك طريق المظنون الخطر او مقطوعه معصية يجب‏

22

اتمام الصلاة فيه و كذا لا حاجة الى ما استدلّ على استحقاق المتجرّى للعقاب بما حاصله انه لولاه مع استحقاق العاصى له يلزم اناطة استحقاق العقوبة بما هو خارج عن الاختيار من مصادفة قطعه الخارجة عن تحت قدرته و اختياره مع بطلانه فيها اذ للخصم ان يقول بانّ المحتمل ان يكون الظنّ فى مسئلة الظّان فى ضيق الوقت جزء للموضوع و وجوب الإتيان بالصلاة فورا و لو انكشف خلافه فمع التاخير يتحقق العصيان بمخالفة الحكم الواقعى لا من باب التجرّى و يكون الظنّ طريقا لكن يقال يتحقّق العصيان مع التاخير لمخالفة الحكم الظاهرى بناء على عدم اختصاص العصيان بمخالفة الحكم الواقعى و على التقديرين انّ العقاب انما يكون لأجل مخالفة الحكم الواقعى او الظاهرى لا من جهة التجرّى و امّا مسئلة اتمام الصلاة فى السّفر المظنون الخطر فمن المحتمل بل المتعيّن ان يكون الخوف موضوعا لحرمة السّفر سواء كان الخوف متحققا فى الخارج ام لا فالعصيان انما يكون لمخالفة الحكم الواقعى المنجّز لا من جهة التجرى كما انّ للخصم ان يقول فى الجواب عن التمسّك بالدّليل العقلى بانّ استحقاق العاصى دونه انما هو لتحقق سبب الاستحقاق فيه و هو مخالفته عن عمد و اختيار و عدم تحققه فيه لعدم مخالفته اصلا و لو بلا اختيار بل عدم صدور فعل منه فى بعض افراده بالاختيار كما فى التجرى بارتكاب ما قطع انه من مصاديق الحرام كما اذا قطع مثلا بانّ مائعا خمر مع انه لم يكن بخمر فيحتاج الى اثبات ان المخالفة الاعتقاديّة سبب كالواقعيّة الاختياريّة كما عرفت بما لا مزيد عليه و هذا هو الحق فى الجواب و اما جواب الشيخ (قدس سرّه) عنه بان العقاب بما لا يرجع بالأخرة الى الاختيار قبيح الا انّ عدم العقاب لأمر لا يرجع الى الاختيار قبحه غير معلوم ففيه انّ الكلام ليس فى العقاب الفعلى و عدمه بل الكلام فى الاستحقاق الذى هو معلول لما هو تمام الملاك كما هو المختار او العصيان على طريقة المش و من المعلوم انّ المتّصف بالحسن و القبح انما هو الفعل لا الأمر القهرى كالاستحقاق فقوله (ره) قبحه غير معلوم إن كان المراد منه هو العقاب الفعلى فهو خارج عن محلّ الكلام و إن كان المراد منه هو الاستحقاق فتوصيفه (ره) بالقبح و عدمه غير صحيح مضافا الى ان ما وقع فى المقام من اناطة استحقاق العقاب و عدمه على المصادفة و عدمه غير صحيح على طريقته (ره) حيث ان الملاك للاستحقاق و عدمه عنده (ره) تحقق العصيان و عدمه فالمتعيّن فى الجواب ما افاده دام ظلّه ثم لا يذهب عليك انه ليس فى المعصية الحقيقيّة الا منشأ واحد لاستحقاق العقوبة و هو هتك واحد فلا وجه لاستحقاق عقابين متداخلين كما توهّم صاحب الفصول ايّاه مع ضرورة ان المعصية الواحدة لا يوجب الا عقوبة واحدة كما لا وجه لتداخلهما على تقدير استحقاقهما كما لا يخفى و لا منشأ لتوهّمه الا بداهة انه ليس فى معصية

23

معصية واحدة الا عقوبة واحدة مع الغفلة عن انّ وحدة المسبّب يكشف بنحو الانّ عن وحدة السّبب و ان شئت قلت انك قد عرفت مما شرحناه لك مفضلا ان التجرّى و الانقياد هو تمام الملاك لاستحقاق العقاب و الثواب من غير فرق بين صورة مصادفة القطع للواقع و خطائه و من غير فرق بين وقوع الحرام او الواجب فى الخارج و عدمه فوقوع الفعل فى الخارج و عدمه لا اثر له فى ذلك و ح ظاهر ان المعصية الحقيقيّة ليس فيه الا ملاك واحد للاستحقاق و هو هتك المولى و اظهار الطغيان بالنّسبة اليه دون الملاكين احدهما التجرّى المستند الى المبادى الأربعة اعنى اختيار المعصية و ثانيهما وقوع الفعل المنهىّ عنه فى الخارج و اذ لا تعدّد فى الملاك و العلّة فلا تعدّد فى السبب لا على وجه الحقيقة و لا على وجه التداخل بل التداخل غير معقول على كلا التقديرين اما مع وحدة الملاك فظاهر لأن وحدة المسبّب يقتضى وحدة السبب لاستحالة صدور الكثير عن العلّة الواحدة من حيث كونها واحدة و اما مع التعدّد لاستحالة توارد العلل المتعددة على المعلول الواحد و إن كان المراد من التداخل تعدد المعلول فلا مشاحة على اصطلاحه إلّا انه قد عرفت عدم تعدّد الملاك فيه هذا فتأمّل و ان اراد من التداخل العقاب الشديد مضافا الى عدم ملاك الشّديد فيه أنّ هذا لا يسمّى بالتداخل الا على وجه اصطلاحى فت ثم انك قد علمت انّ قبح التجرّى ذاتى يستحيل طريان جهة المحسنة عليه حتى يصير حسنا كما ان حسن الانقياد ذاتى يستحيل طريان جهة المقبّحة عليه حتى يصير قبيحا فالتّجرّى و الانقياد علّة تامّة للحسن و القبح و انّ الحسن و القبح من لوازمهما الغير المفارقة كالظّلم بمعنى وضع الشّي‏ء فى غير محلّه قبحه ذاتى يستحيل طروّ جهة الحسن عليه و هذا بخلاف الكذب فان قبحه ليس بذاتى و يجوز انفكاكه عن القبح كالكذب لإنجاء النّبىّ (ص) فالقبح بالنّسبة الى التجرّى ذاتى لا يجوز الانفكاك عنه الا ان هذا لا ينافى طريان جهة الحسن على الفعل المتجرّى به بناء على كونه قبيحا بالعرض لجهة التجرّى و كذلك حسن المنقاد به بناء على كون حسنه عرضيّا لجهة الانقياد و ان شئت قلت ان الحسن و القبح فى الأفعال ليس بذاتى بل بالوجوه و الاعتبار فاتّصاف الأفعال بالحسن و القبح كان ثانيا و بالعرض و اما اتّصاف نفس الوجوه بالحسن و القبح فكان ذاتيّا لأن كلّ ما بالعرض لا بدّ و ان ينتهى الى ما بالذّات و لكن الذاتى لا يعقل طروّ جهة اخرى عليها بغير الجهة التى تكون ذاتيّا فالقبح فى التجرّى كالحسن فى الانقياد انما يكون ذاتيّا يستحيل طريان جهة المحسنة او المقبّحة عليهما الّا انه لا ينافى ذلك طريان الجهة على المتجرّى به او المنقاد به اذ الحسن و القبح انما كان ذاتيّا بالنّسبة الى نفس الجهات لا الفعل و ح يمكن طريان جهة المحسّنة على الفعل المتجرّى به فيقع المزاحمة بينهما و بين الجهة المقبّحة الّتى طرأت من‏

24

جهة قبح التجرى و كذلك يمكن طريان جهة المقبّحة على الفعل المنقاد به فيقع المزاحمة بين هذا الجهة و الجهة الّتى طرأت من طرف حسن الانقياد فيقع الكسر و الانكسار بينهما فلعلّ هذا مراد صاحب الفصول من التعارض بين الجهتين و مراده من عدم كون قبح التجرّى ذاتيا بمعنى المتجزى به اى قبح المتجرّى به ليس ذاتيا فاذا لم يكن بذاتى فلا مانع من طريان جهة الحسن عليه كطريان جهة القبح على المنقاد به و ح فلا يرد ما اورده الشّيخ (ره) عليه فان قلت انّ ظاهر كلامه من انّ قبح التجزّى ليس بذاتى خلاف ما قلت من ان المراد الفعل المتجرّى به قلت انّ المصرّح به في كلامه ذلك حيث قال ان فعل المتجرّى به اذا كان واجبا توصّليّا فح يقع التعارض بين الجهة المحسّنة الواقعيّة و الجهة المقبّحة الظاهريّة فمراده من التجرّى الفعل المتجرّى به نعم يرد عليه ما اوردناه سابقا من انّ الفعل المتجرّى به و المنقاد به لا يتغيّر عما هو عليه من الحسن او القبح او الوجوب و الحرمة اذ ليس القطع بالشّي‏ء عنوانا ثانويّا لذلك الشّي‏ء فالتجرّى و الانقياد و إن كان الحسن و القبح فيهما ذاتيّا لكنّهما لا يؤثران فى الفعل المتجرّى به او المنقاد به فى الحسن و القبح اصلا و ما اورده عليه من عدم مزاحمة الجهة الواقعيّة للجهة الظاهريّة للجهل بالجهة الواقعيّة و الفعل مع كونه مجهول العنوان غير ملتفت اليه لا يتّصف بحسن و لا قبح لعدم كونه اختياريّا فلا وجه لمزاحمتها للجهة الظاهريّة المقبحة يدفعه انّ صدور الفعل بالجهة الظاهريّة ايضا لم يكن باختيارىّ فان فعل المتجرّى به كشرب الماء المقطوع كونه خمرا ليس باختيارىّ مط لا بعنوانه الواقعى اى كونه شرب الماء و لا بعنوانه الظّاهرى اى شرب الخمر فكما ان الجهة الواقعيّة ليست بمحسّنة فكذلك الجهة الظاهريّة ليست بمقبّحة و ح فالفعل المتجرّى به او المنقاد به من هذه الجهة الطّارية ليس بحسن و لا قبيح لما عرفت سابقا من انّ القطع ليس من الجهات المحسّنة و المقبّحة فافهم و تبصّر

الأمر الثالث [فى القطع الموضوعى‏]

انه قد عرفت بما لا مزيد عليه انّ القطع بالتكليف أخطأ او اصاب يوجب عقلا استحقاق المدح و الثواب او الذّم و العقاب‏ (1) و من المعلوم ان القطع لمكان كونه من الصّفات النفسانيّة المرآتيّة كان ذا جهتين جهة النفسيّة القائمة بالنّفس و جهة الكشفيّة و المرآتيّة فقد يلاحظ طرف الكشفيّة و المرآتيّة خاصّة و كان ما به ينظر الى متعلقه من موضوع او حكم لا ما فيه ينظر من دون ان يؤخذ شرعا فى خطاب بان كان كشفا محضا و طريقا صرفا و قد تقدّم احكامه تفصيلا كما انه قد يكون له دخل و كان ما فيه ينظر لا ما به ينظر الى متعلقه و قد يؤخذ فى موضوع حكم آخر يخالف متعلّقه بان كان له دخل فى الموضوع باحدى جهتيه و كان ما فيه ينظر لا يماثله و لا يضادّه و سيجي‏ء الإشارة الى امتناعهما فى محلّه كما اذا ورد مثلا فى الخطاب انه اذا قطعت بوجوب شي‏ء يجب‏

____________

(1) المدح و الذم بالنّسبة الى الموالى العرفية و الثواب و العقاب بالنّسبة الى المولى الحقيقى‏

25

يجب عليك التصدّق بكذا فان القطع بوجوب شي‏ء قد اخذ فى موضوع وجوب التصدّق و من المعلوم انّ وجوب التصدّق يخالف وجوب الشّي‏ء و لا يكون مماثله و لا مضادّه و لا يخفى انّ المراد بكون القطع ماخوذا فى الموضوع هو انه كان سببا لحدوث الحكم فى موضوع آخر لا انّ القطع يصير موضوعا للحكم بمعنى تعلق الحكم بنفس القطع مثلا لو قيل اذا قطعت بكون مائع بولا فتصدّق بدرهم فانّ القطع بكون المائع بولا صار سببا لتعلق الوجوب بالتصدّق لا انه صار سببا لوجوب القطع او حرمته و الفرق فيما قلناه بين كونه تمام الموضوع او جزئه سيجي‏ء آنفا و كيف كان تارة يؤخذ بنحو يكون تمام الموضوع بان يكون القطع بالوجوب مط و لو أخطأ موجبا لذلك و مثل ما اذا كان المائع المقطوع كونه بولا نجسا سواء كان بحسب الواقع بولا ام لا و اخرى بنحو يكون جزئه و قيده بان يكون القطع به فى خصوص ما اصاب موجبا له و الفرق بين القسمين انّ القطع فيما اذا كان تمام الموضوع كان الموضوع متحقّقا واقعا بمجرّد تحقق القطع سواء صادف القطع للواقع ام لا فمخالفته كانت مخالفة للحكم الواقعى و هذا بخلاف ما كان جزء للموضوع ففى صورة الخطاء ليس الموضوع متحقّقا و مخالفته ليست مخالفة للحكم الواقعى بل كان متجريا فى كلّ منهما قد يؤخذ طورا بما هو كاشف و حاك عن متعلقه بان يكون كشف المتعلق به بما هو كشف من اىّ سبب حصل له دخل فى ثبوت الحكم للموضوع و أخر بما هو صفة خاصّة المقاطع او المقطوع به و بعبارة اخرى و أخر يؤخذ بما هو؟؟؟ نفسانيّة او كشف خاصّ من حيث حصوله من سبب خاصّ او لشخص خاصّ او غيرهما و ذلك لأنّ القطع كما عرفت آنفا لما كان من الصّفات الحقيقيّة ذات الإضافة و لذا كان العلم نورا لنفسه و نورا لغيره صحّ ان يؤخذ فيه بما هو صفة خاصّة و حالة مخصوصة بالغاء جهة كشفه او اعتبار خصوصيّة اخرى فيه معها كما صحّ ان يؤخذ بما هو كاشف عن متعلّقه و حاك عنه فيكون اقسامه اربعة مضافة الى ما هو طريق محض عقلا غير مأخوذ فى الموضوع شرعا فيكون اقسامه ح خمسة نعم لا فائدة فى بعض تصوّرات القطع الموضوعىّ من حيث الحكم لأنّ الحكم لا يتغيّر بالنّسبة الى الحيثيّة الكاشفة و الصّفتيّة مط كما يتفاوت الأحكام و الآثار بالنّسبة الى جزء الموضوع و تمامه مط فيكون اقسامه ح ثلاثة

