تاريخ أهل عمان‏

- سعيد عبد الفتاح عاشور المزيد...
189 /
1

تقديم‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه الذي جعل العلم أفضل ميراث، و هيّأ لكل وطن من يحفظ لها التراث، و أفضل الصلاة و أتم السلام على خاتم المرسلين و إمام المتقين، صاحب الوجه الأنور و الجبين الأزهر، سيدنا محمد و على صحبه الأبرار و آله الأخيار.

و بعد. فتسر وزارة التراث و الثقافة أن تتحف الساحة الثقافية بإعادة طباعة هذا الإصدار التاريخي المفيد (تاريخ أهل عمان) في ثوبه الجديد (الطبعة الثانية).

علما بأن هذا الكتاب يعد جزءا متضمنا من الكتاب التاريخي الموسوم ب (كشف الغمة)، و من الواضح أن مؤلفه اتبع منهجية علمية سليمة في كتابه؛ حيث أنه رتب الوقائع و الأحداث حسب تسلسلها التاريخي و لا أدل على صدق ذلك من استعماله حروف العطف (الواو، الفاء، ثم) التي تدل على الترتيب و التوالي ظن و ذلك في كل فقرة من الكتاب.

و مما يزيد الكتاب أهمية أن مؤلفه كثيرا ما يستعمل ألفاظا تدل على أمانته و تثبته في نقل الروايات، كقوله (سمعت، بلغنا، عرفنا، وجدت، و لا نعلم).

أضف إلى ذلك وضوح اللغة و بلاغة التعبير عن الأحداث مما يسهل تناول الكتاب لكافة طبقات القراء من باحثين متعمقين إلى طلبة المدارس المبتدئين.

و ختاما فإن هذا الإصدار مع غيره من إصدارات وزارة التراث و الثقافة يجسد و بواقع ملموس الجهود التي توليها هذا الوزارة لإحياء الفكر العماني العريق، و تنفثه في روع الأجيال القادمة، لتكون لهم شعلة تأخذ من تالدهم و تضيى‏ء لطارفهم؛ فيعملوا لإنماء و إعمار هذا الوطن العزيز.

فالشكر للّه على ما أنعم به و تفضل، و أسبغ علينا و أجزل، و له الحمد في الآخرة و الأول.

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

مقدمة

عمان بلد عربي أصيل، له تاريخ عريق و تراث ضخم، يعبر في مجموعه عن صفحة مشرّفة في تاريخ الأمة العربية، قبل الإسلام و في ظله. و إذا كان تاريخ هذا البلد العريق قد تعرض عبر القرون للإهمال و النكران، الأمر الذى جاء مصحوبا بتشتت مصادره، و ضياع الكثير منها، و عدم عناية جانب كبير من المؤرخين و الباحثين بهذا التراث، فإن هذا كله من شأنه أن يجعل مهمتنا اليوم في استكمال الحلقات المفقودة أو المهملة في تاريخ عمان مهمة صعبة غير يسيرة، بسبب افتقارنا إلى كثير من المعلومات و الحقائق و التفاصيل التي تشكل المادة الأولية اللازمة لإقامة بناء تاريخي متكامل الأجزاء متداخل الحلقات.

و من حسن الحظ أن هذه الخواطر لم تغب عن حكومة سلطنة عمان في نهضتها الحالية، فأظهرت في السنوات الأخيرة اهتماما ملحوظا بجمع شتات التراث العماني و إحيائه و نشره. و بذلك تكون قد بدأت البداية السليمة من حيث ينبغي فعلا أن تبدأ، لاستيفاء الحلقات المفقودة في تاريخ عمان، و إلقاء أضواء على الجوانب غير الواضحة فيه. ذلك أن جمع شتات التراث، و استكماله، و وضعه في صورة متكاملة بين أيدي الباحثين، من شأنه أن يوفر لهم المادة العلمية اللازمة لكتابة هذا التاريخ كتابة علمية أمينة، بعيدة عن التحريف.

وثمة حقيقة نميل إلى تأكيدها، هي عدم صحة الدعوى القائلة بأن تاريخ عمان في ظل العروبة و الإسلام لم يدوّن في القدم، و أن العناية بتسجيله في العصور

4

الأولى لا تعدو تلك الإشارات السريعة العابرة التي جاءت ضمن كتابات بعض المؤرخين المعروفين كالطبري و اليعقوبي و المسعودي و ابن الأثير و ابن خلدون و غيرهم. و يبدو لنا أنه إذا كان تاريخ عمان قد تعرض للنكران فإنه تعرض لذلك على أيدي المؤرخين من غير أبناء البلاد، و هم الذين سلطوا الأضواء على قلب الدولة الإسلامية، و أفاضوا في وصف ما كان يجري فيها من تيارات سياسية و حضارية، دون أن تحظى أطراف الدولة- في المشرق و المغرب جميعا- إلا بنسب ضئيلة متفاوتة من عنايتهم.

و فيما عدا ذلك، فإن كافة الشواهد تشير إلى أن عمان لم يفتقر إلى العلماء الغيورين من أبنائه الذين عنوا بتسجيل تاريخ البلاد و أهلها، بقدر ما سمحت به ظروفهم. كل ما هنالك هو أن هذا التراث تعرض- نتيجة لأحداث الزمان- لما تعرضت له بقية جوانب التراث العربي الإسلامي في شتى البلاد، من الضياع و البعثرة و التشتت. هذا فضلا عما كان يصحب الحروب المحلية و الفتن الداخلية من تخريب و إفساد و إحراق، مما عصف بكثير من آثار التراث العماني. يضاف إلى هذا كله أنه إذا كانت الدعوة لإحياء التراث قد ظهرت في وقت مبكر في بعض البلدان العربية، فإنها لم تظهر في كافة أقطار شبه الجزيرة العربية- و من جملتها عمان- الا في وقت متأخر نسبيا.

*** و بالإضافة إلى هذه الثروة المعروفة من الكتب و المخطوطات المتعلقة بتاريخ عمان، و التي تحرص حكومة سلطنة عمان في الآونة الأخيرة على جمعها و الحفاظ عليها، فإنه مازالت هناك عشرات المخطوطات المجهولة مبعثرة في دور الكتب العالمية و العربية، تحتاج إلى قدر من السعي و التقصي للوقوف عليها. و معرفة هويتها، و تحديد نوعية ما فيها من معلومات و حقائق، تمهيدا لتحقيقها و نشرها.

5

و يبدو أن تنفيذ ذلك ليس بالأمر السهل. نظرا لعاملين: أولهما هو ما نلاحظه من أن كثيرا من الكتابات و المؤلفات التي تناولت جوانب من التراث العماني توجد، الآن مخطوطة في صورة غير قائمة بذاتها، و غالبا ما تكون مجلدة في غلاف واحد مع رسائل و مصنفات متباينة الموضوعات، مما يتطلب التدقيق في محتويات كل مجلد للوقوف على ما يحتويه من موضوعات و رسائل، و تصيد ما يرتبط منها بالتراث العماني، من قريب أو بعيد.

