معيار الاختيار في ذكر المعاهد والديار

- محمد بن عبد الله بن الخطيب المزيد...
198 /
3

مقدمة

أن كتاب «معيار الاختيار فى ذكر المعاهد و الديار» لابن الخطيب من اطرف كتب المؤلف الشهيرة، فقد صاغه على هيئة مقامة ادبية ذات منهاج و أسلوب فنى انفرد به لسان الدين روعة و ابداعا، مستهدفا وصف اهم المدن الاندلسية و المغربية جغرافيا و اجتماعيا كما رآها و عاصرها فى منتصف القرن الثامن الهجرى (منتصف الرابع عشر الميلادى). فلم تكن المقامة التقليدية لديه هدفا لذاتها من شعوذة و استجداء كما هى عند الحريرى و الهمذانى و غيرهما، أو وعظ و تذكير بالدار الآخرة و ما فيها من ثواب و عقاب كما هى عند الزمخشرى و الدمياطى و امثالهما، بل ان المؤلف كانت غايته علمية بحتة ابرزها فى صورة ادبية ثقافية ممتعة، و بالرغم من قيود السجع و المحسنات البديعية الا أن وصفه للبلدان فى مناحى شتى قد جاء فى صورة مشوقة تنبض حياة، و تتألق براعة. و يصف المقرى هذا الكتاب فيقول:

«و للسان الدين مقامة عظيمة بديعة، وصف بها بلاد الاندلس و العدوة، و أتى فيها من دلائل براعته بالعجب العجاب‏ (1)».

و لقد أورد ابن الخطيب «معيار الاختيار» ضمن مؤلفه الادبى الضخم «ريحانة الكتاب، و نجعة المنتاب» الذي ما يزال مخطوطا، و ان كان بعض الباحثين قد قام بتحقيق اجزاء منه، فمن اشهر نسخ «الريحانة» التى ورد بها «المعيار» و اقتضت طبيعة التحقيق و الدراسة الرجوع اليها فى كل من المغرب (الرباط- فاس) و تونس و الجزائر و القاهرة و اسبانيا و روما:

1- نسختان بدار الكتب بالقاهرة.

الاولى: يوجد منها الجزء الاول و بعض الجزء الاخير فى مجلدين، و بخط مغربى، فى ثناياها ثقوب و نقص و اضطراب، و هذان الجزآن مصوران بالفوتوستات عن النسخة الخطية المحفوظة بمكتبة تونس، و يقعان فى 309 لوحة، مسجلين برقم 19875 ز.

____________

(1) النفح: ج 8 ص 315 ط محى الدين- القاهرة.

4

الثانية: بها نقص يسير من الخطبة، اولها بعد الديباجة: «.. و سميته لتنوع بساتينه المنسوقة، و تعدد افانينه المعشوقة، بريحانة الكتاب، و نجعة المنتاب» .. الخ، و تقع هذه النسخة فى مجلدين كتبا بخط النسخ، و قد نقلا عن الجزاين المخطوطين المقيدين بدار الكتب المصرية برقم 524 أدب س، و يقعان فى 460- 650 صفحة، مسطرتها 21 سطرا، و قد سجلا تحت رقم 3459 ز، و قد اتخذنا لهذه النسخة فى التحقيق الرمز «د».

2- نسخة الاسكوريال بمدريد.

و هى مسجلة برقم 554 من فهرس الغزيرى، و هى نسخة جيدة للغاية قد كتبت بخط اندلسى باهت، و تقع فى 281 لوحة كبيرة، أعنى 562 صفحة، بكل صفحة 27 سطرا، و فى كل سطر 12 كلمة فى المعدل العام، و قد ذكر فى نهاية هذه النسخة أنها كتبت سنة 888 ه، و قد رمزنا اليها خلال البحث بالرمز «أ».

3- جزء مخطوط بمكتبة الفاتيكان الرسولية بروما، مكتوبة بخط مغربى و هى عبارة عن السفر الثالث من «الريحانة»، و عدد لوحاتها 119 لوحة كبيرة، مسجلة برقم 252.

و قد احتوى هذا السفر على «معيار الاختيار»، و رمزنا لهذا المخطوط اثناء التحقيق بالرمز «ف».

4- قطعة مخطوطة أخرى فى مكتبة الجزائر الوطنية من «الريحانة»، تشتمل على 181 لوحة مزدوجة من القطع الكبير، مكتوبة بأكثر من خط معظمه قديم، و البعض منها- و لا سيما الوسط- قد أكمل مؤخرا، أو بتاريخ أحدث، و هذه النسخة تشتمل على النصف الثانى و الاخير من «الريحانة»، حيث تبدا بالفصل الذي يحمل عنوان «جمهور الاغراض السلطانيات»، و يغلب على الظن أن هذه النسخة هى أقدم جزء من المخطوط رقم 2010، و قد احتوى هذا الجزء- ضمن ما احتوى- كتاب «معيار الاختيار» موضوع الحديث، و قد رمزنا اليها بالرمز «ج».

5- و فى خزانة القرويين بفاس قطعتان من «ريحانة الكتاب»:

الاولى: تضم السفرين الرابع و الخامس، و تقع فى 99 لوحة مزدوجة من القطع الكبير، فى كل صفحة منها 27 سطرا، قد كتبت بخط مغربى، و فى نهايتها تاريخ الفراغ من نسخها، و هو يوم الاحد قبل الزوال عام تسعة عشر

5

و مائة و ألف (لم يذكر تاريخ اليوم أو الشهر) و هى برقم 40- 565، و رمزها «س» فى تحقيقتا.

أما القطة الثانية: فهى برقم 3011، و تنطبق عليها نفس أوصاف الاولى و لا سيما الخط.

6- أما فى الخزانة العامة بالرباط (قسم المخطوطات و المحفوظات) فتوجد عدة نسخ من «الريحانة»، اظهرها و اشهرها النسخة الكتانية المسجلة برقم 331 ك، و هى عبارة عن مجلد ضخم يتألف من 609 صفحة من القطع الكبير، و فى كل صفحة 25 سطرا، قد كتبت بخط مغربى واضح، و بها زيادات حديثة، أغلب الظن أنها ليست من انشاء ابن الخطيب، و لا سيما الجزء الخاص بذكر ملوك بنى امية و الخلفاء من بنى العباس، و هو غفل من تاريخ كتابته، أما النسخة الاساسية للريحانة فتقع فى 599 صفحة، و قد رمزنا اليها بالرمز «ك»

و توجد بنفس هذه الخزانة غير التى ذكرنا- سبع نسخ من «الريحانة» قد اشتمل معظمها على «معيار الاختيار» و فيما يلى ما تضمن منها «المعيار»:

فأولها: نسخة كاملة عبارة عن مجلدين من الحجم المتوسط، و يشتمل أولها على 222 لوحة، مكتوبة بخط مغربى واضح. و المجلد الآخر عبارة عن 215 لوحة من نفس الحجم، و قد كتب بنفس الخط المغربى الواضح. و هذه النسخة بمجلديها مسجلة برقم 2195 بالمكتبة الملكية، و قد رمزنا اليها بالرمز «ل» اثناء التحقيق.

و ثانيتها: تشتمل على السفرين الرابع و الخامس من «الريحانة» و عدد لوحاتها 145 لوحة من الحجم الصغير، و رقم التسجيل 600

و ثالثها: عبارة عن النصف الثانى من «الريحانة»، و هى نسخة تحتوى على الاسفار الرابع و الخامس و السادس، و تقع جميعها فى 186 لوحة.

و رابعها: نسخة ذات اوراق بالية و قديمة تشمل 40 لوحة كبيرة، قد كتب على الصفحة الاولى منها «السفر الثالث من ريحانة الكتاب»، و فى نهاية اللوحة الاخيرة عبارة «كمل السفر الخامس» و رقم تسجيلها 6400.

6

هذا، و لا يغيب عن الفكر أن هناك نسخا أخرى من مؤلف ابن الخطيب «ريحانة الكتاب» فى حوزة المكتبات الخاصة، جلها فى المغرب الاقصى، و معظمها قد انتظم «معيار الاختيار»، بيد أنه لا يتسنى للباحث أن يستدل و يطلع عليها فى سهولة و يسر لسبب أو لآخر، فمن ذلك على سبيل المثال النسخة الجيدة التى بمكتبه صديقى الاستاذ عبد الكبير الفهرى الفاسى بالرباط، و قد تصفحت سفرا خاصا ب «معيار الاختيار» فوجدتها نسخة قريبة الشبه خطا و نسخا من النسخة الاولى الخاصة بالمكتبة الكتانية التى أشرنا اليها فى ثنايا الحديث عن نسخ الخزانة العامة بالرباط.

و نرى- بهذه المناسبة- أن نذكر أن مؤرخ المملكة المغربية الاستاذ عبد الوهاب بن منصور قد أخبرنا فى صدد «معيار الاختيار» بأنه سبق أن رأى نسخة تكاد تكون فريدة منه لدى أحد شيوخ مدينة «تلمسان» منذ مدة طويلة، و ترجع أهميتها لكون هذه النسخة قد اشتملت على وصف تلك المدينة و هو ما تنفرد به من دون النسخ الاخرى الخالية منها تماما، و يعزز رواية الاستاذ عبد الوهاب وجود وصف مدينة تلمسان فى كتاب «نفح الطيب» (ج 9 ص 340- 341) و هو لابن الخطيب كما اثبته المقرى، و الاسلوب فى الوصف على نمط الاسلوب الذي انتهجه المؤلف فى «معيار الاختيار» من بداية بالاستفسار: «قلت فمدينة تلمسان؟ فاجابة من الراوى: قال:

«تلمسان مدينة جمعت بين الصحراء و الريف، و وضعت فى موضع شريف ..

الخ»، ثم يعقب وصفه للمدينة بما عودنا من ايراد أبرز المثالب كمثيلاتها، فقال: «.. ألا أنها بسبب حب الملوك، مطعمة للملوك. و من أجل جمعها الصيد فى جوف الفرا، مغلوبة للامراء، .. الخ».

حقا لقد كانت «تلمسان» يومئذ ضمن مملكة بنى مرين حينما امتد ملكهم الى الجزائر عام 796 ه (1393 م)، واضحى ملك بنى زيان تابعا لبنى مرين، و بقى الامر كذلك حتى دب الضعف فى الدولة المرينية، و استبد بنو و طاس و وزراؤهم بالامر، فهيأ ذلك لبنى زيان أن يستقلوا مرة أخرى بأمر تلمسان، كما هيا مثل هذا الاستقلال للاشراف أن يظهروا فى مراكش بجنوب المغرب‏ (1).

و قد وفد ابن الخطيب فى ذلك الابان على مدينة تلمسان سفيرا ثم زائرا، و أخيرا عندما لجا فارا من الاندلس، حيث احتمى بظلال بنى مرين على ما

____________

(1) ابن خلدون فى «العبر» ج 7 ص 166، و الذخيرة السنية ص 148، و الاستقصاء ج 2 ص 16.

7

سنفصله فى الترجمة للمؤلف من بعد، الامر الذي يقطع بأن المؤلف أورد وصف تلمسان ضمن «المجلس الثانى» الخاص بأهم المدن المغربية، كما لا نستبعد من ناحية أخرى أن تأليف لسان الدين للمعيار كان زمن امتلاك المرينيين لتلمسان، و ربما كان ذلك أواخر أيامه، حيث أتيحت له أكثر من فرصة لدراسة المدينة و سواها من مدن المغرب، و رسم صورة واقعية لها، كعهدنا به نحو المدن الاخرى التى تناولها بالوصف فى مؤلفه هذا.

