الذريعة إلى حافظ الشريعة - ج1

- رفيع الدين محمد الجيلاني المزيد...
637 /
1

[الجزء الأول‏]

مذكّرة أمين اللجنة العلمية للمؤتمر

كتاب الكافي الشريف، لمؤلّفه ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني (رحمه اللّه)، هو أهم و أفضل مؤلّفات الشيعة، و نظرا لما يتمتّع به من ميزات و خصائص جعلت منه كتابا لا نظير له، فقد صار محورا لظهور و إنتاج قسم واسع من التراث الشيعي، و حظي على مرّ التاريخ باهتمام علماء الشيعة و قدّمت له شروح و تعليقات و ترجمات كثيرة.

و قد قامت روضة السيّد عبد العظيم الحسني و مؤسسة دار الحديث العلمية الثقافية بعقد المؤتمر الثالث من مؤتمراتها التي تدور حول محور «تكريم شخصيات مدينة الري و علمائها» لتكريم ثقة الإسلام الكليني.

و الأهداف المتوخّاة من هذا التكريم هي:

1. التعريف بالشخصية العلمية و المعنوية لثقة الإسلام الكليني.

2. نشر المعارف الحديثية لأهل البيت (عليهم السلام).

3. تحقيق و دراسة تراث ثقة الإسلام الكليني.

4. معرفة منزلة و تأثير كتاب الكافي.

و قد بدأت لجنة المؤتمر العلمية التخطيط العملي لهذا المؤتمر بعد إقامة مؤتمر تكريم أبي الفتوح الرازي في خريف 1427 ق، و خطّطت للبرامج التالية:

1. تصحيح و تحقيق المخطوطات المتعلّقة بكتاب الكافي، سواء كانت ترجمات أو شروح أو تعليقات أو غيرها.

2. فتح آفاق بحثية جديدة في مجال الكافي.

3. تجزئة و تحليل الانتقادات و الأسئلة المتعلّقة بالكافي.

4. تقديم الطبعة المحقّقة من كتاب الكافي.

5. تنظيم المعلومات و الآثار المكتوبة المتعلقة بالكليني و الكافي و تقديمها في قالب أقراص‏DVD (الأقراص النورية المتعدّدة الأغراض).

2

و الذي توصّلت إليه اللجنة العلمية خلال سنتين و نيف من السعي هو نشر ما يلي تزامنا مع إقامة المؤتمر:

أولا: نسخة الكافي المحقّقة.

ثانيا: شروح الكافي و التعليقات عليه.

ثالثا: مجموعة الآثار التي أنتجها المؤتمر.

رابعا: الأعداد الخاصّة من المجلّات.

خامسا: نشرة أخبار المؤتمر.

سادسا: أقراص الDVD (الأقراص النورية المتعدّدة الأغراض).

و سنلقي فيما يلي نظرة عابرة إلى هذه العناوين الستّة:

أولا: الكافي‏

سيتمّ طبع الكافي طبعة جديدة بعد مقابلته مع المخطوطات القديمة و الموثوق بها و بعد التشكيل بالحركات أيضا، مع تعليقات بهدف رفع الإشكال عن بعض الإسنادات، و بعض الإيضاحات ذات العلاقة بفقه الحديث.

ثانيا: شروح الكافي و تعليقاته‏

كتب الكثير من الشروح و التعليقات على كتاب الكافي و لم يطبع منها سوى القليل، و قد سعت اللجنة العلمية لأن تحدّد هذه الشروح و التعليقات، و أن تأخذ على عاتقها تحقيقها و عرضها، و سيتمّ تحقيق الكتب التالية و طباعتها و إعدادها لإقامة المؤتمر:

1. الشافي في شرح الكافي، الملّا خليل بن غازي القزويني (ت 1089 ق) مجلّدان.

2. صافى در شرح كافى (الصافي في شرح الكافي) الملّا خليل بن غازي القزويني (ت 1089 ق) مجلّدان.

3. الحاشية على اصول الكافي، الملّا محمد أمين الاسترآبادي (ت 1036 ق) مجلّد واحد.

4. الحاشية على اصول الكافي، السيّد أحمد العلوي العاملي (كان حيّا سنة 1050 ق) مجلّد واحد.

5. الحاشية على اصول الكافي، السيّد بدر الدين الحسيني العاملي (كان حيّا سنة 1060 ق) مجلّد واحد.

6. الكشف الوافي في شرح اصول الكافي، محمد هادي بن محمد معين الدين آصف الشيرازي (ت 1081 ق) مجلّد واحد.

3

7. الحاشية على اصول الكافي، الميرزا رفيعا (ت 1082 ق) مجلّد واحد.

8. الهدايا لشيعة أئمة الهدى (شرح اصول الكافي)، الميرزا محمّد مجذوب التبريزي (ت 1093 ق) مجلّدان.

9. الذريعة إلى حافظ الشريعة (شرح اصول الكافي)، رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الگيلاني (القرن 11 ق) مجلّدان.

10 و 11. الدرّ المنظوم، الشيخ علي الكبير (ت 1104 ق) و الحاشية على اصول الكافي، الشيخ علي الصغير (القرن 12 ق) مجلّد واحد.

12. تحفة الأولياء (ترجمة اصول الكافي)، محمد علي بن محمد حسن الفاضل النحوي الأردكاني (كان حيا في 1237 ق) 4 مجلّدات.

13. شرح فروع الكافي، محمد هادي بن محمد صالح المازندراني (ت 1120 ق) 5 مجلّدات.

14. البضاعة المزجاة (شرح روضة الكافي)، محمد حسين بن القارياغدي (ت 1089 ق) مجلّدان.

15. منهج اليقين (شرح وصية الإمام الصادق للشيعة)، السيّد علاء الدين محمد گلستانة (ت 1110 ق) مجلّد واحد.

16. مجموعة الرسائل في شرح أحاديث الكافي، مجلّدان.

ثالثا: مجموعة الآثار التي أنتجها المؤتمر

المراد من هذا العنوان الآثار التي أنتجتها اللجنة العلمية، و سيتمّ تقديم الآثار التالية في هذا المجال:

1. حياة الشيخ الكليني، ثامر العميدي، مجلّد واحد.

2. توضيح الأسناد المشكلة في الكتب الأربعة أسناد الكافي، السيّد محمد جواد الشبيري، مجلّدان.

3. العنعنة من صيغ الأداء للحديث الشريف في الكافي، السيّد محمد رضا الحسيني الجلالي، مجلّد واحد.

4. كافى‏پژوهى در عرصه نسخه‏هاى خطى (دراسات في الكافي وفق النسخ الخطيّة)، علي صدرائي الخوئي، السيّد صادق الأشكوري، مجلّد واحد.

5. كتاب‏شناسى كلينى و كتاب الكافى (ببلوغرافيا الكليني و كتابه الكافي)، محمد قنبري، مجلّد واحد.

6. شناخت‏نامه كلينى و الكافي (معلومات متناثرة حول الكليني و الكافي) محمد قنبري، 4 مجلّدات.

4

7. كافى‏پژوهى (تقرير عن الأطروحات و رسائل التخرج المتعلقة بالكليني و الكافي)، السيّد محمد علي أيازي، مجلّد واحد.

8. مجموعه مقالات همايش (مجموعة مقالات المؤتمر) مجموعة من الباحثين، 7 مجلّدات.

9. مصاحبه‏ها و ميزگردها (الحوارات)، مجلّد واحد.

رابعا: الأعداد الخاصة من المجلّات‏

سوف تصدر كلّ من مجلّة آينه پژوهش، سفينه، علوم الحديث و البعض الآخر من النشريات، أعدادا خاصة تزامنا مع إقامة المؤتمر.

خامسا: نشرة أخبار المؤتمر

سيتمّ طبع أربعة أعداد من نشرة أخبار المؤتمر التي تقوم بمهمّة الإعلام قبل المؤتمر حتى زمان انعقاده.

سادسا. أقراص الDVD

سوف يتمّ تقديم البرنامج الألكتروني لمجموعة آثار المؤتمر، مع بعض مخطوطات الكافي، و كذلك الشروح و التعليقات و الترجمات المطبوعة لكتاب الكافي في قالب أقراص‏DVD .

و في الختام نقدم شكرنا إلى جميع المثقّفين و المفكّرين، و المنظّمات و المؤسّسات العلمية البحثية، التي أسهمت في تحقيق النتائج المرجوّة من هذا المؤتمر، خاصة: سادن روضة السيّد عبد العظيم (عليه السلام) و رئيس مؤسسة دار الحديث العلمية الثقافية، سماحة آية اللّه محمد الرّيشهري، اللجنة العليا لتعيين أهداف المؤتمر، اللجنة العلمية للمؤتمر، لجنة العلاقات الدولية، اللجنة التنفيذية، مؤسسة البحوث الإسلامية التابعة للروضة الرضوية المقدسة، مركز البحوث الكومبيوترية للعلوم الإسلامية، المدراء العامّين في روضة السيّد عبد العظيم (عليه السلام)، المدراء و الباحثين في مؤسسة علوم الحديث و معارفه، المسؤولين، الأساتذة و الطلاب في كلية علوم الحديث، المسؤولين و العاملين في دار النشر التابعة لدار الحديث.

مهدي المهريزي‏

الأمين العام للجنة العلمية

1429 ق‏

5

تصدير

لا يزال الكافي يحتلّ الصدارة الاولى من بين الكتب الحديثيّة عند الشيعة الإماميّة، وهو المصدر الأساس الذي لا تنضب مناهله ولا يملّ منه طالبه، وهو المرجع الذي لا يستغني عنه الفقيه، ولا العالم، ولا المعلّم، ولا المتعلّم، ولا الخطيب، ولا الأديب.

فقد جمع بين دفّتيه جميع الفنون والعلوم الإلهيّة، واحتوى على الاصول والفروع.

فمنذ أحد عشر قرناً وإلى الآن اتّكأ الفقه الشيعي الإمامي على هذا المصدر؛ لما فيه من تراث أهل البيت (عليهم السلام)، وهو أوّل كتاب جمعت فيه الأحاديث بهذه السعة والترتيب.

وبعد ظهور الكافي اضمحلّت حاجة الشيعة إلى الاصول الأربعمائة، لوجود مادّتها مرتّبة مبوّبة في ذلك الكتاب.

ومن عناية الشيعة الإمامية بهذا الكتاب واهتمامهم به أنّهم شرحوه أكثر من عشرين مرّة، وتركوا ثلاثين حاشية عليه، ودرسوا بعض اموره، وترجموه إلى غير العربية، ووضعوا لأحاديثه من الفهارس ما يزيد على عشرات الكتب، وبلغت مخطوطاته في المكتبات ما يبلغ على ألف وخمسمائة نسخة خطّيّة، وطبعوه ما يزيد على العشرين طبعة.

ومن المؤسف أنّ الكافي وشروحه وحواشيه لم تحقّق تحقيقاً جامعاً لائقاً بها، مبتنياً على اسلوب التحقيق الجديد. على أنّ كثيراً من شروحه وحواشيه لم تطبع إلى الآن وبقيت مخطوطات على رفوف المكتبات العامّة والخاصّة، بعيدة عن أيدي الباحثين والطالبين.

هذا، وقد تصدّى قسم إحياء التراث في مركز بحوث دار الحديث تحقيق كتاب الكافي، وأيضاً تصدّى في جنبه تحقيق جميع شروحه وحواشيه- وفي مقدّمها ما لم يطبع- على نحو التسلسل.

6

ومنها الشرح الذي بين يديك، وهو شرح على اصول الكافي لمؤلّفه المولى رفيع الدين محمّد بن مؤمن الجيلاني من أعلام القرن الحادي عشر، ومن تلامذة العلّامة محمّد تقي المجلسي، والمولى محمّد محسن الفيض الكاشاني. وقد كان عالماً فاضلًا، كما أنّه كأن أديباً شاعراً حيث أنشد أشعاراً كثيرة بالعربية والفارسية وفي مجالات مختلفة حتى ترك آثاراً مختصّة بالشعر، كما وترك مصنّفات اخرى متعدّدة في العقائد والأخلاق وغيرها، وأحدها هذا الشرح، وقد كتبه في بداية الأمر بصورة تعليقات وتوضيحات على نسخة من نسخ الكافي، ثمّ جمعها وأضاف إليها مطالب متعدّدة حتّى صارت كتاباً مستقلًاّ.

