تنزيه الأنبياء عليهم السلام‏

- السيد المرتضى المزيد...
185 /
1

-

2

المقدمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ الحمد لله كما هو أهله و مستحقه و صلى الله على خيرته من خلقه على عباده محمد و آله الأبرار الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا سألت أحسن الله توفيقك إملاء كتاب في تنزيه الأنبياء و الأئمة ع- عن الذنوب و القبائح كلها ما سمي منها كبيرا أو صغيرا و الرد على من خالف في ذلك على اختلافهم و ضروب مذاهبهم و أنا أجيب إلى ما سألت على ضيق الوقت و تشعب الفكر و أبتدئ بذكر الخلاف في هذا الباب ثم بالدلالة على المذهب الصحيح من جملة ما أذكره من المذاهب ثم بتأويل ما تعلق به المخالف من الآيات و الأخبار التي اشتبه عليه وجهها و ظن أنها تقتضي وقوع كبيرة أو صغيرة من الأنبياء و الأئمة (ع) و من الله تعالى أستمد المعونة و التوفيق و إياه أسأل التأييد و التسديد اختلف الناس في الأنبياء (ع) فقالت الشيعة الإمامية لا يجوز عليهم شي‏ء من المعاصي و الذنوب كبيرا كان أو صغيرا لا قبل النبوة و لا بعدها و يقولون في الأئمة مثل ذلك و جوز أصحاب الحديث و الحشوية على الأنبياء الكبائر قبل‏

3

النبوة و منهم من جوزها في حال النبوة سوى الكذب فيما يتعلق بأداء الشريعة و منهم من جوزها كذلك في حال النبوة بشرط الاستسرار دون الإعلان و منهم من جوزها على الأحوال كلها و منعت المعتزلة من وقوع الكبائر و الصغائر المستخفة من الأنبياء (ع) قبل النبوة و في حالها و جوزت في الحالين وقوع ما لا يستخف من الصغائر ثم اختلفوا فمنهم من جوز على النبي (ص) الإقدام على المعصية الصغيرة على سبيل العمد و منهم من منع ذلك و قال إنهم لا يقدمون على الذنوب التي يعلمونها ذنوبا بل على سبيل التأويل و حكي عن النظام و جعفر بن مبشر و جماعة ممن تبعهما أن ذنوبهم لا تكون إلا على سبيل السهو و الغفلة و أنهم مؤاخذون بذلك و إن كان موضوعا عن أممهم بقوة معرفتهم و علو مرتبتهم و جوزوا كلهم و من قدمنا ذكره من الحشوية و أصحاب الحديث على الأئمة الكبائر و الصغائر إلا أنهم يقولون إن بوقوع الكبيرة من الإمام تفسد إمامته و يجب عزله و الاستبدال به و اعلم أن الخلاف بيننا و بين المعتزلة في تجويزهم الصغائر على الأنبياء (ص) يكاد يسقط عند التحقيق لأنهم إنما يجوزون من الذنوب ما لا يستقر له استحقاق عقاب و إنما يكون حظه تنقيص الثواب على اختلافهم أيضا في ذلك لأن أبا علي الجبائي يقول إن الصغير يسقط عقابه بغير موازنة فكأنهم معترفون بأنه لا يقع منهم ما يستحقون به الذم و العقاب و هذه موافقة للشيعة في المعنى لأن الشيعة إنما تنفي عن الأنبياء (ع) جميع المعاصي من حيث كان كل شي‏ء منها يستحق به فاعله الذم و العقاب لأن الإحباط باطل عندهم و إذا بطل الإحباط فلا معصية إلا و يستحق فاعلها الذم و العقاب فإذا كان استحقاق الذم و العقاب منفيا عن الأنبياء (ع) وجب أن ينفي عنهم سائر الذنوب و يصير الخلاف بين الشيعة و المعتزلة متعلقا بالإحباط فإذا بطل الإحباط فلا بد من الاتفاق على أن شيئا

4

من المعاصي لا يقع من الأنبياء (ع) من حيث يلزمهم استحقاق الذم و العقاب لكنه يجوز أن نتكلم في هذه المسألة على سبيل التقدير و نفرض أن الأمر في الصغائر و الكبائر على ما تقوله المعتزلة و متى فرضنا ذلك لم نجوز أيضا عليهم الصغائر لما سنذكره و نبينه إن شاء الله تعالى. و اعلم أن جميع ما ننزه الأنبياء (ع) عنه و نمنع من وقوعه منهم يستند إلى دلالة العلم المعجز إما بنفسه أو بواسطة و تفسير هذه الجملة أن العلم المعجز إذا كان واقعا موقع التصديق لمدعي النبوة و الرسالة و جاريا مجرى قوله تعالى له صدقت في أنك رسولي و مؤد عني فلا بد من أن يكون هذا المعجز مانعا من كذبه على الله سبحانه في ما يؤديه عنه لأنه تعالى لا يجوز أن يصدق الكذاب لأن تصديق الكذاب قبيح كما أن الكذب قبيح فأما الكذب في غير ما يؤديه عن الله و سائر الكبائر فإنما دل المعجز على نفيها من حيث كان دالا على وجوب اتباع الرسول و تصديقه فيما يؤديه و قبوله منه لأن الغرض في بعثة الأنبياء (ع) و تصديقهم بالإعلام المعجز هو أن يمتثل ما يأتون به فما قدح في الامتثال و القبول و أثر فيهما يجب أن يمنع المعجز منه فلهذا قلنا إنه يدل على نفي الكذب و الكبائر عنهم في غير ما يؤدونه بواسطة و في الأول يدل بنفسه فإن قيل لم يبق إلا أن تدلوا على أن تجويز الكبائر يقدح فيما هو الغرض بالبعثة من القبول و الامتثال قلنا لا شبهة في أن من نجوز عليه كبائر المعاصي و لا نأمن منه الإقدام على الذنوب لا تكون أنفسنا ساكنة إلى قبول قوله أو استماع وعظه كسكونها إلى من لا نجوز عليه شيئا من ذلك و هذا هو معنى قولنا إن وقوع الكبائر ينفر عن القبول و المرجع فيما ينفر و ما لا ينفر إلى العادات و اعتبار ما تقتضيه و ليس ذلك مما يستخرج بالأدلة و المقاييس و من رجع إلى العادة علم ما ذكرناه و أنه من أقوى ما ينفر عن قبول القول فإن حظ الكبائر في هذا الباب لم يزد على حظ السخف و المجون و الخلاعة و لم ينقص منه فإن قيل أ فليس‏

5

قد جوز كثير من الناس على الأنبياء (ع) الكبائر مع أنهم لم ينفروا عن قبول قولهم و العمل بما شرعوه من الشرائع و هذا ينقض قولكم إن الكبائر منفرة قلنا هذا سؤال من لم يفهم ما أوردناه لأنا لم نرد بالتنفير ارتفاع التصديق و أن لا يقع امتثال الأمر جملة و إنما أردنا ما فسرناه من أن سكون النفس إلى قبول قول من يجوز ذلك عليه لا يكون على حد سكونها إلى من لا يجوز ذلك عليه و إنا مع تجويز الكبائر نكون أبعد من قبول القول كما أنا مع الأمان من الكبائر نكون أقرب إلى القبول و قد يقرب من الشي‏ء ما لا يحصل الشي‏ء عنده كما يبعد عنه ما لا يرتفع عنده أ لا ترى أن عبوس الداعي للناس إلى طعامه و تضجره و تبرمه منفر في العادة عن حضور دعوته و تناول طعامه و قد يقع مع ما ذكرناه الحضور و التناول و لا يخرجه من أن يكون منفرا و كذلك طلاقة وجهه و استبشاره و تبسمه يقرب من حضور دعوته و تناول طعامه و قد يرتفع الحضور مع ما ذكرناه و لا يخرجه من أن يكون مقربا فدل على أن المعتبر في باب المنفر و المقرب ما ذكرناه دون وقوع الفعل المنفر عنه أو ارتفاعه فإن قيل فهذا يقتضي أن الكبائر لا تقع منهم في حال النبوة فمن أين أنها لا تقع منهم قبل النبوة و قد زال حكمها بالنبوة المسقطة للعقاب و الذم و لم يبق وجه يقتضي التنفير قلنا الطريقة في الأمرين واحدة لأنا نعلم أن من يجوز عليه الكفر و الكبائر في حال من الأحوال و إن تاب منهما و خرج من استحقاق العقاب به لا نسكن إلى قبول قوله كسكوننا إلى من لا يجوز ذلك عليه في حال من الأحوال و لا على وجه من الوجوه و لهذا لا يكون حال الواعظ الداعي إلى الله تعالى و نحن نعرفه مقارفا للكبائر مرتكبا لعظيم الذنوب و إن كان قد فارق جميع ذلك و تاب منه عندنا و في نفوسنا كحال من لم نعهد منه إلا النزاهة و الطهارة و معلوم ضرورة الفرق بين هذين الرجلين فيما يقتضي السكون و النفور و لهذا كثيرا

6

ما يعير الناس من يعهدون منه القبائح المتقدمة بها و إن وقعت التوبة منها و يجعلون ذلك عيبا و نقصا و قادحا و مؤثرا و ليس إذا كان تجويز الكبائر قبل النبوة منخفضا عن تجويزها في حال النبوة و ناقصا عن رتبته في باب التنفير وجب أن لا يكون فيه شي‏ء من التنفير لأن الشيئين قد يشتركان في التنفير و إن كان أحدهما أقوى من صاحبه أ لا ترى أن كثير السخف و المجون و الاستمرار عليهما و الانهماك فيهما منفر لا محالة و أن القليل من السخف الذي لا يقع إلا في الأحيان و الأوقات المتباعدة منفر أيضا و أن فارق الأول في قوة التنفير و لم يخرجه نقصانه في هذا الباب من الأول من أن يكون منفرا في نفسه فإن قيل فمن أين قلتم إن الصغائر لا تجوز على الأنبياء في حال النبوة و قبلها قلنا الطريقة في نفي الصغائر في الحالتين هي الطريقة في نفي الكبائر في الحالتين عند التأمل لأنا كما نعلم أن من يجوز كونه فاعلا لكبيرة متقدمة قد تاب منها و أقلع عنها و لم يبق معه شي‏ء من استحقاق عقابها و ذمها لا يكون سكوننا إليه كسكوننا إلى من لا يجوز عليه ذلك و كذلك نعلم أن من يجوز عليه الصغائر من الأنبياء (ع) أن يكون مقدما على القبائح مرتكبا للمعاصي في حال نبوته أو قبلها و إن وقعت مكفرة لا يكون سكوننا إليه كسكوننا إلى من نأمن منه كل القبائح و لا نجوز عليه فعل شي‏ء منها فأما الاعتذار في تجويز الصغائر بأن العقاب و الذم عنها ساقطان فليس بشي‏ء لأنه لا معتبر في باب التنفير بالذم و العقاب حتى يكون التنفير واقعا عليهما أ لا ترى أن كثيرا من المباحات منفر و لا ذم عليه و لا عقاب و كثيرا من الخلق و الهيئات منفر و هو خارج عن باب الذم على أن هذا القول يوجب على قائله تجويز الكبائر عليهم قبل البعثة لأن التوبة و الإقلاع أزال الذم و العقاب الذين يقف التنفير على هذا القول عليهما فإن قيل كيف تنفر الصغائر و إنما حظها تقليل الثواب و تنقيصه لأنها

7

بكونها صغائر قد خرجت من اقتضاء الذم و العقاب و معلوم أن قلة الثواب غير منفرة أ لا ترون أن الأنبياء (ع) قد يتركون كثيرا من النوافل مما لو فعلوه لاستحقوا كثيرا من الثواب و لا يكون ذلك منفرا عنهم قلنا إن الصغائر لم تكن منفرة من حيث قلة الثواب معها بل إنما كانت كذلك من حيث كانت قبائح و معاصي لله تعالى و قد بينا أن الملجأ في باب المنفر إلى العادة و الشاهد و قد دللنا على أنهما يقضيان بتنفير جميع الذنوب و القبائح على الوجه الذي بيناه و بعد فإن الصغائر في هذا الباب بخلاف الامتناع من النوافل لأنها تنقص ثوابا مستحقا ثابتا و ترك النوافل ليس كذلك و فرق واضح في العادة بين الانحطاط عن رتبة ثبتت و استحقت و بين فوتها و أن لا تكون حاصلة جملة أ لا ترى أن من ولي ولاية جليلة و ارتقى إلى رتبة عالية يؤثر في حاله العزل عن تلك الولاية و الهبوط عن تلك الرتبة و لا يكون حاله هذه كحاله لو لم ينل تلك الولاية و لا ارتقى إلى تلك الرتبة و هذا الكلام الذي ذكرناه يبطل قول من جوز على الأنبياء (ع) الصغائر على اختلاف مذاهبهم في تجويز ذلك على سبيل العمد أو التأويل إلا أن أبا علي الجبائي و من وافقه في قوله إن ذنوب الأنبياء لا تكون عمدا و إنما يقدمون عليها تأولا و يمثل ذلك بقصة آدم (ع) فإنه نهي عن جنس الشجرة دون عينها فتأول فظن أن النهي يتناول العين فلم يقدم على المعصية مع العلم بأنها معصية قد ناقض فإنه إنما ذهب إلى هذا المذهب تنزيها للأنبياء (ع) و اعتقاد أن تعمد المعصية يوجب كبرها فنزهه عن معصية و أضاف إليه معصيتين لأنه مخطئ على مذهبه في الإعراض عن تأمل مقتضى النهي و هل يتناول الجنس أو العين لأن ذلك واجب عليه و مخطئ في التناول من الشجرة و هاتان معصيتان و بعد فإن تعمد المعصية ليس يجب أن يكون مقتضيا لكبرها لا محالة لأنه لا يمتنع أن يكون مع التعمد يصاحبه من الخوف و الوجل‏