أما العامل الثاني، فيبدو في أن كثيرا من هذه المخطوطات غير معروف مؤلفه، بسبب تآكل و ضياع بعض صفحاتها الأولى و الأخيرة، و قلة عدد النسخ الموجودة منها. و قد يقتصر الأمر في كثير من الحالات على معرفة نسخة واحدة من الكتاب، عليها اسم الناسخ دون المؤلف، و أحيانا اسم الحاكم أو الإمام أو السلطان الذى نسخ الكتاب من أجله. و ربما وردت كل هذه المعلومات في عبارة غامضة في نهاية الكتاب، لا يفهم منها بالضبط إن كان الناسخ هو المؤلف، بمعنى أن تكون المخطوطة مكتوبة بيد مؤلفها.

و لا شك في أن تحديد اسم المؤلف يساعد في حالات كثيرة في معرفة هويته و مذهبه و ميوله و اتجاهاته الفكرية، و هذه كلها عوامل تساعدنا في الحكم على كتاباته و في تقييم إنتاجه، و خاصة إذا كانت هذه الكتابات و ذلك الإنتاج يرتبط بحقل التاريخ، ذلك أن المؤرخ- مهما يطالب به من الناحية المثالية- من أن يكون أمينا فيما يكتب، صادقا فيما يروى، دقيقا فيما يحكي، موضوعيا فيما يعبر عنه ... فإنه قبل كل اعتبار- و بعد أي اعتبار- ليس إلا بشرا، يحب و يكره مثلما يحب البشر و يكرهون، و يرضى و يغضب مثلما يرضى البشر و يغضبون. و في كثير من الحالات يستغفله قلمه ليعبر في إشارة- قد تكون عابرة، أو لفتة قد تكون سريعة- عما يحس به من أحاسيس شخصية تفصح عن ميوله الخاصة و القومية، و تكشف النقاب عن مشاعره الدينية و المذهبية، و تلقي بعض الضوء على نزعاته الفردية و اتجاهاته السياسية.

6

و من هنا فإن معرفة اسم المؤرخ أو الكاتب أو المؤلف، ضرورية في كثير من الحالات، لأنها بمثابة طرف الخيط الذي يؤدي بنا إلى تتبع ما يمكن الوقوف عليه من معلومات تحدد مذهبه و ثقافته و ميوله و اتجاهاته الفكرية، و حياته الخاصة و العامة، مما يمكننا من الحكم على إنتاجه حكما سليما متكاملا.

*** وثمة ملاحظة على المخطوطات التي تعالج التراث العماني. هي أن معظم ما نشر منها حتى الآن يرجع تاريخ تأليفه إلى وقت متأخر، يعود إلى ما بعد بداية القرن الحادي عشر للهجرة، السابع عشر للميلاد.

و لكن المتمعن في هذا التراث يجد المؤلفين المتأخرين زمنيا أخذوا و استقوا عمن تقدم عليهم و سبقهم. و هناك إشارات في المؤلفات التي بين أيدينا إلى أعلام سابقين و مؤلفين في القرون السالفة لم نعثر على آثارهم حتى الآن، و من هنا تنبع أهمية هذه المؤلفات التي نعتبرها حديثة نسبيا في التراث العماني لأنها حفظت لنا بدورها جزءا هاما من تراث السابقين. و ربما تكشفت الأيام عن أن كثيرا من المؤلفات القديمة، قد فقد تماما، و صار من المتعذر الوقوف على ما جاء فيه إلا من خلال هذه الكتب التي نظنها حديثة لأنها ألفت في عصور تالية، و أخذت عمن سبقها.

و هنا نشير إلى أنه لم تكن هناك أية غضاضة في أن ينقل الؤرخ عمن سبقه من المؤرخين، لأنه يعتبرهم المصدر الذي يستقى منه، و الذي عايش الفترة الزمنية التي يكتب عنها، و عاصر الناس و الأحداث الذين يؤرخ لهم. فابن الأثير مثلا لا يقلل من شأنه أنه اعتمد على الطبري و أشباهه في كتابته عن القرون الأولى للهجرة الشريفة. و بالمثل فإنه لا يقلل من شأن السالمي و ابن رزيق أنهما أخذا عمن سبقهم من مؤرخي عمان، و أشارا إلى بعضهم.

7

على أن هناك ظاهرة واضحة في كتابة التاريخ، تترتب على اعتماد اللاحقين من المؤرخين على السابقين، و نقلهم عنهم، هي ما نلاحظه من تشابه- قد يصل أحيانا إلى درجة التطابق- في مختلف الكتب التي تعالج حلقة واحدة من حلقات تاريخ هذا البلد أو ذلك العصر.

و لكن علينا هنا أن نضع أمامنا حقيقتين: الأولى هي أن التاريخ يعبر عن الماضي، يعبر عن أشياء حدثت فعلا، يعبر عن سياسات و أوضاع و علاقات و حروب و وقائع و أحداث جرت، و لا مجال كبير للخلاف حولها ... يصوّر أناسا- حكاما و محكومين- قاموا بدورهم على مسرح الحياة البشرية، منهم العظيم و منهم الوضيع، فيهم الأمين القوي صاحب الهمم، و الخائف الضعيف المتقاعس ... و لا بد أن تتشابه صور التاريخ في كافة كتبه و كتاباته، طالما يلتزم المؤلف بالحقيقة كاملة، و يتحرى الأحداث غير ناقصة، و ينأى عن الأهواء و تعتمد المسخ و افتعال التشويه.

أما الحقيقة الثانية فهي أننا- رغم ما سبق- نلاحظ فوارق بين الكتابات التاريخية عند ما تتعرض لسرد رواية واحدة، حتى لو كان مؤلفو هذه الكتب استقوا روايتهم عن مصدر واحد. ذلك أن المؤرخين اللاحقين عند ما يأخذون عن السابقين فإنهم أحيانا لا ينقلون نقلا حرفيا، و إنما يعبر كل واحد منهم عن شخصيته و عقليته و اتجاهاته الفكرية و أحاسيسه و كثيرا ما نقرأ رواية في كتابين من كتب اللاحقين أخذاها عن مصدر واحد سابق عليهما، و لكننا نجد بعض الاختلافات في العرض و التفاصيل، أحدهما أطنب و الآخر تعمد الإيجاز، أحدهما حرص على أن يذكر كافة الأسماء المرتبطة بالحادث من قريب أو بعيد، و الآخر اكتفى بذكر اسم أو إسمين. و ربما علّق بعضهم على ما حدث برأي جديد يعبر عن وجهة نظره، أو استقاه من مصدر آخر لم يطلع عليه غيره، مما يجعل لكل كتاب طابعه و مزاياه.