وقد امتاز بامور تجعل منه شرحاً جذّاباً، فإنّ المؤلّف لم يكتفِ فيه بالنسبة إلى أحاديث الكافي بالاعتماد على نسخة واحدة، بل اعتمد نسخ متعدّدة وأشار إلى الإختلافات الموجودة بينها. كما أنّه في شرحه لأحاديث الكافي استند إلى الأحاديث المشابهة لها في مواضع اخرى من الكافي نفسه ومن سائر المصادر الروائيّة الاخرى، ويقيس ما بينها، ويذكر موارد الاختلاف فيما بينها. وكان يظهر امتعاضه على التركيز والتدقيق في بعض الفروع الفقهيّة التي لا طائل تحتها، ويشحذ العقول على التعمّق في المسائل العقائديّة.

وكان يأخذ الحقّ ولو من ألسنة مخالفيه فكرياً، كما كان يصنع ذلك مع الفلاسفة والصوفيّة بالرغم من مخالفته الشديدة لهم، وبهذا جاء هذا الشرح مفصّلًا مستوعباً قدحوى نكات ظريفة ومطالب منيفة.

واليوم يسرّ مركز بحوث دار الحديث أن يصدر هذا السفر القيّم والتراث الخالد، ويقدّمه هديّةً لمكتبة أهل البيت (عليهم السلام). نسأل اللَّه تعالى أن يجعل هذا الجهد ذخراً لنا يوم لا ينفع مال ولا بنون، إنّه سميع الدعاء.

قسم إحياء التراث‏

مركز بحوث دار الحديث‏

7

مقدّمة التحقيق‏

المؤلّف‏

هو المولى رفيع الدين محمّد بن مؤمن الجيلاني (أو الجيلي) من أعلام القرن 11 ق ومن تلامذة العلّامة محمّد تقي المجلسي (رحمه اللّه).

وربما يشتبه هو بالمولى محمّد رفيع بن فرج الجيلاني المشهدي الشهير بملا رفيعا، فخلط بعض المفهرسين في ذكر مصنّافتهما. (1) والفرق بينهما أنّ محمّد بن مؤمن كان من تلامذة المجلسي الأوّل كما صرّح به المصنّف في هذا الأثر والمجلسي الثاني في بحار الأنوار عند نقل بعض مراثيه وسنذكره عن قريب. وأما محمّد رفيع بن فرج الجيلاني كان من تلامذة المجلسي الثاني والمجاز عنه، وذكرت إجازته في البحار. (2)

ولم يذكر في كتب التراجم والفهارس شي‏ء من حياته العلمية أو أحوال اسرته، وقد عثرنا على بعض أساتذته ومشايخه ضمن كلمات بعض المترجمين له، بل ومن كلمات نفس المصنّف الواردة في هذا الشرح، وهم كما يلي:

1. المولى محمّد تقيّ المجلسيّ (ت 1070 ق) الشهير بالمجلسيّ الأوّل.

وقد صرّح به المجلسيّ الثاني في بحار الأنوار عند نقله بعض مراثي الشارح (رحمه اللّه) ذيل‏

____________

(1). انظر: الذريعة، ج 6، ص 29، الرقم 125؛ و ج 10، ص 215، الرقم 607؛ وج 11، ص 135، الرقم 841؛ وج 14، ص 27، الرقم 1588؛ وج 15، ص 71، الرقم 478؛ أعيان الشيعة، ج 10، ص 317؛ تلامذة المجلسي، ص 100.

(2). بحار الأنوار، ج 102، ص 89. وانظر أيضاً: تلامذة المجلسي، ص 100؛ تتميم أمل الآمل، ص 159- 162؛ مرآة الكتب، ص 283.

8

قصيدة ابن حمّاد، حيث قال:

أقول: لبعض تلامذة والدي الماجد- نوّر اللَّه ضريحه- وهو محمّد رفيع بن مؤمن الجيلي- تجاوز اللَّه عن سيئاتهما وحشرهما مع ساداتهما- مراثي مبكية حسنة السبك .... (1)

وصرّح به نفس المصنّف أيضاً في هذا الشرح (ج 1، ص 136)، حيث قال:

وكنت قد اعطيتُ شرفَ لقاء من كان بهذه الصفات، ودرستُ اصول الكافي وقدراً من التهذيب على حضرته، وكان متوجّهاً إليّ كلّ التوجّه، لكن لم أعرف قدر هذه النعمة حقّ المعرفة؛ إذ لم افوّض إليه أمري كلّ التفويض ليبلغ بي إلى ذروةالعرفان، حتّى ارتحل إلى دار الجنان، وتركني يتيماً منقطعاً عن الأب الشفيق ... وهو العالم العارف، الزاهد العابد، مُحيي آثار أهل البيت، التقيّ المتّقي، مولانا محمّد تقيّ المجلسي، (قدّس اللَّه روحه ونوّر ضريحه).

2. الشيخ محمّد بن الحسين بن عبد الصمد الحارثي (ت 1030 ق) الشهير بالشيخ البهائي.

قال المحقّق الطهراني (رحمه اللّه) في كتاب الروضة النضرة عند ترجمة المصنّف (رحمه اللّه): «وهو من تلاميذ البهائي حيث أنّه يعبّر عنه بشيخنا الأعظم». (2)

وقال نحوه في الذريعة عند تعريف شرح المصنّف (رحمه اللّه) على الكافي، (3) ونرى أيضاً أثناء هذا الشرح تعبيره عنه بشيخنا الأعظم وما شابهه.

3. المولى محمّد باقر بن محمّد مؤمن السبزواري (ت 1090 ق)، صاحب كتاب الذخيرة.

4. المولى محمّد محسن المشتهر بالفيض الكاشاني (ت 1091 ق)، صاحب كتاب الوافي ويدلّ عليهما ما ذكره نفس المصنّف (رحمه اللّه) في هذا الشرح (ج 1، ص 137)، حيث قال:

وسمعت مشايخى- (رضوان اللَّه عليهم)- مثل العالم العامل الزاهد [محمّد تقيّ‏

____________

(1). بحار الأنوار، ج 45، ص 266. وانظر: مستدركات علم رجال الحديث، ص 95، الرقم 13335؛ تراجم الرجال، ج 2، ص 563.

(2). الروضة النضرة، ص 226.

(3). الذريعة، ج 14، ص 28، الرقم 1588.

9

المجلسي (رحمه اللّه)‏] الذي سبق ذكره، والمحقّق المدقّق مولانا محمّد باقر الخراساني، والعارف المحقّق الرّبانيّ مولانا محمّد محسن القاساني.

المؤلّف وتراثه الشعري:

كان للمصنّف (رحمه اللّه) ذوق شعريّ جيّد، وقد أنشد أشعاراً كثيرة باللغة العربيّة والفارسيّة وفي مجالات مختلفة؛ بعضها في المراثي، وبعضها في المواعظ والحكم، وبعضها في تبيين بعض العقائد الاصوليّة وغيرها.

ويبلغ تراثه الشعرىّ الأدبي إلى حدّ الديوان الكبير لو جمع وطبع على حدة، واستقبل أشعاره بعض الأعاظم والعلماء بالقبول ووصفها بأنّها جيّدة، وكان منهم العلّامة المجلسي (رحمه اللّه) في كتابه بحار الأنوار، حيث نقل أربع مراثي عنه في مصائب سيّد الشهداء (عليه السلام)، وسنأتي ببعض أبياتها بعيد هذا.

ويمكننا أن نصل إلى هذا التراث الأدبي بثلاثة طرق:

الطريق الأوّل: من كتبه المختصّة بالشعر والتي عرّفها المترجمون والمفهرسون، وهي أربعة كتب:

1. الذريعة إلى حافظ الشريعة (فى المراثي حول مصائب سيّد الشهداء (عليه السلام))، وهو متحد اسماً مع اسم كتابنا هذا.

2. شرح الثار في ذكر أحوال المختار.

3. مثنوي نان و پنير.

4. مثنوي نظّمه بتبع مثنوي «شير و شكر» للشيخ البهائي (رحمه اللّه).

وسنذكر هذه الكتب بنحو من التفصيل عند ذكر مصنّفات المؤلّف (رحمه اللّه).

الطريق الثاني: أشعاره التي ذكرها ضمن طيّات هذا الشرح، فهى وإن احتمل ورود أكثرها في أحد كتبه الشعرية الأربعة، إلّاأنّه لمّا لم تكن تلك الكتب مطبوعة كان هذا الشرح الذي بين يديك أحد المصادر التي يمكن بواسطتها الوصول‏

10

إلى التراث الشعري للمؤلّف (قدس سره).

الطريق الثالث: نقل العلّامة المجلسي (رحمه اللّه) عنه أربع مراثى مبكية في بحار الأنوار في ذيل قصيدة ابن حمّاد، ونحن نذكر عشرة أبيات من كلّ واحد من هذه المراثي الأربعة عن لسان العلّامة المجلسي (رحمه اللّه) في بحار الأنوار، وهي كالآتي:

أقول: لبعض تلامذة والدي الماجد- نوّر اللَّه ضريحه- وهو محمّد رفيع بن مؤمن الجيلى- تجاوز اللَّه عن سيّئاتهما، وحشرهما مع ساداتهما- مراثي مبكية حسنة السبك جزيلة الألفاظ، سألني إيرادها لتكون لسان صدق له في الآخرين، وهي هذه:

المرثية الاولى:

كم لريب المنون من وَثَبات‏* * * زعزعتني في رقدتي و ثباتي!