8

ما يوجب صغرها و يمنع من كبرها و ليس له أن يقول إن النظر فيما كلفه من الامتناع من الجنس أو النوع لم يكن واجبا عليه لأن ذلك إن لم يكن واجبا عليه فكيف يكون مكلفا و كيف يكون تناوله معصية و لا بد على هذا من أن يخطر الله تعالى بباله ما يقتضي وجوب النظر في ذلك عليه و إذا وجب عليه النظر و لم يفعله فقد تعمد الإخلال بالواجب و لا فرق في باب التنفير بين الإقدام على المعصية و الإخلال بالواجب فإذا جاز عنده أن يتعمد الإخلال بالواجب و لا يكون منه كبيرا جاز أن يتعمد منه نفس التناول و لا يكون منه كبيرا فأما ما حكيناه عن النظام و جعفر بن مبشر و من وافقهما من أن ذنوب الأنبياء (ع) تقع منهم على سبيل السهو و الغفلة و أنهم مع ذلك مؤاخذون بها فليس بشي‏ء لأن السهو يزيل التكليف و يخرج الفعل من أن يكون ذنبا مؤاخذا به و لهذا لا يصح مؤاخذة المجنون و النائم و حصول السهو في أنه مؤثر في ارتفاع التكليف بمنزلة فقد القدرة و الآلات و الأدلة فلو جاز أن يخالف حال الأنبياء (ع) في صحة تكليفهم مع السهو جاز أن يخالف حالهم لحال أمتهم في جواز التكليف مع فقد سائر ما ذكرنا و هذا واضح فأما الطريق الذي به يعلم أن الأئمة (ع) لا يجوز عليهم الكبائر في حال الإمامة فهو أن الإمام إنما احتيج إليه لجهة معلومة و هي أن يكون المكلفون عند وجوده أبعد من فعل القبيح و أقرب من فعل الواجب على ما دللنا عليه في غير موضع فلو جازت عليه الكبائر لكانت علة الحاجة إليه ثابتة فيه و موجبة وجود إمام يكون إماما له و الكلام في إمامته كالكلام فيه و هذا يؤدي إلى وجود ما لا نهاية له من الأئمة و هو باطل أو الانتهاء إلى إمام معصوم و هو المطلوب و مما يدل أيضا على أن الكبائر لا يجوز عليهم أن قولهم (ع) قد ثبت أنه حجة في الشرع كقول الأنبياء (ع) بل يجوز أن ينتهي الحال إلى أن الحق لا يعرف إلا من جهتهم و لا يكون الطريق إليه إلا من أقوالهم على ما بيناه‏

9

في مواضع كثيرة و إذا ثبت هذه الجملة جروا مجرى الأنبياء (ع) فيما يجوز عليهم و ما لا يجوز فإذا كنا قد بينا أن الكبائر و الصغائر لا يجوزان على الأنبياء (ع) قبل النبوة و لا بعدها لما في ذلك من التنفير عن قبول أقوالهم و لما في تنزيهم عن ذلك من السكون إليهم فكذلك يجب أن يكون الأئمة (ع) منزهين عن الكبائر و الصغائر قبل الإمامة و بعدها لأن الحال واحدة و إذ قد قدمنا ما أردنا تقديمه في هذا الباب فنحن نبتدئ بذكر الكلام على ما تعلقوا به من جواز الكبائر على الأنبياء (ع) من الكتاب‏

في تنزيه آدم (ع)

مسألة فمما تعلقوا به قوله تعالى في قصة آدم (ع) وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى قالوا و هذا تصريح بوقوع المعصية التي لا تكون إلا قبيحة و أكده بقوله‏ فَغَوى و الغي ضد الرشد الجواب يقال لهم أما المعصية فهي مخالفة الأمر و الأمر من الحكيم تعالى قد يكون بالواجب و بالندب معا فلا يمتنع على هذا أن يكون آدم (ع) مندوبا إلى ترك التناول من الشجرة و يكون بمواقعتها تاركا نفلا و فضلا و غير فاعل قبيحا و ليس يمتنع أن يسمى تارك النفل عاصيا كما يسمى بذلك تارك الواجب فإن تسمية من خالف ما أمر به سواء كان واجبا أو نفلا بأنه عاص ظاهرة و لهذا يقولون أمرت فلانا بكذا و كذا من الخير فعصاني و خالفني و إن لم يكن ما أمره به واجبا و أما قوله‏ فَغَوى فمعناه أنه خاب لأنا نعلم أنه لو فعل ما ندب إليه من ترك التناول من الشجرة لاستحق الثواب العظيم فإذا خالف الأمر و لم يصر إلى ما ندب إليه فقد خاب لا محالة من حيث إنه لم يصر إلى الثواب الذي كان يستحق بالامتناع و لا شبهة في أن لفظة غوى يحتمل الخيبة قال الشاعر

فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره‏* * * و من يغو لا يعدم على الغي لائما

فإن قيل كيف يجوز أن يكون ترك الندب‏

10

معصية أ و ليس هذا يوجب أن توصف الأنبياء (ع) بأنهم عصاة في كل حال و أنهم لا ينفكون من المعصية لأنهم لا يكادون ينفكون من ترك الندب قلنا وصف تارك الندب بأنه عاص توسع و تجوز و المجاز لا يقاس عليه و لا يعدى به عن موضعه و لو قيل إنه حقيقة في فاعل القبيح و تارك الأولى و الأفضل لم يجز إطلاقه في الأنبياء (ع) إلا مع التقييد لأن استعماله قد كثر في القبائح فإطلاقه بغير تقييد موهم لكنا نقول إن أردت بوصفهم أنهم عصاة أنهم فعلوا القبائح فلا يجوز ذلك و إن أردت أنهم تركوا ما لو فعلوه استحقوا الثواب و كان أولى فهم كذلك فإن قيل فأي معنى لقوله تعالى‏ ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَ هَدى‏ و أي معنى لقوله تعالى‏ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ‏ و كيف يقبل توبة من لم يذنب أم كيف يتوب من لم يفعل القبيح قلنا أما التوبة عندنا و على أصولنا فغير موجبة لإسقاط العقاب و إنما يسقط الله تعالى العقاب عندها تفضلا و الذي توجبه التوبة و تؤثره هو استحقاق الثواب فقبولها على هذا الوجه إنما هو ضمان الثواب عليها فمعنى قوله تعالى‏ فَتابَ عَلَيْهِ‏ أنه قبل توبته و ضمن له ثوابها و لا بد لمن ذهب إلى أن معصية آدم (ع) صغيرة من هذا الجواب لأنه إذا قيل له كيف تقبل توبته و يغفر له و معصيته قد وقعت في الأصل مكفرة لا يستحق عليها شيئا من العقاب لم يكن له بد من الرجوع إلى ما ذكرناه و التوبة قد يحسن أن تقع ممن لا يعهد من نفسه قبيحا على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى و الرجوع إليه و يكون وجه حسنها في هذا الموضع استحقاق الثواب بها و كونها لطفا كما يحسن أن تقع ممن يقطع على أنه غير مستحق للعقاب و أن التوبة لا تؤثر في إسقاط شي‏ء يستحقه من العقاب و لهذا جوزوا التوبة من الصغائر و إن لم‏

11

تكن مؤثرة في إسقاط ذم و لا عقاب فإن قيل الظاهر من القرآن بخلاف ما ذكرتموه لأنه أخبر أن آدم (ع) منهي عن أكل الشجرة بقوله‏ وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ‏ و بقوله‏ أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ و هذا يوجب بأنه (ع) عصى بأن فعل منهيا عنه و لم يعص بأن ترك مأمورا به قلنا أما النهي و الأمر معا فليسا يختصان عندنا بصيغة ليس فيها احتمال و لا اشتراك و قد يؤمر عندنا بلفظ النهي و ينهى بلفظ الأمر و إنما يكون النهي نهيا بكراهة المنهي عنه فإذا قال تعالى‏ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ و لم يكره قربها لم يكن في الحقيقة ناهيا كما أنه تعالى لما قال‏ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ‏ وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا و لم يرد ذلك لم يكن أمرا فإذا كان قد صح قوله‏ وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ إرادة لترك التناول فيجب أن يكون هذا القول أمرا و إنما سماه منهيا عنه و سمى أمره له بأنه نهي من حيث كان فيه معنى النهي ترغيبا في الامتناع من الفعل و تزهيدا في الفعل نفسه و لما كان الأمر ترغيبا في الفعل المأمور به و تزهيدا في تركه جاز أن يسمى نهيا و قد يتداخل هذان الوصفان في الشاهد فيقول أحدنا قد أمرت فلانا بأن لا يلقى الأمير و إنما يريد أنه نهاه عن لقائه و يقول نهيتك عن هجر زيد و إنما معناه أمرتك بمواصلته فإن قيل أ لا جعلتم النهي منقسما إلى منهي قبيح و منهي غير قبيح بل يكون تركه أفضل من فعله كما جعلتم الأمر منقسما إلى واجب و غير واجب قلنا الفرق بين الأمرين ظاهر لأن انقسام المأمور به في الشاهد إلى واجب و غير واجب غير مدفوع و لا خلاف و ليس يمكن أحدا أن يدفع أن في الأفعال الحسنة التي يستحق بها المدح و الثواب ما له صفة الوجوب و فيها ما لا يكون كذلك فإذا كان الواجب مشاركا للندب في تناول الإرادة له و استحقاق الثواب و المدح به فليس يفارقه إلا بكراهة الترك لأن الواجب تركه مكروه و النفل ليس كذلك فلو جعلنا

12

الكراهة تتعلق بالقبيح و غير القبيح من الحكيم تعالى و كذلك النهي كما جعلنا الأمر منه يتعلق بالواجب و غير الواجب لارتفع الفرق بين الواجب و الندب مع ثبوت الفصل بينهما في العقول فإن قيل فما معنى حكايته تعالى عنهما قولهما رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا و قوله تعالى‏ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ‏ قلنا معناه أنا نقصنا أنفسنا و بخسناها ما كنا نستحقه من الثواب بفعل ما أريد منا من الطاعة و حرمناها الفائدة الجليلة من التعظيم من ذلك الثواب و إن لم نكن مستحقا قبل أن نفعل الطاعة التي نستحق بها فهو في حكم المستحق فيجوز أن يوصف من فوت نفسه بأنه ظالم لها كما يوصف بذلك من فوت نفسه المنافع المستحقة و هذا هو معنى قوله تعالى‏ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ‏ فإن قيل فإذا لم يقع من آدم (ع) على قولكم معصية فلم أخرج من الجنة على سبيل العقوبة و سلب لباسه على هذا الوجهة و لو لا أن الإخراج من الجنة و سلب اللباس على سبيل الجزاء على الذنب لما قال الله تعالى‏ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما و قال تعالى في موضع آخر فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ‏ قلنا نفس الإخراج من الجنة لا يكون عقابا لأن سلب اللذات و المنافع ليس بعقوبة و إنما العقوبة هي الضرب و الألم الواقعان على سبيل الاستخفاف و الإهانة و كذلك نزع اللباس و إبداء السوءة و لو كانت هذه الأمور مما يجوز أن تكون عقابا و يجوز أن يكون غيره لصرفناها عن باب العقاب إلى غيره بدلالة أن العقاب لا يجوز أن يستحقه الأنبياء (ع) فإذا فعلنا ذلك فيما يجوز أن يكون واقعا على سبيل العقوبة فهو أولى فيما لا يجوز أن يكون كذلك فإن قيل فما وجه ذلك إن لم تكن عقوبة قلنا لا يمتنع أن يكون الله تعالى علم أن المصلحة تقتضي تبقية آدم (ع) في الجنة و تكليفه فيها متى لم يتناول من الشجرة فمتى تناول منها تغيرت الحال في المصلحة و صار إخراجه عنها و تكليفه في دار

13

غيرها هو المصلحة و كذلك القول في سلب اللباس حتى يكون نزعه بعد التناول من الشجرة هو المصلحة كما كانت المصلحة في تبقيته قبل ذلك و إنما وصف إبليس بأنه مخرج لهما من الجنة من حيث وسوس إليهما و زين عندهما الفعل الذي يكون عنده الإخراج و إن لم يكن على سبيل الجزاء عليه لكنه يتعلق به تعلق الشرط في المصلحة و كذلك وصف بأنه مبد لسوآتهما من حيث أغواهما حتى أقدما على ما سبق في علم الله تعالى بأن اللباس معه ينزع عنهما و لا بد لمن ذهب إلى أن معصية آدم (ع) صغيرة لا يستحق بها العقاب من مثل هذا التأويل و كيف يجوز أن يعاقب الله تعالى نبيه بالإخراج من الجنة أو غيره من العقاب و العقاب لا بد من أن يكون مقرونا بالاستخفاف و الإهانة و كيف يكون من تعبد الله فيه بنهاية التعظيم و التبجيل مستحقا منا و منه تعالى الاستخفاف و الإهانة و أي نفس تسكن إلى مستخف بقدره مهان موبخ مبكت و ما يجيز مثل ذلك على الأنبياء (ع) إلا من لا يعرف حقوقهم و لا يعلم ما تقضيه منازلهم مسألة فإن قال قائل فما قولكم في قوله تعالى‏ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏ أ و ليس ظاهر هذه الآية يقتضي وقوع المعصية من آدم (ع) لأنه لم يتقدم من يجوز صرف هذه الكناية في جميع الكلام إليه إلا ذكر آدم (ع) و زوجته لأن النفس الواحدة هي آدم و زوجها المخلوق منها هي حواء (ع) فالظاهر على ما ترون ينبئ عما ذكرناه على أنه قد روي في الحديث أن إبليس لعنه الله تعالى لما أن حملت حواء عرض لها و كانت ممن لا يعيش لها ولد فقال لها إن أردت أن يعيش ولدك فسميه عبد الحارث و كان إبليس قد يسمى بالحارث فلما ولدت‏