لقد كنت تواقا الى رؤية تلك النسخة، عسى أن أتمكن من ازالة علامة الاستفهام التى ترتسم حيال بقية النسخ من «الريحانة» المشتملة على «معيار الاختيار» و التى خلت- للاسف- من وصف مدينة «تلمسان»، و من يدرى فربما كانت نسخة الجزائر اقرب من غيرها الى عصر المؤلف أن لم تكن قد نسخت على أيامه، و لكن ما الحيلة و قد طوى الزمن صاحب النسخة، و لا ندرى بالتالى الى من آلت، هذا أن لم تكن قد انقرضت هى بدورها حيث لم نسمع عنها حتى يومنا هذا من قريب أو بعيد، و لم تتناولها من قبل فهارس المستشرقين، كما لم تشر اليها أقلام الباحثين من المهتمين بالتراث الاندلسى خاصة.

و على اى حال فلا مناص من الحاق وصف مدينة «تلمسان» فى نهاية «المجلس الثانى» للمدن المغربية، و ذلك نقلا عن «نفح الطيب» بنصه، مقدرا للاستاذ عبد الوهاب بن منصور لفتته العلمية.

هذا، و قد نوهت اثناء عرض الكتاب ب «الفصل الثالث» أن النسخة التى رأيت أنها أوفى و احق بالاعتماد فى التحقيق- مع اعتبار بقية النسخ- هى نسخة الاسكوريال (554).

و قد رأيت استكمالا للفائدة، و الماما بما قد يحتاجه الباحث أن اختط فى هذا التحقيق النحو التالى فى أربعة فصول:

الفصل الاول:

و قد أوردت فيه ترجمة تكاد تكون وافية بالغرض لحياة المؤلف «لسان الدين ابن الخطيب».

الفصل الثانى:

و به بيان لوجهة نظر بعض المستشرقين و الباحثين تجاه ابن الخطيب.

8

الفصل الثالث:

و قد أوردت فيه دراسة خاصة ب «معيار الاختيار» فى عرض تحليلى من الناحيتين الادبية و التاريخية، و اهمية الكتاب كعمل أدبى، ثم كوثيقة تاريخية هامة.

الفصل الرابع:

و قد أوردت فيه «المجلس الاول» من النص، و هو الخاص بوصف «المدن الاندلسية».

الفصل الخامس:

و قد أوردت فيه «المجلس الثانى» من النص، و هو الخاص بوصف «المدن المغربية». و فى ذيلا كلا «المجلسين» اثبت فى التعليق ما اقتضاه التحقيق، و استوجبته الدراسة.

و لا يسعنى- اذ أقدم هذا العمل كتحقيق جديد فى مجال التراث الاندلسى- الا أن أعترف بالفضل لكل سابق فى هذا الميدان، و لا سيما حيال من أسهموا بدراسة أو تحقيق لابن الخطيب و مؤلفاته فقد كانت بحوثهم عونا جديرا بالتقدير، كما اذكر لاستاذنا العلامة عبد الله كنون فضله فى هذا العمل، جزاه الله خير الجزاء، و انوه بسبق الزميل الدكتور أحمد مختار العبادى، معترفا بالاستفادة الحقة من دراسته فى هذا الموضوع.

أخيرا، آمل بهذا التحقيق- على هذه الصورة- لكتاب «معيار الاختيار» أن أكون قد أسهمت بلبنة فى صرح الذخائر الاندلسية.

و الله أسأل أن يجد فيه رواد الفكر و عشاق التراث ما ينشدون أو يؤملون، أنه سميع قريب، و بالاجابة جدير.

و هو- سبحانه- ولى التوفيق‏

المحقق دكتور محمد كمال شبانه أستاذ التاريخ و الحضارة الاسلامية بجامعات المغرب‏

القاهرة/ 2- 3- 2002

9

الفصل الأوّل حياة ابن الخطيب و آراء بعض المستشرقين حوله‏

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

ابن الخطيب 713- 776 ه (1313- 1374 م)

ثانى اثنين أرّخا لعصر بنى الأحمر، فكشفا عن السلالة النصرية، حتى عصرهما الذي عاشاه جنبآ الى جنب، و لم ينل من علاقتهما الطيبة سوى التنازع على المزيد من السلطة، فى دولة طالما استبد فيها الحجاب و الوزراء، و انتقصوا من سلطة السلطان، فكانت نهايتهم على يدى من نازعوهم أمور المملكة، بايعاز من صاحب سلطة قضائية أو ادارية، و هذا ما حدث بين ابن الخطيب، و بين قاضى الجماعة أبى الحسن على النباهى الجذامى، على نحو ما سنرى من خلال سيرة الأول.

هو لسان الدين أبو عبد اللّه محمد، بن عبد اللّه، بن عبد اللّه، بن سعيد، بن على، بن أحمد، السلمانى، نسبة الى سلمان، بقعة باليمن نزلت بها بعض القبائل القحطانية، و كانت أسرة ابن الخطيب احدى هذه القبائل، و من اليمن وفدت الأسرة الى الأندلس، حيث اتخذت قرطبة مقرا لها.

ثم هاجرت الأسرة الى طليطلة- كما أخبر بذلك ابن الخطيب نفسه فى مقدمة «الاحاطة»- عام 202 ه 817 م، و هو العام الذي حدثت فيه ثورة أهل الربض بقرطبة، ضد أمير الأندلس الحكم بن هشام، حيث حرض الفقهاء أهل الربض ضد الأمير، و لكن الحكم قضى على الثورة فى الموقعة المشهورة

12

ب (موقعة الربض) و شنتت شمل القائمين بها، فنفى من نفى، و شرد من شرد، و غادر قرطبة جمهور من المعارضين و عديد من العلماء، و من هؤلاء أسرة ابن الخطيب، حيث قصدت طليطلة، فبقيت بها قرابة قرن و نصف، و لما أحست أسرة المترجم له بالخطر المحدق بالمدينة- حيث أصبحت هدفا للأسبان فى أواسط القرن الخامس الهجرى (أوائل القرن الثانى عشر الميلادى)- بادرت بالنزوح عنها الى مدينة لوشة (1) مسقط رأس ابن الخطيب فى 25 رجب 713 ه (16 نوفمبر 1313 م).

تربى ابن الخطيب فى أسرة عرفت بالاصالة و العلم و الجاه، فقد كان أبوه عبد اللّه من أكابر العلماء و الخاصة، كما أخبر بذلك ابن الخطيب نفسه، حيث ترجم لأبيه فى كتابه (الاحاطة فى أخبار غرناطة) فروى لنا أنه ولد فى (672 ه 1273 م) و استقر حينا فى غرناطة، ثم عاد الى لوشة مقر الأسرة، ثم رجع الى غرناطة أخيرا، حيث التحق بخدمة السلطان أبى الوليد اسماعيل ملك غرناطة (713- 725 ه- 1314- 1324 م).

و قد كانت أسرته تحمل اسم «الوزير» الى أن جاء جده سعيد فعرفت باسم «الخطيب».

و لما توفى هذا السلطان، و خلفه ابنه السلطان أبو عبد اللّه محمد، التحق والد ابن الخطيب بديوان كتابته أيضا، ثم بأخيه السلطان أبى الحجاج يوسف (733- 755 ه- 1333- 1354 م)، حيث عاصر الكاتب الكبير، و الرئيس العظيم أبا الحسن على بن الجيّاب، و الذي منح من قبله لقب الوزارة، و أخيرا سقط عبد اللّه مع ولده الأكبر- أخى لسان الدين- قتيلا فى موقعة طريف الشهيرة، التى تمخضت عن فوز الأسبان على المسلمين من الأندلس و المغرب، و سقوط كل من طريف ثم الجزيرة الخضراء و قلعة بنى سعيد، و ذلك فى جمادى الأولى 741. ه (1340 م).

____________

(1) تعرف فى الاسبانية اليوم باسم «Loja»، تقع على بعد 55 كم غرب غرناطة، و هى احدى المدن الاسلامية الشهيرة أيام حكم العرب، و قد استردها الأسبان قبل سقوط غرناطة بقليل (891 ه 1486 م)، يقدر عدد سكانها حاليا بعشرين ألف نسمة تقريبا، بينما كان عدد السكان- على عهد ابن الخطيب- يجاوزون هذا العدد بكثير كما يتضح من تاريخ المدينة يومئذ.

13

لقد نشأ ابن الخطيب فى العاصمة غرناطة، و تلقى بها دراسته‏ (2)، فقد كانت وقتئذ ميدانا احتشد فيه الأكابر من العلماء و الأدباء، فدرس اللغة و الشريعة و الأدب على جماعة من أقطاب العصر، مثل «أبى عبد اللّه بن الفخار الألبيرى» شيخ النحاة فى عصره، «و أبى عبد اللّه بن مرزوق» فقيه المغرب الكبير، «و القاضى أبى البركات بن الحاج البلفيقى»، و درس الأدب و الشعر على الوزير «أبى عبد اللّه ابن الحكيم اللخمى» و على الرئيس «أبى الحسن على بن الجياب»، و غير هؤلاء، كما درس الطب و الفلسفة على حكيم العصر و فيلسوفه الشيخ «يحيى بن هذيل». فلا نبالغ اذن اذا قلنا: ان غرناطة- فى ذلك الوقت- كانت أعظم مركز للدراسات الأدبية و العلمية و الاسلامية، فى هذا القطر الغربى من العالم الاسلامى، و كان هذا من حظ ابن الخطيب الى حد بعيد.

هذا، و قد تأثر مستقبل ابن الخطيب السياسى بحكم منصب والده، فمنذ شب عن الطوق و نفسه تطمح للوصول الى مركز أبيه، فلما توفى الوالد دعى ابنه للخدمة مكانه، و كان حينئذ فى الثامنة و العشرين من عمره، حيث تولى أمانة السر لأستاذه الرئيس «أبى الحسن بن الجياب» وزير السلطان ابى الحجاج يوسف الأول النصرى و كاتبه‏ (3)، ثم خلف أستاذه فى الوزارة، و تقلد ديوان الانشاء لهذا السلطان، و كان ابن الخطيب يومئذ قد ملك زمام أرفع الأساليب شعرا و نثرا، بفضل أستاذه الراحل، و ظهر أثر هذه التلمذة على رسائله السلطانية، التى حررها بقلمه على لسان ملوك الأندلس و المغرب، و التى نعتها المؤرخ ابن خلدون بالغرائب، و قد جمع ابن الخطيب نفسه منها الكثير فى كتابه «ريحانة الكتاب، و نجعة المنتاب»، كما أورد المقرى عددا منها فى مؤلفه «نفح الطيب» (4)، و يعتبر كتاب ابن الخطيب «كناسة الدكان بعد انتقال السكان» مجموعة من الرسائل السلطانية التى تمثل العلاقات السياسية بين غرناطة و المغرب، فى منتصف القرن الرابع عشر الميلادى، على لسان سلطانه يوسف الأول ابن الأحمر، الى معاصره فى فاس أبى عنان فارس المرينى.

____________

(2) العبر لابن خلدون ج 7 ص 332.

(3) توفى ابن الجياب بوباء الطاعون الجارف، فى شوال 749 ه (يناير 1349 م).

(4) ج 3 ص 570، و ما بعدها، ج 4 فى عدة مواضع منه.

14

و لقد كسب ابن الخطيب ثقة هذا السلطان الغرناطى، حيث قربه من مجلسه، و خلع عليه الجم من النعم، كما أنه أصبح أثيرا لديه، مودعا اياه أمانة سره و كتابته، و ذلك لروعة هذه المكاتبات السلطانية التى دبجها له من جهة، و لنجاح سفاراته مع ملوك النصارى و المغرب من جهة أخرى، فقد بعثه عاهل غرناطة سفيرا الى أبى الحسن المرينى ملك المغرب عام 749 ه (1348 م).