[قيام الأمارات مقام القطع الموضوعى‏]

ثمّ لا ريب فى قيام الطّرق و الأمارات المعتبرة بدليل حجّيتها و اعتبارها مقام هذا القسم اى القطع الطّريقى المحض فاذا عرفت اقسام القطع فله احكام فقهيّة و عقليّة و اصوليّة امّا الفقهيّة فهى انّ الأجزاء و سقوط الإعادة فيما يكون القطع فيه كشفا محضا و مرآة صرفة و كذا سائر الآثار الشّرعية يدور مدار الواقع و فيما يكون تمام الموضوع يدور مدار تعلّق القطع بذلك الموضوع‏

26

و ان لم يكن مطابقا للواقع و فيما كان جزء للموضوع يدور مدار مطابقة القطع للواقع و قد عرفت و امّا الأحكام العقليّة بالنّسبة الى القطع الطّريقى المحض فقد عرفتها تفصيلا و اما الأصوليّة فقد اشار الشّيخ الأستاد بقوله ثم لا ريب فى قيام الطّرق و الأمارات الخ‏

[فى مسالك جعل الامارات‏]

فاعلم انّ هاهنا مسلكين الأول مسلك من يجعل مفاد ادلة اعتبار الطّرق و الأمارات حكما تكليفيّا مولويّا ظاهريّا كما هو مختار الشّيخ (ره) و الثانى مسلك من يجعل مفاد ادلّة الاعتبار حكما وضعيّا صرفا كسائر المعانى المجعولة من الشارع بالجعل المستقلّ كالولاية و النّبوّة و غيرهما و هو مختارا شيخنا الأستاذ (1) فالمجعول فى باب الأمارات على هذا هو معنى الحجّية من دون ان يكون هناك حكم تكليفى اصلا و متعلق الجعل و التّصرف على هذا المسلك هو نفس الأمارة لا مؤدّى الأمارة و بعبارة اخرى انّ متعلق الجعل نفس الكشف لا المكشوف و ليس من باب تنزيل شي‏ء منزلة شي‏ء بل جعل نفس خبر العادل مثلا حجّة فى تنجّز الأحكام على من قام عنده تلك الحجّة و التنجّز و وجوب الأتباع ايضا ليس بحكم الش بل بحكم العقل كما فى القطع حيث انّ العقل يحكم بوجوب اتباع ما هو بالذّات او بالجعل حجة و استحقاق العقاب على مخالفتها سواء كانت حجّتها بنفس ذاتها او بالجعل كما فى حجّية الولىّ و النّبىّ فان الحجّية فيهم معنى مجعول اللّه تعالى و ليس مرجعه الى الحكم التكليفى بل الى الحكم الوضعىّ الصّرف كما فى قول النّبى (ص) فى يوم الغدير من كنت مولاه فهذا علىّ مولاه و كما فى مقبولة ابن حنظلة فانهم حجتى عليكم و امثالهما بل الحق ان كلّا من معنى النبوة و الولاية و الحجّية و امثالها معنى مستقلّ و لها حقيقة خارجيّة متمايزة كلّ واحد منها عن الآخر و مجعولة و لكلّ منها آثار مخصوصة متمايزة لا يترتب تلك الآثار الا بعد تحقق هذا المعنى بالجعل و سيجي‏ء الإشارة الى ذلك فى الأحكام الوضعيّة فانتظر و من الآثار وجوب الأتباع بحكم العقل كما انّ من آثار الأمارة تنجّز احكام مؤدّيها على من قام عنده تلك الحجّة و استحقاقه العقاب فى صورة المخالفة من غير ان يكون فى البين سوى الحكم التّكليفى الواقعى حكم تكليفى آخر و قيام الأمارة المجعولة حجّة بهذا المعنى مقام القطع الطّريقى المحض واضح حيث انه اعتبر الش فى حجّيتها عدم القطع بالحكم الواقعى ففى صورة فقد القطع يقوم مقامه الحجّة المجعولة نعم يلزم على هذا المسلك انّ الامتثال فى مقام الأمارات دائما انما يكون برجاء الأمر الواقعى دون الأمر المحقق الأعمّ من الظاهرى و الواقعى و امّا المسلك الأوّل فمرجع جعل الأمارة و الطّريق الى التوسعة فى الصّغريات و التعميم فيها توضيح ذلك انّ الصغرى للأحكام الكليّة الشرعيّة الواقعيّة انما هى موضوعات الواقعيّة من حيث هى هى فالحكم بحسب الواقع ثابت لها دون غيرها مثلا الحرمة الواقعيّة انما هى للخمر الواقعى لا لغيره من الخمر المظنون و المخبر به العادل و ثبوت‏

____________

(1) كما انه من اختصاصه؟

27

و ثبوت الحرمة للخمر المقطوع انما هو لكون القطع انكشافا تامّا و حجّة بالذات و واجب الاتباع و تنجّز المقطوعة بحكم العقل و الا فلو فرض عدم كون القطع حجّة و منجّزا لم تكن الحرمة و لا غيرها من الأحكام ثابتة للمقطوع لكن لمكان كون القطع حجّة و انكشافا تامّا و مرآة كاملة لاراءة الواقعيّات كانت الصّغرى للأحكام الواقعيّة المنجّزة هو المقطوع لا نفس الواقع من حيث هو هو امّا المظنون و المخبر به العادل فليس من صغريات الأحكام المنجّزة بنفس ذاته بل يحتاج فى صيرورته صغرى للأحكام المنجّزة الى حكم مولوىّ آخر غير الحكم الواقعى الأوّلى و هو الحكم الّذى يستفاد من ادلّة اعتبار الطرق و الأمارات على تنزيل مؤدّيها منزلة الواقع فى ثبوت الحكم المنجّز لها فلا بدّ ح من لحاظ المنزل و المنزل عليه و ما فيه التنزيل و المنزّل و المنزّل عليه دائما هو المكشوف لا الكشف ضرورة انّ الحكم التّكليفى لا يعقل تعلّقه بنفس الكشف بل لا بدّ من تعلّقه بالمكشوف فعلى هذا فالمنزّل هو المكشوف بالكشف الناقص و المنزّل عليه هو المكشوف بالكشف التّام و ما فيه التّنزيل هو تنجّز حكم الموضوع الواقعى على المكشوف بالكشف الناقص على نحو تنجّزه على المكشوف بالكشف التام فمفاد دليل حجّية الظنّ مثلا تنزيل المظنون منزلة المقطوع فى تنجّز الحكم الواقعى عليه لا تنزيل الظنّ منزلة القطع فكان نفس الحاكى و الكشف فى المنزّل و المنزّل عليه بلحاظ الى تبعىّ مرآتىّ و ما به ينظر لا ملحوظا بلحاظ الاستقلالي و ما فيه ينظر بل الملحوظ مستقلّا و ما فيه ينظر على هذا المسلك هو المكشوف و المحكى عنه لا الكشف و الحاكى و بالجملة انّ مرجع الجعل فى الأمارات على هذا المسلك التوسعة فى الصغريات و تعميمها و الحاق مؤدّيها بالمقطوع فى تنجّز الأحكام لها على من قام عنده ذلك الطريق فعلى هذا المسلك فى الحقيقة الموضوع المظنون و المخبر به العادل قائم مقام الموضوع المقطوع و الحكم المقطوع فى تنجّز حكم متعلقه او تنجّز نفس متعلقه على من قام عنده ذلك الطريق فمع فقدان القطع الطريقى يقوم الأمارات و الطرق المجعولة حجة مقامه و يوجب تنجّز احكام موضوع الواقعى عليه نعم يرد على هذا المسلك اشكال عويص قد عجز الفحول عن حلّه و هو لزوم اجتماع الحكمين المتماثلين عند المطابقة و اجتماع الحكمين المتضادّين عند الخطاء و المخالفة فى جعل الأمارة و سيجي‏ء الإشارة الى حلّه فى محلّه انش هذا تمام الكلام فى قيام الامارة مقام القطع الطّريقى المحض على المسلكين فقد ظهر من ذلك انه لا اشكال فى قيام الأمارات و الطرق مقام القطع الطّريقى المحض‏

[فى عدم قيام الامارات مقام القطع الموضوعى‏]

كما لا ريب فى عدم قيامها بمجرّد ذلك الدليل مقام ما اخذ فى الموضوع على نحو الصّفتية سواء كان جزء للموضوع او تمامه من تلك الأقسام الأربعة بل لا بدّ من دليل آخر على التّنزيل فانّ قضيّة الحجّية و الاعتبار ترتيب ما للقطع بما هو حجّة من الآثار

28

لا له بما هو صفة و موضوع ضرورة انه كذلك يكون كسائر الموضوعات و الصّفات و منه قد انقدح عدم قيامها بذلك الدليل مقام ما اخذ فى الموضوع على نحو الكشف سواء كان جزء للموضوع او تمامه فانّ القطع الماخوذ بهذا النحو فى الموضوع شرعا كسائر ما لها دخل فى الموضوعات ايضا فلا يقوم مقامه شي‏ء بمجرد حجّيته او قيام دليل على اعتباره ما لم يقم دليل على تنزيله و دخله فى الموضوع كدخله و إن كان صريح الشيخ (قده) الفرق بين ما اذا كان ماخوذا بنحو الصّفتية المحضة و بين ما اذا كان ماخوذا على نحو الكشفيّة فانّ دليل اعتبار قيام الأمارة يكفى فى قيام الأمارة مقام ما اخذ فى الموضوع بنحو الكشفيّة و هذا بخلاف ما اخذ بنحو الصّفتيّة فانه لا يكفى و لكن النّظر الدقيق لا يفرّق بين الأقسام الأربعة و توضيحه انك قد عرفت آنفا كيفيّة قيام الأمارة مقام القطع الطريقى المحض على المسلك الأوّل و قد علمت انّ مرجع الجعل ثمة فى الحقيقة الى تنزيل مؤدّيها منزلة الواقع فى تنجز الحكم بها و ح لا بدّ فى مقام الجعل لكونه فعلا اختياريّا من لحاظ المنزّل و المنزل عليه و ما فيه التنزيل و قد علمت انّ المنزّل دائما هو المكشوف و ما فيه التّنزيل هو تنجّز الحكم على المنزّل كتنجّزه على المنزّل عليه و انّ الملحوظ على الاستقلال و ما فيه ينظر هو المكشوف و المحكىّ لا الكشف و الحاكى بل الكشف كان ملحوظا بلحاظ الى تبعىّ لا استقلالى و كان ما به ينظر لا ما فيه ينظر و واضح انّ قيام الأمارة مقام القطع الموضوعى بنفس دليل اعتبارها يحتاج الى تنزيل آخر مغاير للتّنزيل الأول بحسب المنزل و المنزّل عليه و ما فيه التّنزيل حيث انّ القطع فيما اذا كان له دخل فى الموضوع و لو كان بلحاظ الكشفيّة يكون ملحوظا بلحاظ الاستقلالى و كان ما فيه ينظر فلا بدّ من قيام الأمارة مقامه من تنزيل نفس الأمارة مقامه و ان شئت قلت لا بدّ من تنزيل الكشف الناقص مقام الكشف التّام فكان المنزّل و المنزّل عليه فى هذا التنزيل هو الكشف لا المكشوف و ما فيه التنزيل هو ثبوت احكام المنزّل عليه اى القطع للمنزّل و هو الأمارة لا تنجّز الحكم و قد عرفت آنفا انّ الكشف فى التّنزيل الأوّل كان ملحوظا بلحاظ الى تبعىّ و ما به ينظر و بعد ما كان التّنزيلان متغايرين فلا بدّ فى جعلهما من إنشاءين و جعلين لاستحالة جعل التّنزيلين المتباينين فى انشاء واحد بحيث كان الكشف فى احدهما ملحوظا بالاستقلال و فى الأخر بالتّبع فيلزم ان يكون الكشف فى عين كونه لحاظا تبعيّا لحاظا استقلاليّا و بالعكس و مرجعه الى عدم كون الكشف بلحاظ الى تبعى لحاظا تبعيّا بل نفسيّا و لحاظه بلحاظ الاستقلالي فى حال كونه استقلاليّا لحاظا تبعيّا غير استقلاليّ و يبطله برهان الخلف و اجتماع النّقيضين فيستحيل انشاء التّنزيلين المذكورين اى تنزيل مؤدّى الأمارة منزلة الواقع و تنزيل نفس الأمارة منزلة القطع الموضوعى‏

