نهاية الوصول إلى علم الأصول‏ - ج5

- العلامة الحلي المزيد...
508 /
7

الجزء الخامس‏

مقدّمة بقلم: آية اللّه العظمى جعفر السبحاني‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

القول السديد في الاجتهاد و التقليد

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على خاتم أنبيائه و رسله محمد و آله الطاهرين.

أمّا بعد:

إنّ البحث في الاجتهاد و التقليد ليس من المسائل الأصولية، لأنّها عبارة عما يقع في طريق الاستنباط. و البحث في واقع الاجتهاد و التقليد و ما يرجع إليهما من بحوث لا يقع في طريق الاستنباط، و لذلك عاد أصحابنا الأصوليون يبحثون عنهما في الكتب الأصولية كخاتمة للكتاب، و المعروف أنّ الخاتمة كالمقدمة ليست داخلة في صميم العلم.

إلّا أنّ العلّامة الحلي- مؤلف الكتاب- لم يتابع سيرة الأصحاب و جرى على مسلك الآخرين حيث إنّهم يبحثون عنهما بصورة مسألة أصولية، و قد أفاض الكلام فيهما في المقصد الثالث عشر من الكتاب، و قد شغلت هذه‏

8

المباحث نصف هذا الجزء الّذي بين يدي القارئ، و بقي النصف الآخر خاصّا بالتعادل و الترجيح.

و العجب أنّه قدّم البحث في الاجتهاد و التقليد على التعادل و الترجيح مع أنّ الأنسب هو العكس، لأنّ الثاني من المسائل الأصولية حيث يقع ما هو المختار (الرجوع إلى المرجحات و التخيير عند عدمها، أو الترجيح بالمرجحات و التخيير عند عدمها) عند تعارض الأدلّة في طريق الاستنباط.

فكان عليه أن يخص المقصد الثاني عشر بالتعادل و الترجيح و الخاتمة بمباحث الاجتهاد و التقليد.

و نحن في غنى عن التعليق على ما أتى به المصنّف في هذه الأبواب من دلائل مشرقة على مختاراته. لكن قسما منها ربما يحتاج إلى بسط في الكلام و لذلك اخترنا مواضع خاصة للتعليق، و هي كما يلي:

1. النبي و الاجتهاد.

2. وجود الاجتهاد عند الصحابة.

3. في تجزؤ الاجتهاد.

4. التخطئة و التصويب في الأصول و الفروع.

5. دور الزمان و المكان في الاستنباط.

6. دور الحكم في رفع التزاحم بين الاحكام الأولية.

9

1 النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الاجتهاد

ذكر المصنّف (قدّس سرّه) اختلاف الناس في أنّ النبي هل كان متعبدا بالاجتهاد كسائر الفقهاء، أو لم يكن كذلك؟ فالإمامية- عن بكرة أبيهم- على أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يكن متعبدا بالاجتهاد في شي‏ء في بيان الأحكام الشرعية الكلية، و أمّا القضاء في المرافعات فهو أمر آخر لا صلة له بالموضوع، و سيوافيك بيانه.

و قد ذكر المصنّف أدلة شافية في ترفيع النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن حاجته إلى الاجتهاد بعد ما كان (فضل اللّه عليه كبيرا)، و اللوح المكتوبة فيه الأحكام مكشوفا له يراه بأمّ عينيه أو بأمّ قلبه.

و مع ذلك كله فسوف نستطرد هذا الموضوع ببيان آخر ربّما يكون بين البحثين تداخل في بيان الأدلة و إشكالاتها.

و الفضل في ذلك يرجع إلى المصنّف و إلى بقية علمائنا المتقدمين.

فنقول: الاجتهاد: هو استنباط الحكم من الأدلّة الشرعية، كالكتاب و السنّة ببذل الجهد و التفكير، و المجتهد يخطئ و يصيب شأن كلّ إنسان غير

10

معصوم، و إن كان المخطئ مأجورا كالمصيب، إنّما الكلام في أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) هل كان مجتهدا في بيان الحكم الشرعي كالآخرين يخطئ و يصيب، أو أنّ علمه بعقائد الدين و أحكامه بلغ إلى مستوى أغناه عن الاجتهاد؟

و الإمعان فيما سنتلوه عليك من النصوص يدعم النظر الثاني:

أ. قال سبحانه: وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَ رَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَ ما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْ‏ءٍ وَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً. (1)

و قد ذكر المفسّرون أسباب نزول متعدّدة لهذه الآية تجمعها أنّه رفعت إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) واقعة كان الحق فيها غير واضح، فأراه اللّه سبحانه حقيقة الواقع الذي تخاصم فيها المتحاكمان و علّله بقوله: وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَ رَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ.

ففضل اللّه و رحمته صدّاه عن الحكم بالباطل، و هل كان فضله سبحانه و رحمته مختصين بهذه الواقعة، أو أنّهما خيّما عليه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) طيلة عمره الشريف؟ مقتضى قوله سبحانه في ذيل الآية: وَ كانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً هو انّه حظي بهما طيلة عمره الشريف. فهو في كلّ الحوادث و الوقائع يحكم بمرّ الحق و نفس الواقع مؤيدا من قبل اللّه، و من اختصّ بهذه المنزلة الكبيرة فقد استغنى عن الاجتهاد المصيب تارة و المخطئ أخرى.

____________

(1). النساء: 113.

11

ب. انّه سبحانه يخاطب النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بقوله: ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى‏ شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ. (1)

و الشريعة هي طريق ورود الماء، و الأمر أمر الدين و معنى الآية انّه تبارك و تعالى أورد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) طريقا موصلة للشريعة قطعا، و من حظي بتلك المنزلة، فما يصدر عنه إنّما يصدر عن واقع الدين لا عن الدين المظنون الذي يخطئ و يصيب، و ليست تلك الخصيصة من خصائصه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقط بل قد حظي بها معظم الأنبياء، قال سبحانه: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً. (2)

ج. إنّ طبيعة الاجتهاد خاضعة للنقاش و النقد، فلو اجتهد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في بعض الأحكام فنظره كغيره قابل للنقد و النقاش، و معه كيف يكون حلال محمد حلالا إلى يوم القيامة و حرامه حراما إلى يوم القيامة، و كيف تكون شريعته خاتمة الشرائع؟!

كلّ ذلك يعرب عن أنّ نسبة الاجتهاد إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بعيدة عن الصواب، و إنّما يتفوّه بها من ليس له أدنى إلمام بمقامات الأنبياء، لا سيما خاتم النبيين أفضل الخليقة.

قال الشوكاني: اختلفوا في جواز الاجتهاد للأنبياء في الأحكام الشرعية على مذاهب:

____________

(1). الجاثية: 18.

(2). المائدة: 48.

12

المذهب الأوّل: ليس لهم ذلك لقدرتهم على النص بنزول الوحي، و قد قال سبحانه: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏. (1) و الضمير يرجع إلى النطق المذكور قبله بقوله: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏ و قد حكى هذا المذهب الأستاذ أبو منصور عن أصحاب الرأي، و قال القاضي في «التقريب»: كلّ من نفى القياس أحال تعبّد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالاجتهاد. قال الزركشي: و هو ظاهر اختيار ابن حزم.

و احتجّوا أيضا بأنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان إذا سئل ينتظر الوحي و يقول: «ما أنزل عليّ في هذا شي‏ء» كما قال لمّا سئل عن زكاة الحمير فقال: لم ينزل عليّ إلّا هذه الآية الجامعة: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ. (2) و كذا انتظر الوحي في كثير ممّا سئل عنه، و من الذاهبين إلى هذا المذهب أبو علي و أبو هاشم. (3)

أقول: لقد لخّص الشوكاني ما ذكره ابن حزم في ذلك المجال و قال:

إنّ من ظنّ بأنّ الاجتهاد يجوز لهم في شرع شريعة لم يوح إليهم فيها فهو كفر عظيم، و يكفي في إبطال ذلك أمره- تعالى- نبيه أن يقول: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى‏ إِلَيَ‏ (4) و قوله: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏. (5) و قوله: وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ. لَأَخَذْنا

____________

(1). النجم: 4.

(2). الزلزلة: 7 و 8.

(3). إرشاد الفحول: 225.

(4). الأنعام: 50.

(5). النجم: 3 و 4.

13

مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ‏ (1).

و انّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يسأل عن الشي‏ء، فينتظر الوحي، و يقول: «و ما نزل عليّ في هذا شي‏ء» ذلك في حديث زكاة الحمير و ميراث البنتين مع العم و الزوجة، و في أحاديث جمّة. (2) و قبل أن أذكر المذهب الثاني الوارد في كلام الشوكاني، أشير إلى كلمة للعلّامة الحلّي، تعرب عن موقف الإمامية في المسألة.

قال (رحمه اللّه) بعد تعريف الاجتهاد: و لا يصح (الاجتهاد) في حقّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و به قال الجبائيان. لقوله تعالى: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏ و لأنّ الاجتهاد إنّما يفيد الظن، و هو (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قادر على تلقّيه من الوحي، و انّه كان يتوقّف في كثير من الأحكام حتى يرد الوحي، فلو ساغ له الاجتهاد، لصار إليه، لأنّه أكثر ثوابا، و لأنّه لو جاز له (الاجتهاد) لجاز لجبرئيل (عليه السلام)، و ذلك يسدّ باب الجزم بأنّ الشرع الذي جاء به محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من اللّه تعالى.

و لأنّ الاجتهاد قد يخطئ و قد يصيب، و لا يجوز تعبّده (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) به، لأنّه يرفع الثقة بقوله.

و كذلك لا يجوز لأحد من الأئمّة الاجتهاد عندنا، لأنّهم معصومون، و إنّما أخذوا الأحكام بتعليم الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أو بإلهام من اللّه تعالى. (3)

____________

(1). الحاقة: 44- 46.

(2). الإحكام في أصول الأحكام: 5/ 123.

(3). مبادئ الأصول: 51.

14

المذهب الثاني: انّه يجوز لنبينا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و لغيره من الأنبياء الاجتهاد و إليه ذهب الجمهور و احتجوا بالوجوه التالية:

الأوّل: انّ اللّه سبحانه خاطب نبيه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كما خاطب عباده، و ضرب له الأمثال و أمره بالتدبّر و الاعتبار، و هو من أجلّ المتفكّرين في آيات اللّه و أعظم المعتبرين.

