الرحلة الأنورية إلي الأصقاع الحجازية والشامية

- محمد كرد علي المزيد...
215 /
3

[المقدمة]

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا منذ انبسط ظل الإسلام على الأرض سلك الخلفاء و الأمراء و الوزراء في الصدر الأول و القرون الزاهرة بعده مسلكا كان فيه الغناء لجر المغانم إلى الأمة و رفع المغارم عنها، فكانوا يتصفحون بأنفسهم شئون الناس، و ينظرون فيما يصلحهم مباشرة، و لذلك كانوا على أوفاز أبدا، يتنقلون في بلادهم، و يجتازون الفيافي و القفار، يهتمون برفع الظّلامات اهتمامهم بتوسيع الفتوحات، و يعنون بالماديات و المعنويات عنايتهم باللدنيات و الدينيات، يفارقون الأهل و الولد، و لا يعلقون براحة، و لا يشغفهم حب بلد، و قد ازدان صدر التاريخ بذكر تلك المفاخر و المآثر، و كان حقّا على الأخلاف أن يهتدوا بسيرة الأسلاف.

و ما برح أهل هذه الملة إلى اليوم و إلى ما بعد اليوم يقرءون أسفار أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى القدس و دمشق، و تنقل عمر بن عبد العزيز الأموي في مملكته، و مسير طارق بن زياد إلى الأندلس، و أسد بن الفرات إلى صقلية، و عبد اللّه بن أبي السرح إلى إفريقية، و قتيبة بن مسلم إلى الصين، و محمود بن سبكتكين إلى الهند، و الخليفة المأمون العباسي إلى خراسان و الروم و مصر و الشام، و عبد اللّه بن طاهر، و عبد الرحمن الداخل، و نور الدين محمود بن زنكي، و صلاح الدين يوسف بن أيوب، و الظاهر بيبرس البندقداري، و ألب أرسلان السلجوقي، و محمد الفاتح، و سليمان القانوني، و سليم العثماني، و غيرهم من لم تشغلهم نضرة النعيم عن التدبر في حال بلادهم، و مدّ رواق الإسلام على الأنام، و كف العوادي عن قومهم، و حماية ديارهم؛ حتى سادوا الأمم، و غدت‏

4

ملتهم أرقى طبقات البشر لعهدهم، و أوسعها سلطانا، و أكثرها أمنا و أمانا، و أوفرها مدنية و عمرانا، فظهر للملأ عدلهم و علمهم و عملهم، و كانوا خير أمة أخرجت للناس في أخلاقهم الفاضلة، و عقولهم الراجحة، و تجارتهم الرابحة الناجحة.

و كثيرا ما كان بعض من رزقوا حظّا من الفهم و النظر في العواقب يتلهفون على انقطاع التجدد في هذه الأمة منذ زمن ليس بقليل، خصوصا و آمال المسلمين في القاصية و الدانية معلقة بالدولة العثمانية؛ إذا هي نهضت نهض المسلمون كافة، قوتهم بقوتها، و ضعفهم بضعفها، و لا رجاء لهم في البقاء إلا إذا أتى الخير على أيدي القائمين بأعباء دولة الخلافة.

و بينا كاد اليأس يقضي على آمال العالمين منّ اللّه سبحانه و تعالى بإخراج رجال من أكابر المخلصين في السلطنة لم تلههم زينة خليج دار الخلافة و مضيقها، و لا ذاك الهواء العليل، و المناظر الرائعة، و النعيم المقيم، و طيب العيش في تلك الأفياء و الأرجاء؛ بل جعلوا دأبهم التفكر في نهضة الأمة، و إعادة سالف عزها لها، و العمل على تجديد حياة الجامعة الإسلامية، و في مقدمة أولئك الرجال سيف الإسلام القاطع، وكيل أمير المؤمنين في قيادة الجيوش العثمانية.

أنور باشا ناظر الحربية في الدولة العلية فإنه أحيا سنة الخلفاء و العظماء بسيرته الطاهرة، و وطنيته الباهرة، و رحلاته المتكاثرة.

5

نبغ هذا العظيم، و القوم نسوا- أو كادوا- مشخصاتهم، و صار أكثرهم إلى دركة من الانحطاط، يعدّ معها العلم وساوس، و الشجاعة تهورا، و النظر في المستقبل فضولا، و إعداد القوى للتغلب على الخصم من سوء فهم عقيدة القضاء و القدر، و ضعف النفس و الرضى بالدون و المذلة من الظرف و الأدب و حسن السياسة، و إقامة الشعائر الدينية من أمارات الجمود و عدم الأخذ بنصيب من المدنية الحديثة، و لكنه أدام اللّه توفيقه عمل عمل المستقل الفكر، القوي الإرادة، الواسع الأمل، فاستجاش أنصارا إلى مذهبه؛ حتى أجمعت القلوب على حبه، و أشربت النفوس احترامه، لكثرة ما تمّ على يديه من الأعمال المجيدة، و توفر جمهور المعجبين بنبوغه و عقله، و إخلاصه و رباطة جأشه، فنزع بالبرهان ما علق من الأوهام في الأذهان، و قوى القلوب الميتة، و نهض بالنفوس المستخذية المستكينة.

نعم، أثبت قائدنا المحبوب أمام العالم أجمع بالمثال الحي الفعال كيف يجب أن يكون في الإسلام الأبطال.

و بعد، فأي عمل نذكره له؟ أنذكر له الأحاديث المسلسلة في باب تفانيه منذ وعى على نفسه، في خلع ربقة الاستبداد، و إعادة حكم الشورى في هذه السلطنة؟ أو نورد له سفره إلى طرابلس الغرب قبل ارتقائه إلى منصة الوزارة، و تخليه عن أسباب الراحة، و افتراشه هناك الحجر و المدر، و التحافه العراء و قبة السماء، و اكتساءه غليظ الثياب، و تبلغه بميسور العيش من طعام و شراب؟ أو نستشهد له بجهاده البليغ في حرب البلقان، و كف عادية العدو عن استباحة حمى دار السلطنة و استرجاع أدرنة، و ما يرجع الفضل الأول إلا إليه في الإبقاء على هذه العاصمة عثمانية صرفة؟ أو نعدد له بيض أياديه في تنظيم الجيش‏

6

الإسلامي و إعلانه الجهاد المقدس عند مسيس الحاجة، و حزمه المدهش في الدفاع عن جناق قلعة و إنقاذ روح المملكة و عاصمتها؟ أو نشكر له مع رفاقه سعيه في محالفة أصحاب الشرف و النفوذ من الدول؟

كل ذلك معروف موصوف، يعرفه البعيد و القريب، و يتغنى به البغيض و الحبيب، نقش برمته في الصدور قبل السطور، و لهجت به الألسن، و رجعت صداه الأفكار، حتى أمسى سمر الناس و حديثهم، و رضي به و عنه اللّه.

و كأنا بحضرة القائد العظيم يردد في روحه الطاهرة قوله تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ‏ و يمعن النظر في قوله عليه الصلاة و السلام: «كلكم راع و كلكم مسئول عن رعيته»، فقد كان- أعزه اللّه- حريصا قبل كل شي‏ء على تجديد الشعائر الفاضلة التي ظهر بها الإسلام في بدايته، فاستقر رأيه العالي على زيارة معلم الخير مؤسس الملة الشارع الأعظم (صلوات اللّه و سلامه عليه)، و تفقد الشئون في البلاد الشامية (1) و ما أحدث فيها من قلاع و حصون، و البحث في حال جيشها في زمن حمي به وطيس الحرب العامة، و انقسم فيه العالم إلى قسمين متحاربين، و لم يحد منه سوى جزء من الممالك هو في حكم المحارب، و الدولة العثمانية، أعلى اللّه بالنصر أعلامها، تحارب مع حلفائها حربا لم يسبق لها مثيل في الأيام الغابرة، حرب لا توسط في نتائجها؛ إما الحياة الطيبة، أو الفناء الأكيد و العياذ باللّه.

____________

(1) درجنا هنا على اصطلاح علماء الجغرافية من العرب، فإنهم إذا قالوا: الشام، يعنون به القطر الممتد من عريش مصر إلى الفرات، فيدخل فيه اليوم لواء القدس و ولاية بيروت و ولاية سورية و لواء حلب و متصرفية لبنان و بعض لواء الزور. و فلسطين داخلة في الشام المقصود هنا.

7

شخص قائد الجيوش المظفرة من دار الملك بعزيمته الصادقة، يحفه الوقار، و تشيعه المهابة، في جملة من رجاله و حاشيته، و القلوب تناجيه: سبحان الذي منّ على الإسلام بعميد مثلك، و وفقك لخدمة الجامعة المحمدية المقدّسة، و حبب إليك الاستماتة في إعلاء شأن الدولة العلية، و جعلك حيثما حللت سراجا يستضاء به و سياجا يحتمى دونه.

و لما كان في سياحة عظيم الدولة عظات سياسية اجتماعية دينية يعتبر بها المعتبرون، على اختلاف الأجيال و القرون، رأيت أن أتشرف بالتأليف بين أجزاء أخبارها و آثارها في أرض الشام و الحجاز تاركا لأقلام من كتبوا و خطبوا في هذا المجال حريتهم، فإن نقل الشي‏ء على حقيقته ادعى إلى تصور كل قائل بقوله، فتتمثل للأنسال القادمة حالة عصرنا و مبلغ أهله من الأفكار و الآداب.

و لعل من أوتوا حظّا من العقل السليم، يدركون من مغزى ما سيقرءون، أن المسلمين لم يعدموا في كل زمان رجالا باعوا أنفسهم في سبيل اللّه، و سلبوا قرارهم ليوفروا لأمتهم سهمها من الراحة. و عسى الغرب الذي أساء ظنه زمنا طويلا بالشرق و أبنائه و لا سيما بالمسلمين منهم، يعود إلى الرّوية في حكمه على الإسلام و المسلمين و يعطي رجال هذه الأمة العثمانية حقوقهم من التجلة و الاحترام، بل من الإعجاب و الإعظام، فليس في الأرض من لم يسمع باسم أنور العثمانيين، و قرة عيون الموحدين، و لكن من الأمم من نغلت قلوب رجالها أمراض الأغراض رجاء إرواء مطامعهم من هذا الشرق القديم فيغضون ممن رفع اللّه قدره، و أعلى أمره، و حفظ به بيضة الدين، و اللّه نسأل في الختام أن يحفظ لنا هذا الرجل العظيم ويؤيد بفضله و عمل العاملين من إخوانه هذه الدولة المنصورة أبد الآبدين و دهر الداهرين آمين.

8

فاتحة المطاف‏

رحل صاحب الدولة أنور باشا، وكيل القائد الأعظم و ناظر الحربية العثمانية من دار الخلافة على القطار الحديدي؛ فوصل بوزانتي في وسط جبال طوروس آخر يوم من شهر كانون الثاني على الحساب الشرقي سنة 1331 (1334 ه) يرافق ركابه العالي بروانزار باشا رئيس أركان الحرب في نظارة الحربية، و الدكتور سليمان نعمان باشا رئيس الصحية العام في الجيش، و الجنرال بومبايه قودسكي ملحق النمسا العسكري، وفون لوسوف ملحق ألمانيا العسكري، و علي بك من أعضاء شورى الدولة، و محمود بك قائمقام أركان حرب مدير المعسكر، و عمر لطفي بك قائمقام أركان حرب، و فلدمان بك القائمقام، و رئيس حجابه كاظم بك، و ممتاز بك، و صفوت بك من حجابه، و سيفي بك مدير الاستخبارات، و غيرهم من رجاله الممتازين.