كيف لي و الحمام أغرق في النزع‏* * * و لا يخطئ الذي في الحياة

نفسي المقتضي مسرّة نفسي‏* * * في بلوغي منيتي خطواتي‏

كيف يلتذّ عاقل لحياة* * * هي أمطى الرحال نحو المَمات‏

هل سليم المذاق يشهى و يستصفي‏* * * اجاجاً في وهدة الكدرات‏

هذه دار رحلة غبّ حلّ‏* * * كالتي في الطريق وسط الفلاة

لا مكان الثواء و الطمن و الأ* * * من من الأخذ بغتة و البيات‏

بئست الدار إذ قد اجتمعت فيها* * * صنوف الأكالب الضاريات‏

ذلّ فيها اولو الشرافة و المجد* * * و عزَّت أراذل العبلات‏

دور أهل الضلال فيها استجدَّت‏* * * و رسوم الهدى عفت داثرات‏

المرثية الثانية له عفي عنه‏

أما الهموم فقد حلّت بوادينا* * * واستوطنت إذ رأت حسن القِرى فينا

وهل ترى أحداً أحرى بصحبتها* * * ممن حوى الفضل والآداب والدِّينا

أنى يكون لأهل الفضل من فرح‏* * * وما صفى عيشهم من لوعة حينا

ألا ترى السادة النجب الكرام بني‏* * * سليلة المصطفى الغُرّ الميامينا

11

أصابهم من بني حرب الخباث أذى‏* * * له السماوات والأرضون يبكينا

لهفي على قول مولانا الحسين لصحبه‏* * * وأعداؤه جاؤوا يناوونا

ألا دعوني ألا فامضوا لشأنكم‏* * * إنّ البغاة إذن إياي يبغونا

لا يشتفي غلّهم إلّابسفك دمي‏* * * إنّ كان ذا فبغيري لا يبالونا

فقال من هؤلاء الرهط طائفة* * * كانوا نفوسهم للخلد شارينا

فداك آباؤنا يا ابن الرسول لقد* * * كنّا على ما له صرنا مصرّينا

المرثية الثالثة له عفي عنه‏

ألا ليس من فقد الخليل هزالي‏* * * ولا من مزاج السوء سوءة حالي‏

ولا نابني ضيق المعاش فعابني‏* * * خليطي وأقراني بقلّة مالي‏

ولكن خيول الغمّ والكرب والنوى‏* * * توالت على بالي وأيّ توالي‏

لما حلّ من أصناف بلوى ومحنة* * * بآل رسول الله أكرم آل‏

فكم مشرب كأس الحتوف فبعضهم‏* * * بدس وبعض مؤذنا بقتال‏

ألم تسمع الملعونة الرجس إذ مضت‏* * * توسوس للأخرى بوعد وصال‏

إلى أن قتلن المجتبى الحسن الذي‏* * * له مع حسن الوجه حسن خصال‏

فيا ليت كبدي قطّعت حين شربه‏* * * نقيع سموم خال كأس زلال‏

ويا ليت شمس اليوم كالليل سوّدت‏* * * بما اخضرَّ وجه مشرق كلئالي‏

بنفسي إذ جاءته زينب اخته‏* * * وقد شاهدت حالًا وأيّة حال‏

المرثية الرابعة أيضا له عفي عنه‏

اطلبوا للضحك دوني وعلى الحزن دعوني‏* * * حرم الضحك أخلّائي عن أهل الشجون‏

حزني ليس لخلّ أو أنيس أو قرين‏* * * أو لولد كنت أرجو منهمُ أن يخلفوني‏

إنما حزني وبثّي ورنيني وأنيني‏* * * لشهيد الطفّ سبط المصطفى الهادي الأمين‏

12

لهف قلبي إذ ينادي قومه هل من معين‏* * * ما لقومي لا يجيبوننّ إذ قد سمعوني‏

ألما في قلبهم منّي من داء دفين‏* * * أم لهم بغض على الإسلام أم لم يعرفوني‏

هاأنا ابن المصطفى الآتي بقرآن مبين‏* * * هاأنا ابن المرتضى الهادي إلى دين مبين‏

امّي الزهراء مخدومة جبرئيل الأمين‏* * * مذهبي التوحيد والتقديس والإسلام ديني‏

هل على الأرض نظيري اليوم قومي أنصفوني‏* * * فبما استحللتم هتك حريمي؟ أخبروني‏

ويلكم يوم ينادي المرء يا ربّ ارجعوني‏* * * وأنا أشكو إلى جدي بالصوت الحزين‏

جدِّ يا جدِّ ترى قومي كيف استضعفوني‏* * * ثم لم يرضوا بالاستضعاف حتى قتلوني‏

آه من جور عبيد الفاسق العلج الهجين‏* * * آه من شمر وشبث يظهران الحقد دوني‏

آه من إدماء نحري آه من عفر جبيني‏* * * آه من أجل صبايا هنّ من لحمي وطيني‏

آه من ذي ثفنات هو نفسي ووتيني‏* * * آه إذ ابرزت النسوان من حصن حصين‏

حاسرات ظامئات خافضات للأنين‏* * * آه من جور يزيد بن اللعين بن اللّعين‏

رب عذِّبهم بتعذيب أليم ومهين‏* * * واحشر الجيلي في زمرة أصحاب اليمين‏ (1)

____________

(1). بحار الأنوار، ج 45، ص 266- 273.

13

مصنّفاته:

1. تعليقات على الكافي‏

وهي غير هذا الشرح الذي بين يديك، بل تعليقات مختصرة على حاشية بعض النسخ من الكافي يشتمل على تمام اصول الكافي و معظم فروعه، وعرّفها العلّامة الطهراني في الذريعة وقال:

شرح الكافي، من أوّل الاصول إلى آخر كتاب الجهاد وقليل من كتاب المعيشة، للشيخ العالم الكامل العارف الأديب المولى رفيع الدين محمّد بن مؤمن الجيلاني ... فكتب عليها التعليقات بخطّه وامضائه: محمّد رفيع الجيلاني، أو ابن مؤمن، أو ابن محمّد مؤمن كما في بعضها. وأحال في بعضها إلى مثنويّه الموسوم ب «نان و پنير» و أورد بعض أشعاره ... رأيت نسخة الكافي هذا عند السيّد عليّ بن الحسن الفاني الإصفهاني نزيل النجف الأشرف، عليها بلاغات وليس فيها اسم الكاتب ولا تاريخ الكتابة. (1)

وتوجد منها مخطوطتان في مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي بقم، برقم 1580 والرقم 4032. (2)

2. الذريعة إلى حافظ الشريعة (في شرح اصول الكافي).

وهو الشرح الذي بين يديك، وسيأتي الكلام في اتّحاده عنواناً مع رسالة اخرى له في المراثي، وهي ما نذكره في الرقم الآتي.

3. الذريعة إلى حافظ الشريعة (في المراثي).

ذكره العلّامة الطهراني في الذريعة وقال:

منثور ومنظوم في مصائب الحسين الشيهد (عليه السلام)، كتبه المؤلّف بخطّه ضمن مجموعة التذكارات التي دوّنها المولى لطف اللَّه الشهير بلطفا فيما بين (1075) و (1085) وممّن كتب فيها بخطّه، هو المحدّث الفيض الكاشاني.

أوّل الذريعة بعد البسملة «يا عين مالي أرادك باردة جموداً في مثل هذا الشهر الحرام».

____________

(1). الذريعة، ج 14، ص 28، الرقم 1588.

(2). انظر: الفهرس للمكتبة، ج 4، ص 435.

14

وآخره: «واشف به صدورنا وصدور قوم مؤمنين. تمّت المرثيّة الموسومة بالذريعة إلى حافظ الشريعة- (صلوات اللَّه عليه وعلى آبائه الطاهرين)- على يد مؤلّفها الجاني ابن محمّد مؤمن رفيع الدين محمّد الجيلاني- عفا اللَّه عنهما بمنّه وجوده- والمرجّو من الإخوان أن يمنّوا عليّ بكتابتها ونشرها وسماعها وإسماعها؛ طلباً لمرضات اللَّه، وتقرّباً إلى ابن رسوله، وقد كتبته تذكرة للأخ الأغرّ الصالح المعروف ب «لطفا»، رجاء أن لا ينساني بالتذكّر في الأماكن الشريفة. وأنا الفقير الحقير رفيع الدين محمّد، عفي عنه».

والنسخة في مكتبة سلطان القرائي كما كتبه في فهرسها المرسل إلينا. (1)

وقال في كتابه الروضة النضرة أيضاً:

كتب بخطّه رسالة نثراً ونظماً في مراثي سيّد الشهداء سمّاها بالذريعة إلى حافظ الشريعة، ضمن مجموعة التذكارات التي دوّنها المولى لطف اللَّه بين سنوات (1075- 1085)، والنسخة في مكتبة جعفر سلطان القرائي بتبريز. (2)

أقول: هو متّحد اسماً مع كتابنا هذا، ولعلّ المصنّف (رحمه اللّه) قد سمّى الاثنين باسم واحد، أو غيّر اسمها بعد التاريخ المذكور.

4. رسالة في إبطال الجبر والتفويض وإثبات الأمر بين الأمرين.

ذكرها المصنّف (رحمه اللّه) في هذا الشرح (ج 1، ص 349)، عند شرح الحديث الرابع من باب الإرادة وأنّها من صفات الفعل، حيث قال:

وأنا أقول: حلّ الشبهة الموردة في مسبوقيّة أفعال العباد بإرادتهم إنّما هو بأن يبيّن معنى كون إرادتهم مخلوقة بنفسها، وقد بيّنّاه في رسالتنا في إبطال الجبر والتفويض وإثبات الأمر بين الأمرين.

5. شواهد الإسلام.

إنّ المترجمين والمفهرسين ذهبوا مذاهب مختلفة في تعريف هذا الأثر، فيفهم من أقوال بعضهم أنّه متّحد مع هذا الشرح الذي بين يديك، (3) ونسبه بعضهم إلى محمّد رفيع بن فرج الگيلاني (المشهور بملّا رفيعا) فاشتبهوا بين هذا الكتاب وشرح ملّا

____________

(1). الذريعة، ج 10، ص 27، الرقم 131.

(2). الروضة النضرة، ص 226.

(3). انظر: الكليني والكافي للشيخ عبد الرسول الغفّار، ص 451.

15

رفيعا على الكافي‏ (1) وكذا اشتبه صاحب الذريعة في موضع من كتابه بين الكتاب و حاشية الكافي للمولى رفيع الدين محمّد بن حيدر الحسني النائيني (ت 1082 ق). (2)

لكنّ التحقيق أوّلًا: أنّ هذا الأثر ليس شرحاً على الكافي أصلًا، ودليل هذا المدّعى أنّ نسخة من هذا الكتاب موجودة في مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران (برقم 7991)، ويلاحظ فيها شرح المؤلّف على بعض الأحاديث التي أوردها بعنوان شواهد مذهب الإسلام، وهي:

1. شرح توحيد المفضّل.

2. شرح رسالة الإهليلجة.

3. شرح وصيّة موسى بن جعفر (عليه السلام) لهشام بن الحكم.

4. شرح قنوت الإمام الكاظم والجواد والهادي (عليهم السلام).

5. شرح زيارة الجامعة وحقيقة وجود صاحب الأمر (عليه السلام).

ثمّ أورد في خاتمة الكتاب ترجمة بعض مشايخ الشيعة من صدر الإسلام وبعده، وقد أكثر النقل فيه من كتاب مجالس المؤمنين لقاضي نور اللَّه التستري، ثمّ أورد أسامي جماعة من علماء معاصريه. (3)

وثانياً: أنّه تأليف صاحب الشرح الذي بين يديك؛ ودليله أنّ المؤلّف في مواضع من كتابه هذا نقل عن شواهد الإسلام ونسبه إلى نفسه، منها: عند شرحه على رسالة الإهليلجة (ج 1، ص 197)، حيث قال:

هذه الرسالة الشريفة من جملة بديع آثار أهل البيت (عليهم السلام)، التي أودعتُها [في‏] كتاب شواهد الإسلام، وشرحتها بالفارسيّة والعربيّة، وأنا أذكر هنا ما ذكرت في شرح‏

____________

(1). انظر: رياض العلماء، ج 7، ص 106- 107؛ الفيض القدسي، ص 257؛ إجازات الحديث، ص 129؛ تراجم‏الرجال، ج 2، ص 606؛ تلامذة المجلسي، ص 101؛ الفهرس لمكتبة المرعشي، ج 4، ص 385؛ و ج 9، ص 258؛ الفهرس لمكتبة مجلس الشورى الإسلامي، ج 5، ص 371؛ الفهرس لمكتبة مدرسة الفيضية، ج 1، ص 172؛ آشنايى با يك صد و شصت نسخه خطى، ص 25.

(2). انظر: الذريعة، ج 14، ص 242.

(3). فهرست مجلس شوراى اسلامى، ج 26، ص 476- 478.

16

قوله (عليه السلام): «تفرّقه الرياح ...».

ونقل عنه في موضع آخر (ج 1، ص 268)، حيث قال:

وقد فصّلت ما شاهدت من أحواله [أي القُمري‏] في شرح كتاب الإهليلجة للصادق (عليه السلام)، وها أنا أورد هنا ما ذكرت هناك، وهو هذا ....

6. مثنويّ نان و پنير.

قال العلّامة الطهراني في الذريعة:

نان وپنير؛ أي خبز وجبن. مثنويّ عرفاني في الدفاع عن الغنوص الشيعي ضدّ التقشّر الظاهري، للعارف الفاضل المولى رفيع بن محمّد مؤمن الگيلاني كما صرّح باسمه في خطبة النسخ الموجودة منها عند الشيخ هادي كاشف الغطاء، كتابتها 1107، فقال فيه:

«اين خرده ريزه‏ايست كه از خوان افادت اخوان ريخته بود فراهم آورده، در سلك نظم منتظم ساخته، در ردّ فقها و متكلّمان عامى، كه مذمّت حكمت حقّه نموده‏اند.