14

سمت ولدها بهذه التسمية فلهذا قال تعالى‏ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما الجواب يقال له قد علمنا أن الدلالة العقلية التي قدمناها في باب أن الأنبياء (ع) لا يجوز عليهم الكفر و الشرك و المعاصي غير محتملة و لا يصح دخول المجاز فيها و الكلام في الجملة يصح فيه الاحتمال و ضروب المجاز فلا بد من بناء المحتمل على ما لا يحتمل فلو لم نعلم تأويل هذه الآية على سبيل التفصيل لكنا نعلم في الجملة أن تأويلها مطابق لدلالة العقل و قد قيل في تأويل هذه الآية مما يطابق دليل العقل و مما يشهد له اللغة وجوه منها أن الكناية في قوله سبحانه‏ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما غير راجعة إلى آدم (ع) و حواء بل إلى الذكور و الإناث من أولادهما أو إلى جنسين ممن أشرك من نسلهما و إن كانت الكناية الأولى تتعلق بهما و يكون تقدير الكلام فلما آتى الله آدم و حواء الولد الصالح الذي تمنياه و طلباه جعل كفار أولادهما ذلك مضافا إلى غير الله تعالى و يقوي هذا التأويل قوله سبحانه‏ فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ و هذا ينبئ على أن المراد بالتثنية ما أردناه من الجنسين أو النوعين و ليس يجب من حيث كانت الكناية المتقدمة راجعة إلى آدم (ع) و حواء أن يكون جميع ما في الكلام راجعا إليهما لأن الفصيح قد ينتقل من خطاب مخاطب إلى خطاب غيره و من كناية إلى خلافها قال الله تعالى‏ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ فانصرف من مخاطبة الرسول (ص) إلى مخاطبة المرسل إليهم ثم قال‏ وَ تُعَزِّرُوهُ وَ تُوَقِّرُوهُ يعني الرسول (ص) ثم قال‏ وَ تُسَبِّحُوهُ يعني مرسل الرسول فالكلام واحد متصل بعضه ببعض و الكناية مختلفة كما ترى و قال الهذلي‏

يا لهف نفسي كان جدة خالد* * * و بياض وجهك للتراب الأعفر

و لم يقل بياض وجهه و قال كثير

أسيئي بنا أو حسني لا ملومة* * * لدينا و لا مقلية إن ثقلت‏

فخاطب ثم ترك الخطاب و قال الآخر

فدى لك ناقتي و جميع أهلي‏* * * و مالي أنه منه أتاني‏

15

و لم يقل منك أتاني فإن قيل كيف يكنى عمن لمن يتقدم له ذكر قلنا لا يمتنع ذلك قال الله تعالى‏ حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ و لم يتقدم للشمس ذكر و قال الشاعر

لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا* * * حشرجت يوما و ضاق بي الصدر

و لم يتقدم للنفس ذكر و الشواهد على هذا المعنى كثيرة جدا على أنه قد تقدم ذكر ولد آدم (ع) و تقدم أيضا ذكرهم في قوله تعالى‏ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ و معلوم أن المراد بذلك جميع ولد آدم (ع) و تقدم أيضا ذكرهم في قوله تعالى‏ فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً لأن المعنى أنه لما آتاهما ولدا صالحا و المراد بذلك الجنس و إن كان اللفظ لفظ وحده و إذا تقدم مذكوران و عقبا بأمر لا يليق بأحدهما وجب أن يضاف إلى من يليق به و الشرك لا يليق بآدم (ع) فيجب أن ننفيه عنه و إن تقدم ذكره و هو يليق بكفار ولده و نسله فيجب أن نعلقه بهم و منها ما ذكره أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني فإنه يحمل الآية على أن الكناية في جميعها غير متعلقة بآدم (ع) و حواء و يجعل الهاء في‏ تَغَشَّاها و الكناية في‏ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما و آتاهُما صالِحاً راجعين إلى من أشرك و لم يتعلق بآدم (ع) من الخطاب إلا قوله تعالى‏ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ قال و الإشارة في قوله‏ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ إلى الخلق عامة و كذلك قوله‏ وَ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها ثم خص منها بعضهم كما قال الله تعالى‏ هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَ جَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ فخاطب الجماعة بالتسيير ثم خص راكب البحر و كذلك هذه الآية أخبرت عن جملة أمر البشر بأنهم مخلوقون من نفس واحدة و زوجها و هما آدم و حواء ثم عاد الذكر إلى الذي سأل الله تعالى ما سأل فلما أعطاه إياه ادعى له الشركاء في عطيته قال و جايز أن يكون عنى بقوله‏ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ المشركين خصوصا إذا كان كل بني آدم مخلوقا من نفس واحدة و زوجها و يكون المعنى في قوله تعالى‏ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ

16

و هذا قد يجي‏ء كثيرا في القرآن و في كلام العرب قال الله تعالى‏ وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً و المعنى فاجلدوا كل واحد منهم ثمانين جلدة و هذا الوجه يقارب الوجه الأول في المعنى و إن خالفه في الترتيب و منها أن يكون الهاء في قوله‏ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ راجعة إلى الوالد لا إلى الله تعالى و يكون المعنى أنهما طلبا من الله تعالى أمثالا للولد الصالح فشركا بين الطلبتين و يجري هذا القول مجرى قول القائل طلبت مني درهما فلما أعطيتك شركته بآخر أي طلبت آخر مضافا إليه و على هذا الوجه لا يمتنع أن تكون الكناية من أول الكلام إلى آخره راجعة إلى آدم و حواء (ع) فإن قيل فأي معنى على هذا الوجه لقوله‏ فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏ و كيف يتعالى الله عن أن يطلب منه ولد بعد آخر قلنا لم ينزه الله تعالى نفسه عن هذا الإشراك و إنما نزهها عن الإشراك به و ليس يمتنع أن ينقطع هذا الكلام عن حكم الأول و يكون غير متعلق به لأنه تعالى قال‏ أَ يُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ‏ فنزه نفسه تعالى عن هذا الشرك دون ما تقدم و ليس يمتنع انقطاع اللفظ في الحكم عما يتصل به في الصورة و هذا كثير في القرآن و في كلام العرب لأن من عادة العرب أن يراعوا الألفاظ أكثر من مراعاة المعاني فكأنه تعالى لما قال‏ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما و أراد الإشراك في طلب الولد جاء بقوله تعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏ على مطابقة اللفظ الأول و إن كان الثاني راجعا إلى الله تعالى لأنه يتعالى عن اتخاذ الولد و ما أشبهه و مثله‏

قول النبي (ص)

و قد سئل عن العقيقة فقال لا أحب العقيقة و من شاء منكم أن يعق عن ولده فليعق‏

فطابق اللفظ و إن اختلف المعنيان و هذا كثير في كلامهم فأما ما يدعى في هذا الباب من الحديث فلا يلتفت‏

17

إليه لأن الأخبار يجب أن تبنى على أدلة العقول و لا تقبل في خلاف ما تقتضيه العقول و لهذا لا تقبل أخبار الجبر و التشبيه و نردها أو نؤولها إن كان لها مخرج سهل و كل هذا لو لم يكن الخبر الوارد مطعونا على سنده مقدوحا في طريقه فإن هذا الخبر يرويه قتادة عن الحسن عن سمرة و هو منقطع لأن الحسن لم يسمع من سمرة شيئا في قول البغداديين و قد يدخل الوهن على هذا الحديث من وجه آخر لأن الحسن نفسه يقول بخلاف هذه الرواية فيما

رواه خلف بن سالم عن إسحاق بن يوسف عن عوف عن الحسن‏

في قوله تعالى‏

فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما

قال هم المشركون‏

و بإزاء هذا الحديث ما

روي عن سعيد بن جبير و عكرمة و الحسن و غيرهم من‏

أن الشرك غير منسوب إلى آدم و زوجته و أن المراد به غيرهما

و هذه جملة واضحة

تنزيه نوح (ع)

مسألة فإن سأل سائل عن قوله تعالى‏ وَ نادى‏ نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَ إِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَ أَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ‏ فقال ظاهر قوله تعالى‏ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ‏ فيه تكذيب لقوله (ع) إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي‏ و إذا كان النبي (ص) لا يجوز عليه الكذب فما الوجه في ذلك قيل له في هذه الآية وجوه كل واحد منها صحيح مطابق لأدلة العقل أولها أن نفيه لأن يكون من أهله لم يتناول نفي النسب و إنما نفى أن يكون من أهله الذين وعده الله تعالى بنجاتهم لأنه عز و جل كان وعد نوحا (ع) بأنه ينجي أهله في قوله‏ احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَ أَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ‏ فاستثنى من أهله من أراد إهلاكه بالغرق و يدل على‏

18

صحة هذا التأويل قول نوح (ع) إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَ إِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُ‏ و على هذا الوجه يتطابق الخبران و لا يتنافيان و قد روي هذا التأويل بعينه عن ابن عباس و جماعة من المفسرين و الوجه الثاني أن يكون المراد بقوله تعالى‏ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ‏ أي أنه ليس على دينك و أراد أنه كان كافرا مخالفا لأبيه فكان كفره أخرجه من أن يكون له أحكام أهله و يشهد لهذا التأويل قوله تعالى على طريق التعليل‏ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ‏ فتبين أنه إنما خرج عن أحكام أهله بكفره و قبح عمله و قد حكي هذا الوجه أيضا عن جماعة من أهل التأويل و الوجه الثالث أنه لم يكن ابنه على الحقيقة و إنما ولد على فراشه فقال (ع) إن ابني على ظاهر الأمر فأعلمه الله تعالى أن الأمر بخلاف الظاهر و نبهه على خيانة امرأته و ليس في ذلك تكذيب خبره لأنه إنما أخبره عن ظنه و عما يقتضيه الحكم الشرعي فأخبره الله تعالى بالغيب الذي لا يعلمه غيره و قد روي هذا الوجه عن الحسن و مجاهد و ابن جريح و في هذا الوجه بعد إذ فيه منافاة للقرآن لأنه تعالى قال‏ وَ نادى‏ نُوحٌ ابْنَهُ‏ فأطلق عليه اسم البنوة و لأنه أيضا استثناه من جملة أهله بقوله تعالى‏ وَ أَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ‏ و لأن الأنبياء (ع) يجب أن ينزهوا عن هذه الحال لأنها تعيير و تشيين و نقص من القدر و قد جنبهم الله تعالى ما دون ذلك تعظيما لهم و توقيرا و نفيا لكل ما ينفر عن القبول منهم و قد حمل ابن عباس قوة ما ذكرناه من الدلالة على أن تأويل قوله تعالى في امرأة نوح (ع) و امرأة لوط (ع) فَخانَتاهُما أن الخيانة لم تكن منهما بالزنى بل كانت إحداهما تخبر الناس بأنه مجنون و الأخرى تدل على الأضياف و الوجهان الأولان هما المعتمدان في الآية فإن قيل أ ليس قد قال جماعة من المفسرين إن الهاء في قوله تعالى‏ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ‏ راجعة إلى السؤال و المعنى أن سؤالك إياي ما ليس لك به علم عمل غير

19

صالح راجعة إلى السؤال بل إلى الابن و يكون تقدير الكلام أن ابنك ذو عمل غير صالح فحذف المضاف و أقام المضاف إليه مقامه و يشهد لصحة هذا التأويل قول الخنساء

ما أم سقب على بو تطيف به قد* * * ساعدتها على التحنان أطيار

ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت‏* * * فإنما هي إقبال و إدبار

و إنما أراد أنها ذات إقبال و إدبار و قد قال قوم في هذا الوجه أن المعنى في قوله‏ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ أن أصله غير صالح من حيث ولد على فراشه و ليس بابنه و هذا جواب من يرى أنه لم يكن ابنه على الحقيقة و الذي اخترناه خلاف ذلك و قد قرئت هذه الآية بنصب اللام و كسر الميم و نصب غير و مع هذه القراءة لا شبهة في رجوع معنى الكلام إلى الابن دون سؤال نوح (ع) و قد ضعف قوم هذه القراءة فقالوا كان يجب أن يقول إنه عمل عملا غير صالح لأن العرب لا تكاد تقول هو يعمل غير حسن حتى يقولوا عملا غير حسن و ليس هذا الوجه بضعيف لأن من مذهبهم الظاهر إقامة الصفة مقام الموصوف عند انكشاف المعنى و زوال اللبس فيقول القائل قد فعلت صوابا و قلت حسنا بمعنى فعلت فعلا صوابا و قلت قولا حسنا و قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي‏

أيها القائل غير الصواب‏* * * أخر النصح و أقلل عتابي‏

و قال أيضا

و كم من قتيل ما يباء به دم‏* * * و من علق رهنا إذا لفه الدما

و من مالي عينيه من شي‏ء غيره‏* * * إذا راح نحو الجمرة البيض كالدما

أراد و كم إنسان قتيل و قال رجل من بحيلة

كم من ضعيف العقل منتكث القوى‏* * * ما إن له نقض و لا إبرام‏

أراد كم من إنسان ضعيف العقل و القوى فإن قيل إن كان الأمر على ما ذكرتم فلم قال الله تعالى‏ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ‏ و كيف قال نوح (ع) من بعد رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَ إِلَّا تَغْفِرْ لِي وَ تَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ‏ قلنا ليس يمتنع أن يكون نوح (ع) نهي عن سؤال ما ليس له‏

20

به علم و إن لم يقع منه و أن يكون هو (ع) تعوذ من ذلك و إن لم يواقعه أ لا ترى أن نبينا (ص) قد نهي عن الشرك و الكفر و إن لم يقعا منه في قوله تعالى‏ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ‏ و إنما سأل نوح (ع) نجاة ابنه باشتراط المصلحة لا على سبيل القطع فلما بين الله تعالى أن المصلحة في غير نجاته لم يكن ذلك خارجا عما تضمنه السؤال و أما قوله تعالى‏ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ‏ فمعناه لأن لا تكون منهم و لا شك في أن وعظه تعالى هو الذي يصرف عن الجهل و ينزه عن فعله و كل هذا واضح‏

في تنزيه إبراهيم (ع)

فإن قال قائل فما معنى قوله تعالى حاكيا عن إبراهيم (ع) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى‏ كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ‏ أ و ليس ظاهر هذا الكلام يقتضي أنه (ع) كان يعتقد في وقت من الأوقات إلهية الكواكب و هذا مما قلتم إنه لا يجوز على الأنبياء (ع) الجواب قيل له في هذه الآية جوابان أحدهما أن إبراهيم (ع) إنما قال ذلك في زمان مهلة النظر و عند كمال عقله و حضور ما يوجب عليه النظر بقلبه و تحريك الدواعي على الفكر و التأمل له لأن إبراهيم (ع) لم يخلق عارفا بالله تعالى و إنما اكتسب المعرفة لما أكمل الله تعالى عقله و خوفه من ترك النظر بالخواطر و الدواعي فلما رأى الكواكب و قد روي في التفسير أنه الزهرة و أعظمه ما رأى عليه من النور و عجيب الخلق و قد كان قومه يعبدون الكواكب و يزعمون أنها آلهة قال هذا ربي على سبيل الفكر و التأمل لذلك فلما غابت و أفلت و علم أن الأفول لا يجوز على الإله علم أنها محدثة متغيرة منتقلة و كذلك‏