و لما وصل إلى بوزانتي- أقصى منطقة الجيش الرابع- استقبله صاحب الدولة أحمد جمال باشا قائد الجيش الرابع و ناظر البحرية، و كان مع قائدنا جملة من رجاله أيضا، بينهم القائمقام فؤاد بك رئيس أركان حرب الجيش الرابع، فركب القادم الكريم مع أخيه و رصيفه قائد الجيش المرابط و الغازي في هذه الديار على سيارة إلى طرسوس، و كانت مزدانة بأبهى حللها من الزين؛ احتفاء بمقدم أنور الأمة و محبوبها، و خرج جميع أهل هذه المدينة الجميلة لاستقباله، و نزل في معسكر الفرقة، و قبل تناول طعام الغداء فتش الفرقة، و عاد مسرورا مما رأى إلى المعسكر، و استعرض في الليل أبناء المدارس و الأهلين يحملون المشاعل بأيديهم، و من الغد تحركت الركاب العالية إلى أطنة في القطار، و استعرض‏

9

الناظر هناك من يلزم، و سرّ سرورا خاصّا من انتظام سرايا الكشافة من طلبة المدارس.

و ذهب بعد إلى طوبراق قلعة، و فتش الحصون المنشأة حديثا، و تناول طعام الغداء في المحطة، و بعد الظهر ركب القطار إلى عثمانية، و ترجل، فذهب من المحطة إلى المدينة، و بات تلك الليلة في هذه القصبة، و من الغد ركب و رجاله السيارات، فقطعوا جبل كاور طاغ إلى الإصلاحية، و من هنا ركب على قطار خاص إلى حلب بالعز و الإقبال.

10

في حلب الشهباء

وصل القطار المقل رجل الإسلام أنور باشا إلى مدينة حلب على الطائر الميمون بعد الغروب، و كان أهلها على اختلاف طبقاتهم يرقبون طلعته الكريمة رقبة هلال العيد، و لا عجب؛ فقد كان قدومه عيدا عامّا للبلاد كلها، فاحتفلت حكومة الشهباء بالزائر الكريم بأقصى ما عندها من أنواع الحفاوة، فمن كتائب الجند إلى سرايا الشرطة و الدرك فالجلاوزة فطلبة المكاتب و المدارس و صنوف الطبقات العلمية و الجندية و الإدارية، و في مقدمتهم عطوفة والي حلب مصطفى عبد الخالق بك، أما شوقي باشا قائد فيلق حلب فذهب إلى راجو لاستقبال الناظر المعظم، و لما نزل من القطار حيّا المستقبلين أجمل تحية، و حلّ في نزل البارون.

و في المساء أقام والي حلب في هذا النزل ضيافة لدولته و دولة زميله أحمد جمال باشا، حضرها رجال معية الرجلين، و أقامت بلدية حلب من الغد في المكتب السلطاني ضيافة فاخرة لضيف البلاد، حضرها القائد العام، و قد ألقى الشيخ كامل الغزي من أساتذة الشهباء في الآداب قصيدة غرّاء، كان لها الوقع الحسن، وفاه سعادة نافع باشا الجابري- عين أعيان هذه المدينة- بخطاب تركي رحّب فيه بالقادم الكريم، و أظهر عواطف الأهالي، و قال: إن القوم كانوا جميعا في تشوق تام لمشاهدة أنوار هذا البطل، و إن جميع الأحزاب و الفرق منذ إعلان الحرب اجتمعت على مظاهرة هذه الوزارة الحاضرة و القيام بخدمتها، و أن كل من يقدر على حمل السلاح متطوع أو مرابط في هذه الولايات، مستعد للقاء كل عدو.

11

و بعد ذلك، خطب الأستاذ الشيخ أسعد الشقيري- رئيس مجلس تدقيق المؤلفات الشرعية- خطابا بالتركية، أعجب فيه و أغرب؛ فقال: إنه أتى حلب لاستقبال الناظر العظيم باسم علماء سورية و فلسطين و أعيان المسلمين و أشرافهم، و أن الأهالي عهدوا إليه- في كل ولاية و لواء و قضاء- أن يتنازل القادم الكريم لقبول دعوة علماء المسلمين و أكابرهم و زيارة بلدتهم، و أن لمدينة حلب في تاريخ الإسلام شئونا و أطوارا، فمن مفاخرها القديمة أن دخلها صلاح الدين بن أيوب المجاهد العادل الكبير، و استقرّ ملكه فيها.

و من مفاخرها الجديدة في عصرنا هذا زيارة بطل الإسلام، قرة عيون الموحدين قائد جيوش المسلمين أنور باشا لها، و أن هذا اليوم سيكتب في تاريخها المجيد، و يعد في سجل أيامها المسعودة، و أن العلماء كانوا يغبطون رجال العلم الذين تعلقوا في العصر الصلاحي بخدمة السلطان صلاح الدين يوسف؛ حتى سهل اللّه لهم التشرف بزيارة أنور باشا في دار الخلافة، و تشريفه إلى هذه البلاد في الآونة الأخيرة، فنالوا حظهم و بلغوا أمانيهم، و ستكتب خطبهم و قصائدهم في التاريخ الأنوري كاسلافهم في التاريخ الصلاحي، و أنه كان حريصا على أن يكون ابتداء كلامه في مدينة دمشق أو بيروت أو القدس، إلا أن أعاظم حلب دفعوه إلى إيراد الكلام، و الولايات كلها وطن عثماني واحد، و أنه بصفة كونه من أفراد السوريين ناب مناب المسلمين في إيراد كلامه. و طلب من اللّه التوفيق لأمير المؤمنين و وزرائه، و النصر و التأييد لجيوشه و أساطيله.

و بعد تناول الطعام، ذهب القائد الكبير مع أحمد جمال باشا ناظر البحرية إلى الدائرة العسكرية، ثم إلى جامع سيدنا زكريا، فاستقبله فيه علماء الدين و مشايخ الطرق و أشراف المدينة، و قدموا المباخر بين يديه، و لم يزل في هذه الحفلة الدينية

12

من الباب حتى وصل إلى أمام ضريح سيدنا زكريا على نبينا و عليه أشرف السلام، فقرأ العلماء بصوت جهوري سورة الإخلاص ثلاث مرات، و دعا مفتي حلب محمد أفندي العبيسي دعاء لائقا بالمقام، ثم دخل القائد المرقد، و زار مصحفا كبيرا فيه بالخط الكوفي يظن أنه كتب على عهد خلافة سيدنا عثمان بن عفان رضي اللّه عنه.

و على أثر خروجه من الحجرة قدم له مفتي حلب كتاب البخاري على ورق حرير بخط جيد، كتب منذ ثلاثمائة و خمسين سنة؛ ليكون تاريخا لزيارته مدينة حلب بعد أن تلا المفتي خطابا بديعا في تأثير زيارة هذا القائد العظيم.

و بعد ذلك، زار المعاهد و الثكنة و المعسكر و المستشفيات و الأماكن العسكرية، و رجع في الليل لحضور الوليمة التي أقامها في نزل البارون شوقي باشا قائد فيلق حلب، و في الصباح ركب دولة القائدين العظيمين أنور باشا و جمال باشا في السيارات إلى بيلان «بغراس»؛ حيث كان في استقبال دولته عطوفة فخر الدين باشا وكيل قائد الجيش الرابع، فتناول الطعام فيها على مائدة أقامتها الفرقة العسكرية، ثم نزل الأسكندرونة، و فتش الحصون العظيمة التي أحدثت في تلك الأنحاء و صرفت عليها الأموال الطائلة، فأدبت بلدية أسكندرونة ضيافة شاي؛ إكراما للقائد في مكان مشرف على البحر غاية في الرواء و جمال المنظر، ثم رجع القائد الكريم و رفيقه أحمد جمال باشا و سائر من في ركابهما إلى بيلان؛ حيث باتا هناك تلك الليلة بعد أن حضرا الاستعراض العسكري الذي أجرته الكتائب المرابطة في جوار الأسكندرونة.

و بعد تناول طعام الغداء في بيلان ركب الناظران و من معهما في السيارات إلى حلب، فتناولا طعام المساء على مائدة أدبتها جمعية الاتحاد و الترقي في حلب‏

13

مساء السبت لبطل الدستور، فكانت حفلة حافلة تشع نورا و جمالا، فألقى الأستاذ الشيخ محمد بدر الدين النعساني قصيدة، و عقبه الشيخ عبد اللطيف خزنه دار رئيس نادي الاتحاد بخطاب، و ارتجل فليكس أفندي فارس من أساتذة المدرسة السلطانية في حلب خطابا قال فيه:

إن الأمة العثمانية التي نفضت عنها غبار الموت، و وقفت على ألواح قبرها منذ ثماني سنوات تقف اليوم بين العواصف التي تكتسح وجه الدنيا، و تطلب من الحق حق حياتها بعد أن طالبته بحياة حريتها.

و في الموقفين، تحت زوابع الاستبداد القديم، و تحت إعصار النار التي تلتهم المدنية المنصرمة لتغيير وجه الأرض نرى هذه الأمة العظيمة تتلمس سبيلها، و قد علقت أنظارها على السيف الأنور الذي انتثرت من فرنده أشعة الحرية الخالدة، و هو اليوم يعانق الهلال، و من تحته الغيوم تقصف في أهدابها الرعود.

موقفك عظيم هائل أيها البطل الصغير الكبير، إن حظوظ الدنيا متوقفة على خطرات روح الكون في فكرك، و مستقبل مدنية العالم يترجرج بالشهب التي يرسمها رأس سيفك على قارة مهد الإنسان. إنك مسخر روح الحق أيها البطل، فأنت تكتب كلمات اللوح المسطور على صفحات الوجود المنظور، لقد كتبت من قبل كلمة الحرية لثلاثين مليونا، و يدك ثابتة و ثغرك بسام، فكن كذلك الآن و أنت تكتب هذه الكلمة المقدسة لكل الشعوب التي سحقتها المطامع، و امتص دمها الاستثمار الفظيع.

و إذا خشعت نفسك يوما أمام نفسك، إذا تردد قلبك لحظة أمام روح قلبك في هذا الموقف الرهيب، فالتفت إلى ما وراءك يا أنور. انظر! هنالك ضابط

14

صغير أنحله دبيب الروح الأعظم في عاطفته و شوقه، جالس على القبور و قد ثوت فيها آمال الأمة مع رفات الجدود، ذلك الضابط الشاب قد انحنى على يأس أخوته، فاستخرج منه الأمل الحي في قلبه، و بينما كان الكل في قطع الرجاء كان هو وحده منفردا بأمل الحرية و الحياة، كان أعدؤه كحلقات الحديد مرتبطة تتسلسل من عند جواهر التاج حتى رغيف الجندي اليابس، أصدقاؤه قليلون، و مناوئوه الجميع.

ذلك الضابط الصغير انتضى سيفه، و اندفع إلى الأمام، فلم تمض أيام حتى أصبحت الأمة كلها جندا له، و خشع أمامه الكل حتى أعداؤه.

انظر إلى ذلك الضابط الصغير أيها الوزير الكبير، تذكر و أنت إلى جنب العرش، ذلك الذي وضع أساس المجد و هو متشرد في الجبال.

تذكر و أنت إذا تحركت ماجت لأمرك ملايين السيوف، و زمجرت لصوتك ألوف المدافع، تذكر أنور بك، و إلى جنبه رفيق جهاده نيازي بك تتمهد أمامك المصاعب، و تذوب أمام بريق عينيك جبال الأهوال.

أي أمير السيف، و مجدد مفاخر عثمان ما ذكرت لك أخاك نيازي لأثير كامن الشجن فيك، و لكنها خواطر قوة تثور في روحك، فتدب منها إلى الأمة المجاهدة قوة الموت في سبيل الحياة.