29

الموضوعى بنفس دليل اعتبار الأمارة بل الدليل الواحد لا يفى الا باحد التّنزيلين بل الدّليل الموجود لا يساعد الا على تنزيل المحكىّ و المكشوف منزلة الواقع و توهّم كفاية دليل الاعتبار الدّال على الغاء احتمال خلافه و جعله بمنزلة القطع من جهة كونه موضوعا و من جهة كونه طريقا فيقوم مقامه طريقا كان او موضوعا فاسد جدّا فان الدّليل الدّالّ على الغاء الاحتمال لا يكاد يكفى الا باحد التّنزيلين حيث عرفت منا آنفا انه لا بدّ فى كل تنزيل منهما من لحاظ المنزّل و المنزّل عليه و ما فيه التّنزيل و لحاظهما فى احدهما الىّ و ما به ينظر و فى الآخر استقلاليّ و ما فيه ينظر بداهة انّ النّظر فى حجّية و تنزيله منزلة القطع فى طريقته فى الحقيقة الى الواقع و مؤدّى الطريق و فى كونه بمنزلته فى دخله فى الموضوع الى انفسهما و لا يكاد يمكن الجمع بينهما و اعلم ان هاهنا مقامين مقام الثبوت و مقام الأثبات و الظّاهر انّ الأشكال انما كان فى مرحلة الأثبات او كان دليل الاعتبار بنفسه ناظرا الى مقام الثبوت و الأثبات كليهما و امّا مرحلة الثّبوت فالظاهر انه لا اشكال فيه لإمكان ذلك فتامّل نعم فى مرحلة الأثبات فقط لو كان فى البين ما بمفهومه جامع بينهما يمكن ان يكون دليلا على التّنزيلين و لو بمعونة مقدمات الحكمة اذا لم يكن فى البين قدر معيّن و المفروض مضافا الى انه خارج عن محل الكلام انه ليس فلا يكون دليل الاعتبار كصدّق العادل دليلا على التّنزيل الّا بذاك اللحاظ الآليّ فيكون حجّة موجبة لتنجّز متعلقه و صحّة العقوبة على مخالفته في صورتي اصابته و خطائه لكن استحقاق العقوبة في صورة الخطاء بناء على استحقاق المتجرّى او بذلك اللّحاظ الآخر الاستقلالي فيكون مثله فى دخله فى الموضوع و ترتيب ما له عليه من الحكم الشّرعى هذا كلّه بالنّسبة الى المسلك الاول و امّا قيام الأمارة مقام القطع الموضوعى على المسلك الثّانى فانه و ان لم يرد عليه ما اوردناه على المسلك الأوّل حيث انّ مفاد الأمارات على هذا المسلك ليس حكما تكليفيّا و من باب تنزيل مؤدّى الأمارة منزلة الواقع بل متعلق الجعل على هذا هو نفس الأمارة و وجوب الأتباع انما كان بحكم العقل لكن القيام على هذا المسلك ايضا يحتاج الى تصرّف فى الدّليل الذى جعل القطع جزء للموضوع ضرورة انه اذا فرض كون القطع بخصوصه تمام الموضوع او جزئه سواء كان بلحاظ الكشفيّة او الصّفتيّة فلا يبقى مجال ح لقيام الأمارة مقامه عند فقد القطع لانتفاء الموضوع بداهة انّ المأخوذ و لو من جهة الكاشفيّة انما هو خصوص الكشف القطعى فالموضوع مثلا انما هو الخمر المنكشف بالكشف القطعى لا مطلق الانكشاف باىّ انكشاف كان و بدون الكشف القطعى كان الموضوع منتفيا فلا بدّ ح من التصرّف فى دليل اخذ القطع فى الموضوع من حيث التّعميم بان يجعل القطع المأخوذ جزء او تماما كناية عن مطلق الحجّة

30

الأعمّ من الذاتية المنجعلة او المجعولة فاذا فرض فقد القطع مع وجود الأمارة المعتبرة كان الموضوع متحققا لمكان كون الموضوع فيه امرا عامّا لا ينتفى بانتفاء خصوص القطع نعم يرد عليه بعد التعميم ايضا اشكال و هو انّ الحجّة على هذا المسلك عبارة عن منجزيّة الحكم الشرعى على من قام عنده تلك الحجّة و هذا المعنى يتصوّر فيما اذا كان فى متعلق الأمارة حكم شرعىّ فعلىّ ضرورة ان تنجّز حكم الموضوع الذى تعلق به الأمارة فرع لتحقق الحكم الفعلى بهذا الموضوع و اذا لم يكن لمتعلق الأمارة بنفسه حكم شرعىّ فعلىّ فيما كان القطع ماخوذا فى الموضوع فلا معنى لقيام الحجّة مقام القطع بنفس دليل الحجّية حيث انّ لنفس متعلق الأمارة ح لم يكن حكم شرعىّ حتى متنجّز بتلك الأمارة القائمة مقام القطع فلا بدّ مضافا الى التعميم المذكور من عناية و مسامحة اخرى بان يقال المراد من الحجة المأخوذة فى دليل اعتبار القطع فى الموضوع كونها حجّة فى الموارد التى كان فى متعلق الأمارة حكم فعلىّ فيها و ان لم يكن فى غير تلك الموارد حجة و بعبارة اخرى المراد وجود ذات الحجة اى نفس الأمارة المجعولة حجة فى غيرها و ان لم يكن حجّة فى هذه الموارد و كيف كان قد انقدح من جميع ذلك انه ما دام لم يكن فى البين ما بمفهومه جامع بين اللحاظين لم يكن دليل الاعتبار دليلا الا على احد التّنزيلين امّا بلحاظ الألى فيكون حجّة موجبة لتنجّز متعلقه او بلحاظ الاستقلالى فيكون مثله فى دخله فى الموضوع و ترتيب ما له عليه من الحكم الشرعى لا يقال على هذا لا يكون دليلا على احد التّنزيلين ما له يكن هناك قرينة فى البين فانه يقال لا اشكال فى كونه دليلا على حجّيته فان ظهوره فى انه بحسب اللحاظ الألى ممّا لا ريب فيه و لا شبهة يعتريه او لكونه قدرا متيقّنا فى البين فت و انما يحتاج تنزيله بحسب اللحاظ الأخر الاستقلالي من نصب دلالة و قرينة عليه فت فى المقام فانه دقيق و مزال الاقدام للأعلام و لا يخفى انه لو لا ذلك الأشكال المتقدّم من تعدّد اللحاظ و عدم امكان اجتماعهما فى انشاء واحد لامكن ان يقوم الطريق بدليل واحد دالّ على الغاء احتمال خلافه مقام القطع بتمام اقسامه و لو فيما اخذ فى الموضوع على نحو الصّفتية كان تمامه او قيده و به قوامه فلا وجه للتّفصيل بين ما كان ماخوذا فى الموضوع بلحاظ الكشف و ما اخذ بنحو الصّفتيّة كما هو ظاهر الشّيخ (ره) كما عرفت لأنه مع امكان اجتماع اللحاظين فى انشاء واحد فلا وجه للتّفرقة

[فى امكان قيام الامارات مقام القطع الموضوعى‏]

هذا و لكن مع ذلك كلّه يمكن قيام الأمارة مقام القطع الموضوعى حتى اعلى المسلك الأوّل بان يقال انّ ادلّة اعتبار الأمارات و ان لم يصاعد الّا على تنزيل المكشوف و المحكىّ منزلة الواقع إلّا انّه يكفى لتصحيح التّنزيل و التوسعة كون المنزّل و المنزّل عليه له مدخليّة فى الحكم الشرعى امّا دخلا تامّا او ناقصا و المستحيل‏

31

و المستحيل فيما لا يكون له مدخليّة فى الحكم الشرعى اصلا و لم يكن له اثر شرعىّ و امّا اذا كان له مدخليّة و لو مدخليّة ناقصة كما اذا كان جزء للموضوع فلا استحالة فكما انّ للشارع ان يوسّع ما هو تمام موضوع حكمه بتنزيل غيره منزلته بان يجعل الموضوع الجعلى منزلة الموضوع الواقعى الحقيقى فيما كان تمام الموضوع فكك له ان يوسّع ما هو جزء للموضوع اوله دخل فى الموضوع بان ينزّل غيره منزلته و ان شئت قلت فكما انّ للشارع ان يوسّع دائرة حكمه بان يتعلّقه بالموضوع التنزيلى فكك له ان يوسّع حكمه فيسرى عمّا هو جزء للموضوع الواقعى الى الموضوع الجعلى التنزيلى و يتّضح ذلك بالنظر الى الموضوعات المركّبة و المقيّدة مثل كريّة الماء و مائيّة الكرّ الذى كان موضوعا لحكم عدم الانفعال و الظاهريّة و المطهّريّة للغير فانّ الموضوع هو ماء الكرّ مركّبا و لا شبهة فى جواز وقوع التنزيل من الش بكلّ واحد من جزئيه كتنزيله بالنسبة الى المجموع فكما يصحّ احراز الموضوع المركّب بكلا جزئيه بالأمارة المعتبرة او بالأصل المعتبر كالاستصحاب مثلا فكذلك بالنسبة الى احد جزئيه بخصوصه دون الأخر بالأمارة المعتبرة او الأصل المعتبر فكما انّ دليل التنزيل يشمل لما هو تمام الموضوع فكك بالنسبة الى جزئه و قيده ككريّة الماء او مائيّة الكرّ مثلا لو احرز المائيّة بالوجدان و القطع و الكريّة بقول العادل او الاستصحاب كان الموضوع محرزا بتمامه و يترتب عليه عدم الانفعال بلا اشكال فكك العكس و الحاصل انه لا فرق بين ما اذا كان الموضوع بكلا جزئيه محرزا بالأمارة او الأصل و بين خصوص جزء منه دون جزئه الآخر فكما انّ ماء الكرّ الذى قامت الأمارة على كونه ماء الكرّ او الأصل المعتبر منزل منزلة ماء الكرّ الواقعى فى ترتيب آثار الواقع عليه من عدم الانفعال و مطهّريّته للغير فكك ما المقطوع الذى قامت الأمارة او الأصل المعتبر على كرّيته او الكرّية المقطوع الّتى قامت الأمارة او الأصل المعتبر على مائيّتها كان منزلا منزلة الموضوع الواقعى فى ترتيب حكمه عليه بلا اشكال و من المعلوم انه لا فرق فى ذلك بين ماء الكرّ و الخمر و بين مقطوعيّة الماء او الكرّوبين مقطوعيّة الخمر و امثاله فان قلت بعد تسليم ذلك انه صحيح بالنسبة الى جزء الموضوع و امّا فيما لو كان القطع تمام الموضوع فلا حيث ان المقطوع من حيث وجوده الخارجى الواقعى لا مدخليّة له فى الحكم الشرعى من اجل انّ الموضوع للحرمة هو الخمر المقطوع و لو لم يكن خمرا فى الواقع فالخمريّة الواقعيّة لا مدخليّة لها فى ثبوت الحكم الشرعى اصلا فالتّنزيل بالنسبة اليه غير صحيح قلت هذا توهّم فاسد فان معنى كون القطع تمام الموضوع ليس ان القطع محرّم لأنّه لا يمكن شربه و لا غيره من الأفعال و لا القطع بكل شي‏ء بل القطع المتعلق بخصوص الخمر و لو لم يكن خمرا بحسب الواقع و الفرق بين كون القطع جزء او

32

تماما انّ وجود الواقعى للخمر له مدخليّة فى الحكم دون تمام الموضوع فانّ وجوده الواقعى لا مدخليّة له فيه و لكن قطعه لا بدّ من تعلقه بالخمر بخصوصه فالخمر له مدخليّة فى الحكم فى كليهما و ليس اجنبيّا عن الحكم فيهما فلا وجه للأشكال فى صحّة شمول التنزيل بعد تسليمه بالنّسبة الى كلّ ما له دخل فى الحكم فان قلت سلّمنا ذلك لكن نقول الموضوع الجعلى و التنزيلى هو الموضوع للأحكام الظاهريّة لأنّ الحكم الذى يترتّب على الموضوع الجعلى الذى هو مؤدّى الأمارة او الأصل المعتبر كان حكما ظاهريّا لا محالة و يعتبر فى الموضوع الذى ادّت الأمارة اليه و يترتّب عليه الحكم الظاهرى الجهل به و كونه محتمل التحقّق او مظنون التحقق و بعبارة اخرى لا بدّ فيه من عدم القطع بانتفائه فانّ القطع بعدم كونه خمرا لا معنى فى كونه موضوعا للحرمة الظاهريّة و هو واضح حيث ان الحكم الظاهرى هو الحكم الذى يترتب على الموضوع المشكوك على انّه الواقع و هذا المعنى لا يتصوّر مع القطع بالانتفاء و فى المقام كان الموضوع مقطوع الانتفاء فان الموضوع فى المقام ليس هو الخمر و القطع مط و لو تعلق بغير الخمر بل احد جزئى الموضوع هو القطع المتعلق بالخمر بخصوصه كما عرفت و هذا الجزء فى المقام مقطوع الانتفاء بالوجدان حيث انّ القطع ح انما تعلق بالخمر التنزيلى لا الخمر الواقعى فليس هذا محرز بالوجدان فلا يكون محرزا بالتنزيل ايضا حيث انه لم يدلّ دليل على كون القطع بالخمر الجعلى منزلا منزلة القطع بالخمر الواقعى حتى يكون الجزء الموضوع محرزا بكلا جزئيه بالتنزيل و لا يمكن احرازه بنفس دليل اعتبار الأمارة لما عرفت من استحالة تنزيل المكشوف منزلة الواقع و تنزيل الكشف منزلة كشف آخر بتنزيل واحد و لحاظ واحد فح كان الموضوع مقطوع الانتفاء فلا مجال ح لتعلق الحكم الظاهرى به و هذا الأشكال غير وارد على ماء الكرّ حيث انّ احد جزئيه كان محرزا بالوجدان قلت الكلام فى تصحيح التنزيل بالنسبة الى كل ما له دخل فى الحكم الشرعى و لو لم يسمّ الحكم المترتب عليه بالحكم الشرعى و بعبارة اخرى انّ الكلام فى تصحيح التنزيل بالنسبة الى كل ما له دخل فى الحكم الشرعى لا فى الحكم المترتّب عليه فان قلت سلّمنا ذلك لكن الموضوع اذا كان احد جزئيه مقطوع الانتفاء حال تنزيل الجزء الآخر كان التنزيل بالنسبة الى ذلك الجزء غير صحيح و ان شئت قلت المسلّم من التنزيل بالنسبة الى الأجزاء و القيود انما هو فيما اذا لم يكن الجزء الآخر من اجزاء المركب مقطوع الانتفاء فى مرتبة هذا التنزيل اى فى مرتبة تنزيل الجزء الآخر او يعتبر كونه متحققا حال التنزيل امّا بالوجدان و امّا بالتنزيل و بدونه كان التنزيل بالنّسبة الى هذا الجزء الذى وقع عليه التنزيل غير صحيح حيث انّ التنزيل لا معنى له الا فى ترتيب الاثر الشرعى على المنزّل و بعد ما كان الجزء الآخر مقطوع الانتفاء حال التنزيل كان التنزيل بالنّسبة اليه لغوا صرفا و فى المقام يستحيل احراز احد جزئى الموضوع و هو القطع بالخمريّة