21

كانت حاله في رؤية القمر و الشمس و إنه لما رأى أفولهما قطع على حدوثهما و استحالة إلهيتهما و قال في آخر الكلام‏ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏ و كان هذا القول عقيب معرفة بالله تعالى و علمه بأن صفات المحدثين لا يجوز عليه تعالى فإن قيل كيف يجوز أن يقول (ع) هذا ربي مخبرا و هو غير عالم بما يخبر به و الأخبار بما لا يأمن المخبر أن يكون كاذبا فيه قبيح و في حال كمال عقله و لزوم النظر له لا بد من أن يلزمه التحرز من الكذب و ما جرى مجراه من القبح قلنا عن هذا جوابان أحدهما أنه لم يقل ذلك مخبرا و إنما قال فارضا و مقدرا على سبيل الفكر و التأمل أ لا ترى أنه قد يحسن من أحدنا إذا كان ناظرا في شي‏ء و ممتثلا بين كونه على إحدى صفتيه أن يفرضه على إحداهما لينظر فيما يؤدي ذلك الفرض إليه من صحة أو فساد و لا يكون بذلك مخبرا في الحقيقة و لهذا يصح من أحدنا إذا نظر في الأجسام و قدمها أن يفرض كونها قديمة ليتبين ما يؤدي إليه ذلك الفرض من الفساد و الجواب الآخر أنه أخبر عن ظنه و قد يجوز أن يظن المفكر المتأمل في حال نظره و فكره ما لا أصل له ثم يرجع عنه بالأدلة و العقل و لا يكون ذلك منه قبيحا فإن قيل الآية تدل على أن إبراهيم (ع) ما كان رأى هذه الكواكب قبل ذلك لأن تعجبه منها تعجب من لم يكن رآها فكيف يجوز أن يكون إلى مدة كمال عقله لم يشاهد السماء و ما فيها من النجوم قلنا لا يمتنع أن يكون ما رأى السماء إلا في ذلك الوقت لأنه على ما روي كان قد ولدته أمه في مغارة خوفا من أن يقتله النمرود و من يكون في المغارة لا يرى السماء فلما قارب البلوغ و بلغ حد التكليف خرج من المغارة و رأى السماء و فكر فيها و قد يجوز أيضا أن يكون قد رأى السماء قبل ذلك إلا أنه لم يفكر في أعلامها

22

لأن الفكر لم يكن واجبا عليه و حين كمل عقله و حركته الخواطر فكر في الشي‏ء الذي كان يراه قبل ذلك و لم يكن مفكرا فيه و الوجه الآخر في أصل المسألة هو أن إبراهيم (ع) لم يقل ما تضمنته الآيات على طريق الشك و لا في زمان مهلة النظر و الفكر بل كان في تلك الحال موقنا عالما بأن ربه تعالى لا يجوز أن يكون بصفة شي‏ء من الكواكب و إنما قال ذلك على سبيل الإنكار على قومه و التنبيه لهم على أن ما يغيب و يأفل لا يجوز أن يكون إلها معبودا و يكون قوله هذا ربي محمولا على أحد وجهين أي هو كذلك عندكم و على مذاهبكم كما يقول أحدنا للمشبه على سبيل الإنكار لقوله هذا ربه جسم يتحرك و يسكن و الوجه الآخر أن يكون قال ذلك مستفهما و أسقط حرف الاستفهام للاستغناء عنها و قد جاء في الشعر ذلك كثير قال الأخطل‏

كذبتك عينك أم رأيت بواسط* * * غلس الظلام من الرباب خيالا

و قال الآخر

لعمرك ما أدري و إن كنت داريا* * * بسبع رمين الجمر أم بثمان‏

و أنشدوا قول الهذلي‏

وقوني و قالوا يا خويلد* * * لم ترع فقلت و أنكرت الوجوه‏

يعني أ هم هم و قال ابن أبي ربيعة

ثم قالوا تحبها قلت بهرا* * * عدد الرمل و الحصى و التراب‏

فإن قيل حذف حرف الاستفهام إنما يحسن إذا كان في الكلام دلالة عليه و عوض عنه فليس تستعمل مع فقد العوض و ما أنشدتموه فيه عوض عن حرف الاستفهام المتقدم و الآية ليس ذلك فيها قلنا قد يحذف حرف الاستفهام مع إثبات العوض عنه و مع فقده إذا زال اللبس في معنى الاستفهام و بيت ابن أبي ربيعة خال من حرف الاستفهام و من العوض عنه"

و قد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه‏

: في قوله تعالى‏

فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ

قال هو أ فلا اقتحم العقبة

فألقيت ألف الاستفهام و بعد فإذا جاز أن يلقوا ألف الاستفهام لدلالة الخطاب عليها فهلا جاز أن يلقوها لدلالة العقول عليها لأن‏

23

العقل أقوى من دلالة غيره مسألة فإن قيل فما معنى قوله تعالى مخبرا عن إبراهيم (ع) لما قال له قومه‏ أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ‏ و إنما عنى بالكبير الصنم الكبير و هذا كذب لا شك فيه لأن إبراهيم (ع) هو الذي كسر الأصنام فإضافته تكسيرها إلى غيره مما لا يجوز أن يفعل شيئا لا يكون إلا كذبا الجواب قيل له الخبر مشروط غير مطلق لأنه قال‏ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ‏ و معلوم أن الأصنام لا تنطق و أن النطق مستحيل عليها فما علق بهذا المستحيل من الفعل أيضا مستحيل و إنما أراد إبراهيم (ع) بهذا القول تنبيه القوم و توبيخهم و تعنيفهم بعبادة من لا يسمع و لا يبصر و لا ينطق و لا يقدر أن يخبر عن نفسه بشي‏ء فقال إن كانت هذه الأصنام تنطق فهي الفاعلة للتكسير لأن من يجوز أن ينطق يجوز أن يفعل و إذا علم استحالة النطق عليها علم استحالة الفعل عليها و علم باستحالة الأمرين أنها لا يجوز أن تكون آلهة معبودة و أن من عبدها ضال مضل و لا فرق بين قوله إنهم فعلوا ذلك‏ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ‏ و بين قوله إنهم ما فعلوا ذلك و لا غيره لأنهم لا ينطقون و لا يقدرون و أما قوله (ع) فَسْئَلُوهُمْ‏ فإنما هو أمر بسؤالهم أيضا على شرط و النطق منهم شرط في الأمرين فكأنه قال إن كانوا ينطقون فاسألوهم فإنه لا يمتنع أن يكونوا فعلوه و هذا يجري مجرى قول أحدنا لغيره من فعل هذا الفعل فيقول زيد إن كان فعل كذا و كذا و يشير إلى فعل يضيفه السائل إلى زيد و ليس في الحقيقة من فعله و يكون غرض المسئول نفي الأمرين جميعا عن زيد و تنبيه السائل على خطائه في إضافة ما أضافه إلى زيد و قد قرأ بعض القراء و هو محمد بن السهيفع اليماني فعله كبيرهم بتشديد اللام و المعنى فلعله أي فلعل فاعل ذلك كبيرهم و قد جرت عادة العرب بحذف اللام الأولى من لعل فيقولون عل قال الشاعر

24

عل صروف الدهر أو دولاتها* * * تدلينا اللمة من لماتها

فتستريح النفس من زفراتها

أي لعل صروف الدهر و قال الآخر

يا أبتا علك أو عساكا* * * يسقيني الماء الذي سقاكا

فإن قيل فأي فائدة في أن يستفهم عن أمر يعلم استحالته و أي فرق في المعنى بين القراءتين قلنا لم يستفهم و لا شك في الحقيقة و إنما نبههم بهذا القول على خطيئتهم في عبادة الأصنام فكأنه قال لهم إن كانت هذه الأصنام تضر و تنفع و تعطي و تمنع فلعلها هي الفاعلة لذلك التكسير لأن من جاز منه ضرب من الأفعال جاز منه ضرب آخر و إذا كان ذلك الفعل الذي هو التكسير لا يجوز على الأصنام عند القوم فما هو أعظم منه أولى أن لا يجوز عليها و أن لا يضاف إليها و الفرق بين القراءتين ظاهر لأن القراءة الأولى لها ظاهر الخبر فاحتجنا إلى تعليقه بالشرط ليخرج من أن يكون كذبا و القراءة الثانية تتضمن حرف الشك و الاستفهام فهما مختلفان على ما ترى فإن قيل أ ليس‏

قد روى بشر بن مفضل عن عوف عن الحسن قال بلغني أن رسول الله (ص) قال‏

: إن إبراهيم (ع) ما كذب متعمدا قط إلا ثلاث مرات كلهن يجادل بهن عن دينه قوله‏

إِنِّي سَقِيمٌ‏

و إنما تمارض عليهم لأن القوم خرجوا من قريتهم لعيدهم و تخلف هو ليفعل بآلهتهم ما فعل و قوله‏

بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ‏

و قوله لسارة إنها أختي لجبار من الجبابرة لما أراد أخذها

قلنا قد بينا بالأدلة العقلية التي لا يجوز فيها الاحتمال و لا خلاف الظاهر أن الأنبياء (ع) لا يجوز عليهم الكذب فما ورد بخلاف ذلك من الأخبار لا يلتفت إليه و يقطع على كذبه إن كان لا يحتمل تأويلا صحيحا لائقا بأدلة العقل فإن احتمل تأويلا طابقها تأولناه و وفقنا بينه و بينها و هكذا نفعل فيما يروى من الأخبار التي يتضمن ظواهرها الجبر و التشبيه فأما قوله (ع) إِنِّي‏

25

سَقِيمٌ فسنبين بعد هذه المسألة بلا فصل وجه ذلك و أنه ليس بكذب و قوله‏ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ قد بينا معناه و أوضحنا عنه و أما قوله (ع) لسارة إنها أختي فإن صح فمعناه أنها أختي في الدين و لم يرد إخوة النسب و أما ادعاؤهم على النبي (ص) أنه قال ما كذب إبراهيم (ع) إلا ثلاث كذبات فالأولى أن يكون كذبا عليه (ص) لأنه (ص) كان أعرف بما يجوز على الأنبياء (ع) و ما لا يجوز عليهم و يحتمل إن كان صحيحا أن يريد ما أخبر بما ظاهره الكذب إلا ثلاث دفعات فأطلق عليه اسم الكذب لأجل الظاهر و إن لم يكن على الحقيقة كذلك مسألة فإن قيل فما معنى قوله تعالى مخبرا عن إبراهيم (ع) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ و السؤال عليكم في هذه الآية من وجهين أحدهما أنه حكى عن نبيه النظر في النجوم و عندكم أن الذي يفعله المنجمون من ذلك ضلال و الآخر قوله (ع) إِنِّي سَقِيمٌ و ذلك كذب الجواب قيل له في هذه الآية وجوه منها أن إبراهيم (ع) كانت به علة تأتيه في أوقات مخصوصة فلما دعوه إلى الخروج معهم نظر إلى النجوم ليعرف منها قرب نوبة علته فقال إني سقيم و أراد أنه قد حضر وقت العلة و زمان نوبتها و شارف الدخول فيها و قد تسمي العرب المشارف للشي‏ء باسم الداخل فيه و لهذا يقولون فيمن أدنفه المرض و خيف عليه الموت هو ميت و قال الله تعالى لنبيه (ص) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ فإن قيل فلو أراد ما ذكرتموه لقال فنظر نظرة إلى النجوم و لم يقل في النجوم لأن لفظة في لا تستعمل إلا فيمن ينظر كما ينظر المنجم قلنا ليس يمتنع أن يريد بقوله في النجوم أنه نظر إليها لأن حروف الصلات يقوم بعضها مقام بعض قال الله تعالى‏ وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ و إنما أراد على جذوعها و قال الشاعر

اسهري ما سهرت أم حكيم‏* * * و اقعدي مرة لذاك و قومي‏

و افتحي الباب و انظري في النجوم‏* * * كم علينا من قطع ليل بهيم‏

26

و إنما أراد انظري إليها لتعرفي الوقت و منها أنه يجوز أن يكون الله تعالى أعلمه بالوحي أنه سيمتحنه بالمرض في وقت مستقبل و إن لم يكن قد جرت بذلك المرض عادته و جعل تعالى العلامة على ذلك ظاهرة له من قبل النجوم إما بطلوع نجم على وجه مخصوص أو أفول نجم على وجه مخصوص أو اقترانه بآخر على وجه مخصوص فلما نظر إبراهيم (ع) في الأمارة التي نصبت له من النجوم قال إني سقيم تصديقا بما خبره الله تعالى و منها ما قاله قوم في ذلك من أن من كان آخر أمره الموت فهو سقيم و هذا حسن لأن تشبيه الحياة المفضية إلى الموت بالسقم من أحسن التشبيه و منها أن يكون قوله‏ إِنِّي سَقِيمٌ‏ معناه أني سقيم القلب أو الرأي خوفا من إصرار قومه على عبادة الأصنام و هي لا تسمع و لا تبصر و يكون قوله‏ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ‏ على هذا المعنى معناه أنه نظر و فكر في أنها محدثة مدبرة مصرفة مخلوقة و عجب كيف يذهب على العقلاء ذلك من حالها حتى يعبدوها و يجوز أيضا أن يكون قوله تعالى‏ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ‏ معناه أنه شخص ببصره إلى السماء كما يفعل المفكر المتأمل فإنه ربما أطرق إلى الأرض و ربما نظر إلى السماء استعانة على فكره و قد قيل إن النجوم هاهنا هي نجوم النبت لأنه يقال لكل ما خرج من الأرض و غيرها و طلع إنه ناجم و قد نجم و يقال للجميع نجوم و يقولون نجم قرن الظبي و نجم ثدي المرأة و على هذا الوجه يكون إنما نظر في حال الفكر و الإطراق إلى الأرض فرأى ما نجم فيها و قيل أيضا إنه أراد بالنجوم ما نجم له من رأيه و ظهر له بعد إن لم يكن ظاهرا و هذا و إن كان يحتمله الكلام فالظاهر بخلافه لأن الإطلاق من قوله القائل نجوم لا يفهم من ظاهره إلا نجوم السماء دون نجوم الأرض و نجوم الرأي و ليس كلما قيل فيه إنه نجم فهو ناجم به على الحقيقة أن يقال فيه نجوم بالإطلاق و المرجع في هذا إلى‏