***

8

و تبرز هذه الجوانب بوضوح في المخطوطة التي نقدمها اليوم محققة للباحثين في التراث العربي الإسلامي بوجه عام، و في التراث العماني بوجه خاص. و توجد من هذه المخطوطة نسخة في المكتبة الظاهرية بدمشق تحت رقم 385، ضمن مجلد يحوي عدة مخطوطات أخرى متنوعة. و هي تبدأ في هذا المجلد بصفحة 227، و تنهى فيه بصفحة 418، أي أنها تقع في نحو 186 صفحة.

و الكتاب لمؤلف مجهول، و النسخة التي بين أيدينا نسخها أحد النساخ- و اسمه أبو سالم عبيد فرحان- نسخها بيده لسيده و مولاه ناصر بن محمد بن سيف بن أحمد المعولى، و ذلك سنة 1313 ه. أما تاريخ تأليف الكتاب فغير معروف، و ربما كان قريبا من الفترة التي توقف عندها المؤلف، و هي نهاية عهد سلطان بن مرشد اليعربي، و انتقال ملك اليعاربة إلى أحمد بن سعيد سنة 1154 ه (1741 م).

و يبدو من صفحات هذا الكتاب مدى اعتزاز أهل عمان بجذورهم الحضارية القديمة، و تاريخهم العريق، و أصالتهم الراسخة، إذ يحرص المؤلف على الإشارة إلى أن سليمان بن داود- (عليه السلام) أقام بعمان عشرة أيام، و أنه حفر فيها عشرة آلاف نهر أو فلج. و أنه إذا كان الكثير من تلك الأنهار قد ردم و طمس، فإن الفرس هم الذين فعلوا ذلك عند ما احتلوا هذه الأرض قبل الإسلام و عاثوا فيها فسادا.

كذلك يبدو من صفحات الكتاب مدى اعتراز أهل عمان بعروبتهم.

فالمؤلف يتخذ من مالك بن فهم الأزدي بطلا قوميا، أشبه بالأبطال الذين يعتز بهم كثير من الأمم و الشعوب، و يعتبرونهم المؤسسين الأوائل لهذه الأمة أو تلك. فمالك بن فهم هو البطل العربي الذي طرد الفرس من عمان، و بالتالي فإنه المؤسس الأول لأمة عمان العربية. و سيرته في الكتاب تتصف بكل ما تتصف به سير الأبطال في الملاحم الشعبية من مثالية و سمو.

9

فهو القائد الشجاع الذي لا يلين أمام العدو، و المحارب الذي يتقدم الصفوف دفاعا عن الأرض و العرض، و الفارس الذي يتحلى بشمائل الفروسية العربية من كرم و مروءة و شهامة و نجدة ... و غيرها حتى في وفاته تحرص الرواية التاريخية على أن تبرز مالك بن فهم و قد مات موتة البطل الشهيد الذي سقط ضحية سهم طائش أطلقة أعز أبنائه و أقربهم إلى قلبه، دون أن يدري أن السهم الذي أطلقة إنما يتجه إلى صدر أبيه، فسقط مالك بن فهم شهيدا، و هو يردد بيت الشعر الذي صار مضرب الأمثال:

أعلمه الرماية كل يوم* * * فلما اشتد ساعده رماني‏

و في مواجهة العجم، تحرص الرواية التاريخية في هذا الكتاب على أن تؤكد فضائل العرب و مكارم أخلاقهم، و تمسكهم بما اشتهر به أهل البادية من غيرة على الشرف، و احترام لأعراض الناس، و إسراع إلى نجدة الملهوف و يبدو هذا بوضوح في الرواية التي جاءت في المخطوطة عن خروج سليمة بن مالك بن فهم إلى بلاد العجم، و كيف ساعدهم على الخلاص من ملكهم الذى دأب على انتهاك أعراضهم و العبث بشرفهم.

و يبدو أن المواجهة بين العرب و العجم على جانبي الخليج جعلت عرب عمان أكثر اعتدادا بعروبتهم و أصالتهم. و قد ظهر هذا الاتجاه بوضوح في صفحات هذا الكتاب، عند ما نجد المؤلف يحرص على إبراز مزايا العرب في مواجهة العجم، و أن العرب كانوا أكثر تمسكا بفضائل العروبة و روح الشهامة و المروءة و الذب عن العرض و الشرف ... و هي الصورة التي تبدو على طرف نقيض مع ما كان عليه المجتمع الفارسي على الجانب المقابل للخليج، و الذي فشت فيه المثالب و الأمراض الاجتماعية.

فإذا ما ظهر الإسلام، حرص مؤلف الكتاب على إبراز سرعة الاستجابة التي لبى بها أهل عمان الدعوة إلى الاسلام، فدخلوا في دين اللّه في سهولة و يسر، و نهضوا بدورهم كاملا كعضو عامل فعال في المجتمع الإسلامي الجديد.

10

و من خلال ذلك، أفاض المؤلف في سير الأئمة المبرزين و الحكام الصالحين، فأطنب في وصف حياتهم الخاصة، و سرد القصص التي تعبر عن كريم أخلاقهم و حميد صفاتهم، و أبرز دورهم و دور أهل عمان في الدفاع عن العروبة ضد العناصر غير العربية- و خاصة العجم- حينا، و في الدفاع عن الإسلام ضد الطامعين المشركين- و خاصة من الأحباش و الهنود ثم البرتغاليين- أحيانا.

و تمشيا مع هذا التيار، نلاحظ أن المؤلف يتحاشى الدخول في تفاصيل بعض ما لا يحب أن ينسب لتاريخ عمان و أهل عمان، مثل حركة الردة.

فمن المعروف أن غالبية أهل عمان تمسكوا بالإسلام؛ و تحولوا بسرعة من مسلمين إلى مؤمنين، بحيث أن حركة الردة- بعد وفاة الرسول (صلّى اللّه عليه و سلم)- لم تجد استجابة في عمان إلا من فئة قليلة تزعمها ذو التاج لقيط بن مالك الأزدي، حتى أخضعهم أبو بكر فعدوا إلى الإسلام. و لكن المؤلف اختار ألا يدخل في تفاصيل مثل هذا الحادث العارض، و كأنه حرص على ألا يشوه الصورة النقية الصافية التي يمثلها غالبية أهل عمان، و أسقط ذلك التصرف العابر الذي أتته أقلية، و الذي لم ينفرد به عمان وحده، و إنما كان له شبيه في أكثر من جزء من أجزاء شبه الجزيرة العربية.

و من ناحية أخرى فإن المؤلف كثيرا ما أطلق العنان لقلمه، ليعبر عن أحاسيسه و مشاعره، فنراه بين حين و آخر يسطر عبارة أو يسجل كلمات تعكس ما يحس به من ألم و أسى إزاء ما كان يحدث أحيانا من اشتداد الفتن و استحكام المنازعات بين القبائل بعضها و بعض أو بين الحكام المتنافسين، مما ترك أثرا عميقا في تاريخ البلاد و العباد.