33

بالخمريّة وجدانا و تنزيلا امّا الوجدان فظاهر حيث انّ القطع بالخمر الواقعى مقطوع الانتفاء و امّا التنزيلى فلم يدل دليل مستقلّ عليه و ثبوت التنزيل بالنسبة اليه ايضا بنفس هذا التنزيل كان مستحيلا بالبيان الذى قد عرفته من امتناع تنزيل المكشوف و الكشف بلحاظ واحد و هذا بخلاف الماء الكرّ حيث انّ الجزء الآخر كان محرزا بالوجدان فيترتّب عليه آثار الواقع بعد احراز جزئه الأخر بالتنزيل و الحاصل ان تعميم التنزيل بالنسبة الى كل ما له دخل فى الحكم الشرعى بعد تسليمه غير مجد فى المقام قلت لا اشكال فى اعتبار عدم كون الجزء الآخر مقطوع الانتفاء فى صحّة التنزيل كما انه لا اشكال فى ان الجزء الآخر غير محرز بالوجدان فى المقام لكن يمكن احرازه بالتنزيل بنفس دليل اعتبار الأمارة بدعوى الملازمة العرفيّة بينه و بين تنزيل المؤدّى حيث انّ العرف لا يرى التّفكيك بين تنزيل الخمر الجعلى الذى قامت الأمارة او الأصل المعتبر على خمريّته و بين تنزيل القطع بالخمر الجعلى منزلة القطع بالخمر الواقعى لا نقول ذلك تاصّلا حتى يقال باستحالة التنزيل بالنّسبة الى القطع و المقطوع جميعا فى تنزيل واحد و بلحاظ واحد بل نقول تنزيل مؤدّى الأمارة او الأصل منزلة الموضوع الواقعى كان مستلزما لتنزيل القطع بمؤدّى الأمارة و الأصل منزل القطع بالخمر الواقعى فكان الموضوع فى المقام و هو الخمر المقطوع متحققا بكلا جزئيه بالتنزيل غاية الأمر انّ التنزيل بالنّسبة الى احد جزئيه و هو الخمر مثلا اولا و بالذّات و على وجه الأصالة و بالنسبة الى الجزء الآخر اى القطع بالخمريّة بالتّبع فيتمّ الموضوع بنفس دليل الأمارة و الأصل بكلا جزئيه فيترتب عليه ما يترتب على الواقع من الأحكام و الآثار فكان نظير ما اذا احرز ماء الكرّ بكلا جزئيه بالأمارة و التنزيل فكما لا اشكال فى ترتّب الأحكام الشرعيّة على الماء الكرّ الذى قامت البيّنة على كونه ماء كرّ او كان الموضوع بكلا جزئيه مستصحبا فكك لا مجال للاشكال فى ترتّب الحكم الشرعى فى المقام بعد احراز الموضوع بكلا جزئيه بالأمارة او الأصل هذا و لكن يرد عليه انّ الملازمة بعد تسليمها مجدية لو لم يكن الجزء الآخر من الموضوع مقطوع الانتفاء فى مرتبة تنزيل الجزء الآخر و مع كونه مقطوع الانتفاء لا اثر لهذا الجزء الذى وقع التنزيل بالنسبة اليه لأنّه لا معنى للتنزيل الّا ترتيب آثار المنزّل عليه على المنزّل و بدونه كان التنزيل باطلا هذا مضافا الى ان تنزيل القطع كان متاخّرا عن تنزيل المقطوع ضرورة تأخّر القطع عن المقطوع طبعا فكان الجزء الآخر و هو القطع مقطوع الانتفاء حال تنزيل المقطوع و هو الخمر مثلا مع توقف تنزيل القطع على تماميّة تنزيل المقطوع و توقف تنزيل المقطوع على تماميّة تنزيل القطع حال تنزيله لما عرفت من اعتبار تحقّق الجزء الآخر حال تنزيل الجزء الّذى وقع عليه التنزيل امّا بالوجدان او بتنزيل آخر فكلّ من التنزيلين يتوقف‏

34

تحققه على تحقق الآخر و هو دور فشمول دليل اعتبار الأمارات و الأصول للمقام غير حال عن الأشكال و ان سلّم شموله لكلّ ما له دخل فى الحكم الشرعى جزء كان او قيدا و لكن المقام لما كان احد جزئى الموضوع مقطوع الانتفاء لا يثمر تنزيل الجزء الآخر لما عرفت فلا يتمّ امر التنزيل فيه لا اصالة و لا تبعيّة بالملازمة العرفيّة فت فى المقام فانه دقيق و من مزال الأقدام فتلخّص بما ذكرنا ان الأمارة لا يقوم بدليل اعتبارها الا مقام ما ليس ماخوذا فى الموضوع اصلا

[فى عدم قيام الاصول مقام القطع‏]

امّا الأصول فلا معنى لقيامها مقامه بادلّتها ايضا غير الاستصحاب لوضوح انّ المراد من قيام المقام ترتيب ما له من الآثار و الأحكام من تنجّز التّكليف و غيره كما مرّت اليه الإشارة و هى ليست الّا وظائف مقرّرة للجاهل فى مقام العمل شرعا او عقلا توضيح ذلك انك قد عرفت سابقا انّ قيام الأمارات مقام القطع فيه مسلكان و كلاهما جار هاهنا ايضا فى الجملة كما فى الاستصحاب الشّرعى و الاحتياط الشرعى على وجه سيجي‏ء و مسلك الشيخ (ره) ايضا هاهنا هو التنزيل و استفادة الحكم التّكليفى من دليل اعتبارهما لأنّ المستفاد من دليل اعتبار الاستصحاب الشرعى كقوله لا تنقض اليقين بالشّك على المسلك الأوّل هو حرمة نقض اليقين بالشّك و مرجعه فى الحقيقة الى تنزيل المتيقّن سابقا و المشكوك لاحقا بمنزلة الواقع فى ترتيب آثار الواقع المقطوع عليه من تنجّز الحكم على من قام عنده الاستصحاب فيما اذا صادف قطعه الواقع و تحقق عنوان التجرّى فيما اذا لم يصادف الواقع و خالف فيستحقّ عقاب التجرّى بمخالفته او ثواب الانقياد بموافقته و امّا على مسلك شيخنا الأستاذ فالمستفاد من دليل اعتبار الاستصحاب ليس الّا الحكم الوضعى خاصّة و مرجعه فى الاستصحاب الى حجّية نفس الاستصحاب فكان النّهى فى دليل اعتبار الاستصحاب ارشاديّا محضا و وضعيّا صرفا و حرمة المخالفة و وجوب الأتباع انما كان بحكم العقل لا الشرع هذا بالنسبة الى الاستصحاب الشرعى و امّا البراءة و التّخيير الشرعيّين فلا يتصوّر فيهما المسلكان المزبوران آنفا حيث انّ مفادهما ليس الّا التوسعة و التّرخيص و ليس مفادهما حكما الزاميّا حتى يتصوّر فيه الحكم التكليفى الإلزامي فيهما و ان شئت قلت انّ البراءة و التخيير حيث لم يكن لهما نظر الى الواقع بل لم يكونا الا وظيفتين للجاهل فى مقام العمل فلا تنزيل فيهما فلا حكم و امّا الأصول العقليّة غير الاحتياط العقلى فهى ليست الا وظيفة للجاهل عند العمل عن قبل العقل فعدم التنزيل فيها اظهر من الأصلين الشّرعيّين فقد انقدح من ذلك عدم معنى لقيامها بادلّتها غير الاستصحاب الشّرعى لا يقال ان الاحتياط لا باس بالقول بقيامه مقامه فى تنجّز التّكليف لو كان و ان شئت قلت انّ المستفاد من دليل اعتبار الاحتياط كقفوا عند الشّبهات على المسلك الأوّل ليس الّا الحكم الإلزامي التكليفى و مرجعه الى تنزيل المحتمل منزلة الواقع المقطوع فى ترتيب آثار المقطوع عليه من تنجّز الحكم الواقعى‏

35

الواقعى على من قام عنده دليل الاحتياط فيما اذا صادف الواقع و تحقق عنوان التجرّى و الانقياد فيما اذا خالف الواقع فيستحقّ امّا عقاب التجرّى او ثواب الانقياد و على المسلك الثّانى فليس شي‏ء سوى الحكم الوضعى الصّرف و مرجع الاحتياط على هذا المسلك الى حجّية الاحتمال و الشّك فى الحكم الشّرعى على من قام عنده هذا الدّليل فكان الأمر فيه ارشاديّا محضا و وضعيّا صرف من دون تنزيل شي‏ء مقام شي‏ء آخر و حرمة المخالفة و وجوب الاتباع انما كان بحكم العقل لا الشرع‏

[فى قيام الاحتياط مقام القطع و عدمه‏]

و ح فلا باس بان يقال ان الاحتياط لا مانع من القول بقيامه مقام القطع الطّريقى المحض فى تنجّز التكليف لو كان فانه يقال امّا الاحتياط العقلى فليس الّا لأجل حكم العقل بتنجّز التكليف و صحّة العقوبة على مخالفته لا شي‏ء يقوم مقامه فى هذا الحكم و امّا الاحتياط النّقلى فالزام الش به كقفوا عند الشّبهات مثلا و إن كان مما يوجب التنجّز و صحة العقوبة على المخالفة كالقطع و من اجل هذا لا مانع من قيامه مقامه الّا انه لا نقول به فى الشبهة البدويّة لما سيجي‏ء من تقدم ادلّة البراءة فى الشبهة البدويّة على الاحتياط و لا يكون بنقلىّ فى المقرونة بالعلم الإجمالي لما سيجي‏ء من انّ الاحتياط فى العلم الإجمالي انما يكون احتياطا عقليّا دون الشرعىّ و لذا نجرى البراءة الشرعيّة فى اطراف العلم الإجمالي دون البراءة العقليّة فقد ظهر من ذلك انّ الأصول باجمعها سوى الاستصحاب الشّرعى لا يقوم مقام القطع الطريقى المحض ضرورة انّ المراد من القيام ترتيب ما له من الآثار و الأحكام من تنجّز التّكليف و هى ليست الا وظائف مقررة للجاهل فى مقام العمل شرعا او عقلا فافهم فانّه يمكن ان يقال انّ تقدّم ادلّة البراءة على الاحتياط فى الشّبهة البدويّة لا يمنع من قيام الاحتياط الشرعى مقام القطع الطّريقى المحض لأنّ الاحتياط كالاستصحاب ناظر الى الواقع و ليس اصلا صرفا و لذا نقول باستحباب الاحتياط الشرعى فى الشّبهة البدويّة فعدم الاحتياط الشرعى فى الشّبهة البدويّة من اجل قوّة ادلّة البراءة على الاحتياط و عدم القول بالاحتياط الشّرعى فى المقرونة بالعلم الإجمالي غير عدم تصوّر معنى الاحتياط للقيام كالبراءة و التّخيير فانّ معناهما غير قابل للقيام لا نقول انّ مفادهما ليس حكما شرعيّا راسا بل نقول حيث لا نظر لهما الى الواقع فلا معنى لتنزيلهما مقام الواقع فلا معنى لقيامهما مقام القطع الطّريقى المحض فما وقع عن الشيخ (ره) من قيام الأصول الأربعة باجمعها مقام القطع الطّريقى المحض لا وجه له فافهم و استقم و لا تقلد

[فى عدم قيام الاستصحاب مقام القطع‏]

و لا يخفى عليك ان بعد ما اختاره الشيخ الاستاد آنفا من انّ الأصول الأربعة لا معنى لقيامها مقام القطع الطريقى بادلّتها غير الاستصحاب فيتوهّم انّ الاستصحاب كما يقوم بادلّته مقام القطع الطريقى كذلك يقوم بادلّته مقام القطع الموضوعى فرفع هذا التوهّم بقوله ثمّ لا يخفى انّ دليل الاستصحاب ايضا لا يفى بقيامه مقام القطع المأخوذ