اگر چه شيخنا بهاء الملّة والدين (قدس سره) به حسب صورت با ايشان موافقت دارد، امّا به حسب معنى في البين بعد المشرقين، كه غرض آنها ترويج مسائل كلاميّه مبنيّه بر مسلّمات ومشهورات بين معتزلة واشعريّة است، وقصد حضرت شيخ اعلا شأن، ترويج علم أهل ايقان است؛ أعني أصحاب أسرار أمير المؤمنين (عليه السلام) مثل سلمان و أبو ذر و مقداد و كميل و رشيد هجرى و ميثم تمّار.

وبالجملة غرض شيخ، ترجيح «علم حالى» است بر «علم مقالى» چنانكه در «شير وشكر» و «نان وحلوا» فرموده.

و اين مثنوى فقير، كه احتذا به مثنوى «نان وحلوا» ى شيخ شده، مسمّى شد به «نان وپنير» و مخاطب به آن، صاحب «تهافت الفلاسفة» و احزاب او است از فقيهان و متكلّمان أهل سنت ... انتهى بغاية التلخيص.

أوّله:

اى كه روز شب زنى از علم لاف‏* * * هيچ بر جهلت نيارى اعتراف‏

ادعاى اتباع دين وشرع‏* * * شرع ودين مقصور دانسته به فرع‏

آن هم استحسان و رأى و اجتهاد* * * نه خبر از مبدأ نه از معاد

ثمّ أورد قصّة ضعف عقل العابد، وفيها قوله:

كاش بودى رب ما را يك حمار* * * تا چريدى اين علف‏ها در بهار

إلى آخر القصّة، ثمّ ذكر الجواب عنه، ثمّ الجواب عن الجواب، إلى قوله:

وضع عالم جمله بر حكمت نهاد* * * هر كسى را آنچه مى‏بايست داد

والنسخة ناقصة الآخر، والموجود منه قرب الأربعمائة بيت في مجموعة تحتوى على عدّة رسائل حكميّة إشراقيّة بخطّ واحد، كتبها المولى محمّد عليّ بن يحيى بإصفهان (1107 ق) ونسخة فخر الدين انتقلت إلى جامعة طهران (2/ 1941- ف 8/ 559). ونسخة سپهسالار (3/ 7207) مقدّمتها أقلّ ممّا ذكر فوقاً، وهي في 300 بيت تقريباً.

هذا، وقد أسقط المقدّمة المنثورة المصرّح فيها باسم الناظم لهذه المنظومة، وأنّه نظمه في قبال «نان وحلوا» للبهائي، وأسقط منها بعض الأشعار، ثمّ نسبت إلى البهائي مندرجاً في كلّيّاته، وطبع ناقصاً منسوباً إلى البهائي أيضاً. (1)

وأوّله على ما في نسخة مكتبة جامعة طهران ومكتبة دائرة المعارف:

اين خورده ريزه ايست كه در بعضى از اسفار بدست آمد و چون طباع را بعد از استماع نان و حلواى حضرت شيخ (قدس سره) رغبت به شنيدن آن مى‏شود، مسمّى گرديد به نان وپنير.

ومخاطب كسانى‏اند از معتقدين حكمت ومنكرين آن‏كه ورقى چند از كتب فلاسفه گردانيدند، آن را احاطه و تنقيح ناميدند و بر حقيقت يا بطلان آن حكم كرده به نظم درآورد. العبد محمّد رفيع بن محمّد الجيلانى:

اى كه روز و شب زنى از علم لاف‏* * * هيچ بر جهلت نيارى اعتراف.

ولقد أكثر المصنّف (رحمه اللّه) النقل عنه في شرح هذا، أو أرجع إليه وصرّح بأنّه لنفسه؛ منها في (ج 1، ص 141) هكذا:

وقد بسطنا الكلام في شرح هذا الخبر في المثنويّ الذي سمّيته ب «نان وپنير» محتذياً بالمثنويّ الذي للشيخ الأعظم بهاء الملّة والدين العاملي- (قدّس اللَّه روحه)- المسمّى ب «نان و حلوا»، وإذ كان مشتملًا على أسئلة وأجوبة لطيفة في سبك حسن، أحببت إيراده هاهنا ....

____________

(1). الذريعة، ج 24، ص 28- 30، الرقم 141.

17

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

18

قال العلّامة الطهراني:

طبع بمصر في آخر «پند أهل دانش وهوش به زبان گربه وموش» منسوباً إلى البهائي.

والواقع أنّ هذا لعبيد الزاكاني و «نان وپنير» لميرزا رفيع بن مؤمن الجيلاني. وقد أسقط منه المقدّمة المصرّح فيها باسم الجيلاني وعدّة أبيات يظهر منها أنّه لغير البهائي، ثمّ أدرج في كلّيات الشيخ البهائي وطبع مستقلًاّ أيضا باسم البهائي. (1)

أقول: طبع باسم «مقالات شيخ» باستامبول في سنة 1282 ق، واخرى بطهران وبهذا الاسم في سنة 1332 ق، وطبع في كشكول الشيخ البهائي طبع حاج نجم الدولة في سنة 1287- 1296 ق، وطبع أيضاً في كلّيات اشعار وآثار شيخ بهائى مع مقدّمة سعيد نفيسى.

نسخها:

1. مكتبة جامعة طهران، برقم 2/ 1941، نسخ قرن 11. (الفهرس للمكتبة، ج 8، ص 559).

2. مكتبة دائرة المعارف، برقم 12/ 182 (66885) نسخ 1273 ق (الفهرس للمكتبة، ج 1، ص 257).

3. مكتبة سپهسالار، برقم 3/ 7207 (الفهرس للمكتبة، ج 5، ص 702).

7. مثنويّ؛ نظمه بتبع المثنويّ «شير وشكر» للشيخ البهائي (رحمه اللّه).

قال في فهرس مكتبة دائرة المعارف بعد ذكر «نان وپنير» هكذا:

سپس مثنويّى است با سربندهاى مناجات، با ديباچه‏اى به نثر، از همين ميرزا رفيعا، كه در آن آمده است: «اين را در تبع «شير وشكر» شيخ بهايى ساختم». (2)

8. منظومة شرح الثار في ذكر أحوال المختار.

وهي بالفارسيّة، نظمها في شرح أحوال المختار الثقفي، وأورد منها أبيات في كتابه شواهد الإسلام. (3)

____________

(1). الذريعة، ج 24، ص 30.

(2). انظر: الفهرس للمكتبة، ج 1، ص 257، (230 پ- 233 ر).

(3). انظر: فهرستگان نسخه‏هاى خطّى، ج 4، 478، الرقم 1981.

19

الذريعة إلى حافظ الشريعة (الكتاب الذي بين يديك)

سمّى المؤلف هذا الأثر بهذا العنوان في بداية شرحه هذا حيث قال:

وإذ لم أجد في ضميري- واللَّه أعلم بي منّي- داعياً إلى‏ هذا الجمع والتأليف سوى‏ نشر علوم آل محمّد (عليهم السلام) تقرّباً إلى اللَّه وحبّاً لرسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، أرجو أن يتشرّف بنظر الإمام المنتظر وليّ الأمر وصاحب العصر، عليه وعلى آبائه الكرام من الصلوات أفضلها، ومن التحيّات أكملها؛ ولذلك سمّيته ب «الذريعة إلى حافظ الشريعة»، ....

كما ذكرنا سابقاً عند ذكر آثار المولّف أنّه (قدس سره) في بداية الأمر كتب تعليقات وتوضيحات على نسخة من نسخ الكافي، وبعدها قام بجمع تلك التعليقات والايضاحات وأضاف إليها مطالب متعدّدة حتى أصبحت كتاباً مستقلًاّ.

وبمراجعة سريعة لهذا الكتاب يمكن استفادة عدّة نكات تجلب النظر، وهي كالتالي:

1. لم يكتف المؤلّف في خصوص أحاديث الكافي بالاعتماد على نسخة واحدة من نسخ الكافي بل اعتمد عدّة نسخ، وأشار إلى الاختلاف الموجودة بينها حتّى نراه أحياناً يصرّح بخصوصيات نسخ الكافي التي اعتمدها، فمثلًا: نراه عند شرحه للرواية الاولى من (باب في شأن إنّا أنزلناه في ليلة القدر وتفسيرها) وبعد نقله بعض الاختلافات (ج 1، ص 545)، يقول:

ورأيت نسخة عتيقة من الكافي كان فيها خطّ شيخنا البهائي وخطّ مولانا محمّد تقيّ بن المجلسي وخطّ مولانا عبد اللَّه التستري- (قدّس اللَّه أرواحهم)- لم يكن فيها لفظتا «قال» و «أي» والنسخة عند الأخ في اللَّه محمّد عليّ بن التوشمال باشي.

2. في شرحه لأحاديث الكافي استند على الأحاديث المشابهة لها والواردة في مواضع مختلفة من الكافي نفسه، وأحياناً وفي بعض الموارد نراه يشير إلى احتمال التصحيف في الكلمة مع ذكر الوجه الصحيح لها، فمثلًا: في (باب النوادر) في الحديث السابع عند شرحه لجملة: «والجهّال يحزنهم حفظ الرواية» (ج 1، ص 230)، يقول:

20

لعلّ الصحيح «يعجبهم» بدل «يحزنهم». روى المصنّف (قدس سره) في كتاب الروضة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال في رسالته التي كتبها إلى سعد الخير: «وكلّ امّة قد رفَع اللَّه عنهم علمَ الكتاب حين نبذوه، وولّاهم [عدوَّهم‏] حين تولّوه، وكان مِنْ نَبْذِهم الكتابَ أن حرّفوه وحرّفوا حدوده، فهم يَروونَه ولا يَرْعَوْنَه، والجهّالُ يُعجِبُهم حفظُهُم للرواية، والعلماء يحزنهم تَرْكُهم للرعاية».

3. لقد سعى في تصحيحه وشرحه لأحاديث الكافي أن يقيس بينها وبين الأحاديث المشابهة لها الواردة في سائر المصادر الروائية الاخرى، ويذكر موارد الاختلاف فيما بينها، وكان يرى أنّ من أكبر وظائف علماء عصره تصحيح الأخبار والروايات وتخليصها من شوائب الموضوعات والمجعولات وغيرها، فمثلًا: في (ج 1، ص 307) وبعد مقايسته بين الحديث السادس من (باب إطلاق القول بأنّه شي‏ء) مع ما في التوحيد للصدوق والاحتجاج للطبرسي، وإشارته إلى اختلاف ألفاظ هذين المصدرين مع ما في الكافي، قال:

ومن قاس ما في النسختين بما في الكافي أيقن أنّ أهمّ الشغل لأهل الدِّين في هذا الزمان مرمّة الأخبار بتصفّح الكتب، والتوفيق من اللَّه.

4. نراه في بعض الموارد وعند نقله لبعض الروايات الواردة في المصادر الروائية الاخرى، يقوم بشرح وتفصيل تلك الروايات، ويبتعد عن شرح أحاديث الكافي، فمثلًا: في «شرح خطبة أبي الحسن الرضا (عليه السلام) في كتاب عيون الأخبار» يشرح هذا الحديث حتى يتّسع شرحه ويأخذ ما يقارب (60) صفحة من الكتاب، وكان في شرحه لذلك يعتمد كثيراً مّا على بيانات العلّامة المجلسي في بحار الأنوار.

