الإحاطة في أخبار غرناطة - ج4

- ابن الخطيب محمد بن عبد الله المزيد...
710 /
3

[المجلد الرابع‏]

[تتمة قسم الثانى‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم و صلّى اللّه على سيّدنا محمد و آله و صحبه و سلّم‏

و من الغرباء

عبد المهيمن بن محمد بن عبد المهيمن بن محمد ابن علي بن محمد بن عبد اللّه بن محمد الحضرمي‏

يكنى أبا محمد، شيخنا الرئيس، صاحب القلم الأعلى بالمغرب.

حاله: من «عائد الصلة»: كان، (رحمه اللّه)، خاتمة الصّدور، ذاتا و سلفا و تربية و جلالة. له القدح المعلّى في علم العربية، و المشاركة الحسنة في الأصلين، و الإمامة في الحديث، و التّبريز في الأدب و التاريخ و اللغة، و العروض و المماسة في غير ذلك.

نشأ فارس الحلبة، و عروس الوليمة، و صدر المجلس، و بيت القصيد، إلى طيب الأبوّة، و قدم الأصالة، و فضل الطّعمة، و وفور الجاه، و الإغراق في النّعمة، كثير الاجتهاد و الملازمة، و التفنّن و المطالعة، مقصور الأوقات على الإفادة و الاستفادة، إلى أن دعته الدولة المرينيّة بالمغرب إلى كتابة الإنشاء، فاشتملت عليه اشتمالا، لم يفضل عنه من أوقاته ما يلتمس فيه ما لديه. و استمرت حاله، موصوفا بالنّزاهة و الصّدق، رفيع الرّتبة، مشيد الحظوة، مشاركا للضيف فاضلا، مختصر الطّعمة و الحلية، يغلب عليه ضجر يكاد يخلّ به، متصل الاجتهاد و التّقييد، لا يفتر له قلم، إلى أن مضى بسبيله.

____________

(1) ترجمة عبد المهيمن بن محمد الحضرمي في جذوة الاقتباس (ص 279) و التعريف بابن خلدون (ص 20، 38) و كتاب العبر (م 7 ص 516) و نفح الطيب (ج 7 ص 277) و (ج 8 ص 9) و أزهار الرياض (ج 5 ص 55) و الوفيات (ص 352) و تاريخ قضاة الأندلس (ص 214).

4

و جرى ذكره في «الإكليل الزاهر» من تأليفنا بما نصّه‏: تاج المفرق، و فخر المغرب على المشرق، أطلع منه نورا أضاءت الآفاق‏، و أثرى‏ منه بذخيرة حملت أحاديثها الرّفاق. ما شئت من مجد سامي المصاعد و المراقب، عزيز عن لحاق المجد الثاقب، و سلف زيّنت سماؤه بنجوم المناقب. نشأ بسبتة بين علم يفيده، و فخر يشيده، و طهارة يلتحف مطارفها، و رياسة يتفيّأ وارفها، و أبوه (رحمه اللّه) قطب مدارها، و مقام حجّها و اعتمارها، فسلك الوعوث من المعارف و السّهول، و بذّ على حداثة سنّه الكهول، فلمّا تحلّى من الفوائد العلمية بما تحلّى، و اشتهر اشتهار الصباح إذا تجلّى، تنافست فيه همم الملوك الأخاير، و استأثرت به الدول على عادتها في الاستئثار بالذّخائر، فاستقلّت بالسياسة ذراعه، و أخدم الذوابل و السيوف يراعه، و كان عين الملك التي بها يبصر، و لسانه الذي به يسهب أو يختصر. و قد تقدّمت له إلى هذه البلاد الوفادة، و جلّت به عليها الإفادة، و كتب عن بعض ملوكها، و انتظم في عقودها الرّفيعة و سلوكها، و له في الأدب‏ الرّاية الخافقة، و العقود المتناسقة.

مشيخته: قرأ ببلده سبتة على الأستاذ الإمام أبي إسحاق الغافقي المديوني، و على الأستاذ المقرئ أبي القاسم محمد بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن الطيّب، و الأستاذ النحوي أبي بكر بن عبيدة الإشبيلي، و على الأستاذ العارف أبي عبد اللّه محمد بن عمر بن الدّراج التلمساني، و على ابن خال أبيه الأمير الصالح أبي حاتم العزفي، و العدل الرّضا أبي فارس عبد الرحمن بن إبراهيم الجزيري.

و قرأ بغرناطة على الشيخ العلّامة أبي جعفر بن الزبير، و روى عن الوزير الراوية أبي محمد عبد اللّه المرادي ابن المؤذن، و على الأستاذ أبي بكر القللوسي، و أخذ عن الشيخ الوزير أبي الوليد الحضرمي القرطبي. و بمالقة عن الإمام الولي أبي عبد اللّه الطّنجالي. و ببلّش عن الخطيب الصالح أبي جعفر بن الزيات، و عن الخطيب أبي عبد اللّه بن شعيب المروي، و العلّامة أبي الحسين بن أبي الربيع، و أبي الحكم بن منظور، و ابن الشّاط، و ابن رشيد، و ابن خميس، و ابن برطال، و ابن ربيع، و ابن البنّاء، و سميّه ابن البنّاء المالقي، و ابن خميس النحوي، و أبي أمية بن سعد السّعود بن عفير الأمدي. هؤلاء كلهم لقيهم و سمع منهم، و أجازوا له ما عندهم. و ممن أجاز له مشافهة أو مكاتبة من أهل المغرب، الأستاذ أبو عبد اللّه محمد بن عمر الأنصاري التّلمساني ابن الدراج، و الكاتب أبو علي الحسين بن عتيق، و تناول تواليفه، و الأديب‏

____________

(1) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 9- 10).

(2) في النفح: «له الآفاق».

(3) في النفح: «و أثر».

(4) في النفح: «الآداب».

5

الشهير أبو الحكم مالك بن المرحّل، و الشريف أبو عبد اللّه محمد بن يحيى بن أبي الشرف الحسيني، و أبو بكر بن خليل السّكوني، و أبو العباس المطري، و الجزّاري، و شرف الدين بن معطي، و ابن الغمّاز، و ابن عبد الرفيع القاضي، و أبو الشمل جماعة بن مهيب، و أبو عبد اللّه محمد بن أحمد التجاني و أبناء عمّه عمر و علي، و ابن عجلان، و محمد بن إبراهيم القيسي السلولي، و محمد بن حماد اللبيدي، و ابن سيد الناس، و ابنه أبو الفتح، و ابن عبد النور، و المومناني، و الخطيب ابن صالح الكتّاني، و ابن عياش المالقي، و المشدالي، و ابن هارون، و الخلاسي، و الدبّاغ، و ابن سماك، و ابن أبي السّداد، و ابن رزين، و ابن مستقور، و أبو الحسن بن فضيلة، و أبو بكر بن محزز. و كتب له من أهل المشرق جماعة منهم: الأبرقيشي، و ابن أبي الفتح الشيباني، و ابن حمادة، و ابن الطاهري، و ابن الصابوني، و ابن تيمية، و ابن عبد المنعم المفسر، و ابن شيبان، و ابن عساكر، و الرضي الطبري، و ابن المخزومي، و ابن النحاس. قلت: من أراد استيفاءهم ينظر الأصل، فقد طال على استيفاء ما ذكره الشيخ (رحمه اللّه). و قد ذكر جماعة من النساء، ثم قال بعد تمام ذلك: و لو قصدنا الاستقصاء لضاق عن مجاله المتبع.

شعره: و شعره متخلّ عن محلّه من العلم و الشهرة، و إن كان داخلا تحت طور الإجادة.

فمن ذلك قوله‏: [الطويل‏]

تراءى سحيرا و النسيم عليل‏* * *و للنجم طرف بالصباح كليل‏

* * *

و للفجر بحر خاضه الليل فاعتلت‏* * *شوى أدهم الظلماء منه حجول‏

* * *

بريق بأعلى الرّقمتين كأنه‏* * *طلائع شهب في السواد تجول‏

* * *

فمزّق ساجي الليل منه شرارة* * *و خرّق ستر الغيم منه نصول‏

* * *

تبسّم ثغر الروض عند ابتسامه‏* * *و فاضت عيون للغمام همول‏

* * *

و مالت غصون البان نشوى كأنها* * *يدار عليها من صباه شمول‏

* * *

و غنّت على تلك الغصون حمائم‏* * *لهنّ حفيف فوقها و هديل‏

* * *

____________

(1) القصيدة في نفح الطيب (ج 8 ص 10- 13). و هي تدخل في مدح الشاعر الوزير ابن الحكيم الرندي.

(2) في النفح: «نهر».

(3) في الأصل: «خجول» و التصويب من النفح.

(4) في النفح: «في السماء».

6

إذا سجعت في لحنها ثم قرقرت‏* * *يطيح خفيف دونها و ثقيل‏

* * *

سقى اللّه ربعا لا تزال تشوقني‏* * *إليه رسوم دونه و طلول‏

* * *

جاد رباه‏ كلما ذرّ شارق‏* * *من الودق هتّان أجشّ هطول‏

* * *

و ما لي أستسقي الغمام و مدمعي‏* * *سفوح على تلك العراص‏ همول‏

* * *

و عاذلة ظلّت‏ تلوم على السّرى‏* * *و تكثر من تعذالها و تطيل‏

* * *

تقول: إلى كم ذا فراق و غربة* * *و نأي على ما خيّلت و رحيل‏

* * *

ذريني أسعى للتي تكسب العلا* * *سناء و تبقي الذّكر و هو جميل‏

* * *

فإمّا تريني من ممارسة الهوى‏* * *نحيلا فحدّ المشرفيّ‏ نحيل‏

* * *

فوق أنابيب اليراعة صفرة* * *تزين، و في قدّ القناة ذبول‏

* * *

و لولا السّرى لم يجتل البدر كاملا* * *و لا بات منه للسّعود نزيل‏

* * *

و لولا اغتراب المرء في طلب العلا* * *لما كان نحو المجد منه وصول‏

* * *

و لولا نوال‏ ابن الحكيم محمد* * *لأصبح ربع المجد و هو محيل‏

* * *

وزير سما فوق السّماك جلالة* * *و ليس له إلّا النجوم قبيل‏

* * *

من القوم، أمّا في النّديّ‏ فإنهم‏* * *هضاب و أمّا في النّدى فسيول‏

* * *

حووا شرف العلياء إرثا و مكسبا* * *و طابت فروع منهم و أصول‏

* * *

و ما جونة هطّالة ذات هيدب‏* * *مرتها شمال مرجف و قبول‏

* * *

لها زجل من رعدها و لوامع‏* * *من البرق عنها للعيون كلول‏

* * *

كما هدرت وسط القلاص و أرسلت‏* * *شقاشقها عند الهياج فحول‏

* * *

بأجود من كفّ الوزير محمد* * *إذا ما توالت للسّنين محول‏

* * *

و لا روضة بالحسن طيبة الشّذا* * *ينمّ عليها إذخر و جليل‏

* * *

و قد أذكيت للزهر فيها مجامر* * *تعطّر منها للنسيم ذيول‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «رياه» و التصويب من النفح.

(2) العراص: جمع عرصة و هي كل بقعة بين الدّور واسعة ليس فيها بناء. مختار الصحاح (عرص).

(3) في النفح: «باتت».

(4) المشرفي: السيف، ينسب إلى مشارف اليمن. لسان العرب (شرف).

(5) في النفح: «صعدة».

(6) في النفح: «اغتراب».

(7) النديّ: مجلس القوم. مختار الصحاح (ندا).

(8) الجونة هنا: السحابة. مرتها: أسالت ماءها. الشمال: ريح الصبا. القبول: ريح الجنوب. لسان العرب (جون) و (مرى) و (شمل) و (قبل).

(9) في الأصل: «و لولا»، و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

7

و في مقل النّوار للطلّ‏ عبرة* * *تردّدها أجفانها و تحيل‏

* * *

بأطيب من أخلاقه الغرّ كلّما* * *تفاقم خطب للزمان يهول‏

* * *

حويت أبا عبد الإله مناقبا* * *تفوت يدي‏ من رامها و تطول‏

* * *

فغرناطة مصر و أنت خصيبها* * *و نائل يمناك الكريمة نيل‏

* * *

فداك رجال حاولوا درك العلا* * *ببخل، و هل نال العلاء بخيل؟

* * *

تخيّرك المولى وزيرا و ناصحا* * *فكان له ممّا أراد حصول‏

* * *

و ألقى مقاليد الأمور مفوّضا* * *إليك فلم يعدم يمينك سول‏

* * *

و قام بحفظ الملك منك مؤيّد* * *نهوض بما أعيا سواك كفيل‏

* * *

وساس الرعايا منك أروع‏ باسل‏* * *مبيد العدا للمعتفين منيل‏

* * *

و أبلج وقّاد الجبين كأنما* * *على وجنتيه للنّضار مسيل‏

* * *

تهيم به العلياء حتى كأنها* * *بثينته في الحبّ و هو جميل‏

* * *

له عزمات لو أعير مضاءها* * *حسام لما نالت ظباه فلول‏

* * *

سرى ذكره في الخافقين فأصبحت‏* * *إليه قلوب العالمين تميل‏

* * *

و أعدى قريضي جوده و ثناؤه‏* * *فأصبح في أقصى البلاد يجول‏

* * *

إليك أيا فخر الوزارة أرقلت‏* * *برحلي هو جاء النّجاء ذلول‏

* * *

فليت إلى لقياك ناصية الفلا* * *بأيدي ركاب سيرهنّ ذميل‏

* * *

تسدّدني سهما لكلّ ثنيّة* * *ضوامر أشباه القسيّ نحول‏

* * *

و قد لفظتني الأرض حتى رمت إلى‏* * *ذراك برحلي‏ هوجل و هجول‏

* * *

فقيّدت أفراسي به و ركائبي‏* * *و لذّ مقام لي به و حلول‏

* * *

و قد كنت ذا نفس عزوف و همّة* * * عليها لأحداث الزمان ذحول‏ (7)

و يهوى‏ (8) العلا حظّي و يغرى‏ (9) بضدّه‏* * * لذاك

اعترته رقّة و نحول‏

____________

(1) في الأصل: «للظلّ» و التصويب من النفح.

(2) في الأصل: «يدا» و التصويب من النفح.

(3) أخذ المعنى من قول أبي نواس في مدح الخصيب [الكامل‏]:

أنت الخصيب و هذه مصر* * * فتدفّقا فكلاكما بحر

ديوان أبي نواس (ص 479).

(4) في النفح: «أشوس».

(5) السير الذميل: السريع. لسان العرب (ذمل).

(6) في الأصل: «برجلي» و التصويب من النفح.

(7) الذحول: جمع ذحل و هو الثأر. لسان العرب (ذحل).

(8) في النفح: «و تهوى».

(9) في النفح: «و تغري».

8

و تأبى لي الأيام إلّا إدالة* * * فصونك لي إنّ الزمان مديل‏

فكلّ خضوع في جنابك عزّة* * * و كلّ اعتزاز قد عداك‏ (1) خمول‏

و هي طويلة. و من شعره‏ (2): [السريع‏]

سقى ثرى سبتة بين البلاد* * * و عهدها المحبوب صوب العهاد

و جاد منهل الحيا ربعها* * * بوبله تلك الرّبى و الوهاد

و كم لنا في طور سينائها* * * من رائح للأنس في إثر غاد

و عينها البيضاء كم ليلة* * * بيضاء فيها قد خلت لو تعاد

و بالمنارة التي نورها* * * لكلّ من ضلّ دليل و هاد

نروح منها مثلما نغتدي‏* * * للأنس و الأفراح ذات ازدياد

في فتية مثل نجوم الدّجى‏* * * ما منهم إلّا كريم جواد

ارتشفوا كأس الصفا بينهم‏* * * و ارتضعوا أخلاف محض الوداد

و يالأيام ببنيولش‏ (3)* * * لقد عدت عنها صروف العوادي‏

أدركت من لبنى بها كلّما* * * لبانة و ساعدتني سعاد

و نلت من لذّات دهري الذي‏* * * قد شئته و للأماني انقياد

منازل ما إن على مبدل‏* * * هاء مكان اللام فيها انتقاد

سلوتها مذ ضمّني بعدها* * * نادي الوزير ابن الحكيم الجواد

و من المقطوعات قوله‏ (4): [المتقارب‏]

أبت همّتي أن يراني امرؤ* * * على الدهر يوما له ذا خضوع‏

و ما ذاك إلّا لأني اتّقيت‏* * * بعزّ القناعة ذلّ القنوع‏ (5)

و من ذلك في المشط و النشفة من آلات الحمّام: [الكامل‏]

إني حسدت المشط و النّشف الذي‏* * * لهما مزايا القرب دوني مخلصه‏

فأنامل من ذا تباشر صدغه‏* * * و مراشف من ذا تقبّل أخمصه‏ (6)

____________

(1) عداك: جاوزك. محيط المحيط (عدا).

(2) يظهر من فاتحة الأبيات أنه يحنّ إلى وطنه سبتة.

(3) في الأصول: «بنيولش»، و كذا ينكسر الوزن. و بنيولش: ضاحية من ضواحي سبتة.

(4) البيتان في نفح الطيب (ج 8 ص 13).

(5) في النفح: «الخشوع».

(6) حرك المحقق كلمتي «فأنامل» و «مراشف» بضمة واحدة فوق اللام و الفاء، و الصواب تنوينها، برغم أنها ممنوعة من الصرف، و ذلك لكي لا ينكسر الوزن.

9

نثره: وقع هنا بياض مقدار وجهة في أصل الشيخ.

مولده: ولد ببلده سبتة في عام ستة و سبعين و ستمائة.

وفاته: و توفي بتونس في الثاني عشر لشوال من عام تسعة و أربعين و سبعمائة في وقيعة الطاعون العام، بعد أن أصابته نبوة من مخدومه السلطان أبي الحسن‏ (1)، ثم استعتبه و تلطف له. و كانت جنازته مشهورة، و دفن بالزّلاج من جبانات خارج تونس، (رحمه اللّه).