36

فى الموضوع مط جزء كان للموضوع او تمامه بنحو الكاشفيّة او الصّفتيّة و ان مثل لا تنقض اليقين بالشّكّ ابدا لا بدّ من ان يكون مسوقا امّا بلحاظ المتيقّن او بلحاظ نفس اليقين لما عرفت من انّ تنزيل ذلك يحتاج الى تعدّد اللّحاظ من تنزيل المشكوك لاحقا منزلة المقطوع و تنزيل الشّك و الاحتمال فى مدخليّته فى الموضوع منزلة القطع الموضوعى و قد عرفت آنفا انّ الدليل الواحد لا يفى بهما مع كونهما متباينين لا يمكن اجتماعهما فى انشاء واحد و ما ذكرنا فى الحاشية المعلّقة على الفرائد فى وجه تصحيح لحاظ واحد فى التنزيل منزلة القطع بالواقع و انّ دليل الاعتبار هذا شروع منه فى وجه التصحيح انما يوجب تنزيل المستصحب و المؤدّى و هو المشكوك لاحقا منزلة الواقع المقطوع سابقا اوّلا و بالذّات و انّما كان تنزيل القطع فيما له دخل فى الموضوع بالملازمة العرفيّة بين تنزيليهما و تنزيل القطع بالواقع تنزيلا تعبّدا منزلة القطع بالواقع حقيقة لا يخلو من تكلّف بل تعسف فانه لا يكاد هذا شروع منه فى ردّ التصحيح فقال فانه لا يكاد يصحّ تنزيل جزء الموضوع او قيده بما هو كذلك بلحاظ اثره الا فيما كان جزئه الآخر او ذاته محرزا بالوجدان او تنزيله فى عرضه و اعلم ان الأشكال هو الأشكال الذى عرفته منّا سابقا فى خلال وجه تصحيح قيام الأمارات مقام القطع الموضوعى مط بلسان فان قلت سلّمنا ذلك لكن نقول الموضوع التّنزيلى هو الموضوع للأحكام الظاهريّة الخ فراجع و الحاصل انه لا يكاد يصحّ تنزيل جزء الموضوع او قيده بما هو كذلك بلحاظ اثره الا فيما كان جزئه الأخر او ذاته محرزا بالوجدان او تنزيله فى عرضه فلا يكاد يكون دليل الأمارة او الاستصحاب دليل على تنزيل جزء الموضوع ما لم يكن هناك دليل على تنزيل جزئه الآخر فيما لم يكن محرزا حقيقة و فيما لم يكن دليل على تنزيلهما بالمطابقة كما فيما نحن فيه على ما عرفت منّا سابقا مشروحا فى وجه تصحيح قيام الأمارة مقام القطع الموضوعى بجميع اقسامه لم يكن دليل الأمارة دليلا عليه اصلا فانّ دلالته على تنزيل المؤدّى يتوقف على دلالته على تنزيل القطع بالملازمة لتقدّم القطع على المقطوع طبعا و لا دلالة له كذلك الا بعد دلالته على تنزيل المؤدّى لتأخّره عن المقطوع فانّ الملازمة انما تكون بين تنزيل القطع به منزلة القطع بالموضوع الحقيقىّ و تنزيل المؤدّى منزلة الواقع كما لا يخفى فتامّل جيّدا فانه لا يخلو عن دقّة و قد عرفتها سابقا مشروحا فلا نعيد فراجع‏

وهم و تنبيه‏

انّ الشّيخ (ره) اجاب عن الأشكال الذى تقدّم منّا من عدم شمول دليل اعتبار الاستصحاب لتنزيل الشّك المسبوق باليقين منزلة اليقين كى يقوم الاستصحاب مقام القطع الموضوعى كقيامه‏

37

كقيامه مقام القطع الطريقى لاستحالة تنزيل الشّك و المشكوك و المتيقّن و اليقين بتنزيل واحد و لحاظ واحد لاستلزامه الخلف و الجمع بين المتناقضين بانه لا مجال لهذا الأشكال لأنّ دليل الاعتبار كما يكون له عموم بحسب الأفراد كذلك له عموم بحسب الأحوال فكما انّ الدليل يشمل جميع افراد المتيقّن و اليقين فكك يشمل جميع احوالهما بحسب كون اليقين طريقا محضا و خارجا عن الموضوع او كان له دخل فى الموضوع جزء و قيدا فمع وجود الدّليل على الشمول لا مجال لتوهّم عدم الشّمول و انت خبير بان ما ذكره (ره) مرجعه الى وجود الدّليل على الشمول و الأشكال المتقدّم ليس مرجعه الى عدم وجود الدّليل على الشمول حتى يمكن دفعه بدعوى وجود الدليل على الشمول بل يرجع الأشكال الى وجود الدّليل على الامتناع عقلا ببرهان الخلف و استحالة اجتماع النّقيضين و مع وجود الدّليل القطعى على الامتناع لا مجال لدعوى عموم الأحوالى بل لو فرض وجود الدليل على الشمول فلا بدّ من طرحه او حمله على معنى آخر فت فتلخّص من جميع ذلك انّ الأمارة لا يقوم بدليل اعتبارها كصدق العادل او الق احتمال الخلاف مقام القطع الموضوعى باقسامه و كذلك الأصول الشّرعيّة و العقليّة سوى الاستصحاب فانها لا يقوم مقام القطع مط حتى الطّريقى المحض و امّا الاستصحاب فانه يقوم مقام الطريقى المحض و هذا بخلافه فى القطع الموضوعى فانّ الاستصحاب ايضا لا يقوم مقام الموضوعى كما عرفته ثم لا يذهب عليك ان هذا الوجه الذى ذكرناه فى الحاشية فى وجه تصحيح لحاظ واحد الى آخر ما نقلناه آنفا لو تمّ لعمّ جميع اقسام القطع و لا اختصاص له بما اذا كان القطع ماخوذا على نحو الكشف لأنّ القطع المأخوذ على نحو الصّفتيّة ايضا كذلك من جهة انّ عدم لحاظ الكشف غير عدم وجود الكشف فى القطع و لو بنحو الصّفتيّة بداهة انّك قد عرفت انّ الكشف و المرآتيّة بالنّسبة الى القطع ذاتى لا يمكن انفكاكه عنه غاية الأمر انّ المولى فى مقام اخذ القطع فى الموضوع بنحو الصّفتيّة لا يلاحظ فيه الكشفيّة بل اخذه فيه بعنوان انه احد اوصاف القائمة بالنفس كالخوف و امثاله لكون العلم فيه جهتان جهة المرآتيّة و جهة النّفسيّة فاخذه فى الموضوع على نحو الصّفتيّة انما يكون بلحاظ الثّانى الا انّ الجهة الاولى ايضا لا تنفكّ عنه‏

الأمر الرّابع [فى اخذ القطع بحكم فى موضوع نفس هذا الحكم‏]

لا يكاد يمكن ان يؤخذ القطع بحكم في موضوع نفس هذا الحكم للزوم الدّور و لا مثله للزوم اجتماع المثلين و لا ضدّه للزوم اجتماع الضدّين و اعلم انه لا اشكال فى امكان اخذ القطع فى الموضوع الذى ليس له حكم فى نفسه باحد الاقسام الأربعة و قد عرفته و انما الأشكال فى اخذ القطع فى الموضوع الذى كان له حكم فى نفسه او اخذه فى نفس الحكم بان يجعل الموضوع الذى كان له حكم فى نفسه موضوعا لحكم شرعىّ او يجعل نفس الحكم الشّرعى موضوعا لحكم شرعىّ آخر و هذا يتصوّر على وجهين الأوّل ان يجعل الموضوع‏

38

الذى له حكم فى نفسه اذا قطع به موضوعا لحكم شرعىّ كان ذلك الحكم عين الحكم الّذى كان لهذا الموضوع او مثله او ضدّه او يجعل نفس الحكم الشرعى اذا قطع به موضوعا لحكم شرعىّ كان هذا الحكم عين ذلك الحكم او مثله او ضدّه كما اذا جعل الخمر الّذى كان حراما فى نفسه موضوعا لعين هذه الحرمة او موضوعا لحكم آخر مثله او ضدّه كالوجوب و كما اذا جعل القطع بحرمة الخمر موضوعا لعين هذه الحرمة او لحرمة اخرى مثل هذه الحرمة او ضدّ هذه الحرمة كالوجوب الثّانى ان يجعل الموضوع الذى له حكم فى نفسه اذا قطع به موضوعا لحكم شرعىّ فى موضوع آخر غير الموضوع الذى قطع به سواء كان مثل هذا الحكم او ضدّه او يجعل نفس الحكم الشرعى اذا قطع به موضوعا لحكم شرعىّ فى غير موضوع هذا الحكم الذى قطع به سواء كان مثله او ضدّه مثاله اذا جعل الخمر الذى كان حراما فى نفسه اذا قطع به موضوعا لحرمة شرب الماء مثلا او لوجوب شرب الماء و كما اذا جعل القطع بحرمة الخمر موضوعا لحرمة شرب الماء او وجوبه او حرمة التصدّق او وجوبه مثلا امّا القسم الثّانى فلا شبهة في جوازه لعدم محظور فيه اصلا كما انه لا اشكال فى استحالة القسم الأوّل سواء جعل القطع بالموضوع او القطع بنفس الحكم تمام الموضوع او جزئه لاستلزامه الخلف فيما جعل القطع بالموضوع الذى له حكم فى نفسه موضوعا لنفس هذا الحكم اذ المفروض ان الموضوع بنفسه له الحكم و لاستلزامه الدّور فيما جعل القطع بالحكم موضوعا لعين هذا الحكم و ماخوذا في موضوع نفس هذا الحكم و هو واضح و لاستلزام اجتماع المتماثلين او المتنافيين فى موضوع واحد من جهة واحدة فيما جعل القطع بالموضوع او القطع بالحكم موضوعا لمثل هذا الحكم او ضدّه امّا في صورة مصادفة القطع للواقع فيلزم اجتماع المتماثلين او المتضادّين عند الحاكم و القاطع و فى صورة عدم مصادفة القطع للواقع يلزم اجتماع المثلين او الضدّين عند القاطع فقط و إن كان غير لازم عند الحاكم كما يظهر بالتامّل و توهّم انّ القطع بالشي‏ء كان عنوانا ثانويّا لذلك الشي‏ء فلا يلزم اجتماع المثلين او الضدّين في موضوع واحد من جهة واحدة حيث انّ الموضوع للحكم الأوّلى‏ (1) هى الخمر من حيث هى من دون تقييدها بشي‏ء و امّا الحكم الثّانوى الذى جعل للخمر المقطوع فموضوعه الخمر الواقعى المقطوع او المائع المقطوع بكونه خمرا و هو مغاير للخمر من حيث هو هو فموضوع الحكمين امران متغايران فلا اجتماع فى موضوع واحد يدفعه انّ القطع بالشّي‏ء لا يغيّر هذا الشّي‏ء عما هو عليه اصلا ضرورة ان مقطوع الخمريّة ليس الا نفس الخمر و موضوع الحكم الثانوى ليس الا ما هو (1) مقطوع الخمريّة بالحمل الشّائع الصّناعى و هو نفس الخمر من دون تغاير فيه اصلا و بالجملة التّغاير انما هو بحسب الحمل الأوّلى حيث انّ مقطوع الخمريّة غير نفس الخمر بالحمل الأوّلى لكن الموضوع للحكم‏

____________

(1) و اعلم ان الخمر على ما نص عليه بعض المحققين مؤنث سماعى فارجاع الضمير المؤنث اليها فى المتن كان بهذا الاعتبار منه‏

39

للحكم الثانوى ليس الا مصداق مقطوع الخمريّة اى ما يصدق عليه المقطوع بالحمل الشائع الصّناعى و هو نفس الخمر الموضوع لكلا الحكمين امر واحد و هو نفس الخمر و شبهة التّغاير انما نشأت من الاشتباه بين المفهوم و المصداق من جهة توهّم كون الموضوع هو مقطوع الخمريّة و هو توهّم فاسد و ايضا لا شكّ فى انّ الموضوع للحكم الأوّلى انما هو نفس الخمر من حيث هو هو اى سواء كانت منكشفة بالقطع أو لا فالحكم الأوّلى يسرى الى الموضوع المنكشف ايضا حقيقة فيجتمع فى الموضوع المنكشف الحكمان المتماثلان او المتضادان و بعد التامّل فيما ذكرناه ينكشف عدم المجال للتوهّم المذكور نعم يصحّ اخذ القطع بمرتبة من الحكم فى مرتبة اخرى منه او مثله او ضدّه كما يجعل القطع بالحكم الإنشائي موضوعا للحكم الفعلى مثله او ضدّه لعدم استحالة اجتماع الحكمين الغير الفعليّين بطريق التماثل او التضادّ لما عرفته فى الجملة سابقا من انّ الحكم ما دام لم يبلغ الى المرتبة الفعليّة لا يترتب عليه الآثار من المماثلة و المضادّة و غيرهما من الآثار الأخر فافهم و تبصّر و اعلم ان المقصود بالأصالة للأصولى فى باب القطع و الظّنّ انما هو بيان احكام القطع بالحكم الشرعى و الظنّ به و امّا القطع و الظنّ بالموضوع فيذكر بالتّبع و على وجه الاستطراد فنقول اعادة لما نقلناه عن الشّيخ الأستاذ سابقا فى التنبيهات و متمّما لما ذكرناه سابقا من القطع بالموضوع انّ القطع لمكان كونه انكشافا تامّا و مرآتا كاملة لإراءة الواقع بحيث كان متعلقه نفس الواقع لدى القاطع فلا يحتاج فى اثبات حكم متعلقه اذا تعلّق بالموضوع الى تاليف قياسين بل يكفى فيه ترتيب قياس واحد و الصّغرى فيه كان نفس الواقع لا الواقع المقطوع و لا عنوان المقطوع فيقال هذا خمر و كلّ خمر حرام شرعا فهذا حرام شرعا و امّا الظنّ فلما لم يكن كشفا تامّا و لا مرآة كاملة لاراءة الواقع بحيث كان متعلقه نفس الواقع حتى يجعل الصّغرى فى قياسه نفس الواقع و لا يكون حجّة بالذّات بل بالجعل عقلا او شرعا فلا بدّ فى اثبات حكم متعلقه بعد حجّيته شرعا او عقلا الى تاليف قياسين يثبت باحدهما الموضوع و بالآخر الحكم الذى كان الواقع و كانت النتيجة فى احد القياسين هى الصغرى فى الأخرى فيقال هذا ما قامت الحجّة على خمريّته و كلّ ما قامت الحجّة على خمريّته فهو خمر شرعا فهذا خمر شرعا ثم يرتّب قياس آخر هكذا هذا خمر شرعا و كلما هو خمر شرعا فهو حرام شرعا فهذا حرام شرعا هذا بناء على مسلك التنزيل فى باب الأمارات و ان مؤدّيها احكام تكليفيّة مولوية مرحلة الظّاهر حيث انّ الأمارة على هذا يثبت مؤديها شرعا فاذا كان المؤدّى هو الموضوع يثبت الموضوع شرعا و اذا كان الحكم يثبت الحكم شرعا و كذلك الكلام فى حجّيته الظنّ من باب الكاشفيّة حال الانسداد فانه ايضا يثبت الموضوع و الحكم شرعا و اما بناء على مسلك الآخر فى باب الأمارات من الحكم الوضعى خاصّة و عدم كون مؤدّيها احكاما ظاهريّة فلا يثبت بها