5. كان (قدس سره) يعترض على التركيز والتدقيقات في بعض الفروع التي تكون فائدتها الفقهية قليلة أو نادرة، ويشتكي من غفلة الطلّاب عن التعمّق في المسائل الاعتقادية، ويكتب في (ج 1، ص 241) هكذا:

فإنّي أرى‏ كثيراً منهم يصرفون جميع الأوقات في الفرعيّات، ويتعمّقون فيما لا يكاد يحتاج إليه أحد طولَ عمره، مثل الأقارير والوصايا المبهمة والحيل في البيوع وأمثال هذه، ويتسمّون بالفقيه والمجتهد على الإطلاق، والنائب العامّ، والحاكم بالاستحقاق،

21

فإذا سُئلوا عن الواجبات العقليّة من مسائل التوحيد والعدل والنبوّة والإمامة لم يرتقوا عن درجة العوامّ، وجعلوا النهي عن البحث والتفتيش جُنّةً عن سهام الإلزام، ولم يعلموا أنّ الزمان زمان فترة، وأهمّ الامور فيه تحصيل اليقين باصول الدِّين، والعمل بما عُلم ليُفيض اللَّه تعالى علم ما لم يُعلم ....

6. إنّه بالرغم من مخالفته الشديدة للفلاسفة والعرفاء والصوفية إلّاأنّه كان يستفيد من أشعار المولوي والثنائي والعطار وبصورة واسعة وكان له علاقة شديدة بشعر اولئك الشعراء، وكتب في (ج 1، ص 136- 137) في جواب هذه الشبهة قائلًا:

فإن قلت: إنّك وصفت الصوفيّة بما وصفت، وأنت أوردت في هذا الكتاب أشعاراً من السنائي والعطّار والمشهور بمولانا الرومي وهم صوفيّة أهل السنّة؟!

قلت: ما أوردت منهم كلُّها حِكمٌ ومعارفُ، وما يتضمّن محبّة اللَّه والشوق إلى لقائه والرِّضا والتسليم والتقديس والتحميد على‏ وجه يطابق مخزونات أحاديث المعصومين (عليهم السلام) طباقاً يحصل الظنّ القويّ بأنّهم صرفوا مُدَدَ أعمارهم في التدبّر فيها، وكذا معارفُ غامضة لم تكن موافقة لعقائد أهل السنّة، لا أشعريّهم ولا معتزليّهم، مثل نفي الجبر والتفويض وإثبات الأمر بين الأمرين، قال في المثنوي (نظم):

شبهه جبر از قدر رسواترست‏* * * زانكه جبرى حسّ خودرا منكرست‏

وستسمع من هذه الأبواب في الموضع المناسب لها، وسمعت مشايخي- (رضوان اللَّه عليهم)- مثل العالم العامل الزاهد الذي سبق ذكره، والمحقّق المدقّق مولانا محمّد باقر الخراساني، والعارف المحقّق الربّاني مولانا محمّد محسن القاساني، يذكرونهم على‏ وجه التوقير والتعظيم ويقولون: إنّهم كانوا شيعة، ولكن مبتلين بالتقيّة من علماء العصر وسلاطينهم؛ وذلك من أبين الأشياء لمن يتدبّر ما مدحوا به الخلفاء.

لكنّه بعد عدّة صفحات خطّأ نظرية وحدة الوجود التي ذكروها ويرى أنّها مجرّد هذيانات، ويقول: إذا أردنا أن نذكر شيئاً عن هؤلاء فليس هو إلّاالأشعار الحقّه التي ذكروها والتي تكون مطابقة لرواية الأئمّة (عليهم السلام).

وهكذا في (ج 2، ص 382- 395) نراه يتعرّض إلى هذه المسألة مرّة اخرى وبصورة

22

واسعة، وكان يستدلّ بأشعار هؤلاء الشعراء لإثبات تشيّعهم، ويوجّه أشعارهم التي مدحوا بها الخلفاء، ويرى أنّها صدرت تقيّة.

7. إنّه في أحد الموارد وبعد نقله عبارة من كتاب كشف الغمّة أشار إلى حواشي الشيخ محمّد على كشف الغمّة ونقل مطلباً منها، والظاهر أنّه أراد من الشيخ محمّد هو:

محمّد بن حسن بن زين الدين (م 1030 ق) صاحب استقصاء الاعتبار في شرح الاستبصار.

فقد كتب في (ج 1، ص 600) في باب الإشارة والنصّ على أبي الحسن موسى (عليه السلام)، ح 14 في شرح كلمة «ابن النوبيّة» ما نصّه:

وفي كشف الغمّة: «ابن خيرة الإماء ابن النّوبية، من ولده الطريد الشريد». فعلى هذا المراد بابن خيرة الإماء ابن النوبيّة محمّد الجواد (عليه السلام)، والمراد بالطريد صاحب الزمان (عليه السلام). كذا في حواشي الشيخ محمّد طاب ثراه.

8. لقد استفاد من الأشعار الفارسيّة والعربيّة بصورة واسعة، وكان أحياناً عند شرحه للأخبار يعرّج في موارد متعددة إلى المسائل الأخلاقيّة والعرفانيّة والاعتقاديّة ويذكر بعض المحاذير المهمّة، وأحياناً يشير إلى مسائل ومشكلات عصره الفكريّة، كما وأنّه استفاد في بعض الموارد من بعض العبارات الفارسيّة في تبيين وشرح بعض المفاهيم. وكان يصرّح باستفادته من بعض الكتب الاخرى، وكانا حرّاً في استفادته واعتماده على الكلمات والاشعار الحكمية التي ذكرها الآخرون وإن كانوا يختلفون معه في الناصية الفكرية اختلافاً شديداً، فكان لكلّ هذه الامور مجتمعة أثر كبير في إعطاء هذا الكتاب جذّابيّة خاصة تكسب قلوب الوالهين للاطّلاع على خفايا الامور وظواهرها.

النسخة المعتمدة:

لم نعثر لهذا الكتاب لحدّ الآن إلّاعلى نسخة خطّيّة واحدة، وهي في مجموعة النسخ الخطّيّة لمكتبة محدّث الارموي محفوظة في مركز إحياء التراث‏

23

الإسلامي، برقم 2094.

وهي نسخة جيّدة مصحّحة، نسخت في عصر المؤلّف، ويُرى فيها حواشٍ بعنوان «منه مدّ ظلّه العالي». وفيها بلاغان بخطّين مختلفين. وفي حواشي بعض الصفحات إضافات كثيرة كلّها استدراك من حواشي المؤلّف على الكافي. وتقع في (415) صفحة في كلّ صفحة (26) سطراً.

فاعتمدنا في عملنا على هذه النسخة الوحيدة، وقمنا بتخريج الآيات والأحاديث والأقوال، ووضع العلائم والحركات ونحوها، كما وقابلنا ما نقله عن الكافي مع الكافي المطبوع بتحقيق الغفاري (رحمه اللّه)، وذكرنا اختلافاتهما في الهامش، كما قابلنا بعضه مع الكافي المطبوع أخيراً بتحقيق مركز بحوث دار الحديث، وجعلنا أمام كلّ فقرة من أحاديث الكافي عددين بهذه الكيفيّة: [ح 16/ 2908]، يشير العدد الأوّل رقم الحديث في الكافي المطبوع بتحقيق المرحوم الغفاري، في حين يشير الرقم الثاني إلى تسلسل الحديث في الكافي الذي طبع بتحقيق مركز بحوث دار الحديث.

كلمة شكر وثناء:

وفي الختام نرى من الواجب علينا أن نقدّم جزيل الشكر والثناء إلى جميع الإخوة الذين أعانونا في تحقيق هذا الأثر القيّم، وفي مقدّمتهم فضيلة الاستاذ آية اللَّه الشيخ نعمة اللَّه الجليلي (رحمه اللّه) لقيامه بهمّة مراجعة الكتاب، وكذلك الأخ الفاضل حميد الأحمدي لمساعدته في بعض مراحل العمل، وكذا سماحة الأخ المحقّق الشيخ علي الحميداوي لمساعدة في تعريب مقدّمة التحقيق وكذا الأخوة مجيد أميري رستكي لمساعدة في نضد الحروف، ومحمّدكريم صالحي لبذل جهوده في الإخراج الفني للكتاب.

كما أنّ الواجب يدعونا إلى تقديم جزيل الشكر إلى المحقّق الفاضل الشيخ مهدي‏

24

المهريزي مسؤول مركز بحوث دار الحديث وسماحة حجة الاسلام والمسلمين السيّد أحمد الحسيني الاشكورى مسؤول مركز إحياء التراث الإسلامي، نسأل اللَّه تعالى أن يكتب لهم الأجر وأن يتقبّله بأحسن القبول.

محمد حسين الدرايتي‏

8 ربيع الثاني 1430 ق‏

15 فروردين 1388 ش.

25

صفحات تصاوير

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

الذريعة إلى حافظ الشريعة

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

[شرح خطبة الكافي‏]

بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

الحمدُ للَّه‏الخفيّ الكافي، العالم بالجليّ والخافي، والصلاة على النبيّ الصفيّ الصافي، والوليّ الوصيّ الوافي، وآلهما المشهود بفضلهم وعظيم منزلتهم من اللَّه ورسوله على‏ رغم الجاحد النافي.

وبعد، يقول العبد الأقلّ «محمّد رفيع بن مؤمن الجيلاني» غفر اللَّه ذنوبهما وستر عيوبهما: إنّ الكافي- وهو من أعظم اصول الإسلام- لعمري كتابٌ ساطعٌ تبيانه، قاطعٌ برهانه، ناطقٌ ببيّناتٍ وحجج، منتظمٌ متناسق غير ذي عوج، كنز ذخائره من هدايا جبرئيل، بحر جواهره من معادن التنزيل، ولقد تصدّى لشرحه فحول العلماء والأعيان، واستخرجوا من لآليه ما صار لذوي الأسماع حِليةَ الآذان.

ومن ذخوره وغزارته أنّك إذا نظرت إلى شرح أحدهم، قلت إنّه استوفى البيان، وأخرج جميع مكنوناته إلى المشاهدة والعيان؛ ثمّ إذا نظرت إلى‏ شرحٍ آخَرَ، ظفرتَ بحقائقَ ودقائق استُنبطت منه لم تكن لك في الحسبان: «كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَ أُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً» (1).

وقد وقع في خَلَدي يوماً أنّ هذه الشروحَ لكثرتها وإن كانت داعيةً إلى الاكتفاء بها، إلّا أنّك إن حملت وَكْدَك وَكَدّك على الغور والتأمّل في هذا الأصل الأصيل، عسى أن تطّلع على‏ خفايا بقيتْ بعدُ في زوايا؛ فجمعتُ هذه الأوراق رجاءَ أن أنتظم في سلك‏

____________

(1). البقرة (2): 25.

38

الشارحين، ويكونَ لسان صدقٍ لي في الآخرين، فجاء بحمد اللَّه تعالى‏ ذا فوائدَ كثيرةٍ:

منها: تصحيح متون الأخبار بالرجوع إلى كتب القدماء، والتقييد بأنّ هذا الخبر في ذلك الكتاب كذا وكذا، وهذا لعمري فائدة جليلة؛ لما بها من الاستغناء عن ارتكاب التكلّفات البعيدة في حلّ إشكال بعض الأخبار الذي تطرّق إليه من جهة بعض الرواة أو الكتّاب تصحيفٌ أو إسقاط، كما ستقف عليه إن شاء اللَّه تعالى‏.

وسمعتُ من بعض تلامذة السيّد النجيب الأقدم الأفضل ميرزا رفيعا أنّه- (قدّس اللَّه روحه)- كتب في حلّ خبر هشام الآتي حاشيةً طويلة، ثمّ وجده في كتاب التوحيد وعيون الأخبار بزيادةِ عدّةِ كلماتٍ استغنى الخبر بها عن الحلّ والبيان، فمحا ما كتب، واقتصر على الإشارة إلى‏ ما سقط.

ومن فوائده أيضاً رفع إجمال كثير من الأحاديث وإشكالاتها بأحاديثَ اخرى‏؛ وبالجملة: شرح الحديث بالحديث بقدر الإمكان.

ومنها: اشتماله على نخبة إفادات الشارحين وما في كتب العلماء الأعلام من المؤيّدات والمناسبات.