و من المعروف أن عصور الفتن و المنازعات الداخلية تمثل دائما حلقات معتمة في التاريخ، تتشابك فيها الأحداث و تتداخل الصور و الانعكاسات،

11

بحيث يجد المؤرخ نفسه أمام غابة كثيفة مظلمة لا يجرؤ على اقتحامها، و إذا أو غل فيها قليلا فإنه قد لا يستطيع الخروج منها، فإذ خرج فإنه لن يخرج بشي‏ء ذى قيمة. و لا تقتصر هذه الظاهرة التاريخية على تاريخ بلد دون آخر، أو على حلقة معينة من عصور الانحلال دون أخرى، و إنما هي ظاهرة عامة مشتركة، لأنها ترتبط أولا و أخيرا بطبيعة البشر و غرائزه، و الظروف التي تحيط به و يتعرض لها.

و هكذا نجد مؤلف هذا الكتاب، بقدر ما يطنب في حلقات الازدهار، و عهود المبرزين من الأئمة و حكام عمان، بقدر ما يوجز أحيانا في عصور التفكك و الانحلال. و ربما أضرب- مجبرا لا مختارا- عن علاج فترات طويلة من تاريخ البلاد، قد تمتد بضعة قرون، معتذرا بقوله" ... فهذه مائتا سنة و بضع، لم أجد فيهن تاريخ أحد من الأئمة و اللّه أعلم. إنها كانت سنين فترة عن عقد الإمامة، أو غاب عني معرفة أسمائهم."

و مع هذا، و مع تشابه المعلومات التي جاءت في هذا الكتاب مع ما جاء في غيره من الكتب التي وقفنا عليها في تاريخ عمان، فإننا نكرر ما سبق أن أشرنا إليه من أن الخطوط العريضة في التاريخ- تاريخ أية أمة أو أية دولة أو أي فرد- ثابتة لا تتغير، بحيث لا يكون الخلاف بين مصدر و آخر إلا في التفصيلات و الفروع، و التعليقات و التحليلات. فالعظيم عظيم، و الحقير حقير. و الصالح صالح، و الطالح طالح و الحق أبلج، و الباطل لجلج. و هذه حقائق ثابتة في التاريخ لا تتغير من مصدر لآخر. و مع ذلك فطننا نلمس في هذا الكتاب الذي بين أيدينا بعض الإشارات و التفصيلات و اللمسات التي لم نجدها في غيره من الكتب التي وقفنا عليها في تاريخ عمان.

و من هنا تبدو أهمية إحياء التراث و نشره؛ لأنه يمكن بالمقارنة بين ما جاء في مختلف المؤلفات التي دونها السابقون أن نخرج بصورة سليمة البنيان، متكاملة التفاصيل، دقيقة الملامح، لحلقة معينة من حلقات التاريخ.

***

12

و ليس من الإنصاف في دراستنا للتاريخ و إحيائنا للتراث أن ننظر إلى الماضي بعين الحاضر، أو أن نطلب من السابقين أن يعالجوا أحداث الماضي بنفس المنهج و الأسلوب اللذين ننشدهما في واقعنا الحاضر، فلكل عصر مستواه الفكري و الحضارى؛ و لكل جيل نظرته التي يقيم بها الحياة و مشاكلها.

لذلك لا أريد أن أظلم صاحب الكتاب بالإسهاب فيما يعتبره البعض مآخذ من وجهة نظرنا المثالية. حقيقة إن منهج المؤلف تغلب عليه صفة السرد و الإطناب و الاستطراد حينا، و الإيجاز و الاقتضاب و الاختصار أحيانا. هذا فضلا عن عدم عنايته بتقسيم الكتاب إلى وحدات موضوعية، تساعد القارى‏ء في الانتقال من حلقة إلى أخرى، و كأن الكتاب من أوله لآخره فقرة واحدة طويلة متداخلة العبارات، و حقيقة أننا نلمس أحيانا في الكتاب عدم انتظام بعض العبارات و المعاني، بسبب سقوط أو ضياع جملة، و عدم التمسك بأصول النحو و قواعد الإملاء ... و لكن هذه المآخذ لا ينبغى في نظرنا أن تجعلنا نسرف في توجيه اللوم و النقد إلى مؤلف الكتاب أو ناسخه، دون أن نقدر الظروف التي أحاطت بهما، و الإمكانات التي أتيحت لهما.

و ربما كان أقرب إلى العدالة و الصواب أن نشيد بالجهد الذي بذله هؤلاء و أمثالهم في تسجيل تراث السلف، و هو تراث غني دسم، من حقنا أن نفخر به و يفخر به من بعدنا الأبناء و الأحفاد على مر الأيام و العصور.

*** و لا يفوتنى في ختام هذه المقدمة الموجزة أن أتقدم بالشكر لدولة عمان، سلطانا و حكومة و شعبا، على المعونة التي قدمها لي معالي‏

13

وزير التراث القومي و الثقافة، بأن أمدنى بمجموعة من الكتب التي تعالج تراث عمان، و التي تم نشرها أخيرا، لأستعين بها في تحقيق هذه المخطوطة.

و اللّه أسأل أن يحقق لسلطنة عمان و أهلها كل أسباب النهضة و القوة و العزة، لتبقى- كما كانت دائما- درعا قويا للعروبة و الإسلام في هذه المنطقة الحساسة من جسم الأمة العربية الإسلامية.

القاهرة في شهر رمضان المبارك سنة 1400 ه يوليو سنة 1980 م.

سعيد عبد الفتاح عاشور

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الأزد و تعريب عمان‏

[م 228] ذكر- و اللّه أعلم، و أعز و أحكم، و أرأف و أرحم- فيما مضى و تقدم من أحاديث الأمم- فيما قيل- أن سبب إخراج الفرس من عمان، و انتقال مالك بن فهم إليها، و كانت يومئذ أهلها الفرس، و كان مالك و قومه من أهل سبأ- و هى مأرب من اليمن‏ (1).

قيل سبب ذلك أن لجار له كلبة، تقتحم و تفّرق أغنامهم. فرماها رام منهم بسهم فقتلها. فشكى إليه جاره. فغضب مالك، و قال" لا أقيم ببلد ينال فيه هذا من جاري". قال: فخرج مراغما لأخيه.

و قيل إن راعيا (لمالك بن فهم خرج بغنم، و كان) (2) في طريق بيته كلب عقور لغلام من دويس، فشد الكلب على الراعي، فرماه بسهم فقتله، فعرض صاحب الكلب على الراعي‏ (3). فخرج مالك من السراة (4) بمن أطاعه من قومه، فسمى ذلك النجد نجد الكلبة.

____________

(1) من المرجح في التاريخ أن سد مأرب تصدع عدة مرات، أشهرها كان سنة 542 م على أيام أبرهة. و قد ترتب على ذلك أن هاجر كثير من القبائل التي اعتمدت في حياتها على السد إلى أراض جديدة. و من هذه القبائل أزد عمان، و هم القحطانيين- من نسل أزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن كهلان بن سبأ؛ و قد نزلوا عمان بعد سيل العرم. انظر: جواد علي (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام؛ ج 2 ص 285، ج 3 ص 166- 168، ج 4 ص 201)

(2) ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان السالمي (ج 1 ص 21).