عبد المهيمن بن محمد الأشجعي البلّذوذي‏

نزيل مراكش.

حاله: من كتاب «المؤتمن» (2)، قال: كان شاعرا مكثرا، سهل الشعر، سريعه، كثيرا ما يستجدي به، و كان يتقلّد مذهب أبي محمد علي بن حزم، الفقيه الظاهري، و يصول بلسانه على من نافره. دخل الأندلس و جال في بلادها بعد دخوله مراكش.

و كان أصله من بلّذوذ. ورد مالقة أيام قضاء أبي جعفر بن مسعدة، و أطال بها لسانه، فحمل عليه هنالك حملا أذاه، إلى أن كان مآل أمره ما أخبرني به شيوخ مالقة، و أنسيته الآن، فتوصّل إلى مآل أمره من جهة من بقي بها الآن من الشيوخ، نقلت اسمه و نسبه من خطّه.

شعره: [مجزوء الرجز]

أما على ذي شرك‏* * * في صيدنا من درك؟

تصيدنا لواحظ* * * و ما لها من حرك‏

و البدر إن غاب فمن‏* * * يجلو ظلام الحلك؟

قد تاب للقلب‏ (3) فما* * * يدري إن لم تدركي‏ (4)

عدا السقام أو عدا* * * وعد الذي لم يأفك‏

أو لم‏ (5) يكن حلّ دمي‏* * * فلتبطلي‏ (6) أو أترك‏

____________

(1) هو المنصور علي بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق المريني؛ حكم المغرب من سنة 731 ه إلى سنة 752 ه. اللمحة البدرية (ص 94، 105) و الحلل الموشية (ص 134).

(2) عنوان هذا الكتاب هو: «الكتاب المؤتمن في أنباء أبناء الزمن» و هو لابن الحاج البلفيقي، شيخ لسان الدين ابن الخطيب.

(3) في الأصل: «القلب» و كذا ينكسر الوزن.

(4) في الأصل: «تدرك» بدون ياء المخاطبة.

(5) في الأصل: «لن» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(6) في الأصل: «فلتبطى» و كذا ينكسر الوزن.

10

حاربت من لا قدرة* * * لديه في المعترك‏

يفلّ غرب سيفه‏* * * سيف لحاظ فتّك‏

يا لفتى يا قبلتي‏* * * يا حجّتي يا نسكي‏ (1)

إن عظم الحزن فما* * * أرجل حسن الفلك‏ (2)

أو أهديت الحيّ‏* * * فلابن عبد الملك‏ (3)

خطيب و مران للّذي‏* * * سلك على سلك‏ (4)

ركن التّقى محمد* * * ذو النّبل و الطبع الزكي‏ (5)

منفرد في جوده‏* * * بماله المشترك‏

يا نوق، هذا بابه‏* * * فهو أجلّ مبرك‏

و أنت يا حادية،* * * قربت، ما أسعدك!

فبرّكي و كبّري‏* * * و أبركي‏ (6) و برّك‏

فقد أتينا بشرا* * * له صفات الملك‏

كفّك يهمي ملكت‏* * * كأنّها لم تملك‏

قصيدتي لو لم تنل‏* * * منك حلّى لم تسبك‏

أبكيت ديمة النّدى‏* * * فزهرها ذو ضحك‏

لكنني يا سيدي‏* * * من فاقتي في شرك‏

و شعره على هذه الوتيرة. حدّثني أبي، قال: رأيته رجلا طوالا، شديد الأدمة، حليق الرأس، دمينه، عاريه، كثير الاستجداء و التّهاتر مع المحابين من أدباء وقته، يناضل عن مذهب الظاهرية بجهده.

وفاته: من خط الشيخ أبي بكر بن شبرين: و في عام سبعة و تسعين و ستمائة توفي بفاس الأديب عبد المهيمن المكناسي، المكتنى بأبي الجيوش البلّذوذي، و كان ذا هذر و خرق، طوّافا على البلاد، ينظم شعرا ضعيفا يستمنح به الناس، و آلت حاله إلى أن سعي به لأبي فارس عزّوز الملزوزي الشاعر، شاعر السلطان أبي يعقوب و خديمه، و ذكر له أنه هجاه، فألقى إلى السلطان ما أوجب سجنه، ثم ضربت عنقه صبرا، نفعه اللّه.

____________

(1) في الأصل: «نسك» بدون ياء.

(2) في الأصل: «فلك» و كذا ينكسر الوزن.

(3) صدر هذا البيت منكسر الوزن.

(4) هذا البيت مختل الوزن و المعنى.

(5) في الأصل: «الزّك» بدون ياء.

(6) في الأصل: «و ابركي»، و كذا ينكسر الوزن.

11

عبد العزيز بن عبد الواحد بن محمد الملزوزي‏

من أهل العدوة الغربية، يكنى أبا فارس، و يعرف بعزّوز.

حاله: كان شاعرا مكثرا سيّال القريحة، منحطّ الطبقة، متجنّدا، عظيم الكفاية و الجرأة، جسورا على الأمراء، علق بخدمة الملوك من آل عبد الحق و أبنائهم، و وقف أشعاره عليهم، و أكثر النظم في وقائعهم و حروبهم، و خلط المعرّب باللّسان الزناتي في مخاطباتهم، فعرف بهم، و نال عريضا من دنياهم، و جمّا من تقريبهم. و احتلّ بظاهر غرناطة في جملة السلطان أمير المسلمين أبي يعقوب، و أمير المسلمين أبيه، و استحقّ الذكر بذلك.

شعره: من ذلك أرجوزة نظمها بالخضراء في شوال سنة أربع و ثمانين و ستمائة، و رفعها إلى السلطان أمير المسلمين أبي يوسف بن عبد الحق، سماها ب «نظم السلوك، في الأنبياء و الخلفاء و الملوك» لم يقصر فيها عن إجادة.

و من شعره، قال مخبرا عن الأمير أبي مالك عبد الواحد ابن أمير المسلمين أبي يوسف:

دعاني يوما و السما قد ارتدت بالسحائب‏* * * و الغيث يبكي بالدموع السّواكب‏

كأنه عاشق صدّ عنه حبيبه‏* * * ففاضت دموعه عليه و كثر نحيبه‏

و لم يرق له مدمع‏* * * كأنه لم يبق له فيه مطمع‏

فكان الوعد حسرته‏* * * و البرق لو عته و زفرته‏

فقال لي: ما أحسن هذا اليوم‏* * * لو كان في غير شهر الصوم‏

فاقترح غاية الاقتراح عليّ‏* * * و قال: قل فيه شعرا بين يديّ‏

فأنشدته هذه الأبيات: [الكامل‏]

اليوم يوم نزهة و عقار* * * و تقرّب الآمال و الأوطار

أو ما ترى شمس النهار قد اختفت‏* * * و تستّرت عن أعين النظّار

و الغيث سحّ غمامه فكأنّه‏* * * دنف بكى من شدّة التذكار

و البرق لاح من السماء كأنه‏* * * سيف تألّق في سماء غبار

لا شي‏ء أحسن فيه من نيل المنى‏* * * بمدامة (1) تبدو كشعلة نار

____________

(1) في الأصل: «بمدامته»، و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

12

لولا صيام عاقني عن شربها* * * لخلعت في هذا النهار عذاري‏ (1)

لو كان يمكن أن يعار أعرته‏* * * و أصوم شهرا في مكان نهار

لكن تركت سروره و مدامه‏* * * حتى أكون لديه ذا أفكار

و نديرها في الكأس بين نواهد* * * تجلو الهموم بنغمة الأوتار

فجفونها تغنيك عن أكواسها* * * و خدودها تغنيك عن أزهار

فشكره لمّا سمعه غاية الشكر، و قال: أسكرتنا بشعرك من غير سكر. قال:

و أتيته بهذه الأبيات: [الكامل‏]

أعلمت بعدك زفرتي و أنيني‏* * * و صبابتي يوم النّوى و شجوني‏ (2)؟

أودعت إذ ودّعت وجدا في الحشا* * * ما إن تزال سهامه تصميني‏ (3)

و رقيب شوقك حاضر مترقّب‏* * * إن رمت صبرا بالأسى يغريني‏

من بعد بعدك ما ركنت لراحة* * * يوما و لا غاضت عليك شؤوني‏

قد كنت أبكي الدمع أبيض ناصعا* * * فاليوم تبكي بالدّماء جفوني‏

قل للذين قد ادّعوا فرط الهوى‏* * * إن شئتم علم الهوى فسلوني‏

إنّي أخذت كثيره عن عروة* * * و رويت سائره عن المجنون‏

هذي روايتنا عن اشياخ‏ (4) الهوى‏* * * فإن ادّعيتم غيرها فأروني‏

يا ساكني أكناف رملة عالج‏* * * ظفرت بظبيكم الغرير يميني‏

كم بات في جنح الظلام معانقي‏* * * و مجنت في صفر (5) إلى مجنون‏

في روضة نمّ النسيم بعرفها* * * و كذاك عرف الرّوض غير مصون‏

و الورق‏ (6) من فوق الغصون ترنّمت‏* * * فتريك بالألحان أيّ فنون‏

تصغي الغصون لما تقول فتنثني‏* * * طربا لها فاعجب لميل غصون‏

و الأرض قد لبست غلائل سندس‏* * * قد كلّلت باللؤلؤ المكنون‏

تاهت على زهر السماء بزهرها* * * و على البدور بوجهها الميمون‏

____________

(1) في الأصل: «عذار» بدون ياء.

(2) في الأصل: «و شجون» بدون ياء.

(3) في الأصل: «تصمين» بدون ياء.

(4) في الأصل: «عن أشياخ» و كذا ينكسر الوزن، لذا جعلنا الهمزة الأصلية همزة وصل.

(5) في الأصل: «صفروى» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(6) الورق: جمع ورقاء و هي الحمامة.

13

قال أبو فارس: و كان أمير المسلمين أبو يوسف سار إلى مدينة سلا، فبويع بها ولده أبو يعقوب، و ذلك في اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول عام أحد و سبعين و ستمائة، يوم مولد النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، فأنشدته يوم بيعته هذه القصيدة و رفعتها إليه:

[الكامل‏]

يا ظبية الوعساء، قد برح الخفا* * * إنّي صبرت على غرامك ما كفى‏

كم قد عصيت على هواك عواذلي‏* * * و أناب بالتّبعيد منك و بالجفا

حمّلتني ما لا أطيق من الهوى‏* * * و سقيتني من غنج لحظك قرقفا (1)

و كسوتني ثوب النحول فمنظري‏* * * للناظرين عن البيان قد اختفى‏

هذا قتيلك فارحميه فإنه‏* * * قد صار من فرط النحول على شفا

لهفي على زمن تقضّى بالحمى‏* * * و على محلّ بالأجيرع قد عفا

أ ترى يعود الشّمل كيف عهدته‏* * * و يصير بعد فراقه متألّقا؟

للّه درّك يا سلا من بلدة* * * من لم يعاين مثل حسنك ما اشتفا

قد حزت برّا ثم بحرا طاميا* * * و بذاك زدت ملاحة و تزخرفا

فإذا رأيت بها القطائع خلتها* * * طيرا يحوم على الورود مرفرفا

و الجاذفين على الرّكيم كأنهم‏* * * قوم قد اتخذوا إماما مسرفا

جعل الصّلاة لهم ركوعا كلها* * * و أتى ليشرع في السجود مخفّفا

و الموج يأتي كالجبال عبابه‏* * * فتظنّه فوق المنازل مشرفا

حتى إذا ما الموج أبصر حدّه‏* * * غضّ العنان عن السّرى و توقّفا

فكأنّه جيش تعاظم كثرة* * * قد جاء مزدحما يبايع يوسفا

ملك به ترضى الخلافة و العلا* * * و به تجدّد في الرّئاسة ما عفا

من لم يزل يسبي الفوارس في الوغى‏* * * إن سلّ في يوم الكريهة مرهفا

ألفت محبّته القلوب لأنه‏* * * ملك لنا بالجود أضحى متحفا

ألقى إليه الأمر والده الذي‏* * * عن كل خطب في الورى ما استنكفا

يعقوب الملك الهمام المجتبى‏* * * الماجد الأوفى الرحيم الأرأفا

يهواه من دون البنين كأنما* * * يعقوب يعقوب و يوسف يوسفا

____________

(1) القرقف: الخمر.

14

طوبى لمن في الناس قبّل كفّه‏* * * و الويل منه لمن غدا متوقّفا

أعطاك ربّك و ارتضاك لخلقه‏* * * فاقتل بسيفك من أبى و تخلّفا

و امدد يمينك للوفود فكلهم‏* * * لليوم عاد مؤمّلا متشوّفا

فاليوم لا تخشى النّعاج ذئابها* * * و يعود من يسطو بها متعطّفا

صلح الزمان فلا عدوّ يتّقى‏* * * لم يخش خلق في علاك تخوّفا

لم لا و عدلك للبريّة شامل؟* * * طبعا و غيرك لا يزال تكلّفا

يا من سررت بملكه و علائه‏* * * اليوم أعلم أنّ دهري أنصفا

فإذا ملكت فكن وفيّا حازما* * * و اعلم بأنّ الملك يصلح بالوفا

و أفض بذلك‏ (1) للوجود و كن لهم‏* * * كهفا و كن ببعيدهم مستعطفا

فالجود يصلح ما تعلّم في العلا* * * و سواه يفسد في الخلافة ما صفا

إنّ البريّة في يديك زمامها* * * فاحذر فديتك أن تكون معنّفا

يا من تسربل بالمكارم و العلا* * * ما زال حاسدكم يزيد تأسّفا

خذها إليك قصيدة من شاعر* * * في نظم فخرك كيف شاء (2) تصرّفا

خضع الكلام له فصار كعبده‏* * * ما شاء يصنع ناظما و مؤلّفا

لا زالت الأمجاد تخدم مجدكم‏* * * ما زارت الحجّاج مروة و الصّفا

و من شعره في رثاء الأمير أبي مالك: [الكامل‏]

سهم المنيّة أين منه فرار* * * من في البريّة من رجاه يجار

حكم الزمان على الخلائق بالفنا* * * فالدار لا يبقى بها ديّار

عش ما تشاء فإنّ غايتك الرّدى‏* * * يبلى الزمان و تذهب الأعمار

فاحذر مسالمة الزمان و أمنه‏* * * إنّ الزمان بأهله غدّار

و انظر إلى الأمراء قد سكنوا الثرى‏* * * و عليهم كأس المنون تدار

تركوا القصور لغيرهم و ترحّلوا* * * و من اللّحود عليهم أستار

قد وسّدوا بعد الحرير جنادلا* * * و من اللحود عليهم أستار

منعوا القباب‏ (3) و أسكنوا بطن الثّرى‏* * * حكمت بذاك عليهم الأقدار

____________

(1) في الأصول: «بذلك» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(2) في الأصل: «شا»، و كذا ينكسر الوزن.

(3) في الأصل: «منعوا السرى للقباب و أسكنوا ...» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

15

لم تنفع الجرد الجياد و لا القنا* * * يوم الرّدى و العسكر الجرّار

في موت عبد الواحد الملك الرّضا* * * لجميع أملاك الورى إنذار

أن ليس يبقى في الملوك مملّك‏* * * إلّا أتته منيّة و بوار

ناديته و الحزن خامر مهجتي‏* * * و القلب فيه لوعة و أوار

يا من ببطن الأرض أصبح آفلا* * * أتغيب في بطن الثّرى الأقمار؟

أين الذين عهدت صفو ودادهم‏* * * هل فيهم بعد الرّدى لك جار؟

تركوك في بطن الثّرى و تشاغلوا* * * بعلا سواك فهجرهم إنكار

لما وقفت بقبره مترحّما* * * حان العزاء (1) و هاجني استعبار

فبكيت دمعا لو بكت بمثاله‏* * * غرّ السّحائب‏ (2) لم تكن أمطار

يا زائريه استغفروا لمليككم‏* * * ملك الملوك فإنه غفّار

وفاته: توفي خنقا بسجن فاس بسعاية سعيت به، جناها تهوّره في وسط عام سبعة و تسعين و ستمائة، و قد كان جعل له النّظر في أمور الحسبة ببلاد المغرب.

و من العمّال‏

عبد العزيز بن عبد اللّه بن عبد العزيز الأسدي العراقي‏

من أهل وادي آش، نزل سلفه طرّش من أحوازها، و جدّه استوطنها، و ذكروا أنه كان له بها سبعون غلاما. و جدّه للأمّ أبو الحسن بن عمر، شارح الموطّأ و مسلم، و مصنّف غير ذلك. كذا نقلته عن أبي عبد اللّه العراقي، قريبه.

حاله: كان طبيبا، شاعرا مجيدا، حسن الخط، طريف العمل، مشاركا في معارف، تولّى أعمالا نبيهة.

شعره: نقلته من خطّه ما نصّه: [الوافر]

صرفت لخير صدر في الزمان‏* * * عريق في أصالته عنان‏

كريم المنتمى من خير بيت‏* * * سليل مجادة و رفيع شان‏

رحيب بان‏ (3) فضل غير وان‏* * * عن الأفضال في هذا الأوان‏

____________

(1) في الأصل: «العزا» و كذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «السحاب».