ومنها: بيان اللغات الغريبة مع إسناد كلٍّ إلى مأخذه، وعدم الاكتفاء في الاستكشاف بالقاموس كما يفعله مَنْ ظنَّ أنّه مغنٍ عن سائر كتب اللغة؛ وذلك لأنّه وإن فاق غيره باجتماع لغات كثيرة فيه إلّاأنّ به إجمالاتٍ وإيجازاتٍ فُصّلت في الكتب المدوّنة قبله، كأساس الزمخشري وفائقه، ونهاية ابن الأثير وجامعه، ومغرب المطرزي ومعربه، بل صحاح الجوهري. وفي الاكتفاء يعرض زلّات كثيرة، كما لايخفى‏ على المتدرِّب البصير، والناقد الخبير، وقد يسّر اللَّه- وله الحمد- جمْعَ جميع الكتب المشهورة التي في اللغات، وتبيّن لي بكثرة المراجعات عدمُ إغناء بعض منها عن بعض حتّى القاموس عن الصِّحاح.

ومن فوائد هذا الشرح: اشتماله على‏ معانٍ لطيفة دقيقة غامضة كُشف عن وجهها النِّقاب بأيدي الاصول العقليّة اليقينيّة، المشهود لها بالشواهد النقليّة الموثوق بها، إلى‏ غير ذلك من الفوائد.

39

وإذ لم أجد في ضميري- واللَّه أعلم بي منّي- داعياً إلى‏ هذا الجمع والتأليف سوى‏ نشر علوم آل محمّد (عليهم السلام) تقرّباً إلى اللَّه وحبّاً لرسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، أرجو أن يتشرّف بنظر الإمام المنتظر وليّ الأمر وصاحب العصر، عليه وعلى آبائه الكرام من الصلوات أفضلها، ومن التحيّات أكملها؛ ولذلك سمّيته ب «الذريعة إلى حافظ الشريعة»، وقبل أن أبتدأ بالمرام أختتم الكلام بدعاءٍ دعوتُ به في بعض مراثيهم (عليهم السلام):

إلهي أنا الجيلي عبدُك مذعنا* * * بما كان منّي من ذميم فِعالي‏

ولكنّني راثي الحسين وناشرٌ* * * مدائحَ ساداتي بلحن مقالي‏

محبّة أولاد الرسول تعرّقت‏* * * ببالي فلا بالموت بعدُ ابالي‏

ولم أتّخذ دون الوصيّ وليجة* * * وهذا عطاءٌ منك قبل سؤالي‏

وأنت عليمٌ من ضميري بأنّني‏* * * بغيضٌ لأعداء الوصيّ وقالي‏

فلا تُبعدَنّي عنه حيّاً وميّتاً* * * وعمّم بهذا الفضل كلّ مُوالي‏ (1)

ثمّ اعلم أنّي وجدت عبارات الخطبة أكثرها مقتبسة من الخطب والروايات المودَعة في هذا الكتاب بلا تفاوت، فرأيت أن أقتصر هاهنا على الإشارة إلى‏ مآخذها، وأشرح كلّ مقتبسٍ عند شرح المقتبس منه، فأقول:

قال المصنّف:- طيّب اللَّه ثراه، وجعل الجنّة مثواه-:

بسم اللَّه الرحمن الرحيم، الحمدُ للَّهِ المحمودِ لنعمته، المعبودِ لقدرته، المُطاعِ في سلطانه، المرهوبِ لجلاله، المرغوبِ إليه فيما عنده، النافذِ أمرُه في جميع خَلْقِه.

يحتمل أن يكون الحمد هنا مصدراً كما هو أصله، والرفع للتوأم والثبات.

قال البيضاوي- وهو ممّن له قدم في الفنون الأدبيّة-:

هو من المصادر التي تُنصَب بأفعال مضمرة لاتكاد تُستعمل معها. والتعريف فيها للجنس، ومعناه الإشارة إلى‏ ما يعرفه كلّ أحد أنّ الحمد ما هو؛ أو هو للاستغراق، إذ الحمد في الحقيقة كلّه له‏ (2). انتهى.

____________

(1). نقل العلّامة المجلسي (رحمه اللّه) في البحار أربع مراثي مبكية عن المصنّف، وهذه الأبيات قد جاءت في انتهاء المرثية الثالثة منها. بحار الأنوار، ج 45، ص 266- 274.

(2). أنوار التنزيل، ج 1، ص 46.

40

ويُحتمل أن يُراد بالحمد ما يُحمد به، وهي الأسماء الحسنى‏. وكيف كان ينبغي أن يعمّم مورد الحمد بأن يكون باللِّسان المقالي أو الحالي ليشمل حمدَ كافّة الأشياء، كما عمّم في قوله عزَّ من قائل: «وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ» (1)، فالمعنى أنّ فعل الحمد من كلّ أحد- أي عدّ المحاسن الذاتيّة والفعليّة العائدة عائدتها إلى الحامد، وغير الحامد، أو ما يُحمد به كلّها من حيث الاستحقاق الذاتي- مختصٌّ باللَّه، على أنّ اللام للاختصاص، ولا ريب فيه؛ لأنّ المحاسن الذاتيّة من الحُسن والبهاء والعظمة والكبرياء، والفعليّة من الجود والإعطاء والإفضال بصنوف الآلاء والنعماء على الحقيقة وأوّلًا وبالذات له تعالى‏، وما لغيره فإنّما هو ظلال وعكوس وعلى‏ سبيل المجاز؛ كما يكشف عن ذلك الحصر الذي في كلام المعصومين العارفين باللَّه الهادين إليه (صلوات اللَّه عليهم أجمعين)، حيث قالوا في تحميداتهم وتمجيداتهم: «لك الأسماء الحسنى‏ والكبرياء والآلاء» (2).

هذا هو الكلام في المحمود به، وسيجي‏ء الكلام في المحمود عليه.

وأمّا الجلالة، فقد اختُلف فيها؛ فقيل: إنّها عَلَم. وقيل: بل مشتقّة. وقد بُسط الكلام من الطرفين في حواشي السيِّد الشريف والتفتازاني على الكشّاف‏ (3).

وقال البيضاوي:

الحقّ أنّه وصف في أصله، لكنّه غلب عليه تعالى‏ بحيث لا يستعمل في غيره، فصار كالعَلَم، مثل الثريّا والصعق، أجرى مجراه في إجراء الأوصاف عليه وامتناع الوصف به، وعدم تطرّق احتمال الشركة إليه؛ لأنّ ذاته من حيث هو بلا اعتبار أمر آخَرَ- حقيقي أو غير حقيقي- غيرُ معقول للبشر، فلا يمكن أن يُدلّ عليه بلفظ (4). إلى آخر ما قال.

____________

(1). الإسراء (17): 44.

(2). الكافي، ج 4، ص 160، باب الدعاء في العشر الأواخر من شهر رمضان، ح 2؛ الفقيه، ج 2، ص 161، ح 2032؛ تهذيب الأحكام، ج 3، ص 01، ح 263؛ مصباح المتهجّد، ص 614، 628 و ...؛ جمال الأسبوع، ص 79؛ المصباح للكفعمي، ص 636؛ البلد الأمين، ص 225.

(3). الحاشية على الكشّاف للسيّد الشريف، ص 35- 40.

(4). أنوار التنزيل، ج 1، ص 34 و 35.

41

وهذا هو الحقّ عندي، وستقف في باب المعبود على‏ ما يشهد به.

وقال شيخنا البهائي (قدس سره) في حواشيه:

هذا الوجه مبنيّ على‏ ما هو الظاهر من تعريف العَلَم بما وضع للذات مع جميع المشخّصات، واعترض عليه بعض الأعلام بأنّه إنّما يدلّ على‏ عدم تمكّن البشر من وضع العَلَم له تعالى؛ لعدم اطّلاعهم على‏ جميع مشخّصاته، فيجوز أن يضع هو لذاته علماً. نعم، نحن معاشر الممكنات لا يمكننا ذلك، وليس النزاع فيه.

أقول في الجواب: إنّ غرض المؤلّف هو أنّ وضع العَلَم لخصوصيّة الذات لايليق بالحكمة؛ لجريانه مجرى العبث؛ لأنّ الدلالة على‏ تلك الذات بالعَلَم بحيث يفهم منه المعنى العَلَمي غير ممكنة؛ لكونها غير معقولة للبشر، والغرض من وضع العلم التفهيم والتفاهم والدلالة على المسمّى ليخطر بشخصه ببال السامع عند إطلاق اللفظ الموضوع له، وعلمه تعالى‏ بخصوصيّة ذاته معلوم، ولكن نحن معاشر الممكنات من المادّيات والمجرّدات لا يخطر ببالنا عند سماع العَلَم نفس الموضوع له قطعاً؛ لتقدّسه عن التلوّث بالحضور بعينه لأذهاننا، فلايمكن دلالتنا على المعنى العَلَمي، بل لا يمكننا تعقّل الذات المقدّسة إلّابصفات وسلوب وإضافات يمكننا فهم معانيها، فلا يكون اللَّه عَلَماً، وفي قوله: «فلا يمكن أن يدلّ عليه بلفظٍ» إيماءٌ إلى‏ ما قلنا.

هذا، والحقّ أنّه يكفي في وضع العَلَم لذاتٍ تعقّلها بوجه يمتاز به عمّن عداها، ولايشترط علم الواضع بجميع المشخّصات وملاحظتها عند الوضع. (1) انتهى.

أقول في مقام الانتصار له: لو تصوّرنا مفهوماً بوجه أنّه لا يُشترك في ماهيّته بوجه- كما هو الواقع في الواجب تعالى‏- فهذا المتصوّر ممتاز عن جميع المتصوّرات، وبعد أن يُثبت البرهانُ وجودَه يحصل العلم بشخصٍ غير منتشر، أمّا الشخصيّة فمن جهة الوجود، وأمّا عدم الانتشار فمن جهة المفهوم، وذلك واضح؛ فإذا وضعنا للشخص لفظاً، كان عَلَماً له لا محالة، مع أنّا لم نعلم مشخّصاتٍ.

ولو قيل: لايخطر بالبال عند سماع ذلك الاسم بَحْتُ الذات الشخصيّة بخلافه عند

____________

(1). حواشي الشيخ البهائي على تفسير البيضاوي مخطوط، وسيطبع مع سائر آثاره التفسيريّة في مجلّد مستقلّ إن شاء اللَّه تعالى.

42

سماع زيد، بل ذاتٌ مّا تكون صفته أن لا يُشترك في ماهيّته، فإن عمّم العَلَم بحيث يتناول هذا أيضاً، فذاك اصطلاح جديد، ولا مشاحَّةَ في الاصطلاح.

قلت: إن اريد بالذات الشخصيّة الذاتُ المأخوذ معها مشخّصُها- الذي لها في نفس الأمر وبه هي متعيّنة ولو كان عين الذات- فمسلّم أنّها لاتخطر بالبال على ذلك الفرض، لكن لا نسلّم وجوب أخذ ذلك المتشخّص في العَلَم، بل الذي يجب- كما يُكشف عند الفحص عن حال الأعلام- أن يتوهّم الواضع ما يريد أن يضع له لفظاً على‏ وجه جزئي ممتاز عنده عمّا عداه؛ إمّا من جهة مشاهدة شخصه، أو من جهة اعتبار أوصاف له حقيقيّةٍ وإضافيّةٍ انحصرت فيه ولو كان باعتقاده، مثلًا تواتَرَ عندنا أنّ ملك الهند في هذا العصر المدعوّ «أورنك زيب» وهو ابن الملك المشهور بحزم، فبذلك حصل في وهمنا شخص ممتاز عمّا عداه، ومعلوم أنّ له في نفس الأمر مشخّصاً به صار شخصاً في حدّ ذاته، ونحن لا نعرفه، فلو وضعنا له لفظاً وأخبرنا أصحابنا أنّ الموضوع له ما هو صاحب الوصف المذكور، ينتقل ذهنهم إليه بخصوصه عند إطلاقنا اللفظ بلا ريب، وهذه هي خاصّيّة العَلَم، وكذا إذا خرجت من دارك ظهر يوم الجمعة وكانت امرأتك في وجع الطَّلْق، فأتاك ابنك محمّد بعد ساعة، وأخبرك أنّ امّي ولدت ذكراً في هذه الساعة مشقوق الشفة العليا، فسمّيته مشقوقاً بحضرة جمع من أقربائك، وحالَ القضاء بينك وبين رؤيته بعروض سفر بعيد، فإذا كتبت إليهم أنّ الضيعة التي لي في قرية كذا وهبتها لابني محمّد ومشقوق، فهل يفرّقون بين الاسمين؟ وهل يقولون إنّ أحدهما عَلَم، والآخر غير علم؟ وهل هذا إلّاباعتبار تشخّص المشقوق عندك حين التسمية من جهة الوصف، مع أنّك لم ترَ شخصه الذي به كان متعيّناً في حدّ ذاته.