أقول: إنّ ما ضرب به من الأمثال جلّها من باب «إيّاك أعني و اسمعي يا جارة» و هل يصحّ أن يقال انّه سبحانه أراده بقوله: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ‏ (1) مع أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ممّن هداه اللّه‏ وَ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ. (2)

على أنّه سبحانه أمر بالتفكّر و التدبّر فيما يرجع إلى العوالم الغيبية و الأسرار المكنونة في الطبيعة و أنّى ذلك من التفكّر في الأحكام الشرعية.

الثاني: انّ المراد من قوله: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏ هو القرآن، لأنّهم قالوا إنّما يعلّمه بشر، و لو سلم لم يدل على نفي اجتهاده، لأنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إذا كان متعبّدا بالاجتهاد بالوحي لم يكن نطقا عن الهوى، بل عن الوحي.

أقول: إنّ قوله سبحانه: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏ و إن كان واردا في مورد القرآن، و لكنّه آب عن التخصيص بدلالة انّ ورود التخصيص عليه يستلزم‏

____________

(1). الزمر: 65.

(2). الزمر: 37.

15

الاستهجان، فلو قيل النبي لا ينطق عن الهوى إلّا في غير مورد القرآن لرأيت التخصيص مستهجنا، على أنّ الدليل ليس منحصرا بهذه الآية، و قد استعرضنا الدلائل السابقة.

نعم لو ثبت انّ الوحي أمره بالاجتهاد، لكان ما يفتي به إفتاء منتهيا إلى الوحي الإجمالي، و لكن الكلام في صدور الترخيص له.

الثالث: إذا جاز لغيره من الأمّة أن يجتهد بالإجماع مع كونه معرضا للخطإ، فلأن يجوز لمن هو معصوم عن الخطأ بالأولى.

أقول: إنّ هذا الاستدلال من الوهن بمكان، لأنّ غير النبي يجتهد لانحصار باب المعرفة به، و هذا بخلاف النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فإنّ أمامه طرقا كثيرة إلى الحقّ أوضحها الوحي.

الرابع: الاستدلال ببعض الأمثلة التي تدلّ بظاهرها على أنّ النبي اجتهد في الحكم الشرعي، و سيوافيك توضيح بعضها. (1)

ثمّ إنّ هناك مذهبا ثالثا يدعى مذهب الوقف عن القطع بشي‏ء في ذلك، و زعم الصيرفي في شرح الرسالة، انّه مذهب الشافعي، لأنّه حكى الأقوال و لم يختر شيئا منها، و اختار هذا القاضي أبو بكر الباقلاني، و الغزالي. (2)

____________

(1). إرشاد الفحول: 225.

(2). المصدر السابق: 226.

16

اجتهاد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و تسرّب الخطأ إليه‏

قد سبق انّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في غنى عن الاجتهاد في الأحكام و انّه سبحانه أورده منهل الشريعة، و أمره باتّباعها، و لو افترضنا جواز الاجتهاد عليه، فهل يمكن أن يتسرّب إليه الخطأ أو لا؟

ذهبت الإمامية إلى صيانة اجتهاده (على فرض جواز الاجتهاد له) عن الخطأ، و استدل عليه المحقّق بوجوه:

الأوّل: انّه معصوم من الخطأ عمدا و نسيانا بما ثبت في الكلام، و مع ذلك يستحيل عليه الغلط.

الثاني: إنّنا مأمورون باتّباعه، فلو وقع منه الخطأ في الأحكام لزم الأمر بالعمل بالخطإ و هو باطل.

الثالث: لو جاز ذلك الخطأ لم يبق وثوق بأوامره و نواهيه، فيؤدي ذلك إلى التنفير عن قبول قوله. (1)

ثمّ إنّ المخالف استدل بوجوه، منها:

الأوّل: قوله تعالى: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى‏ إِلَيَّ. (2)

أقول: إنّ وجه المماثلة ليس تطرّق الخطأ بل عدم استطاعته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى‏

____________

(1). معارج الأصول: 118- 119.

(2). الكهف: 110.

17

تحقيق كلّ ما يقترحون عليه من المعاجز و الآيات حيث أرادوا منه أن يأتي لهم بكلّ ما يقترحون عليه من عجائب الأمور، فوافته الآية بأنّه بشر مثلكم، و الفرق انّه يوحى إليه دونهم، فكيف يتمكّن من القيام بما يقترحون عليه من المعاجز و الآيات بلا إذن منه سبحانه؟!

الثاني: قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «فمن قضيت له بشي‏ء من حقّ أخيه، فلا يأخذنّ إنّما أقطع له به قطعة من النار» (1) و هذا يدلّ على أنّه يجوز منه الغلط في الحكم.

أقول: إنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان مأمورا بالقضاء بما أدّت إليه البيّنة و اليمين، فما يقضي به هو نفس الحكم الشرعي في باب القضاء سواء أ كان مطابقا للواقع أم لم يكن، فإنّه كان مأمورا في فصل الخصومات بالظواهر لا بالبواطن.

و بذلك يعلم انّه لو سوّغنا الاجتهاد للنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يخطئ في مجال الإفتاء، بل ينتهي إلى نفس الواقع.

و أمّا باب القضاء، فاتّفق الجميع على أنّه كان مأمورا بالظواهر دون البواطن، سواء أ كانت الظواهر مطابقة للواقع أم لا، فقد كانت المصالح تقتضي ذلك. مع العلم بحقيقة الحال.

____________

(1). الوسائل: 18، الباب 2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3.

18

العلم بالملاك غير الاجتهاد

قد تحدثنا آنفا عن الاجتهاد، و عرفت أنّه عبارة عن استخراج الحكم من الكتاب و السنّة و هو قد يخطئ و قد يصيب، و ليس الحكم المستخرج مصيبا للواقع على الإطلاق.

نعم هناك أمر آخر يعدّ كرامة اختصّ اللّه تعالى بها نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و هو انّه أدّب رسوله فأحسن تأديبه، و علّمه مصالح الأحكام و مفاسدها، و أوقفه على ملاكاتها و مناطاتها، و لمّا كانت الأحكام تابعة لمصالح و مفاسد كامنة في متعلّقاتها و قد أطلع اللّه نبيه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عليها مع اختلاف درجاتها و مراتبها، لا يكون الاهتداء إلى أحكامه سبحانه عن طريق الوقوف على عللها، بأقصر من الطرق التي وقف بها النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على حلاله و حرامه. و إلى هذا يشير الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله:

«و عقلوا الدين عقل وعاية و رعاية لا عقل سماع و رواية، فإنّ رواة العلم كثير و رعاته قليل». (1)

فما ورد عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من التشريع، فإنّما هو تشريع بالعلم بالملاك، و بإذن خاص منه سبحانه، و قد ورد في السنّة الشريفة:

1. إنّ اللّه فرض الصلاة ركعتين ركعتين، ليكون المجموع عشر ركعات، فأضاف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى الركعتين ركعتين، و إلى المغرب ركعة.

____________

(1). نهج البلاغة: الخطبة رقم 234.

19

2. إنّ اللّه فرض في السنة صوم شهر رمضان، و سنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) صوم شعبان، و ثلاثة أيام من كلّ شهر.

3. إنّ اللّه حرم الخمر بعينها، و حرّم رسول اللّه المسكر من كلّ شراب.

4. إنّ اللّه فرض الفرائض في الإرث، و لم يقسم للجد شيئا، و لكن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أطعمه السدس. (1)

و ليس هذا اللون من التشريع اجتهادا منه و لا منافيا لاختصاص التشريع باللّه سبحانه، لما عرفت من أنّ التسنين في هذه المقامات إنّما هو بتعليم منه سبحانه بملاكات الأحكام و إذنه.

أسئلة و أجوبة

الأوّل: ربما يتراءى من بعض تفسير الآيات و الروايات انّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) اجتهد في بعض الأحكام ثمّ وافاه النص على الخلاف.

قال سبحانه: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى‏ حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَ اللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. (2)

لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. (3)

فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. (4)

____________

(1). أصول الكافي: 1/ 209- 210.

(2). الأنفال: 67.

(3). الأنفال: 68.

(4). الأنفال: 69.

20

نزلت الآيات في غزوة بدر حيث استشار الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) صحابته في أمر الأسرى، فقال أبو بكر: عشيرتك فأرسلهم، و قال عمر: اقتلهم، ففاداهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فأنزل اللّه معاتبا له و لصحابته بقوله: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى‏ ....

رواه أهل السير، و أخرج مسلم و أحمد حديثا في ذلك. (1)

التحليل يتوقف على توضيح مفاد الآيات، و هو انّ السنّة الجارية في الأنبياء الماضين (عليهم السلام) هي انّهم إذا حاربوا أعداءهم، و ظفروا بهم ينكلون بهم قتلا ليعتبر بهم من وراءهم، فيكفّوا عن معاداة اللّه و رسوله، و كانوا لا يأسرون أحدا حتى يثخنوا في الأرض، و يستقر دينهم بين الناس، فإذا بلغوا تلك الغاية كان لهم الحقّ في أخذ الأسرى، ثمّ المن أو الفداء، كما قال تعالى في سورة أخرى مخاطبا المسلمين عند ما علا أمر الإسلام و تمّت له القوة و الغلبة في الحجاز و اليمن: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمَّا فِداءً. (2)

فعلم من ذلك انّ مقتضى الجمع بين الآيتين هو ممنوعية أخذ الأسرى قبل الإثخان في الأرض و جوازه بعده، ثمّ المن، أو الفداء بعد الإثخان.

إذا عرفت ذلك فهلمّ معي نبحث في مفاد الآيات الثلاث، فنقول:

أوّلا: انّ اللوم انصبّ على أخذ الأسرى لا على الفداء.

____________

(1). تاريخ التشريع الإسلامي: 99.

(2). محمد: 4.

21

ثانيا: انّ اللوم لم يتوجّه إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أبدا و إنّما توجّه إلى من أخذ الأسرى.