و لما توفى السلطان أبو الحجاج يوسف قتيلا- فى يوم عيد الفطر 755 ه (19 أكتوبر 1354 م)- خلفه فى الملك ولده السلطان محمد الخامس الغنى بالله، و استمر ابن الخطيب فى معاونة الوزير أبى النعيم رضوان على خدمة السلطان الجديد، كما تولى الوصاية على الأبناء القصر للسلطان المتوفى، ثم قام بسفارة الى السلطان «أبى عنان فارس المرينى» عام 755 ه 1354 م، و لقد نجح ابن الخطيب فى مهمته هذه نجاحا عظيما، ذلك أن ملك المغرب استجاب للمطالب التى حملها ابن الخطيب لصالح ملك غرناطة، و فى مقدمتها العون الحربى لمقاومة أطماع ملك قشتالة.

و لقد ظفر ابن الخطيب بمكانة ممتازة لدى الغنى بالله، اذ منحه ثقته كأبيه من قبل، و خلع عليه لقب (ذو الوزارتين)، لجمعه بين وزارة القلم و وزارة السيف.

و لكن حدث أن اندلعت الثورة بغرناطة، فى رمضان 760 ه 1359 م، و نتج عنها فقدان السلطان الغنى بالله لملكه، و استيلاء أخيه الأمير اسماعيل على العرش، كما تمخضت هذه الثورة عن مقتل الحاجب أبى النعيم رضوان، ثم فرار الغنى بالله الى وادى آش‏ (5)، و عليه فأصبح ابن الخطيب لا يملك من الأمر شيئا، غير أنه حاول أن يستميل السلطان الجديد، فقبله فى منصب الوزارة مؤقتا، ثم تشكك بعد قليل فى نواياه، و ذلك بتحريض منافسيه و حساده، فقبض عليه، و صادر أملاكه، و بذلك فقد ابن الخطيب جاهه و نفوذه، بل و متاعه بين عشية و ضحاها.

____________

(5) راجع ما كتبناه عن هذه المدينة فى وصف ابن الخطيب للمدن الأندلسية من هذا الكتاب.

15

لم تطل هذه النكبة بابن الخطيب، فقد بعث ملك المغرب السلطان أبو سالم سفيره (الشريف أبا القاسم التلمسانى) الى ملك غرناطة الجديد، يطلب اليه أن يسمح للملك المخلوع (الغنى بالله) و وزيره ابن الخطيب بمغادرة الأندلس الى المغرب ضيفين عزيزين، فرضخ سلطان غرناطة لهذا الطلب، سياسة منه فى الابقاء على أواصر الوداد مع بنى مرين، و احتفاظا بهم سندا لمستقبل الدولة الاسلامية بالأندلس. و لهذا أطلق سراح ابن الخطيب، و لحق بسلطانه، حيث لجأ إلى وادى آش، و من ثم الى المغرب، و معهما نفر كبير من الحاشية، فوصل الركب فاس فى محرم 760 ه (ديسمبر 1358 م) حيث استقبلهما السلطان أبو سالم استقبالا حارا، و احتفل بقدومهم احتفالا عظيما، و ألقى ابن الخطيب فى هذه المناسبة- بين يدى المضيف- قصيدته الشهيرة (6)، يستنصره و يستصرخه؛ ليعين سلطانه على أمره.

و يشهد ابن خلدون المؤرخ ذلك الحفل- بصفته من كبار رجال البلاط المرينى- فيصفه لنا و يقول: «إن ابن الخطيب استولى على سامعيه، فأبكاهم تأثرا».

هذا و قد طاب العيش لابن الخطيب بالمغرب فى رعاية السلطان «أبى سالم»، الذي أقطعه الأراضى، و رتب له الرواتب، حيث استقر فى مدينة «سلا» (7) حوالى ثلاثة أعوام منفيا 760- 763 ه (1358- 1361 م)، اقتنى خلالها الضياع و الأموال، و لكن لم ينس- فى الوقت نفسه- نزعته الثقافية و التأليفية، فجاس خلال مدن المغرب دارسا باحثا، ملتقيا بالعلماء فى تجواله، و فى نهاية المطاف يرجع الى سلا، حيث يرابط بضاحية «شالة»، قرب أضرحة ملوك بنى مرين.

____________

(6) نفح الطيب للمقرى ج 3 ص 46- 48، أزهار الرياض لنفس المؤلف ج 1 ص 197- 200 و هى ثمانون بيتا.

(7) سنعرف أيضا بهذه المدينة من بعد فى مناسبة وصفها.

16

و لقد أصيب ابن الخطيب- ابان هذه الفترة- فى زوجته أم أولاده، و بالرغم من كل ما أصابه من نكبات متوالية فانه لم يقعد عن التأليف، و لم يخلد الى الراحة و السكينة، و يكفى دليلا على هذا تلك المؤلفات التى حررها وقتئذ، و من أهمها:

1) معيار الاختيار، فى ذكر المعاهد و الديار (هذا الكتاب).

2) نفاضة الجراب، و علالة الاغتراب.

3) اللمحة البدرية، فى تاريخ الدولة النصرية.

4) الحلل المرقوقة، فى اللمع المنظومة (8).

5) رقم الحلل، فى نظم الدول.

6) كناسة الدكان، بعد انتقال السكان.

7) رسائل فى فنون مختلفة، معظمها نظمه شعرا.

و فى هذه الأثناء تم انقلاب فى فاس، ترتب عليه مصرع السلطان أبى سالم، فى ذى القعدة 762 ه (1360 م)، و تقلد السلطان صاحب الانقلاب الوزير عمر بن عبد اللّه، الذي أعان ابن الأحمر المخلوع على أمره، و وقف الى جانبه فى استرجاع عرشه، حتى سنحت الفرصة، و واتت الظروف، باندلاع ثورة جديدة فى غرناطة، صرع فيها السلطان اسماعيل بن الأحمر على يد الرئيس أبى سعيد، الذي فر الى (قشتالة) عقب عودة الغنى بالله الى الأندلس، و استيلائه على ولاية مالقة، ثم دخوله غرناطة، و تربعه على العرش من جديد عام 763 ه- 1361 م.

لقد استدعى سلطان غرناطة الجديد، محمد الخامس الغنى بالله، وزيره المنفى ابن الخطيب، ليقدم الى دار ملكه، برسالة مؤرخة: 14 جمادى الآخرة 763 ه (15 أبريل 1361 م) و ليتقلد منصبه السابق، فاستجاب ابن‏

____________

(8) هذا الكتاب يتحدث فيه ابن الخطيب عن تاريخ الدولة الاسلامية، و قد أهداه الى السلطان أبى سالم المرينى ملك المغرب، فكافأه عليه بمضاعفة رواتبه، كما كتب- فى شأن المؤلف- الى سلطان غرناطة، يطلب منه الافراج عن ممتلكات ابن الخطيب المصادرة.

17

الخطيب، و جاز البحر صحبة أسرة السلطان و أسرته، ثم وصل العاصمة، و هناك وجد من يزاحمه منصبه، و ينافسه السلطة، و هو شيخ الغزاة (عثمان بن أبى يحيى)، صاحب اليد على السلطان فى استرجاع العرش، فنشب خلاف بين الرجلين، و حقد كلاهما على الآخر، و لكن ابن الخطيب كان أشد مراسا بأساليب الكيد و الدس، فتغلب على خصمه؛ اذ زين للسلطان خطورة نفوذ عثمان هذا، و بدأ يخيفه من غدره و غدر أشياعه، فاستجاب ابن الأحمر لنصح ابن الخطيب، و قضى على عثمان و آله فى شهر رمضان 764 ه- 1363 م، و بذلك استرد ابن الخطيب كامل سلطته، دون مناوئ أو منافس، و لكن الى حين، فقد شعر مرة أخرى بما يحاك حوله من دسائس و مكائد، و رأى سلطانه يتأثر بسعاية الخصوم، و قد تزعم هذه الحملة الجديدة ضد ابن الخطيب رجلان وثيقا الصلة بالسلطان بحكم وضعيتهما فى الخدمة السلطانية، و لمكانتهما السياسية فى الدولة، و هما:

1) الشاعر محمد بن يوسف المعروف ب «ابن زمرك» تلميذ ابن الخطيب، و معاونه فى الوزارة.

2) قاضى الجماعة أبو الحسن على بن عبد اللّه النباهى، ولى نعمة ابن الخطيب.

و حينئذ شعر ابن الخطيب بخطورة موقفه عند السلطان، بين هذين الرجلين الداهيتين، فدبر أمره على مغادرة الأندلس نهائيا، دون أن يشعر السلطان مطلقا بذلك، و فعلا طلب منه أن يأذن له فى تفقد بعض الثغور و الموانئ الأندلسية، فأجابه السلطان، و كان وزيرنا- من جانبه- قد أعد العدة للابحار الى المغرب، حيث يحل ضيفا لاجئا على السلطان أبى عنان فارس بن أبى الحسن المرينى، و قد تم له ذلك بوصوله الى جبل طارق، الذي كان يومئذ ضمن أملاك المرينيين، و نجحت الخطة، اذ استقبله قائد الميناء بحفاوة، و سهل له مهمته، بأمر من سلطان المغرب، و أجازه الى سبتة هو و من معه من ولده، و قبل أن يودع هذه البقاع بعث برسالة مؤثرة الى السلطان الغنى بالله‏

18

يعلل فيها مسلكه هذا، و يبرر تصرفه الاضطرارى، و أخيرا يطلب غفرانه، راجيا عونه لأسرته التى خلفها وراءه فى غرناطة.

وصل ابن الخطيب الى سبتة و منها التحق بتلمسان، مقر السلطان عبد العزيز الذي احتفى به و أكرمه، ثم بعث بسفرائه الى غرناطة، يلتمس من سلطانها ان يجيز أسرة ابن الخطيب، فأجابه ابن الأحمر الى طلبه، و كان ذلك عام 773 ه- 1371 م.

و كان من المتوقع أن يهنأ ابن الخطيب بهذا المقام بالمغرب، فالسلطان قد أحله مكانته اللائقة به، و أبدله مما فقد الشي‏ء الكثير، و لكن- للأسف- اتخذ منافسوه بغرناطة من هربه- على هذه الصورة- مادة دسمة للكيد، و أكدوا للسلطان محمد الخامس ابن الأحمر ادانته، و عدم وفائه لولى نعمته، و زاد الاتهام تأكيدا أن ابن الخطيب كان حريصا على أن يحمل معه أمواله و ذخائره الى المغرب، وفى هذا يخاطب القاضى النباهى غريمه- فى الرسالة المعروفة التى بعث بها اليه: «فهمزتم و لمزتم، و جمعتم من المال ما جمعتم، ...، ثم هربتم بأثقالكم» (9).

كان القاضى النباهى فيما سبق من أنصار الوزير ابن الخطيب، بل إن تعيينه قاضيا للجماعة و استصدار ظهير هذا المنصب قد تم على يدى ابن الخطيب نفسه، كما نجد فى كتاب الاحاطة ترجمة للنباهى تنبئ عن تقدير ابن الخطيب لهذا الرجل؛ اذ ينعته بأنه «قريع بيت مجادة و جلالة، و بقية تعين و أصالة، عف النشأة، طاهر الثوب، مؤثر للوقار و الحشمة، بعيد الغور، مرهف الجوانب، ناظم، ناثر، نثره يشف عن نظمه، ذاكر للكثير، بعيد المدى فى باب النزاهة، ماضي غير هيوب ... الخ»، و لكن ذلك «النباهى» تنكر تماما لابن الخطيب، و لم يحفظ له هذا الجميل؛ فقد آزر الوزير «ابن زمرك» ضده، و سعى سعيا حثيثا فى سبيل القضاء عليه، و تتجلى هذه الروح الشريرة، و ما يمليه الحقد الشخصى، و الضغائن الدفينة، فى تلك‏

____________

(9) المقرى فى «نفح الطيب» ج 7 ص 56.