فظهر أنّ التشخّص المعتبر في العَلَم التشخّص في نظر الواضع، بمعنى كون المسمّى حين الوضع بحيث يكون ممتازاً عن جميع ما عداه، إمّا بمشاهدة ذاته، أو العلم بأوصافه الحقيقيّة والإضافيّة التي بزعمه أنّها منحصرة فيه، وبقيام البرهان على‏ وجود مفهوم ذي صفة جعلته متميّزاً عن سائر الموجودات، ككونه مبدء كلّ شي‏ء، وهذا هو المعنيُ‏

43

بالتشخّص في نظر الواضع، وهو مناط العَلَميّة، لا التشخّص الذي للشي‏ء في حدّ ذاته.

ومن علم ما كان تشخّصاً في نظر الواضع- ولو كان وصفاً كلّياً منحصراً في الموضوع له بزعم الواضع- انتقل ذهنه إلى المقصود عند السماع قطعاً؛ ألا ترى أنّه لو كان جماعة من الشيعة في بلاد السنّة، وتواطؤوا على‏ وضع لفظ لمن تصدّى للخلافة عقيب رحلة النبيّ (صلى الله عليه و آله) تغلّباً ومكراً، ليتيسّر لهم ذكره جهراً بلا خوف من أهل البلد، وإفهام بعضهم بعضاً في مواضع الحاجة، يحصل لمن سمع منهم ذلك اللفظ الانتقال بلا شبهة انتقالَ من سمع لفظ «فلان» مع القرائن الرافعة للجهالة من جهة اشتراك الاسم بلا تفاوت، ومن هذا الباب لفظ «خدا» في الفارسيّة و «تارى» في التركيّة.

وليعلم أنّ الغرض جواز كون الجلالة عَلَماً، لا أنّه عَلَم ابتدائي البتّة، وليس من الأعلام المقاليّة التي هي في الأصل مشتقّات، وسيجي‏ء الكلام في ذلك في حديث هشام وقوله: «اللَّه ممّا هو مشتقّ».

هذا، وقال المحقّق الشريف عند تعريف الفاضل التفتازاني في المطوّل للعَلَم بأنّه ما وضع لشي‏ء مع جميع مشخّصاته: إنّه يخرج عن هذا التعريف الأعلامُ الجنسيّة، ولا يجاب بأنّها موضوعة للمهيّة مع جميع مشخّصاته الذهنيّة؛ لاستلزامه امتناع إطلاقها على الأفراد الخارجيّة، بل بأنّ عَلَميّتها تقديريّة لضرورة الأحكام، والمقصود تعريف الأعلام الحقيقيّة. (1)

قوله: (المحمودِ لنعمته).

المقصود أنّ اللَّه تعالى‏ مالك لصفة المحموديّة ومستحقٌّ لها، حَمِدَه العباد أوّلًا، وذلك لفشوّ نعمته في كلّ ذرّة من ذرّات العالم، إن لم يحمده لسان مقال بعضٍ كفراناً للنِّعمة أو فقداناً للآلة، فهم حامدون بلسان الحال في جميع الأحوال، وما أحسن ما قال (نظم):

بذكرش هر چه بينى در خروش است‏* * * دلى داند ازين معنى كه گوش است‏

____________

(1). المطوّل بحاشية الشريف، ص 71.

44

نه تنها بلبلش تسبيح خوانيست‏* * * كه هر خارى بتسبيحش زبانيست‏

«وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ» (1).

وليعلم أنّ الحمد الذي منّا معاشرَ الممكنات إنّما هو على‏ حسب طوقنا، وأمّا إنّه يليق بحضرته فكلّا، بل الحامد لنفسه على الوجه اللائق به هو نفسه، وجميع الموجودات محامده؛ لأنّها شرح حسنه وكماله، وهو المظهِر لها من كتم العدم، وليس فعل الحمد إلّاإظهار كمالات المحمود؛ سُبحانك لا احصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على‏ نفسك.

واختلفوا في المحمود عليه، فظاهر الكشّاف أنّه الجميل مطلقاً. (2) وقال السيّد الشريف في حواشيه: «أراد بالجميل الفعل الجميل» ثمّ قال: «وإذا خصّ بالأفعال الاختياريّة لزم أن لا يُحمد اللَّه تعالى‏ على‏ صفاته الذاتيّة كالعلم والقدرة والإرادة، سواءً جعلت عين ذاته أو زائدة عليها، بل على إنعاماته الصادرة عنه باختياره». (3)

أقول: ربّما يستدلّ على أنّ الصفات الذاتيّة غير داخلة في المحمود عليه بقول سيِّد الساجدين عليّ بن الحسين (عليهما السلام) حيث قال في دعاء الحمد:

«والحمدُ للَّه‏بكلّ ما حَمِدَه به أدنى‏ ملائكتِهِ إليه، وأكْرَمُ خَليقَتِهِ عليه، وأرضى‏ حامِديه لَدَيْه، حمداً يَفْضُلُ سائرَ الحَمْدِ كَفَضْلِ ربِّنا على‏ جميع خَلْقِه، ثمّ له الحمدُ مكانَ كُلِّ نعمةٍ له علينا وعلى‏ جميعِ عِبادِهِ الماضينَ والباقينَ، عَدَدَ ما أحاطَ به عِلْمُه من جميع الأشياء، ومكانَ كُلِّ واحدةٍ منها عَدَدُها أضعافاً مضاعفةً أبداً سرمداً إلى‏ يوم القيامة». (4)

وجه الاستدلال: أنّه (عليه السلام) اقتصر في ذكر المحمود عليه على‏ كلّ نعمةٍ له تعالى‏ علينا وعلى‏ جميع عباده الماضين والباقين، ولم يتعرّض لأسمائه الحسنى‏ وصفاته العليا، والحال أنّ المقام مقام الإغراق والاستغراق.

____________

(1). الإسراء (17): 44.

(2). الكشّاف، ج 1، ص 45.

(3). الحاشية على الكشّاف للشريف الجرجاني، ص 46.

(4). الصحيفة السجّاديّة، ص 28، الدعاء 1.

45

اللّهمَّ إلّاأن يُقال: إنّ الحمد على الصفات الذاتيّة مدرجٌ في قوله (عليه السلام): «بكلّ ما حمده به أدنى‏ ملائكته إليه ...» إلى آخره.

والغرض فيما بعدَ ثمّ استغراقُ النِّعم المحمود عليها- سواءً كانت واصلةً إلى الحامد أو غير الحامد- لا استغراق مطلق المحمود عليه.

وليعلم أنّ كلّ فعلٍ منه تعالى‏ محمودٌ عليه؛ لأنّ أصل الإيجاد الذي هو بحرٌ فراتٌ سائغٌ شرابه نعمةٌ جليلة، تشعّبت منها عامّة أنهار النِّعم والآلام وإن كانت في عداد الضرر، إلّاأنّها على المؤمن ممّا يرفع اللَّه به شأنه، أو يدفع به ما شانَه، كسقي الطبيب الشفيق الأدوية المرّة البَشِعَة (1) لحفظ الصحّة أو إزالة المرض؛ فهي إذَن نعمة.

وأمّا آلآم الكفّار فهي تفريح للمؤمن وشفاء لغيظه؛ ولذا قال قدوة العارفين أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة من خطب نهج البلاغة: «نَحْمَدُه على‏ ما أخَذَ وأعطى‏، وعلى‏ ما أبْلى‏ وابْتَلى‏» (2).

وفي خطبةٍ اخرى‏: «أحْمَدُ اللَّهَ على ما قَضى‏ من أمْرٍ، وقَدَّرَ من فِعْلٍ، وعلى ابتلائي بكم» (3).

وقال تعالى‏: «قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَ يُخْزِهِمْ وَ يَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَ يَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَ يُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ» (4).

وقد جرى‏ على لساني من بركات علومهم (عليهم السلام) ما في القصيدة اللاميّة التي قلت فيهم (شعر):

أتحسب الضُرّ ليست فيه منفعةٌ* * * حاشاه حاشاه ما هذا بمحتمل‏

هذا اجاجٌ ولكن عند ذي سقمٍ‏* * * من صحّ كان له أحلى‏ من العسل‏

صحّح مزاجك إن شئت التلذّذ من‏* * * طعم النوائب والأسقام والعلل‏

مزاج نفسك لا النفس التي اشتركت‏* * * فيها البهائم ذات النهق والصهل‏

____________

(1). البَشِع: الخشن من الطعام وكريه الطعم منه. لسان العرب، ج 8، ص 11 (بشع).

(2). نهج البلاغة، ص 190، الخطبة 132.

(3). نهج البلاغة، ص 258، الخطبة 180.

(4). التوبة (9): 14 و 15.

46

لو لم تكن لذّةٌ في النائبات لما* * * صبّت على أنبياء اللَّه والرُّسل‏

ولا على الأوصياء المصطفين ذوي‏* * * جلالة الشأن عند اللَّه ذي الجلل‏

انظر إلى‏ سيِّد الكونين وابنته‏* * * ثمّ الإمام أمير المؤمنين عليّ‏

ثمّ الإمام الزكيّ المجتبى‏ حسنٍ‏* * * سبط النبيّ النبيه السيّد النَبَل‏

ثمّ الحسين الإمام ابن الإمام أبي‏* * * الأئمّة التسعة الهادين للسُّبلِ‏

قد ابتلوا بصنوف الموجعات وهم‏* * * في عصمة اللَّه مُذ كانوا من الزلل‏

وبكلامهم (عليهم السلام) احتذى من قال، وما أحسن ما قال:

ناخوش او خوش بود بر (1) جان من‏* * * جان فداى يار تن‏

(2) رنجان من‏ (3)

عاشقم بر لطف و بر قهرش بجداى عجب،* * * من عاشقِ اين هر دو ضد (4)

قوله: (المعبودِ لقدرته).

تنقيح المقام بذكر ما قاله المفسِّرون في تفسير العبادة، ونقل قدر من الآيات التي استعملت العبادة وما اشتقّ منها فيها، وبيان أنّها لم تفسّر في كتب اللغة المتداولة، وبذلك يتّضح معنى‏ معبوديّته تعالى‏ لقدرته، فنقول:

في تفسير الكواشي‏ (5): «العبوديّة: التذلّل، والعبادة أبلغ منها؛ لأنّها غاية التذلّل، فلايستحقّها إلّامن هو في غاية الإفضال». ومثله في تفسير الراغب. (6)

وقال البيضاوي: «العبادة أقصى‏ غاية الخضوع والتذلّل، ومنه: طريقٌ معبّد، أي مذلّل.

وثوب ذو عبدة: إذا كان في غاية الصفاقة، ولذلك لا يستعمل إلّافي الخضوع للَّه‏تعالى‏». (7)

____________

(1). في المصدر: «در».

(2). في المصدر: «دل».

(3). مثنوى معنوى، ص 85، دفتر اوّل، ش 1778.

(4). مثنوى معنوى، ص 75، دفتر اوّل، ش 1571، مع اختلاف يسير.