و ما يسيل الدمع من مآقيك مثل هذا التذكار أنك ما افترقت عن نيازي؛ لأنه إن لم يكن حيث أنت فأنت موجود حيث هو كائن. إن الرجال الذين يصطفيهم الروح الأعلى لإتمام مقدرات الإنسانية يعيشون و هما على الأرض؛ إذ يحيون حقيقة في أوج المصادر الخالدة. إن روحك تجول حيث تجول الآن أرواح‏

15

أبطال الدنيا الذين خدموا الحرية و الحق منذ تكوّن الإنسانية حتى الآن، فما تلمس الأرض إلا برجليك و برأس سيفك.

تقدم و ادخل أرض سورية التي يعرف أهلها أن الحرية هي كلمة مرادفة لاسم أنور.

سر في رحب هذه البلاد التي ملئت من آثار أخيك البطل جمال أمجادا، و إذا رأيت أن سورية تصارع ويلات الحرب، فلا تكتفي بالغلبة عليها، بل تصعد أيضا على مدارج الارتقاء، فاعلم أنها مدينة بذلك للرجل المحارب المتشرع المصلح، مدينة لحامل مبدئك، و المتحلي بفضائلك، مدينة للبطل جمال.

عندما ارتجت الأمم لصدمة الارتجاع الأول في 31 مارت، كنت في بيروت فرأيت مع أخوتي الاتحاديين، أمل الشعب بحريته ينقلب إلى اليأس المريع، رأيت الأمة مرتجفة؛ إذ سمعت صرصر الاستبداد يزمجر من بعيد، فارتمت إلى الأرض تعفر وجهها بالتراب. وقفت إذ ذاك، و قلت لهم: ان الأستانة قد أغلقت أبوابها بوجه الأحرار، و لكن أسد الاتحاد لم يربض إلا ليثب، و سوف ترون السيوف لامعة تقصف من حولها الرعود.

قلت لهم ذلك و فوق ذلك، فبقي الشعب واجفا يتلفت مرتعشا، فصرخت بهم إذ ذاك:

«ان صوت أنور بك يدوّي في الآفاق، و لمعان سيفه يشق ظلمة الأفلاك».

فرفع الشعب رأسه و انتفض كسلك مسه الكهرباء. فكان ذكر اسمك كافيا ليرفع رأسه، و يبرق محتجا مطالبا بحريته و حياته، ها أنت في سورية يا

16

أنور، و ما أخالك جاهلا من أنت. اذهب تحف بك ملائكة الحق أيها البطل، تقرب إلى هذا الشعب الذي أعطيته الحرية، و سوف تعطيه الحياة الجديدة؛ لأنه ينتظرها منك.

جد بلفتات عينك على هذه الأمة التي بينها أمهات يبكين أولادهن الشهداء، التفت إلى الأولاد الذين يفتشون على آبائهم، و فيهم الغازي و الشهيد.

تبسم لهؤلاء الحزانى، فإنهم لنور وجهك يبشون. اظهر أمام سورية كما أنت، و قد أنكرت نفسك في سبيل الوطن، فلا تأسف البلاد على الدماء التي أراقتها و هي تتبعك في سبيل الدفاع عن حقها الأعلى.

ما أنت مضرم نارها و لا موري زناد هذه الحروب، و ما كنت لتدفع بالأمة إلى خوض غمار الروع و أنت الذي رميت بنفسك مرارا للموت لتنجيها من سطوة قاتليها، و لكن المطامع قد قضت بسلبنا قبور أجدادنا، و أسرة أطفالنا، فأبت عليك روحك هذا الذل، و ما يرضاه أحد من أبطالنا، فقلت:

أو غازيا أو شهيدا

و ها أن موقف الدول المتحايدة اليوم يبين لنا أنه لم يكن من سبيل غير السبيل الذي دفعتنا إرادة اللّه إليه، و ما وراء هذا الضباب الكثيف غير المدنية الجديدة التي سينفخ الشرق فيها روحه؛ ليرفع الإنسانية من موقفها الكاذب الذي تملك طويلا ضمن حلقاته القاسية.

ليكن إذا أملك أيها الوزير شديدا كما كان أمل الضابط الصغير، و كما لمع نجم بطل الدستور منذ ثماني سنوات سوف يلمع نجم بطل الدنيا اليوم، و من أهدى الأمة العثمانية حريتها و هو قليل الأنصار خامل المقام لا يكبر عليه أن‏

17

يضع بيده أساس حرية الدنيا و هو أمير الجند كله، و كلمته ترن من ضفاف البوسفور حتى عرش فرنسوا جوزيف و عرش غيليوم العظيمين. اه.

و في الساعة الحادية عشرة توجه الوزيران إلى محطة السكة الحديدية، و قد احتشد الجم الغفير لوداعهما، فركبا القطار باليمن، و السعد إلى رياق توّا.

18

في جبل لبنان‏

أقامت مدينة زحلة يوم الأحد 15 ربيع الثاني (20 شباط سنة 1916) ضيافة شائقة لبطل العثمانيين أنور باشا، فصدحت الموسيقات الأهلية، و تليت القصائد و الخطب، و من القصائد قصيدة حليم أفندي دموس، و يوسف أفندي نعمان بريدي، و غيرهما، و عنى الزحليون من وراء الغاية بإظهار شعائر الإخلاص و المبالغة في الحفاوة بالزائر المحبوب، و كانت الزينة بالغة حد النيقة، نصبت أقواس النصر من قصبة المعلقة حتى زحلة تخفق عليها الأعلام العثمانية و الألمانية و النمساوية المجرية.

قال مكاتب المقتبس في زحلة:

يوم الجمعة في 5 شباط شرقي سنة (1331 ه) و 18 شباط غربي سنة (1916 م) قدم زحلة صاحب الدولة علي منيف بك متصرف لبنان المعظم مع بطانته الكريمة و الموسيقى اللبنانية و ثلة من الجند و وفد من مجلس إدارة لبنان.

ثم وفود ولايتي سورية و بيروت الجليلتين. فأعدت الحكومة زينة حافلة بأقواس النصر تخفق فيها الأعلام العثمانية المنصورة، و بينها كثير من أعلام الدول المتحدة متعانقة تعانق ممالكها، فكانت الزينات الباهرة في جميع أنحاء المدينة، و على مشارفها و شرفاتها و منازلها، و الأعلام تزينها، و الجموع من زحلة و البقاع مالئة الطرقات، و الفرسان تتجارى لاعبة برماحها. و الموسيقى الشرقية و الأسقفية. و طلبة المدارس من ذكور و إناث مصطفة على جانبي الطريق، حتى كانت الساعة العاشرة و نصف قبل ظهر الأحد في 27 شباط. فاقبلت السيارات التي يربو عددها على 15 تقل حضرة صاحبي الدولة و الإقبال أنور باشا و جمال‏

19

باشا و حاشيتيهما الكريمتين، فاخترقت تلك الصفوف من قرب معلقة زحلة إلى نزل قادري الكبير الذي هو اليوم مستشفى الهلال الأحمر المنصور.

و كانت الموسيقى الأسقفية قرب الصخرة بين المعلقة و الحوش. ثم موسيقى الكلية الشرقية. و موسيقى لبنان قرب الحوش. و وفود الملاقين من دولة متصرف لبنان و بطانته و رجال حكومتي البقاع و زحلة و الرؤساء الروحيون و الأعيان و الوجوه، فساروا بهذا الموكب الحافل، و كانت أمام المستشفى المشار إليه تلاميذ المدارس الشرقية الأسقفية و مدرسة الحكومة ذكورا و إناثا و بأيديهم الأعلام العثمانية و المتحدة، فحيوهم بهتاف النصر.

و بعد أن استقر بهم المقام تقاطرت الوفود لتقديم الاحترام و الخضوع لحضرة ضيف سورية المعظم، فاستقبلهم ببشاشة، و قدمت لدولته قصيدتان أنشد إحداهما حليم أفندي دموس استقبالا لدولته، و الثانية أنشدها يوسف أفندي نعمان بريدي على المائدة التي جمعت أسباب السرور.

و دخلت جمعية «بنات الشفقة» الأرثوذكسية، فقدمت لدولته متكأ «ركاية» أطلس عليها شبك و علما عثمانيا نفيسا مطرزا بالقصب، كتب عليه «فلتحي العثمانية» فتنازل دولته لقبولهما، و أنشدته الآنسة ليندا خليل الحاج شاهين أبياتا شعرية بالعربية، ثم شقيقتها الآنسة زلي رئيسة الجمعية خطابا إفرنسيا، فأمر دولته للجمعية بخمس عشرة ليرة إحسانا.

و كان وفد المدارس الثلاث الموما إليها من كل مدرسة سبعة مع رؤساء المدارس. فألقى تلميذ عن فئة الطلبة الكبار في الشرقية خطابا تركيّا، و جورج أفندي الشويري الرخيم الصوت نشيدا عن فئة صغارها، فحتم دولة جمال باشا

20

على جورج أن ينهي دروسه في الشرقية، فيرسله إلى مكاتب الأستانة، و أمر دولة أنور باشا بإرساله بعد ذلك إلى إحدى كليات أوربا.

و عند تناول طعام الغداء أنشده جورج هذا نشائد رخيمة، و كانت الموسيقات تشنف الآذان بأنغامها الرخيمة. و أنشد إبراهيم بك الأسود من أعضاء إدارة لبنان قصيدة بلسان اللبنانيين؛ احتفاء بتشريفه، و كان في نية الكثيرين إلقاء الخطب و القصائد، فمنعهم ضيق المقام.

و من القصائد و الخطب التي وقفنا عليها قصيدة سليمان أفندي مصوبع وكيل مدعي عمومي قضاء زحلة، و خطاب إلياس أفندي الظاهر من أساتذة الكلية الشرقية، و قصيدة فوزي أفندي عيسى المعلوف، و قصيدة نجيب أفندي إليان من أساتذة مدرسة الحكومة في زحلة، و قصيدة وديع أفندي عازار، و خطاب فؤاد أفندي بريدي، و كلاهما من طلبة الكلية الشرقية.

فسرّ دولته من الإحتفال، و شكر المحتفلين و الموسيقات، ثم غادر على الطائر الميمون زحلة بعد الظهر بساعة و نصف مشيعا كما قوبل بما يليق بدولته من الاحتفاء العظيم، أيده اللّه و قد أمر بشاحنتين من الحنطة و بمائتي ليرة للفقراء في زحلة و المعلقة.

و عند رجوعه من دمشق بطريق بعلبك يوم الثلاثاء في 7 أذارغ أعدت حكومة بعلبك نزل الخواجات كرباج على نفقتها، و استقبلت دولته بمرورها في بعلبك استقبالا حافلا، و كان موكب الملاقاة في الحوش و المعلقة من زحلة بالغا منتهى الإتقان من هيئة الحكومة العسكرية و الملكية و الأهلين و طلبة المدارس الثلاث للذكور و الإناث.

21

و على الجملة فقد كان لدولته- أيده اللّه- في تشريفه الأول و ملاقاته هذه حفاوة عظيمة برجل من أعظم رجال الدولة العلية حنكة و غيرة عليها.

و قد قالت جريدة لبنان الرسمية في هذا الصدد ما يأتي:

( (مذ حلت البشرى بطلعة «أنور»* * * سعت القلوب إليه في لبنان‏

حتى الجبال مشت على أقدامها* * * و ترحبت بالقائد العثماني‏

كان يوم الأحد و الاثنين من هذا الاسبوع يومي مهرجان تألق مجدهما على جبهة الزمان في تاريخ جبل لبنان بقدوم صاحب الدولة و الإقبال وكيل القائد الأعظم و ناظر الحربية الجليلة «أنور باشا» البطل الباسل المقدام، و حضرة صاحب الدولة قائد الجيش الرابع و ناظر البحرية «جمال باشا» و بعض الأركان و الأمراء الكرام. فقد أقيم لدولة القائد الشهير احتفال باهر في لبنان لم يتقدمه مثيل من بلدة زحلة حتى محطة فرن الشباك بموجب برنامج الاحتفال الذي أمر حضرة ملجأ المتصرفية الجليلة بتنظيمه، و كان القائمقامون و المديرون و لجان البلديات و مشايخ القرى يحتفلون بقدومه و الجنود العثمانية مشاة و فرسانا تنتسق صفوفا لأداء مراسم التحية و السلام، و الموسيقى اللبنانية تصدح صداح التهليل و الترحيب، و الرايات العثمانية المظفرة تخفق في دور الحكومة و المنازل و الشوارع، و قبب النصر تزدان بالأزهار و الرياحين، و الجموع من مأمورين و وجوه و أعيان تحشد للقياه.