27

تعارف أهل اللسان و قد قال أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني إن معنى قوله تعالى‏ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ‏ أراد في القمر و الشمس لما ظن أنهما آلهة في حال مهلة النظر على ما قصه الله تعالى في قصته في سورة الأنعام و لما استدل بأفولهما و غروبهما على أنهما محدثان غير قديمين و لا إلهين و أراد بقوله‏ إِنِّي سَقِيمٌ‏ أني لست على يقين من الأمر و لا شفاء من العلم و قد يسمى الشك بأنه سقم كما يسمى العلم بأنه شفاء قال و إنما زال عنه هذا السقم عند زوال الشك و كمال المعرفة و هذا الوجه يضعف من جهة أن القصة التي حكي عن إبراهيم (ع) فيها هذا الكلام يشهد ظاهرها بأنها غير القصة المذكورة في سورة الأنعام و أن القصة مختلفة لأن الله تعالى قال‏ وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ ما ذا تَعْبُدُونَ أَ إِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ‏ فبين تعالى كما ترى أنه جاء ربه بقلب سليم و إنما أراد به أنه كان سليما من الشك و خالصا للمعرفة و اليقين ثم ذكر أنه عاب قومه على عبادة الأصنام فقال‏ ما ذا تَعْبُدُونَ‏ فسمى عبادتهم بأنها إفك و باطل ثم قال‏ فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ‏ و هذا قول عارف بالله تعالى مثبت له على صفاته غير ناظر و لا ممثل و لا شاك فكيف يجوز أن يكون قوله من بعد ذلك‏ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ‏ أنه ظنها أربابا و آلهة و كيف يكون قوله‏ إِنِّي سَقِيمٌ‏ أي لست على يقين و لا شفاء و المعتمد في تأويل ذلك ما قدمناه مسألة فإن قال قائل فما قولكم في قوله تعالى‏ أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَ أُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ‏ و هذا يدل على انقطاع إبراهيم (ع) و عجزه عن نصرة دليله الأول و لهذا انتقل إلى حجة أخرى و ليس ينتقل المحتج من شي‏ء إلى غيره إلا على وجه القصور عن نصرته الجواب‏

28

قلنا ليس هذا بانقطاع من إبراهيم (ع) و لا عجز عن نصرة حجته الأولى و قد كان إبراهيم (ع) قادرا لما قال له الجبار الكافر أَنَا أُحْيِي وَ أُمِيتُ‏ في جواب قوله‏ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ‏ و يقال إنه دعا رجلين فقتل أحدهما و استحيا الآخر فقال عند ذلك‏ أَنَا أُحْيِي وَ أُمِيتُ‏ و موه بذلك على من بحضرته على أن يقول له ما أردت بقولي إن‏ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ‏ ما ظننته من استبقاء حي و إنما أردت به أنه يحيي الميت الذي لا حياة فيه إلا أن إبراهيم (ع) علم أنه إن أورد ذلك عليه التبس الأمر على الحاضرين و قويت الشبهة لأجل اشتراك الاسم فعدل إلى ما هو أوضح و أكشف و أبين و أبعد من الشبهة فقال‏ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ و لم يبق عنده شبهة و من كان قصده البيان و الإيضاح فله أن يعدل من طريق إلى آخر لوضوحه و بعده عن الشبهة و إن كان كل من الطريقين يفضي إلى الحق على أنه بالكلام الثاني ناصر للحجة الأولى و غير خارج عن سنن نصرتها لأنه لما قال‏ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ‏ فقال له في الجواب‏ أَنَا أُحْيِي وَ أُمِيتُ‏ فقال له إبراهيم (ع) من شأن هذا الذي يحيي و يميت أن يقدر على أن يأتي بالشمس من المشرق و يصرفها كيف يشاء فإن ادعيت أنت القدرة على ما يقدر الرب عليه فأت بالشمس من المغرب كما يأتي هو بها من المشرق فإذا عجزت عن ذلك علمنا أنك عاجز عن الحياة و الموت و مدع فيهما ما لا أصل له فإن قيل فلو قال له في جواب هذا الكلام و ربك لا يقدر أن يأتي بالشمس من المغرب فكيف تلزمني أن آتي بها من المغرب قلنا لو قال له ذلك لكان إبراهيم (ع) يدعو الله تعالى أن يأتي بالشمس من المغرب فيجيبه إلى ذلك و إن كان معجزا خارقا للعادة و لعل الخصم إنما عدل عن أن يقول له ذلك علما بأنه إذا سأل الله تعالى فيه أجابه إليه مسألة فإن قال قائل فما معنى قوله تعالى حاكيا عن إبراهيم (ع) رَبِ‏

29

أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى‏ قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى‏ وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي‏ أ و ليس هذا الكلام و الطلب عن إبراهيم (ع) يدلان على أنه لم يكن موقنا بأن الله تعالى يحيي الأموات و كيف يكون نبيا من يشك في ذلك أ و ليس قد روى المفسرون أن إبراهيم (ع) مر بحوت نصفه في البر و نصفه في البحر و دواب البر و البحر تأكل منه و أخطر الشيطان بباله استبعاد رجوع ذلك حيا مؤلفا مع تفرق أجزائه و انقسام أعضائه في بطون حيوان البر و البحر فشك فسأل الله تعالى ما تضمنته الآية

و روى أبو هريرة عن رسول الله ص‏

: نحن أحق بالشك من إبراهيم (ع)

الجواب قيل له ليس في الآية دلالة على شك إبراهيم (ع) في إحياء الموتى و قد يجوز أن يكون إنما سأل الله تعالى ذلك ليعلمه على وجه يبعد عن الشبهة و لا يعترض فيه شك و لا ارتياب و إن كان من قبل قد سلمه على وجه للشبهة فيه مجال و نحن نعلم أن مشاهدة ما شاهده إبراهيم (ع) من كون الطير حيا ثم تفرقه و تقطعه و تباين أجزائه ثم رجوعه حيا كما كان في الحال الأولى من الوضوح و قوة العلم و نفي الشبهة ما ليس لغيره من وجوه الاستدلالات و للنبي (ع) أن يسأل ربه تخفيف محنته و تسهيل تكليفه و الذي يبين صحة ما ذكرناه قوله تعالى‏ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى‏ وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي‏ فقد أجاب إبراهيم (ع) بمعنى جوابنا بعينه لأنه بين أنه (ع) لم يسأل ذلك لشك فيه و فقد إيمان به و إنما أراد الطمأنينة و هي ما أشرنا إليه من سكون النفس و انتفاء الخواطر و الوساوس و البعد عن اعتراض الشبهة و وجه آخر و هو أنه قد قيل إن الله تعالى لما بشر إبراهيم (ع) بخلته و اصطفائه و اجتبائه سأل الله تعالى أن يريه إحياء الموتى ليطمئن قلبه بالخلة لأن الأنبياء (ع) لا يعلمون صحة ما تضمنه الوحي إلا بالاستدلال فسأل إحياء الموتى لهذا الوجه لا للشك في قدرة الله تعالى على ذلك و وجه آخر و هو أن نمرود بن كنعان لما

30

قال لإبراهيم (ع) إنك تزعم أن ربك يحيي الموتى و أنه قد أرسلك إلى أن تدعوني إلى عبادته فاسأله أن يحيي لنا ميتا إن كان على ذلك قادرا فإن لم تفعل قتلتك قال إبراهيم (ع) رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى فيكون معنى قوله‏ وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي على هذا الوجه أي لآمن من القتل و يطمئن قلبي بزوال الروع و الخوف و هذا الذي ذكرناه و إن لم يكن مرويا على هذا الوجه فهو مجوز و إن جاز صلح أن يكون وجها في تأويل الآية مستأنفا و وجه آخر و هو أنه يجوز أن يكون إبراهيم (ع) إنما سأل إحياء الموتى لقومه ليزول شكهم في ذلك و شبهتهم و يجري مجرى سؤال موسى (ع) الرؤية لقومه ليصدر منه تعالى الجواب على وجه يزيل منه شبهتهم في جوازها عليه و يكون قوله‏ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي على هذا الوجه معناه أن نفسي تسكن إلى زوال شكهم و شبهتهم أو ليطمئن قلبي إلى إجابتك إياي فيما أسألك فيه و كل هذا جائز و ليس في الظاهر ما يمنع منه لأن قوله‏ وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ما تعلق في ظاهر الآية بأمر لا يسوغ العدول عنه مع التمسك بالظاهر و ما تعلقت هذه الطمأنينة به غير مصرح بذكره قلنا إن تعلقه بكل أمر يجوز أن يتعلق به فإن قيل فما معنى قوله تعالى‏ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ و هذا اللفظ استقبال و عندكم أنه كان مؤمنا فيما مضى قلنا معنى ذلك أ و لم تكن قد آمنت و العرب تأتي بهذا اللفظ و إن كان في ظاهره الاستقبال و تريد به الماضي فيقول أحدهم لصاحبه أ و لم تعاهدني على كذا و كذا و تعاقدني على أن لا تفعل كذا و كذا و إنما يريد الماضي دون المستقبل فإن قيل فما معنى قوله تعالى‏ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى‏ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ قلنا قد اختلف أهل العلم في معنى قوله‏ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ فقال قوم معنى‏ فَصُرْهُنَ أدنهن و أملهن قال الشاعر في وصف الإبل‏

تظل معقلات السوق خرصا* * * تصور أنوفها ريح الجنوب‏

31

أراد أن ريح الجنوب تميل أنوفها و تعطفها و قال الطرماح‏

عفائف أذيال أوان يصورها* * * هوى و الهوى للعاشقين صؤر

و يقول القائل لغيره صر وجهك إلي أي أقبل به علي و من حمل الآية على هذا الوجه لا بد أن يقدر محذوفا في الكلام يدل عليه سياق اللفظ و يكون تقدير الكلام خذ أربعة من الطير فأملهن إليك ثم قطعهن ثم اجعل على كل جبل منهن جزء و قال قوم إن معنى صرهن أي قطعهن و فرقهن و استشهدوا بقول توبة بن الحمير

فلما جذبت الحبل لطت نسوعه‏* * * بأطراف عيدان شديد أسورها

فأدنت لي الأسباب حتى بلغتها* * * بنهضي و قد كاد ارتقائي يصورها

و قال الآخر

يقولون إن الشام يقتل أهله‏* * * فمن لي إن لم آته بخلود

تغرب آبائي فهلا صراهم‏* * * من الموت إن لم يذهبوا و جدودي‏

أراد قطعهم و الأصل صرى يصري صريا من قولهم يأت يصري في حوضه إذا استسقى ثم قطع و الأصل صير فقدمت اللام و أخرت العين هذا قول الكوفيين و أما البصريون فإنهم يقولون إن صار يصير و يصور بمعنى واحد أي قطع و يستشهدون بالأبيات التي تقدمت و بقول الخنساء

فظلت الشتم منها و هي تنصار

و على هذا الوجه لا بد في الكلام من تقديم و تأخير و يكون التقدير فخذ أربعة من الطير إليك فصرهن أي قطعهن فإليك من صلة خذ لأن التقطيع لا يعدى بإلى فإن قيل فما معنى قوله تعالى‏ ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً و هل أمره بدعائهن و هن أحياء أو أموات و على كل حال فدعاؤهن قبيح لأن أمر و دعاء البهائم التي لا تعقل و لا تفهم قبيح و كذلك أمرهن و هن أعضاء متفرقة أظهر في القبح قلنا لم يرد ذلك إلا حال الحياة دون حال الفرق و التمزق و أراد بالدعاء الإشارة إلى تلك الطيور فإن الإنسان قد يشير إلى البهيمة بالمجي‏ء و الذهاب فتفهم عنه و يجوز أن يسمي ذلك دعاء إما على المجاز و قد قال أبو جعفر الطبري إن ذلك ليس بأمر و لا دعاء و لكنه عبارة

32

عن تكوين الشي‏ء و وجوده كما قال تعالى في الذين مسخهم‏ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ‏ و إنما خبر عن تكوينهم كذلك من غير أمر و لا دعاء فيكون المعنى على التأويل ثم اجعل على كل جبل منهن جزء فإن الله تعالى يؤلف تلك الأجزاء و يعيد الحياة فيها فيأتينك سعيا و هذا وجه قريب فإن قيل على الوجه الأول كيف يصح أن يدعوها و هي أحياء و ظاهر الآية يشهد بخلاف ذلك لأنه تعالى قال‏ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى‏ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً و قال عقيب هذا الكلام من غير فصل‏ ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً فدل ذلك على أن الدعاء توجه إليهن و هن أجزاء متفرقة قلنا ليس الأمر على ما ذكر في السؤال لأن قوله‏ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى‏ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً لا بد من تقدير محذوف بعده و هو فإن الله يؤلفهن و يحييهن‏ ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً و لا بد لمن حمل الدعاء لهن في حال التفرق و انتفاء الحياة من تقدير في الكلام عقيب قوله‏ ثُمَّ ادْعُهُنَ‏ لأنا نعلم أن تلك الأجزاء و الأعضاء لا تأتي عقيب الدعاء بلا فصل و لا بد من أن يقدر في الكلام عقيب قوله‏ ثُمَّ ادْعُهُنَ‏ فإن الله تعالى يؤلفهن و يحييهن فيأتينك سعيا فأما أبو مسلم الأصفهاني ففرارا من هذا السؤال حمل الكلام على وجه ظاهر الفساد لأنه قال إن الله تعالى أمر إبراهيم (ع) بأن يأخذ أربعة من الطيور و يجعل على كل جبل طيرا و عبر بالجزء عن واحد من الأربعة ثم أمره بأن يدعوهن و هن أحياء من غير إماتة تقدمت و لا تفرق من الأعضاء و يمرنهن على الاستجابة لدعائه و المجي‏ء إليه في كل وقت يدعوها فيه و نبهه بذلك على أنه تعالى إذا أراد إحياء الموتى و حشرهم أتوه من الجهات كلها مستجيبين و غير ممتنعين كما تأتي هذه الطيور بالتمرين و التعويد و هذا الجواب ليس بشي‏ء لأن إبراهيم (ع) إنما سأل الله أن يريه كيف يحيي الموتى و ليس في مجي‏ء الطيور و هي أحياء بالعادة و التمرين دلالة على ما سأل عنه و لا حجة فيه و إنما يكون في ذلك بيان المسألة إذا كان على الوجه الذي ذكرناه فإن قيل إذا كان إنما أمر بدعائهن بعد حال التأليف‏