40

الموضوع و لا الحكم شرعا بل كان لسان الدّليل على هذا المسلك حجّية الأمارة بمعنى تنجّز الواقع اذا اصاب و صادف الواقع بحكم العقل و تحقّق عنوان التجرّى و الانقياد اذا خالف فيستحقّ عقاب التجرّى في صورة المخالفة و الطّغيان و ثواب الانقياد في صورة الموافقة و المتابعة و اما اثبات كون الحكم و الموضوع هو الحكم و الموضوع الشّرعى فلا و كذلك الكلام فى حجّية الظنّ حال الانسداد بناء على انتاج المقدّمات حجّية الظنّ على وجه الحكومة فلا يثبت به كون المظنون و ما وصل اليه الظنّ هو الموضوع الشرعى او الحكم الشّرعى بل لسان النّتيجة وجوب الأتباع و الجرى على طبقه بحكم العقل و ترتيب آثار الواقع على المظنون بحكم العقل لا من جهة انّه الموضوع الشرعى او الحكم الشرعى و العقل لا يحكم بشي‏ء الا بما هو واقع فانّ الظنّ لمكان كونه انكشافا ناقصا لا يجعل المظنون نفس الواقع لدى الظّان حيث انّه يحتمل الخلاف و مع عدم كون المظنون نفس الواقع كيف يحكم العقل على كونه نفس الواقع بل يستحيل هذا منه فلا يحتاج الى تاليف قياسين حيث انّ ترتيب القياسين لاثبات الحكم الشّرعى للموضوع الشّرعى و بعد ما لم يثبت به الحكم الشرعى و انما يثبت به مجرّد الحكم العقلى فلا وجه لترتيب القياسين ضرورة ان الحكم العقلى على وجوب الأتباع و الجرى على طبقه ثابت بنفس قيام الحجّة فيكفى فيه قياس واحد فيقال هذا ما قامت الحجّة على خمريّته و كلما قامت الحجة على خمريته يجب بحكم العقل ترتيب آثار الواقع عليه فهذا يجب ترتيب آثار الخمر الواقعى عليه عقلا مع انه ليس بخمر شرعا هذا

[فى امكان جعل حكم آخر فى مورد الظن‏]

و امّا الظنّ بالحكم فهو و إن كان كالقطع فى عدم جواز اخذه في موضوع نفس ذاك الحكم المظنون للزوم الدّور او الخلف على ما سيأتى إلّا انه لمّا كانت معه مرتبة الحكم الظّاهرى محفوظة كان جعل حكم آخر في مورده مثل الحكم المظنون او ضدّه بمكان من الإمكان توضيح ذلك يحتاج الى مقدمة و مجمل القول فيها ان الظنّ كالقطع صفة نفسانية مرآتيّة ذات جهتين جهة النفسيّة القائمة بالنّفس و جهة الكشف و المرآتيّة فقد يلاحظه لجهة الكشفيّة و كان ما به ينظر الى متعلقه من موضوع او حكم لا ما فيه ينظر و تنجّز به متعلقه او حكم متعلّقه بحكم العقل كما فى حال الانسداد على تقرير الحكومة او بحكم الشرع كما فى جميع ادلّة الطرق و الأمارات فى الموضوعات و قد يكون له دخل فى الموضوع باحدى جهتيه و كان ما فيه ينظر و ح فقد يؤخذ فى الموضوع بما هو كاشف عن متعلّقه من اىّ سبب حصل و قد يؤخذ بما هو صفة نفسانيّة او كشف خاصّ من حيث حصوله من سبب خاصّ او شخص خاصّ و على التقديرين قد يكون تمام الموضوع و قد يكون جزء الموضوع فيكون الظنّ على انحاء ثلاثة الأوّل ما اعتبر امارة و طريقا الى متعلّقه عقلا كما

41

كما فى حال الانسداد على تقدير الحكومة و ح لا يحكم بثبوت متعلقه به لا حقيقة و هو ظاهر و لا تعبّدا من اجل عدم الدّليل من الشّرع عليه و العقل انما يحكم على وجوب متابعته و الجرى على طبقه لا على كون ما وصل اليه حكما شرعيّا او موضوعا شرعيّا اذا العقل لا يحكم على شي‏ء الا بما هو عليه واقعا و الظنّ لعدم كونه كشفا تامّا و مرآة كاملة لاراءة الواقع لا يحكم العقل بكون المظنون و ما وصل اليه الظنّ نفس الواقع لدى الظانّ مع عدم كون نفس الواقع لديه و لو فرض حكم العقل على هذا كان حكما على خلاف الواقع و هو من العقل مستحيل فلا يكون المظنون و ما وصل اليه الظنّ بناء على الحكومة حكما شرعيّا لأنّ المفروض عدم كونه نفس الواقع لدى الظّانّ بل يحتمل خلافه فلا يقع واسطة لثبوت متعلّقه و إن كان واسطة لاثبات وجوب العمل على وفقه و الجرى على طبقه الثّانى ما اعتبر امارة و طريقا شرعا بان اخذ فى الشرع موضوعا لوجوب الأتباع فيحكم على ثبوت متعلقه به على مسلك التّنزيل فى باب الأمارات و استفادة الحكم الظاهرى من ادلة اعتبارها و هذان القسمان يطلق عليهما الحجّة الثّالث ما اخذ في موضوع حكم خاصّ تكليفيّا كان او وضعيّا و اقسامه ثمانية حاصلة من ضرب قسمى الكشفيّة و الصّفتيّة فيما اذا كان تمام الموضوع او جزئه و قيده و ضرب الأربعة المذكورة فى قسمى متعلق الظنّ اى ما كان متعلقه الموضوع او الحكم و الظنّ الموضوعى باقسامها الثمانية لا تطلق الحجّة عليه اذ ليس حاله الا كسائر ما يؤخذ فى الموضوع ثم انك قد علمت تفصيل الكلام فى القطع فاستمع حالات الظنّ فنقول انّ الظنّ كالقطع من عدم استحالة اخذه فى الموضوع الذى ليس له حكم فى نفسه و انّما الكلام فى انه كالقطع فى استحالة اخذه فى الموضوع الذى كان له حكم ام لا فاعلم انه لا اشكال فى استحالة اخذه فى الموضوع الذى كان له حكم فى نفسه على وجه يلزم الدّور بان يجعل الخمر المظنون مثلا موضوعا لشخص هذه الحرمة التى كانت للخمر لأنّ هذا دور بوجه و خلف بوجه و هو ظاهر و انما الكلام فى اخذ الظنّ في موضوع مثل الحكم الذى كان الموضوع بنفسه او ما يضادّه مع كون الحكمين بفعليّين دون الإنشائيّين او احدهما بفعلىّ و الآخر انشائى و البادى فى النظر استحالته كالقطع لكن التحقيق و النظر الدقيق يقتضى عدم استحالته من هذه الحيثيّة و الفرق بين القطع و الظنّ من تلك الجهة و لذا قال الشّيخ الأستاذ و امّا الظنّ بالحكم فهو و إن كان كالقطع فى عدم جواز اخذه فى موضوع نفس ذاك الحكم المظنون للزوم الدّور او الخلف إلّا انه لما كان معه مرتبة الحكم الظّاهرى محفوظة لعدم إراءة الظنّ نفس الواقع و لو عند الظان كان جعل حكم آخر في مورده مثل الحكم المظنون او ضدّه بمكان من الإمكان من دون اجتماع المثلين او الضدّين في موضوع واحد ان قلت إن كان الحكم المتعلق به الظنّ فعليّا ايضا بان يكون‏

42

الظنّ متعلقا الحكم الفعلى مع كون الحكم الظاهرى ايضا فعليّا لا يمكن اخذه فى موضوع حكم فعلى آخر مثله او ضده لاستلزامه الظنّ باجتماع الضدّين او المثلين و انما يصحّ اخذه فى موضوع حكم آخر كما فى القطع طابق النعل بالنعل و ان شئت قلت ان الكلام فيما كان الحكمان فعليّين مثله كان او ضدّه و مع كونهما بفعليّين لا محيص عن اجتماع الضدّين او المثلين و هما محالان قلت يمكن ان يكون الحكم فعليّا بمعنى لو تعلق به القطع على ما هو عليه من الحال لتنجّز و استحق على مخالفته العقوبة و مع ذلك لا يجب على الحاكم رفع عذر المكلّف برفع جهله لو امكن او بجعل الاحتياط عليه فيما امكن بل يجوز جعل اصل او امارة مؤدّية اليه تارة و الى ضدّه اخرى و لا يكاد يمكن مع القطع به جعل حكم آخر مثله او ضدّه كما لا يخفى‏

[فى مراتب الحكم و مراتب الفعلية]

و توضيح ذلك يحتاج الى مقدّمة خارجيّة نافعة فيما نحن فيه بل يدفع بها جملة من الإشكالات الواردة فى التّعبّد بالأمارة حال الانفتاح من لزوم تفويت المصلحة و الإلقاء فى المفسدة المانعة من جعل الظنّ حجّة فى زمان الانسداد و هى انّ الحكم بقول مط له عرض عريض و مراتب غير متناهية فانّ المحبوبيّة و المبغوضيّة من المولى الحكيم النّاشئة من المصالح و المفاسد النفس الأمريّة ليس لها حد محدود و؟؟؟ ختم بل فوق كل مرتبة منهما يتصوّر مرتبة اخرى اعلى و اشدّ بحيث لم يكن فى المرتبة السّابقة لها تلك المرتبة و كذلك الكلام فى المحبوبيّة و المبغوضيّة من المولى العرفيّة و من عامة النّاس و الفرق انما هو فى كون المحبوبية و المبغوضيّة من الحكيم ناشئة عن المصالح و المفاسد النفس الأمريّة و الحكمة الباطنة المخفيّة عن الناس حيث ان صدور الحكم عند العدليّة عن الحكيم جزافا قبيح خلافا للأشاعرة و اما كون كل مرتبة من المراتب الأربعة ذات تشكيك فلا فرق بين الموالى و امّا ما ذكرنا من المراتب الأربعة للحكم انما كان بالنظر الى كليّات المراتب و اما بالنّسبة الى كل مرتبة فلا اشكال فى كونه ذات تشكيك و له مراتب و عرض عريض و بالجملة الوجوب و الحرمة مثلا بحسب اللّب عبارة عن المحبوبيّة و المبغوضيّة النّاشئة عن المصالح و المفاسد النفس الأمريّة و لكلّ من الأحكام بحسب المراتب الكلّية مراتب اربعة و قد عرفتها كما انّ لكل مرتبة من تلك المراتب مراتب لا تحصى بحسب الشدّة و الضّعف بالنّسبة الى المصالح و المفاسد و اوّل مرتبة الفعليّة التى بدونها كان الحكم انشائيّا هو كون الحكم بحيث اذا علم المكلف به عادة و اتفاقا يتنجّز عليه و يصحّ المؤاخذة و العقاب على مخالفته و لا يجب على المولى اعلام المكلّف و تنبّهه و رفع موانع التنجّز او جعل الاحتياط عليه حتى لا يفوت منه الواقع حيث انّ الحكم المذكور و إن كان فعليّا ليس له حالة منتظرة؟ غير قيام الحجة عليه إلّا انه بعد لم يبلغ الى درجة من المحبوبيّة بحيث يجب على المولى رفع موانع التنجّز امّا تكوينا باعلام المكلف و تنبّهه بالقاء العلم بالحكم فى قلبه او تشريعا بجعل الظنّ و الاحتمال‏

43

و الاحتمال منجّزا للحكم الواقعى و ايجاب الاحتياط لأدراك الواقع مع كون الحكم مشكوكا بالشّك البدوى و كون الحكم فى تلك المرتبة من مراتب الفعليّة لا يلزم على المولى قبح و نقض لغرضه لو لم يرفع موانع تنجيزه تكوينا او تشريعا بل له إبداء الموانع لمصلحة فى المقام اعنى ما يكون مانعا نوعا جائزا ضرورة انّ عدم وجوب رفع الموانع مع القدرة عليه كان مساوقا لجواز ابداء ما يكون مانعا عن الوصول اليه و تنجّزه عليه نوعا بحيث قد يمنع عن الوصول اليه و قد لا يمنع و كان موصلا الى الواقع كما فى المقام فى التّعبد بالأمارة حال الانفتاح فانّ الأمارة ليست دائم المخالفة فمانعيّتها عن الوصول الى الواقع ليست على وجه الاستمرار و الدّوام بل قد يخالف الواقع و يمنع عن التنجّز كما انه قد يصادف و ينجّز نفس الواقع هذه مرتبة الأولى من مراتب الفعليّة و امّا المرتبة الأخرى منها ان يكون الحكم بدرجة من الفعليّة بحيث كان رفع الموانع عن الوصول اليه و و تنجّزه على المكلّف تكوينا او تشريعا واجبا و ابداء الموانع قبيحا و ممتنعا و نقضا للغرض فمع بلوغ الحكم بتلك المرتبة يجب على الش المكلف بالكسر ايجاد ما يوجب تنجّزه على المكلف تكوينا او تشريعا و لو كان الواقع مشكوكا بالشّك البدوى و لو لم يكن فى البين العلم الإجمالي و يستحيل في هذا الفرض ابداء الموانع و لو نوعا منه تعالى فيمتنع التّعبّد بالأمارة و الظنّ حال الانفتاح فى تلك المرتبة و الحاصل انه لا يصحّ في هذا الفرض جعل الطرق و الأصول حجّة مع تمكّنه من الوصول اليه بتحصيل العلم لما يلزم من جعل الطّرق و الأصول و الظنّ حجّة كون العامل بها معذورا عن الواقع الفعلى صادف الواقع ام لا لأنّ عدم رفع الموانع او ابداء الموانع مع كون الحكم بتلك الدّرجة و المرتبة من الفعليّة نقض للغرض فيجب عليه رفع الموانع من التنجّز و الوصول الى هذا الحكم كما انه لا يجوز له ابداء الموانع بجعل الأمارة و الأصل حجة و واجب الاتباع كما فى التعبّد بالأمارة حال الانفتاح او جعل حكم آخر لهذا الموضوع الذى كان له حكم فى نفسه اذا تعلّق به الظنّ كما فى المقام من جعل الخمر المظنون خمرا حراما فعليّا لحرمة اخرى غير الحرمة التى لنفس الخمر او واجبا فعليّا و امّا كون الحكم فى اىّ مرتبة و فى اىّ درجة من تلك المراتب فيعرف ذلك من موارد جعل الاصل او الاحتياط مثلا انّ من موارد جعل اصل البراءة كما فى اكثر الأحكام الواقعيّة فى الشّبهات البدويّة يستكشف عدم اهتمام الش بالحكم الواقعى كثيرا بالنسبة الى اعلى المراتب و إن كان بالغا الى مرتبة الفعليّة بحيث لو علم بها اتفاقا و عادة لتنجّز و يعاقب على مخالفته و هذا بخلاف بعض الاحكام الآخر كما فى موارد احتمال القتل حيث انه اوجب الاحتياط فيها بمجرّد الشّك و الاحتمال فيها و امر بالتوقف و ادراك الواقع بالعلم التفصيلى فاذا عرفت هذه المقدّمة فنقول لا مجال و لا اشكال فى المقام من حيث اجتماع المتماثلين‏