«فعند الساعة الرابعة بعد ظهر الأحد أقبل دولته على سيارة من زحلة و إلى جانبه دولة جمال باشا تتبعهما سيارات حضرة ملجأ المتصرفية- المشار إليه- و الأركان و الأمراء الكرام إلى الحازمية؛ حيث نصبت الخيام، و كان على حبل انتظاره كبار المأمورين الملكيين و العسكريين بمظاهر التكريم و الإجلال، و عدد

22

عديد من أهالي جبل لبنان، فوقف دولتهما هناك هنيهة، ثم تابعا المسير إلى بيروت، و في مساء ذلك النهار أضيئت المصابيح، و أقيمت التزيينات في دور الحكومة و القرى المجاورة.

«و نحو الساعة الواحدة بعد ظهر الاثنين أقبل دولتهما و من يصحبهما في موكب حافل، و في عدادهم حضرة ملجأ ولاية بيروت الجليلة إلى قصبة عالية؛ حيث كانت حكومة لبنان أعدت لهم مأدبة فاخرة جمعت إليها نحو مائة مدعو في نزل البحار، و لما انتظم عقد المدعوين وقف حضرة صاحب السعادة الأمير شكيب أرسلان مبعوث حوران، و ألقى خطابا بليغا، و قبيل ختام المأدبة انبرى حضرة عزتلو شبلي بك ملاط و لفظ خطابا، و نحو الساعة الثالثة زوالية بعد أن عرف دولة القائد العظيم بكبار مأموري لبنان و الأعيان برحا و من كان يصحبهما قصبة عاليه مشيعين بمجالي التعظيم و الإجلال».

23

خطاب شبلي بك ملاط

يا محيي الدستور و فاتح أدرنة و قائد الجيش العثماني إلى مواطن المجد تحييك البلاد على ألحان الترحيب و التعظيم و أصوات التهليل و التكبير، و تحت ظلال الغار و أقواس النصر تستقبلك و تشيعك البلاد يا محيي الهمم العثمانية الكبيرة في طرابلس الغرب، و بعواطف الإكبار و الإعجاب تهنيك البلاد، يا صهر العائلة المتوجة المالكة و مجلي تهاني عظام الملوك من حلفاء صاحب العرش العثماني الأسمى.

و أمام جأشك الرابط و إقدامك الرائع و سيفك القاطع أيها الحامي حمى فروق، و الكاسح العدو الغادر إلى ما وراء الدردنيل إلى أعماق بحر إيجه المظلمة تنحني البلاد إجلالا و احتراما.

هناك أمام عاصمة الملك العثماني و مقر الخلافة العظمى و مهبط أسرار الشرف المتسلسل غازيا عن غاز، و فاتحا عن فاتح، و مظهر مآثر آل عثمان العظام؛ حيث كان المعترك الهائل و كانت حركة أفكار الشرق و الغرب ظهر للعالم أجمع بالبرهان على شفار السيوف، و بين كرات المدافع «إن عثمان مجد لا يرام».

هناك في تلك المضايق المهددة المخيفة حيث لا شك بالموت واقف، أثبت أبطال عثمان المجاهدون أن الدم الجاري في عروقهم هو هو الدم المتحدر في عروق أجدادهم الغزاة الفاتحين.

هناك قامت لهم الشواهد الكثيرة على الشجاعة النادرة يكفي منها ما ذكر تموه دولتكم بخطابكم في مجلس النواب العثماني، و هو أن فرقة مؤلفة من‏

24

ألف و أربعة عشر مجاهدا من أبطالنا هاجمها في أحد المواقف أربعة عشر ألفا من عسكر العدو، فثبتت تلك الفرقة أمام ذلك العدد العديد، و استمرت على ثباتها مدافعة مصابرة ثلاثة أيام حتى أتتها النجدة.

هناك خاطب الجندي العثماني عدوه، و قد رآه مقبلا بخيله و رجله و دوارعه يريد اقتحام عاصمة سلاطينه، و الاستيلاء على مسقط رأسه و رأس أجداده و ما أشرف و أعدل ما قال:

نحن أيها المفترون علينا لم نفتكر مرة أن نكدّر التاميز على أهل التاميز، و لا السين على أهل السين، و لا الدانوب على أهل الدانوب، نحن أيها المبادئون بالعدوان لم نذنب و لم نسي‏ء مرة إلى بلادكم، فما بالكم أنتم لا تكفون شركم و مطامعكم عنا؟

كفى ما رأينا منكم، و ما عملتم من الدسائس و المكايد بعد إعلاننا الدستور، و ما دسستم من السموم في ساحة البلقان و طرابلس الغرب.

نكم تدّعون نصرة الشعوب الطامحة إلى الحرية، إنكم تدّعون الغيرة على قيام المدنية، ثم لا نرى في أعمالكم- و العياذ باللّه- في القرن العشرين إلا مستحلب الهمجية متحدرة إليكم من ظهور القرون الغابرة المظلمة.

فدعونا و شأننا، و انصرفوا و اكتفوا بما فعلتم بأحرار تركيا على سلام يصلحون في بلادهم ما أفسد المستبدون.

و صبر فتى الدردنيل ينتظر ما سيكون، و إذا الجواب في أفواه المدافع، و ذلك العدو المغتر يقول: هكذا تريد حليفتنا روسيا.

25

خسئتم بني التايمز، فسيكون حظكم من الدردنيل حظ حليفتكم من غاليسيا و الكربات و القفقاس.

و انصبت عليهم كرات المدافع من الحصون العثمانية العصماء، كأفواه القرب، و وقف حفيد جبابرة الوطن العثماني موقف الدفاع الشريف جنبا إلى جنب أخيه؛ كالبناء المرصوص؛ و ضاح الجبين، كبير القلب.

و أثبت في حوض المكاره رجله‏* * * و قال لها من تحت إخمصك الحشر

و نظر إلى رايته، نظر إلى هذه الراية التي تمثل كل ما في الدولة من شرف و مجد، و قال: نحن لك أيتها الراية، فإما أن نعيش بظلك كراما، و إما أن نموت كراما.

و قال لنفسه و الحرب تغلي‏* * * من الأعداء و يحك لا تراعي‏

فإنك لو سألت بقاء يوم‏* * * على الأجل الذي لك لم تطاعي‏

فصبرا في مجال الموت صبرا* * * فما أمل الخلود بمستطاع‏

و تدافعت آساد تركيا إلى‏* * * دفع المطامع هائجات تزأر

و اللّه لم تبدأ قتالا إنما* * * هي تدفع الطمع الذميم و تثأر

فليعلم القوم الذين تجبروا* * * أنّا القضاء على الذين تجبروا

صغرت أمام الدردنيل نفوسهم‏* * * و رأوا هنالك غير ما قد فكروا

حمت بنار قلاعه أفهامهم‏* * * فتضعضعوا رأيا و لم يتدبروا

و تشاوروا أن يدبروا لكنهم‏* * * خافوا انسحاب الروس إن هم أدبروا

و إذا بجيش الروس في غاليسيا* * * متضعضع متراجع متقهقر

كانت له فرسوفيا فتساقطت‏* * * و الروس قد ولّى و حار القيصر

لم يحمه الكربات في يافوخه‏* * * أو برزميسل أو محلّ أوعر

26

و اندقّ في القفقاس جمعهم كما* * * يسطو على سرب البغاث الأنسر

و السيف سيف محمد ما ناله‏* * * كسرى و لم يبلغ إليه قيصر

بجناق قلعة أحجموا و تخاذلوا* * * و تفرقوا و تشتتوا و تبعثروا

بكليبولي أمسوا و لكن أصبحوا* * * و البحر منهم و الصعيد مطهر

من مبلغ الأعداء أن أسودنا* * * حملت على مصر تعجّ و تهدر

و النيل قد مدّت إليه قساطل‏* * * و جرى أمام الفاتحين الكوثر

و تحولت «صحراء موسى» منهلا* * * عذبا به يسقى فيروى العسكر

و «ببئر سبع» جرى الحديد كأنما* * * بخطوطه للنصر تكتب أسطر

هيا إلى مصر فإن ترابها* * * ذهب و وادي النيل أمرع أخضر

و كلا الشام و مصر عضو واحد* * * إخوان ضمهما الهلال الأنور

أنى نخاف و ربنا متكفل‏* * * بالنصر و السيف الطويل الأبتر

فهنا جمال كالمهند قاطعا* * * و هناك كالسيف المهند أنور

سيفان في الأنضول سيف مشهر* * * و هنا ببر الشام سيف مشهر

و ختم خطابه بالدعاء الحميم لجلالة السلطان و الجيش و الوطن.

قصيدة أمين بك ناصر الدين من شعراء لبنان تليت بحضور بطل الأمة و الدستور أنور باشا وكيل القائد الأعظم و ناظر الحربية الجليلة في الحفلة التي أقيمت لدولته في عاليه‏

يوم يتيه به الزمان و يفخر* * * متألق بالبشر أبلج أزهر

مشت الكتائب فيه يتبع بعضها* * * بعضا ثخب بها العتاق الضمر

27

و البيض في أيدي الكماة لوامع‏* * * كالبرق تخفى في العجاج و تظهر

و مواكب في إثرهنّ مواكب‏* * * من فوقها خفق اللواء الأحمر

هتفت فرددت البلاد هتافها* * * لما بدا سيف الخلافة «أنور»