(3) في الأصل: «بنا» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

16

و من هذا؟ أذاك هو ابن عيسى‏* * * محمد المعان على المعان؟

أبو عبد الإله‏ (1) المنتمي من‏* * * مساوي الفضل في سرو

(2) العنان‏

ذراني في مجادته محبّا* * * فهشّ لما به يحوي جناني‏ (3)

فأنس ثم بشر بالأماني‏* * * و رفع بعد تأنيس مكاني‏

و سرّ اللّه‏ (4) ما أولى ليرأى‏ (5)* * * و ليس كمن

رآني فازدراني‏

و يوجب ذو الفضائل كلّ فضل‏* * * بما فيها ترشّحت الأواني‏

و كم زهر رآه وسط روض‏* * * و كم هاذ يدي بين الدّنان‏

بمالقة و بالأقطار أضحت‏* * * معاليكم مشيّدة المباني‏

فأبدوا للإله‏ (6) لسوف يأتي‏* * * لكم منّي سوابق في الرّهان‏

قواف كم‏ (7) من الحكم قواف‏* * * محامد للسّماع و للعيان‏

يفوق نظيمها من كل معنى‏* * * سلوك الدّرّ من حلي الحسان‏

متى خفّ ازدحام من همومي‏* * * و رجّيت الأماني‏ (8) مع أمان‏

شكرت اللّه ثم صفا فؤادي‏* * * و أملي ما تحبّ على لساني‏ (9)

فهأنذا ببرّكم غذائي‏* * * ولي منكم على بعدي تدان‏

محبّك حيث كنت بلا سلوّ* * * و ضيفك في البعاد و في التّوان‏

ثنائي ثابت يبقى بقائي‏ (10)* * * و من بعدي على طول الزمان‏

و ما تهب الأكفّ قراك فان‏* * * و ما تهب الطّروس فغير فان‏

هنيئا بالنّزاهة في سرور* * * و مع من لا له في الفضل ثان‏

فلا زالت مسرّته توالي‏* * * و لا زالت تزفّ لك التّهاني‏

وفاته: ببلدة وادي آش عام خمسة عشر و سبعمائة.

____________

(1) في الأصل: «أبو عبدلي إنه المنتمي ...» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(2) في الأصل: «سرى».

(3) في الأصل: «جنان» بدون ياء.

(4) في الأصل: «سرّ للّه» و كذا ينكسر الوزن.

(5) في الأصل: «لير» و كذا لا يستقيم الوزن.

(6) في الأصل: «فأيّدوا الإله» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(7) كلمة «كم» ساقطة في الأصل.

(8) في الأصل: «الأمان» بدون ياء، و كذا ينكسر الوزن.

(9) في الأصل: «لسان» بدون ياء.

(10) في الأصل: «بقاي» و كذا ينكسر الوزن.

17

عبد القادر بن عبد اللّه ابن عبد الملك بن سوّار المحاربي‏

حاله: هذا الرجل دمث الأخلاق، سكون، وقور. خدم أبوه بغرناطة كاتبا للغزاة، منوّها به، مشهورا بكرم و ظرف. و انتقل إلى العدوة، و نشأ ابنه المذكور بها، و ارتسم بخدمة ولي العهد الأمير أبي زيّان، و ورد على الأندلس في وسط عام سبعة و خمسين و سبعمائة في بعض خدمه، و أقام بغرناطة أياما يحاضر محاضرة يتأنّس به من أجلها الطالب، و ينتظم بها مع أولي الخصوصية من أهل طريقه، و ينقل حكايات مستطرفة؛ فمن ذلك أن الشيخ عبد الرحمن بن حسن القروي الفاسي كان مع أبي القاسم الزياني بجامع القرويين ليلة سبع و عشرين من رمضان، فدخل عليهم ابن عبدون المكناسي، فتلقاه الزياني و تأيّده، و توجهوا إلى الثّريّا بالقرويين و قد أوقدت، و هي تحتوي على نحو ألف كاس من الزجاج، فأنشد الزياني: [السريع‏]

انظر إلى ناريّة نورها* * * يصدع بالّألاء حجب الغسق‏

فقال ابن عبدون: [السريع‏]

كأنّها في شكلها زهرة* * * انتظم النور بها فاتّسق‏

و حكيت القصة للأديب الشهير أبي الحكم مالك بن المرحّل، فقال: لو حضرت أنا لقلت: [السريع‏]

أعيذها من شرّ ما يتّقى‏* * * من فجأة العين بربّ الفلق‏

و استنشد من شعره في الثامن و العشرين لربيع الآخر من العام بقصر نجد، فقال من حكايات: إن السلطان أمير المسلمين وجد يوما على رجل أمر بتنكيله، ثم عطف عليه في الحال و أحسن إليه، و كان حاضرا مجلسه أبو الحسن المزدغي، (رحمه اللّه)، فأنشده بديهة: [البسيط]

لا تونسنّك من عثمن سطوته‏* * * و إن تطاير من أثوابه الشرر

فإنّ سطوته و اللّه يكلأه‏* * * كالبرق و الرّعد يأتي بعده المطر

قال المترجم به: فحدّثني بذلك والدي، فتعقّبتها عليه عام تسعة و عشرين و سبعمائة، لموجب جرّ ذلك بقولي: [البسيط]

لا تيأسن من رجا كهف الملوك أبي‏* * * سعيد المرتجى للنّفع و الضّرر

الإحاطة في أخبار غرناطة/ ج 4/ م 2

18

و إن بدا منه سخط أو رأيت له‏* * * من سطوة أقبلت ترميك بالشّرر

فإنما شي‏ء مثل الرّعد يتبعه‏* * * برق و من بعده ينهل المطر

و أنشدني لبعض الأحداث من طلبة فاس، يخاطب صاحبنا الفقيه الكاتب أبا عبد اللّه بن جزي، و قد توعده على مطل باستنساخ كتاب كان يتناول له، و هو بديع:

[الطويل‏]

إذا ما أتت أبطال قيس و عامر* * * و أقيال عبس من بغام‏ (1) و قسور

(2)

تصادمني وسط الفلا لا تهولني‏* * * فكيف أبالي بابن جزء مصغّر؟

مولده: بفاس في العشر الأول لذي حجة عام تسعة و سبعمائة.

و من الزهّاد و الصلحاء و أولا الأصليون‏

عبد الأعلى بن معلا

يكنى أبا المعلى الإلبيري، من قرى القلعة (3)، و نشأ بالحاضرة. و كان ينسب إلى خولان. و يذكر أنه أسلم على يدي رجل من خولان، فتولّاه و انتسب إليه، و خرج إلى إلبيرة، و نشأ بها، و شغف بكتب عبد الملك بن حبيب، و لم يكن أحد في عصره يشبهه في فضله و زهده و ورعه، و تواضعه و انقباضه، و تستّره؛ أرسل إليه حسين بن عبد العزيز، أخو هاشم بن عبد العزيز، و هو بإلبيرة يرغب إليه في أن يشهد جنازة ابنة توفيت له، كان يشغف بها، فتعذّر عليه إذ خشي الشّهرة. و قال لبعض جلسائه: ما علمت أن حسينا يعرفني، و عمل على الخروج من إلبيرة، و تهيّأ للخروج للحج، فحج، فلمّا كان منصرفه و نزل في بعض السّواحل، وجد هنالك مركبين يشحنان، فرغب كل من أصحاب المركبين أن يركب عنده، و تنافسا في ذلك، حتى خشي أن تقع الفتنة بينهم، فاهتم لذلك، ثم اصطلح أرباب‏

____________

(1) في الأصل: «بغمام» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى، و أغلب الظن أنه بغام بن الحارث بن عبد اللّه بن عمران، و هو أول من أغار على الفرس من جهة عمان. جمهرة أنساب العرب (ص 370).

(2) قد يكون قسورة بن معلّل بن الحجاج بن جذيمة، الذي ولي سجستان أيام بني أمية. جمهرة أنساب العرب (ص 447).

(3) هي القلعة الملكيةAlcala la Real ، و تسمى أيضا قلعة يحصب أو قلعة يعقوب، أو القلعة السعدية، أي قلعة بني سعيد، و هي إحدى مدن غرناطة. مملكة غرناطة في عهد بني زيري (ص 62).

19

المركبين على أن يخرج كل واحد منهما قاربه إلى البرّ، فمن سبق قاربه إليه دخل عنده. و نزل في منصرفه ببجانة (1) و سكنها إلى أن توفي سنة ثلاث و تسعين و مائتين.

عبد المنعم بن علي بن عبد المنعم بن إبراهيم ابن سدراي بن طفيل‏

يكنى أبا العرب، و يشهر بالحاج، و يدعى بكنيته.

حاله: كان عالما فاضلا صالحا، منقطعا متبتّلا، بارع الخطّ، مجتهدا في العبادة، صاحب مكاشفات و كرامات. نبذ الدنيا وراء ظهره، و لم يتلبّس منها بشي‏ء، و لا اكتسب مالا و لا زوجة، و ورث عن أبيه مالا خرج عن جميعه، و قطع زمن فتائه في السّياحة و خدمة الصالحين، و زمان شيخوخته في العزلة و المراقبة و التزام الخلوة. و رحل إلى الحج، و قرأ بالمشرق، و خدم مشايخ من الصالحين، منهم الفخر الفارسي، و أبو عبد اللّه القرطبي و غيرهما، و كان كثير الإقامة بالعدوة، و فشا أمره عند ملوكها، فكانوا يزورونه، و يتبرّكون به، فيعرض عنهم، و هو أعظم الأسباب في جواز أهل المغرب لنصرة من بالأندلس في أول الدولة النّصرية، إذ كان الرّوم قد طمعوا في استخلاصها، فكان يحرّض على ذلك، حتى عزم صاحب العدوة على الجواز، و أخذ في الحركة بعد استدعاء سلطان‏ (2) الأندلس إياه، و عندما تعرّف يغمور بن زيّان، ملك تلمسان، ذلك كله على بلاده بما منع من الحركة، فخاطبه الحاج أبو العرب مخاطبته المشهورة التي كفّت عدوانه، و اقتصرته عما ذهب إليه.

و كان حيّا في صفر عام ثلاثة و ستين و ستمائة، و هو تاريخ مخاطبته أبا يحيى يغمور بن زيان.

____________

(1) في الأصل: «ببجاية»، و قد صوّبنا الخطأ؛ لأن بجاية أول من اختطّها هو الناصر بن علناس بن حماد بن زيري بن مناد بن بلكين، في حدود سنة 457 ه، و هي مدينة على ساحل البحر بين إفريقيا و المغرب. معجم البلدان (ج 1 ص 439). و بجانة مدينة بالأندلس من أعمال كورة إلبيرة. معجم البلدان (ج 1 ص 439).

(2) أغلب الظن أنه أبو عبد اللّه الغالب بالله محمد بن يوسف، أول سلاطين بني نصر بغرناطة (635- 671 ه). اللمحة البدرية (ص 42).

20

و من الطارئين و غيرهم‏

عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر بن فتح ابن سبعين العكّي‏ (1)

مرسي، رقوطي‏ (2) الأصل، سكن بآخرة مكّة، يكنى أبا محمد، و يعرف بابن سبعين.

حاله: قال ابن عبد الملك‏ (3): درس العربية و الأدب بالأندلس، عند جماعة من شيوخها. ثم انتقل إلى سبتة، و انتحل التصوف، بإشارة بعض أصحابه، و عكف برهة على مطالعة كتبه، و تعرّض بعد لإسماعها، و التكلّم على بعض معانيها، فمالت إليه العامة، و غشيت محلّه. ثم فصل عن سبتة، و تجوّل في بلاد المغرب منقطعا إلى طريقة التصوف، داعيا إليها، محرّضا عليها. ثم رحل إلى المشرق، و حجّ حججا، و شاع ذكره، و عظم صيته هنالك، و كثر أتباعه على مذهبه الذي يدعو إليه من التصوف نحلة، ارتسموا بها من غير تحصيل لها، و صنّف في ذلك أوضاعا كثيرة، تلقّوها منه، و تقلّدوها عنه، و بثّوها في البلاد شرقا و غربا، و لا يخلو أحد منها بطايل، و هي إلى وساوس المخبولين، و هذيان الممروضين أقرب منها إلى منازع أهل العلم، و لفظه غير ما بلد و صقع، لما كان يرمى به من بلايا اللّه أعلم بحقيقتها، و هو المطلع على سريرته فيها. و كان حسن الأخلاق، صبورا على الأذى، آية في الإيثار، أبدع الناس خطّا.

و قال أبو العباس الغبريني في كتاب «عنوان الدّراية» (4) عند ذكره: و له علم و حكمة و معرفة، و نباهة و بلاغة و فصاحة. و رحل إلى العدوة، و سكن بجاية مدة، و لقيه من أصحابنا ناس‏ (5) كثير، و أخذوا عنه، و انتفعوا به في فنون خاصة له، مشاركة في معقول العلوم و منقولها، و وجاهة لسان، و طلاقة قلم، و فهم جنان‏ (6)،

____________

(1) ترجمة ابن سبعين في فوات الوفيات (ج 2 ص 253) و البداية و النهاية (ج 13 ص 261) و نفح الطيب (ج 2 ص 407) و مقدمة كتاب «رسائل ابن سبعين» بتحقيق الدكتور عبد الرحمن بدوي.

(2) نسبة إلى رقوطةRicate و هي بلدة قريبة من مرسية. البداية و النهاية (ج 13 ص 261).

(3) نص ابن عبد الملك في نفح الطيب (ج 2 ص 407) و فيه بعض اختلاف عما هنا.

(4) عنوان الدراية (ص 139- 140 و نفح الطيب (ج 2 ص 414).

(5) في عنوان الدراية: «أناس». و في النفح: «و لقي من أصحابنا ناسا ...».

(6) الجنان، بالفتح: القلب. مختار الصحاح (جنن).

21

و هو آخر (1) الفضلاء، و له أتباع كثيرة من الفقراء، و من عامّة الناس، و له موضوعات كثيرة، موجودة بأيدي الناس‏ (2)، و له فيها ألغاز و إشارات بحروف أبجد (3). و له تسميات مخصوصات‏ (4) في كتبه، هي نوع من الرّموز. و له تسميات ظاهرة كالأسامي المعهودة، و له شعر في التحقيق، و في مراقي أهل الطريق، و كتابته مستحسنة في طريقة (5) الأدباء. و له من الفضل و المزية ملازمته لبيت اللّه الحرام، و التزامه الاعتمار على الدوام، و حجّته‏ (6) مع الحجاج في كل عام، و هذه مزية لا يعرف قدرها و لا يرام. و لقد مشى به للمغاربة بحظّ في الحرم الشريف، لم يكن لهم في غير مدّته.

و كان أصحاب‏ (7) مكة، شرّفها اللّه، يهتدون بأفعاله، و يعتمدون على مقاله.

قلت‏ (8): و أغراض الناس في هذا الرجل متباينة، بعيدة عن الاعتدال، فمنهم الموهن‏ (9) المكفّر، و منهم المقلّد المعظّم، و حصل لطرفي هذين الاعتقادين من الشهرة و الذّياع ما لم يقع لغيره. و الذي يقرب من الحق، أنه كان من أبناء الأصالة ببلده، و ولّي أبوه خطّة المدينة، و بيته نبيه، و نشأ ترفا مبجّلا، في ظل جاه، و عزّ نعمة، لم تفارق معها نفسه البلد. ثم قرأ و شدا، و نظر في العلوم العقلية، و أخذ التحقيق عن أبي إسحاق بن دهاق، و برع في طريقة الشّوذية (10)، و تجرّد و اشتهر، و عظم أتباعه، و كان و سيما جميلا، ملوكي البزّة، عزيز النفس، قليل التصنع، يتولّى خدمته الكثير من الفقراء السّفارة، أولي العبا و الدقاقيس، و يحفون به في السّكك، فلا يعدم ناقدا، و لا يفقد متحاملا. و لما توفرت دواعي النقد عليه من الفقهاء زيّا و انتباذا و نحلة و صحبة و اصطلاحا، كثر عليه التأويل، و وجهت لألفاظه المعاريض، و فلّيت موضوعاته، و تعاورته الوحشة، و لقيه فحول من منتابي تلك النّحلة، قصر أكثرهم عن مداه في الإدراك و الاضطلاع، و الخوض في بحار تلك الأغراض. و ساءت منه لهم في الملاطفة السيرة، فانصرفوا عنه مكظومين‏ (11) يندّرون في الآفاق عليه من سوء القيلة، ما لا شي‏ء فوقه. و رحل إلى المشرق، و جرت بينه و بين الكثير من أعلامه خطوب. ثم نزل مكة، شرفها اللّه تعالى، و اختارها قرارا، و تلمذ له أميرها، فبلغ من‏

____________

(1) في النفح: «و هو أحد العلماء الفضلاء».

(2) في النفح: «أصحابه».

(3) في الأصل: «أبي جاد»، و التصويب من النفح.

(4) في النفح: «مخصوصة».

(5) في النفح: «طريق».

(6) في النفح: «و حجّه».

(7) في النفح: «أهل».

(8) قارن بنفح الطيب (ج 2 ص 407، 413- 414).

(9) في النفح: «المرهق».

(10) الشوذية: هم متصوفة.

(11) في النفح: «مكلومين».

22

التعظيم الغاية. و عاقه الخوف من أمير المدينة المعظمة النبوية، عن القدوم عليها، إلى أن توفي، فعظم عليه الحمل لأجل ذلك، و قبحت الأحدوثة.

شهرته‏ (1) و محلّه من الإدراك:

أما اضطلاعه، فمن وقف على «البدّ» من كتبه، رأى سعة ذرعه و انفساح مدى نظره، لما اضطلع به من الآراء و الأوضاع و الأسماء، و الوقوف على الأقوال، و التعمق في الفلسفة، و القيام على مذاهب المتكلمين، بما (2) يقضي منه العجب‏ (3).

و لما وردت على سبتة المسائل الصّقلية، و كانت جملة من المسائل الحكمية، وجهها علماء الروم تبكيتا للمسلمين، انتدب إلى الجواب عنها، على فتيّ من سنّه، و بديهة من فكرته. و حدّثني شيخنا أبو البركات‏ (4)، قال‏ (5): حدّثني أشياخنا من أهل المشرق، أن الأمير أبا عبد اللّه بن هود، سالم طاغية النصارى، فنكث عهده‏ (6)، و لم يف بشرطه، فاضطرّه ذلك إلى مخاطبته‏ (7) إلى القومس الأعظم برومة، فوكّل أبا طالب بن سبعين، أخا أبي محمد (8)، المتكلم عنه، و الاستظهار بالعقود بين يديه. قال: فلما (9) بلغ باب ذلك الشخص المذكور برومة، و هو بلد لا تصل إليه المسلمون، و نظر إلى ما بيده، و سئل عن نفسه، كلّم ذلك القسّ من دنا منه محلّه من علمائهم بكلام، ترجم لأبي طالب بما معناه: اعلموا أنّ أخا هذا ليس للمسلمين اليوم أعلم بالله منه.