(3) أي تعرض صاحب الكلب للراعي.

(4) السراة: إقليم باليمن، منه يبدأ جبل السراة الذي يصل بين أقصى اليمن و الشام؛ فإنه ليس بجبل واحد، و إنما هي جبال متصلة، و هي أعظم جبال العرب.

(الهمداني: صفة جزيرة العرب- تحقيق محمد بن علي الأكوع؛ 58، 99)

16

[م 229] فلما توسط مالك الطريق، حنّت إبله إلى مراعيها، و جعلت تتلفت إلى السراة و تردد الحنين. و سار إلى عمان، لعله من الحجاز لا يمر بحىّ من أحياء العرب- من معد و عدنان- إلا سالموه و وادعوه، لمنعته و كثرة عساكره.

ثم سار حتى نزل برهوت‏ (1)- و هو واد بحضرموت- فلبث فيه حتى راح و استراح. و بلغه أن بعمان الفرس- و هم ساكنوها- فعبأ عساكره و عرضها، فيقال إنهم كانوا ستة آلاف فارس و راجل. فاستعد قاصدا عمان؛ و جعل على مقدمته ابنه هناءة (2)- و يقال فراهيد (3)- في ألفي فارس من صناديد قومه. فلما وصل الشحر تخلف مهرة بن حيدان (ابن عمرو) (4) بن الحاف بن قضاعة بن مالك بن حمير؛ فنزل الشحر (5).

فسار مالك حتى دخل عمان، بعسكره في الخيل و العدة و العدد. فوجد بها الفرس من جهة الملك دارا بن دار بن بهمن، و هم يومئذ أهلها و سكانها.

و المتقدم عليهم المرزبان عامل الملك. (6).

فعند ذاك اعتزل مالك بمن معه إلى جانب قلهات‏ (7)- من شط عمان- ليكون أمنع لهم. و ترك العيال و الأثقال، و ترك معهم من يمنعهم من العسكر و سار ببقية العسكر. و جعل على المقدمة ابنه هناءة في ألفي فارس‏

____________

(1) برهوت: بئر بسفلى حضرموت قديمة.

(الهمداني: صفة جزيرة العرب، ص 270)

(2) في الأصل (هناة) و هو تخفيف الاسم الأصلي (هناءة).

(3) في الأصل (فراهيدا)

(4) ما بين حاصرتين إضافة من (تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان- للسالمي)- ج 1 ص 23.

(5) الشحر- بكسر الشين المعجمة و سكون الحاء- ساحل حضرموت (الهمداني: صفة جزيرة العرب- ص 57).

(6) أي ملك فارس، و المرزبان الرئيس عند الفرس و جمعه مرازبة.

(7) قلهات: فرضة عمان على البحر، إليها ترفأ أكثر سفن الهند.

17

و سار حتى نزل بناحية الجوف، فعسكر عسكره، و ضرب مضاربه بالصحراء.

و أرسل إلى الفرس يطلب منهم الترول في قطر (من) (1) عمان، و أن يمكنوا له و يفسحوا له في الماء و الكلأ ليقيم معهم. فلما وصلت رسله إلى المرزبان و أصحابه، ائتمروا فيما بينهم. و ساروا حتى طال ترديد الكلام و التشاور بينهم، ثم أجمع رأيهم على صرفه؛ و قالوا:" ما نحب هذا العربي ينزل معنا فيضيق علينا أرضنا و بلادنا. فلا حاجة لنا إلى قربه و جواره".

فلما وصل جوابهم إلى مالك أرسل إليهم:" إنه لا بد لي من النزول في قطر (من) (2) عمان، و أن تواسوني في الماء و الكلأ و المرعى. فإن تركتموني طوعا نزلت في البلاد و حمدتكم. و إن أبيتم أقمت على كرهكم فإن قاتلتموني قاتلتكم. فإن [م 231] ظهرت عليكم قتلت المقاتلة، و سبيت الذرية، و لم أترك أحدا منكم ينزل عمان أبدا."

فأبوا أن يتركوه طوعا، و جعلوا يستعدون‏ (3) لحربه و قتاله.

و أقام مالك بناحية الجوف حتى أراح و استراح، و تأهب لحرب الفرس و قتالهم، و كان هنالك حتى استعدت الفرس لحربه و قتاله.

ثم إن المرزبان أمر أن ينفخ في البوق، و تضرب الطبول، و ركب من صحار في جنوده و عساكره في عسكر جم، يقال إنه في زهاء أربعين ألفا- و يقال بثلاثين ألفا- و معه الفيلة. و سار يريد لقاء مالك. و نزل بصحراء سلوت، قريبا من نزوى، فبلغ مالك بن فهم. فركب في ستة آلاف، حتى أتى صحراء سلوت، فعسكر فيها بإزاء عسكر المرزبان. فمكثوا يومهم ذلك لم يكن بينهم حرب.

____________

(1 و 2) ما بين حاصرتين إضافة من كتاب تحفة الأعيان للسالمى (ج 1 ص 23).

(3) في الأصل (يستعدوا) (م 2- تاريخ عمان)

18

ثم إن مالك بن فهم بات ليلته يعبى‏ء عساكره يمنة و يسرة و قلبا، و يكتب الكتائب‏ (1)، و يوقف فرسان الأزد (2) مواقفهم. فولى الميمنة ابنه هناءة (3)، و ولى الميسرة ابنه فراهيد (4)، و وقف هو في القلب في أهل النجدة و الشدة.

و بات المرزبان يكتب [م 232] كتائبه، و يوقف آصحابه مواقفهم و استعد كل (من) (5) الفريقين.

و ركب مالك فرسا أبلقا، و لبس درعين، و لبس عليهما غلالة حمراء و تكمم على رأسه بكمة حديد، و تعمم عليها بعمامة صفراء. و ركب معه ولده و فرسان الأزد على تلك التعبئة (6). و قد تقنعوا بالدروع و البيض‏ (7) و الجواشن‏ (8)، و لم يظهر منهم غير الحدق.

____________

(1) في الأصل (و يكتب الكاتب) و هو تحريف في النسخ.

(2) الأزد من أعظم قبائل العرب و أشهرها، تنسب إلى الأزد بن الغوث بن نبت بن نابت بن كهلان، من القحطانية. و تنقسم إلى أربعة أقسام: 1- أزد شنوءة و هو مخلاف باليمن ب- أزد غسان و كانت منازلهم في شبه جزيرة العرب و بلاد الشام. ج- أزد السراة و كانت منازلهم في الجبال المعروفة بهذا الاسم. د- أزد عمان كانت منازلهم بعمان.