19

الرسالة التى بعث بها القاضى النباهى الى ابن الخطيب بالمغرب، و فيها يعيب عليه الانصراف الى اقتناء الضياع و الديار، كما أنه نسب اليه- فى بعض مؤلفاته- بعض محدثات فى الدين، مما يمس الشريعة الاسلامية، كما تناول فى بعض هذه المؤلفات الأموات من الناس، و ذلك بالطعن أو العيب فيهم، الأمر الذي يستنكره الدين ....، الى آخر ما جاء فى تلك الرسالة من هذه المثالب، و حتى مغادرة ابن الخطيب للأندلس مؤخرا- على تلك الصورة- رأى فيها النباهى غدرا بالسلطان ولى نعمته، كما كذبه فى ادعائه الانقطاع للعبادة فى المغرب، و أنه لو أرادها حقيقة لقصد الديار المقدسة، أو أبقى على نفسه بغرناطة بجوار الكفاح و الجهاد، لنصرة المملكة الاسلامية التى يتهددها خطر الأسبان كل حين.

و فى الأخير ينهى النباهى رسالته بالنيل من أسرة ابن الخطيب، بأنها حديثة النعمة، و أن ثروتها هذه لم تأت الا عن طريق المنصب و السلطة ..

و قد كان لهذه الرسالة أثر كبير فيما بعد؛ حيث كانت صك الاتهام، و أدين ابن الخطيب على أساس ما ورد فيها، و ذلك عندما حلت نكبته، و دنت ساعة نحسه‏ (10).

هذا، و يرجع تاريخ الرسالة هذه الى أواخر جمادى الأولى 773 ه- 1371 م، و قد تسلمها ابن الخطيب بتلمسان، و أجاب على ما جاء بها مفصلا، فى كتابه «الكتيبة الكامنة فيمن لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة»، و شدد النكير على القاضى النباهى، عندما وصقه بأنه «الجعسوس» أى: القزم الدميم، و زاد ابن الخطيب فوضع رسالة خاصة للنيل من خصمه اللدود، و سماها «خلع الرسن، فى وصف القاضى أبى الحسن».

ظل القاضى النباهى و ابن زمرك على عزمهما بسحق غريمهما ابن الخطيب، فبعد احراق كتبه العقائدية، عهد النباهى الى قضاة غرناطة باستصدار حكم الشرع فى جريمة الالحاد، و هو الاعدام، و حصل من السلطان على مصادقة بهذا

____________

(10) المقرى فى «أزهار الرياض» ج 1 ص 212- 224، حيث أورد المؤلف الرسالة كاملة.

20

الحكم، و بعث القاضى أبو الحسن بنوابه الى السلطان عبد العزيز و بأيديهم هذا الحكم، فقابل السلطان رسل غرناطة بالاستنكار، و خاطبهم قائلا: «هلا أنفذتم فيه حكم الشرع و هو عندكم، و أنتم عالمون بما كان عليه!!!» و بالغ فى اكرام ابن الخطيب، و أضفى عليه مزيدا من عنايته.

و تجدر الاشارة هنا الى أن ابن الخطيب قد لاحظ وقتئذ قوة المغرب فى عهد صديقه السلطان عبد العزيز، و مبلغ العداء بين فاس و غرناطة و قد بلغ أوجه، فحرض السلطان على ضم غرناطة لمملكته، و قد رمى من وراء ذلك الى سحق أعدائه هناك، و تأمين مقامه بالمغرب، و ما يتبع ذلك من حماية مصالحه.

و يظهر أن هذه السياسة قد لاقت قبولا عند السلطان عبد العزيز، فصمم على تنفيذها، و فى ذلك يقول ابن خلدون: «ثم تأكدت العداوة بينه (ابن الخطيب) و بين ابن الأحمر، فرغب السلطان عبد العزيز فى ملك الأندلس و حمله عليه، و تواعدوا لذلك عند رجوعه من تلمسان الى المغرب‏ (11)»، و بلغت ابن الأحمر رغبة ملك المغرب هذه، فتخوف لذلك كثيرا، و أسرع الى ايفاد رسله بالهدايا و التحف الثمينة الى بلاط فاس، آملا فى نيل رضا السلطان عبد العزيز، و اتقاء شره. ثم تفاجئ الظروف الموقف، فيموت السلطان عبد العزيز بعدئذ بقليل، و يجلس على عرش المغرب ابنه «أبو زيان محمد السعيد» طفلا فى الرابعة من عمره، فى ربيع الآخر 774- 1372 م، و قبض على زمام السلطة الفعلية وزيره «أبو بكر بن غازى»، فتغيرت الأوضاع السياسية بالمغرب تماما، و اضطر ابن الخطيب حينئذ أن يتزلف الى الملك الطفل و وزيره، فألف كتابه المعروف باسم «أعمال الأعلام، فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الاسلام»، و فيه يبرر هذا الوضع الجديد شرعا، و عرفا و تاريخا، و أورد لذلك الأشباه و النظائر، ردا على المناهضين بالمغرب، و خاصة بنى الأحمر و عملائهم.

____________

(11) ابن خلدون فى «العبر» ج 7 ص 338- 341.

21

و فى هذه الأثناء قام السلطان ابن الأحمر بمحاولة أخرى للايقاع بابن الخطيب، و ذلك بأن أوعز الى الوزير «ابن غازى» أن يبعث اليه بابن الخطيب، فامتنع ابن غازى، و توترت العلاقات مرة أخرى، بين غرناطة و فاس، الأمر الذي جعل ابن الأحمر يوغر صدور هؤلاء الأمراء المرينيين ضد النظام القائم فى فاس، و بذل فى سبيل القضاء على هذا النظام مساعدات ضخمة، كما أقنع من اتصل بهم من حكام الأقاليم- و خاصة حاكم سبتة أبا محمد بن عثمان- بأن من الأفضل للمغرب أن يكون الملك رجلا راشدا، لا طفلا صغيرا، لا يدرك شيئا، و اتفق معه على تنصيب الأمير المرينى أبى العباس أحمد بن أبى سالم ملكا على المغرب، و أنه- أى محمد بن عثمان- سيكون الوزير مستقبلا، و أعطاه المزيد من المساعدات الهائلة لتنفيذ هذا الاتفاق، على أن يحقق هذا الوزير لابن الأحمر ثلاثة مطالب، بعد نجاح الخطة، و هى:

1) تسليم ابن الخطيب.

2) تسليم الأمراء المناهضين لابن الأحمر.

3) تسليم جبل طارق.

و وقعت بعض الحوادث بالمغرب، و تمخضت عنها ثورة قاضية، أدت الى حدوث الانقلاب المنشود لابن الأحمر، و نودى حينئذ بالأمير أحمد بن السلطان أبى سالم واليا على المغرب (776 ه- 1374 م).

و هنا أسرع السلطان الجديد بالقبض على ابن الخطيب، و سجنه، و بذلك تهيأت الفرصة لوضع نهاية الوزير المنكود؛ فقد كان الوزير الجديد ببلاط فاس سليمان بن داود من ألد خصوم ابن الخطيب، و من جهة أخرى فقد أرسل سلطان غرناطة سفيره و وزيره عبد اللّه بن زمرك الى فاس ليشهد آخر فصل فى هذه الرواية، و ليدق آخر مسمار فى نعش ابن الخطيب، و بوصول ابن زمرك عقد السلطان أحمد مجلسا من مستشاريه و كبار رجال الدولة، و نوقش ابن الخطيب أمام هذا المجلس، حول كافة الادعاءات المقامة ضده، و بالأخص دعوى الالحاد، تلك الدعوى التى صاغها القاضى النباهى من قبل، و كان مجلسا

22

صوريا بطبيعة الحال؛ فان نتيجة المحاكمة كانت مقررة، و متفقا عليها من قبل، فى كل من غرناطة و فاس.

لقد أوذى ابن الخطيب أمام شهود هذه المؤامرة، و أفتى الفقهاء المتعصبون باعدامه شرعا، فأعيد الى سجنه حيث دبر الوزير سليمان بن داود أمر قتله فى السجن، و فعلا بعث اليه ببعض الأشرار الذين قتلوه خنقا أواخر عام 776 ه- 1375 م، و فى الصباح سحبت جثته الى الفضاء، حيث تم حرقها، و دفن بضاحية فاس‏ (12).

و يروى المقرى أنه تمكن مؤخرا من معرفة قبر ابن الخطيب، و ذلك خلال اقامته بفاس، أوائل القرن الحادى عشر الهجرى (القرن السابع عشر الميلادى)، فزاره مرارا حيث يرقد، و فى هذا يقول: «و قد زرته مرارا- (رحمه الله تعالى) - بفاس المحروسة، فوق باب المدينة الذي يقال له: باب الشريعة، و هو يسمى الآن «باب المحروق»، و شاهدت موضع دفنه غير مستو مع الأرض، بل ينزل اليه بانحدار كثير (13)».

رحم اللّه ابن الخطيب كفاء ما زود التاريخ من ذخائر، و أهدى العلوم و المعارف من نفائس.

____________

(12) ابن خلدون «العبر»، ج 7 ص 341- 342.

(13) المقرى «نفح الطيب»، ج 7 ص 83.

23

ابن الخطيب في نظر بعض المؤرخين و المستشرقين‏

قضى الوزير الفذ، و المفكر العظيم، و المؤرخ الكبير، و الموسوعة العلمية، على هذا النحو، ضحية الأحقاد و الأضغان، و بالرغم مما أثير حول الرجل إبان محنته من موجة عارمة بالسخط، فان هذه الموجة لم يطل أمدها، إذ كانت مغرضة عارية من ثوب الحقيقة، يدل على هذا ما رأيناه من المؤرخين القدامى، الذين انبرت أقلامهم لانصافه، و احلاله المكانة اللائقة به بين رجال التاريخ، و نخص من المؤرخين أولئك الذين قربوا من عهده؛ فابن خلدون صديقه القديم يسجل أولا أنه «هو الهالك لهذا العهد، شهيدا بسعاية أعدائه‏ (14)،» ثم يورد- فى مقام آخر- أنه «شاعر الأندلس و المغرب فى عصره»، كما يشهد له فى ميدان الشعر و النثر بقوله: «و امتلأ حوض السلطان من نظمه و نثره، مع انتقاء الجيد منه، و بلغ فى الشعر و الترسل، حيث لا يجارى فيهما، و امتدح السلطان أبا الحجاج من ملوك بنى الأحمر، و ملأ الدولة بمدايحه، و انتشرت فى الآفاق قدماه»، و يتحدث ابن خلدون كذلك عن رسائل ابن الخطيب السلطانية بقوله: «و صدرت عنه غرائب من الترسل فى مكاتبة جيرانهم (ملوك بنى الأحمر) من ملوك العدوة».

و حقا لقد خلف ابن الخطيب من هذه الرسائل روائع، تعد نموذجا رفيعا، لما بلغه قلم الرجل من شأو فى فن النثر الوزارى السياسى خاصة،

____________

(14) المقرى «أزهار الرياض» ج 1 ص 191.