دعواه و إزراؤه:

و قد شهر (10) عنه في هذا الباب كثير، و اللّه أعلم باستحقاقه رتبة ما ادعاه أو غير ذلك. فقد ذكروا أنه قال: و قد مرّ ذكر الشيخ أبي مدين (رحمه اللّه): «شعيب عبد عمل، و نحن عبيد حضرة» (11). و قال لأبي الحسن الشّشتري عندما لقيه، و قد سأله عن وجهته، و أخبره بقصده الشيخ أبا أحمد، إن كنت تريد الجنة فشأنك و من قصدت، و إن كنت تريد ربّ الجنة فهلم إلينا. و في كتاب «البدّ» ما يتشوف إليه من‏

____________

(1) ورد بعض هذا النص في نفح الطيب (ج 2 ص 411).

(2) في النفح: «منه».

(3) لهنا فقط ورد النص في النفح.

(4) هو أبو البركات ابن الحاج البلفيقي كما ورد في نفح الطيب (ج 2 ص 411).

(5) النص في نفح الطيب (ج 2 ص 411).

(6) في النفح: «فنكث به».

(7) في النفح: «مخاطبة القسّ الأعظم برومية».

(8) في النفح: «أبي محمد عبد الحق ابن سبعين في التكلم عنه».

(9) في النفح: «فلما بلغ ذلك الشخص رومية».

(10) قارن بنفح الطيب (ج 2 ص 411- 412).

(11) هنا ينتهي النص في نفح الطيب.

23

هذا الغرض عند ذكره حكماء الملة. و أما ما ينسب إليه من آثار السّيمياء و التصريف فكثير.

تواليفه: و تواليفه كثيرة تشذّ عن الإحصاء، منها كتابه المسمى بالبدّ «بدّ العارف»، و كتاب الدّرج، و كتاب الصفر، و الأجوبة اليمينة، و الكلّ و الإحاطة. و أما رسائله في الأذكار، كالنورية في ترتيب السلوك، و في الوصايا و العقايد فكثير، يشتمل على ما يشهد بتعظيم النبوة، و إيثار الورع، كقوله من رسالة (1): «سلام اللّه عليك و رحمته. سلام اللّه عليك ثم سلام مناجاتك. سلام اللّه و رحمته الممتدّة على عوالمك كلّها، السلام عليك أيها النبيّ و رحمة اللّه و بركاته، و صلّى اللّه عليك كصلاة إبراهيم من حيث شريعتك، و كصلاة أعزّ ملائكته من حيث حقيقتك، و كصلاته من حيث حقه و رحمانيته. السلام عليك يا حبيبه‏ (2). السلام عليك يا قياس الكمال، و مقدّمة السعد (3)، و نتيجة الحمد، و برهان المحمود، و من إذا نظر الذهن إليه قد أنعم العيد (4)، السلام عليك يا من هو الشرط في كمال الأولياء، و أسرار مشروطات الأزكياء الأتقياء. السلام عليك يا من جاوز في السماء (5) مقام الرّسل و الأنبياء، و زاد رفعة، و استولى على ذوات الملأ الأعلى، و لم يسعه في وجهته تلك إلّا ملاحظة الرّفيق الأعلى، و ذلك قوله: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) (6) إلى الأخرى و الأولى، لا إلى الآخرة و الأولى، و بلغ الغاية و المطلوب، التي عجزت عنه قوة ماهيّة النّهى، و زاد بعد ذلك حتى نظر تحته من ينظر دونه سدرة المنتهى، إلى استغراق كثير، أفضى إلى حال من مقام».

و من وصاياه يخاطب تلاميذه و أتباعه: حفظكم اللّه، حافظوا على الصلوات، و جاهدوا النفس في اجتناب الشهوات، و كونوا أوّابين، توّابين، و استعينوا على الخيرات بمكارم الأخلاق، و اعملوا على نيل الدّرجات السّنية، و لا تغفلوا عن الأعمال السّنيّة، و حصّلوا مخصص الأعمال الإلهية و مهملها، و ذوقوا مفصّل الذات الرّوحانية و محملها، و لازموا المودة في اللّه بينكم، و عليكم بالاستقامة على الطريقة، و قدموا فرض الشريعة على الحقيقة، و لا تفرقوا بينهما؛ لأنهما من الأسماء المترادفة،

____________

(1) الرسالة في نفح الطيب (ج 2 ص 412).

(2) في النفح: «يا حبيب اللّه».

(3) في النفح: «العلم».

(4) في النفح: «... إليه قرأ (نعم العبد)». و هي سورة ص 38، الآية 30.

(5) في النفح: «السماوات».

(6) سورة الأعلى 87، الآية 1.

24

و اكفروا بالحقيقة التي في زمانكم هذا، و قولوا عليها و على أهلها لعنة اللّه؛ لأنها حقيقة كما سمّي اللّديغ سليما، و أهلها مهملون حدّ الحلال و الحرام، مستخفّون بشهر الصوم و الحج و عاشوراء و الإحرام، قاتلهم اللّه أنّى يؤفكون.

و منها: و اعلموا أن القريب إليّ منكم، من لا يخالف سنّة أهل السّنّة و يوافق طاعة رب العزّة و المنّة، و يؤمن بالحشر و النار و الجنّة، و يفضل الرّؤية على كل نعمة، و يعلم أن الرّضوان بعدها، أجلّ كل رحمة، ثم يطلب الذّات بعد الأدب مع الصفات و الأفعال، و يغبط نفسه بالمشاهدة في النوم و البرزخ و الأحوال، و كل مخالف سخيف، متّهم منه الفساد، و إن كان من إخوانكم، فاهجروه في اللّه، و لا تلتفتوا إليه، و لا تسلموا له في شي‏ء، و لا تسلّموا عليه حتى يستغفر اللّه العظيم بمحضر الكل منهم، و يرضى عن نفسه و حاله و عنكم، و يخرج من صفاته المذمومة، و يترك نظام دعوته المحرومة. و أنا مذ أشهدت اللّه العظيم، أني قد خرجت من كل مخالف متخلّف العقل و اللسان، و لا نسبة بيتي و بيته في الدنيا و الآخرة، فمن زلّ قدمه يستغفر اللّه، و لا يخدعه قدمه، و أمثال هذا كثير.

دخوله غرناطة: أخبرني غير واحد من أصحابنا المعتنين بهذا، أنه دخل غرناطة في رحلته، و أظنّه يجتاز إلى سبتة، و أنه حلّ وسطه، على اصطلاح الفقراء، برابطة العقاب‏ (1) من خارجها، في جملة من أتباعه.

شعره: و شعره كثير، مما حضرني منه الآن قوله‏ (2): [البسيط]

كم ذا تموّه بالشّعبين و العلم‏* * * و الأمر أوضح من نار على علم‏ (3)

و كم تعبّر على سلع و كاظمة* * * و عن زرود و جيران بذي سلم‏

ظللت تسأل‏ (4) عن نجد و أنت بها* * * و عن تهامة، هذا فعل متّهم‏

في الحيّ حيّ سوى ليلى فتسأله‏

في الحي حتى و لا سوى ليلى و تسألها* * *

(5)

عنها! سؤالك وهم جرّ للعدم‏

____________

(1) رابطة العقاب أو رباط العقاب: كانت تخصص للعبادة، و كانت على مقربة من مدينة غرناطة.

الإحاطة (ج 2 ص 155) حاشية رقم 4 من تعليق الأستاذ محمد عبد اللّه عنان.

(2) الأبيات في نفح الطيب (ج 2 ص 413).

(3) العلم، بالفتح: الجبل. مختار الصحاح (علم).

(4) في الأصل: «تسأل»، و التصويب من النفح.

(5) رواية صدر البيت في الأصول هي:

في الحي حتى و لا سوى ليلى و تسألها

و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى، و التصويب من نفح الطيب.

25

وفاته: توفي بمكة، شرّفها اللّه تعالى، يوم الخميس التاسع لشوال من عام تسعة و ستين و ستمائة (1).

و فيما يسمى بإحدى عيون الإسلام من الأسماء العينية و هم عتيق و عمر و عثمان و علي، و أولا الأمراء و الملوك و هم ما بين طارى‏ء و أصلي و غريب‏

عمر بن حفصون بن عمر بن جعفر الإسلامي‏ (2) ابن كسمسم بن دميان بن فرغلوش بن أذفونش‏ (3)

كبير الثوار، و عظيم المنتزين، و منازع الخلفاء بالأندلس.

أوليته و حاله: قال صاحب التاريخ‏ (4): أصله من رندة، من كورة تاكرنّا، و جدّه جعفر إسلامي، و انتقل إلى رندة؛ لأمر دار عليه بها في أيام الحكم بن هشام، فسكن قرية طرجيلة من كورة ريّه المجاورة لحصن أوطة، فاستوطن بها، و أنسل بها عمر، ثم أنسل بها عمر حفصا، و فخّم فقيل حفصون. ثم أنسل عمر هذا الثائر مع أخوة له، منهم أيوب و جعفر. و لمّا ترعرع عمر، ظهر له من شراسته و عتوّه ما لم يعدم معه أبواه هربا عن مواضعهما، فزالا عن وطنهما، فذكر أنه لم يمسك من حين كان عن أحد ممن ناظره، و لا سكت عن أقبح ما يمكن من السّب لمن عاتبه، و أنه قتل أحد جيرانه على سبب يسير دافعه عنه، فتغرّب لذلك عن الموضع زمانا.

و ذكر ابن القوطيّة (5) أن عامل ريّه‏ (6) عاقبه في جناية و فرّ إلى العدوة، و صار يتهرّب عند خياط كان من أهل ريّه، فبينا هو جالس في حانوته يوما إذ أتاه شخص‏

____________

(1) في فوات الوفيات (ج 2 ص 254): «و مات بمكة في ثامن عشرين شوال سنة ثمان و ستين و ستمائة، و له من العمر خمس و خمسون سنة». و جاء في البداية و النهاية أنه ولد سنة 614 ه، و توفي 28 شوال بمكة سنة 669 ه.

(2) أي إنّ جدّه جعفر هو أول من أسلم من أسلافه.

(3) ترجمة عمر بن حفصون في تاريخ افتتاح الأندلس (ص 103) و جذوة المقتبس (ص 301) و بغية الملتمس (ص 406) و المقتبس بتحقيق العربي (ص 78) و المقتبس بتحقيق مكي (ص 199، 393) و المقتبس بتحقيق ب. شالمينا و ف. كورنيطي (ص 112) و كتاب العبر (م 4 ص 286) و البيان المغرب (ج 2 ص 106، 131).

(4) قارن بالبيان المغرب (ج 2 ص 106).

(5) تاريخ افتتاح الأندلس (ص 103- 105).

(6) عامل رية، كما في المصدر السابق، هو أحد بني خالد، المعروف بدونكير.

26

بثوب يقطعه، فقام إليه الخياط، فسأل ذلك الشخص الخياط عن عمر، فقال له:

هو رجل من جيراني، فقال الشيخ: متى عهدك بريّه؟ فقال له: منذ أربعين يوما، فقال له: أتعرف جبلا يقال له ببشتر (1)؟ فقال: أنا ساكن عند أهله‏ (2)، فقال: أله حركة؟ قال: لا. قال الشيخ: قد أذن ذلك، ثم قال: تعرف فيما يجاوره رجلا يقال له عمر بن حفصون؟ ففزع من قوله، فأحدّ الشيخ النظر فيه و قال: يا منحوس، تحارب الفقر بالإبرة، ارجع إلى بلدك، فأنت صاحب بني أمية، و ستملك ملكا عظيما، فقام من فوره، و أخذ خبزة (3) في كمّه، و رجع إلى الأندلس، فداخل الرجال، حتى ضبط الجبل المذكور، و انضوى إليه كل من يتوقّع التهمة على نفسه، أو تشهره إلى الانتزاء بطبعه، و ضمّ إلى القلعة كل من كان حولها من العجم و المولّدين. ثم تملّك حصن أوطة و ميجش، ثم تملّك قمارش و أرجدونة. ثم اتسع نظره حتى تملّك كورة ريّه، و الخضراء، و إلبيرة، إلى بسطة، و أبّدة، و بيّاسة، و قبرة، إلى حصن بلي المطل على قرطبة، و أشرق الخلافة بريقها، و قطع الزمان من استكانة إلى عهد، و كشف الوجه في ختر، و تشمير الساعد عن حرب، و حسر اللّثام عن أيد و بسطة، و شدّ الحزام على جهد و صبر، و نازله الخلائف و القواد، فلم يحل بطائل، و أصابته جراحات مثخنة في الوقائع و أصبحت فتنته سمر الرّكاب، و حديث الرّفاق، شدّة أسر، و ثقل و طأة، و سعة ذرع، و اتّصال حبل، و طول إملاء، استغرق بها السنين، و طوى الأعمار، و أورث ذلك ولده بعده. و عند اللّه جزاء و حساب، و إن امتدّ المآب، لا إله إلّا هو.

دخوله غرناطة و إلبيرة:

قال ابن الفيّاض و غيره‏ (4): و دخل إلبيرة مرات، عندما ثار بدعوته قاتل، و انضوى إلى حصن منتشافر (5)، من إقليم برجيلة قيس، في نحو ستة آلاف، و تغلّب على يحيى بن صقالة، ثم نازله سوّار بن حمدون، أمير العرب بغرناطة، حتى غلبه و أخذه أسيرا. ثم أوقع بجعد و من معه من أهل إلبيرة وقائع مستأصلة، و تملّك بعدها

____________

(1) ببشتر: بالإسبانيةBobastro ، و هو حصن منيع بالأندلس، بينه و بين قرطبة ثمانون ميلا. الروض المعطار (ص 79).

(2) في تاريخ افتتاح الأندلس: «عند أصله».

(3) في المصدر نفسه: «فأخذ خبزتين من الخباز و ألقاهما في كمّه».

(4) قارن بالمقتبس بتحقيق العربي (ص 78- 79).

(5) في المقتبس بتحقيق العربي (ص 78): حصن منت شاقر، و هو بالإسبانية:Monte sacro ، و هو حصن يقع على الجبل الذي يطل على سهل غرناطة.

27

بيّاسة و أبّدة في أخبار تطول. قال أبو مروان: قصد ابن حفصون حاضرة إلبيرة و حصونها، و ناصب الحرب سوّارا، و قد استمدّ سوّار رجالات العرب من كورتي جيّان و ريّه و إلبيرة، فوقعت الهزيمة على ابن حفصون، و جرح جراحات مثخنة، و أصيب جماعة من فرسانه، و انقلب منهزما، فغضب عند ذلك على أهل إلبيرة فأغرمهم مغرما فدحهم، و استعمل عليهم حفص بن المرّة، فلم يزل يعمل الحيل على سوّار حتى أوقع به، و أتى بجثته إلى إلبيرة، و حمل رأسه إلى ببشتر، و استشرى داؤه، و أعيا أمره، فاتصل ملكه بالقواعد و الأقطار، و غلب أكثر المدن ما بين الموسّطة و الغرب، و أحدق ملكه بقرطبة، و حجر عليها الخيل من حصن بلي من حصون قبرة، فجلت الكنبانية (1)، و امتدّ إلى بنيان المعاقل. و لمّا رأى الأمير محمد (2) ما أحاط به منه، تأهّب إلى غزوه، و نزل حصن بلي، و ناهضه، فأوقع به، و هزمه و ألجأه إلى أن سلّم في حصنه. فلمّا خرج منه بمن معه، تطيّرهم ريح الفرار و السيوف تأخذهم، استولى الخليفة (3) على الحصن. و في ذلك يقول أحمد بن عبد ربه، شاعر دولتهم‏ (4): [الرمل‏]

و له يوم بليّ وقعة* * * لم تدع للكفر رأسا في ثبج‏

لم يجد إبليس في حومتها* * * نفعا من رهبة حيث بلج‏

دفعتهم حملة السّيل إلى‏* * * كافح الأمواج مخض للّجج‏ (5)

فتح اللّه على الدّين به‏* * * و على الإسلام يا عامر تتج‏

و كان هذا الفتح سنة سبع و سبعين و مائتين‏ (6). ثم استخلص مدينة إستجّة.

وفاته: قال: و من هذا العهد أدبر أمر ابن حفصون، و توقّف ظهوره، بعد تخبّط شديد، و لجاج كبير، و شرّ مبير، و كانت وفاته ببشتر، موضع انتزائه على عهد

____________

(1) الكنبانية: كلمة إسبانيةCampana ، و تعني الأرض الجرداء. راجع نفح الطيب (ج 4 ص 191) حاشية المحقق.

(2) الصواب: الأمير عبد اللّه بن محمد، الذي حكم الأندلس من سنة 275 إلى سنة 300 ه.

و الذي هزم ابن حفصون كما سيأتي بعد أسطر، و ذلك في سنة 278 ه.

(3) لم يكن عبد اللّه بن محمد خليفة، بل كان أميرا.

(4) هذه الأبيات لم ترد في ديوان ابن عبد ربه.

(5) في الأصل: «مخضّ اللّجج»، و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(6) الصواب أن فتح حصن بلاي كان سنة 278 ه، كما جاء في المقتبس بتحقيق العربي (ص 116) و في البيان المغرب (ج 2 ص 123).

28

الخليفة (1) عبد الرحمن في سنة ست و ثلاثمائة، بعد مرض شمل النّفخ به جسده، حتى تشقّق جلده، و انتقل أمره إلى ولده جعفر، ثم إلى ولده سليمان، ثم إلى ولده حفص. و على حفص انقرض أمرهم.