قيل أزد و أسد، و هي بالسين أفصح. أنظر: (القلقشندي: نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب- تحقيق إبراهيم الأبيارى ص 91؛ ابن حزم: جمهرة أنساب العرب- تحقيق عبد السلام هارون ص 487، و كذلك ابن منظور و الزبيدي و الفيروزبادي)

(3) في الأصل (هناة).

(4) في الأصل (فراهيدا).

(5) ما بين حاصرتين إضافة.

(6) في الأصل (على تلك البقية) و هو تحريف في النسخ.

(7) البيضة: الخوذة من الحديد: و جمعها بيض و بيضات.

(8) الجوشن: الدرع، زرد يلبسه الصدر، و الجمع جواشن.

19

فلما تواقفوا للحرب، جعل مالك يدور على أصحابه- راية راية و كتيبة كتيبة- و يقول:" يا معشر الأزد أهل النجدة و الحفاظ (1)!! حاموا عن أحشامكم. و ذبّوا عن أبنائكم‏ (2)! و قاتلوا! و ناصحوا ملككم‏ (3) و سلطانكم. فإنكم إن انهزمتم تبعتكم العجم بجنودها، فاختطفوكم و اصطادوكم بين كل حجر و مدر (4)، و ثاروا ملككم و سلطانكم، فوطنوا أنفسكم على الحرب. و عليكم بالصبر و الحفاظ، فإن هذا اليوم له ما بعده." و جعل يحرضهم و يأمرهم بالصبر و الحفاظ.

ثم إن المرزبان زحف بجميع عساكره و قواده، و جعل الفيلة أمامه.

و أقبل مالك و أصحابه، و نادى بالحملة عليهم؛ و قال [م 233]:

" يا معشر الأزد! اعملوا معي!!- فداكم أبي و أمي- على هذه الفيلة، و اكتنفوها (5) بأسيافكم و اسنتكم". ثم حمل- و حملوا معه- على الفيلة بالرماح و السيوف، و رشقوها بالسهام، فولت الفيلة راجعة على المرزبان و أصحابه، فانفضت صفوف العجم، و جالوا جولة.

ثم تراجعت العجم بعضها إلى بعض، و أقبلت في‏ (6) حدّها و حديدها.

و صاح المرزبان بأصحابه، و أمرهم بالحملة فحملوا؛ فالتقى الجمعان.

و اختلف الطعن و الضرب و الطعان، و اشتد القتال، و عظم النزال، و لم يسمع إلا صليل الحديد، و وقع السيوف، فاقتتلوا يومهم ذلك إلى أن حال بينهم الليل. و انصرف بعضهم عن بعض، و قد كثر القتل و الجراح في الجميع.

____________

(1) في الأصل (الحفاط).

(2) في الأصل (أبناءكم).

(3) في الأصل (ملككهم).

(4) أهل الحجر و المدر، سكان البادية.

(5) في الأصل غير واضحة و دون تنقيط.

(6) في الأصل (إلى).

20

ثم ابتكروا من الغد، و اقتتلوا قتالا شديدا، و قتل من الفرس خلق كثير، و ثبتت لهم الأزد، إلى أن حال بينهم الليل.

فلما أصبحوا في اليوم الثالث، زحف الفريقان بعضهم إلى البعض، فوقفوا موقفهم تحت راياتهم، و أقبل أربعة نفر من المرازبة و الأساورة (1) يعد الواحد [م 234] منهم لألف رجل، حتى دنوا من مالك، فقالوا:" هلم إلينا لننصفك من أنفسنا، و نبارزك منا واحدا واحدا"

تقدم مالك إليهم، و خرج واحد منهم فجاول مالكا ساعة. فعطف مالك فطعنه برمحه في صلبه، فخر عن فرسه على الأرض، فضربه بالسيف فقتله. ثم حمل الفارس الثاني على مالك، و ضرب مالكا، فلم تصنع ضربته شيئا. و ضربه مالك على مفرق رأسه، فقدّ البيضة و الرأس، و خرّ ميتا، ثم حمل على الفارس الثالث، فضربه مالك على عاتقه، فقسمه، و وصل السيف إلى الدابة، فقطعهما نصفين، فلما رأى الفارس الرابع ما صنع مالك بأصحابه، كاعت‏ (2) نفسه، و ولى راجعا نحو أصحابه حتى دخل فيهم و انصرف مالك إلى موقفه، و قد تفاءل بالظفر، و فرحت بذلك الأزد فرحا شديدا، و نشطوا للحرب.

فلما رأى المرزبان ما صنع مالك بقواده الثلاثة، دخلته الحمية و الغضب، و خرج من بين أصحابه، و قال:" لا خير في الحياة بعدهم" و نادى مالكا، و قال:" أيها العربي! اخرج إليّ إن كنت تحاول ملكا [م 235] فأينا ظفر بصاحبه كان له ما يحاول، و لا نعرض‏ (3) أصحابنا للهلاك"

____________

(1) الأسوار: قائد الفرس، و قيل هو الجيد الرمي بالسهام، و قيل هو الجيد الثابت على ظهر الفرس، و الجمع أساورة و أساور (ابن منظور: لسان العرب).

(2) كعت عن الشي‏ء أكيع و أكاع؛ لغة في كععت عنه و أكع، إذا هبته و جبنت عنه (ابن منظور: لسان العرب)

(3) في الأصل (يعرض).

21

فخرج إليه مالك برباطة جأش و شدة قلب؛ فتجاولا بين الصفين مليا، و قد قبض الجمعان أعنة خيولهم، ينظرون ما يكون منهما، ثم إن المرزبان حمل على مالك بالسيف حملة الأسد، فراغ عنه مالك، ثم ضربه مالك بسيفه على مفرق الرأس، فقد البيضة و الدرع، و أبان رأسه عن جسده.

فزحف الفريقان بعضهما إلى بعض، و اقتتلوا من نصف النهار إلى العصر، و أكل أصحاب المرزبان بالسيف و صدقهم الأزد الطعن و الضرب، فولوا منهزمين، على وجوههم هاربين، حتى انتهوا إلى معسكرهم‏ (1)، و قد قتل منهم خلق كثير، و كثر الجراح في عامتهم.

فعند ذلك أرسلوا إلى مالك يطلبون منه الصلح، [و] (2) أن يكف عنهم الحرب، و أن يؤخرهم إلى سنة، ليخرجوا أهلهم من عمان. و أعطوه على ذلك عهدا و جزية، فأجابهم مالك إلى ذلك، و أعطاهم عهدا أن لا يعارضهم، حتى يبدؤوه‏ (3) بحرب، و كفّ عنهم الحرب، و عادوا إلى صحار [م 236] و ما حولها من الشطوط. و كانوا هنالك، و الأزد في عمان. و انحاز مالك إلى جانب قلهات.