و الشاهد على الأمر الأوّل قوله: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى‏ حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ‏ أي الأمر الممنوع هو أخذ الأسرى فقط لا الفداء و المن، و إلّا لكان له عطف الفداء و المن عليه، و لو كان الممنوع هو الفداء لما قال سبحانه في الآية الثالثة: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏ و من الواضح انّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يكن له أيّ دور في أخذ الأسرى، بل كان هو القائد و المجاهدون هم الذي يأخذون الأسرى قبل الإثخان في الأرض بالقتل و التنكيل.

و الشاهد على الأمر الثاني قوله سبحانه: لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. و المخاطب هم المقاتلون لا النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

أضف إلى ذلك قوله: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَ اللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ.

فملخّص القول: إنّ اللوم انصبّ على المقاتلين المجاهدين الذين أسروا الأعداء، و لم يكن للنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أيّ دور في ذلك.

و أمّا الروايات الواردة، فهي مختلفة جدا لا يمكن الركون إلى الخصوصيات الواردة فيها.

و قد اختلفت التفاسير حسب اختلاف الروايات، فمن قائل بأنّ العتاب و التهديد متوجه إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و المؤمنين جميعا، إلى آخر بأنّه متوجه إلى‏

22

النبي و المؤمنين ما عدا عمر، إلى ثالث أنّه متوجه إلى النبي و المؤمنين ما عدا عمر و سعد بن معاذ، إلى رابع أنّه متوجه إلى المؤمنين دون النبي، إلى خامس أنّه متوجه إلى شخص أو أشخاص أشاروا إليه بالفداء بعد ما استشارهم.

و عليه لا يمكن الركون إلى تلك الروايات و الأخذ بها، و الآيات الواردة في المقام محكمة ناصعة البيان ليست بحاجة إلى تفسير من قبل الروايات الآنفة الذكر. فالاستدلال على أنّ النبي كان مجتهدا و انّه اجتهد خطاء في هذه الواقعة غريب جدا.

*** الثاني: إذا كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يصدر الأحكام بإلهام منه سبحانه دون أن يكون له اجتهاد فيها، فما معنى قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في حديث السواك: «لو لا أن أشقّ على أمّتي لأمرتهم بالسواك».

و مثله قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يوم فتح مكة: «إنّ هذا البلد حرّمه اللّه يوم خلق السماوات و الأرض، فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة، و انّه لم يحلّ القتال فيه لأحد قبلي، و لم يحلّ لي إلّا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه، و لا ينفّر صيده، و لا يلتقط لقطته إلّا من عرفها، و لا يختلى خلاه».

فقال العباس: يا رسول اللّه إلّا الإذخر، فإنّه لقينهم و لبيوتهم.

فقال: «إلّا الإذخر». (1)

____________

(1). صحيح البخاري: 4/ 105، باب اسم الغادر للبر و الفاجر قبيل كتاب بدء الخلق.

23

فاستثناء الإذخر بعد التعميم أخذا برأي العباس كان اجتهادا منه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الحديث أخرجه البخاري و مسلم و غيرهما من أهل السنن. (1)

الجواب: أمّا الحديث الأوّل فبيان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) للحكم لم يصدر عن الاجتهاد و ضرب الأدلّة بعضها ببعض، و إنّما وقف على الحكم الشرعي و هو الاستحباب عن طريق الوحي و لمّا بيّن للأمّة أهميته من الناحية الصحية، ظهر فيه ملاك الإلزام، و لكن لم يتابعه التشريع، لما في الإلزام من حرج و مشقة.

و أمّا الحديث الثاني فقد روى البخاري انّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «و لا يختلى خلاه».

قال ابن الأثير: ففي حديث تحريم مكة «لا يختلى خلاها» الخلى- مقصور- النبات الرطب الرقيق ما دام رطبا، و اختلاؤه قطعه، و أخلت الأرض:

كثر خلاها، فإذا يبس فهو حشيش. (2)

و أمّا استثناء الإذخر فلم يكن اجتهادا من النبي بل بيانا لواقع الحكم حيث كان قطعه مستثنى في الشريعة، و كان للنبي أن يذكر العام دون المخصّص لمصلحة في التأخير، و لكن لمّا تكلّم العباس بالمخصّص، صدّقه و بيّن المخصص فورا.

و وجه الاستثناء ابتلاء الحدّاد و الصائغ و الناس في بيوتهم بهذا النبات‏

____________

(1). تاريخ التشريع الإسلامي: 3.

(2). النهاية: 2/ 74.

24

الطيب الرائحة قال الجزري: و في حديث العباس «إلّا الإذخر فإنّه لقيوننا» القيون: جمع قين، و هو الحدّاد و الصائغ. (1)

الثالث: لما أمسى الناس في اليوم الذي فتحت عليهم- يعني خيبر- أوقدوا نيرانا كثيرة، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ما هذه النيران؟ على أي شي‏ء توقدون؟» قالوا: على لحم، قال: «أي لحم؟» قالوا: الحمر الأنسية، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «أهريقوها و اكسروها» فقال رجل: أو يهرقوها و يغسلوها؟ قال:

«أو ذاك». (2)

وجه الاستدلال: أنّ النبيّ أمر بكسر القدور أوّلا، و لمّا طلب منه الاكتفاء بالإهراق و الغسل اقتصر عليه. فلو كان الكسر بوحي منه سبحانه لما كان له العدول عنه.

الجواب أوّلا: إنّ الرواية نقلت بصور مختلفة حتى أنّ البخاري نقلها كالتالي:

أ. فجاء منادي النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لا تأكلوا من لحوم الحمر شيئا و أهريقوها.

ب. فنادى منادي النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): اكفئوا القدور. (3)

و لم يعلم أنّ النبي أمر بكسرها.

____________

(1). النهاية: 4/ 135؛ و في بعض النصوص القين و تعني الزينة، و هو الأظهر ممّا ذكره صاحب النهاية.

(2). صحيح مسلم: 5/ 186، باب غزوة خيبر.

(3). صحيح البخاري: 5/ 136، باب غزوة خيبر.

25

و ثانيا: إذا سلّمنا أنّه أمر بالكسر، فليس هناك مانع من أن يكون للكراهة الشديدة مراحل فالأولى هو كسر القدور و طرحها جانبا، و الثانية إهراقها و غسلها، فبدأ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بما هو الأولى، و لمّا كان شاقا على الناس، أمضى الحكم الثاني، و هو إخلاؤها و إكفاؤها.

و لعمري ليس في تلك الأمور أي دلالة على أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يجتهد كاجتهاد الآخرين، و العجب من ابن قيّم الجوزية انّه عقد فصلا بيّن فيه فتاوى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قال:

و لنختم الكتاب بذكر فصول يسير قدرها، عظيم أمرها من فتاوى إمام المفتين و رسول ربّ العالمين تكون روحا لهذا الكتاب، و رقما على جلة هذا التأليف. (1)

فذكر أحاديثه و كلماته في العقائد و الأحكام باسم الفتوى، فيتبادر إلى الذهن أنّه كان يفتي كالآخرين مع أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يرشد الناس لحكم اللّه سبحانه بطرق مختلفة، فالإفتاء في كلامه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كالإفتاء في قوله سبحانه:

يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ. (2)

النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الأمور الدنيوية

لا شكّ انّ هناك أمورا دنيوية كالزراعة و الطب و الحرب و فنونها

____________

(1). إعلام الموقعين: 4/ 266- 414.

(2). النساء: 176.

26

يكتسبها الناس عبر التجربة، و لم يزل المجتمع الإنساني يتقدّم و يرتقي كلّما كثرت تجاربه و خبراته المادية، و الإنسان يخطئ و يصيب في الوقوف على أسرار الكون و نواميسه، و تلك الخطوات و إن أخفقت في بعض المراحل، لكنّها تنتهي إلى كشف الحقائق و لمس الواقع، و هذه هي الأسس التي بنيت عليها الحضارات.

إنّما الكلام في أنّ سبيل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى هذه الأمور هل هو كسبيل سائر الناس يجتهد و يخطئ، أو أنّه لا يخطئ في تلك الأمور بإلهام من اللّه سبحانه مسدّد الخطى نحو الصواب؟

يقول أحد الكتاب المعاصرين: إنّ النبي يجتهد في شئون الزراعة و الطب اجتهاد غيره يخطئ و يصيب و ليس شرعا، و لذا قال في تأبير النخل:

«أنتم أعلم بأمور دنياكم».

ففي الصحيحين انّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مرّ بقوم يلقحونه، فقال: «لو لم تعملوا لصلح» قال: فخرج شيصا (1) فمرّ بهم، فقال: «ما لنخلكم؟» قالوا: قلت كذا و كذا، قال: «أنتم أعلم بأمور دنياكم».

أقول: إنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أفضل الخليقة و أفضل من أبينا آدم أبي البشر، و قد علّمه سبحانه الأسماء قال سبحانه: وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ* قالَ يا آدَمُ‏

____________

(1). يقال: شيّصت النخلة: فسدت و حملت الشيص، و هو تمر ردي‏ء.

27

أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ. (1)

قال صاحب المنار في تفسير تلك الآيات: أودع في نفسه علم جميع الأشياء من غير تحديد و لا تعيين، فالمراد من الأسماء المسمّيات عبّر عن المدلول بالدليل لشدّة الصلة بين المعنى و اللفظ الموضوع له- إلى أن قال:- علّم اللّه آدم كلّ شي‏ء، و لا فرق في ذلك بين أن يكون له هذا العلم في آن واحد، أو في آونة متعدّدة، و اللّه قادر على كلّ شي‏ء.

و لأجل تلك المكانة جعله اللّه خليفة في الأرض، و أمر الملائكة بالسجود له. (2)

فإذا كانت هذه مكانة آدم و منزلته من حيث العلم بحقائق الأشياء و أسرار الكون، فكيف بأفضل الخليقة محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فهل من المعقول أن لا يقف على ما وقف عليه أبونا آدم؟!

فالقرآن الكريم هو المهيمن على الكتب السماوية، فليكن مهيمنا على كلّ المأثورات المعزوّة إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال سبحانه: وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ. (3)

و على ضوء ذلك، فكل ما نسب إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من الجهل بأسرار

____________

(1). البقرة: 31- 33.