33

و الحياة فأي فائدة في الدعاء و هو قد علم لما رآها تتألف أعضاؤها من بعد و تتركب أنها قد عادت إلى حال الحياة فلا معنى في الدعاء إلا أن يكون متناولا لها و هي متفرقة قلنا للدعاء فائدة بينة لأنه لا يتحقق من بعد رجوع الحياة إلى الطيور و إن شاهدها متألفة و إنما يتحقق ذلك بأن تسعى إليه و تقرب منه مسألة فإن قيل فما معنى قوله تعالى‏ وَ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ‏ و كيف يجوز أن يستغفر لكافر أو أن يعده بالاستغفار الجواب قلنا معنى هذه الآية أن أباه كان وعده بأن يؤمن و أظهر له الإيمان على سبيل النفاق حتى ظن به الخير فاستغفر له الله تعالى على هذا الظن‏ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ‏ أنه مقيم على كفره رجع عن الاستغفار له و تَبَرَّأَ مِنْهُ‏ على ما نطق به القرآن فكيف يجوز أن يجعل ذلك ذنبا لإبراهيم (ع) و قد عذره الله تعالى في قوله إن استغفاره إنما كان لأجل الموعدة و إنه تبرأ منه لما تبين له المقام على عداوة الله تعالى فإن قيل إن لم تكن هذه الآية دالة على إضافة الذنب إليه فالآية في سورة الممتحنة تدل على ذلك لأنه تعالى قال‏ قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَ الَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَ مِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَ بَدا بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَ الْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ‏ فأمر بالتأسي به إلا في هذا الفعل و بهذا يقتضي أنه قبيح قلنا ليس يجب ما ذكر في السؤال بل وجه استثناء استغفار إبراهيم (ع) لأبيه من جملة ما أمر الله تعالى بالتأسي به فيه أنه لو أطلق الكلام لأوهم الأمر بالتأسي به في ظاهر الاستغفار من غير علم بوجهه و الموعدة السابقة من أبيه له بالإيمان و أدى ذلك إلى حسن الاستغفار للكفار فاستثنى الاستغفار من جملة الكلام لهذا الوجه و لأنه لم يكن ما أظهره أبوه من الإيمان و وعده معلوما لكل أحد فيزول الإشكال في أنه استغفر لكافر

34

مصر على كفره و يمكن أيضا أن يكون قوله تعالى‏ إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ‏ استثناء من غير التأسي بل من الجملة الثانية التي تعقبها هذا القول بلا فصل و هي قوله‏ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ‏ إلى قوله‏ وَ بَدا بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَ الْبَغْضاءُ أَبَداً لأنه لما كان استغفار إبراهيم (ع) لأبيه مخالفا لما تضمنته هذه الجملة وجب استثناؤه و إلا توهم بظاهر الكلام أنه عامل أباه من العداوة و البغضاء بما عامل به غيره فأما قوله تعالى‏ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ‏ فقد قيل إن الموعدة إنما كانت من الأب بالإيمان للابن و هو الذي قدمناه و قيل إنها كانت من الابن بالاستغفار للأب في قوله‏ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ‏ و الأولى أن يكون الموعدة هي من الأب بالإيمان للابن لأنا إن حملناه على الوجه الثاني كانت المسألة قائمة و لقائل أن يقول و لم أراد أن يعده بالاستغفار و هو كافر و عند ذلك لا بد من أن يقال إنه أظهر له الإيمان حتى ظنه به فيعود إلى معنى الجواب الأول فإن قيل فما تنكرون من ذلك و لعل الوعد كان من الابن للأب بالاستغفار و إنما وعده به لأنه أظهر له الإيمان قلنا ظاهر القرآن يمنع من ذلك لأنه تعالى قال‏ وَ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ‏ فعلل حسن الاستغفار بالموعدة و لا يكون الموعدة مؤثرة في حسن الاستغفار إلا بأن يكون من الأب للابن بالإيمان لأنها إذا كانت من الابن لم يحسن له الاستغفار لأنه إن قيل إنما وعده الاستغفار لإظهاره له الإيمان فالمؤثر له في حسن الاستغفار هو إظهار الإيمان لا الموعدة فإن قيل أ فليس إسقاط عقاب الكفر و الغفران لمرتكبه كانا جائزين من طريق العقول و إنما منع منه السمع و الأخبار فجاز أن يكون إبراهيم (ع) إنما استغفر لأبيه لأن السمع لم يقطع له على عقاب الكفار و كان باقيا على حكم العقل و ليس يمكن أن يدعى أن ما في شرعنا من القطع على عقاب الكفار كان في شرعه لأن هذا لا سبيل إليه‏

35

قلنا هذا الوجه كان جائزا لو لا ما نطق القرآن به من خلافه لأنه تعالى لما قال‏ ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى‏ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ‏ ثم قال عاطفا على ذلك‏ وَ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ‏ فصرح بعلة حسن استغفاره و أنها الموعدة و لو كان الوجه في حسن الاستغفار ما تضمنه السؤال لوجب أن يعلل السؤال استغفاره لأبيه لأنه لم يعلم أنه من أهل النار لا محالة و لم يقطع في شرعه على عقاب الكفار و الكلام يقتضي خلاف هذا و يوجب أنه ليس لإبراهيم (ع) من ذلك ما ليس لنا و أن عذره فيه هو الموعدة دون غيرها قد قال أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي في تأويل الآية التي في سورة التوبة ما نحن ذاكروه و منبهون على خلل فيه قال بعد أن ذكر أن الاستغفار إنما كان لأجل الموعدة من الأب بالإيمان إن الله تعالى إنما ذكر قصة إبراهيم (ع) بعد قوله‏ ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ‏ لئلا يتوهم أحد أن الله عز و جل كان جعل لإبراهيم (ع) من ذلك ما لم يجعله للنبي (ص) لأن هذا الذي لم يجعله للنبي (ص) لا يجوز أن يجعله لأحد لأنه ترك للرضا بأفعال الله تعالى و أحكامه و هذا الذي ذكره غير صحيح على ظاهره لأنه يجوز أن يجعل لغير نبينا (ص) ممن لم يقطع له على أن الكفار معاقبون لا محالة أن يستغفر للكفار لأن العقل لا يمنع من ذلك و إنما يمنع السمع الذي فرضنا ارتفاعه فإن قال أردت أنه ليس لأحد ذلك مع القطع على العقاب قلنا ليس هكذا يقتضي ظاهر كلامك و قد كان يجب إذا أردت هذا المعنى أن تبينه و تزيل الإبهام عنه و إنما لم يجز أن يستغفر للكفار مع ورود الوعيد القاطع على عقابهم زائدا على ما ذكره أبو علي من أنه ترك‏

36

للرضا بأحكام الله لأن فيه سؤالا له تعالى أن يكذب في إخباره و أن يفعل القبيح من حيث أخبر بأنه لا يغفر للكافر مع الإصرار مسألة فإن قيل إذا كان من مذهبكم أن دعاء الأنبياء (ع) لا يكون إلا مستجابا و قد دعا إبراهيم (ع) ربه فقال‏ وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ‏ و قد عبد كثير من بنيه الأصنام و كذلك السؤال عليكم في قوله‏ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي‏ الجواب قيل له أما المفسرون فإنهم حملوا هذا الدعاء على الخصوص و جعلوه متناولا لمن أعلمه الله تعالى أنه يؤمن و لا يعبد الأصنام حتى يكون الدعاء مستجابا و بينوا أن العدول عن ظاهره المقتضي للعموم إلى الخصوص بالدلالة واجب و هذا الجواب صحيح و يمكن في الآية وجه آخر و هو أن يريد بقوله‏ وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ‏ أي افعل مجاوريهم من الألطاف ما يباعدنا من عبادة الأصنام و يصرف دواعينا عنها و قد يقال فيمن حذر من الشي‏ء و رغب في تركه و قويت صوارفه عن فعله إنه قد جنبه ألا ترى أن الوالد قد يقول لولده إذا كان قد حذره من بعض الأفعال و بين له قبحه و ما فيه من الضرر و زين له تركه و كشف له عما فيه له من النفع إنني قد جنبتك كذا و كذا و منعتك منه و إنما يريد ما ذكرناه و ليس لأحد أن يقول كيف يدعو إبراهيم (ع) بذلك و هو يعلم أن الله تعالى لا بد أن يفعل هذا اللطف المقوي لدواعي الإيمان لأن هذا السؤال أولا يتوجه على الجوابين جميعا لأنه تعالى لا بد أن يفعل اللطف الذي تقع الطاعة عنده لا محالة كما لا بد أن يفعل ما يقوي الدواعي إلى الطاعات و الجواب عن هذه الشبهة أن النبي (ع) لا يمتنع أن يدعو بما يعلم أن الله تعالى سيفعله لا محالة على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى و التذلل له و التعبد فأما قوله‏ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي‏ فالشبهة تقل فيه لأن ظاهر الكلام يقتضي الخصوص‏

37

في ذريته الكثير ممن أقام الصلاة مسألة فإن قيل فما معنى قوله تعالى‏ وَ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى‏ قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ و كيف يحضر إبراهيم (ع) للملائكة الطعام و هو يعلم أنها لا تطعم و من أي شي‏ء كانت مخافته منهم لما امتنعوا من تناول الطعام و كيف يجوز أن يجادل ربه فيما قضاه و أمر به الجواب قلنا أما وجه تقديم الطعام فلأنه (ع) لم يعلم في الحال أنهم ملائكة لأنهم كانوا في صورة البشر و ظنهم أضيافا و كان من عادته (ع) قراء الضيف فدعاهم إلى الطعام ليستأنسوا به و ينبسطوا فلما امتنعوا أنكر ذلك عليهم و ظن أن الامتناع لشر يريدونه حتى خبروه بأنهم رسل الله تعالى أنفذهم لإهلاك قوم لوط (ع) و أما الحنيذ فهو المشوي بالأحجار و قيل إن الحنيذ الذي يقطر ماؤه و دسمه و قد قيل إن الحنيذ هو النضيج و أنشد أبو العباس‏

إذا ما اعتبطنا اللحم للطالب القرى‏* * * حنذناه حتى يمكن اللحم أكله‏

فإن قيل فكيف صدقهم في دعوتهم أنهم ملائكة قلنا لا بد من أن يقترن بهذه الدعوى علم يقتضي التصديق و يقال إنهم دعوا الله بإحياء العجل الذي كان ذبحه و سواه لهم فعاد حيا يرعى و أما قوله‏ يُجادِلُنا فقيل معناه يجادل رسلنا و علق المجادلة به تعالى من حيث كانت لرسله و إنما جادلهم مستفهما منهم هل العذاب نازل على سبيل الاستيصال أو على التخويف و هل هو عام للقوم أو خاص و عن طريق نجاة لوط (ع) و أهله المؤمنين ممن لحق القوم و سمي ذلك جدالا لما كان فيه من المراجعة و الاستثبات على سبيل المجاز و قيل إن معنى‏ يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (ع) يسائلنا أن تؤخر عذابهم رجاء أن يؤمنوا و أن يستأنفوا الصلاح فخبره الله تعالى بأن المصلحة في إهلاكهم و أن كلمة العذاب قد حقت عليهم و سمي المسألة جدالا على سبيل المجاز فإن قيل فما معنى قوله تعالى‏ فَلَمَّا ذَهَبَ‏

38

عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَ جاءَتْهُ الْبُشْرى‏ يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ فأتى بفعل مستقبل بعد لما و من شأن ما يأتي بعدها أن يكون ماضيا قلنا عن ذلك جوابان أحدهما أن في الكلام محذوفا و المعنى أقبل يجادلنا أو جعل يجادلنا و إنما حذفه لدلالة الكلام عليه و اقتضائه له و الجواب الآخر أن لفظة لما تطلب في جوابها الماضي كطلب لفظة إن في جوابها المستقبل فلما استحسنوا أن يأتوا في جواب إن بالماضي و معناه الاستقبال لدلالة إن عليه استحسنوا أن يأتوا بعد لما بالمستقبل تعويلا على أن اللفظة تدل على مضيه فلما قالوا إن زرتني زرتك و هم يريدون إن تزرني أزرك قالوا لما تزرني أزرك و هم يريدون لما زرتني زرتك و أنشدوا في دخول الماضي في جواب إن قول الشاعر

إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا* * * مني و ما سمعوا من صالح دفنوا

و قول الآخر في دخول المستقبل جوابا بالماضي‏

و ميعاد قوم إن أرادوا لقاءنا* * * بجمع مني إن كان للناس مجمع‏

يروا خارجيا لم ير الناس مثله‏* * * تشير لهم عين إليه و إصبع‏

و يمكن في هذا جواب آخر و هو أن يجعل يجادلنا حالا لا جوابا للفظة لما و يكون المعنى أن البشرى جاءته في حال الجدال للرسل فإن قيل فأين جواب لما على هذا الوجه قلنا يمكن أن نقدره في أحد موضعين إما في قوله تعالى‏ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ‏ و يكون التقدير قلنا إن إبراهيم كذلك و الموضع الآخر أن يكون أراد تعالى‏ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَ جاءَتْهُ الْبُشْرى‏ يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ ناديناه يا إبراهيم فجواب لما هو نادينا و إن كان محذوفا و دل عليه لفظة النداء و كل هذا جايز مسألة فإن قيل قد حكى الله تعالى عن إبراهيم (ع) قوله لقومه‏ أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ‏ و ظاهر القول يقتضي أنه تعالى خلق أعمال العباد فما الوجه فيه و ما عذر إبراهيم (ع) في إطلاقه الجواب قلنا