فقيل إن الفرس في تلك المهادنة طمسوا أنهارا كثيرة و أعموها، و كان سليمان بن داود- (عليه السلام)- أقام بعمان عشرة أيام، و قد حفر فيها عشرة آلاف فلج‏ (4). و طمس الفرس أكثرها في مدة الصلح التي طلبوها من مالك بن فهم.

____________

(1) في الأصل (حتى انتهوا عسكرهم)، و الصيغة المثبتة من كتاب تحفة الأعيان للسالمى (ج 1 ص 28)

(2) ما بين حاصرتين إضافة.

(3) في الأصل (يبدوه).

(4) الفلج بالتحريك هو النهر، و قيل النهر الصغير، و هو الماء الجاري (ابن منظور: لسان العرب).

22

ثم إن الفرس كتبوا إلى الملك دارا بن دارا بقدوم مالك إلى عمان‏ (1) بمن معه، و ما جرى بينهم و بينه من الحرب، و قتل قائده‏ (2) المرزبان، و جل أصحابهم، و أخبروه بما فيهم من الضعف و العجز، و استأذنوه في التحمل إليه بأهليهم و ذراريهم. فلما وصل كتابهم إليه و قرأه، غضب غضبا شديدا، و داخله القلق، و أخذته الحميّة بمن قتل من أصحابه و قواده. فعند ذلك دعا بقائد (3) من عظماء مرازبته‏ (4) و أساورته، و عقد له على ثلاثة آلاف من أجلاء أصحابه و مرازبته‏ (5) و بعثهم مددا لأصحابه الذين بعمان، فتحملوا إلى البحرين، ثم تخلصوا إلى عمان [م 237].

و كل هذا لم يدره مالك. فلما وصلوا إلى أصحابهم، أخذوا يتأهبون للحرب، حتى انقضى أجل العهد. فجعل مالك يستطلع أخبارهم، و بلغه وصول المدد إليهم، فكتب إليهم:" إني قد وفيت بما كان بيني و بينكم من العهد و تأكيد الأجل- و أنتم بعد حلول بعمان- و بلغني أنه قد أتاكم من قبل الملك مدد عظيم، و أنكم تستعدون لحربي و قتالي. فإما أن تخرجوا من عمان طوعا، و إلا رجعت عليكم بخيلي و رجلي، و وطئت‏ (6) ساحتكم، و قتلت مقاتلتكم، و سبيت ذراريكم، و غنمت الأموال".

فلما وصل رسوله إليهم أهالهم أمره، و عظموا رسالته إليهم، مع قلة (7) عسكره، و كثرتهم و ما هم فيه من القوة و المنعة. و زادهم‏ (8) غيظا و حنقا، و ردوا عليه أقبح رد (9). فعند ذلك زحف عليهم مالك في خيله و رجله، و سار حتى وطأ أرضهم.

____________

(1) في الأصل (بعمان).

(2) في الأصل (قايده).

(3) في الأصل (بقايد).

(4 و 5) في الأصل (مرازنته).

(6) في الأصل (و وطيت).

(7) في الأصل (مع فعلة).

(8) في الأصل (و ناداهم).

(9) في الأصل (مرد).

23

و استعدت الفرس لقتاله و معهم الفيلة، فلما قربوا من عسكره عبّأ أصحابه راية راية، و كتيبة كتيبة، و جعل على الميمنة ابنه هناءة، و على الميسرة ولده فراهيد (1). [م 238] و أقام هو و بقية أولاده في القلب.

و التقوا هم و الفرس، و اقتتلوا قتالا شديدا. و دارت رحى الحرب بينهم مليّا من النهار، ثم انكشف العجم، و كان معهم فيل عظيم، فتركوه، فدنا منه هناءة فضربه على خرطومه، فولّى و له صياح، و تبعه معن بن مالك، فعرقبه فسقط.

ثم إن العجم ثابوا (2) و تراجعوا، و حملوا على الأزد حملة رجل واحد، فجالت الأزد جولة، و نادى مالك:" يا معشر الأزد! اقصدوا إلى لوائهم فاكشفوا اللواء". و اختلط الضرب، و التحم القتال، و ارتفع الغبار، و ثار العجاج حتى حجب الشمس، فلم يسمع الإ صليل الحديد و وقع السيوف، و تراموا بالسهام فانفصدت‏ (3)، و تجالدوا بالسيوف فتكسرت، و تطاعنوا بالرماح فانحطمت، و صبروا صبرا جميلا، و كثر الجراح و القتل في الفريقين.

ثم لم يكن للفرس‏ (4) ثبات، و ولوا منهزمين على وجوههم، فاتبعتهم فرسان الأزد، يقتلون و يأسرون من لحقوا منهم، فقتلوا منهم خلقا كثيرا.

و جعلوا يطلبونهم [م 239] حيثما لقوهم و أدركوهم، و لم يغب عنهم إلا من ستره الليل و تحمل بقية الفرس في السفن؛ و ركبوا البحر إلى فارس.

____________

(1) في الأصل (هناة ... و فراهيدا).

(2) في الأصل (تابوا).

(3) أي تفصدت.

(4) في الأصل (ثم لم يكن فرس ثبات).

24

و ملك [مالك بن فهم‏] (1) عمان و ما يليها من الأطراف. و ساسها سياسة حسنة، و سار فيها سيرة جميلة، و له و لأولاده في مسيرهم إلى عمان و حربهم الفرس أشعار كثيرة، و شواهد تركتها.

*** ثم جاءت إلى عمان قبائل كثيرة من الأزد. فأول من لحق بمالك من الأزد عمران بن عمر، و عامر بن ماء السماء، و ولداه‏ (2) الحجر (3) و الأسود و تفرعت من الحجر (4) و الأسود بعمان قبائل كثيرة.

ثم خرج ربيعة بن الحارث بن عبد اللّه بن عامر الغطريفى و إخوته، و خرج ملارس بن عمرو بن عدي بن حارثة، و دخل في هداد، ثم خرج عمران‏ (5) بن عمرو بن الأزد. ثم خرجت اليحمد [م 240] بن حمى. ثم خرجت الحدان و أخوها زياد- و هو الندب الأصغر (6)-، ثم معولة و هم بنو شمس، ثم خرجت الندب الأكبر؛ و خرجت الصيق‏ (7).

و خرج أناس من بني يشكر (8). و خرج أناس [من‏] بني عامر (9) و خرجت أناس من خوالة.

____________

(1) ما بين حاصرتين إضافة لتوضيح المعنى‏

(2) في الأصل (و ولده).

(3 و 4) في الأصل (يحجر). و الحجر بطن من بني مزيقياء من الأزد من القحطانية.

و هم بنو الحجر بن عمران بن عمرو مزيقياء (القلقشندي: نهاية الأرب).

(5) في الأصل (عرمان) و هو تحريف في النسخ.

(6) الندب بن الهون، بطن من الأزد من القحطانية.

(7) الصيق بطن من الأزد من القحطانية، و هم بنو الصيق بن عمرو بن الأزد (القلقشندي: نهاية الأرب).