عمر بن محمد بن عبد اللّه بن محمد بن مسلمة التجيبي‏ (2)

بطليوسي، مكناسي الأصل، من مكناسة الجوف، الأمير بالثغر الغربي، الملقب من ألقاب السلطنة بالمتوكل على اللّه، المكنى بأبي محمد، المنبز بابن الأفطس.

أوليته: قال ابن حيان: كان‏ (3) جدّهم عبد اللّه بن مسلمة، المعروف بابن الأفطس، أصله من فحص البلّوط (4)، من قوم لا يدّعون نباهة، غير أنه كان من أهل المعرفة التامة، و العقل، و الدهاء، و السياسة. ثم كان بهذا الصّقع الغربي، بطليوس و أعمالها، و شنترين و الأشبونة، و جميع الثغر الجوفي في أمر الجماعة، رجل من عبيد الحكم المستنصر، يسمى سابور، فلمّا وقعت الفتنة، و انشقّت العصا (5)، انتزى سابور على ما كان بيده. و كان عبد اللّه يدبّر أمره إلى أن هلك سابور، و ترك ولدين لم يبلغا الحلم، فاشتمل عبد اللّه على الأمر، و استأثر به على ولديه، فحصل على ملك غرب الأندلس، و استقام أمره، إلى أن مضى بسبيله، و أعقبه ابنه المظفّر محمد بن عبد اللّه، و كان ملكا شهيرا عالما شجاعا أديبا، و هو مؤلف الكتاب الكبير المسمّى بالمظفّري، فاستقامت أموره إلى أن توفي‏ (6)، فقام بأمره ولده عمر هذا المترجم به.

حاله: قال ابن عبد الملك: كان‏ (7) أديبا بارع الخطّ، حافظا للغة، جوادا، راعيا حقوق بلده، مواخيا (8) لهم، محبّبا فيهم، مرّت لهم معه أيام هدنة و تفضّل إلى حين القبض عليه.

____________

(1) لم يكن عبد الرحمن الثالث آنذاك قد تسمّى خليفة، و قد تسمّى بذلك في سنة 316 ه.

(2) ترجمة عمر بن محمد بن مسلمة في المغرب (ج 1 ص 364) و أعمال الأعلام (القسم الثاني ص 186) و الذيل و التكملة (ج 5 ص 466) و قلائد العقيان (ص 36) و الذخيرة (ق 2 ص 646) و المعجب (ص 127) و رايات المبرزين (ص 95) و الحلة السيراء (ج 2 ص 96) و فوات الوفيات (ج 3 ص 155) و نفح الطيب (ج 2 ص 193 و صفحات أخرى متفرقة).

(3) قارن بالبيان المغرب (ج 3 ص 235- 236).

(4) فحص البلوط: ناحية بالأندلس تتصل بجوف قرطبة، يكثر فيها شجر البلوط. معجم البلدان (ج 1 ص 492).

(5) في البيان المغرب: «عصا الأمة».

(6) توفي عبد اللّه بن مسلمة بن الأفطس لإحدى عشرة ليلة بقيت لجمادى الأولى من سنة 437 ه.

البيان المغرب (ج 3 ص 236).

(7) الذيل و التكملة (ج 5 ص 466).

(8) في الذيل و التكملة: «موجبا».

29

و قال الفتح في قلائده‏ (1): ملك جنّد الكتائب و الجنود، و عقد الألوية و البنود، و أمر الأيام فائتمرت، و طافت بكعبته الآمال و اعتمرت، إلى لسن و فصاحة، و رحب جناب للوافدين‏ (2) و ساحة، و نظم يزري بالدّرّ النظيم، و نثر تسري رقّته سرى النسيم، و أيام كأنها من حسنها جمع، و ليال كان فيها على الأنس حضور و مجتمع، راقت إشراقا و تبلّجا، و سالت مكارمه فيها (3) أنهارا و خلجا، إلى أن عادت الأيام عليه بمعهود العدوان، و دبّت إليه دبيبها لصاحب الإيوان، و انبرت إليه انبراءها لابن زهير وراء عمان.

شعره: بلغه أنه ذكر في مجلس المنصور يحيى أخيه بسوء، فكتب إليه بما نصّه‏ (4): [الطويل‏]

فما بالهم لا أنعم اللّه بالهم‏* * * ينيطون‏ (5) بي ذمّا و قد علموا فضلي‏

يسيئون لي‏ (6) في القول جهلا و ضلّة* * * و إنّي لأرجو أن يسوءهم‏

(7) فعلي‏

لئن كان حقّا ما أذاعوا فلا مشت‏ (8)* * * إلى غاية العلياء من بعدها

رجلي‏

و لم ألق أضيافي بوجه طلاقة* * * و لم أمنح‏ (9) العافين في زمن المحل‏

و كيف و راحي درس كلّ غريبة (10)* * * و ورد التّقى شمّي و حرب

العدا نقلي؟

ولي خلق في السّخط كالشّري‏ (11) طعمه‏* * * و عند الرّضى أحلى

جنى من جنى النّحل‏

فيا أيها السّاقي أخاه على النّوى‏* * * كؤوس القلى مهلا (12) رويدك

بالعلّ‏

لنطفئ‏ (13) نارا أضرمت في صدورنا (14)* * *

فمثلي لا يقلى و مثلك لا يقلي‏

____________

(1) قلائد العقيان (ص 36).

(2) في القلائد: «للوافد».

(3) كلمة «فيها» ساقطة في القلائد.

(4) القصيدة في قلائد العقيان (ص 40- 41) و الذخيرة (ق 2 ص 648- 649) و الحلة السيراء (ج 2 ص 104) و فوات الوفيات (ج 3 ص 156).

(5) في الحلة و الفوات: «ينوطون».

(6) في القلائد و الذخيرة و الحلة: «يسيئون فيّ القول ...».

(7) في الأصل: «و إني لا أرجو أن يسيئهم»، و كذا لا يستقيم الوزن و المعنى، و التصويب من المصادر.

(8) في الذخيرة و الحلة: «خطت».

(9) في فوات الوفيات: «و لم أسخ للعافين في الزمن ...».

(10) في فوات الوفيات: «فضيلة».

(11) في المصدر نفسه: «كالشوك».

(12) في المصدر نفسه: «جهلا».

(13) في القلائد: «لتطفى‏ء».

(14) في الفوات و القلائد و الذخيرة: «نفوسنا».

30

و قد كنت تشكيني إذا جئت شاكيا* * * فقل لي: لمن أشكو صنيعك بي؟ قل لي‏

فبادر إلى الأولى و إلّا فإنني‏* * * سأشكوك يوم الحشر للحكم‏ (1) العدل‏

و كتب جوابا لأبي محمد بن عبدون مع مركوب عن أبيات ثبتت في القلائد (2):

[المتقارب‏]

بعثت إليك جناحا فطر* * * على خفية من عيون البشر

على ذلل من نتاج البروق‏* * * و في ظلل‏ (3) من نسيج الشّجر

فحسبي ممّن‏ (4) نأى من‏ (5) دنا* * * فمن‏

(6) غاب كان كمن‏ (7) قد حضر

قال الفتح‏ (8): أخبرني الوزير (9) أبو أيوب بن أمية (10) أنه مرّ في بعض أيامه بروض مفتر المباسم، معطر الرياح النواسم، فارتاح إلى الكون به بقيّة نهاره، و التّنعّم ببنفسجه و بهاره، فلمّا حصل من أنسه في وسط المدى، عمد إلى ورقة كرنب قد بلّلها النّدى، و كتب فيها بطرف غصن، يستدعي الوزير أبا طالب بن غانم أحد ندمائه، و نجوم سمائه‏ (11): [مخلع البسيط]

أقبل‏ (12) أبا طالب‏ (13) إلينا* * * و اسقط

(14) سقوط النّدى علينا

فنحن عقد بغير (15) وسطى‏* * * ما لم تكن حاضرا لدينا

نثره: و هو أشفّ من شعره، و إنّه لطبقة تتقاصر عنها أفذاذ الكتاب، و نهاية من نهاية الآداب. قال‏ (16): كان ليلة مع خواصّه للأنس معاطيا، و لمجلس كالشمس‏

____________

(1) في الحلة: «للملك».

(2) قلائد العقيان (ص 43) و الحلة السيراء (ج 2 ص 106) و نفح الطيب (ج 2 ص 194).

(3) في الأصل: «في ظلّ»، و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصادر.

(4) في الحلة: «عمّن».

(5) في الأصل: «و من»، و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصادر.

(6) في النفح: «و من».

(7) في المصادر: «كان فدا من حضر».

(8) قلائد العقيان (ص 46).

(9) في القلائد: «الفقيه».

(10) في القلائد: «بن أبي أمية».

(11) البيتان أيضا في الذخيرة (ق 2 ص 652) و المغرب (ج 1 ص 365) و أعمال الأعلام (القسم الثاني ص 185) و رايات المبرزين (ص 96) و الحلة السيراء (ج 2 ص 107) و فوات الوفيات (ج 3 ص 156) و نفح الطيب (ج 5 ص 294).

(12) في الذخيرة و المغرب و أعمال الأعلام و الرايات و الحلة و الفوات: «انهض».

(13) في المغرب و الفوات: «غانم».

(14) في القلائد: «وقع وقوع الندى ...».

(15) في المغرب و الفوات: «من غير».

(16) النص في قلائد العقيان (ص 45- 46).

31

واطيا، قد تفرّغ للسّرور، و تفرغ‏ (1) عيشا كالأمل المزرور، و المنى قد أفصحت ورقها، و أومض برقها، و السّعد تطلع مخايله، و الملك يبدو زهوه و تخايله، إذ ورد عليه كتاب بدخول أشبونة في طاعته، و انتظامها في سلك جماعته، فزاد في مسرّته، و بسط من أسرّته و أقبل على‏ (2) خدّامه، و أسبل نداه على جلسائه و ندّامه، فقال له ابن خيرة، و كان يدلّ بالشباب، و ينزل منه منزلة الأحباب: لمن تولّيها، و من يكون و اليها؟ فقال‏ (3) له: أنت، فقال: فاكتب الآن بذلك، فاستدعى‏ (4) الدواة و الرّق، و كتب و ما جفّ له قلم، و لا توقّف له كلم: لم يسوّغ أولياء النّعم مثل الذي سوّغتموه من التزام الطاعة، و الدخول في نهج الجماعة، و ذلك‏ (5) لا آلوكم، و نفسي فيكم، نصحا فيمن أتخيّره للنيابة عني في تدبيركم، و القيام بالدّقيق و الجليل من أموركم، و قد ولّيت عليكم من لم أوثر و اللّه فيه دواعي التّقريب، على بواعث التّجريب، و لا فوات التّخصيص، على لوازم التّمحيص، و هو الوزير القائد أبو عبد اللّه بن خيرة، ابني‏ (6) دربة، و بعضي صحبة، و نشأتي سكّة (7) و قرية، و قد رسمت له من وجوه الذّبّ و الحماية، و معالم الرّفق و الرّعاية، ما التزم الاستيفاء بعهده، و الوقوف بجدّه عند حدّه، و المسؤول في عونه من لا عون إلّا من عنده، و لن أعرّفكم من حميد خصاله، و سديد فعاله إلّا بما سيبدو للعيان، و يزكو (8) مع الامتحان، و يفشو من قبلكم إن شاء اللّه على كل لسان. و قد حدّدت له أن يكون لناشئكم أبا و لكهلكم أخا و لذي النفوس‏ (9) و الكبرة ابنا ما أعنتموه على هذا المراد، و لزوم الجواد، و ركوب الانقياد. و أمّا من شقّ العصا، و بان عن الطاعة و عصى‏ (10)، و ظهر منه المراد و الهوى، فهو القصيّ منه، و إن متّ إليه بالرّحم الدّنيا، فكونوا خير رعيّة بالسمع و الطاعة في جميع الأحوال، يكن لكم بالبرّ و الموالاة خير وال، إن شاء اللّه عزّ و جلّ.

وصوله إلى غرناطة: وصلها صحبة حليفه ابن عباد، لمّا قبض يوسف بن تاشفين على صاحبها و نزل بالمشيجة من خارجها في رجب من عام ثلاثة و ثمانين‏

____________

(1) في القلائد: «و تسوّغ».

(2) كلمة «على» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها من القلائد.

(3) في القلائد: «فقال: لك. فقال: فاكتب لي بذلك».

(4) في القلائد: «فاستدنى».

(5) في القلائد: «و لذلك».

(6) في القلائد: «بن درية بعضي ...».

(7) في القلائد: «شبكة».

(8) في القلائد: «و يذكو».

(9) في القلائد: «التقويس».

(10) كلمة «و عصى» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها من القلائد.

32

و أربعمائة و رابهما الأمر، كما تقدّم في ذكر المعتمد بن عباد، فتعجّلا الرجوع إلى وطنهما بحيلة دبّراها.

نكبته و وفاته: و لمّا اشتدّ خوفة من أمير لمتونة، و رأى أنه أسوة ابن عباد في الخلع عن ملكه، و ضيّقت الخيل على أطرافه و انتزعتها داخل طاغية الرّوم، و ملّكه من مدينة الأشبونة رغبة في دفاعه عنه، فاستوحشت لذلك رعيته، و راسلت اللّمتونيين، و اقتحمت عليه مدينة بطليوس، و اعتصم بالقصبة، و خانه المحاربة، فدخلت عليه عنوة، و تقبّض عليه و على بنيه و عبيده، و تحصّلوا في ثقاف قائد الجيش اللّمتوني.

و بادر إعلام الأمير سير بن أبي بكر، فلحق بها. و استخرج ما كان عند المتوكل من المال و الذّخيرة، و أزعجه إلى إشبيلية مع ابنين له، فلمّا تجاوز و بعد عن حضرته، أنزل و قيل له: تأهّب للموت، فسأل أن يقدّم ابناه يحتسبهما عند اللّه، فكان ذلك، و قتلا صبرا بين يديه، ثم ضرب عنقه، و ذلك صدر سنة سبع و ثمانين و أربعمائة، و انقرضت دولة بني الأفطس.

و ممن رثاهم، فبلغ الأمد وفاء و شهرة و إجادة، أبو محمد عبد المجيد بن عبدون بقصيدته الفريدة (1): [البسيط]

الدّهر يفجع بعد العين بالأثر* * * فما البكاء على الأشباح و الصّور؟

أنهاك أنهاك لا آلوك موعظة (2)* * * عن نومة بين ناب اللّيث و الظّفر

فالدّهر (3) حرب و إن أبدى مسالمة* * * و البيض و السّمر

(4) مثل البيض و السّمر (5)

و لا هوادة بين الرأس تأخذه‏* * * يد الضّراب و بين الصّارم الذّكر

____________

(1) القصيدة في قلائد العقيان (ص 37- 40) و المطرب (ص 27- 33) و المعجب (ص 129- 140). و وردت في أعمال الأعلام (القسم الثاني ص 186- 189) عدا الأبيات السبعة الأوائل.

و وردت في الذخيرة (ق 2 ص 721- 724) و فوات الوفيات (ج 2 ص 388- 391) غير كاملة. و ورد فقط البيت الأول في نفح الطيب (ج 1 ص 181) و (ج 6 ص 3) و (ج 7 ص 146). و ورد في الذيل و التكملة (ج 5 ص 467) فقط البيت السادس.

(2) في القلائد و الفوات: «معذرة».

(3) في الفوات: «و الدهر».

(4) في الفوات و المطرب و المعجب: «و السود». و في الذخيرة: «و السود و البيض».

(5) البيض و السّمر: هي الأيام و الليالي. و البيض و السّمر: هي السيوف و الرماح.

33

فلا تغرّنك‏ (1) من دنياك نومتها* * * فما صناعة (2)

عينيها سوى السّهر

ما للّيالي، أقال اللّه عثرتنا* * * من اللّيالي و خانتها (3) يد الغير

في كلّ حين لها في كل جارحة* * * منّا جراح و إن زاغت عن البصر

(4)

تسرّ بالشي‏ء لكن كي تغرّ به‏ (5)* * * كالأيم‏ (6) ثار

إلى الجاني من الزّهر

كم دولة وليت بالنّصر خدمتها* * * لم تبق منها و سل ذكراك من خبر

هوت بدارا و فلّت غرب قاتله‏* * * و كان‏ (7) عضبا على الأملاك ذا

أثر (8)

و استرجعت من بني ساسان‏ (9) ما وهبت‏* * * و لم تدع لبني يونان من

أثر

و أتبعت‏ (10) أختها طسما و عاد على‏* * * عاد و جرهم منها ناقض‏

(11) المرر (12)

و ما أقالت ذوي الهيئات من يمن‏* * * و لا أجارت ذوي الغايات من مضر

____________

(1) في القلائد و الفوات و المطرب: «يغرّنك».

(2) في الذخيرة: «سجيّة».

(3) في الفوات «و غالتها».

(4) في المطرب و المعجب: «النظر».

(5) في الأصل: «... لكن تغرّبه»، و كذا يختلّ الوزن و المعنى معا، و التصويب من المصادر.

(6) الأيم: الحيّة.

(7) في الأصل: «و كانت غصبا»، و كذا لا يستقيم الوزن، و التصويب من المصادر.

(8) دارا: أحد ملوك الفرس، حكم ثلاثين سنة ثم قتله الإسكندر. و العضب: السيف. و الأملاك:

جمع ملك. و الأثر: فرند السيف.

(9) بنو ساسان: الأكاسرة من ملوك فارس، حكموها حتى الفتح العربي.

(10) في المعجب: «و ألحقت».

(11) في الأصل: «ناقص»، و التصويب من الذخيرة و المطرب و المعجب و الفوات. و في القلائد:

«ناقف».

(12) في الفوات: «المدر». و أخت طسم: جديس. و جديس و طسم و عاد: قبائل عربية بائدة.

و جرهم: قبيلة أذهب اللّه ريحها. و ناقض المرر: هو الدهر؛ لأنه لا يدع قوة على قوته.