(2). تفسير المنار: 1/ 262- 265.

(3). المائدة: 48.

28

الطبيعة و رموزها، فهو موضوع على لسانه فضلا عن جهله بأبسط الأمور و أوضحها التي يعرفها صبيان العرب. و لنتناول بعض الأحاديث في هذا الصدد مع النقد و التعليق عليها:

1. روى مسلم، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، قال: مررت و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بقوم على رءوس النخل، فقال: «ما يصنع هؤلاء؟» فقالوا: يلقحونه، يجعلون الذكر في الأنثى فتلقح، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ما أظن يغني ذلك شيئا»، فأخبروا بذلك، فتركوه، فأخبر رسول اللّه بذلك، فقال: «إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإنّي إنّما ظننت ظنا، فلا تؤاخذوني بالظن، و لكن إذا حدّثتكم عن اللّه شيئا فخذوا به، فإنّي لن أكذب على اللّه عزّ و جلّ». (1)

و روى عن رافع بن خديج، قال: قدم نبي اللّه المدينة و هم يأبرون النخل يقولون: يلقحون النخل فقال: «ما تصنعون؟» قالوا: كنّا نصنعه، قال:

«لعلّكم لو لم تفعلوا كان خيرا» فتركوه، فنقصت قال: فذكروا ذلك له، فقال:

«إنّما أنا بشر إذا أمرتكم بشي‏ء من دينكم فخذوا به، و إذا أمرتكم بشي‏ء من رأيي فإنّما أنا بشر». (2)

و العجب أنّ مسلما النيسابوري مؤلف الصحيح ذكر الحديث في باب أسماه ب «وجوب امتثال ما قاله شرعا دون ما ذكره (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من معايش الدنيا على سبيل الرأي» نحن نعلّق على الحديث بشي‏ء يسير، و نترك التفصيل إلى القارئ.

____________

(1). صحيح مسلم: 15/ 125، الباب 38، كتاب الفضائل.

(2). صحيح مسلم: 15/ 126، الباب 38، كتاب الفضائل.

29

أوّلا: لنفترض أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يكن نبيا، و لا أفضل الخليقة، و لم يصنع على عين اللّه تعالى، فعلّمه من لدنه علما و آتاه الكتاب و الحكمة، أ فلم يكن عربيا صميما قد ولد في أرض الحجاز، و عاش بين ظهراني قومه و غيرهم في الحضر و البادية، و توالى سفره إلى الشام؟ أ فيجهل إنسان عاش تلك الظروف مثل هذا الأمر و لم يقف على أنّ النخيل لا يثمر إلّا بالتلقيح؟ و هل أنّ هذا الموضوع كان من الخفاء بحيث يسأل ما يصنع هؤلاء؟! فيجيبونه بقولهم: إنّهم «يلقحونه»؟

ثانيا: كيف يمكن للنبي النهي عن التلقيح الذي هو سنّة من سنن اللّه أودعها في الطبيعة، و قال سبحانه: فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (1) و مع ذلك فكيف يقول: «ما أظن يغني ذلك شيئا»؟!

ثالثا: انّ الاعتذار الوارد في الرواية يسي‏ء الظن بكل ما يخبر به عن اللّه بلسانه و يخرج من شفتيه، و الأسوأ من ذلك ما نسب إليه من الاعتذار بقوله:

«و إذا حدثتكم عن اللّه شيئا فخذوا به، فإنّي لن أكذب على اللّه عزّ و جلّ»، لأنّ فيه تلميحا إلى أنّه- و العياذ باللّه- يكذب في مواضع أخر.

فلو كانت الرواية و نظائرها مصدرا للعقيدة، فسيعقبها جهل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بأبسط السنن الجارية في الحياة، فهل يصح التفوّه بذلك؟!

2. روى ابن هشام أنّ الحباب بن المنذر بن الجموح قال لرسول‏

____________

(1). فاطر: 43.

30

اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في غزوة بدر: يا رسول اللّه أ رأيت هذا المنزل، أ منزلا أنزلكه اللّه ليس لنا أن نتقدّمه، و لا نتأخّر عنه، أم هو الرأي و الحرب و المكيدة؟

قال: «بل هو الرأي و الحرب و المكيدة؟» فقال: يا رسول اللّه، فإنّ هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله ثمّ نغور ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء، ثمّ نقاتل القوم، فنشرب و لا يشربون.

فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لقد أشرت بالرأي». فنهض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و من معه من الناس، فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثمّ أمر بالقلب فغوّرت، و بنى حوضا على القلب الذي نزل عليه فملئ ماء، ثمّ قذفوا فيه الآنية. (1)

أقول: إنّ متابعة قول الصحابي الحباب بن المنذر لم ينشأ عن خطأ رأي النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في المنزل الذي نزلوه، بل انّ كلا الرأيين كانا على صواب، و لكنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نزل عند رغبة الحباب إجلالا له و استمالة لقلوب الأصحاب و تسكينا لنفوسهم، و دعما لمبدأ الشورى الذي يهدف الإسلام إلى تعزيزه بين المسلمين في مجالات حياتهم، في دعوة منه إلى مشاركة أكثر في صنع القرارات، و درءا لمحاولات الاستبداد بالرأي و التحكّم بالقرار قال سبحانه:

فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ‏

____________

(1). السيرة النبوية: 2/ 620.

31

فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ. (1) هذا إذا صحّت الرواية و إلّا فلتطرح.

فلم تكن مشاورة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في واحد من تلك المواقف نابعة عن جهله (نعوذ باللّه) بما فيه مصلحة الأمّة، بل كانت المصلحة يومذاك تقتضي المشاورة و الوقوف على الآراء، ثمّ العزم على ما تقتضيه المصلحة، و من هنا استشارهم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في غزوة بدر قائلا: «أشيروا عليّ أيّها الناس» و مبتغيا بذلك معرفة رأي الأنصار و مدى استعدادهم للحرب، ذلك أنّهم كانوا يؤلّفون الأكثرية و انّهم حينما بايعوه بالعقبة فإنّما بايعوه على أن يدافعوا عنه مثلما يدافعون عن أبنائهم و نسائهم و لم يبايعوه للهجوم و القتال، و لما كان المسير إلى وادي بدر مسيرا للقتال، فلم يكن له بدّ من استشارتهم، فلمّا اطمأنّ إلى استعدادهم لأكثر ممّا بايعوه بالعقبة، قال: «سيروا و أبشروا».

روى ابن هشام: انّ سعد بن معاذ، قام و قال: فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضنا معك، ما تخلّف منّا رجل واحد و ما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا انّا لصبر في الحرب و صدق في اللقاء، لعل اللّه يريك منّا ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة اللّه. فسرّ رسول اللّه بقول سعد و نشطه ذلك، ثمّ قال: «سيروا و أبشروا». (2)

و هذه هي الضابطة الكلية في كلّ ما شاور النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في الحروب‏

____________

(1). آل عمران: 159.

(2). السيرة النبوية: 2/ 615.

32

و غيرها، و قد كمنت المصلحة في نفس المشاورة عن طريق استقطاب آراء الصحابة دون أن تكون الغاية من ورائها الوصول إلى الواقع و رفع أغشية الجهل نعوذ باللّه.

3. أخرج السيوطي في «الدر المنثور» و قال: لمّا توفّي عبد اللّه بن أبيّ أتى ابنه عبد اللّه رسول اللّه يسأله أن يعطيه قميصه و ليكفّنه فيه، فأعطاه، ثمّ سأله أن يصلّي عليه، فقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقام عمر بن الخطاب فأخذ ثوبه، فقال: يا رسول اللّه أ تصلّي عليه، و قد نهاك اللّه أن تصلّي على المنافقين؟

فقال: «إنّ ربي خيّرني فقال: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ‏ (1) و سأزيد على السبعين» فقال: إنّه منافق، فصلّى عليه، فأنزل اللّه تعالى: وَ لا تُصَلِّ عَلى‏ أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَ لا تَقُمْ عَلى‏ قَبْرِهِ‏ (2) فترك الصلاة عليهم. (3)

و في هذا المعنى روايات أخرى رواها أصحاب الجوامع، و رواة الحديث عن عمر بن الخطاب و جابر و قتادة، و في بعضها: انّه كفّنه بقميصه و نفث في جلده و نزل في قبره.

و في رواية أخرى قال عمر فيها: يا رسول اللّه قد عرفت عبد اللّه و نفاقه أ تصلّي عليه، و قد نهاك اللّه أن تصلّي عليه؟ فقال: و أين؟ فقال:

اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ‏

____________

(1). التوبة: 80.

(2). التوبة: 84.

(3). الدر المنثور: 4/ 258.

33

لَهُمْ‏ قال: فإنّي سأزيد على سبعين، فأنزل اللّه: وَ لا تُصَلِّ عَلى‏ أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَ لا تَقُمْ عَلى‏ قَبْرِهِ‏ الآية. (1)

قال: فأرسل إلى عمر فأخبره بذلك، و أنزل اللّه: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ.

هذا و قد قسّم ابن قيّم الجوزيّة الرأي المحمود إلى أنواع و عدّ منه رأي الصحابة، و عرّفه بأنّه رأي أفقه الأمّة و أبر الأمّة قلوبا و أعمقهم علما. ثمّ أيّد كلامه بما نقله عن الشافعي، انّه قال: البدعة ما خالفت كتابا أو سنّة أو أثرا عن بعض أصحاب رسول اللّه، و جعل ما خالف قول الصحابي بدعة، ثمّ قال: لمّا توفي عبد اللّه بن أبيّ قام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يصلّي عليه، فقام عمر فأخذ بثوبه فقال: يا رسول اللّه إنّه منافق، فصلّى عليه رسول اللّه، فأنزل اللّه عليه: وَ لا تُصَلِّ عَلى‏ أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَ لا تَقُمْ عَلى‏ قَبْرِهِ. (2)

أقول: إنّ العاطفة قد حملت الراوي على اختلاق هذا الحديث و وضعه، و علائم الوضع فيه ظاهرة لوجوه:

1. انّ قوله سبحانه: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ... ظاهر في أنّ المراد لغوية الاستغفار للمنافقين دون التحديد، و عدد السبعين كناية عن المبالغة، و النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أجلّ من أن يجهل بمفهوم الآية و يحملها على التحديد.