بطل له في الخافقين كليهما* * * تاريخ مجد بالسيوف مسطر

ذو همة ما حال خطب دونها* * * و لها الكبائر تستكين فتصغر

و عزيمة أعيا الزمان مضاؤها* * * فصروفه أبدا لهنّ تعثر

و بصيرة بشفوفها برح الخفا* * * و أذيع سر المشكلات المضمر

و مهابة لا الأسد زائرة إذا* * * لاحت و لا مقل الأشاوس تنظر

زينت ببشر ينجلي في طلعة* * * غرّاء يحسدها الصباح المسفر

و ندى يظل المعتفين سحابه‏* * * فإذا همى خجل السحاب الممطر

للّه «أنور» حين تستل الظبى‏* * * و يموج تحت دجى العجاج العسكر

للّه «أنور» حين تشتبك القنا* * * و الموت يخترم النفوس و يزأر

هذا وزير الحرب أقبل زائرا* * * قطرا بزورته غدا يستكبر

سكانه عاشوا و مل‏ء قلوبهم‏* * * حبّ على عرش الخلافة يقصر

يا ناشر الدستور بعد أن انطوى‏* * * إن العظائم بالأعاظم تجدر

جددت الإسلام عهدا ماضيا* * * و أعدت مجد الجيوش فهو مظفر

و صقلت بالعزمات بيض سيوفه‏* * * فثيابه بدم العداة تحبر

خاض المعارك مقدما لا ينثني‏* * * متموجا كاليم ساعة يزخر

و كسا رحاب الدردنيل من العدى‏* * * جثثا تنوش لحومهن الأنسر

و مضت بقيتهم تفر من الردى‏* * * خوفا و يوهنها القضاء فتعثر

و سيوف عثمان لوامع فوقها* * * و الحتف في شفراتهن مصور

28

رضي الخليفة عن صنيعك مثلما* * * رضي المهيمن و النبي الأطهر

فاسلم لهذا الجيش تعلي شأنه‏* * * ليصون عرش الملك مما يحذر

و جمال منه لديك خير معاضد* * * في بأسه ذكرى لمن يتذكر

هو قائد أعطى القيادة حقها* * * فغدت بهمته تعز و تفخر

نجد إذا اقتحم الجيوش بسيفه‏* * * فالهام تنثر و الدما تتحدر

و لديك من أنداده نفر لهم‏* * * شيم غدت في كل ناد تذكر

أعليت هذا القطر حين حللته‏* * * و كسوته البرد الذي لا يدثر

و علمت أنا معشر بنفوسه‏* * * تفدي الخلافة و الصوارم تشهر

متطوعا متهالكا يغشى الوغى‏* * * و شكيب منه زعيمه المتخير

فارفع تحيتنا إلى العرش الذي‏* * * تتغير الدنيا و لا يتغير

عرش يضي‏ء على الورى من أفقه‏* * * قمر العلى مولى الزمان الأكبر

لا زالت الأقدار ترهب بأسه‏* * * و يعز دولته الآله و ينصر

قصيدة حليم أفندي إبراهيم دموس من أدباء زحلة

هذا زمانك «فأبشري»* * * بالزائرين و كبري‏

يا زحلة الغناء صو* * * غي القافيات و كرري‏

اليوم عيدك يا عروس‏* * * فأنت ملقى الأبحر

ميسي دلالا و البسي‏* * * حلل الفخار و جرري‏

قابلت أفخم موكب‏* * * و عرفت أعظم معشر

و أتاك أكبر قائد* * * طيّ القلوب مصور

تحتاطه أسد الوغى‏* * * من كل مقدام جري‏

29

قد زان صدرك من به‏* * * يزدان صدر الأدهر

آنست نور جماله‏* * * «و جمال» حاميك السري‏

تيهي فماذا ترتجين‏* * * بعد طلعة (أنور)؟

كم رنّ هذا الاسم في‏* * * واديك قبلا فاذكري!

اسم يهب مع النسيم‏* * * كعرف مسك أذفر

اسم تعشقه الكبير* * * و هزّ قلب الأصغر

اسم يطل على السهى‏* * * و يسير فوق المشتري‏

هل تذكرين طلوعه ال* * * زاهي بكل غضنفر

لما أهاب بيلدز* * * و استلّ حدّ الأبتر

و أنالنا «حرية»* * * لمعت كبدر نير

فمشى على هام الصعاب‏* * * و ظلّ خير مظفر

بطل البلاد تحية* * * ليس النبوغ بمنكر

أكرم بعهدك إنه‏* * * عهد الجهاد الأكبر

أحييت ميت أمة* * * ذاقت خطوب الأعصر

فهززتها بحمية* * * تركية لم تفتر

أيقظتها و رفعتها* * * فتلألأت في أشهر

فحللت أرفع رتبة* * * و ملكت أكرم عنصر

و تركت أعداء «الهلا* * * ل» بلهفة المتحسر

يا يومهم في الدردني* * * ل لأنت يوم المحشر

راموا الحصون و ما الحصو* * * ن سوى محط الأنسر

راموا القلاع و دونها* * * سيل النجيع الأحمر

30

و غزاة «عثمان» مشوا* * * من كل ليث قسور

تنهال مقذوفاتهم‏* * * كالعارض المتفجر

دحروا أعاديهم ففر* * * ت كالظباء النفر

هجروا المضايق و انثنوا* * * بتحرق و تحير

و غدا بنو عثمان‏* * * بين مهلل و مكبر

يروون للأحفادتا* * * ريخا جليل الأسطر

حييتم يا نخبة ال‏* * * عظماء روح المحضر

فلأنتم أنوارنا* * * بدجى الزمان الأغبر

تتعهدون ربوعنا* * * بعناية و تدبر

فنعيش عيشة غبطة* * * في عصر سليم مزهر

و نحل أخصب بقعة* * * و نذوق أعذب كوثر

و نصافح العياء في‏* * * ظل «الهلال» الأنور

قصيدة يوسف أفندي نعمان بريدي‏

زها الشرق لما لاح أنورنا الفرد* * * فمن وفده نور و من وجهه سعد

على صدره نجم يتوج رأسه‏* * * هلال كما بالحسن قد توج الخد

تدلى عليه و هو بالمجد زاهر* * * كأني به من فوق عروته ورد

أمير المعالي أنور الفرد من رقى‏* * * إليها بتعظيم فصافحه الحمد

محرر أوطان من الظلم و الشقا* * * و باعث آمال لنا ضمها اللحد

أميري و ما أحلى إمارتك التي‏* * * أنالكها الإقدام و الحزم و الجد

سموت إلى العلياء فردا و لم تزل‏* * * ترقى بها فردا و قائدك المجد

و يا طالما قد مثلتك عقولنا* * * و أنت عن الأنظار يحجبك البعد

31

عظيما أبيّ النفس مستكمل النهى‏* * * شجاعا إذا ما صلت ترهبك الأسد

حكيما صبورا عادلا مورد النهى‏* * * و أمثال هذي ليس يحصرها حدّ

و ها العين تلقي ما تمثل للنهى‏* * * فتبصر أوصافا به فوق ما عدوا

أميري و ما أحلاك في الجيش واقفا* * * و سيفك مسلول و زندك ممتدّ

و حولك آساد إذا ما أمرتهم‏* * * مشوا لقتال الضد فانهزم الضد

على صافنات ضامرات خصورها* * * عتاق إذا ما أسرعت أثقب الزند

و إن نفذت بين الصفوف حسبتها* * * سهاما إذا ما أطلقت ليس ترتد

و فوقك أعلام تحركها الصبا* * * فتلمع فيها أنجم النصر إذ تبدو

تخوض غمار الحرب و هي جميلة* * * و ترجع عنها و الجمال لها برد

و حرب ضروس أشغلت حركاتها* * * ممالك أوربا و ضاع بها الودّ

فلا الجار يرعى حرمة الجار لا و لا* * * تراعى حقوق أو يصان بها عهد

أغار العدى للدردنيل و ما دروا* * * بأنّ بجوف الدردنيل هو اللحدّ

و أن عمارات لهم لا تقيهم‏* * * من الموت و البنيان لا بد ينهدّ

مدافع إن تطلق من البر حطمت‏* * * دوارعهم إذ وقعها دونه الرعد

أضاع العدى قواتهم و جنودهم‏* * * و ما أدّبتهم خيبة و شقى يعدو

فآبوا لسدّ البحر يبغون منفذا* * * فعادوا و قتلاهم وراءهم سدّ

فأدهشت الدنيا بسالة جيشنا* * * و راح لسان الكون في مدحهم يشدو

إذا خص بالتعظيم جيش فإنما* * * إلى قائد القواد يرتجع الحمد

أنور يا تاج المحامد و العلى‏* * * ليكفيك فخرا أنك البطل الفرد

تنازلت من عليا مقامك زائرا* * * ربوعا لها من وطء أقدامك الرفد

حللت بوادينا فسالت مياهه‏* * * تصفق ترحيبا و طير الهنا غرد

32

و لا عجب أن نلقي البنود خوافقا* * * فكل فؤاد مخلص ضمه بند

أزحلة نلت اليوم فخرا مكملا* * * بتشريف قواد و طوقك السعد

فأنور من عزت مواطننا به‏* * * يشرف أرجاء بصحبته وفد

جمال و لا ننسى جمالا فذكره‏* * * يطيب لنا ترداده إنه شهد

أفاضت أياديه بسورية الندى‏* * * فمن كفه ورد و من عدله ورد

و تيهي بفخر الدين إن حلوله‏* * * لفخر و لقياه هي المسك و الندّ

و عزي بقواد و رهط يضمهم‏* * * هنا مجلس كالدّر يجمعه العقد

و مسك ختامي بالدعاء أصوغه‏* * * بحفظ مليك العرش من زانه الرشد

و حفظ حليفات تسامت ملوكها* * * و هذا مني قلبي و هذا هو القصد

شعائر العثمانية قصيدة سليمان أفندي مصوبع من رجال القانون و الأدب نزيل زحلة

ملك الجمال أطلت فيك تحيري‏* * * فإذا عجزت عن امتداحك فاعذر

عشقتك نفسي يا جمال لأنها* * * وثقت بوصف عن جمالك مخبر

أو لست أنت مليك كل عظيمة* * * عشقت علاك و رب كل غضنفر

فإذا وقفت أمام مجدك خاشعا* * * ما كنت بالمتزلف المتستر

و إذا رأيت بي الهيام مجسما* * * بك لا تقل هذا هيام مغرر

لكنه وجد امرئ عبد الرشا* * * د فكان عبدا للجمال الأنور

و رأى العظام و ما هم ودري بما* * * كتمت سرائر عصره المتأخر

فرأى بك الحكم الذي سيكون فا* * * حلة الجديد عن العتيق المدبر

يا طالما ظن الفرنجة أننا* * * سلع تقلبها أكف المشتري‏

33

فتفننوا في منع كل مناسب‏* * * لرقينا و أتوا بكل مؤخر

حتى إذا ظنوا الوقيعة أعلنوا* * * حربا أرتهم كيف قاع الأبحر

هجموا يقودهم الغرور و علقوا* * * أمل الفلاح عليه دون تبصر

و تألبوا جيشا لجاءوا الدردني* * * ل على متون السابح المتفجر

حسبوا فروق غنيمة هانت و ما* * * علموا بأن فروق غاية قسور

و لطالما طمع الغزاة بها فما* * * ظفروا بغير غنيمة المتقهقر

شهد الفرنسيس الدعاة بانّ في‏* * * سبل الغواية مصرع المتكبر

و رأى بنو التاميز أن سيوفنا* * * فيهم تدار بفطنة المتحذر

قد غرهم نوم الأسود فأقدموا* * * و تجاهلوا تاريخ تلك الأعصر

حتى إذا هبّ الأسود أروهم‏* * * عثمان يصرعهم بكل مكبّر

فتذكروا عهد الغزاة و هرولوا* * * يتلون للدنيا جزاء المفتري‏

يا يوم سد البحر دمت مخلدا* * * أبدا و للأعداء خير مذكر

إن البلاد لاهلها حقّا و ه* * * ذا الحلق يحفظ بالحسام الأبتر

فأعد بحقك يا جمال إلى الحمى‏* * * مصرا لتسعد بالهلال الأنور

هو دامع أبدا لفرقة مصره‏* * * فامسح بكفك دمعة المتحسر

و أعدّ يا عز الخلافة أنور الابط* * * ال نابغة الزمان الأكبر

جيشا لتخليص البلاد من الشقا* * * و اضرب به الأعداء ضربة أنور

ليقول شاعرها الأمين لنفسه‏* * * يا نفس قد نلت المرام فأبشري‏

قصيدة فوزي أفندي عيسى معلوف من أدباء زحلة

الفضل فضلك و النظام نظامي‏* * * و الوحي وحيك و الكلام كلامي‏

34

يا موحيا بجميل فعلك ما به‏* * * شحذ العقول وهبة الأقلام‏

هب لي قليلا من بيانك أغتدي‏* * * و السحر قولي و البديع نظامي‏

يا من إذا سارت طلائع جيشه‏* * * بفروق اهتزت ربوع الشام‏

يا من يؤم العالمون علاءه‏* * * مشيا على الأحداق لا الأقدام‏

أنت الذي جمع الاله بشخصه‏* * * لطف الحمام و سطوة الضرغام‏

للّه درك يوم قمت مناوئا* * * بفروق عهد الظلم و الظلام‏

ناوأته بالسلم حتى لم يعد* * * سلم فقمت إليه بالصمصام‏

في عصبة أكرم بها من عصبة* * * جمعت من الأحرار كل همام‏

فنشرت في الأوطان ألوية الأخا* * * و استقبلتها الناس بالإعظام‏

للّه أنت و قد تجمعت العدى‏* * * في الدردنيل بعدة و زحام‏

حلموا بفتح الدردنيل و يا ترى‏* * * هل فاز متكل على الأحلام‏

لم يعلموا أن الأسود حياله‏* * * تختال بين معاقل و خيام‏

أصليتهم نار الجحيم فادبروا* * * يتعثر الأسطول بالأجسام‏

لك في القلوب تجلة و محبة* * * تبقى مدى الأجيال و الأعوام‏

تنمو نموّ جسومنا و خضوعنا* * * لسرير عثمان الرفيع السامي‏

هاك القلوب فشقها و اقرأ بها* * * كلما بلا حبر و لا أقلام‏

كلم ترددهنّ ألسنة الورى‏* * * بتردد الأصوات و الأنغام‏

فلتحي تركيا و يحي هلالها* * * بدر العصور و زينة الأعلام‏

رام العدى أن يمحقوه و ما دروا* * * أن الأسود حمته بالصمصام‏

و ليحي سلطان البلاد محمد* * * ملك الملوك و خيرة الأنام‏

«ملك زهت بزمانه أيامه‏* * * حتى افتخرن به على الأيام»