(5). هو أبو العبّاس الكواشي أحمد بن يوسف بن الحسن بن رافع بن الحسين بن سويدان الشيباني الموصلي، المتوفّى سنة 680 ه. وله تفسيران: تفسير كبير سمّاه بتبصرة المتذكّر، وصغير سمّاه بالتلخيص (مخطوطان). انظر: كشف الظنون، ج 1، ص 457 و 480؛ هدية العارفين، ج 1، ص 98؛ الأعلام للزركلي، ج 1، ص 274.

(6). المفردات للراغب، ص 542 (عبد).

(7). أنوار التنزيل، ج 1، ص 66.

47

ومثله في الكشّاف، وزيد فيه: «لأنّه مُولى أعظم النِّعم، فكان حقيقاً بأقصى‏ غاية الخضوع». (1)

أقول: لا شكّ في أنّه تعالى‏ مُولى أعظم النِّعم، وأنّه حقيقٌ بأقصى‏ غاية الخضوع، ولكنّ الكلام في أنّه هل هو معنى العبادة ومناط تحقّقها، أم معناها أعمّ من ذلك؟ ولم يذكر أهل اللغة- الذين كتبهم متداولة- لها معنى، والشارع استعمل ما اشتقّ منها مرّة في تعظيم المشركين لأصنامهم وتقريب القربان لأجلها، ومرّة في اتّباع الهوى والشيطان، وعهِدَ سبحانه إلى العباد بوساطة السفراء والأنبياء أن لا يعبدوا الشيطان، وأمر بقصر العبادة له تعالى‏، ونهى‏ عن اتّخاذ معبود سواه، كقوله تعالى‏: «إِيَّاكَ نَعْبُدُ»، (2) وقوله تعالى‏: «أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَ لا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً» (3)، وقوله تعالى‏: «أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَ أَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ» (4)، وقوله تعالى‏:

«وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَ لا يَنْفَعُهُمْ وَ يَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ» (5)، وقوله تعالى‏ حكايةً عن عَبَدة الأوثان: «لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ» (6)، وقوله تعالى‏:

«أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ» (7) إلى‏ غير ذلك.

ومقتضى‏ كلام هؤلاء الأعلام أنّ أقصى‏ غاية الخضوع هو المناط في تحقّقها، وهو المختصّ باللَّه تعالى‏، وأنّ التوبيخات التي وردت على الإطاعة والاتّباع للشيطان والهوى إنّما هي إذا كان اتّباعاً على‏ ذلك الحدّ من الخضوع، ولو كان دون الأقصى‏

____________

(1). الكشّاف، ج 1، ص 62.

(2). الفاتحة (1): 5.

(3). آل عمران (3): 64.

(4). يس (36): 60- 61.

(5). يونس (10): 18.

(6). الزخرف (43): 20.

(7). الصافّات (37): 95.

48

فليس بعبادة وإن كان مذموماً على‏ بعض الوجوه.

وهذا المعنى ليس في كتب اللغة المتداولة، ولا هو منقولًا عن النبيّ (صلى الله عليه و آله) وأهل بيته المعصومين (عليهم السلام)، ولعلّ الدليل على‏ ذلك- كما يومي إليه كلامهم- حكم العقل باختصاص أقصى‏ غاية الخضوع باللَّه، وعدم جريان حكم الإشراك على إيقاع ما عداه من التذلّلات لغير اللَّه، بل عدم مذموميّة بعضها أصلًا، ويتوجّه عليهم أنّه لا يجوز أن تكون العبادة ذات أصناف يجمعها مطلق الخضوع، ولكلّ صنف حكماً خاصّاً إذا اوقع لغير اللَّه- مثل أنّه من خضع للغير أقصى‏ غاية الخضوع- وجب الاجتناب عنه رطباً، ومن تواضع غنيّاً لغناه ذهب ثلثا دينه‏ (1)، ومَنْ أصغى إلى ناطق يؤدّي عن الشيطان فقد عبد الشيطان‏ (2)، كما ورد في الحديث.

فإن قلت: إنّ إطلاق العبادة على‏ غير أقصى‏ غاية الخضوع مجاز.

قلت: وما يدريك لعلّ ذلك اللفظ من الألفاظ المشكّكة، والتشكيك لا يأبى‏ عن اختلاف الأحكام.

وكون صنف منها وهو أقصى‏ غاية الخضوع عبادةً، لا يقتضي عدم كون ما دون الأقصى‏ عبادةً، والتذلّل لغير اللَّه إن كان بأمر اللَّه وإذنه- كما يُفعل للحجر الأسود والأنبياء والأوصياء والعلماء والصلحاء- فهو تذلّل للَّه‏وعبادة له، وكذا التذلّل للجبابرة تقيّةً؛ وإن لم يكن بأمر اللَّه وإذنه، فهو عبادة مذمومة على‏ حسب التشديد في المنع الشرعي والعقلي، وقد ورد في الحديث: «أنّ من تواضع غنيّاً لغناه ذهب ثلثا دينه» (3).

والتذلّل والإطاعة لغير اللَّه بدون إذنه تعالى‏ يعبّر عنه عند العلماء اللبّ بالشرك الخفيّ.

وفي كتاب الحجّة في باب الردّ إلى الإمام عن أبي عبداللَّه (عليه السلام): «هيهات هيهات، فات قوم وماتوا قبل أن يهتدوا، وظنّوا أنّهم آمنوا، وأشركوا من حيث لا يعلمون». (4)

وفي كتاب الإيمان والكفر في باب حبّ الدنيا، في حكاية بلوغ عيسى‏ (عليه السلام) قريةً مات أهلها وسؤاله إيّاهم عن سبب هلاكهم أنّه أجابه منهم مُجيبٌ، وقال: «عبادة الطاغوت وحبّ الدُّنيا» وسيق الكلام إلى أن قال (عليه السلام): «وكيف كان عبادتكم للطاغوت؟ قال:

____________

(1). نهج البلاغة، ص 508، ضمن الحكمة 228؛ بحار الأنوار، ج 74، ص 170، ذيل ح 7.

(2). الكافي، ج 6، ص 434، باب الغناء، ح 24؛ عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 303، ح 63؛ وسائل الشيعة، ج 17، ص 317، ح 22654.

(3). تقدّم تخريجة قبيل هذا.

(4). الكافي، ج 1، ص 181، ضمن ح 6.

49

الطاعة لأهل المعاصي» الحديث. (1)

وعن أبي مسروق قال: سألني أبو عبداللَّه (عليه السلام) عن أهل البصرة، فقال لي: «ما هم؟» قلت: مرجئة وقدريّة وحروريّة، فقال: «لعن اللَّه تلك الملل الكافرة المشركة التي لاتعبد اللَّه على‏ شي‏ء» (2).

قال ابن الأثير في النهاية:

الإرجاء: التأخير، وهذا مهموز، ومنه حديث ذكر المرجئة [و] هم فرقة من فرق الإسلام يعتقدون أنّه لا يضرّ مع الإيمان معصية، كما لاينفع مع الكفر طاعة. (3)

أقول: سيجي‏ء في باب التقليد عن محمّد بن عبيدة قال: قال لي أبو الحسن (عليه السلام): «يا محمّد، أنتم أشدّ تقليداً أم المرجئة؟» قال: قلت: قَلَّدْنا وقَلَّدوا. إلى أن قال (عليه السلام): «إنّ المرجئة نصبَتْ رجلًا لم تَفْرِضْ طاعتَه وقلّدوه، وأنتم نصبتم رجلًا وفرضتم طاعته ثمّ لم تقلّدوه، فهم أشدّ منكم تقليداً». (4)

ويظهر من هذا الحديث أنّ المرجئة كانت تطلق أيضاً على أصحاب السقيفة ومن اقتفى أثرهم، فلعلّهم سمّوا بها لتأخيرهم أمير المؤمنين (عليه السلام).

وفي باب الشرك من كتاب الإيمان والكفر عن أبي بصير وإسحاق بن عمّار عن أبي عبداللَّه (عليه السلام) في قول اللَّه عزّوجلّ: «وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ» (5) قال: «يُطيع الشيطانَ من حيث لا يعلم، فيُشرك». (6)

وفيه عن أبي عبداللَّه (عليه السلام): «مَنْ أطاع رجلًا في معصيةٍ فقد عَبَدَه». (7)

وفيه عن أبي بصير قال: سألت أبا عبداللَّه (عليه السلام) عن قول اللَّه عزّوجلّ: «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ» (8) فقال: «أما واللَّه، ما دَعَوْهُم إلى عبادة أنفسهم، ولو

____________

(1). الكافي، ج 2، ص 318، ح 11.

(2). الكافي، ج 2، ص 387، باب الكفر، ح 13؛ و ص 409، باب في صنوف أهل الخلاف و ...، ح 2.

(3). النهاية، ج 2، ص 206 (رجا).

(4). الكافي، ج 1، ص 53، ح 2.

(5). يوسف (12): 106.

(6). الكافي، ج 2، ص 397، ح 3.

(7). المصدر، ص 398، ح 8.

(8). التوبة (9): 31.

50

دَعَوْهم إلى عبادة أنفسهم ما أجابوا، ولكن أحلّوا لهم حراماً، وحرّموا عليهم حلالًا، فَعَبَدُوهم من حيث لا يشعرون». (1)

فتلخّص من هذا المجموع أنّ التذلّل والخضوع والإطاعة التي هي تابعة لهما عبادةٌ، فإن كانت للَّه‏فهي عبادة اللَّه، وكذا إن كانت لغير اللَّه ولكن بأمر اللَّه وإذنه؛ إذ الخضوع والإطاعة من العبد لأحد بأمر السيّد وإذنه للسيّد أوّلًا وبالذات، وإلّا فهي عبادة لغير اللَّه وإشراك؛ إمّا شركاً جليّاً- وهو ما يفعله عبدة الأوثان وعبدة الكواكب وعبدة النيران، والقائلون بأنّ عزير ابن اللَّه، والقائلون بأنّ المسيح ابن اللَّه، وسائر فرق الكفر الظاهر- وإمّا شركاً خفيّاً كالخضوع والإطاعة لغير اللَّه إطاعةَ مخالفةٍ لحكم اللَّه، مجاوزةٍ لإذن اللَّه الشرعي والعقلي، وإن كانت على أصناف، واستحقّ صاحبها بكلّ صنف نوعاً من الذمّ والإهانة الدنيويّة أو الاخرويّة.

وما ينكر أن يجري الشارع على‏ كلّ صنف من أصناف نوعٍ حكماً خاصّاً وإن كان الكلّ مشتركاً في حكم عامّ، والعقل الصحيح أيضاً يحكم بأنّ العبادة بمعنى التذلّل والإطاعة لا ينبغي أن يكون إلّاللَّه؛ لأنّها إمّا لجلب النفع كما هو شأن الاجراء، أو لخوف الضرر كما هو شأن العبيد، أو للأهليّة الذاتيّة كما هو شأن الصدِّيقين، واللَّه تعالى‏ هو وليّ كلّ نعمة كما ورد في تلبية الحجّ: «إنّ الحمد والنِّعمة لك والمُلك، لا شريك لك». (2)

وفي بعض الأدعية الجليلة: «ما يكون من نعمة فمن اللَّه» (3) وهو المقتدر على‏ كلّ نقمة، كما قال تعالى‏: «وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ» (4)، فلا ضارّ ولا نافع إلّااللَّه كما ورد في الأدعية الجليلة، وقال عزّ من قائل تعليماً لنبيّه (صلى الله عليه و آله): «قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ

____________

(1). المصدر، ح 7.

(2). الكافي، ج 4، ص 249، باب حجّ النبيّ (صلى الله عليه و آله)، ح 7؛ و ص 335، باب التلبية، ح 3. وهو متواتر في المصادر الروائيّة.

(3). تفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه السلام)، ص 19؛ مصباح المتهجّد، ص 156؛ المصباح للكفعمي، ص 96.

(4). الأنعام (6): 18.