و يقول فإنّي سأزيد على السبعين.

____________

(1). المصدر السابق: 4/ 258.

(2). إعلام الموقعين: 1/ 81.

34

2. انّ الآيات الناهية عن الاستغفار للمنافقين و الصلاة عليهم تعلّل النهي بفسقهم و كفرهم.

يقول سبحانه: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ. (1)

و قال سبحانه: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ. (2)

و مثله قوله سبحانه: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى‏ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ. (3)

فالآيات ظاهرة في أنّ الاستغفار أمر لغو، لكفر المستغفر له و فسقه، و عند ذلك فما معنى الاستغفار الذي عزي إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؟!

ثم ما معنى نزول قوله سبحانه: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ‏ في صلاة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على المنافق «عبد اللّه بن أبيّ» مع أنّه نزل في غزوة بني المصطلق، و يرجع تاريخه إلى العام السادس من الهجرة في حين توفّي عبد اللّه بن أبيّ في العام التاسع.

ثمّ إنّ هناك من حاول تصحيح تلك الروايات بقوله: إنّ النبي استغفر و صلّى على عبد اللّه ليستميل قلوب رجال منافقين من الخزرج إلى الإسلام. (4)

____________

(1). المنافقون: 6.

(2). التوبة: 80.

(3). التوبة: 113.

(4). تفسير المنار: 10/ 669.

35

و هذه المحاولة من الوهن بمكان، إذ كيف يصحّ للنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أن يخالف النص القرآني الصريح بغية استمالة قلوب المنافقين و المداهنة معهم، و قد ندّد اللّه سبحانه بمثل هذا العمل و توعد به و قال: وَ إِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ‏ ... إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَ ضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً. (1)

و الحقّ انّ رواة هذا الحديث حاولوا تعظيم أمر الخليفة بما يمسّ كرامة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من حيث لا يشعرون، و ليس هذا بجديد، فقد رووا في غير واحد ما يشبهه حيث نقلوا:

1. انّ الخليفة رأى ان تحجب نساء النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فنزل القرآن بموافقته. (2)

2. رأى الخليفة أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلّى، فنزل القرآن بموافقته. (3)

و قد مرّ أنّ عمر رأى في أسارى بدر أن تضرب أعناقهم، فنزل القرآن بموافقته، و لعل من أبرز الدوافع إلى وضع تلك الروايات هو العاطفة الجامحة تجاه الخليفة و الغلوّ في حقّه.

____________

(1). الإسراء: 73- 75.

(2). الدر المنثور: 6/ 639.

(3). الدر المنثور: 1/ 290.

36

2 وجود الاجتهاد عند الصحابة

أوجز المصنّف الكلام في وجود الاجتهاد في زمان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و إنّ كان ما ذكره وافيا بالمقام، و بما أنّ باب الاجتهاد قد أغلق عبر القرون الماضية و اختص الاجتهاد بمذهب أحد الأئمة الأربعة، فنفيض الكلام فيه حتّى يتبيّن أنّ غلق باب الاجتهاد كان خسارة عظيمة للفقه و أهله، و لا بد أن يفتح على مصراعيه، فنقول:

إنّ الاجتهاد كان مفتوحا في زمن النبوة و بين أصحابه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فضلا عن غيرهم، و فضلا عن سائر الأزمنة التي بعده، نعم غايته إنّ الاجتهاد يومئذ، كان خفيف المئونة جدا، لقرب العهد، و توفّر القرائن، و إمكان السؤال المفيد للعلم القاطع، ثم كلّما بعد العهد من زمن الرسالة و كثرت الآراء و الأحاديث و الروايات، ربّما قد دخل فيها الدس و الوضع، و توفرت دواعي الكذب على النبي، أخذ الاجتهاد و معرفة الحكم الشرعي، يصعب و يحتاج إلى مزيد من المئونة و استفراغ الوسع. (1)

____________

(1). أصل الشيعة و أصولها: 119 طبعة بيروت.

37

و يرشدك إلى وجوده في زمن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قول الرسول لأمير المؤمنين (عليه السلام) عند ما بعثه إلى اليمن: قال علي (عليه السلام): بعثني رسول اللّه إلى اليمن، قلت: يا رسول اللّه تبعثني و أنا شاب أقضي بينهم و لا أدري ما القضاء؟ قال:

فضرب بيده في صدري و قال: «اللّهمّ اهد قلبه و ثبّت لسانه» فو الذي نفسي بيده ما شككت في قضاء بين اثنين. (1)

و قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لمعاذ بن جبل حين وجّهه إلى اليمن: بم تقضي؟ قال:

بما في كتاب اللّه، قال: فإن لم تجد؟ قال: بما في سنّة رسول اللّه، قال: فإن لم تجد؟ قال: اجتهد رأيي و لا آلو جهدا، فسرّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قال: الحمد للّه الذي وفّق رسول رسوله بما يرضي رسوله. (2)

«و بطبيعة الحال، أنّ الصحابي قد يسمع من النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في واقعة، حكما و يسمع الآخر في مثلها خلافه، و تكون هناك خصوصية في أحدهما اقتضت تغاير الحكمين و غفل أحدهما عن الخصوصية أو التفت إليها و غفل عن نقلها مع الحديث فيحصل التعارض في الأحاديث ظاهرا، و لا تنافي واقعا، و لهذه الأسباب و أضعاف أمثالها، احتاج حتى نفس الصحابة الذين‏

____________

(1). أعلام الورى: 137؛ و البحار: 21/ 361. و شتان بين علمه و اجتهاده (عليه السلام) و علم الآخرين و اجتهادهم.

(2). الطبقات الكبرى: 2/ 347؛ الاستيعاب، لابن عبد البر، في ترجمة «معاذ» و اللفظ للثاني.

أقول: لو صح الحديث يكون المراد منه باعتبار وروده في أمر القضاء، هو فصل الخصومة في الأموال و النفوس، بما يعدها العقلاء عدلا و إنصافا و هذا المراد من قوله: اجتهد رأيي. و عندئذ لا يكون الحديث دليلا على صحة مطلق الرأي حتى المستند إلى القياس و الاستحسان و أشباههما التي لا قيمة لها عندنا في عالم الاستنباط.

38

فازوا بشرف الحضور، في معرفة الأحكام إلى الاجتهاد، و النظر في الحديث و ضم بعضه إلى بعض و الالتفات إلى القرائن الحالية، فقد يكون للكلام ظاهر، و مراد النبي خلافه اعتمادا على قرينة في المقام، و الحديث نقل، و القرينة لم تنقل».

«و كل واحد من الصحابة، ممن كان من أهل الرأي و الرواية، تارة يروي نفس ألفاظ الحديث، للسامع من بعيد أو قريب، فهو في هذا الحال راو و محدّث و تارة يذكر الحكم الذي استفاده من الرواية أو الروايات، بحسب نظره فهو في هذا الحال، مفت و صاحب رأي» (1).

و لم يزل هذا الباب مفتوحا عند الشيعة، من زمن صاحب الرسالة إلى يومنا هذا، و قد تخرج منهم الآلاف من المجتهدين و الفقهاء، قد أحيوا الشريعة و أنقذوها من الانطماس، و أغنوا بذلك الأمّة الإسلامية في كل مصر و عصر، عن التطلع إلى موائد الغربيين، و ألّفوا مختصرات و مطوّلات، لا يحصيها إلّا اللّه سبحانه.

و قد اقتدى الشيعة في فتح هذا الباب على مصراعيه في وجه الأمّة بأئمّة دينهم و خلفاء رسولهم، الذين حثوا شيعتهم بأقوالهم و أفعالهم، على التفقّه في الدين و الاجتهاد فيه، و أنّه «من لم يتفقّه، فهو أعرابي» و أرشدوهم إلى كيفية استخراج الفروع المتشابكة، بالتدبر في الآيات و الأصول المتلقاة عنهم، و أمروا أصحابهم بالتفريع‏ (2)، و قد بلغت عنايتهم بذلك ما جعلهم‏

____________

(1). أصل الشيعة و أصولها: 118.

(2). ستوافيك روائع نصوصهم في هذا المضمار.

39

ينصبون بعض من يعبأ بقوله و رأيه في منصب الإفتاء، إلى غير ذلك.

و الاجتهاد كما عرّفناك هو بذل الجهد في استنباط الأحكام من أدلّتها الشرعية فلا يحتج به إلّا إذا بنيت أحكامه على أساس الكتاب و السنّة، و ما يرجع إليها فهو مقيد من هذه الجهة و إن كان متحررا من سوى ذلك، فلا يتقيد بمذهب و لا برأي، بل هو فوق المذاهب.

غير أنّ أئمّة أهل السنّة، قد أقفلوا باب الاجتهاد، إلّا الاجتهاد في مذهب خاص، كمذهب أبي حنيفة و الشافعي، و بما أنّ الفتاوى المنقولة عنهم، مختلفة أخذ علماء كل مذهب يبذلون جهدهم لتشخيص ما هو رأي كل إمام في هذا الباب.

و لا أدري لما ذا أقفل هذا الباب المفتوح منذ زمن الرسول، و إن تفلسف في بيان وجهه، بعض الكتّاب من متأخّريهم، و قال: و لم يكن مجرد إغلاق باب الاجتهاد باجتماع بعض العلماء و إصدار قرار منهم، و إنّما كان حالة نفسية و اجتماعية ذلك أنّهم رأوا غزو التتار لبغداد و عسفهم بالمسلمين، فخافوا على الإسلام و رأوا أنّ أقصى ما يصبون إليه، هو أن يصلوا إلى الاحتفاظ بتراث الأئمّة مما وضعوه و استنبطوه. (1)

و لا يكاد يخفى على القارئ الكريم ما في اعتذاره من الإشكال.

و لقد صدع بالحق الدكتور «حامد حفني داود» أستاذ الأدب العربي‏

____________

(1) رسالة الإسلام: العدد الثالث، من السنة الثالثة عن مقال لأحمد أمين المصري.