35

و ليحي أنور من بحد حسامه‏* * * في الحرب مجلي الشك و الأوهام‏

و يعش جمال الدين و الدنيا الذي‏* * * شاعت مآثره بكل مقام‏

و ليحي في ظل الهلال رجاله‏* * * ذخرا لتركيا و للإسلام‏

يا أمة لبني عثمان تنتسب قصيدة وديع أفندي حداد من أدباء لبنان في مدح ضيف سورية العظيم‏

يا أمة لبني عثمان تنتسب‏* * * لأنت في عزة تحنى لها الركب‏

أدركت هام السهى في أعين سلفوا* * * مجدا يخلده التاريخ و الكتب‏

من عهد عثمان رب السيف ما برحت‏* * * تسمو إلى الغاية العليا بك الرتب‏

أعلى منارك يوم الفتح من خضعت‏* * * له الصعاب و هانت عنده النوب‏

محمد بطل الدنيا الذي استبقت‏* * * تجري بخدمته الأقلام و القضب‏

و ضمّ شملك «ياووز» فزدت علا* * * لما توحد فيك الترك و العرب‏

أحيى الخلافة من أضحى بها سندا* * * من المحاريب تتلى باسمه الخطب‏

و حين جاء «سليمان» غدوت به‏* * * نورا أشعته القانون و الأدب‏

فأنت منبت أبطال الدهور على‏* * * رغم الشعوب الأولى لولاك ما رهبوا

تفاخرين البرايا بالأولى نبغوا* * * و في السباق لك المضمار و القصب‏

من مثل أنورك الغازي إذا ازدحمت‏* * * من حولك الكارثات الدهم و الكرب‏

أو من يضاهي جمالا في حماسته‏* * * فردا به تتقي الأزمات و الخطب‏

يمشي إلى الخطر الداهي فيدفعه‏* * * بساعد ليس يعرو عزمه تعب‏

يا يوم تموز و الدستور ما شهدت‏* * * كمثل مجدك مجدا قبلك الحقب‏

أعلنت الأرض طرا مجد أمتنا* * * بأنور قصرت عن نوره الشهب‏

36

إذ قاد انور أحرار البلاد إلى‏* * * أسوار يلديز فانشقت له الحجب‏

و عاد أنور و الدنيا مكبرة* * * تكبيرة الحمد يملا قلبها الطرب‏

هلا ذكرنا حيال الدردنيل قوى‏* * * من الحديد بها الأمواج تضطرب‏

تضيق عنها فجاج البحر عابسة* * * تسعى إلى الموت في أنيابها العطب‏

تبغي اقتحام عرين الأسد معلنة* * * أن الأعادي على تذليلنا اعتصبوا

فقابلتها غداة الروع صابرة* * * صبر الكرام أسود هزها الغضب‏

أسود غاب إلى عثمان نسبتهم‏* * * إلى رفيع المعالي ينتهي الحسب‏

يقودهم أنور و النصر يصحبه‏* * * و الموت يفني عداه كيفما انقلبوا

ردوا الأساطيل تهوي في مذلتها* * * يقودها للنجاة الخوف و الهرب‏

قد قال فينا العدى أنّا فريستهم‏* * * و قد رأوا أنهم في قولهم كذبوا

اللّه أكبر إذ نغزو يذل لنا* * * قلب الحديد و إن نغزى فنحتسب‏

نغشى الكريهة لا جبن و لا وجل‏* * * و في السلام لنا العلياء مطلب‏

لنا الوفاء و حفظ العهد شيمتنا* * * و الصدق يصحبنا أيان نغترب‏

غدا يعود لنا سلم تعززه‏* * * أصالة الرأي فيه السعد و الأرب‏

فتفخرين على الدنيا بأجمعها* * * يا أمة لبني عثمان تنتسب‏

لما وصل القائد المبجل إلى الحازمية على سيف لبنان كان جمهور كبير من أهل الساحل واقفين موقف الاحترام، يتوقعون إطلال محيا بطل الأمة العثمانية، و قد أعدوا له و لرجاله مقصفا فيه من الحلواء و الأشربة المحللة من كل ما حلي في العين و حلا في الفم، فمرت سيارة القائد منطلقة تقصد إلى بيروت في الوقت المعين، فاستوقفها الخطيب اللسن سليم بك أيوب ثابت من كبار أعيان بيروت، و عرض على مسامع القائد أن زهاء ألفين من الناس متطلعون للنظر

37

إلى طلعته السامية، فإن حسن لديه ألا يحرمهم من نور وجهه و عطفه الأبوي، فترجل في الحال- أدام اللّه بهجته- و لاطف الجمع و تنازل، فتناول قطعة من الحلواء؛ جبرا للقلوب على عادته في التلطف المتناهي مع جميع الطبقات تلطفا استمال به الأفئدة، و استهواها في كل مكان حلّت فيه ركابه.

38

في بيروت‏ (1)

برزت مدينة بيروت صباح «الأحد» مكللة بأكاليل الزهور و الرياحين، موشحة بالطنافس و الرياش الثمينة، تخفق على دار الحكومة و الدوائر الرسمية و المخازن و الحوانيت و البيوت الرايات العثمانية المظفرة، و انطلق تلامذة المدارس الأهلية من ذكور و إناث بموسيقاتها إلى تلك الساحات الفسيحة، و خرجت النساء مع الأطفال من خدورهن مبتهجات مسرورات يشاركن الرجال في احتفالهم و احتفائهم بدولة الزائر الكريم.

و أخذ رجال هذه الحفلة الفائقة يعقدون سلك نظامه على صورة تسر الناظرين، و ترتاح إليها نفوس العثمانيين.

و في الحقيقة لم تر مدينة بيروت منذ سنين عديدة مثل هذا الاحتفال الباهر بهجة و انتظاما، و كانت الهيئة المحتفلة ممتدة من «فرن الشباك» حتى «نزل غاسمان» الألماني الشهير، و كان ترتيب صفوف العساكر النظامية و أفراد الجندرمة و البوليس، و جواش البلدية، و تلاميذ المدارس أحسن ترتيب.

و كانت موسيقات المدارس تشنف آذان السامعين بأنغامها المطربة، و كان الكريم المنان يمطر بيروت تارة غيثا رذادا، و طورا يصحو الجو، و لكن الغيوم كانت متلبدة في السماء، أما الهواء فقد كان في غاية من اللطف و الاعتدال، فمضت هذه الساعات اللطيفة و الناس يتجاذبون أطراف الحديث «و الحديث شجون» يعددون مناقب زائر بيروت الكريم، و في الساعة الثالثة نهض عزمي‏

____________

(1) عن جريدتي: البلاغ و الأقبال الغراوين مع زيادات قليلة.

39

بك والي بيروت محفوفا برجال معيته الأركان و العلماء و أشراف الأمة و الأعيان قاصدين «فرن الشباك» لاستقبال زائري بيروت الكريمين.

و لم تحن الساعة الرابعة و نصف زوالية حتى أقبلت السيارات تقل رجلي الأمة و الدولة، القائدين العظيمين، و الوزيرين الخطيرين، صاحبي الدولة و المجد «أنور باشا المعظم» وكيل القائد الأعظم، و ناظر الحربية الجليلة و «أحمد جمال باشا» قائد الجيش السلطاني الرابع و ناظر البحرية الجليلة، و فريقا من القواد الكرام و الأركان الحربية الذين حضروا بمعية دولة القائدين المشار إليهما.

فتقدم رجال الحفل و في مقدمتهم والي الولاية العالي للسلام على صاحبي الدولة الوزيرين العظيمين و الأركان الكرام، و رحبوا بقدومهم و هنئوهم بسلامة الوصول.

و بعد أن استراحوا قليلا في ثكنة الفرسان في الحرج، ركب القائدان المشار إليهما مركبة خاصة بين الدعاء الشديد و التصفيق المتواتر من جماهير الأهلين و الموسيقات تصدح بأنغام الترحيب، و أمامهما كوكبة من الفرسان و وراءهما كوكبة من فرسان الشرطة، ثم أخذت المركبة تسير الهوينا بين فرق العساكر و تلامذة المدارس و بين هتاف طبقات الناس المنتشرة على جانبي الطريق و المطلة من شرفات البيوت؛ لتستضي‏ء بضياء رجل الأمة الوحيد فكان حفظه اللّه يحيي الجميع عن الجانبين بالتحية الأبوية مبتسما مسرورا إلى أن شرف المحل المعد لنزوله، فتوافد للسلام عليه الأركان و العلماء المشار إليهم.

40

ولدى مرور الوزير الخطير أنور باشا بساحة الاتحاد في بيروت حياه تلاميذ مدرسة مار منصور بمل‏ء التحمس، فقابلهم دولته بابتسامة لطيفة مثلها أستاذهم بهذه الأبيات:

لانت بقطرنا حمل وديع‏* * * و بين عداك كالأسد الغضنفر

إذا ما افترّ ثغرك في بلاد* * * و بات اللطف من شفتيك ينثر

تكهربت القلوب و أنت فيها* * * كأنّ الكهرباء بثغر أنور

و قد اغتنم ميشال أفندي خياط من أدباء بيروت مرور الموكب بقبة النصر التي أقيمت في ساحة الاتحاد و مرّ من تحتها القائدان المعظمان فقال:

رحبت بك الأرجاء طرا و ازدهت‏* * * يمنا بتشريف الوزير الأكبر

و كذاك درة آل عثمان غدت‏* * * جذلى ترحب بالثناء الأعطر

ترجو لك النصر المبين و كلها* * * ثقة بمصر فانت أنت بذا حري‏

فإلى الأمام إلى الأمام أيا بني‏* * * عثمان و انحوها بقلب غضنفر

و استخلصوا هذي الشقيقة و ارفعوا* * * علم الهلال على ربوع الأزهر

فالفتح ترجوه الجماعة كلها* * * و النصر صار كحاصل و مقرر

و ترى بتاريخ يعي بشرى لنا* * * حل الهنا بلقا الجمال الأنور

سنة (1334 ه)

و بعد أن استراح الزائر قليلا، جاء دولة القائد العظيم أحمد جمال باشا داره العامرة؛ لزيارة أسرته الكريمة، و بعد ساعة ركب دولة وكيل القائد الأعظم؛ لزيارة دولة قائد الجيش السلطاني الرابع في منزله و زار أصحاب الدولة والي الولاية العالي. و متصرف جبل لبنان. و فخري باشا وكيل قائد الجيش الرابع في‏

41

منازلهم، ثم شرفا معا في الساعة الثامنة (نزل غاسمان)، و كان المدعوون و قتئذ مجتمعين في النزل المذكور؛ لتناول طعام العشاء بحضور الزائرين الكريمين، فتصدر في صدر المائدة الفاخرة دولة القائدين العظيمين و عن يمينهما صاحبا الدولة، والي بيروت عزمي بك، و على منيف بك متصرف لبنان و القواد و أركان الحرب و قناصل الدول المتحابة، و بقية المدعوين من علماء و أشراف و سراة، و الكل متلذذ بالنظر إلى ذلك الوجه الصبوح الذي جذب الأفئدة بمغناطيس عطفه و لطفه.