39

من تأمل هذه الآية حق التأمل علم أن معناها بخلاف ما تظنه المجبرة لأنه تعالى خبر عن إبراهيم (ع) بأنه عير قومه بعبادة الأصنام و اتخاذها آلهة من دون الله تعالى بقوله‏ أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ‏ و إنما أراد المنحوت و ما حله النحت دون عملهم الذي هو النحت لأن القوم لم يكونوا يعبدون النحت الذي هو فعلهم في الأجسام و إنما كانوا يعبدون الأجسام أنفسها ثم قال‏ وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ‏ و هذا الكلام لا بد من أن يكون متعلقا بالأول و متضمنا لما يقتضي المنع من عبادة الأصنام و لا يكون بهذه الصفة إلا و المراد بقوله و ما تعملون الأصنام التي كانوا ينحتونها فكأنه قال كيف تعبدون ما خلقه الله تعالى كما خلقكم و ليس لهم أن يقولوا إن الكلام الثاني قد يتعلق بالكلام الأول على خلاف ما قدرتموه لأنه إذا أراد أن الله خلقكم و خلق أعمالكم فقد تعلق الثاني بالأول لأن من خلقه الله تعالى لا يجوز أن يعبد غيره و ذلك أنه لو أراد ما ظنوه لكفى أن يقول‏ وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ‏ و يصير ما ضمه إلى ذلك من قوله‏ وَ ما تَعْمَلُونَ‏ لغوا لا فائدة فيه و لا تعلق له بالإل و لا تأثير له في المنع من عبادة الأصنام فصح أنه أراد ما ذكرناه من المعمول فيه ليطابق قوله‏ أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ‏ فإن قالوا هذا عدول عن الظاهر في قوله‏ وَ ما تَعْمَلُونَ‏ لأن هذه اللفظة لا تستعمل على سبيل الحقيقة إلا في العمل دون المعمول فيه و لهذا يقولون أعجبني ما تعمل و ما تفعل مكان قولهم أعجبني عملك و فعلك قيل لهم ليس بمسلم لكم أن الظاهر ما ادعيتموه لأن هذه اللفظة قد تستعمل في المعمول فيه و العمل على حد واحد بل استعمالها في المعمول فيه أظهر و أكثر ألا ترى أنه تعالى قال في العصا تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ‏ و في آية أخرى‏ وَ أَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا و معلوم أنه لم يرد أنها تلقف أعمالهم التي هي الحركات و الاعتمادات و إنما أراد أنها تلقف الحبال و غيرها مما حله الإفك و قد قال‏

40

الله تعالى‏ يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَ تَماثِيلَ وَ جِفانٍ كَالْجَوابِ وَ قُدُورٍ راسِياتٍ‏ فسمى المعمول فيه عملا و يقول القائل في الباب إنه عمل النجار و كذلك في الناسج و الصائغ و هاهنا مواضع لا نستعمل فيها ما مع الفعل إلا و المراد بها الأجسام دون الأعراض التي هي فعلنا لأن القائل إذا قال أعجبني ما تأكل و ما تشرب و ما تلبس لم يجز حمله إلا على المأكول و المشروب و الملبوس دون الأكل و الشرب و اللبس فصح أن لفظة ما فيما ذكرناه أشبه بأن تكون حقيقة و فيما ذكروه أشبه بأن تكون مجازا و لو لم يثبت فيها إلا أنها مشتركة في الأمرين و حقيقة فيهما لكان كافيا في إخراج الظاهر من أيديهم و إبطال ما تعلقوا به و ليس لهم أن يقولوا كل موضع استعملت فيه لفظة ما مع الفعل و أريد بها المفعول فيه إنما علم بدليل و الظاهر بخلافه و ذلك أنه لا فرق بينهم في هذه الدعوى و بين من عكسها فادعى أن لفظة ما إذا استعملت مع الفعل و أريد بها المصدر دون المفعول فيه كانت محمولة على ذلك بالدليل و على سبيل المجاز و الظاهر بخلافه على أن التعليل و تعلق الكلام الثاني بالأول على ما بيناه أيضا ظاهر فيجب أن يكون مراعى و قد بينا أيضا أنه متى حمل الكلام على ما ظنوه لم يكن الثاني معلقا بالأول و لا تعليلا فيه و الظاهر يقتضي ذلك فقد صار فيما ادعوه عدول عن الظاهر الذي ذكرناه في معنى الآية و لو سلم ما ادعوه من الظاهر في معنى اللفظة معه لتعارضتا فكيف و قد بينا أنه غير سليم و لا صحيح و بعد فإن قوله‏ وَ ما تَعْمَلُونَ‏ لا يستقل بالفائدة بنفسه و لا بد من أن يقدر محذوف يرجع إلى ما التي هي بمعنى الذي و ليس لهم أن يقدروا الهاء ليسلم ما ادعوه و ليسوا بأولى منا إذا قدرنا لفظة فيه لأن كلا الأمرين محذوف و ليس تقدير أحدهما بأولى من الآخر إلا بدليل هذا على أنا قد بينا أن مع تقدير الهاء يكون الكلام محتملا لما ذكرناه كاحتماله لما ذكروه و مع تقديرنا

41

الذي بيناه يكون الكلام مختصا غير مشترك فصرنا بالظاهر أولى منهم و صار للمعنى الذي ذهبنا إليه الرجحان على معناه على أن معنى الآية و المقصود منها يدلان على ما ذكرناه حتى أنا لو قدرنا ما ظنه المخالف لكان ناقضا للغرض في الآية و و مبطلا لفائدتها لأنه تعالى خبر عن إبراهيم (ع) بأنه قرعهم و وبخهم بعبادة الأصنام و احتج عليهم بما يقتضي العدول عن عبادتهم و لو كان مراده بالآية ما ظنوه من أنه تعالى خلقهم و خلق أعمالهم و قد علمنا أن عبادتهم للأصنام من جملة أعمالهم فكأنه قال و الله خلقكم و خلق عبادتكم للأصنام لوجب أن يكون عاذرا لهم و مزيلا للوم عنهم لأن الإنسان لا يذم على ما خلق فيه و لا يعاتب و لا يوبخ و بعد فلو حملنا الآية على ما توهموه لكان الكلام متناقضا من وجه آخر لأنه قد أضاف العمل إليهم بقوله‏ وَ ما تَعْمَلُونَ‏ و ذلك يمنع من كونه خلقا لله تعالى لأن العامل للشي‏ء هو من أحدثه و أخرجه من العدم إلى الوجود و الخلق في هذا الوجه لا يفيد إلا هذا المعنى فكيف يكون خالقا و محدثا لما أحدثه غيره و عمله على أن الخلق إذا كان هو التقدير في اللغة فقد يكون الخالق خالقا لفعل غيره إذا كان مقدرا له و مدبرا و لهذا يقولون خلق الأديم فيمن قدره و دبره و إن كان ما أحدث الأديم نفسه فلو حملنا قوله‏ وَ ما تَعْمَلُونَ‏ على أفعالهم دون ما فعلوا فيه من الأجسام لكان على هذا الوجه صحيحا و يكون المعنى و الله دبركم و دبر أعمالكم و إن لم يكن محدثا لها و فاعلا و كل هذه الوجوه واضح لا إشكال فيه بحمد الله تعالى و منه‏

يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ع‏

فإن قيل فما معنى تفضيل يعقوب (ع) ليوسف (ع) على إخوته في البر و التقريب و المحبة حتى أوقع ذلك التحاسد بينهم و بينه و أفضى إلى الحال المكروهة التي نطق بها القرآن حتى قالوا على ما حكاه الله تعالى عنهم‏ لَيُوسُفُ وَ أَخُوهُ أَحَبُّ إِلى‏ أَبِينا مِنَّا

42

وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏ فنسبوه إلى الضلال و الخطاء و ليس لكم أن تقولوا إن يعقوب (ع) لم يعلم بذلك من حالهم قبل أن يكون منه التفضيل ليوسف (ع) لأن ذلك لا بد من أن يكون معلوما من حيث كان في طباع البشر من التنافس و التحاسد الجواب عنه قيل ليس فيما نطق به القرآن ما يدل عن أن يعقوب (ع) فضله بشي‏ء من فعله و واقع من جهته لأن المحبة التي هي ميل الطباع ليست مما يكتسبه الإنسان و يختاره و إنما ذلك موقوف على فعل الله تعالى فيه و لهذا ربما يكون للرجل عدة أولاد فيحب أحدهم دون غيره و ربما يكون المحبوب أدونهم في الجمال و الكمال و قد قال الله تعالى‏ وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ‏ و إنما أراد ما بيناه من ميل النفس الذي لا يمكن الإنسان أن يعدل فيه بين نسائه لأن ما عدا ذلك من البر و العطاء و التقريب و ما أشبه يستطيع الإنسان أن يعدل فيه بين النساء فإن قيل فكأنكم نفيتم عن يعقوب (ع) القبيح و الاستفساد و أضفتموهما إلى الله تعالى فما الجواب عن هذه المسألة على هذا الوجه قلنا عنها جوابان أحدهما أنه لا يمتنع أن يكون الله تعالى علم أن إخوة يوسف (ع) سيكون بينهم ذلك التحاسد و الفعل القبيح على كل حال و إن لم يفضل يوسف (ع) عليهم في محبة أبيه لهم و إنما يكون ذلك استفسادا إذا وقع عنده الفساد و ارتفع عند ارتفاعه و لم يكن تمكينا و الجواب الآخر أن يكون ذلك جاريا مجرى التمكين [الامتحان‏] و التكليف الشاق لأن هؤلاء الإخوة متى امتنعوا من حسد أخيهم و البغي عليه و الإضرار به و هو غير مفضل عليهم و لا مقدم لا يستحقونه إذا امتنعوا من ذلك مع التقديم و التفضيل فأراد الله تعالى منهم أن يمتنعوا على هذا الوجه الشاق و إذا كان مكلفا على هذا الوجه فلا استفساد في تمييل طباع أبيهم إلى محبة يوسف (ع) لأن بذلك ينتظم‏

43

هذا التكليف و يجري هذا الباب مجرى خلق إبليس مع علمه تعالى بضلال من ضل عند خلقه ممن لو لم يخلقه لم يكن ضالا و مجرى زيادة الشهوة فيمن يعلم منه تعالى عند هذه الزيادة أنه يفعل قبيحا لولاها لم يفعله و وجه آخر في الجواب عن أصل المسألة و هو أنه يجوز أن يكون يعقوب (ع) مفضلا ليوسف (ع) في العطاء و التقريب و الترحيب و البر الذي يصل إليه من جهته و ليس ذلك بقبيح لأنه لا يمتنع أن يكون يعقوب (ع) لم يعلم أن ذلك يؤدي إلى ما أدى إليه و يجوز أن يكون رأى من سيرة إخوته و سدادهم و جميل ظاهرهم ما غلب في ظنه أنهم لا يحسدونه و إن فضله عليهم فإن الحسد و إن كان كثيرا ما يكون في الطباع فإن كثيرا من الناس يتنزهون عنه و يجتنبونه و يظهر من أحوالهم أمارات يظن معها بهم ما ذكرناه و ليس التفضيل لبعض الأولاد على بعض في العطاء محاباة لأن المحاباة هي المفاعلة من الحباء و معناها أن تحبو غيرك ليحبوك و هذا خارج عن معنى التفضيل بالبر الذي لا يقصد به ما ذكرناه فأما قولهم‏ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏ فلم يريدوا به الضلال عن الدين و إنما أرادوا به الذهاب عن التسوية بينهم في العطية لأنهم رأوا أن ذلك أصوب في تدبيرهم و أصل الضلال هو العدول و كل من عدل عن شي‏ء و ذهب عنه فقد ضل و يجوز أيضا أن يريدوا بذلك الضلال عن الدين لأنهم خبروا عن اعتقادهم و قد يجوز أن يعتقدوا في الصواب الخطاء فإن قيل كيف يجوز أن يقع من إخوة يوسف (ع) هذا الخطاء العظيم و الفعل القبيح و قد كانوا أنبياء في الحال فإن قلتم لم يكونوا أنبياء في الحال قيل لكم فأي منفعة في ذلك لكم و أنتم تذهبون إلى أن الأنبياء (ع) لا يواقعون القبائح قبل النبوة و لا بعدها قلنا لم تقم الحجة بأن إخوة يوسف (ع) الذين فعلوا به ما فعلوا كانوا أنبياء في حال من الأحوال و إذا لم تقم بذلك حجة

44

جاز على هؤلاء الإخوة من فعل القبيح ما يجوز على كل مكلف لم تقم حجة بعصمته و ليس لأحد أن يقول كيف تدفعون نبوتهم و الظاهر أن الأسباط من بني يعقوب كانوا أنبياء لأنه لا يمتنع أن يكون الأسباط الذين كانوا أنبياء غير هؤلاء الإخوة الذين فعلوا بيوسف (ع) ما قصه الله تعالى عنهم و ليس في ظاهر الكتاب أن جميع إخوة يوسف (ع) و سائر أسباط يعقوب (ع) كادوا يوسف (ع) بما حكاه الله تعالى من الكيد و قد قيل إن هؤلاء الإخوة في تلك الحال لم يكونوا بلغوا الحلم و لا توجه إليهم التكليف و قد يقع ممن قارب البلوغ من الغلمان مثل هذه الأفعال و قد يلزمهم بعض العقاب و اللوم فإن ثبت هذا الوجه سقطت المسألة أيضا مع تسليم أن هؤلاء الإخوة كانوا أنبياء في المستقبل مسألة فإن قيل فلم أرسل يعقوب (ع) يوسف (ع) مع إخوته مع خوفه عليه منهم و قوله‏ وَ أَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَ أَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ‏ و هل هذا إلا تغرير و مخاطرة الجواب قيل له ليس يمتنع أن يكون يعقوب (ع) لما رأى ببنيه ما رأى من الإيمان و العهود و الاجتهاد في الحفظ و الرعاية لأخيهم ظن مع ذلك السلامة و غلبة النجاة بعد أن كان خائفا مغلبا لغير السلامة و قوي في نفسه أن يرسله معهم إشفاقه من إيقاع الوحشة و العداوة بينهم لأنه إذا لم يرسله مع الطلب منهم و الحرص علموا أن سبب ذلك هو التهمة لهم و الخوف من ناحيتهم منه و من يوسف (ع) و انضاف هذا الداعي إلى ما ظنه من السلامة و النجاة فأرسله مسألة فإن قيل فما معنى قولهم ليعقوب (ع) وَ ما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَ لَوْ كُنَّا صادِقِينَ‏ و كيف يجوز أن ينسبوه إلى أنه لا يصدق الصادق و يكذبه الجواب أنهم لما علموا على مرور الأيام شدة تهمة أبيهم لهم و خوفه على أخيهم منهم لما كان يظهر منهم من أمارات الحسد و النفاسة أيقنوا بأنه (ع) يكذبهم فيما أخبروا به من أكل الذئب أخاهم فقالوا له إنك لا تصدقنا في هذا الخبر لما