24

سواء- من هذه الرسائل- ما بعث به على لسان سلطانه الى ملوك المغرب أو ملوك النصارى، أو سلاطين مصر؛ فبين أيدينا الكثير الجمّ، و يعتبر كتابه «ريحانة الكتاب و نجعة المنتاب» مجلدا ضخما لألوان نثر ابن الخطيب المختلفة، ما بين أغراض سلطانية، الى رسائل اخوانية، الى أوصاف حربية لمعارك دارت رحاها على أيامه.

أما المقرى فقد جمع فى مؤلفه «نفح الطيب» معظم آثار ابن الخطيب.

و ما كان له من أخبار فى الفترة التى عاشها بالأندلس و المغرب، و يكاد يكون معظم هذا السفر الضخم وقفا على ابن الخطيب، حتى أنه قرن اسم الكتاب به.

و قد أشاد المقرى فى أكثر من موضع- من كتابه هذا- بوزيرنا، فيقول عنه مثلا: «اذ هو فارس النظم و النثر فى ذلك العصر، و المنفرد بالسبق فى تلك الميادين بأداة الحصر (15)».

و فى مجال العلوم و الآداب بألوانها هو «امام هذه الفنون، المحقق لذوى الآمال و الظنون، المستخرج من بحار البلاغة درها المكنون، و له اليد الطولى فى العلوم على اختلاف أجناسها، و الألفاظ الرائعة التى تزيح وحشة الأنفس بايناسها (16)».

و بالجملة، فالمقرى يرى أن ابن الخطيب «قد قصرت ألسن البلغاء عن علاه، و زانت صدور الدواوين حلاه، و جمع خلالا حسانا، و كان للدين لسانا (17)».

أما الأمير «أبو الوليد اسماعيل ابن الأحمر»، معاصر ابن الخطيب، فيسجل فى كتابه «نثير فرائد الجمان، فيمن ضمنى و اياهم الزمان» مواهب‏

____________

(15) المصدر السابق ج 1 ص 77.

(16) المقرى «نفح الطيب» ج 1 ص 110.

(17) المقرى «نفح الطيب» ج 1 ص 111.

25

هذا الوزير و عبقرياته، فيقول: «هو شاعر الدنيا، و علم الفرد و الثنيا، و كاتب العرض الى يوم العرض، لا يدافع مدحه فى الكتب، و لا يجنح فيه الى العتب، آخر من تقدم فى الماضى، و سيف مقولة ليس بالكهام؛ اذ هو الماضى، و الا فانظر كلام الكتاب الأول من العصبة، كيف كان فيهم بالافادة صاحب القصبة، للبراعة، باليراعة، و به أسكت صائلهم، و ما حمدت بكرهم و أصائلهم، المشربة بالحلاوة، الممكنة من مفاصل الطلاوة، و هو نفيس العدوتين، و رئيس الدولتين، بالاطلاع على العلوم العقلية، و الامتاع بالفهوم العقلية (18)».

كذلك يبدى النقاد الأجانب اعجابهم و تقديرهم لابن الخطيب، و ينوّهون فى كثير من المناسبات بمنزلة الرجل العلمية و الأدبية، و ما زالت آثاره محل دراستهم المستفيضة، معينا لا يغيض، و منهلا بالمعارف يفيض.

و فى طليعة هؤلاء النقاد الأجانب المستشرق الأسبانى (سيمونيت‏Simonet ) حيث يقول: «ان ابن الخطيب قد خلّف لنا آثارا كثيرة، فى النثر و الشعر، و التاريخ، و الجغرافيا، و الرحلات، و البلاغة، و الشريعة، و العلوم، و الأخلاق، و الدين، و النبات، و الطب و البيطرة، و الموسيقى، و الفن الحربى، و السياسة، و كلها غنية فى الابتكار و التعمق و الرشاقة (19)».

و بهذه المناسبة نذكر أن المستشرق «سيمونيت» تناول بالتحقيق و الترجمة المدن الأندلسية التى وصفها ابن الخطيب فى كتابه «معيار الاختيار، فى ذكر المعاهد و الديار» موضوع هذا الكتاب- كما أسلفنا فى المقدمة- على نحو ما سنفصل القول عنه فى الباب الثالث، عند حديثنا عن قيمة مؤلفه هذا من الناحيتين التاريخية و الأدبية.

____________

(18) المقرى «أزهار الرياض، فى أخبار القاضى عياض» ج 1 ص 191.

(19)

F. J. Simonet. Discripcion Del Rieno de Granada, Sacada Del Los Autores Arabigos.

26

هذا، و يكفينا فى هذا العرض الموجز للتعريف بابن الخطيب أن نقتصر على آراء هؤلاء المؤرخين و بعض المستشرقين كشهادة صادقة للرجل الذي دخل دخل التاريخ من أوسع أبوابه، و إن هذه الشهادة من أمثال هؤلاء لفى غنى منا عن التعليق، فقد استقاها أصحابها من واقع مؤلفاته العديدة، أبلغ حجة، و أوضح بيان، و أقوى برهان، على مدى ما بلغه ابن الخطيب من شهرة سمت الى الأوج، لما تمتع به من عقلية فذة ذات آراء نافذة.

27

الفصل الثاني تراثه الفكري‏

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

آثار ابن الخطيب‏

مؤلفات الوزير العبقرى الغرناطى ابن الخطيب متعددة الفنون، ما بين شعر و نثر، و تاريخ، و طب، و موسيقى، و سياسة، و غيرها، و هى- على وجه التقريب- تربو على الخمسين مؤلفا، ففى الترجمة التى عقدها ابن الخطيب لنفسه فى آخر كتابه «الاحاطة فى أخبار غرناطة» أورد أسماء مؤلفاته، بيد أن قدرا هاما من هذه المؤلفات قد أعدم قبله، على يد الوزير ابن زمرك و القاضى النباهي بغرناطة، عام 773 ه (1371 م)، و معظم هذه الكتب تتعلق بعلوم الأخلاق و العقائد، أما مؤلفاته التى بين أيدينا الآن فهي القسم الأدبى و التاريخى فى الغالب، و قد حاول كثير من المؤرخين و المستشرقين حصر هذه المؤلفات فى فهارسهم، و لكن حياة ابن الخطيب السياسية، و التقلبات التى تعرض لها جعلت هؤلاء المستشرقين أو المؤرخين لا يفرقون بين ما ألّفه الرجل فى المغرب، و بين ما ألفه فى الأندلس. و يرى «ليفي بروفنسال» أن مؤلفات لسان الدين قد بلغت حوالي ستين كتابا، و لكن لم يبق منها الا الثلث تقريبا.

هذا، و إن كتب ابن الخطيب- سواء منها ما هو مخطوط لم يحقق بعد، أم ما حقق و نشر- لتحتل مركزا ممتازا بين المصادر التاريخية المعتمدة، لا سيما منها ما يتناول هذا الجزء من الغرب الاسلامى فى المغرب و الأندلس، فقد أنارت السبيل أمام المؤرخين و العلماء، و يسرت لهم بحوثهم عن هذه البقاع، لقلة المصادر الأخرى المعاصرة، و لأن ابن الخطيب قد عاش هذه الحقبة من القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى).

30

و نزيد فنقول: إن هذه المؤلفات العديدة- بصفة عامة- ما تزال تحظى بالتقدير و البحث منذ عصر وزيرنا حتى الآن، لا عند العرب فقط، بل و عند غيرهم أيضا، فذخائر ابن الخطيب تراث مشاع، يدرسه المستشرقون على اختلاف أجناسهم، و يجلون كنوزه، و يبرزونها الى الفكر الانسانى فى العالم، ليشهد طلاب الأدب و المعرفة ما تمخضت عنه عقلية الرجل الواسعة، مما تحتويه المكتبات العربية و الأجنبية منها.

و يجدر بنا أن نعرض هنا موجزا لأهم آثار ابن الخطيب مما ينسب إليه تأليفه، سواء أكان موجودا أم مفقودا، و سواء أكان مخطوطا أم تم تحقيقه و نشره، و الذي لا أعتقد أنه بيان شامل لكل مؤلفاته، فقد يتسنى لباحث آخر أن يعثر على مؤلفات أخرى له زيادة عما أعرض منها مما فاتنى تحصيله (1):

1- «الاحاطة فى أخبار غرناطة».

(تاريخ و تراجم)

من أشهر مؤلفات ابن الخطيب، توجد له نسخ فى كل من القاهرة (20) (الأزهر و دار الكتب) و تونس، و الرباط، و مدريد، و الاسكوريال، و عنوان الكتاب ينبئ عن موضوعه، فقد تناول فيه أخبار هذه المدينة الشهيرة، تاريخيا و جغرافيا و سياسيا و اجتماعيا و أدبيا، منذ الفتح العربى لاسبانيا حتى عصر المؤلف (دولة بنى الأحمر)، منتهيا منه إلى عهد السلطان الغني بالله محمد

____________

(20) هذا القدر من مؤلفات ابن الخطيب اعتمدنا فى ايراده على المصادر التالية:

أ- نفح الطيب، للمقرى، ج 4 ص 653- 657.

ب- أزهار الرياض، للمقرى، ج 1 ص 189- 190.

ج- فهرس بروكلمان‏

C. BROCKELMAN: Geschichte der Arabischen Li teratur: )8491( 31. 11. p. 933.

د- فهرس العزيزى‏

CASIRI: Bibllotheca Arabi eo- Hispana ESCUrialensis

ه- فهرس ديرنبور

H. DIRENBOURG: Les Manuscrite Arabes de I, Escurlal F. PONS BIOGYES: Ensayobio- Bibliogr afico sobre los Historiodores y, V. I. V. III. Geografas Arabigo- Espanales )Madrid 1898( P. 433- 743.

و- ابن الخطيب من خلال كتبه- للأستاذ التطوانى (جزءان) المغرب 1948.

31

الخامس ثامن ملوك بنى نصر، حيث وزر له مرتين، و يتألف هذا الكتاب من خمسة عشر سفرا، و هي فى مجموعها قسمان، كما جاء بنهاية المقدمة:

1) «القسم الأول فى حلي المعاهد و الأماكن و المنازل و المساكن»، و هو الخاص بالعاصمة «غرناطة»، و يشغل هذا القسم عشرين لوحة (أربعين صفحة).

2) «القسم الثانى فى حلي الزائر و القاطن، و المتحرك و الساكن»، و هو لب الكتاب، ففيه تراجم الملوك و الوزراء و القواد و العلماء و الأدباء، و من إلى هؤلاء، ملتزما فى هذا الترتيب الأبجدى لا التاريخى. و يرجع تأليف ابن الخطيب للاحاطة إلى ما قبيل عام 760 ه، و لكنه لم يفرغ منه إلا فى أواسط عام 765 ه، ففى نهاية ترجمته لنفسه يحدثنا عن فراغه من «الاحاطة» بقوله:

«و الحال إلى هذا العهد، و هو منتصف عام خمسة و ستين و سبعمائة، على ما ذكرته». هذا، و توجد من الاحاطة نسخة مطبوعة فى جزأين (القاهرة 1319 ه)، ثم حقق الأستاذ عبد اللّه عنان الجزء الأول منها، بتحقيق جديد، ضمن مجموعة (ذخائر العرب 17) نشر دار المعارف بالقاهرة عام 1955 م.

2- «الاماطة عن وجه الاحاطة، فيما أمكن من تاريخ غرناطة».

(تاريخ) ورد ذكر هذا المؤلف فى كتاب ابن الخطيب (اللمحة البدرية)، فربما كان مختصرا لكتابة (الاحاطة)، على أنه لم يرد اسمه ضمن كتبه التى ذكرها فى هذه الاحاطة.