40

بكلية الألسن في القاهرة في ما قدمه على كتاب عقائد الإمامية (1) و قال:

إنّ الصورة المتوارثة عن جهابذة أهل السنّة أنّ الاجتهاد أقفل بابه بأئمّة الفقه الأربعة: أبي حنيفة، و مالك، و الشافعي، و ابن حنبل.

هذا إذا عنينا الاجتهاد المطلق أمّا ما حاوله الفقهاء بعد هؤلاء من اجتهاد لا يعدو أن يكون اجتهادا في المذهب أو اجتهادا جزئيا في الفروع، و أنّ هذا و نحوه لا يكاد يتجاوز عند أهل السنّة القرن الرابع بحال من الأحوال، أمّا ما جاء عن الغزالي في القرن الخامس، و أبي طاهر السلفي في القرن السادس، و عزّ الدين بن عبد السلام و ابن دقيق العيد في القرن السابع، و تقي الدين السبكي و ابن تيمية في القرن الثامن، و العلّامة جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي في القرن التاسع ... فإنّ هذا و نحوه لا يتجاوز- في نظر المنهج العلمي الحديث- باب الفتوى و لا يدخل في شي‏ء من الاجتهاد، و هو القدر الذي أوضحناه في كتابنا «تاريخ التشريع الإسلامي في مصر».

أمّا علماء الشيعة الإمامية فإنّهم يبيحون لأنفسهم الاجتهاد في جميع صوره التي حدّثناك عنها، و يصرّون عليه كل الإصرار و لا يقفلون بابه دون علمائهم في أي قرن من القرون حتى يومنا هذا.

و أكثر من ذلك تراهم يفترضون بل يشترطون وجود «المجتهد المعاصر» بين ظهرانيهم، و يوجبون على الشيعة اتباعه رأسا دون من مات من‏

____________

(1). للعلّامة المغفور له الشيخ محمد رضا المظفر راجع ص 17- 18 من المقدمة.

41

المجتهدين ما دام هذا المجتهد المعاصر استمد مقوّمات اجتهاده- أصولها و فروعها- من المجتهدين، و ورثها عن الأئمّة كابرا عن كابر.

و ليس هذا غاية ما يلفت نظري أو يستهوي فؤادي في قولهم بالاجتهاد.

و إنّما الجميل و الجديد في هذه المسألة أنّ الاجتهاد على هذا النحو الذي تقرأه عنهم يساير سنن الحياة و تطوّرها، و يجعل النصوص الشرعية حية متحركة نامية متطورة، تتمشى مع نواميس الزمان و المكان، فلا تجمد ذلك الجمود الذي يباعد بين الدين و الدنيا، أو بين العقيدة و الحياة الذي نشاهده في أكثر المذاهب التي تخالفهم. و لعل ما نلاحظه من كثرة عارمة في مؤلفات الإمامية و تضخّم مطّرد في مكتبة التشيّع راجع- في نظرنا- إلى فتح باب الاجتهاد على مصراعيه».

هذا هو الاجتهاد، و هذا دوره في خلود الدين و صلوحه للظروف و البيئات و لم يكن إغلاقه إلّا جهلا بأهميته أو ابتغاء للفتنة، أو تزلفا إلى أبناء الدنيا، أو جبنا عن النطق بالصواب، و على أي تقدير فقد تنبّه بعض الجدد (1) من أهل النظر بلزوم فتحه و إنمائه، و أنّ الاجتهاد أحد مصادر الشريعة التي تسع كل تطور تشريعي، قال في مقال له حول الشريعة الإسلامية و القوانين الوضعية بمصر و إثبات ما عليه القواعد الشرعية من سموّ و شمول و دقة و إحكام مع اتّسامها دائما بالجدة، و ملائمة أحكامها لكل حضارة و لكل بيئة

____________

(1). الأستاذ علي علي منصور المصري مستشار مجلس الدولة لمحكمة القضاء الإداري.

42

و لكل زمان: «النصوص الشرعية للأحكام التي وردت في الكتاب و السنّة قليلة إذا ما قيست بمواد القانون في أي شريعة وضعية، إذ الآيات القرآنية التي تضمّنت اصول الأحكام على ما أحصاها ابن قيم الجوزية لا تعدو مائة و عشرين آية من نيف و ستة آلاف آية، أمّا الأحاديث فخمسمائة من أربعة آلاف حديث، و لقد أراد اللّه بذلك أن يهيّئ للناس فرصة الاجتهاد في الفروع دون الأصول، فجعل النصوص الأصلية لقواعد الشريعة عامة، دون التعمّق في التفاصيل ليتسع لها عقل من نزل فيهم القرآن و ليترك للقوى الإنسانية التي أودعها مخلوقاته، فرصة العمل و التفكير و التدبير و استنباط الأحكام فيما لا نص فيه من كتاب أو سنّة، لما يجد و يعرض لهم في حياتهم من مشاكل و أقضية تختلف باختلاف الزمان و المكان، و هذا هو الاجتهاد و هو أحد مصادر الشريعة المحمدية.

و مشروعية هذا المصدر ثابتة من حديث معاذ بن جبل إذ أنّه لمّا بعثه الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى اليمن قال له: «بم تقض يا معاذ؟ قال: بكتاب اللّه، قال الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): فإن لم تجد؟ قال: فبسنّة رسول اللّه، قال: و إن لم تجد؟ قال:

اجتهد برأيي، فأقره على ذلك». (1) و ما كان يمكن أن ينزل الكتاب و السنّة على غير هذا الإجمال و التعميم، لأنّ هذه الشريعة إنّما نزلت لكل زمان و كل مكان: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَ نَذِيراً.

و لو أنّ صاحب الشريعة عني بالتفاصيل و الجزئيات لوجب أن يقدر ما

____________

(1). قد مر المراد من الحديث فلاحظ.

43

سيكون عليه العالم من نظم مختلفة و اختراعات مستحدثة في جميع الأمكنة و الأزمنة فيضع لها و لما تفرّع عنها، من التفاصيل، و لو أنّه فعل ذلك لما اتسع وقت الرسالة لهذا كلّه، بل لأعرض الناس عن هذه الدعوة لتعقدها، و لأنّها تضمّنت أحكاما عن جزئيات و مخترعات لا تقع تحت حسهم، و يصعب عليهم تصورها، لأنّها لم تعرف في زمانهم، و لنضرب لذلك مثلا فقد نزلت في القرآن آية تضمّنت الحكم العام لآداب التلاوة و جرت على نسق مختصر: وَ إِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ‏ (1) و حدث بعد نزولها بنيف و ألف و ثلاثمائة عام أن اخترع المذياع (الراديو) و التلفزيون، و لما بدأ بإذاعة آيات الذكر الحكيم به، بدأ التساءل عن حكم الشرع و الدين في ذلك أ حلال هو أم حرام؟ و هل تصح إذاعته في منتدى ترتكب فيه الآثام و الموبقات و تدار كئوس الخمر؟

لا بدع في أنّ حكم هذه الجزئية لم يرد بنص صريح في الكتاب، و انّ ذلك ترك للاجتهاد على هدى الحكم العام الوارد بالآية الشريفة، لا بدع في ذلك، إذ لو أريد للشريعة أن تتضمّن الأحكام المفصلة لجميع الفروع و الجزئيات لوجب أوّلا إفهام الذين نزل عليهم الدين وقت الرسالة ما هو الراديو و ما هو التلفزيون، و لو حاول الرسول ذلك و قال لهم: إنّ مخترعات البشر بإذن اللّه ستجي‏ء للعالم بعد ألف و ثلاثمائة عام بآلة يستطيع بها الإنسان أن يسمع و يرى صورة المحدث و هو على بعد آلاف الفراسخ و الأميال، لما صدّقوه لعدم إمكانهم تصوره و لجادلوه فأكثروا جداله في كنه‏

____________

(1). الأعراف: 204.

44

تلك الآلة، و لما لزمتهم حجته في أنّ الذي يقوله ليس من عنده و إنّما هو من عند اللّه لأنّ الحجة لا تلزمها صفة الإقناع إلّا متى دخلت مناط العقل، أمّا إذا كانت فوق إدراك المرسل إليهم فهي داحضة ...

و الاجتهاد هو الباب الذي دخلت منه إلى حضيرة الشريعة الإسلامية كل الحضارات بما فيها من مشاكل قانونية و مالية و اجتماعية فوسعها جميعا و بسط عليها من محكم آياته و سديد قواعده ما أصاب المحجة، فكان للشريعة الإسلامية في ذلك تراث ضخم تسامى على كل الشرائع و أحاط بكل صغيرة و كبيرة من أمور الدين و الدنيا ...

أ فبعد ذلك يصح في الأفهام أن تتهم الشريعة الإسلامية بالقصور، أو بأنّها نزلت لعرب الجزيرة لتعالج أمورهم في حقبة من الزمان انقضى عهدها، أو أنّها تضيق عن أن تجد الحلول لمشاكل الحضارات الحديثة، ارجعوا إليها و إلى تراثها الضخم تجدوا أنّها عالجت الجليل و الخطير و الصغير و الكبير من أمور الدين و الدنيا فيها ذكر ما مضى، و فيها ذكر الحاضر، و فيها ذكر المستقبل و سيظل العلم الحديث يكشف عمّا فيها من كنوز، و ستترى المشاكل على العالم جيل بعد جيل، و يضطرب العالم في محاولة الحلول لها دون جدوى إلّا إذا رجع إلى أحكام هذا الدين و هذه الشريعة المحكمة السمحة، حيث الدواء الشافي و العلاج الحاسم لكل ما يجيب العالم في حاضره و في مستقبله. (1)

____________

(1). مجلة رسالة الإسلام لجماعة دار التقريب العدد الأوّل من السنة الخامسة: 51.