44

او المتنافيين من جهة ان المستحيل منهما انما كان مع وحدة المرتبة و كون الحكمين في درجة متساوية بالنسبة الى تلك المرتبة و اما مع تعدّد المرتبة فلا اشكال فكما انّ القطع بالحكم الإنشائي او بالموضوع الذى له حكم فى نفسه انشائيّا يجوزان يجعل موضوعا لحكم آخر فعلىّ مثله او ضدّه لعدم اجتماع المثلين او الضّدين لمكان تعدّد مرتبة الحكمين فكك يجوز ان يجعل الظنّ بالحكم الفعلى فى اوّل مرتبة الفعلية او الظنّ بالموضوع الذى له حكم فعلىّ كذلك موضوعا لحكم فعلىّ آخر مثله او ضدّه و بهذا ظهر لك وجه دفع الاشكال فى التعبّد بالأمارة حال الانفتاح و ان قلنا بكون الأحكام الواقعيّة احكاما فعليّة و لا يلزم اجتماع المثلين او الضّدين هناك و لا تفويت المصلحة و لا الإلقاء فى المفسدة كما سيأتي تحقيقه فى كيفيّة التوفيق بين الاحكام الظاهريّة و الواقعيّة فافهم لعلّه اشارة الى الفرق بين الظنّ و القطع فى ذلك بيانه انّ بين القطع و الظنّ فى ذلك فرقا حيث لا يعتبر فى الظنّ ان يكون الحكم الأوّلى انشائيّا كما يعتبر ذلك فى القطع فانه لا يمكن اجتماع الحكمين الفعليّين و لو كانا بحسب الدّرجة متعددا لتنجّز الحكم الأولى بالقطع و معه لا مجال للحكم الثّانوى لأن اقلّ درجة الفعليّة ان يكون الحكم بحيث لو علم به لتنجز فاذا تنجّز لا يمكن توجه حكم آخر الى المكلّف فعلا و هو ظاهر فلا بدّ ان يكون الحكم الأوّلى انشائيّا و هو غير منجّز مع القطع به و امّا الظنّ الموضوعى فلما لم يكن حجّة و منجّز المتعلّقة مط لا بالذّات و لا بالجعل حيث انّ المفروض كونه موضوعا للحكم لا طريقا الى الحكم فيمكن ان يكون متعلّقه حكما فعليّا غير منجّز و هو موضوع للحكم الفعلى الآخر كذلك فظهر الفرق بين القطع و الظنّ من هذه الجهة فلا بدّ من دفع الاجتماع فى القطع بان يكون الحكم الأوّلى انشائيّا و الآخر فعليّا فظهر من ذلك الفرق بين القطع و الظنّ من هذه الجهة كما انه قد ظهر من جميع ما ذكرنا توضيح مرادا شيخنا الأستاذ من الإشكالين الّذين ذكرهما بلسان ان قلت و توضيح الجوابين الذين ذكرهما بلسان قلت حيث قال اوّلا ان قلت إن كان الحكم المتعلّق به الظنّ فعليّا الى فافهم ثم قال ثانيا ان قلت كيف يمكن ذلك و هل هو إلّا انّه يكون مستلزما لاجتماع المثلين او الضدّين قلت لا باس باجتماع الحكم الواقعى الفعلى بذلك المعنى اى لو قطع به من باب الاتفاق لتنجّز مع حكم آخر فعلىّ فى مورده بمقتضى الأصل او الأمارة او دليل اخذ فى موضوعه الظنّ بالحكم بالخصوص به على ما سيأتي من التحقيق فى التوفيق بين الحكم الظاهرىّ و الواقعى نعم هاهنا اشكال آخر فيما اذا كان الظنّ جزء للموضوع لاتمامه و هو انّ الموضوع للحكم اذا كان الخمر الواقعى المظنون فلا بدّ فى اثبات الحكم من احراز الموضوع بكلا جزئيه و الظنّ و إن كان محرزا بالوجدان الّا انّ جزئه الآخر غير محرز بقول مطلق بل لا يمكن احرازه ايضا امّا عدم كونه محرزا بقول مطلق لا حقيقة و هو ظاهر حيث انّه مظنون لا مقطوع فانّ الظنّ‏

45

الظنّ من حيث هو لا يغنى من الحق شيئا و لا تعبّدا و تنزيلا حيث لا دليل على كونه خمرا تعبّدا و مع عدم احراز الموضوع بجزئيه لا يمكن ترتب الحكم على الموضوع بالضّرورة و اما مع عدم احراز هذا الجزء فلانّ قيام الحجّة على خمريّته يوجب الحكم الذى كان لنفس هذا الموضوع و معه لا مجال للحكم الثّانوى كما عرفت فى القطع الموضوعى و بالجملة لا يمكن احراز الخمريّة لأنّا نقطع بانتفاء الموضوع راسا و لا بالحجّة الشرعيّة و لا الأمارة المعتبرة لتنجّز الحكم الأوّلى و معه لا يمكن توجه الحكم الثّانوى الى المكلّف على وجه الفعليّة و بدون الأحراز ايضا لا يثبت الحكم لعدم ثبوت الموضوع لكن هذا الأشكال غير وارد لو كان الظنّ تمام الموضوع حيث انه لا يعتبر احراز الجزء الآخر ح كما لا يخفى و إن كان بعد الأحراز احيانا بقيام الحجّة عليه موجبا لتنجّز الحكم الذى كان لنفس متعلق الظنّ و معه لا مجال للحكم الآخر لكنّه امر اتفاقى و ليس بدائمى إلّا ان يقال ان احراز الخمريّة بالظنّ فيما كان جزء الموضوع من حيث كونه جزء الموضوع لا يوجب تنجّز الحكم الّذى كان لنفس الخمر حيث ان الخمر بالنسبة اليه كان تمام الموضوع و احرازه من حيث كونه جزء الموضوع لا يوجب كونه محرزا بكلّ وجه حتى من حيث كونه تمام الموضوع بحكم آخر حتى يوجب تنجّز الحكم الذى كان له فى حدّ نفسه و بدون تنجّز الحكم الأوّلى لا اشكال فى تحقّق الحكم الثّانوى و الأشكال بامتناع قيام الأمارة المعتبرة مقام الظنّ الموضوعى بنفس دليل الاعتبار على نحو قيامها مقام القطع الموضوعى بنفس دليل اعتبارها لاستلزامه انشاء التنزيلين المتغايرين بانشاء واحد و لحاظ واحد و هو مستحيل بالبيان الذى عرفته مفصّلا هناك يدفعه انّ الكلام انما هو فى تصحيح جزئيّة الظن للموضوع و اشكال احراز الموضوع بالأمارة بعد الفراغ عن الأشكال السّابق و الجواب عنه بالاكتفاء فى ذلك تنزيل واحد و تنزيل الأمارة منزلة الواقع بدعوى تعميمه لما اذا كان متعلق التنزيل تمام الموضوع كما فى موارد قيام الأمارة مقام القطع الطريقى و الظنّ الطريقى او جزء الموضوع كما في موارد قيامها مقام القطع الموضوعى و الظنّ الموضوعى نعم يرد عليه ما اوردناه هناك بعد الفراغ عن هذا الأشكال و الجواب عنه و هو انّ الخمر مثلا الذى هو جزء الموضوع و إن كان محرزا بالأمارة المعتبرة لكن الجزء الآخر و هو الظنّ بالخمر الواقعى كان مقطوع الانتفاء حيث انّ الظنّ ح بالخمر التّنزيلى لا بالخمر الواقعى و اذا لم يكن هذا الجزء محرزا بالوجدان فلا بد من احرازه بالتنزيل و التعبّد الشرعى مع انه لا دليل على تنزيل الظنّ بالخمر التنزيلى منزلة الظنّ بالخمر الواقعى فلا يمكن ترتب الحكم الشرعى ح و دعوى الملازمة العرفيّة بين تنزيل المظنون منزلة الواقع و تنزيل الظنّ بالخمر التّنزيلى منزلة الظنّ‏

46

بالخمر الواقعى قد عرفت الأشكال عليها هناك من استلزامها للدّور المستحيل ضرورة توقف كل من التنزيلين على الآخر فتلخّص انّ احراز الخمر الذى كان جزء للموضوع بالأمارة غير خال عن الإشكال بل يرد عليه جميع الإشكالات التى اوردناها فى محل قيام الأمارة مقام القطع الموضوعى لكن يمكن ان يصحّح المقام بدعوى امكان احراز جزء الآخر اعنى الخمر بنفس الظن الذى اخذ فى الموضوع فان الظنّ و ان لم يكن حجة و طريقا الى الحكم الشرعى حيث انه اخذ فى الموضوع و معه لا معنى للحجّية لكن لما كان جزئيّة الظنّ للموضوع مع عدم امكان احراز الجزء الأخر لغوا صرفا فيمكن ان يستفاد من نفس الدّليل الذى اخذ الظنّ جزء للموضوع بدلالة الاقتضاء كون الظنّ طريقا الى الجزء الآخر ايضا لئلا يلزم اللغويّة فيحرز الجزء الآخر بنفس الظنّ الذى هو جزء للموضوع بدلالة الاقتضاء من غير احتياج فى احرازه الى قيام امارة معتبرة و على هذا يدفع الأشكال راسا و كان الموضوع بكلا جزئيه محرزا الا انّ مثل هذا الموضوع الذى اخذ الظنّ فيه لا يمكن احرازه بالقطع و لا بالحجة المعتبرة فيعتبر عدم احرازه بالحجة المعتبرة دائما بحيث انه بعد الأحراز بالحجّة المعتبرة احيانا لا يمكن ترتّب حكمه عليه امّا احرازه بالقطع فظاهر حيث انه يوجب الانقلاب و التبدّل و امّا قيام الحجّة المعتبرة عند القطع فلاستلزامه تنجّز الحكم الذى للجزء فى حدّ نفسه و قد عرفت انّه مع تنجّز الحكم الأوّلى لا مجال للحكم الثّانوى فالموضوع الذى اخذ الظنّ فيه لا بدّ من كونه غير محرز بالقطع و بالحجّة المعتبرة دائما و هذا الأشكال سهل الدفع و ليس بمحذور حقيقة

الأمر الخامس فى جواز المخالفة الالتزاميّة و عدمه‏

و قبل الشروع فى المقصود لا بدّ من تقديم مقدّمة و هى ان المراد بالالتزام هو التّصديق و الاعتقاد القلبى بوجوب ما قطع بوجوبه و حرمة ما قطع بحرمته بعكس التشريع حيث انّ التشريع هو الالتزام و الاعتقاد بوجوب ما قطع بعدم وجوبه او شكّ فى وجوبه او الالتزام بحرمة ما قطع بعدم حرمته او شكّ فيها و المسألتان عقليّتان و لا مجال للدّليل السّمعى فيهما بناء على ما سيجي‏ء ثم ان الكلام فى المسألة انما هو فى تنجّز الموافقة التزاما و اعتقادا بنحو تنجّز الموافقة عملا و اركانا بحكم العقل بنفس القطع بالحكم المولوى لا من دليل خاصّ خارجىّ فوجوب التصديق و الاعتقاد و الالتزام بما جاء به النّبىّ (ص) بالدّليل الخاصّ الخارجى كان خارجا عن محل الكلام و عن مورد النّقض و الإبرام اذ ربما كان وجوب التصديق و الالتزام بالدّليل الخاصّ الخارجى مسلّما كما هو الحقّ مع عدم تسليم وجوب الالتزام عقلا بنفس القطع بالحكم فالتكلّم فى المسألة ايضا من احكام القطع التفصيلى بالحكم المولوى و لذا قدّمناها على العلم الإجمالي فالمسألة