34

و مزّقت سبأ في كلّ قاصية* * * فما التقى رائح منهم بمبتكر

و أنفذت في كليب حكمها (1) و رمت‏* * * مهلهلا بين سمع الأرض و

البصر (2)

و لم تردّ (3) على الضّلّيل صحّته‏* * * و لا ثنت أسدا عن ربّها حجر

و دوّخت آل ذبيان و إخواتهم‏ (4)* * * عبسا (5) و

عضّت‏ (6) بني بدر على النهر (7)

و ألحقت بعديّ بالعراق‏ (8) على‏* * * يد ابنه أحمر

(9) العينين و الشّعر (10)

و أهلكت أبرويزا بابنه و رمت‏* * * بيزد جرد إلى مرو فلم يحر

و أشرفت بخبيب فوق فارعة (11)* * * و ألصقت‏

(12) طلحة الفيّاض بالعفر

و مزّقت‏ (13) جعفرا بالبيض و اختلست‏* * * من غيله حمزة الظّلام

للجزر

____________

(1) في فوات الوفيات: «كلمها».

(2) كليب: هو كليب بن ربيعة. و مهلهل: هو الحارث بن ربيعة، أخو كليب، لقّب بذلك لأنه أول من هلهل الشّعر، أي رقّقه.

(3) في الذخيرة: «و ما أعادت على الظّلّيل». و الظّلّيل: هو امرؤ القيس، أسماه هكذا إشارة منه إلى أنه مات مسموما.

(4) في الذخيرة و أعمال الأعلام و الفوات: «و جيرتهم».

(5) في المصادر السابقة: «لخما».

(6) في المعجب و أعمال الأعلام: «و غصّت».

(7) ذبيان و عبس أخوان، كانت بينهما حرب داحس و الغبراء التي دامت أربعين سنة. و بنو بدر: بطن من ذبيان.

(8) في المطرب: «في العراق».

(9) في المطرب: «الأحمر».

(10) أحمر العينين و الشّعر: هو النعمان بن المنذر، صاحب النابغة الذبياني. و عديّ: هو عديّ بن زيد، الشاعر النصراني.

(11) في الأصل: «بحبيب فوق قارعة»، و التصويب من القلائد و المعجب و المطرب. و يشير هنا إلى مصرع خبيب بن عديّ الأنصاري.

(12) في الأصل: «و ألحقت»، و التصويب من المصادر السابقة.

(13) في الفوات: «و مرّغت ... جمهرة الظلام للجزر».

35

و بلّغت يزدجرد الصّين و اختزلت‏* * * عنه سوى الفرس جمع التّرك و الخزر

و لم تردّ (1) مواضي رستم و قنا* * * ذي حاجب عنه سعدا

(2) في ابنة الغير

و خضّبت‏ (3) شيب عثمان دما و خطت‏* * * إلى الزبير و لم تستحي

من عمر

و ما (4) رعت لأبي اليقظان صحبته‏* * * و لم تزوّده إلّا الضّيح في

الغمر

و أجزرت سيف أشقاها أبا حسن‏* * * و أمكنت من حسين راحتي شمر

و ليتها إذ فدت عمرا بخارجة* * * فدت عليّا بمن شاءت من البشر

و في ابن‏ (5) هند و في ابن المصطفى حسن‏* * * أتت بمعضلة

(6) الألباب و الفكر

فبعضنا قائل: ما اغتاله أحد* * * و بعضنا ساكت لم يؤت من حصر

و عمّمت‏ (7) بالرّدى‏ (8) فودي أبي أنس‏* * * و لم

تردّ الرّدى عنه قنا زفر (9)

و أردت ابن زياد بالحسين فلم‏* * * يبؤ بشسع له قد طاح أو ظفر

____________

(1) في الذخيرة و الفوات و المطرب: «تكفّ».

(2) في القلائد: «سمعا».

(3) في أعمال الأعلام: «و خاضبت».

(4) في المصادر كلها: «و لا».

(5) ابن هند: هو معاوية بن أبي سفيان، أمّه هند بنت عتبة بن ربيعة.

(6) في المطرب: «بمذهلة».

(7) في الأصل: «و عمّت» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى، و التصويب من المصادر.

(8) في كل المصادر: «بالظّبا».

(9) أبو أنس: هو الضحاك بن قيس الفهري. و زفر: هو ابن الحارث، كان مع الضحاك في معركة مرج راهط لحرب مروان بن الحكم، و فيها قتل الضحاك.

36

و أنزلت مصعبا من رأس شاهقة* * * كانت بها مهجة المختار في وزر

و لم تراقب مكان ابن الزّبير و لا* * * راعت‏ (1) عياذته بالبيت‏

(2) و الحجر

و لم تدع لأبي الذّبّان‏ (3) قاضبه‏ (4)* * * ليس اللّطيم‏

(5) لها عمرو بمنتصر

و أظفرت بالوليد بن اليزيد و لم‏* * * تبق الخلافة بين الكأس و الوتر

حبابة حبّ رمّان ألمّ بها (6)* * * و أحمر قطّرته نفحة القطر

و لم تعد قضب السّفّاح نابية* * * على رأس مروان أو أشياعه الفجر

و أسبلت دمعة الروح الأمين على‏* * * دم يثجّ‏ (7) لآل المصطفى هدر

و أشرقت جعفرا و الفضل ينظره‏* * * و الشيخ يحيي بريق الصّارم الذّكر

(8)

و أخفرت في الأمين العهد و انتدبت‏* * * لجعفر بابنه و الأعبد (9) الغدر

____________

(1) في القلائد و الفوات و الذخيرة و المطرب: «رعت».

(2) في المطرب: «بالرّكن».

(3) في الأصل: «الزّيّان»، و التصويب من المصادر. و أبو الذّبّان: هو عبد الملك بن مروان.

(4) في الذخيرة: «ماضية». و في المطرب و الفوات: «قائمة». و القاضب: «السيف».

(5) اللطيم: هو عمرو بن سعيد بن العاص.

(6) في المعجب و المطرب: «أتيح لها». و حبابة: جارية مغنية كانت ليزيد بن عبد الملك، ماتت لشرقها بحبة رمّان.

(7) في الفوات و المطرب و المعجب و أعمال الأعلام: «بفخّ».

(8) في المطرب: «بكأس الصاب و الصبر».

(9) في الأصل: «بالأعبد» و التصويب من المصادر.

37

و روّعت كلّ مأمون و مؤتمن‏* * * و أسلمت‏ (1) كلّ منصور و منتصر

و أعثرت آل عبّاس لعا لهم‏* * * بذيل زبّاء (2) من بيض و من سمر

و لا (3) وفت بعهود المستعين و لا* * * بما تأكّد للمعتزّ من مرر

و أوثقت في عراها كلّ معتمد* * * و أشرقت بقذاها كلّ مقتدر

بني المظفر و الأيام ما برحت‏ (4)* * * مراحلا (5) و

الورى منها على سفر

سحقا ليومكم يوما و ما (6) حملت‏* * * بمثله ليلة في سالف‏

(7) العمر

من للأسرّة أو من للأعنّة أو* * * من للأسنّة يهديها إلى الثّغر

من لليراعة أو من للبراعة أو* * * من للسّماحة أو للنّفع و الضّرر

من للظّبا و عوالي الخطّ قد عقدت‏* * * أطراف ألسنها بالعيّ و الحصر

و طوّقت‏ (8) بالمنايا السّود بيضهم‏* * * أعجب بذاك و ما منها سوى

ذكر (9)

____________

(1) في أعمال الأعلام: «و صمّمت».

(2) في الذخيرة: «ربّاء»، و في المطرب: «ريّاء»، و في المعجب: «زبّاء لم تنفر من الذّعر».

(3) في الذخيرة: «و ما».

(4) في المعجب: «لا نزلت».

(5) في الأصل: «مراحل» و التصويب من الذخيرة و القلائد و أعمال الأعلام و المطرب.

(6) في كل المصادر: «و لا».

(7) في الذخيرة و القلائد: «مقبل». و في المطرب و المعجب: «غابر».

(8) في المطرب: «و طرّزت».

(9) في المطرب و المعجب: «الذكر».

38

أو رفع كارثة أو دفع حادثة* * * أو قمع آزفة تعيي على القدر (1)

ويح السّماح و ويح الجود (2) لو سلما* * * و حسرة الدّين و الدّنيا على

عمر

سقت ثرى الفضل و العباس هامية* * * تعزى إليهم سماحا لا إلى المطر

ثلاثة ما ارتقى‏ (3) النّسران حيث رقوا* * * و كلّ ما طار من نسر و لم

يطر

ثلاثة كذوات الدهر منذ نأوا* * * عني مضى الدهر لم يربع و لم يحر

و مرّ من كلّ شي‏ء فيه أطيبه‏* * * حتى التمتّع بالآصال و البكر

من للجلال‏ (4) الذي عمّت مهابته‏* * * قلوبنا و عيون الأنجم الزّهر

أين الإباء الذي أرسوا قواعده‏* * * على دعائم من عزّ و من ظفر

أين الوفاء (5) الذي أصفو شرائعه‏* * * فلم يرد أحد منهم‏

(6) على كدر

كانوا رواسي أرض اللّه مذ نأوا (7)* * * عنها استطارت بمن فيها و لم

تقر

____________

(1) رواية هذا البيت في المصادر المذكورة جاءت مختلفة عمّا هنا، فلتنظر.

(2) في القلائد و المطرب و أعمال الأعلام: «البأس».

(3) في الذخيرة: «رقى».

(4) في المطرب و الفوات و المعجب: «أين الجلال الذي غضّت ...».

(5) في فوات الوفيات: «الرواء».

(6) في الذخيرة و الفوات و المطرب و المعجب: «منها».

(7) في المعجب: «مضوا».

39

كانوا مصابيحها دهرا فمذ خبوا* * * هذي الخليقة تاللّه في سدر (1)

كانوا شجى الدهر فاستهوتهم خدع‏* * * منه بأحلام عاد في خطا الخضر

(2)

من لي‏ (3) و لا من بهم إن أظلمت نوب‏* * * و لم يكن ليلها يفضي إلى

سحر

من لي و لا من بهم إن طبّقت‏ (4) محن‏* * * و لم يكن وردها

(5) يفضي‏ (6) إلى صدر

من لي‏ (7) و لا من بهم إن عطّلت سنن‏* * * و أخفيت ألسن الآثار

(8) و السّير

و يلمّه من طلوب الثأر مدركه‏* * * لو كان دينا على الأيام ذي عسر

منهم بأسد سراة في الوغى صبر

منهم بأسد سواهم في الوغى صبر

(9)

على الفضائل إلّا الصّبر بعدهم‏* * * تسليم‏ (10) مرتقب للأجر منتظر

يرجو عسى و له في أختها طمع‏ (11)* * * و الدّهر ذو عقب شتّى و ذو

غير

____________

(1) رواية هذا البيت جاءت في القلائد و المطرب و المعجب مختلفة عما هنا، فلتنظر.

(2) في المطرب: «الخطر»، و في المعجب: «الحضر».

(3) في المطرب: «من لي و من لهم إن ...». و في القلائد: «من لي و من بهم إن ...».

(4) في القلائد: «من لي و من بهم إن أطنبت محن ...». و في المطرب: «من لي و من لهم إن أطبقت ...». و في المعجب: «أطبقت» بدلا من «طبّقت». و في أعمال الأعلام: «أعضلت» بدلا من «طبّقت».

(5) في الأصل: «ورودها» و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصادر.

(6) في المطرب و أعمال الأعلام و المعجب: «يدعو».

(7) في المطرب: «من لي و من لهم إن ...». و في أعمال الأعلام: «من لي و لا من لهم إن ...

و أخفتت ألسن ...». و في القلائد: «من لي و من بهم إن ... و أخفتت السن ...».

(8) في الذخيرة: «الأيام و البشر».

(9) رواية عجز البيت في المعجب هي:

منهم بأسد سراة في الوغى صبر

و في المطرب:

منهم بأسد سواهم في الوغى صبر

(10) في كل المصادر: «سلام».

(11) في المعجب و المطرب و الذخيرة: «أمل».

40

قرّطت آذان من فيها بفاضحة* * * على الحسان حصا الياقوت و الدّرر

سيّارة في أقاصي الأرض قاطعة* * * شقاشقا هدرت‏ (1) في البدو و

الحضر

مطاعة الأمر في الألباب‏ (2) قاضية* * * من المسامع ما لم يقض من

وطر

و من الغرباء

عثمان بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن‏ (3)

الدّائل بتلمسان، يكنى أبا سعيد.

حاله: كان شيخا مخيلا بسمة الخير، متظاهرا بالنّسف، بقية آل زيّان، متقدّما في باب الدهاء و الذّكر، بالغا أقصى المبالغ في ذلك. سكن غرناطة و وادي آش، و ولد بغرناطة. و كان أبوه ممن هلك في وقعة فرتونة، فارتزق مع الجند الغربي بديوانها في حجر أبيه و بعده، ثم ثنى عنانه إلى وطنه، و تخطّته المتالف عند تغلّب السلطان صاحب المغرب على بلده تلمسان، و غاص في عرض من تهنّأ الإبقاء من قبيله. و كان ممن شمله حصار الجزيرة، و وصل قبله ممدّا مع الجيش الغربي بجيش غرناطة عند منازلة القلعة. و لمّا جرت على واترهم السلطان أبي الحسن الهزيمة بظاهر القيروان، و بعد الطمع في انتشاله و جبره، و لحق كل بوطنه، حوم الفلّ من بني زيّان على ضعفهم، و مذ رحل عنه السلطان القائم بملك المغرب أبو عنان، إلى محل الأمر و دار الملك، و سدّ تلمسان بشيخ من قبيلهم يعرف بابن حرار له شهرة و انتفاخ لتنسيق رياح الاختلاف، فذ في إدارة الحيلة، و إحالة قداح السياسة، رأس الرّكب الحجازي غير ما مرة، و حلّ من الملوك ألطف محلّة. و لمّا نهد القوم إلى تلمسان، ناهضهم ابن الحرار بمن استركب من جنده، و انضمّ إليه من قومه، فدارت عليهم الهزيمة، و أحيط به، فتملّك البلد، و تحصّل في الثّقاف، إلى أن هلك به مغتالا، و استولى عثمان بن يحيى على المدينة، و انقاد إليه ما يرجع إليها من البلاد و القبائل، فثاب لهم ملك لم‏

____________

(1) في الأصل: «هذرت» بالذال المعجمة، و التصويب من المطرب و المعجب.

(2) في الأصل: «الباب» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى، و التصويب من المطرب و المعجب.

(3) ترجمة عثمان بن عبد الرحمن في نفح الطيب (ج 7 ص 207) و الأعلام (ج 4 ص 208).

41

تكد شعلته تقد حتى خبت، و على ذلك فبلغوا في الزمان القريب من وفور العدّة، و استجادة الآلة، و حسن السّيرة، ما يقضي منه العجب. و انفرد عثمان بالأمر، و عيّن أخاه أبا ثابت الزعيم إلى إمارة الجيش، فاستقام الصفّ، و انضمّ النّشر، و ترتّبت الألقاب، و استأنفوا الدولة، و تلقّفوا الكرة، و قلّ ما أدبر شي‏ء فأقبل. و بادر السلطان بالأندلس مفاتحته مهنّئا، و للحلف مجدّدا، بكتاب من إنشائي من فصوله:

«بعد الصّدر و التحميد، و لا زائد بفضل اللّه المرجو في الشّدائد، لجميل العوائد، إلّا ما شرح الصدور، و أكّد السرور، و بسط النفوس، و أضحك الرّسن العبوس، من اتّساق أمور ذلك الملك لديكم، و اجتماع كلمته عليكم، و ما تعرّفنا أن الدولة الزّيانيّة، وصل اللّه لبدورها استئناف الكمال، و أعلى أعلامها في هضاب اليمن و الإقبال، تذكّرت الرسائل القديمة و الأذمّة، و ألقت إلى قومها بالأزمّة، و حنّت إلى عهدهم على طول النّوى، و أنشد لسان حالها: «نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى»، فأصبح شتيتك بأهلها مجموعا، و علم عليائها بأيدي أوليائها مرفوعا، و ملابس اعتزازها بعد ابتزازها جديدة، و ظلال سعودها على أغوارها و نجودها مديدة، و قبيلها قد أنجح اللّه في ائتلافه أمل الآمل، و مبتداها مرفوعا مع وجود العوامل، و الكثير من أوطانها قد سلكت مسلكها في الطاعة، و تبادرت إلى استباق فضيلة الوفاق بحسب الاستطاعة، فعظم الاستبشار بأن كان لكم مالها، و في إيالتكم انتيالها، من غير أن يعلق بأسبابها من ليس من أربابها، و يطمع في اكتسابها من لم يكن في حسابها. و قلنا موارث وجب، و عاصب حجب، و ركب علج من بعد القفول، و شمس طلعت من بعد الأفول، و جيد حلّي بعد ما اشتكى العطل، و غريم قضى بعد ما مطل، و طرف تنبّه بعد ما سجع، و درّيّ استقام سيره عقب ما رجع، و قضية انصرف دليلها عن حدود القواطع، و طرحت عليه أشعة السّعود السّواطع، لا بل عبد أبق، لقدر سبق، حتى إذا راجع نهاه، و عذله العقل و نهاه، جنح بعد هجره، إلى كنف من نشأ في حجره.