3- «مركز الاحاطة، فى أدباء غرناطة».

مؤلف أورده المستشرقون فى فهارسهم، و يعتقد أنه تكملة لتراجم الاحاطة.

4- «ريحانة الكتّاب، و نجعة المنتاب».

(ألوان أدبية و سياسية) عبارة عن مقتبسات من مؤلفاته الأخرى، مثل بستان الدول، و رقم‏

32

الحلل، و غيرهما، و توجد لهذا المؤلف الضخم أكثر من مخطوطة، فى كل من الرباط و القاهرة و مدريد و الفاتيكان، بيد أن نسخا كاملة منه موجودة فى الخزانة العامة بالرباط، بالاضافة الى أخرى بمكتبة مدريد الوطنية.

5- «أعمال الأعلام، فى من بويع قبل الاحتلام، من ملوك الاسلام، و ما يجر ذلك من الكلام».

(تاريخ) و هو مؤلف فى التاريخ الاسلامى، يقع فى جزأين، أولهما خاص بالشرق الاسلامى، و ثانيهما خاص بتاريخ الأندلس، و لاسيما ملوك الطوائف، و بنى نصر، و ملوك النصارى، و ذلك على سبيل الايجاز ...، و قد أشار المؤلف فى مقدمته الى أن هذا الكتاب هو آخر مؤلّف له، فقد وضعه فى الفترة الأخيرة من حياته و قبيل مقتله بالمغرب، استجابة للظروف التى كان يجتازها حينئذ، ثم انقلب الوضع بعدها، و كانت نهايته على نحو ما سبق تبيانه.

توجد للكتاب نسخة فى مدريد، نقلا عن نسخة الجزائر، و قد حقق الجزء الأول منه و الخاص بتاريخ الأندلس- الأستاذ ليفى؟؟؟ برو؟؟؟ فنسال سنة 1934 م و حقق الجزء الثانى منه الدكتور العبادى و الأستاذ محمد ابراهيم الكتانى- و هو الخاص بتاريخ المغرب، العصر الوسيط- (دار الكتاب بالمغرب عام 1967 م).

6- «الكتيبة الكامنة، فى من لقيناه بالأندلس من شعراء المئة الثامنة»

. (تراجم) هذا الكتاب عبارة عن تراجم لطائفة من الأدباء و العلماء و الكتاب المعاصرين للمؤلف، متضمنا نماذج من آثارهم شعرا و نثرا، و يقع المؤلف فى ست و ثمانين لوحة بمكتبة مدريد الوطنية، و هى نسخة من مخطوطة الجزائر، و قد حقق هذا الكتاب الدكتور إحسان عباس سنة 1963 م، (دار الثقافة ببيروت- المكتبة الأندلسية 8)، و أثبت لنا أن ابن الخطيب كان يحرر الكتيبة فى جمادى الآخرة 774 ه، معتمدا فى ذلك على قول المؤلف نفسه فى (الورقة 85 ب): «.. و كل من ذكر الى هذا الحد من المشايخ و الأتراب، فقد تسابقوا تسابق الغراب الى التراب ..، و من يجرى ذكره بعد هذا فهم بقيد الحياة لتمام جمادى الآخرة عام أربعة و سبعين و سبعمئة»، كذلك استنتج المحقق‏

33

من دراسته الدقيقة لمقدمة هذا الكتاب أن ابن الخطيب ألفه فى سن عالية بعد أن نفض عن كاهله غبار السياسة، مستدلا بقول ابن الخطيب فى المقدمة «... و استوعبت من صحبة المغرب حصتى، و ختمت بالدعاء قصتى، و نزلت عن منصتى، و ابتلعت غصتى‏ (21)».

7- «اللمحة البدرية، فى الدولة النصرية»

. (تاريخ) مؤلف تاريخى موجز، يدور حول أخبار ملوك بنى الأحمر، منذ قيام دولتهم حتى عام 765 ه ..، و الكتاب مطبوع فى القاهرة عام 1947 م.

8- «رقم الحلل، فى نظم الدول»

. (شعر) نظم شعرى فى ألف بيت، يتناول فيه المؤلف تاريخ الدولة الاسلامية بالمشرق و الأندلس، مذيلا كل قصيدة بشرح لها، و يقع المؤلف فى مجلد واحد، طبع بتونس عام 1316 ه.

و تجدر الاشارة الى أن هذا الكتاب هو نفسه «الحلل المرقومة»، تبعا لما جاء فى نسخة مكتبة مدريد الوطنية، و التى نسخت عن مخطوطة الاسكوريال (رقم 1776).

9- «مفاخرة بين مالقة و سلا»

(اجتماعيات)

10- «خطرة الطيف، فى رحلة الشتاء و الصيف»

(تاريخ لرحلة ملكية)

____________

(21) راجع: (الكتيبة الكامنة) لابن الخطيب، تحقيق الدكتور احسان عباس ص 13- 15 و هذا يخالف ما ارتاه الأستاذ محمد عبد اللّه عنان فى مقدمة «الاحاطة» من أن «الكتيبة» قد ألفها ابن الخطيب فى باكورة حياته، و نحن نميل الى الأول.

34

11- «نفاضة الجراب، فى علالة الاغتراب»

(تاريخ مغربى)

يقع هذا الكتاب فى ثلاثة أجزاء، أولها ما زال مفقودا، و قد نشر الدكتور العبادى الجزء الثانى منه بمعرفة دار الكاتب العربى بالقاهرة 1968 م.

أما الجزء الثالث فقد عثر عليه الأستاذ عبد الوهاب ابن منصور مؤخرا.

12- «معيار الاختيار، فى ذكر المعاهد و الديار»

. (الذي هو بين أيدينا الآن).

13- «مقنعة السائل، عن المرض الهائل»

. (طب)

عبارة عن رسالة وصف فيها ابن الخطيب الوباء الكبير، الذي اجتاح الأندلس و حوض البحر الأبيض المتوسط، عام 749 ه (1348 م)، و سقط فيه جمهرة من أعيان الأندلس و المغرب و علمائهما، و قد نشرت هذه الرسالة مع ترجمتها للألمانية بمعرفة مجلة أكاديمية العلوم الباقارية (1863 م).

14- «الاشارة الى أدب الوزارة»

(سياسة)

مؤلف تحدث فيه لسان الدين عن واجبات الوزير، و ما ينبغي توافره من الشروط فيمن يتقلد هذا المنصب، و بالكتاب مقامة «السياسة»، و الكل ما زال مخطوطا بالإسكوريال، و ذلك ضمن المخطوطة (554)، و قد فرغت من تحقيقه، مردفا به «مقامة السياسة» لنفس المؤلف. و سيظهر ذلك قريبا.

15- «عمل من طب لمن حب»

. (طب)

مؤلف طبي كبير، تكلم فيه المؤلف عن الأمراض المختلفة، و شخّص الاصابات، كما شرح وسائل الوقاية، و سبل العلاج، و الكتاب مهدى من ابن‏

35

الخطيب الى السلطان أبى سالم المرينى، فقد ألّفه من أجله عام 761 ه، و هو مخطوط توجد منه نسخة بمدريد، و يقع فى 151 لوحة من الحجم الكبير.

16- «المسائل الطبية»

. 17- «اليوسفى فى الطب»

. 18- «رجز الأغذية»

. 19- «رسالة تكوين الجنين»

. 20- «الرجز فى عمل الترياق»

. 21- «الوصول لحفظ الصحة فى الفصول»

. 22- «رجز فى الطب»

. 23- «البيطرة و البيزرة»

. و كلها رسائل طبية (16- 23)، ألفها ابن الخطيب فى مناسبات شتى، و أورد ذكرها فى كتابه الاحاطة، كما أشار الى معظمها المقرى فى مؤلفيه نفح الطيب، و أزهار الرياض.

24- «عائد الصلة»

. (تراجم)

يحتوى على تراجم لطائفة من الأعلام، ممن لم يرد لهم ذكر فى كتاب «الصلة» لابن الزبير.

25- «خلع الرسن، فى وصف القاضي أبي الحسن»

. (رسالة شخصية)

فى وصف القاضى أبى الحسن، هذه رسالة كتبها ابن الخطيب، جوابا عن الرسالة التى وجهها إليه هذا القاضى النباهى، إثر مغادرة الأول للأندلس نهائيا، و التجائه الى المغرب دون علم سلطان غرناطة يومئذ (الغني بالله محمد الخامس).

36

26- «التاج المحلى فى مساجلة القدح المعلى»

. (تراجم و تاريخ)

و هو عبارة عن تراجم لأعيان الأندلس فى القرن الهجرى، و تنويه بمملكة بنى الأحمر منذ نشأتها حتى عصر المؤلف، و قد اعتمد المقرى على هذا الكتاب فى كثير من التراجم التى أوردها فى كتابه «نفح الطيب»، و يوجد للتاج المحلى نسخة مخطوطة ضمن مخطوط كبير بالاسكوريال (554 الغزيرى).

27- «بستان الدول»

. (تاريخ سياسى)

كتاب سياسى شامل، تحدث فيه المؤلف عن القضاء، و الحرب، و الصناعة و أهلها، و طبقات الشعب، و أفرد لكل شجرة، بحيث ألف من المجموع هذا «البستان»، و يبدو أن الظروف لم توات ابن الخطيب حتى يكمله.

28- «السحر و الشعر»

. (أدب)

مجموعة مختارة من شعر المشارقة و المغاربة، فيما يتعلق منها بالوصايا و المواعظ، اختارها ابن الخطيب لولده عبد اللّه حيث أهداه اليه يافعا، و الكتاب ما زال مخطوطا فى كل من مدريد و الرباط (المكتبة الكتانية)، و هو لدىّ الآن تحت التحقيق و الدراسة.

29- «كناسة الدكان، بعد انتقال السكان»

. (وثائق تاريخية)

مؤلف تاريخى، يضم مجموعة من الرسائل السياسية، بعث بها ابن الخطيب على لسان السلطان أبى الحجاج يوسف الأول، الى معاصره السلطان أبى عنان فارس المرينى، فيما عدا وثيقة عقد زواج نصرى، صدّر بها كتابه هذا تلو المقدمة، و قد قمت بتحقيق هذا المؤلف، من نسخة يتيمة بالاسكوريال برقم (1712 الغزيرى) و تقع فى ستين لوحة، و نشرته دار الكتاب العربى بالقاهرة سنة 1968 م.

37

30- «اوصاف الناس فى التواريخ و الصلات»

. (تراجم)

كتاب يشتمل على تراجم أدبية تاريخية، توجد له مخطوطة جيدة للغاية بمكتبة الاسكوريال بمدريد، قمت بتصويرها، و قد فرغت الآن من تحقيقه، و سيظهر قريبا.

31- «تافه من جمّ، و نقطة من يمّ»

. (شعر)

مصنف من أشعار أستاذ ابن الخطيب الرئيس أبى الحسن علي ابن الجيّاب.

32- «الدرر الفاخرة، و اللجج الزاخرة»

. (شعر)

مختارات من شعر صديقه و أستاذه أبى جعفر بن صفوان.

33- «جيش التوشيح»

. (موشحات)

مجموعة من الموشحات الأندلسية، جمعها ابن الخطيب فى كتاب أسماه بهذا الاسم، و نسبها لأصحابها من أئمة التوشيح فى الأندلس، و قد نشر فى تونس 1967 م.