47

فالمسألة عقليّة صرفة مسئلة التجرّى و الانقياد و الإطاعة و العصيان بل المسألة امّا من فروع مسئلة التجرى و الانقياد او من توابعها او عينها من غير فرق بينهما الا الاختلاف بحسب المورد حيث انّ المسألة السّابقة فى وجوب الموافقة و حرمة المخالفة بحسب العمل و الأركان بالحرمة العقليّة و وجوب العقلى و فى المقام فبحرمة المخالفة و وجوب الموافقة بحسب القلب و الجنان بحرمة عقليّة و وجوب عقلى اذا تقرّرت هذه فنقول هل تنجّز التّكليف بالقطع سواء صادف الواقع ام لا كما يقتضى موافقته عملا يقتضى موافقته التزاما و التّسليم له اعتقادا او انقيادا كما هو اللّازم فى الأصول الدينية و الأمور الاعتقاديّة بحيث كان له امتثالان و طاعتان إحداهما بحسب القلب و الجنان و الأخرى بحسب العمل بالأركان فيستحق العقوبة على عدم الموافقة التزاما و لو مع الموافقة عملا و اركانا او لا يقتضى ذلك فلا يستحق العقوبة عليه بل انما يستحقها على المخالفة العمليّة فقط دون المخالفة الالتزامية و بعبارة اخرى انّ القطع بالحكم المولوى كما يجب اتباعه عقلا و يوجب تنجّز الحكم من حيث الموافقة العمليّة سواء صادف القطع للواقع ام لا و يوجب استحقاق العقاب بمخالفته اركانا و عملا و استحقاق الثواب بموافقته و متابعته فهل يوجب بحكم العقل تنجّزه من حيث الموافقة الالتزاميّة و التّصديق و الاعتقاد فيستحقّ العقاب بمخالفته جنانا و اعتقادا و يستحق الثواب بموافقته و متابعته كذلك صادف القطع للواقع ام لا و ان استحق العقاب من جهة مخالفته للدّليل الخارجى الذى دلّ على وجوب الاعتقاد و الالتزام بجميع ما جاء به النّبىّ (ص) او من جهة استلزام المخالفة الالتزاميّة احيانا لإنكار مولويّة هذا المولى راسا بناء على تسليم هذا التّلازم نظرا الى ان عدم الالتزام و التصديق بوجوب ما اوجبه الش و حرمة ما حرّمه مرجعه الى التّخطئة و التكذيب و هو ينافى ما هو الملاك المولويّة الش اعنى النبوّة فان التصديق بالنّبوة مع التكذيب و التخطئة مما لا يجتمعان لكن لا ينافيه القول بعدم وجوب الموافقة الإلزاميّة و الاعتقاديّة بنفس القطع بالحكم الحق هو الثّانى بشهادة الوجدان الحاكم فى باب الإطاعة و العصيان بذلك فاستقلال العقل بعدم استحقاق العبد الممتثل لأمر سيّده بالعمل بالأركان إلا المثوبة دون العقوبة و لو لم يكن متسلّما و ملتزما به و معتقدا و منقادا له و إن كان ذلك يوجب تنقيصه و انحطاط درجته لدى سيّده لعدم اتّصافه بما يليق ان يتّصف العبد به من الاعتقاد باحكام مولاه و الانقياد لها و من المعلوم انّ هذا الانحطاط و التّنقيص غير استحقاق العقوبة على مخالفته لأمر مولاه او نهيه التزاما مع موافقته عملا كما لا يخفى فلا تكون الموافقة الالتزاميّة من مقتضيات الحكم التكليفى و من تبعاته عقلا هذا كله بناء على كون الالتزام هو التصديق و الاعتقاد القلبى؟ و اما بناء على كونه من سنخ الاعتقاد و التصديق بل مباينا لهما فالمخالفة

48

التزاما ليست مستلزمة لتكذيب الش و لا مستلزمة لمخالفة الدّليل الخاصّ الخارجى بان كان معنى الالتزام هو التسليم و الرّضا بالأحكام الصّادرة عن قبل المولى زائدا على التصديق و الاعتقاد بها فالمخالفة التزاما غير مستلزم لتكذيب الش لا مكان اجتماعها مع تصديق النّبى (ص) و الاعتقاد بوجوب ما اوجبه و حرمة ما حرّمه كما انّ هذا حال اكثر الناس حيث انهم آمنوا و اعتقدوا بحقّية النبىّ (ص) و صدّقوا بما جاء به من الأحكام التّكليفيّة مع كونهم ممتثلين لها من حيث العمل على حسب اعتقادهم لكنّهم ليسوا فى مقام التسليم و الرّضا فى ذلك بل يمتثلون لها فى كمال الكراهة و المشقّة فظهر مما ذكرنا انّ ما صدر عن بعض المحققين من التمسك لحرمة المخالفة التزاما بالدّليل الذى دلّ على وجوب التصديق و الاعتقاد بما جاء به الش لا وجه له اصلا حيث انها لا ينافى التصديق و ليست مستلزمة للتكذيب فكما انها ليست مخالفة للاحكام التّكليفيّة و لا يكون موافقتها بحسب الالتزام من مقتضيات التكليف و تبعاتها فكك ليست مخالفة للدّليل الذى دلّ على وجوب التصديق و الاعتقاد بما جاء به و لا مستلزما لتكذيبه (ص) و لكنّه مع ذلك لا يخلو عن اشكال لأن عدم التّسليم و الرضا بالحكم و الإتيان على وجه المشقّة و الكراهة يكشف عن عدم الالتزام به فمعنى الالتزام ليس الّا الاعتقاد و التصديق القلبى و لا يعقل انفكاكه عنه فالمخالفة التزاما تستلزم تكذيب الش و لكن هذا مشكل ايضا لذهاب جمع من المحقّقين الى جواز المخالفة الالتزاميّة و لو كان معناه الاعتقاد و التصديق القلبى على وجه يستلزم تكذيب الش فهل يجوّز مسلم هذا المعنى مع استلزامه لتكذيب الش اللّهم إلّا ان يقال انّ المجوّزين توهّموا انّ معناه هو التسليم و الرّضا و المانعين توهّموا انّ معناه هو الاعتقاد و التصديق و لكنّه مع ذلك يمكن ان يقال بانّا لا نفهم مراد النازعين فى الموافقة التزاما و المخالفة كذلك فتامّل‏

[فى الحاق العلم الاجمالى بالعلم التفصيلى و عدمه‏]

ثم لا يذهب عليك بناء على لزوم الموافقة الالتزاميّة و حرمة المخالفة الالتزاميّة فى العلم التّفصيلى كما عرفت فهل يكون العلم الإجمالي ملحقا بالعلم التفصيلى فى ذلك او لا فينبغى التكلّم فيه فى مقامين امّا الاوّل فالظاهر عدم الفرق بين القطع التفصيلى و الإجمالي فى ذلك لو قيل فى القطع التفصيلى بانّ العقل مستقلّ بذلك و هذا الأشكال فيه و انّما الأشكال فى انّ العقل في مورد العلم الإجمالي يحكم بوجوب الموافقة القطعيّة الالتزاميّة تفصيلا و على وجه التعيين او التخيير بحيث يوجب الالتزام في صورة الدّوران بين الوجوب و الحرمة بخصوص الوجوب تعيينا او الحرمة كذلك او تخييرا (1) بان التزم امّا بالوجوب او الحرمة بحسب اختياره و اراديّة دائما او بدوا اى التخيير الدائمى او البدوى ام لا بل انّما وجب الالتزام بالحكم الموجود فى الواقعة المعلومة اجمالا على ما هو عليه ان واجبا فواجبا و ان حراما فحراما و الحقّ هو الثّانى فنقول انّه على تقدير لزوم‏

____________

(1) اى يكون التخيير بين نفس الالتزامين اى الالتزام باحد طرقى الاحتمال و الالتزام بطرفه الآخر كالتخيير عدم بين الروايتين او التخيير فى الملتزم به بان يكون الملتزم به امرا تخييريا و هو احد الالتزامين منه‏

49

لزوم الموافقة الالتزاميّة لو كان المكلف متمكنا منها وجب و لو فيما لا يجب عليه الموافقة القطعيّة عملا و لا يحرم المخالفة القطعيّة عليه كذلك ايضا لامتناعهما كما اذا علم اجمالا بوجوب شي‏ء غير عبادى و حرمته فانّ الموافقة القطعيّة و المخالفة القطعيّة و ان لم يمكن في صورة دوران الحكم بين الوجوب و الحرمة عملا لأن المكلف امّا ان ياتى بالفعل او يترك الا ان العقل لا يحكم الا على وجوب الالتزام بالحكم المولوى على ما هو عليه فى الواقع بحسب علم المكلّف إن كان تفصيلا فتفصيلا و إن كان اجمالا فاجمالا فالموافقة الالتزاميّة لازمة على تقدير لزومها و لو فى صورة العلم الإجمالي للتمكّن من الالتزام بما هو ثابت واقعا و الانقياد له و الاعتقاد به بما هو واقع و ثابت واجبا كان او حراما و ان لم يعلم انّه الوجوب او الحرمة و انما قيّدنا الوجوب بكونه غير عبادى لأنه لو كان واجبا عباديا و دار الأمر بينه و بين الحرمة فان المخالفة القطعيّة ممكنة ح لانّه لو اتى به بغير قصد الأمر فالمخالفة القطعيّة ح واضحة لانه لو كان واجبا عباديّا فانه و ان اتى بالفعل إلّا انه قد اتى بغير قصد الأمر و هو لغو و إن كان حراما فقد اتى به و ان ابيت الا عن لزوم الالتزام به بخصوص عنوانه لما كانت موافقته الالتزاميّة ح ممكنة و لما وجب عليه الالتزام بواحد قطعا فانّ محذور الالتزام بضدّ التكليف عقلا لو التزم بواحد معين لو كان ذلك الواحد المعيّن مخالفا للواقع ليس باقلّ من محذور عدم الالتزام به بداهة انّ هذا النّحو من الالتزام عين عدم الالتزام به فالالتزام بهذا النّحو مما يستقلّ العقل بفساده لو قيل انّ العقل يستقلّ بالموافقة الالتزاميّة مع ضرورة انّ التكليف لو قيل باقتضائه للالتزام و كون الالتزام من مقتضيات التكليف عقلا لم يكد يقتضى الّا الالتزام بنفسه عينا لا الالتزام به او بضدّه تخييرا هذا كلّه بناء على كون المسألة عقليّة و اما بناء على كونها شرعيّة فيجرى فيها ما ذكرنا من غير فرق فانّ الدّليل الدّال على وجوب الموافقة الالتزاميّة لا يدلّ الا على وجوب الالتزام بما هو ثابت و واقع تفصيلا او اجمالا و الزّائد على هذا المقدار امر غير مقدور بل ليس فى الحقيقة التزاما بالحكم الّذى يكون فى الواقعة واقعا بتقريب ما عرفت مفصّلا فافهم و تبصّر و امّا المقام الثّانى فبناء على وجوب الموافقة الالتزاميّة و حرمة مخالفتها فهل تمنع عن اجراء الأصل فى المورد الذى كان المقتضى لجريان الأصل موجودا و المانع عنه مفقودا سوى المخالفة الالتزاميّة ام لا و بعبارة اخرى هل يكون اصالة الإباحة فى مورد العلم الإجمالي مستلزما للمخالفة القطعيّة الالتزاميّة حتّى تمنع من جريانها ام لا و الحق عدم مانعيّتها من حيث هى لما عرفت آنفا من انّ العقل لا يحكم بازيد من وجوب الالتزام على ما هو عليه فى الواقعة بحسب علم المكلّف به و الالتزام بغير هذا النّحو ليس من مقتضيات التكليف بحكم العقل‏

50

و الحاصل إن كان المقتضى لاثبات اصل الاباحة فى مورد العلم الإجمالي موجودا و لم يكن نفس العلم الإجمالي مانعا عن جريان اصل الإباحة فى اطراف العلم فلا محذور من طرف الموافقة الالتزاميّة لجريانها فيلتزم المكلّف ح بعد جريان الاصل بالحكم الواقعى على ما هو عليه إن واجبا فواجبا و ان حراما فحراما كما انّه يلتزم ح بالإباحة الظاهريّة في مرحلة الظّاهر على ما هى عليه من غير فرق بين الشّبهة الحكميّة و الموضوعيّة فيكون فى مورد العلم الإجمالي بعد جريان الأصل حكمان الحكم الواقعى و الإباحة الظاهريّة فيلتزم المكلّف بما هو ثابت و واقع على ما هو عليه بلا اشكال فان قلت انه لو لم تكن المخالفة الالتزاميّة بمانع عن اجراء الاصل فى اطراف العلم بل الأصل يجرى فى اطرافه يلزم فى بعض الموارد المحذور الذى ذكرتم آنفا بل يلزم محذور اشدّ من ذلك المحذور كجريان الأصل فى مورد دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة فانه لو جرى الأصل اى اصالة الإباحة يلزم الالتزام بالإباحة مع انها غير الوجوب و الحرمة و المحذور الذى ذكرتم هو الالتزام بنفس الحكم او بضدّه و من المعلوم ان محذور الالتزام بضدّ التكليفين اشدّ من الالتزام بالتكليف او بضدّه قلت هب ان المقام ليس مقام جريان اصل الإباحة فى الأطراف حتى يلزم المحذور الأشدّ بل المقام التخيير

[فى عدم المانع عن اجراء الاصل فى اطراف العلم الاجمالى‏]

و من هنا قد انقدح انه لا يكون من قبل لزوم الالتزام مانع عن اجراء الأصول الحكميّة او الموضوعيّة فى اطراف العلم لو كانت جارية مع قطع النظر عنه لما عرفت من انّ لزوم الالتزام بناء على وجوبه لو كان بنفس العنوان ففى مورد العلم الاجمالى غير لازم للمحذور الذى ذكرنا فلا يكون ح واجبا حتى يكون مانعا عن الأجراء و اما لو لم يكن وجوبه بالعنوان فقد عرفت انه متمكّن من الالتزام بما هو ثابت واقعا و الانقياد له و الاعتقاد به بما هو واقع و ثابت واجبا كان او حراما و ان لم يعلم انه الوجوب او الحرمة فلا يكون الالتزام بنفس الواقع اجمالا منافيا لجريان الأصل فى اطراف العلم حتى يكون مانعا عنه فان قلت انّه لو قلنا بان الالتزام بالموافقة الالتزاميّة كان مانعا عن اجراء الأصل فى اطراف العلم للمحذور و هو الالتزام بنفس التكليف او بضد إلّا انه لو جرى الأصل فى اطرافه لا يلزم المحذور المذكور لأنه يلتزم بما هو مفاد الأصل من الإباحة او التخيير او غيرهما فجريان الأصل فى اطراف العلم لو جرى مع قطع النظر عنه يرفع غائلة فساد المحذور المذكور قلت كما ظهر من هذا انه لا يكون من قبل لزوم الالتزام مانع عن اجراء الأصل كذلك ظاهر انّه لا يدفع بها محذور عدم الالتزام به اللهم إلّا ان يقال فى دفع ذلك انّ استقلال العقل بالمحذور فيه لو قيل‏