و علمنا أن الدولة التي عرفنا مكارمها قد دالت، و الغمامة التي شكرنا مواقعها قد انثالت، فجرينا في المسرّة مل‏ء الأعنّة، و شاركنا في شكر هذه المنّة، و أصدرنا إليكم هذا الخطاب مهنّئا، و عن الود الكريم و الولاء الصّميم منبيا، و في تعزيز ما بين الأسلاف جدّد اللّه عليهم ملابس الرّضوان معيدا مبديا، و إن تأخّر منه الغرض، و قضى بهذا العهد واجبه المفترض، و الأعذار واضحة، و أدلّتها راجحة، و للضّرار أحكام تمضى، و الفروض للفوات تقضى، فكيف و الاعتقاد الجميل مسيّر مسكّن، و الوقت و الحمد للّه متمكن؟ و ما برحنا في مناط اجتهاد، و ترجيح استشهاد، و الأخبار يضطرد مفهومها، و الألفاظ لا يتخصّص عمومها، و الأحاديث يجول في متعارضها النّظر، و لا

42

يلزم العمل ما لم يصحّ الخبر. فلمّا تحققنا الأمر من قصّه، و تعاضد قياسه بنصّه، لم نقدّم على المبادرة عملا، و بيّنا لكم من حسن اعتقادنا ما كان مجملا، فليهن تلك الإيالة ما استأنفته من شبابها، و تسربلته من جديد أثوابها، و ليستقبل العيش خضرا، و الدهر معتذرا، و السّعد مسفرا».

و تمادى ملكه من الثامن و العشرين لجمادى الآخرة من عام تسعة و أربعين و سبعمائة إلى أن استوسق ملك المغرب للسلطان أبي عنان، و استأثر إليه أبيّه، و تحرك إلى منازلة تلمسان في جمادى الآخرة عام ثلاثة و خمسين و سبعمائة، و كسر جمعهم، و استولى على ملكهم حسبما يأتي، و برز إليه سلطانها المذكور مؤثرا الإصحار على الاجتحار، و اللقاء على الانحصار، و كانت بين الفريقين حرب ضروس، ناشب الزّيّانيون محلّات المغرب القتال، بموضع يعرف بإنكاد، على حين غفلة، و بين يدي شروع في تنقّل و سكون، و تفرّق من الحامية في ارتياد الخلا، و ابتغاء الماء، فلم يرع إلّا إطلال الرّايات، و طلوع نواصي الخيل، فوقع الصراخ، و علا النّداء، و ارتفع القتام، و بادر السلطان بمن معه من الخالصة، و روّم الركاب الصّدمة، و مضى قدما، و قد طاش الخبر بهزيمته، فعاثت العربان في محلّته، و كانوا على الأموال أعدى من عدوّه، و فرّ الكثير إلى جهة المغرب بسوء الأحدوثة.

و لمّا تقاربت الوجوه، و صدق المصاع، قذف اللّه في قلوب الزيّانيين الرّعب، و استولى عليهم الإدبار، فانهزموا أقبح هزيمة، و تفرّقوا شذر مذر، و اختفى سلطانهم عثمان المترجم به، و ذهب متنكرا و قد ترجّل، فعثر عليه من الغد، و أوتي به فشدّ وثاقه، و أسرع السلطان اللّحاق بتلمسان، و قد تلقّاه أهلها معلنين بطاعته و لائذين بجناب عفوه، و تنكّبها الجيش المفلول لنظر الأمير أبي ثابت، فاستقرّ بأحواز جزائر بني مزغناي. و دخل السلطان تلمسان في يوم الأحد الحادي عشر من ربيع الأول عام ثلاثة و خمسين و سبعمائة، و تدامر بنومرين، و استدركوا دحض الوصمة في اتّباع أضدادهم المحروبين، فكان اللقاء بينهم و بين الجيش المفلول، و حكم اللّه باستئصالهم، فمضى عليهم السيف، و أوتي بزعيمهم الزعيم، فاحتمل مع أخيه في لمّة من أوليائهم، و نفذ الأمر لأقتالهم من بني حرار بأخذ حقهم، فقتل عثمان و الزّعيم، رحمهما اللّه، بخارج تلمسان ذبحا، و ألحق بهما عميد الدّولة يحيى بن داود بعد أن استحضر عثمان بين يدي السلطان، و أسمع تأنيبا، حسن عنه جوابه بما دلّ على ثبات و صبر. و انقضى أمر كرّتهم الثانية، و خلت منهم الأوطان، و خلصت لبني مرين الجهة، و صفت العمالة. و اللّه يعطي ملكه من شاء سبحانه لا إله إلّا هو، و كان مقتل عثمان و أخيه في أوائل شهر ربيع الآخر عام ثلاثة و خمسين و سبعمائة.

43

علي بن حمود بن ميمون بن حمود بن علي بن عبيد اللّه ابن إدريس بن إدريس بن عبد اللّه بن حسن بن علي ابن أبي طالب‏ (1)

أوّل ملوك‏ (2) بني هاشم بالأندلس، يكنّى أبا الحسن، و يلقّب من الألقاب السلطانية، بالناصر لدين اللّه.

حاله: كان شهما لبيبا، جري‏ء اللقاء، باطش السّيف، شديد السّطوة، أسمر، أعين، نحيف الجسم، طويل القامة، حادّ الذهن، من أولي الحزم و العزم.

خلافته: ذكروا (3) أن هشام بن الحكم‏ (4)، لمّا ضيّق به الحجر، كتب إليه في السّرّ بعهد ولايته، و أهّله للأخذ بثأره، فكان كذلك، و أجاز البحر من سبتة، مظهرا القيام بنصر هشام عندما خلع، فانحاش إليه كثير من الناس، و قصد قرطبة، و برز إليه الخليفة سليمان خالع هشام و مغتاله، فظهر عليه علي بن حمّود و هزمه، و دخل قرطبة، فقتل سليمان، و بحث عن هشام، و قد فات فيه الأمر، و تسمّى بأمير المؤمنين. و أنس به أهل قرطبة؛ لقهره من كان لنظره من البرابرة، و إمضاء الأحكام عليهم. قال المؤرخ: فبرقت للعدل يومئذ بارقة، لم تكد تقد حتى خبت. و كان الأغلب عليه السّخاء و الشجاعة.

و مدحه الكثير من الشعراء، منهم أبو عمر بن درّاج، و فيه يقول‏ (5):

[المتقارب‏]

لعلّك يا شمس عند الأصيل‏* * * شجيت‏ (6) بشجو (7)

الغريب الذّليل‏

____________

(1) ترجمة علي بن حمود في الذخيرة (ق 1 ص 37، 96) و البيان المغرب (ج 3 ص 113، 119) و أعمال الأعلام (القسم الثاني ص 121، 128) و كتاب العبر (م 4 ص 328، 330)، و جذوة المقتبس (ص 22) و بغية الملتمس (ص 27) و الكامل في التاريخ (ج 9 ص 269) و المعجب (ص 90، 98) و سير أعلام النبلاء (ج 17 ص 135، 280) و المختصر في أخبار البشر (ج 2 ص 145) و تتمة المختصر في أخبار البشر (ج 1 ص 495).

(2) لم يكن علي بن حمود ملكا، بل كان خليفة.

(3) قارن بالبيان المغرب (ج 3 ص 120- 121).

(4) هو هشام بن الحكم المستنصر، المعروف بهشام المؤيّد بالله.

(5) الأبيات في ديوان ابن دراج القسطلي (ص 75- 76، 79) و البيان المغرب (ج 3 ص 124).

(6) في الأصل: «تحنّ»، و التصويب من المصدرين.

(7) في الديوان: «لشجو».

44

فكوني شفيعي إلى ابن الشّفيع‏* * * و كوني رسولي إلى ابن الرسول‏

فإمّا شهدت فأزكى شهيد* * * و إمّا دللت فأهدى دليل‏

إلى الهاشميّ إلى الطّالبيّ‏* * * إلى الفاطميّ العطوف الوصول‏

وصوله إلى إلبيرة: قال: و لمّا استوسق الأمر، و اضطرب عليه خيران صاحب ألمرية، أغراه و أذن لحربه، فخرج من قرطبة يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من جمادى الآخرة من سنة ثمان و أربعمائة، و ساء إلى أن بلغ وادي آش، و ترادفت عليه الأمطار و السّيول، و انصرف إلى إلبيرة ثم إلى قرطبة.

وفاته: قال المؤرخ: و في‏ (1) سنة ثمان و أربعمائة كان مقتل علي بن حمّود، و ذلك أن صقالبته قتلوه بموضع أمنه، في حمام قصره، و كانوا ثلاثة من أغمار صبيان قصره، منهم نجح‏ (2) و صاحباه، و سدّوا باب الحمّام عليه، و تسلّلوا، و لم يحسّ أحد بهم، و استطال نساؤه بقاءه، فدخلوا عليه، و دمه يسيل، فصحّ خبر مقتله، و بعثت زناتة إلى أخيه‏ (3) بإشبيلية، فخاف‏ (4) أن تكون‏ (5) حيلة، حتى كشف عن الأمر، و لحق بقرطبة، فأخرج جسده، و صلّى عليه، و أنفذه إلى سبتة، فدفن بها، و بني عليه مسجد هو الآن بسوق الكتان، و قبض من قاتليه على صبيّين عذّبا بأنواع العذاب، ثم قتلا و صلبا (6).

علي بن يوسف بن تاشفين بن ترجوت‏ (7)

و ينظر اتصال نسبه في اسم أبيه.

هو أمير المسلمين بالعدوة و الأندلس بعد أبيه، يكنى أبا الحسن، تصيّر إليه الملك بالعهد من أبيه عام سبعة و تسعين و أربعمائة، ثم ولّي أمره يوم وفاته و هو يوم الاثنين مستهل محرم عام خمسمائة (8).

____________

(1) قارن بالبيان المغرب (ج 3 ص 122).

(2) في البيان المغرب: «منجح».

(3) أخوه: هو القاسم بن حمود.

(4) الضمير يعود إلى أخيه القاسم.

(5) في الأصل: «يكون» و التصويب من البيان المغرب.

(6) في البيان المغرب: «و صلبا على جسر قرطبة».

(7) في الأصل: «تومرت»، و قد صوّبناه من البيان المغرب (ج 4 ص 46). و ترجمة علي بن يوسف بن تاشفين في المعجب (ص 235) و المغرب (ج 2 ص 438) و الحلل الموشية (ص 61) و وفيات الأعيان (ج 5 ص 480) و البيان المغرب (ج 4 ص 48) و رايات المبرزين (ص 204) و جذوة الاقتباس (ص 291).

(8) في الحلل الموشية (ص 67): مات يوسف بن تاشفين في شهر ربيع الآخر سنة 500 ه.

45

حاله: و كان ملكا عظيما، عالي الهمة، رفيع القدر، فسيح المعرفة، شهير الحلم، عظيم السياسة، أنفذ الحق، و استظهر بالأزكياء، و والى الغزو، و سدّ الثغور، إلى أن دهمه من أمر الدولة الموحدية ما دهمه، و كل شي‏ء إلى مدى، فأمهل السّرح، و حالف الإدبار، و جاز إلى الأندلس، و غزا فيها بنفسه، و دخل غرناطة و باشرها.

قال ابن عذاري: تقدم الأمير أبو الحسن لذلك فاستعان بالله و استنجده و سأله حسن الكفاية فيما قلّده، فوجده ملكا مؤسّسا، و جندا مجنّدا، و سلطانا قاهرا، و مالا وافرا، فاقتفى إثر أبيه، و سلك سبيله في عضد الحق، و إنصاف المظلوم، و أمن الخائف، و قمع المظالم، و سدّ الثغور، و نكاية العدو، فلم يعدم التوفيق في أعماله، و التسديد في حسن أفعاله.

دخوله غرناطة: و في سنة خمس و خمسمائة، جاز البحر إلى الجهاد. قال المؤرخ: قدم علي بن يوسف غرناطة مرات مع أبيه. و في سنة خمس و خمسمائة تلوّم بها ريثما تلاحقت حشوده، و تأهبت مطوّعته و جنوده، فافتتح مدينة طلبيرة عنوة (1). ثم عبر البحر عام أحد عشر و خمسمائة، فغزا قلمرية (2).

ظهور الموحدين في أيامه:

قال ابن عذاري: في‏ (3) سنة أربع عشرة و خمسمائة، كان ابتداء أمر الثائر على الدولة، الجالب للفتن الجمة، الجارّ لها منذ ثلاثين سنة، حتى أقفر المعمور، و أصار الضياء كالديجور، محمد بن تومرت السوسي الملقّب بالمهدي. قلت: و أخباره عجيبة، و ما زال أمره في ظهور، و أمر هذه الدولة في ثبار و إدبار، إلى أن محا رسومها، و قطع دابرها، و الملك للّه، يؤتي الملك من يشاء، و ينزع الملك ممن يشاء، سبحانه.

وفاته: قال: و في‏ (4) سنة سبع و ثلاثين و خمسمائة (5) توفي أمير المسلمين علي بن يوسف، لسبع خلون من رجب، و لم يشهر موته إلّا لخمس خلون من‏

____________

(1) في البيان المغرب (ج 4 ص 52): في سنة 503 ه تحرّك علي بن يوسف بن تاشفين من مراكش إلى الأندلس، ثم يمّم غرناطة و تلوّم بها، ثم دخل مدينة طلبيرة و وقع النهب بها.

(2) في الأصل: «قولمرية»، و التصويب من البيان المغرب (ج 4 ص 64). و في الحلل الموشية:

«قلمريت». و قلمرية: بالإسبانيةCoimbra ، و هي مدينة من بلاد البرتغال. الروض المعطار (ص 471).

(3) قارن بالبيان المغرب (ج 4 ص 59- 60).

(4) قارن بالبيان المغرب (ج 4 ص 100- 101).

(5) في جذوة الاقتباس (ص 291): توفي سنة 539 ه.

46

شوال، فكانت مدته من حين قدّمه أبوه، تسعا و ثلاثين سنة و أشهرا (1)، و عمره إحدى و ستون سنة. قال ابن حماد: و لمّا يئس من نفسه، عهد أن يدفن بين قبور المسلمين، و دفن بها في جملتهم، (رحمه اللّه).

الأعيان و الوزراء و الأماثل و الكبراء

عتيق بن زكريا بن مول التجيبي‏ (2)

قرطبي الأصل، يمتّ إلى الإمارة النّصرية بقربى صهر، يكنى أبا بكر.

حاله: كان شهما جريّا مقداما، جهوريا، ذا أنفه و شارة، مليح التجنّد، ظاهر الرّجولية، معروف الحق، نبيه الولاية، فصيح اللسان، مطبوعا، ذكيّا، مؤثرا للفكاهة، ولّي القيادة بمدينة وادي آش عقب الرئيس المنتزي بها، ثم عزل عنها بسعاية رفعت فيه إلى ذي الوزارتين أبي عبد اللّه ابن الحكيم، فساء ما بينهما لذلك، و أعمل عليه التدبير بمداخلة الأمير نصر، و إغرائه بالأمر، فتمّ له التّوثّب على ملك أخيه، و خلعه يوم عيد الفطر من عام ثمانية و سبعمائة. و قتل الوزير ابن الحكيم بين يديه، و انتهبت منازله، و استقلّ بعد بالتدبير و الوزارة، و حصل من صنائع الحائن، و متوقّعي الضغط، على مال عريض، و قام بوظيف الوزارة محذور الشبا، مرهوب المدية، مسنوّ الفتكة، فلم ينشب أن عيّن للرسالة إلى باب السلطان ملك المغرب، و سدّ باب الإياب لوجهته، و أقام بالعدوة تحت الحظوة، مشارا إليه في وجوه الدولة، وزير المداخلة و الرّتبة. و قد كان في ريان حداثته لحق بطاغية الرّوم، و ركب في جملته، و علقته جارية من بنات زعماء الروم، لفضل جماله، و زين شبيبته، ففرّ بها تحت حماية سيفه، و لحق ببلاد المسلمين، و كانت من أهل الأصالة و الجمال، فاتصل بمحلة أمير المسلمين أبي يوسف بن عبد الحق، و قد جاز إلى الأندلس غازيا، فاستخلصت منه لمزية الحسن، و استقرّت بقصر السلطان حظيّة لطيفة المحل، و جدّ أثر رفدها و انتفع، هو و بنوه بعائد جاهها، و قد هلك السلطان.

و قامت لمن خلفه مقام الأمومة، فنالوا بها دنيا عريضة، و باشر بالمغرب أهوالا، و خاض في فتن إلى أن أسنّ، و قيّدته الكبرة، و استولت على بصره الزمانة. و لما

____________

(1) في البيان المغرب: «و سبعة أشهر، و قيل: و تسعة أشهر».

(2) ورد اسمه في اللمحة البدرية (ص 70- 71) هكذا: «الوزير القائد أبو بكر عتيق بن محمد بن المول، الشّهم النّجد، و بيت بني مول بقرطبة بيت أصالة».

47

ولّي الوزارة ولده على عهد سادس الأمراء من بني نصر (1)؛ استقدمه في ربيع الثاني من عام تسعة و عشرين و سبعمائة، فقدم شيخا قد استثنى أديمه و احقوقب، و مسحة الظّرف و اللوذعية تتعلق منه بطلل بائد. ثم اقتضى تقلّص ظل الولاية عن ولده انصراف جميعهم إلى العدوة، فكان ذلك في رجب أو أول شعبان من العام، و بها هلك.

وفاته: توفي بمدينة فاس رابع محرم عام ثلاثين و سبعمائة. و كان كثيرا ما يتمثل بقول الشاعر: [الطويل‏]

نصحت فلم أفلح و خانوا فأفلحوا* * * فأنزلني نصحي بدار هوان‏

فإن عشت لم أنصح و إن متّ فالعنوا* * * دون النصح من بعدي بكل لسان‏

أخبرني بذلك شيخنا أبو الحسن بن الجياب و غيره.

عمر بن يحيى بن محلّى البطّوي‏

يكنى أبا علي.