34- «روضة التعريف بالحب الشريف»

. (تصوف)

مؤلف فى التصوف، يعزو المؤرخون الى هذا الكتاب أنه كان وثيقة الاتهام بالالحاد و الزندقة ضد ابن الخطيب، حسبما أملت الأهواء على من صاغوا صك الاتهام للرجل، حتى سيق الى الموت من أجله، و توجد من الكتاب نسخة مخطوطة بالرباط، بيد أنها ناقصة و مشوهة (22).

____________

(22) لقد عثر الأستاذ عبد القادر أحمد عطا على نسخة مخطوطة لهذا الكتاب بالمدينة.

المنورة، بمكتبة الشيخ عارف حكمت، و لما كانت النسخة فى درجة جيدة فقد اتخذها أساسا لتحقيق الكتاب، مسترشدا معها بنسخة أخرى عثر عليها بمكتبة الظاهرية بدمشق، الى جانب نسخة أسعد أفندى بتركيا المصورة بمعهد المخطوطات العربية بجامعة الدول العربية، و قد نشر المحقق «روضة التعريف» بمعرفة دار الفكر العربى بالقاهرة عام 1968 م.

38

35- «استنزال اللطف الموجود، فى سير الوجود»

. (تصوف).

36- «فتات الخوان و سقط الصوان»

. (رسالة شعرية).

37- «المختصر فى الطريقة الفقهية»

. (دين).

38- «مثلى الطريقة، فى ذم الوثيقة»

. (رسالة شخصية)

39- «الألفية فى أصول الفقه»

. (رسالة دينية شعرية فى ألف بيت).

40- «النفاية بعد الكفاية»

. (رسالة أدبية).

41- «كتاب المحبة»

. (اجتماع).

42- «المنح الغريب، فى الفتح القريب»

. (أدب).

43- «تلخيص الذهب، فى اختيار عيون الكتب»

. (أدب).

44- «مساجلة البيان»

. (تراجم أدبية).

45- «المباخر الطيبية، فى المفاخر الخطيبية»

. (أدب).

هذه المؤلفات (35- 45) وردت فى فهارس المستشرقين، كما أشار إليها بعض المؤرخين القدامى.

46- «رسائل فى الموسيقى»

.

39

47- «رسائل فى الفلسفة»

. 48- «رسائل فى الفقه»

. و هذه رسائل أخرى متفرقة، ذكرتها الفهارس أيضا، و لم يصل إلينا منها شى‏ء.

49- «الصّيّب و الجهام، و الماضى و الكهام»

. (شعر)

و هو عبارة عن «الديوان» الذي نسبه إليه حاجى خليفة، فى كتابه «كشف الظنون»، و توجد للكتاب- بهذا العنوان- نسخة مخطوطة فى مكتبة القرويين بفاس. و قد حقق أخيرا بالجزائر، و تم طبعه.

50- «طلّ الغمام، المقتضب من الصيّب و الجهام»

. (شعر)

و هو مختصر لديوانه السابق، لم يعثر عليه بعد، و لكن ورد ذكره ضمن مؤلفاته فى الاحاطة.

51- «طرفة العصر، فى أخبار دولة بنى نصر»

(تاريخ)

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

الفصل الثالث عرض و تحليل لمعيار الاختيار

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

موضوع الكتاب‏

ذكر الوزير ابن الخطيب فى آخر كتابه «الاحاطة» أسماء مؤلفاته اجمالا، و أورد من بينها مؤلفه «معيار الاختيار، فى ذكر المعاهد و الديار» على أنه مؤلف قائم بنفسه، ثم أورده فى باب «المقامات» من مؤلفه الضخم «ريحانة الكتاب، و تحفة المنتاب» و الذي يشتمل على أكثر من غرض و لون أدبى تاريخى.

و المعيار الذي نتعرض لدراسته عبارة عن وصف شامل لأهم مدن مملكة غرناطة، و أهم مدن المغرب، تناول فيه ابن الخطيب النواحى الجغرافية و التاريخية و الاجتماعية لمعظم المدن التى أوردها.

لقد بدأ أول ما بدأ بجبل الفتح (جبل طارق)، و هو يومئذ ضمن مملكة بنى مرين المغربية، و كان طبيعيا أن يبدأ الوصف بالجبل، فهو كما يقول المؤلف: «فاتحة الكتاب من مصحف ذلك الاقليم، و لطيفة السميع العليم، و قصص المهارق، و أفق البارق، و متحف هذا الوطن المباين للارض المفارق»، و الجبل بالنسبة للبلاد الاندلسية «محط طارقها بالفتح طارق» و له دوره الهام فى حماية البلاد الاندلسية حيث أنه «مسلحة من وراءه من العباد، و شقة القلوب و الاكباد».

أما المدن الاندلسية التى أعقبها الجبل فى الوصف، فهى- حسب الترتيب الذي أوردها به- كما يلى:

44

1- اسطبونةEstepona 2- مربلةMarabilla 3- سهيل‏Fuenjerola 4- مالقةMalaga 5- بليش مالقةVelez Malaga 6- قمارش‏Comares 7- المنكب‏Almuncar 8- شلوبانيةSalobrana 9- برجةBerja 10- دلايةDalias 11- المريةAlmaria 12- طبرنش‏Tabernas 13- بيرةVera 14- مجاقرMujacar 15- قنتوريةCantoria 16- برشانةPurchena 17- أوريةOria 18- بليش الشقراءVelez Robia 19- بسطةBaza 20- أشكرHuescar 21- أندرش‏Andarax 22- شبالش‏Jubles 23- وادى آش‏Juadix 24- فنيانةFinana 25- غرناطةGranada 26- الحمةAlhama 27- صالحةZalia

45

28- أليرة و منتفريدIlIora e Mouteferio 29- لوشةLoja 30- أرجذونةArchidona 31- أنتقيرةAntequera 32- ذكوان‏Coin 33- قرطمةCartama 34- رندةRonda

و أما المدن المغربية فهى حسب ترتيب المؤلف أيضا:

1- بادس، 2- سبتة، 3- طنجة، 4- قصر كتامة، 5- أصيلا، 6- سلا، 7- أنفا، 8- أزمور، 9- تيط، 10- رباط أسفى، 11- مراكش، 12- أغمات، 13- مكناسة، 14- فاس، 15- مدينة الملك، 16- آقرسلوين، 17- سجلماسة، 18- تازة، 19- غساسة.

و على هذا فقد تناول ابن الخطيب أول ما تناول من مدن الاندلس مدينة «اسطبونة»، و انتهى بمدينة «رندة»، و هو فى تناوله هذا للمدن لم يراع ترتيبا جغرافيا و لا تاريخيا، بل و لا أولويا، فقد كانت مدينة غرناطة مثلا فى المرتبة السادسة بعد العشرين من وصفه، رغم أنها حاضرة المملكة، و لها من المبررات ما يجعلها أهلا للمرتبة الاولى من وصفه، و لكن المؤلف حرر نفسه من كل قيد لتقديم مدينة على أخرى، أيا كانت دواعى التفضيل، و كيفما بلغت أهميته.

لقد كان المؤلف يتعرض للمدينة فى وصفه، فيتناولها من معظم ما يتعلق بها، اذ يتحدث عن موقعها الجغرافى و مكانتها التاريخية، و حالة سكانها الاجتماعية، فيعطينا صورة واضحة- الى حد بعيد- عن كل مدينة تناولها قلمه.

ففى وصفه لموقع مدينة «قمارش» مثلا، و ما للموقع من أهمية، يقول: انها «مودع الوفر، و محط السفر، و مزاحم الفرقد و الغفر،

46

حيث الماء المعين، و القوت المعين». و أما منتجات البلد من محاصيله، فقد أشار الى أن «به الاعناب التى راق بها الجناب، و الزياتين و اللوز و التين، و الحرث الذي له التمكين». و فى معرض الوصف الاجتماعى يستدرك ابن الخطيب، ذاما أهل البلد حين يقول: «الا أنه عدم سهله، و عظم جهله، فلا يصلح فيه الا أهله».

أما اذا ارتأى مدينة حقيقة بمدح أحوالها الاجتماعية فهو لا يقصر فى حقها، فمثلا مدينة «المرية»- على حد قوله «محط التجار، و كرم النجار، و رعى الجار. ما شئت من أخلاق معسولة، و سيوف من الجفون السود مسلولة، و تكك محلولة، و حضارة تعبق طيبا، و وجوه لا تعرف تقطيبا» و هى- الى جانب تلك الرفاهية و ذلك النعيم، و اللذة و السرور المقيم- «لم تزل- مع الظرف- دار نساك، و خلوة اعتكاف و امساك»، فهو حريص فى الوصف، دقيق فى الاحاطة، شأن الخبير بالاماكن و البقاع.

نأخذ أيضا مثالا لنهج المؤلف فى الاشادة بالاجتماعيات عند الناس، و طريقته فى العرض للحقائق، و تقصيه لها، حين يذكر عن مدينة برشانة أن «أهلها أولو عداوة لاخلاق البداوة، و على جوههم نضرة و فى أيديهم نداوة. يداوون بالسلافة علل الجلافة، و يؤثرون علل التخلف على لذة الخلافة، فأصبح ربعهم ظرفا قد ملئ ظرفا، فللمجون به سوق، و للمجون ألف سوق، تشمر به الاذيال عن سوق، و هى تبين بعض بيان عن عن أعيان»، هذا من جانب، و من جانب آخر لهذه المثالب، يذكر أن «وغدها (المدينة) يتكلم بمل‏ء فيه، و حليمها يشقى بالسفيه، و محياها تكمن حية الجور فيه».

هذا، و قد ظفرت بعض المدن الاندلسية بعناية خاصة من قلم ابن الخطيب، كغرناطة و مالقة، و لا عجب فلكل منهما مركزها الادارى و السياسى، فالاولى حاضرة ملك بنى الاحمر، و زهرة المدن الاندلسية،

47

و لها على ابن الخطيب أياد لا تنسى، فكان عليه أن يوفيها حقها، و أن يعطيها مستحقها، فيحلها- من وصفه- مكانتها اللائقة، و لكن هذا لا يمنعه- كمؤرخ صادق- من أن يبرز لنا بعض عيوبها، سواء فى طقسها الشتوى، و بردها الذي «يمنع الشفاه من رد التحيات»، أو الاسعار التى «معيارها يشعر بالترهات»، و جفاف طباع بعض أهلها، الذي يصل الى درجة «سوء الجوار، و جفاء الزوار، و نذالة الديار»، فهذا المسلك من ابن الخطيب نحو المدن فى وصفها يعطينا فكرة عن صدق قلمه، و تحرره من أى قيد، فغرناطة- و ان كانت مقامه بجوار مخدوميه بنى الاحمر، و محل سلطانه و جاهه- الا أن ذلك كله لا يمنعه من اعطاء كل ذى حق حقه، و أنه فى هذا لا تأخذه لومة لائم.

لنستمع اليه فى شأن العاصمة النصرية، حين يستهل وصف حمرائها:

«كرسيها ظاهر الاشراف، مطل على الاطراف، و ديوانها مكتوب بآيات الانفال و الاعراف»، و فى معرض موقع المدينة، يذكر لنا أن «هواءها صاف، و للانفاس مصاف. حجبت- الجنوب عنها- الجبال، فأمن الوبا و الوبال، و أصبح ساكنها غير مبال، و فى جنة من النبال، و انفسحت للشمال، و استوفت الشروط على الكمال»، كما يتحدث مشيدا بنهر شنيل، و فضله على جنات غرناطة و مروجها، فيقول «و انحدر منها (جبل سييرا نيفادا) مجاج الجليد على الرمال، و انبسط- بين يديها- المرج (فحص غرناطة) الذي نضرة النعيم لا تفارقه، و مدارى النسيم تفلى بها مفارقه. ريع من وادية بثعبان مبين، ان لدغ تلول شطه تلها للجبين، و ولدت حيات المذانب عن الشمال و اليمين، و قلد منها اللبات سلوكا تأتى من الحصباء بكل در ثمين، و ترك الارض مخضرة، تغير من خضراء السماء ضرة، و الازهار مفترة، و الحياة الدنيا بزخرفها مغترة»، ان هذه الروعة البيانية، و دقة التعابير البلاغية، جعلت الصورة تتجسم أمامنا، حتى لنكاد نلمس منها كل جانب.