45

و ممّا يؤيد لزوم انفتاح باب الاجتهاد إلى يوم القيامة هو ما ذكره المقريزي في خططه حيث قال ما هذا ملخّصه:

انّه لم يكن كل واحد من أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) متمكنا من دوام الحضور عنده (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لأخذ الأحكام عنه، بل كان في مدة حياته يحضره بعضهم دون بعض و في وقت دون وقت، و كان يسمع جواب النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن كل مسألة يسأل عنها بعض الأصحاب و يفوت عن الآخرين فلمّا تفرق الأصحاب بعد وفاته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في البلدان تفرقت الأحكام المروية عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيها، فيروى في كل بلدة منها جملة، و يروى عنه في غير تلك البلدة جملة أخرى حيث إنّه قد حضر المدني من الأحكام ما لم يحضره المصري، و حضر المصري ما لم يحضره الشامي، و حضر الشامي ما لم يحضره البصري، و حضر البصري ما لم يحضره الكوفي إلى غير ذلك، و كان كل منهم يجتهد فيما لم يحضره من الأحكام.

و لعدم تساوي هؤلاء المجتهدين في العلوم و الإدراكات و سائر القوى و الملكات تختلف طبعا الآراء و الاجتهادات، فمجرد تفاوت أشخاص الصحابة تسبب اختلاف فتواهم ثم تزايد ذلك الاختلاف بعد عصر الصحابة.

ثم قال: ثم بعد الصحابة تبع التابعون فتاوى الصحابة فكانوا لا يتعدون عنها غالبا، و لما مضى عصر الصحابة و التابعين صار الأمر إلى فقهاء الأمصار أبي حنيفة و سفيان و ابن أبي ليلى بالكوفة، و ابن جريج بمكة، و مالك و ابن الماجشون بالمدينة، و عثمان التيمي (الظاهر عثمان بن مسلم البطي) و سوار

46

بالبصرة، و الأوزاعي بالشام و الليث بن سعد بمصر فكان هؤلاء الفقهاء يأخذون من التابعين و تابعيهم أو يجتهدون.

و ذكر المقريزي في الجزء الرابع من الخطط ما هذا ملخّصه:

انّه تولّى القاضي أبو يوسف القضاء من قبل هارون الرشيد بعد سنة 170 ه إلى أن صار قاضي القضاة فكان لا يولّي القضاء إلّا من أراده، و لمّا كان هو من أخصّ تلاميذ أبي حنيفة فكان لم ينصب للقضاء ببلاد خراسان و الشام و العراق و غيرها إلّا من كان مقلّدا لأبي حنيفة، فهو الذي تسبب في نشر مذهب الحنفية في البلاد.

و في أوان انتشار مذهب الحنفية في المشرق نشر مذهب مالك في افريقية المغرب، بسبب زياد بن عبد الرحمن، فإنّه أوّل من حمل مذهب مالك إليها، و أوّل من حمل مذهب مالك إلى مصر سنة 160 هو عبد الرحمن بن القاسم.

قال: و نشر مذهب محمد بن إدريس الشافعي في مصر بعد قدومه إليها سنة 198 ه و كان المذهب في مصر لمالك و الشافعي إلى أن أتى القائد «جوهر» بجيوش مولاه «المعز لدين اللّه أبي تميم معد» الخليفة الفاطمي، إلى مصر سنة 358 ه فشاع بها مذهب الشيعة حتى لم يبق بها مذهب سواه (أي سوى مذهب الشيعة).

ثمّ إنّ المقريزي بيّن بدء انحصار المذاهب في أربعة فقال:

47

فاستمرت ولاية القضاة الأربعة من سنة 665 حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب الإسلام غير هذه الأربعة و عودي من تمذهب بغيرها، و انكر عليه و لم يول قاض و لا قبلت شهادة أحد ما لم يكن مقلدا لأحد هذه المذاهب و أفتى فقهاؤهم في هذه الأمصار في طول هذه المدة بوجوب اتباع هذه المذاهب و تحريم ما عداها، و العمل على هذا إلى اليوم. (1)

و هذه الكلمة الأخيرة «و تحريم ما عداها» تكشف عن أعظم المصائب على الإسلام حيث إنّه قد مضى على الإسلام ما يقرب من سبعة قرون و مات فيها على دين الإسلام ما لا يحصي عددهم إلّا ربّهم و لم يسمع أحد من أهل القرنين الأوّلين اسم المذاهب أبدا ثم فيما بعد القرنين كان المسلمون بالنسبة إلى الأحكام الفرعية في غاية من السعة و الحرية، كان يقلد عاميهم من اعتمد عليه من المجتهدين و كان المجتهدون يستنبطون الأحكام عن الكتاب و السنّة على موازينهم المقررة عندهم في العمل بالسنّة النبوية، فأي شي‏ء أوجب في هذا التاريخ على عامة المسلمين: «العامي المقلد و الفقيه المجتهد» أن لا يخرج أحد في الأحكام الشرعية عن حد تقليد الأئمّة الأربعة، و بأي دليل شرعي صار اتباع أحد المذاهب الأربعة واجبا مخيرا، و الرجوع إلى ما وراءها حراما معيّنا مع علمنا بأحوال جميع المذاهب من بدئها و كيفية نشرها و تأثير العوامل في تقدم بعضها على غيرها، بالقهر و الغلبة من الدولة

____________

(1). راجع الخطط المقريزية: 2/ 333 و 334 و 344.

48

و الحكومة كما أفصح عن بعض ذلك ما ذكره ابن الفوطي في الحوادث الجامعة، ص 216 في وقائع سنة 645 ه يعني قبل انقراض بني العباس بإحدى عشرة سنة في أيام المستعصم الذي قتله هولاكو، سنة 656 ه فلاحظ ذلك الكتاب‏ (1).

و في الختام نلفت نظر القارئ الكريم لمعرفة قضية الاجتهاد و تطوره و علل إيصاد بابه لدى بعض المسلمين إلى المصادر التالية:

1- المواعظ و الاعتبار في الخطط و الآثار: تأليف الشيخ تقي الدين أبي العباس أحمد بن علي المعروف بالمقريزي، المولود في بعلبك عام 766 ه و المتوفّى بالقاهرة عام 845 ه.

2- تاريخ اليعقوبي المعروف بابن واضح الأخباري من أعلام القرن الثالث الهجري.

3- الحوادث الجامعة في المائة السابعة لكمال الدين عبد الرزاق بن المروزي الفوطي البغدادي المتوفّى سنة 723 ه.

4- الإنصاف في بيان سبب الاختلاف.

5- عقد الجيد في أحكام الاجتهاد و التقليد: ألّفهما ولي اللّه الدهلوي، المولود سنة 1114 ه و المتوفّى 1180 ه.

6- الاقليد لأدلّة الاجتهاد و التقليد.

____________

(1). راجع تاريخ حصر الاجتهاد لشيخنا العلامة الطهراني: 104.

49

7- الطريقة المثلى في الإشارة إلى ترك التقليد: ألّفهما صديق حسن خان القنوجي البخاري المتوفّى سنة 1307 ه، و طبعا بالاستانة عام 1295 ه.

8- حصول المأمول من علم الأصول: له أيضا طبع في الجوائب سنة 1296 ه.

9- مقالة صاحب السعادة أحمد تيمور باشا ابن إسماعيل بن محمد المولود في القاهرة سنة 1288 و هي تحت عنوان: «نظرة تاريخية في حدوث المذاهب الأربعة»، طبعت مستقلة في القاهرة سنة 1344 ه.

10- ما كتبه محمد فريد و جدي في دائرة معارفه في مادتي «جهد و ذهب» و ما كتبه يعد أبسط ما كتب في الموضوع.

11- أعلام الموقعين عن ربّ العالمين: للحافظ ابن قيم الجوزية (المتوفّى 751 ه).

12- تاريخ حصر الاجتهاد: لشيخنا العلّامة آقا بزرگ الطهراني المتوفّى يوم الجمعة 13 ذي الحجة عام 1389 ه.

إلى غير ذلك من المؤلفات، و قد أشار إلى غير ما ذكرنا صديق حسن خان في كتابه «حصول المأمول في علم الأصول» ص 198.

50

شبهة حول الاجتهاد الدارج في عصرنا

ربّما يختلج في أذهان بعض القصّر من النّاس عدم مشروعية الاجتهاد الدّارج في أعصارنا هذه، مستدلا بأنّ الفقه فيها أخذ لنفسه صورة فنيّة، و جاء على طراز سائر العلوم العقليّة الفكرية بعد ما كان في أعصار المتقدمين من العلوم البسيطة المبنيّة على سماع الأحكام من النبيّ و الأئمة (عليهم السلام) و بثها بين الناس من دون اجتهاد من الراوي في تشخيص حكم اللّه تعالى بترجيح دليل على آخر أو تقييده أو تخصيص واحد بالآخر، إلى غير ذلك من الأصول الدّارجة في زماننا.

الجواب:

إنّ ذلك أشبه شي‏ء بالشّبهة و يمكن الإجابة عنها بوجهين:

الأوّل: إنّ الاجتهاد بالمعنى الوسيع و إعمال النظر في الروايات و التدقيق في دلالتها و ترجيح بعضها على بعض، كان موجودا في أعصارهم، دارجا بين أصحابهم (عليهم السلام)، فإنّ الاجتهاد و إن توسّع نطاقه في أعصارنا و بلغ مبلغا عظيما، إلّا أنّ أصله بالمعنى الجامع بين عامّة مراتبه كان دارجا في تلك العصور، و إنّ الأئمة (عليهم السلام) أرجعوا شيعتهم إلى فقهاء أعصارهم، و كانت السيرة آنذاك هي الرّجوع إليهم من دون تزلزل و تردّد، و الدالّ على وجود الاجتهاد بهذا المعنى آنذاك عدّة من الروايات و هي كالتالي:

الأولى: ما رواه ابن إدريس رضى اللّه عنه في «مستطرفات السرائر» نقلا عن‏

51

هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنمّا علينا أن نلقي إليكم الأصول و عليكم أن تفرّعوا». (1)

الثانية: ما روي عن كتاب أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن الرّضا (عليه السلام) قال: «علينا إلقاء الأصول و عليكم التفريع» (2).

أقول: إنّ التفريع الّذي هو استخراج الفروع عن الأصول الكليّة الملقاة و تطبيقها على مواردها و صغرياتها، إنّما هو شأن المجتهد و ما هو إلا الاجتهاد، نعم التفريع و الاجتهاد يتفاوت صعوبة لتفاوت نطاقه حسب مرور الزمن، فإذا قال الإمام (عليه السلام): «لا تنقض اليقين بالشك» أو روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

«لا ضرر و لا ضرار» كان على المخاطبين و على علماء الأعصار المستقبلة استفراغ الوسع في تشخيص صغرياتها، و ما يصلح أن يكون مصداقا له و ما لا يصلح، و هذا ما نسمّيه بالاجتهاد.