و مما يذكر من ذكاء القائمين بتنسيق هذه المائدة و انتباههم إلى مراعاة الأحوال الحاضرة، أنهم وضعوا لصنوف المآكل أسماء جديدة من أسماء المواقع التي جرت فيها الحروب كقولهم: شوربة أنا فورطة، بورك 42، سمك سد البحر، فواغر الدردنيل، لقمة الأهرام، مهلبية القنال، و ما يشبه هذه الأسماء مما كان له التأثير الجميل في نفوس المدعوين.

و في منتصف الحفل نهض والي بيروت وفاه بخطاب جليل عدد فيه مآثر دولة أنور باشا و ما له من الأيادي البيضاء على الأمة و هذا هو بنصه الشائق:

محترم باشا حضرتلري‏

مملكتك حياتي مسائلنده كي مجادلاتنده خارقه لر كوسترن ذات فخيمانه لرينه بيوك بر عشق و حرمت ايله مربوط اولان بير وتليلرك تقديسلريني كندي تعظيملرمله برابر تقديمه موفقيتمدن مفتخرم.

سكز سنه اولندن باشلايه رق شمدى‏يه قدر دوام ايده كلن مجادلات وطنيه كزك هر برنده مملكتك سعادتني تأسيس و جناق قلعه معجزه‏لر و خارقه‏

42

لر كوستره رك استحصال بيورديغكز صوك موفقيلته ده عثمانليلغي و استلاميتي قورتارديكز، وطنداشري منتدارايتديكز.

ذات اقدس حضرت بادشاهي يه وكالة باش قوماندانلغني در عهده بيورديغكز عثمانلي اوردولري حدودلرك هر طرفنده شان و ظفر استحصال ايتدكجه عثمانلي تاريخنك هركون بر صحيفه سي تزين ايتديكنى كورن عثمانليلر و بالخاصه بيروتليلر داخلده دخى اقتصادي و اجتماعي غالبيتلرك استحصالي ايجون ذات سامئ قومانادانيلزينك اثرينه تبعيتده كجيكمديلر.

ملت و مملكتك سعادتي اغورنده دوكديكي قانلرك تأمين ايتديكي فوائدك ادامه سي هر حالده داخلده دخى غالبيتك تأسيسنه متوقف اولديغنى بزه هر صورتله كوسترن اوردولرمزه و بالخاصه بوايشلرده بيوك انقلابلر يابان دردنجى اوردومزه و محترم قومانداني جمال باشا حضرتلرينه مديون شكران اولديغمزي عرض ابتمكي وظيفه‏دن بيليرم.

باشا حضرتلري: سزيالكز حدودلرده تأمين ظفرله قالمديكز حرب اثناسنده تنظيم ايتديككز فابريقه لريكزله، صنايعكزله، ديكر مؤسساتكزله، خلاصه بتون فعالياتكزله هر طرفده حربدن صكره تعقيب ايده جكمز خطوط اساسيه‏يي جيز ديكز و بزه ده توقى يوللريني آجديكز، بو صورتله ملتك شكر و منتني تضعيف ايتديكز.

باشا حضرتلري: باشلرنده بك معزز و مقدس بادشاهلريني و اوكلرنده ذات فخيمانه لريله رفقاي كرامكز كبي متين اللري و فداكار و طنبرورلري كورن بو ملت، دائما مسعود ياشايه جغنه ايمان ايدرك وطيفه أصليه سنى ايفادن‏

43

و هيج برفدا كارلقدن جكينمه‏ين و هر بريننك مملكتده ديكر بر سعادتك حصولي ايجون ويرلديكنه قناعت ايدن بو ملت، امرلر كزى بيوك بر شوق و مسرتله ايفايي هر زمان وظيفه بيلير. رفقاي محترمه‏لري آرهسنده متفقمز ايكى معظم ملته منسوب ذواته براراده كجير ديكمز بو كيجه بزده قيمتدار خاطره‏لر براقدي. بك تاريخي بركون ياشايان بيروتليلره بيوك بر شوف بخش ايتديككزدن دولايي عرض شكران ايدر و بالعموم رفقاي محترمه كزله عرض خوش آمدي ايلرم.

بزم ايله برابر حق و حيات يولنده مجادله ايدن متفقلرمز آلمان و آوستريا و بلغار ملتلرينك تمادئ موفقيت و سعادتلرينه و محترم ايمبراطور و قراللري حضراتنك صحت و عافيتلرينه دعا ايله سوزمه، هركون عثمانليلر ايجون بر سعادت اولان سوكيلي بادشاهمزك صحت و سلامت و موفقياتي تمنياتيله خاتمه ويريرم.

تعريب خطاب عزمي بك والي بيروت‏

حضرة الوزير الخطير

إنني أفتخر بأن وفقت لتقديم تعظيماتي الخاصة و تقديس أهالي بيروت المتعلقين باحترام و شغف عظيمين نحو ذاتكم الفخيمة التي أظهرت الخوارق في كل ما له مساس بمسائل حياة المملكة.

أسستم بالمساعي الحثيثة الوطنية التي ابتدأت منذ ثماني سنوات، و استمرت إلى الآن سعادة المملكة في كل ضرب من ضروبها، و خلصتم العثمانية و الإسلام كل الخلاص بفضل التوفيق الأخير الذي أحرزتموه في جناق، قلعة مظهرين‏

44

بذلك المعجزات و الخوارق و قلدتم إخوانكم في الوطنية قلادة من المنة، و الشكر لكم.

أما الجيوش العثمانية التي أخذتم على عاتقكم رئاسة إدارتها؛ وكالة عن الحضرة السلطانية المقدسة، فإنها كلما كتب النصر لأعلامها في كل جهة من الحدود يغتبط القوم و يزيدوا حمية، فإن العثمانيين عموما و البيروتيين خصوصا الذين يرون كل يوم تزيين صحيفة في التاريخ العثماني منها لم يتأخروا عن اقتفاء أثر دولتكم لاستحصال الغلبة الاقتصادية و الاجتماعية في الداخل.

و إنني أرى من الواجب أن أعرض على مسامعكم بأننا مدينون بالشكر لجيوشنا التي أظهرت لنا من كل وجه بأن بقاء الفوائد التي نتجت عن إهراق دمائها في سبيل سعادة الأمة و المملكة تتوقف- بلا ريب- على تأسيس الغلبة في الداخل و لا سيما الجيش الرابع الذي قام بانقلابات عظيمة في هذه الأعمال، و لحضرة جمال باشا قائده المعظم اليد الطولى فيها.

أيها الوزير، إن أعمالكم لم تقتصر على تأمين الظفر في الحدود فقط، بل قد رسمتم لنا في أثناء الحرب بما نظمتموه من معالمكم و صنائعكم و غيرها من المعاهد بكل ما رزقتم من مضاء الخطوط الأساسية التي سنتبعها بعد الحرب في عامة الجهات، و فتحتم لنا طرق الرقي، فضاعفتم بذلك شكر الأمة و امتنانها.

يا صاحب الدولة، هذه الأمة التي فوق رأسها مثل سلطانها المعزز المقدس، و أمامها مثل فخامتكم و رفاقكم الكرام الأقوياء الساعد، المتفانين في الوطنية تعتقد كل الاعتقاد بسعادتها في هذه الحياة، فلا تتأخر عن القيام بواجبها الأساسي، و لا عن أي مفاداة كانت، كما أن كل واحد منها يكون على ثقة من أنه‏

45

نفض عنه غبار الموت للحصول على سعادة غيرها في الوطن. هذه الأمة تعتبر أن إنفاذ أوامركم عن رغبة و سرور منها من أقدس واجباتها كل حين.

إن هذه الليلة التي قضيناها بين رفقاء دولتكم المحترمين المنسوبين لدولتين من أعظم الدول قد تركت لنا ذكرى ذات شأن عظيم، و إنني أعرض شكري لمنحكم بتشريفكم البيروتيين شرفا عظيما إذ رأوا فيه يوما تاريخيّا باهرا، و أرحب بجميع رفقائكم المحترمين.

و إنني أدعو بدوام توفيق أمم حلفائنا الألمانيين و النمسويين و البلغاريين و سعادتهم ممن يحاربون معنا في سبيل الحق و الحياة و بعافية و صحة حضرات قياصرتهم و ملوكهم، و أختم كلامي بالتضرع لتوفيق سلطاننا المحبوب و صحته و سلامته، فإن كل يوم من أيامه هو سعادة للعثمانيين.

ثم تليت قصيدة الأستاذ محمد أفندي الكستي و هي:

السعد هلل في الوجود و كبرا* * * و اليمن من أفق الأماني أسفرا

بشراك يا بيروت قد نلت المنى‏* * * و من الفخار بلغت حظا أوفرا

إني أراك الآن مطلع كوكب‏* * * بل هالة ضاءت ببدر «أنورا»

بطل الوغى المغوار قائد الدولة* * * بالنصر كللها الآله و أزرا

فازت بنو عثمان منه بأبيض‏* * * ذاقت به الأعداء موتا أحمرا

و غدا به الوطن العزيز محصنا* * * بقوى النفوس و بالحديد مسورا

أهلا بأنورنا و صهر مليكنا* * * رجل العلى و الحزم بل أسد الشرى‏

وافيت بيروت التي فيها سرى‏* * * سر «الجمال» بحكمة لن تنكرا

و غدت أهاليها بأعظم راحة* * * بالحمد تلهج منة و تشكرا

46

ذاك الرفيع القدر قائدنا الذي‏* * * من حكمه روض العدالة أثمرا

متفقدا شأن البلاد بهمة* * * أرضى العباد بها و راض العسكرا

لا زال بدر السعد «أنور» مشرقا* * * «و جمال» وجه العز فيا مسفرا

و الشكر نهديه لوالينا الذي‏* * * أفق الولاية من سناه أقمرا

ذو الفضل «عزمي» الشهم من أقواله‏* * * بالصدق ثابتة و لن تتغيرا

لسنا نوفي حقه بالمدح لو* * * عشنا سنينا في الوجود و أشهرا

اللّه صان الدردنيل بقوة* * * من جيشنا المنصور دام مظفرا

و الروس منا ذاق طعم الويل في‏* * * قفقاسيا لما طغى و تكبرا

و على العراق بدت طلائع فوزنا* * * و الكل أضحى بالمنى مستبشرا

فوز به طاف السرور بطيبة* * * و تهللت فرحا به أم القرى‏

لكن مصر و ما يليها لم تزل‏* * * تشكو و كادت أن تميد و تضجرا

تدعو الهلال لكي تعيش بظله‏* * * من قبل أن تقضي أسى و تحسرا

يا رب كلل بالنجاح رءوسنا* * * و اجعل لنا الأمر العسير ميسرا

و احفظ لنا سلطاننا و أدم له‏* * * نصرا بجاه نبينا خير الورى‏

ثم نهض الشيخ علي العشي شيخ السجادة السعدية في بيروت، و تلا ما يلي:

يا مرحبا بسراة أينما ساروا* * * يسر السرور فياللّه أسرار

و أينما نزلوا بل حيثما رحلوا* * * تظلهم من سنا المختار أنوار

اللّه أكبر ما أحلاه محتفلا* * * يزهو «بأنور باشا» فهو تذكار

فتى من «الترك» محبوب تعشقه‏* * * «عرب» «و نمسا» «و ألمان» «و بلغار»

و يزدهي «بجمال» الدين أحمد من‏* * * دلت على فضله المأثور آثار

كما ازدهى بعلى والي ولايتنا* * * «عزمي» فتى الحزم قوّاد و نظار

47

لا سيما «فخري باشا» من به افتخرت‏* * * بين البرية ابرار و أحرار

قواد حرب لإعداد القوى خلقوا* * * و ما عليهم و هم للدين أنصار

فليخش مولاه من أضحى يناصبهم‏* * * شر العداة فإنّ اللّه قهار

كم مرة أنقذونا من مخالب من‏* * * فينا استبدوا و في أحكامهم جاروا

يا أمة الإنكليز اليوم يومك في‏* * * قنال مصر فمصر اليوم أمصار

دعي القنال فما هذا الجنون أما* * * كفاك في «الدردنيل» الخزي و العار

يا مصر غني ابتهاجا و ارقصي طربا* * * و ليهن فيك بسكنى الدار ديار

و افاك «مولاك» و الأعلام خافقة* * * و السيف و الرمح خطار و بتّار

يا آل بيروت أمسى اليوم موطنكم‏* * * يتيه فخرا و إعجابا بمن زاروا

للّه «أنورهم» قلبا «و أحمدهم»* * * فعلا «و عزميهم» صدقا إذا ساروا

بالحزم و العزم قد سادوا و كلهمو* * * في السلم و الحرب مقدام و مغوار

تبارك اللّه ما أزكى شمائلهم‏* * * كأنهم في سماء الكون أقمار

أهلا بهم ما تجلى نور «أنور» في‏* * * آفاق بيروت و ازدانت بها دار

فليحي سلطاننا المحبوب في دعة* * * تحوطه من إله العرش أنظار

و ليبق صهر أمير المؤمنين لنا* * * حصنا حصينا إليه يلجأ الجار

و ليبق سيف «جمال» بيننا حكما* * * به تردّ عن الأوطان أخطار

و دام «عزمي» علينا «واليا» أبدا* * * يحميه جيش من الأملاك جرار

و دام جيش بني عثمان منتصرا* * * ما أينعت من رياض العز أثمار

ثم فاه حسن أفندي بيهم من فضلاء بيروت بخطاب قال فيه:

48

أحمد اللّه على نعمائه، و أصلي و أسلم على صفوة أنبيائه، و أخلص دعائي إلى سيدنا و مولانا أمير المؤمنين حامي حمى الدين المبين صاحب الخلافة الإسلامية العظمى و السلطنة العثمانية الكبرى، السلطان ابن السلطان السلطان الشوروي الغازي محمد رشاد خان الخامس، أيده اللّه و أدام ملكه و نصر جنده و أعزّ فلكه، آمين، اللهم آمين.

أما بعد:

أيها الوزير الخطير، لما أراد اللّه الخير بالممالك المحروسة يسر لها رجالا كراما مجددين، أوقفوا أنفسهم في سبيل اتحادهم و ترقيها، فأنالوها نعمة القانون الأساسي، و إلغاء الامتيازات الأجنبية، و ساروا بها إلى معالي النجاح و الفلاح، و ما الكرام المجددون إلا أنتم أيها الهمام، و رجال الدولة الفخام، و أمراء الجيش المظفر، أخص منهم بالذكر البطل المقدام و المدبر السياسي حضرة أحمد جمال باشا ناظر البحرية حفظه اللّه، فالعثمانيون كافة يرددون آيات الشكر و الثناء؛ لأنكم جعلتم لهم ذكرا و مقاما في مصاف الأمم الراقية، و إن اللّه لا يضيع أجر من أحسن عملا.

نشبت الحرب الحالية، فأعددنا لها العدة اللازمة دفاعا عن كياننا بهمة أصح وصف لها أنها همة أنورية، و لكن أبى الأعداء إلا البغي و العدوان، فقد باغتونا و حاولوا النزول على ضفاف البوسفور كأن لم يسمعوا إنشاده بهديره:

بأنور و الأجناد أني ممنع‏* * * و لمس الثريا من ضفافي أقرب‏

جموع الروس تأذننا بحرب‏* * * ليدرك نسرهم أفق الهلال‏

فلما طار أيقن أن هذا* * * محال في محال في محال‏

49

يريدون أن يطفئوا نور اللّه بأيديهم، و يأبى اللّه إلا أن يتم نوره.

أراد الأعداء المتفقون إرواء مطامعهم بامتلاك حوزتنا؛ معتقدين تخيلا و وهما بأن العثمانية هي الرجل المريض، و لكننا صححنا اعتقادهم هذا، و أفهمناهم بلسان سيوفنا و دوي رصاصنا و لعلعة مدافعنا أن العثمانية هي الرجل الصحيح، و أنهم هم المرضى.

فخضنا غمار الحرب و الحرب دأبنا* * * دفاعا عن الإسلام و الملك و الوطن‏

أما الحرب فنحن أحق بها و أهلها؛ لأنا قوم أحرص على حب الاستشهاد من الأعداء المتفقين على حب الحياة.

و نحن أناس لا توسط بيننا* * * لنا الصدر دون العالمين أو القبر

و نحن أناس لا نرى الموت سبة* * * و ما ضرنا موت إذ جاءنا النصر

و تلك أيام الدردنيل أعظم شاهد و دليل أيام، أنزل اللّه نصره على الجيش المظفر، فتم له النصر المبين على أقوى قوى دول البر و البحر مما ليس كمثله في تاريخ الأولين فيا للّه هذا الجيش، و يا للّه وكيل قائده العام و جوهر روح بسالته أنور باشا هذا. هذا الذي أثبت لعالم المشرق و المغرب أن الأمة العثمانية لم تزل معززة حية؛ لأنها ترى أن عز الممات خير وسيلة لسعادة الحياة، و سيبقى الظفر حليفنا، و حليف حلفائنا البواسل- إن شاء اللّه- حتى تضع الحرب أوزارها، و يومئذ يعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

إن يومنا هذا له ما بعده.

يوم سيركم و أخاكم الجمال و الجيش المظفر، متكلين على اللّه لنجاة إفريقية العثمانية الإسلامية من أيدي الغاصبين، و ترون الملايين من أهلها لكم بالانتظار

50

أحياء لميت آمالهم، يسر اللّه لكم هذا، و أعانكم على إنقاذ قفقاسيا و آسيا الوسطى فما بعدها من البلاد الإسلامية، حتى يتم للمسلمين كافة حيثما وجدوا الانضمام إلى السلطنة العثمانية الكبرى سياسة و إدارة كما هم منضمون و مرتبطون بعرش الخلافة الإسلامية العظمى قلبا و دينا، و ما ذلك على اللّه بعزيز.

أنوار أنور في بيروت مشرقة* * * أهلا بأكرم مولى شرف الوطنا

أهلا أهلا يا مولاي، تاللّه لقد قرت عيوننا بتشريفكم ربوعنا، و أنا لنباهي بالترحيب بركن من أعاظم أركان الدولة، و ساعد قوي من سواعد الإسلام نرحب بكم، و لكم في قلوبنا اسمى منزلة، نرحب بكم معجبين بأعمالكم الباهرة، فلطالما اقتحمتم المصاعب، و عرضتم حياتكم الثمينة في سبيل الدين و الملة.

فاللّه يبقيك لنا سالما* * * برداك تعظيم و تبجيل‏

لا أزيدكم علما- أيها الوزير الخطير- أن البيروتيين جميعهم على اختلاف المذاهب و الطبقات من أشد الناس إخلاصا و صدقا في العثمانية، فهم بطبيعة هذا الإخلاص الصميمي يتشرفون بالعرض على مسامعكم السامية بأنهم جاعلون نفوسهم و دماءهم و أبناءهم و نفيسهم فداء و ضحية في سبيل خطتكم المثلى، معتقدين أن ذلك فريضة دينية بها يسعدون.

فمر تطع، و أشر نمتثل؛ لأنا موقنون أنّ حركاتكم و سكناتكم و حلمكم و مرتحلكم و أمركم و نهيكم، كل ذلك لا تقصدون به إلا خير الإسلام و إعلاء شأن الدولة و الوطن.

سعيت إلى الإسلام خيرا و من سعى‏* * * لإعلاء دين اللّه لا شك ينصر

51

يناديك و اغوثاه مما ألمّ بي‏* * * فناديته لبيك ها أنا أنور

وقفت على الأعداء ترتقب الردى‏* * * ففروا و فرّ الموت خذلان ينظر

و إن جمالا بالعلى لمكمل‏* * * و أحمد محمود الصفات موقر

فدوما لعز الملك ركنا و موئلا* * * شعاركما الإسلام و اللّه أكبر

بظل أمير المؤمنين رشادهم‏* * * مليك به الأجناد يغزو فتظفر

ثم نهض صاحب الإقبال عبد الباسط أفندي الأنسي، وفاه بخطاب موجز كما يلي:

يا حضرة الوزير الخطير و القائد الكبير:

شرفتم بيروت، فزرتم ديارا لا تزال تذكر قدومكم إليها منذ أعوام، حينما قصدتم إنقاذ الأمة الإسلامية في برقه و طرابلس الغرب؛ حيث مدت إليها يد العدو الأثيمة.

شرفتم اليوم بيروت، و صوت الإسلام يناديكم من مصر: إنني في ضيق و ضنك، فانقذوني و طهروا هذه الديار من العدو كما طهرتم أرجاء عاصمة السلطنة من الأسافل الخونة.

شرفتم الديار السورية، و النفوس تطير شعاعا لمشاهدة محياكم «الأنور» و قد ملئت القلوب محبة لذاتكم الكريمة. و قليل الأمراء الذين يعرفون كيف يملكون القلوب و يستأسرون الأفئدة.

يا دولة وكيل القائد الأعظم:

52

إن في سوريا نفوسا لا ترى الحياة إلا بصدق الولاء للدولة الإسلامية العثمانية كيفما كان حالها. فكيف يكون اليوم مبلغها من الصدق و الإخلاص و هي ترى من شخص دولتكم إسلامية متقدة، و حمية مدهشة، و بسالة خارقة، و محبة صادقة.

أنقذتم منذ ثماني سنين ثلاثين مليونا من ربقة الاستبداد المحلي، و أما اليوم فإنكم تنقذون ثلاث مائة مليون من المسلمين من ربقة الاستعباد الأجنبي.

و عليه، فجدير أن يطلق على ذاتكم الكريمة في تاريخ الإسلام اسم «منقذ الإسلام من استبداد القرن العشرين».

يا سيف الدولة القاطع، و بدرها الطالع:

إن الملة الإسلامية، بل الأمة العثمانية التي أحييت فيها روح الجندية المقدسة، و أيقظت في نفوسها معنى الجهاد الإسلامي الأكبر تعترف اليوم بعظيم فضلك، و بعد نظرك، و قوة حزمك و مضاء عزيمتك.

و لقد شاهد وفدنا السوري الذي كان ذهب إلى ساحة الحرب ليبلغ أبطال الأمة و قساورها تحية إخوانهم السوريين ما أقامته يداك الكريمتان من الاستعدادات العظيمة و القوى الهائلة مما تطمئن به القلوب و تنشرح له الصدور، و قد عرفت الأمة الإسلامية- أعزها اللّه- أنها أصبحت قائمة على دعائم متينة من القوتين المادية و المعنوية.

و زيادة على هذا، فإن التاريخ سيسطر لأركان وزارتنا الرشيدة على صفحاته البيضاء النقية بأحرف من نور، عملا يفوق كل عمل- و هو تجديد