48

ثم يعود المؤلف بنا من مطافه الى الحمراء مرة أخرى، فيكشف لنا عن منشآتها الرائعة، و جناتها الساحرة، و كيف أنها مدرج سلالة بنى نصر، فيقول: «و تبرجت بحمرائها القصور مبتسمة عن بيض الشرفات، سافرة عن صفحات القباب المزخرفات، تقذف بالانهار- من بعد المرتقى- فيوض بحورها الزرق، و تناغى أذكار المآذن بأسمارها نغمات الورق.

و كم أطلعت من أقمار و أهله، و ربت من ملوك جلة ..»

أما مالقة- عاصمة الحموديين الادراسة- فيتحدث المؤلف- بادئ ذى بدء- عن تاريخها كعاصمة لهؤلاء فيقول: «كرسى ملك عتيق، و مدرج مسك فتيق، و ايوان أكاسرة، و مرقب عقاب كاسرة، و مجلى فاتنة حاسرة، و صفقة غير خاسرة»، ثم يشيد بشهرتها الصناعية فى الفخار و الحرير «.. و مذهب فخارها له على الاماكن تبريز، الى مدينة تبريز، و حلل ديباجها بالبدائع ذات تطريز». و بعد أن يصور محاصيلها و فواكهها، و ما اشتهر به قومها من الاسهام بالبر بأوفر نصيب، فى تخليص أسرى المسلمين من أيدى النصارى، و وفرة أعيانها و علمائها- يتناول بعدئذ مساوئ المدينة، فيقول: «و على ذلك، فطينها يشقى به قطينها، و أزبالها تحيى بها سبالها، و سروبها يستمد منها مشروبها، فسحنها متغيرة، و كواكب أذهانها النيرة متحيرة .. و طعاما لا يقبل الاختزان، و لا يحفظ الوزان، و فقيرها لا يفارق الاحزان ..» الى آخر هذه المساوئ التى أوردها عن مدينة مالقة.

و هكذا نرى أن موضوع الكتاب فى وصفه للبلاد الاندلسية أو المغربية قد اختط فيه ابن الخطيب موضوعية لا تبارى، و شمولا فى الوصف لمختلف النواحى، التاريخية، و الجغرافية، و الاجتماعية، و الاقتصادية، فى صورة ناطقة نابضة.

49

منهج ابن الخطيب فى الكتاب‏

عندما كتب ابن الخطيب مؤلفه «معيار الاختيار» اختط فى التحرير طريقة خاصة، تختلف عن معظم كتاباته فى مؤلفاته الاخرى، ذلك أنه بدأ بمقدمة معتادة أعقبها بمحاورة، ثم انتهى الى صميم الموضوع، فقسمه الى مجموعتين مستقلتين، و أدرج كل مجموعة تحت مجلس خاص، و قصر المجلس الاول على المدن الاندلسية، ثم أعقبه بالمجلس الثانى فقصره على المدن المغربية. و هكذا بدأ المؤلف كتابه فى المجلس الاول، بما جرت به عادة المؤرخين و المؤلفين المسلمين، و ذلك بحمد الله تعالى، و الثناء عليه بما هو أهله، و الصلاة و السلام على رسوله (صلى الله عليه و سلم)، كل هذا فى قالب يتناسب و الموضوع الذي يتعرض له، و هو وصف البلدان.

ثم ثنى بأن الانسان مدنى اجتماعى بطبيعته، لا يستقيم حاله بدون مجتمع، و بالتالى لا يقوم المجتمع بدونه، و أنه- أى الانسان- أحيانا يتخذ سكناه حسبما اتفق، و أحيانا يكون له ظرف الاختيار، مرجحا من الامكنة ما غلبت حسناته على سيئاته، و هذه الامكنة «كثيرا ما تنافر الى حكمها النفر، و أعمل السفر»، و أيا كان، فانه لا توجد مدينة قد كملت من كافة النواحى كما يقول.

و بعدئذ يتحدث المؤلف عن خبر فى قالب قصة، فهناك راو استهواه مكان ما، فنزل به حتى حل المساء، و حينئذ أبصر شيخا معه تلميذه و حماره، و ما استقر المقام بذلك الشيخ حتى حن الى صباه، و ضاق بمرارة المشيب، و قسوة الغربة، و شعوره بأن نفسه لم تتب بعد، و أخيرا يسأل الله العفو و الغفران، و القربى من رحمته يوم الحساب، معتمدا فى اجابة سؤله على شفاعة شيبه، ثم تدور مناقشة بين الشيخ و فتاه، و عندها ينبرى الشيخ، فيحدثنا عن مدى خبراته فى أمور شتى‏

50

نتيجة علمه و بحثه، وجوبه بلاد العالم، و وقوفه بأقطار كثيرة للدرس و البحث. و تكون النتيجة أن يتقرب الراوى الى الشيخ، مطمئنا اياه الى حسن طويته، و ما عليه من خلق يؤهله لان يتشرف بالاستماع الى فيض علمه، و يسأل الراوى الشيخ ان يصف له بلاد الاندلس ثم بلاد المغرب، فى دقة و أمانة و اخلاص، فأجابه الشيخ الى طلبه، و بدأ الراوى بالسؤال عن جبل الفتح (جبل طارق) و هكذا .. حتى انتهى من المدن الاندلسية بمدينة «رندة». ثم أخبر الشيخ سائله بأن الصبح قد قارب الوجود، و أنه قد وفاه- فى الوصف- حسابه، و لم يبق الا أن يكافئه على هذه الذخائر حتى يكون له أليفا و رفيقا، فينثر الراوى المال بين يدى محدثه فيأخذ منه شاكرا، و أخيرا يتفقد الراوى الشيخ على ضوء مصباح، فلا يجد له أثرا، «فكأن الفلك لفه فى مداره، أو خسفت الارض به و بداره»، فيتأسى الراوى عن هذا الفراق بأن «لكل اجتماع من خليلين فرقة».

هكذا ينتهى نهج المؤلف فى «المجلس الاول» من كتابه.

أما فى «المجلس الثانى» فان الراوى يلج أحد الاسواق، و فى السوق «أمم تنسل من كل حدب، و تنتدب من كل منتدى و منتدب»، فى بيع و شراء، و تحايل للتعايش و الكسب، بمختلف الوسائل و الاعمال، فهناك «رقاة جنون، بضروب من القول و فنون، و فيهم كهل قد استظل بقيطون»، قد ادعى العلم بالمغيبات، و التفسير للمشكلات و الاحاطة بأسرار الطبيعة، و شفاء العضال من الامراض، و فى مجال العلوم قد برع، ما بين طب و رياضة و تاريخ و جغرافية، و حديث و تفسير، و منثور و منظور، و منطق و برهان، فهو قد جاب الاقطار فى الدرس و البحث و المعرفة. و هنا يجد الراوى بغيته، فقد ذكره ذلك الرجل بالشيخ الاول، فأراد أن يستكمل‏

51

معلوماته عن البلدان، فاخترق اليه جموعا بشرية من قصاده، و خاطبه بقوله: «بى الى تعرف البلدان جنوح و جنون، و الجنون فنون» فأجابه الشيخ موافقا، متحفظا بأنه «لا تجود يد الا بما تجد، و الله المرشد».

و هنا يسأله الراوى عن البلاد المغربية، بادئا منها ب «بادس»، و الشيخ يجيبه بمعلوماته عنها، واحدة تلو الاخرى، حتى ينتهى منها بمدينة «غساسة»، و عندئذ «وجب اعتناء بالرحيل و اهتمام، و كل شى‏ء الى تمام» كما قال الشيخ، فقد انفض عن السوق أهله، و لم يبق الا أن ينثر الراوى دنانيره، مكافأة طيبة لمحدثه، فيتناول منها ما تستغنى به النفس، و قبل أن يتهيأ للسير لم ينس- و هو الحكيم المجرب- أن يزود الراوى بنصح منظوم، فيه مزايا التحلى بالقناعة، و الايمان بالقضاء و القدر، و التحفظ على السر و كتمانه، و تحاشى التعثر بالناس، و تقوى الله تعالى، فالقرب منه رهن بها، و ليست هناك خسارة أفدح من معصية الخالق.

و أخيرا نرى الشيخ قد «ضرب جنب الحمار، و اختلط فى الغمار» و بقى الراوى يتتبع أثر الشيخ، و لكنه تعزى عن فراقه بأن «كل نظم الى انتثار»

بهذا ينهى ابن الخطيب «المجلس الثانى»، و بانتهاء «المجلس الثانى» ينتهى الكتاب نفسه.

هذا هو المنهج الذي سلكه ابن الخطيب المؤلف فى كتابه «معيار الاختيار»، و هو منهج- كما رأينا- قصصى، دار فى فلك نوع خاص من القصة، و هذا النوع هو الذي عرف من بين فنون النثر العربى باسم «المقامة»، متخذا من المحاورة وسيلة لتشويق القارئ و المستمع، و بخاصة فى صلب الموضوع، عند وصفه للبلاد.

52

قيمة الكتاب الادبية و مدى صلته بفن المقامات فى الأدب العربى‏

ذكرنا أن «معيار الاختيار» قد جاء فى صورة قصة محدودة، و القصة من أدق الفنون الادبية و أصعبها تركيبا، و هى تتمتع من بين سائر فنون الادب بالذيوع و الانتشار، لما تشتمل عليه من استمالة القلوب، و امتناع النفوس، فالآداب العالمية قد زخرت بهذا اللون الغنى منذ أقدم العصور، و لقد ورثنا عن العرب منذ جاهليتهم ذخيرة نفيسة من القصص، تناولها المشتغلون بالبحث و النقد درسا و تحليلا، و انقسموا حيالها الى فريقين متباينين، و لكل وجهة، فبعض المستشرقين فى دراستهم للقصة العربية يرون مع «كارادى فو» أنه «لم يسبق الادب العربى أى أدب آخر فى نوع الاقاصيص، بينما البعض الآخر يرى أن العرب- ابان حضارتهم- زودوا لغتهم بفلسفة الشعوب و علومهم، و تجاهلوا أدب القصة تجاهلا يكاد يكون مطلقا، و من ثم جهلوا أصول الفن القصصى، فكانت قصصهم تفقد قيمتها الفنية تبعا لذلك.

و انصافا للحق نقول: ان القصص العربى ذو ألوان مختلفة، و قد حظيت بعض هذه الالوان بعناية العرب، فراعوا فى صوغها مقومات القصة، و أسس بنائها، فجاء هذا اللون منها تحفة فنية، لها قيمتها و روعتها، و البعض الآخر من ألوان القصة العربية فقد معظم هذه الاسس، فكان مثارا للنقد، و محلا للملاحظة.

و القصص العربى أنواع: أشهرها القصص الدينى، و مصادره التوراة و الانجيل و القرآن، ثم ما جاء على ألسنة الرواة و المحدثين من أخبار الاولين و قصصهم، مزج فيها القصاص الحقيقة بالخيال، و التاريخ بالاسطورة. و كان الهدف من هذا النوع من القصص الوعظ و الارشاد فى معظمه، ترغيبا فى الجنة و ترهيبا من النار.