الثالثة: ما رواه الصّدوق رضى اللّه عنه في «معاني الأخبار» عن داود بن فرقد قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «أنتم أفقه النّاس إذا عرفتم معاني كلامنا، إنّ الكلمة لتنصرف على وجوه، فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء و لا يكذب». (3)

أقول: إنّ عرفان معاني الكلام ليس إلّا تشخيص ما هو الأظهر بين‏

____________

(1). الوسائل: 18، كتاب القضاء، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 51.

(2). الوسائل: 18، كتاب القضاء، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 52.

(3). الوسائل: 84، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 27.

52

المحتملات بالفحص عن القرائن الحافّة بالكلام، و بعرض أخبارهم (عليهم السلام) على الكتاب و السنّة إلى غير ذلك ممّا يوضّح به المراد و يعيّن المفاد، و ليس هذا إلّا الاجتهاد.

الرابعة: ما رواه الصدوق رضى اللّه عنه في عيونه بإسناده عن الرضا (عليه السلام) قال: «من ردّ متشابه القرآن إلى محكمه فقد هدي إلى صراط مستقيم- ثم قال (عليه السلام):- إنّ في أخبارنا محكما كمحكم القرآن و متشابها كمتشابه القرآن، فردّوا متشابهها إلى محكمها، و لا تتّبعوا متشابهها دون محكمها فتضلّوا». (1)

أقول: إنّ ردّ المتشابه إلى محكمه، بجعل أحدهما قرينة على الآخر، و تحقّقه موقوف على الاجتهاد.

الخامسة: الروايات الواردة في تعليم أصحابهم (عليهم السلام) كيفيّة استفادة أحكام الفروع من الذكر الحكيم، رواية زرارة عن الباقر (عليه السلام) قوله: أ لا تخبرني من أين علمت و قلت: إنّ المسح ببعض الرأس و بعض الرجلين؟ فضحك فقال (عليه السلام): «يا زرارة، قاله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و نزل به الكتاب من اللّه عزّ و جلّ، لأنّ اللّه عزّ و جلّ قال: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ‏ فعرفنا أنّ الوجه كلّه ينبغي أن يغسل، ثمّ قال: وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ‏، فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه، فعرفنا أنّه ينبغي لهما أن يغسلا إلى المرفقين، ثمّ فصل بين الكلام فقال: وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ‏ فعرفنا حين قال: بِرُؤُسِكُمْ‏ أنّ المسح ببعض الرأس لمكان الباء، ثمّ وصل الرّجلين بالرّأس كما وصل اليدين‏

____________

(1). الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 22.

53

بالوجه فقال: وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ‏ فعرفنا حين وصلهما بالرّأس أنّ المسح على بعضهما، ثمّ فسّر ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) للنّاس فضيّعوه». (1)

السادسة: ما في رواية عبد الأعلى مولى آل سام بعد ما سأل الإمام (عليه السلام) عن حكم المسح على المرارة، قال (عليه السلام): «يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّه عزّ و جلّ قال اللّه تعالى: وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ (2)، امسح عليه» (3).

أقول: لقد أوضح للسائل كيفيّة الاستنباط، و ردّ الفروع إلى أصولها، و نظير ما تقدّم بل أقوى منه ما في مرسلة يونس‏ (4) الطويلة الواردة في أحكام الحائض و المستحاضة فإنّ فيها موارد ترشدنا إلى طريق الاجتهاد، و غير ذلك من الروايات المرشدة إلى دلالة الكتاب و كيفيّة الاستدلال،

____________

(1). الوسائل: 1، الباب 23 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

(2). الحج: 78.

(3). الوسائل: 1، الباب 39 من أبواب الوضوء، الحديث 5.

(4). الوسائل: 2، الباب 3 من أبواب الحائض، الحديث 4.

و هناك حديث أيضا في أبواب الحيض، الباب 41 الحديث 5- ص 589 يمكن أن يفي بالمطلوب، و هو عن إسماعيل الجعفيّ عن أبي جعفر (عليه السلام) قال الراوي: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إنّ المغيرة بن سعيد، روى عنك أنّك قلت له: إنّ الحائض تقضي الصّلاة؟ فقال (عليه السلام): «ما له، لا وفّقه اللّه، إنّ امرأة عمران نذرت ما في بطنها محرّرا، و المحرّر للمسجد يدخله ثمّ لا يخرج منه أبدا، فلمّا وضعتها قالت: ربّ إنّي وضعتها أنثى و ليس الذكر كالأنثى، فلمّا وضعتها أدخلتها المسجد، فساهمت عليها الأنبياء، فأصابت القرعة زكريّا (عليه السلام) فكفلها، فلم تخرج من المسجد حتّى بلغت، فلمّا بلغت ما تبلغ النساء خرجت، فهل كانت تقدر على أن تقضي تلك الأيّام التي خرجت و هي عليها أن تكون الدهر في المسجد».

54

و هي منبثّة في طيّات أبواب الفقه فراجع.

السابعة: قول الباقر (عليه السلام) لزرارة و محمّد بن مسلم حيث سألاه (عليه السلام) و قالا له: ما تقول في الصلاة في السفر كيف هي؟ و كم هي؟ فقال (عليه السلام): «إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ (1) فصار التقصير في السّفر واجبا كوجوب التمام في الحضر» قالا:

قلنا له: قال اللّه عزّ و جلّ: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ‏ و لم يقل «افعلوا» فكيف أوجب ذلك؟ فقال (عليه السلام): «أو ليس قد قال اللّه عزّ و جلّ في الصّفا و المروة:

فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما (2)، أ لا ترون أنّ الطواف بهما واجب مفروض لأنّ اللّه عزّ و جلّ ذكره في كتابه، و صنعه نبيّه، و كذلك التقصير، شي‏ء صنعه النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و ذكره اللّه في كتابه» (3).

الثامنة: مقبولة عمر بن حنظلة، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان و إلى القضاة أ يحلّ ذلك؟ قال (عليه السلام): «من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطّاغوت، و ما يحكم له فإنّما يأخذ سحتا، و إن كان حقّا ثابتا له، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت، و قد أمر اللّه أن يكفر به، قال اللّه تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ‏».

قلت: فكيف يصنعان؟ قال (عليه السلام): «ينظران (إلى) من كان منكم ممّن قد

____________

(1). النساء: 101.

(2). البقرة: 158.

(3). الوسائل: 5، الباب 22 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.

55

روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكما فإنّي قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنّما استخفّ بحكم اللّه و علينا ردّ، و الرّاد علينا رادّ على اللّه و هو على حدّ الشرك باللّه».

قلت: فإن كان كلّ رجل اختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكونا النّاظرين في حقّهما و اختلفا فيما حكما، و كلاهما اختلفا في حديثكم؟

قال (عليه السلام): «الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما، و لا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر».

(إلى أن قال): قلت: جعلت فداك، أ رأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السنّة و وجدنا أحد الخبرين موافقا للعامّة و الآخر مخالفا لهم، بأيّ الخبرين يؤخذ؟

قال (عليه السلام): «ما خالف العامّة ففيه الرّشاد». (1) و في المقبولة إرشاد إلى كيفيّة استنباط الحكم من الكتاب و السنّة، و علاج الخبرين المتعارضين بعرضهما عليهما، و هذا واضح لمن تأمّلها، و هي صريحة بوجود الاجتهاد- بالمعنى الدارج في زماننا- في عصر الصادق (عليه السلام).

التاسعة: روى العباس بن هلال عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، قال: ذكر أنّ ابن أبي ليلى و ابن شبرمة دخلا المسجد الحرام فأتيا محمّد بن علي (عليه السلام) فقال لهما: «بم تقضيان»؟ فقالا: بكتاب اللّه و السنّة، قال (عليه السلام): «فما لم تجداه في‏

____________

(1). الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.

56

الكتاب و السنّة»؟ قالا: نجتهد رأينا، قال (عليه السلام): «رأيكما أنتما؟! فما تقولان في امرأة و جاريتها كانتا ترضعان صبيّين في بيت و سقط عليهما فماتتا و سلم الصبيّان»؟ قالا: القافّة، قال (عليه السلام): «القافة (1)- يتجهّم منه لهما-» قالا: فأخبرنا؟

قال: «لا»!!

قال ابن داود مولى له: جعلت فداك بلغني أنّ أمير المؤمنين عليّا (عليه السلام) قال: «ما من قوم فوّضوا أمرهم إلى اللّه و ألقوا سهامهم إلّا خرج السّهم الأصوب»، فسكت‏ (2).

العاشرة: روى الحسن الصيقل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت: رجل طلّق امرأته طلاقا لا تحلّ له حتى تنكح زوجا غيره، فتزوّجها رجل متعة أ تحلّ للأوّل؟ قال (عليه السلام): «لا، لأنّ اللّه تعالى يقول: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها ... و المتعة ليس فيها طلاق» (3).

الحادية عشرة: روى الحسن بن الجهم قال: قال لي أبو الحسن الرضا (عليه السلام): «يا أبا محمّد، ما تقول في رجل تزوّج نصرانيّة على مسلمة»؟ قال:

قلت: جعلت فداك و ما قولي بين يديك؟ قال (عليه السلام): «لتقولنّ فإنّ ذلك يعلم به قولي». قلت: لا يجوز تزويج نصرانيّة على مسلمة و لا غير مسلمة.

____________

(1). القافة جمع قائف و هو الّذي يعرف الآثار. و في جامع أحاديث الشيعة: 24/ 514 التعليقة:

تجهّم لهما أي: استقبلهما بوجه عبوس كريه، كناية عن عدم علم القافة و عدم تشخيصها،- القافة تلحقهما بهما- في نسخة الوافي.

(2). التهذيب: 9/ 363 ح 18، باب ميراث الغرقى و المهدوم عليهم.

(3). الوسائل: 15، كتاب الطلاق، الباب 9 من أبواب أقسام الطلاق و أحكامه، الحديث 4.