45

سبق إلى قلبك و إن كنا صادقين و قد يفعل مثل المخادع للماكر إذا أراد أن يوقع في قلب من يخبره بالشي‏ء صدقه لأن القتل من أقطع مصائب الدنيا فيقول أنا أعلم أنك لا تصدقني في كذا و كذا و إن كنت صادقا و هذا بين مسألة فإن قال قائل فلم أسرف يعقوب (ع) في الحزن و التهالك و ترك التماسك حتى ابيضت عيناه من البكاء و الحزن و من شأن الأنبياء (ع) التجلد و التصبر و تحمل الأثقال و لو لا هذه الحال ما عظمت منازلهم و ارتفعت درجاتهم الجواب قيل له إن يعقوب (ع) بلي و امتحن في ابنه بما لم يمتحن به أحد قبله لأن الله تعالى رزقه مثل يوسف (ع) أحسن الناس و أجملهم و أكملهم علما و فضلا و أدبا و عفافا ثم أصيب به من أعجب مصيبة و أطرفها لأنه لم يمرض بين يديه مرضا يئول إلى الموت فيسليه عنه تمريضه له ثم يأسه منه بالموت بل فقد فقدا لا يقطع معه على الهلاك فييأس منه و لا يجد أمارة على حياته و سلامته فيرجو و يطمع و كان متردد الفكر بين يائس و طمع و هذا أغلظ ما يكون على الإنسان و أذكى لقلبه و قد يرد على الإنسان من الحزن ما لا يملك رده و لا يقوى على دفعه و لهذا لم يكن أحدنا منهيا عن مجرد الحزن و البكاء و إنما نهي عن اللطم و النوح و أن يطلق لسانه بما يسخط ربه‏

و قد بكى نبينا (ص) على ابنه إبراهيم (ع) عند وفاته و قال العين تدمع و القلب يخشع و لا نقول ما يسخط الرب‏

و هو (ص) القدوة في جميع الآداب و الفضائل على أن يعقوب (ع) إنما أبدى من حزنه يسيرا من كثير و كان ما يخفيه و يتصبر عليه و يغالبه أكثر و أوسع مما أظهره و بعد فإن التجلد على المصائب و كظم الغيظ و الحزن من المندوب إليه و ليس بواجب لازم و قد يعدل الأنبياء (ع) عن كثير من المندوبات الشاقة و إن كانوا يفعلون من ذلك الكثير مسألة فإن قال قائل كيف لم يتسل يعقوب (ع) و يخفف عنه الحزن ما تحققه من رؤيا ابنه يوسف ع‏

46

و رؤيا الأنبياء (ع) لا تكون إلا صادقة الجواب قيل له عن ذلك جوابان أحدهما أن يوسف (ع) رأى تلك الرؤيا و هو صبي غير نبي و لا موحى إليه فلا وجه في تلك الحال للقطع على صدقها و صحتها و الآخر أن أكثر ما في هذا الباب أن يكون يعقوب (ع) قاطعا على بقاء ابنه و أن الأمر سيئول فيه إلى ما تضمنته الرؤيا و هذا لا يوجب نفي الحزن و الجزع لأنا نعلم أن طول المفارقة و استمرار الغيبة يقتضيان الحزن مع القطع على أن المفارق باق يجوز أن يئول حاله إلى القدوم و قد جزع الأنبياء (ع) و من جرى مجراهم من المؤمنين المطهرين من مفارقة أولادهم و أحبائهم مع ثقتهم بالالتقاء بهم في الآخرة و الحصول معهم في الجنة و الوجه في ذلك ما ذكرناه‏

يوسف بن يعقوب ع‏

مسألة فإن قيل كيف صبر يوسف (ع) على العبودية و لم لم ينكرها فيبرأ من الرق و كيف يجوز على نبي الصبر على أن يستعبد و يسترق الجواب قيل إن يوسف (ع) في تلك الحال لم يكن نبيا على ما قاله كثير من الناس و لما خاف على نفسه القتل جاز أن يصبر على الاسترقاق و من ذهب إلى هذا الوجه يتأول قوله تعالى‏ وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ‏ على أن الوحي لم يكن في تلك الحال بل كان في غيرها و يصرف ذلك إلى الحال المستقبلة المجمع على أنه (ع) كان فيها نبيا و وجه آخر و هو أن الله تعالى لا يمتنع أن يكون أمره بكتمان أمره و الصبر على مشقة العبودية امتحانا و تشديدا في التكليف كما امتحن أبويه إبراهيم و إسحاق (ع) أحدهما بنمرود و الآخر بالذبح و وجه آخر و هو أنه يجوز أن يكون قد خبرهم بأنه غير عبد و أنكر عليهم ما فعلوه من استرقاقه إلا أنهم لم يسمعوا منه و لا أصغوا إلى قوله و إن لم ينقل ذلك فليس كل ما جرى في تلك الأزمان قد اتصل بنا و وجه آخر

47

و هو أن قوما قالوا إنه خاف القتل و كتم أمر نبوته و صبر على العبودية و هذا جواب فاسد لأن النبي (ع) لا يجوز أن يكتم ما أرسل به خوفا من القتل لأنه يعلم أن الله تعالى لم يبعثه للأداء إلا و هو عاصم له من القتل حتى يقع أداء و تسمع الدعوة و إلا كان ذلك نقضا للغرض مسألة فإن قيل فما تأويل قوله تعالى حاكيا عن يوسف (ع) و امرأة العزيز وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى‏ بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ الجواب أن الهم في اللغة ينقسم إلى وجوه منها العزم على الفعل كقوله تعالى‏ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ أي أرادوا و عزموا قال الشاعر

هممت و لم أفعل و كدت و ليتني‏* * * تركت على عثمان تبكي حلائله‏

و مثله قول الخنساء

و فضل مرداسا على الناس حلمه‏* * * و إن كان هم همه فهو فاعله‏

و مثله قول حاتم الطائي‏

و لله صلعوك يساور همه‏* * * و يمضي على الأيام و الدهر مقدما

و من وجوه الهم خطور الشي‏ء بالبال و إن لم يقع العزم عليه قال الله تعالى‏ إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَ اللَّهُ وَلِيُّهُما و إنما أراد تعالى أن الفشل خطر ببالهم و لو كان لهم في هذا المكان عزم [في هذا المكان عزما] لما كان الله تعالى وليهما لأنه تعالى يقول‏ وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى‏ فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ و إرادة المعصية و العزم عليها معصية و قد تجاوز ذلك قوم حتى قالوا إن العزم على الكبيرة كبيرة و على الصغيرة صغيرة و على الكفر كفر و لا يجوز أن يكون الله تعالى ولي من عزم على الفرار من نصرة نبيه (ص) و أسلمه إلى السوء و مما يشهد أيضا بذلك قول كعب بن زهير

فكم فيهم من سيد متوسع‏* * * و من فاعل للخير إن هم أو عزم‏

ففرق كما ترى بين الهم و العزم و ظاهر التفرقة يقتضي اختلاف المعنى و من وجوه الهم أن يستعمل بمعنى المقاربة فيقولون هم بكذا و كذا أي كاد يفعله قال ذو الرمة

48

أقول المسعود بجرعاء مالك‏* * * و قد هم دمعي أن يلج أوائله‏

و الدمع لا يجوز عليه العزم و إنما أراد أنه كاد و قارب و قال أبو الأسود الدؤلي‏

و كنت متى تهمم يمينك مرة* * * لتفعل خيرا تقتفيها شمالكا

و على هذا خرج قوله تعالى‏ جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ أي يكاد و قال الحارث‏

يريد الرمح صدر أبي براء* * * و يرغب من دماء بني عقيل‏

و من وجوه الهم الشهوة و ميل الطباع لأن الإنسان قد يقول فيما يشتهيه و يميل طبعه إليه ليس هذا من همي و هذا أهم الأشياء إلي و التجوز باستعمال الهمة مكان الشهوة ظاهر في اللغة و قد روي هذا التأويل عن الحسن البصري قال أما همها فكان أخبث الهم و أما همه (ع) فما طبع عليه الرجال من شهوة النساء فإذا كانت وجوه هذه اللفظة مختلفة متسعة على ما ذكرناه نفينا عن نبي الله ما لا يليق به و هو العزم على القبيح و أجزنا باقي الوجوه لأن كل واحد منها يليق بحاله فإن قيل فهل يسوغ حمل الهم في الآية على العزم و الإرادة و يكون مع ذلك لها وجه صحيح يليق بالنبي (ع) قلنا نعم متى حملنا اللهم هاهنا على العزم جاز أن نعلقه بغير القبيح و نجعله متناولا لضربها أو دفعها عن نفسه كما يقول القائل قد كنت هممت بفلان أي بأن أوقع به ضربا أو مكروها فإن قيل فأي فائدة على هذا التأويل في قوله تعالى‏ لَوْ لا أَنْ رَأى‏ بُرْهانَ رَبِّهِ‏ و الدفع لها عن نفسه طاعة لا يصرف البرهان عنها قلنا يجوز أن يكون لما هم بدفعها و ضربها أراه الله تعالى برهانا على أنه إن أقدم على ما هم به أهلكه أهلها و قتلوه أو أنها تدعي عليه المراودة على القبيح و تقذفه بأنه دعاها إليه و ضربها لامتناعها منه فأخبر الله تعالى أنه صرف بالبرهان عنه السوء و الفحشاء اللذين هما القتل و المكروه أو ظن القبيح به أو اعتقاده فيه فإن قيل هذا الجواب يقضي أن جواب لفظة لو لا يتقدمها في ترتيب الكلام و يكون التقدير لو لا أن رأى برهان ربه لهم بضربها و تقدم جواب لو لا قبيح أو يقتضي أن يكون لو لا بغير جواب‏

49

قلنا أما تقدم جواب لو لا فجائز مستعمل و سنذكر ذلك فيما نستأنفه من الكلام عند الجواب المختص بذلك و نحن غير مفترقين إليه في جوابنا هذا لأن العزم على الضرب و الهم به قد وقع إلا أنه انصرف عنه بالبرهان الذي رآه و يكون تقدير الكلام و تلخيصه و لقد همت به و هم بدفعها لو لا أن رأى برهان ربه لفعل ذلك فالجواب المتعلق بلو لا محذوف في الكلام كما حذف الجواب في قوله‏ وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ وَ أَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ و معناه و لو لا فضل الله عليكم لهلكتم و مثله‏ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ معناه لو تعلمون علم اليقين لم تتنافسوا في الدنيا و لم تحرصوا على حطامها و قال إمرؤ القيس‏

فلو أنها نفس تموت سوية* * * و لكنها نفس تساقط أنفسا

أراد فلو أنها نفس تموت سوية لتقضت و فنيت فحذف الجواب تعويلا على أن الكلام يقتضيه و يتعلق به على أن من حمل هذه الآية على الوجه الذي لا يليق بنبي الله و أضاف العزم على المعصية إليه لا بد له من تقدير جواب محذوف و يكون التقدير على تأويله و لقد همت بالزناء و هم بمثله لو لا أن رأى برهان ربه لفعل فإن قيل متى علقتم العزم في الآية و الهم بالضرب أو الدفع كان ذلك مخالفا للظاهر قلنا ليس الأمر على ما ظنه هذا السائل لأن الهم في ظاهر الآية متعلق بما لا يصح أن يتعلق به العزم و الإرادة على الحقيقة لأنه تعالى قال‏ وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها فتعلق الهم في ظاهر الكلام بذواتهما و الذوات الموجودة الباقية لا يصح أن يراد و يعزم عليها فلا بد من تقدير أمر محذوف يتعلق العزم به مما يرجع إليهما و يختصان به و رجوع الضرب و الدفع إليهما كرجوع ركوب الفاحشة فلا ظاهر للكلام يقتضي خلاف ما ذكرناه أ لا ترى أن القائل إذا قال قد هممت بفلان فظاهر الكلام يقتضي تعلق عزمه و همه بأمر يرجع إلى فلان و ليس بعض الأفعال بذلك أولى من بعض فقد يجوز أن يريد أنه هم بقصده أو بإكرامه أو بإهانته أو غير ذلك من ضروب الأفعال على أنه لو كان للكلام ظاهرا

50

يقتضي خلاف ما ذكرناه و إن كنا قد بينا أن الأمر بخلاف ذلك لجاز أن نعدل عنه و نحمله على خلاف الظاهر للدليل العقلي الدال على تنزيه الأنبياء (ع) عن القبائح فإن قيل الكلام في قوله تعالى‏ وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها خرج مخرجا واحدا فلم جعلتم همها به متعلقا بالقبح و همه بها متعلقا بالضرب و الدفع على ما ذكرتم قلنا أما الظاهر فلا يدل على الأمر الذي تعلق به الهم و العزم منهما جميعا و إنما أثبتنا همها به متعلقا بالقبيح لشهادة الكتاب و الآثار بذلك و هي ممن يجوز عليها فعل القبيح و لم يؤمن دليل من جوازه عليها كما أمن ذلك فيه (ع) و الموضع الذي يشهد بذلك من الكتاب قوله تعالى‏ وَ قالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏ و قوله تعالى‏ وَ راوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ‏ و قوله تعالى حاكيا عنها الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ‏ و في موضع آخر قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَ لَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ‏ و الآثار واردة بإطباق مفسري القرآن و متأوليه على أنها همت بالمعصية و الفاحشة و أما هو (ع) فقد تقدم من الأدلة العقلية ما يدل على أنه لا يجوز أن يفعل القبيح و لا يعزم عليه و قد استقصينا ذلك في صدر هذا الكتاب فأما ما يدل من القرآن على أنه (ع) ما هم بالفاحشة و لا عزم عليها فمواضع كثيرة منها قوله تعالى‏ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ و قوله تعالى‏ ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ‏ فلو كان الأمر كما قال الجهال من جلوسه منها مجلس الخائن و انتهائه إلى حل السراويل و حوشي من ذلك لم يكن السوء و الفحشاء منصرفين عنه و لكان خائنا بالغيب و قوله تعالى حاكيا عنها وَ لَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ‏ و في موضع آخر أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ‏ و قول العزيز فَلَمَّا رَأى‏ قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ‏ فنسب الكيد إلى المرأة دونه و قوله تعالى حاكيا عن زوجها لما وقف على أن الذنب منها و براءة يوسف (ع) منه‏