حاله: كان يمتّ إلى السلطان ملك المغرب، (رحمه اللّه)، بالخؤولة، و له جرأة و جرم و اضطلاع بالمهمة، إلى نكراء و خفوف إلى الفتنة و استسهال العظيمة. و لمّا تصيرت مالقة (2) إلى إيالة السلطان أمير المسلمين أبي يوسف بن عبد الحق من قبل رؤسائها من بني إشقيلولة، استظهر عليها من عمر هذا بحجاج رجاله، و قدّمه بقصبتها، و جعل لنظره جيشا أخشن يقوده رجل من كبار و صفائه. و داخل السلطان ثاني‏ (3) الملوك من آل نصر عمر بن محلّى هذا بوساطة أخيه طلحة السابق إلى إيالته، فأحكم بينهما صرف مالقة إليه، و انتقال عمر إلى خدمته، معوّضا عن ذلك بمال له بال، مسلّما إليه حصن شلوبانية، و لأخيه طلحة مدينة المنكب، على أرزاق مقررة، و أحوال مرتبة مقدرة، فتمّ ذلك، و تحمل ثقات السلطان بقصبة مالقة ليلا مع عمر، و استدعي للغداة قائد الجيش و مثله من الوجوه، موريا بمعارضتهم، فسقط الغشاء بهم‏

____________

(1) سادس سلاطين بني نصر هو أبو عبد اللّه محمد بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل، حكم غرناطة من سنة 725 ه إلى سنة 733 ه. و قد ترجم له ابن الخطيب في الجزء الأول من الإحاطة، و في اللمحة البدرية (ص 90).

(2) قارن باللمحة البدرية (ص 57- 58).

(3) ثاني سلاطين بني نصر هو أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن يوسف بن نصر، حكم غرناطة من سنة 671 ه إلى سنة 708 ه. و قد ترجم له ابن الخطيب في الجزء الأول من الإحاطة و في اللمحة البدرية (ص 50).

48

على سرحان، و أخذهم اعتقاله رهينة استخلص بها من كان من عياله بالعدوة، و جاء بها جلواة عارية أعربت عن لؤمه و خبث أمانته، و انتقل له موفى له بعهده، فحل بحصن شلوبانية منتصف عام سبعة و ستين و سبعمائة، حسبما كتب لي بعض الشّيوخ من مسنّي بقية أهله، و احتلّ أخوه طلحة بمدينة المنكب، و لم يلبث أن خرج عنها للسلطان معوضا بالمال، و أعمل الانصراف إلى الحج. و أقام عمر بشلوبانية و ما يليها من العمالة، مظهرا للطاعة تمام العام المذكور، و فسد ما بينه و بين السلطان المذكور، و ظهر الخلاف و أخيفت الطرق، و تحرك السلطان إلى منازلته لأشهر ثلاثة من خلافه، و حاصره أياما شدّ فيها مخنقه، فلمّا رأى عزمه، خاطب سلطانه الذي نزع عنه أمير المسلمين أبا يوسف، و عرض الحصن عليه، فبادر إليه بالأسطول، فلمّا احتل بمرسى حصنه و اتصلت به يده و نشرت عنده بنوده، أفرج عنه السلطان، و انبت طمعه فيه، و صرف وجهه إلى حضرته، و بدا لعمر في أمره، فصرف الأسطول متعلّلا ببعض الأعذار، و أقام على سبيله، و اتصل ذلك بالسلطان، فرتب عليه الحصن، و ضيق السّبل، و تحرك في صائفة العام إلى منازلته في عدّة عظيمة، و حاصره و رماه بالمجانيق، و تتبع بها مجاثمه، فأعياه الصبر، و أعمل الحيلة بإظهار الإنابة، و عرض على السلطان التخلّي عن الحصن، و طلب منه أن يوجه لقبضه وزيره، و أحظى الرؤساء لديه، و صاحب بنده، فوجههم السلطان في طائفة من حاشيتهم، و قد أكمن لهم عمر بمعرجات الطريق، بين يدي باب القلعة، فلمّا توسطوا الكمناء، و برز عمر ليسلم عليهم، ثار بهم رجاله الأساودة و غيرهم، و قبضوا عليهم بمرأى من السلطان، و أدخلوهم الحصن، و عاد السلطان إلى قتاله، فتوعد بقتلهم، و جعلهم بأعلى السور، و رمى عليه بحجر، فطرح أحدهم الحين، و علا صراخهم يسترحمون السلطان، فكفّ عنه، و انصرف مكظوما. و لأيام وقعت المهادنة على تخلّيه عن شلوبانية في جملة شروط صعبة، منها العقد له على بنت السلطان المسماة بشمس، و انتقاله إلى مدينة المنكب، فتمّ ذلك في وسط ثمانية و ستين بعده، و تمادت المهادنة شهورا أربعة، ثم ثاب خلافه، و ضيقت عليه الحصص المرتّبة، و خرج للسلطان عن منكّب على مال و عهد، و صرف بعد وجهه إلى سلطانه، و تطارح عليه، و هو بجزيرة طريف، بعد أن أخذ أمانه، زعموا، و قد كان أخوه طلحة سبق إليه، فاعتقل يسيرا. ثم حلّ اعتقاله إيثارا للعفّة، و رعيا للمتات. و لمّا توفي السلطان أبو يوسف، اضطره حاله، و آل أمره إلى العود إلى الأندلس، و بها الأشياخ من بني عبد اللّه بن عبد الحق، مطالبو أبيه بدم عمّهم، سبقوا مقدمه على السلطان بإيعاز منه، و قد نزل بقرية أرملة (1) على وادي‏

____________

(1) أرملة: بالإسبانيةArmilla ، و هي إحدى قرى غرناطة و تقع على الضفة اليسرى لنهر شنيل.

49

أفلم، و اعتصم منهم ببرج، فقاتلوه و استنزلوه فقتلوه، فانقضى أمره على هذه الوتيرة، و البقاء للّه سبحانه.

عامر بن عثمان بن إدريس بن عبد الحق‏ (1)

شيخ الغزاة بالأندلس، و ابن شيخها، يكنى أبا ثابت، أجري مجرى الأصليين لولادته بالأندلس.

أوليته: تأتي في اسم أبيه.

حاله: كان رئيسا جليلا، فذّا في الكفاية و الإدراك، نسيج وحده في الدّهاء و النّكراء، مشارا إليه في سعة الصدر، و وفور العقل، و انفساح الذّرع، و بعد الغور، باسلا مقداما، صعب الشّكيمة على الهمّة، لين الكلمة، ريّش جناح العزّ، وافر أسباب الرّئاسة، مجرّبا، محتنكا، عارفا بلسان قومه و أغراضهم، جاهلا جفوات أخلاقهم دبر أذنه، مهيبا على دماثة و إلحاح سقام. تولّى الأمر بعد أبيه، فقام به أحمد قيام، مسلّما لبقية من مسني القرابة و أكابر الإخوة، اعترافا بالفضل، و إيثارا لمزيّة العتاقة على الهجنة، فحلّ أرفع المحال، و تبنّك على حال الضّنا نعيما، و غزا غزوات شهيرة، إلى أن تناسى الأمر، و كبا بهم الجدّ، و حملهم قرب مخيفهم بالثّأر المنيم ملك المغرب، لما اقتحم فرضة المجاز إلى الجهاد على المبايتة و مراسلة الطاغية، فساءت القالة، و فسد ما بينهم و بين سلطانهم، و أعمل عليهم التدبير.

نكبته: ثبتّ في الكتاب المسمى ب «طرفة العصر»: و لما اتّصلت ليدي المسلمين، و فصل أميرهم من ملك المغرب، تنمّر أضدادهم المناوءون له، المعاندون قدرة اللّه فيه، المتهيّئون إلى القاصمة بمشاحنته، فأظهروا النّفور و الحذر، و كانوا قد داخلوا ملك قشتالة و واعدوه اللحاق به، إن راعهم رائع، و وصلتهم مخاطبته بقبولهم، فلمّا تخلّف المسلمون عن اللحاق به، نسب لهم الفشل و التكاسل، فانطلقت الألسن، و ملّت القلوب، و تشوّف إلى الفتك بهم، و هم عصابة بأسها شديد، أشهروا فروسية و نجدة و أتباعا، فعظم الخطب، و أعملت الشّورى في أمرهم، و صرفت الحيل إلى كف عاديتهم، و معالجة أمرهم، فتمّ ذلك. و لما كان يوم السبت التاسع و العشرون من ربيع الأول، قعد لهم السلطان على عادته، و وجّه عنهم في غرض الاستشارة في حال السّفر إلى إمداد ملك المغرب، و قد عبر و نازل جزيرة طريف، و فاوضهم فيما عليه الناس من إنكار التّلوّم، ثم قام السلطان من‏

____________

(1) ترجمة عامر بن عثمان في اللمحة البدرية (ص 105).

50

مجلسه، و ثارت بهم الرجال، فأحيط بهم، و نزعت سيوفهم عن عواتقهم، و طارت الخيل في ضمّ من شذّ عنهم، فتقبّض على طائفة من أعلامهم، كانوا بين غرّ يباشر قنصا، أو مفلت لم يجد مهربا، و طارت الكتب إلى مالقة في شأن من بها منهم، فشملهم الاعتقال، ثم نقلوا إلى مدينة المنكب، فجعلوا في مطبق الأسرى بها، إبلاغا في النكال، و تناهيا في المثلة، فلم تجر عليهم مصيبة أعظم منها، لاضطرارهم إلى قضاء حاجة الإنسان برأي عين من أخيه، خطة خسف سئموها، مع العلم بنفور نفوسهم عن مثلها، و فيهم صدور البيت و أعلامه، كأبي ثابت المترجم به، و أخيه كبيره إبراهيم، و ابن عمهم زين المواكب، و قريع السيوف، و عروس الخيل، حمّو بن عبد اللّه، و سواهم، و قانا اللّه شرّ الهلكات، و اشرأب مخيفهم للسلطان صاحب المغرب، و ولي الثّرة، إلى صرفهم إليه، و قد استوجب من ملك الأندلس الملاطفة لالتفاته لسي‏ء البرد، و اقتحامه باب القطر. و أخفق السعي، و ضنّ بهم موقع النّقمة عن إسلامهم إليه، سيرة أحسنها في جنسهم من أولي الجهالف، فأجلاهم عما قريب في البحر إلى إفريقية، فاستقرّوا ببجاية، ثم استقدموا إلى تونس تحت إرصاد و رقبة، و أخفر فيهم ملكها الذّمة، و هم لديه، فوجّههم على بعد الدار، و نزوح المزار، إلى السلطان صاحب المغرب، مصحبين بشفاعة فيهم، كانت قصارى ما لديه، فاستقرّوا في الجملة تحت فلاح و كفاية، لا تلفت إليهم عين، و لا يتشبّث بذمل حظوتهم أمل. ثم نكبوا بظاهر سبتة نكبة ثقيلة البرك، مغارة البرك الحمل، و أودعوا شرّ السجون بمدينة مكناسة، فأصبحوا رهن قيود عديدة، و مسلحة مرتّبة، جرّ ذلك عليهم ذرّة من القول في باب طموحهم إلى الثورة، و عملهم على الانتزاء بسبتة، اللّه أعلم بحقّه من مينه. و لمّا صيّر اللّه ملك المغرب إلى السلطان، أمير المؤمنين أبي عنان، و اضطره الحال إلى الاستظهار بمثلهم، انتشلهم من النكبة، و جبرهم بعد الصّدعة، و أعلق يد كبيرهم المترجم به بعروة العزّة، و استعان بآرائه على افتراع الهضبة، فألفى منه نقّابا قد هذّبته التجربة، و أرهفته المحنة، و أخلصته الصّنيعة، فسلّ منه سيفا على أعدائه، و زعموا أنه انقاد إلى هوى نفسه، و استفزّته قوة الثرّة، و لذّة التّشفي، و ذهب إلى أن يكل للسلطان ناكبه المجاراة صاعا بصاع، فانتدب إلى ضبط ما بالأندلس من عمالة راجعة إلى ملك المغرب، فانقلب يجرّ وراءه الجيش، و يجنّب القوة، فقطع به عن أمله القاطع بالآمال، و أحانه اللّه ببعض مراحل طريقه مطعونا لطفا من اللّه به، و بمن استهدف إلى النّصب بمجادّته. و هو سبحانه ملي‏ء بالمغفرة عن المسرفين، سبحانه.

وفاته: في الأخريات من عام تسعة و أربعين و سبعمائة.

51

علي بن بدر الدين بن موسى بن رحّو بن عبد اللّه ابن عبد الحق‏ (1)

يكنى أبا الحسن.

حاله: هذا الرجل نسيج وحده في الفضل و التخلّق، و الوفاء، و نصح الجيب، و سلامة الصدر، و حسن الخلق، راجح العقل، سريّ الهمّة، جميل اللقاء، رفيع البزّة، كريم الخصال، يكتب و يشعر، و يحفظ و يطالع غرائب الفنون، صادق الموقف، معروف البسالة، ملوكيّ الصّلات، غزل، كثير الفكاهة، على تيقور و حشمة، قدّمه السلطان شيخ الغزاة بمدينة وادي آش، فلما وقعت به المحنة، و ركب الليل مفلتا إليها، اتّفق لقاؤه إياه صباحا على أميال منها، و جاء به، و أدخله المدينة على حين غفلة من أهلها، فاستقرّ بقصبتها و ما كاد، و أخذ له صفقة أهلها، و شمّر في الذبّ عنه تشميرا نبا فيه سمعه عن المصانعة، و دهيه عن الجملة، و كفّه عن قبول الأعواض، فلم يلف فيه العدوّ مغمزا، و لا المكيدة معجما، و لا استأثر عنه بشي‏ء ممّا لديه، إلى أن كان انتقال السلطان عنها إلى المغرب، فتبعه مشيّعا إلى مأمنه، فتركها غريبة في الوفاء، شاع خبرها و تعوطي حديثها، على حين نكر المعروف، و جحدت الحقوق، و أخوت بروق الأمل. ثم قلق المتغلّب على الدولة بمكانه، فصرفه إلى العدوة الغربية، فاستقرّت به الدار هنالك، في أوائل عام ثلاثة و ستين أو أواخر العام قبله.

و خاطبته من مدينة سلا لمكان الودّ الذي بيني و بينه بما نصّه‏ (2): [مخلع البسيط]

يا جملة الفضل و الوفاء* * * ما بمعاليك من خفاء

عندي بالودّ فيك عقد* * * صحّفه‏ (3) الدّهر باكتفاء

ما كنت أقضي علاك‏ (4) حقّا* * * لو جئت مدحا بكلّ فاء

فأول وجه القبول عذري‏* * * و جنّب‏ (5) الشّكّ في صفاء

____________

(1) ترجمة ابن عبد الحق في نفح الطيب (ج 8 ص 304).

(2) الأبيات في نفح الطيب (ج 8 ص 304).

(3) في الأصل: «صحّحه» و التصويب من النفح.

(4) في النفح: «حلاك».

(5) في النفح: «و حسبك الشّكّ».

52

سيدي‏ (1)، الذي هو فضل‏ (2) جنسه، و مزيّة يومه على أمسه، فإن افتخر الدين من اللّه‏ (3) ببدره افتخر منه بشمسه، رحلت عن‏ (4) المنشإ و القرارة (5)، و محلّ الصّبوة و الغرارة (6)، فلم تتعلّق نفسي بذخيرة، و لا عهد حيرة (7) خيرة، كتعلّقها بتلك الذات التي لطفت لطافة الرّاح، و اشتملت بالمجد الصّراح، شفقة أن تصيبها معرّة (8) و اللّه تعالى‏ (9) يقيها، و يحفظها و يبقيها، إذ الفضائل في الأزمان الرّذلة غوائل‏ (10)، و الضّدّ منحرف بالطبع و مائل. فلمّا تعرّفت خلاص سيدي من ذلك الوطن، و إلقاءه‏ (11) وراء الفرضة بالعطن، لم تبق لي تعلّة (12)، و لا أجرضتني‏ (13) علّة، و لا أوتي جمعي من قلّة، فكتبت أهنى‏ء نفسي الثانية بعد هناء نفسي الأولى، و أعترف للزمن‏ (14) باليد الطولى. فالحمد للّه الذي جمع الشّمل بعد شتاته، و أحيا الأنس بعد مماته، سبحانه لا مبدّل لكلماته. و إياه أسأل أن يجعل العصمة حظّ سيدي و نصيبه، فلا يستطيع حادث أن يصيبه، و أنا أحدج‏ (15) عن بثّ كمين، و نصح أنابه قمين، بعد أن أسبر غوره، و أخبر طوره، و أرصد دوره، فإن كان له في التّشريق‏ (16) أمل، و في ركب الحجاز ناقة و جمل، و الرأي فيه قد نجحت منه نيّة و عمل، فقد غني عن عوف‏ (17) و البقرات، بأزكى الثمرات، و أطفأ هذه الجمرات، برمي الجمرات، و تأنّس بوصل السّرى و وصال السّراة، و أناله‏ (18) إن رضي مرافق، و لو أغري‏ (19) به خافق.

و إن كان على السّكون بناؤه، و انصرف إلى الإقامة اعتناؤه، فأمر له ما بعده، و اللّه يحفظ من الغير (20) سعده. و الحقّ أن تحذف الأبهة و تختصر، و يحفظ (21) اللسان‏

____________

(1) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 304- 306).

(2) في النفح: «فصل»، بالصاد المهملة.

(3) في النفح: «من أبيك».

(4) في النفح: «على».

(5) القرارة: موضع الاستقرار. لسان العرب (قرر).

(6) في النفح: «و الفرارة».

(7) في النفح: «جيرة».

(8) المعرّة: الإثم و الخطيئة. محيط المحيط (عرر).

(9) كلمة «تعالى» غير واردة في الأصل، و قد أضفناها من النفح.

(10) في الأصل: «غوامل» و التصويب من النفح.

(11) في الأصل: «و إلقاه»، و التصويب من النفح.

(12) التّعلّة: ما يتعلّل به من طعام و غيره. محيط المحيط (علل).

(13) في النفح: «و لا أحرضتني له علّه».

(14) في النفح: «للزمان».

(15) في النفح: «و أنا أخرج له عن ...».

(16) في الأصل: «التفريق» و التصويب من النفح.

(17) في النفح: «عرف البقرات».

(18) في النفح: «و أنابه إن رضيني».

(19) في النفح: «و لواء عزي به ...».

(20) غير الدّهر: نوازله و مصائبه المغيرة. لسان العرب (غير).

(21) في الأصل: «و تحفّظ»، و التصويب من النفح.