(8) يشكر بن ميسر: بطن من الأزد من القحطانية، و هم بنو يشكر بن مبشر بن صعب (كحالة: معجم قبائل العرب).

(9) في الأصل (عامد). و عامر بطن من سد بن عمرو بن خزاعة بن ربيعة بن حارثة بن ربيعة بن حارثة بن عمرو مزيقياء، من غسان من الأزد من القحطانية (النويري: نهاية الأرب ج 2 ص 318).

25

و خرجت هذه القبائل كلها على راياتها، لا يمرون على أحد إلا أكلوه و حتى وصلوا عمان فملؤوها، و أقاموا في بلد ريّف و خير و إتساع و سمّت الأزد عمان [عمانا] (1)، لأن منازلهم على واد بمأرب يقال له عمان و العجم تسميها مزونا (2)، شعر:

إن كسرى سمى عمان مزونا-- و مزون يا صاح خير بلاد

بلدة ذات مزرع و نخيل* * * و مراع و مشرب غير صادى‏

فلم تزل الأزد تنتقل إلى عمان، حتى كثروا بها، و قويت يدهم، و اشتدت شوكتهم، و ملؤوها حتى انتشروا إلى البحرين و هجر.

ثم نزل عمان [من غير الأزد] (3) سامة بن لؤي بن غالب، نزل بتوما (4)- و هي الجو- في جوار الأزد. و كان فيها أناس من بني سعد [م 241]، و أناس من بني عبد القيس، و زوج ابنته بأسد بن عمران بن عمرو [بن عامر] (5).

و نزل بعمان ناس من بني تميم، [منهم‏] (6) آل جذيمة بن حازم، و نزل ناس من بني النبيت‏ (7).

____________

(1) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى‏

(2) في الأصل (مزون)

(3) ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمي (ج 1 ص 32)

(4) توام (تحفة الأعيان للسالمي ج 1 ص 32).

(5) في الأصل (و زوج ابنته باسد بن عمر بن عمرو) و الصيغة المثبتة من تحفة الأعيان للسالمي ج 1 ص 32

(6) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى‏

(7) في الأصل (من بنى النبت) و المقصود هنا النبيت بن مالك، بطن من الأوس من الأزد من القحطانية (القلقشندي): نهاية الأرب، ابن منظور: لسان العرب).

26

[منازلهم قرية يقال لها ضنك من أعمال السر. و نزلها بنو قطن‏]، (1) و منازلهم عبري و السليف و تنعم [من أرض‏] السر (2). و نزلها ناس من بني الحارث [بن كعب و منازلهم بضنك، و نزلها قوم من‏] (3) قضاعة- نحو مائة رجل- و هم بضنك أيضا، و نزلها أناس من بني رواحة بن قطيعة بن عبس، منهم [أبو الهشم العبيسي الرواحي‏] (4).

*** و استقوى ملك مالك بن فهم بعمان، و كثر ماله، و هابته جميع القبائل من يمن و نزار. و كانت له جرأة و إقدام لم يكن لغيره من الملوك، و كان ينزل إلى شاطى‏ء قلهات، و ينتقل إلى غيرها.

و [كان‏] (5) ينزل بناحية أخرى‏ (6) [من نواحي عمان‏] ملك من الأزد، يقال له مالك بن زهير، و كان عظيم الشأن، كاد أن يكون مثل مالك في العز و القدر، فخشي مالك أن يقع بينهما تحاسد، و أن يقع بينهما حرب، فخطب منه ابنته، فزوجه [إياها] (7)، على أن تكون لأولادها منه التقدمة و الكبر على سائر (8) الأولاد من غيرها، فأجابه مالك بن فهم إلى ذلك، و تزوجها، فولدت له [م 242] سليمة بن مالك.

و ملك مالك عمان سبعين سنة. و لم ينازعه في ملكه أحد، عربي و لا عجمي. و كان عمره مائة سنة و عشرين سنة. و قيل هو الذى ذكره‏

____________

(1) ما بين حاصرتين تكملة من تحفة الأعيان للسالمي.

(2 و 3 و 4) ما بين الحواصر تكملة من تحفة الأعيان للسالمي (ج 1 ص 32).

(5) ما بين حاصرتين إضافة

(6) في الأصل (بناحية حيته) و الصيغة المثبتة من تحفة الأعيان للسالمي ج 1 ص 33

(7) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى.

(8) في الأصل (ساير).

27

اللّه تعالى" يأخذ كل سفينة غصبا" (1).

و قيل [هو] مسدلة بن الجلندى بن كركر من ولد مالك بن فهم، و هو جد الصفاق. و قيل‏ (2) هو الجلندى‏ (3) ابن المستكبر. و قيل إنه ابن المستنير بن مسعود بن الحرار بن عبد العزى بن معولة بن شمس بن غانم بن عثمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن عبد اللّه ابن مالك بن نصر ابن الأزد.

و الأشهر أنه هذا، لأنه روى عن وهب بن منبه أنه قال: كثير من أهل العلم يقولون ذلك. موسى- الذي هو في زمانه رميثا نبى اللّه- كان من بعد موسى بن عمران- (عليه السلام)- بدهر. فمن أجل ذلك قلنا إن الملك المذكور هو الجلندى المذكور، و اللّه أعلم. و أما الجلندى الذي هو أب عبد (4) و جيفر [فكان‏] (5) قبل الإسلام بقليل، و قيل، أدرك الإسلام و ولداه. و قصة [م 243] السفينة في زمن موسى (عليه السلام)، و بين موسى و نبينا محمد- (صلّى اللّه عليه و سلم)- سنون [كثيرة] (6) معلومة في كتب التواريخ‏ (7).

____________

(1) سورة الكهف، آية 79.

(2) في الأصل (و قول)

(3) يبدو على ما يظهر من روايات الإخباريين أن كلمة (الجلندى) ليست اسما لشخص، و إنما هي لقب- قد يعنى حاكما أو ملكا أو قيلا أو كاهنا- في لهجات أهل عمان- أنظر: (جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ص 201). [و الصواب أنه اسم مشهور عند أهل عمان‏].

(4) في المتن (عيد)

(5) في الأصل تكرار في العبارة؛ و ما بين حاصرتين إضافة.

(6) ما بين حاصرتين إضافة للتوضيح‏

(7) في الأصل (في كتاب التواريخ).

28

و قيل إن مالك بن فهم قتله ولده سليمة خطأ. و سبب ذلك: قيل إن مالكا جعل على أولاده الحرس بالنوبة كل ليلة على رجل منهم، و معه الجماعة من خواصه و أمنائه، و كان سليمة أحب إخوته إلى أبيه، و أحظاهم لديه، و أكرمهم عليه، و أرفعهم منزلة عنده، و كان يعلمه الرمي حتى أحذق، و صار حاذقا ماهرا، فحسده إخوته لمكانه من أبيه، و كانوا يطلبون له عثرة مع أبيه، فلم يجدوا له عثرة، فأقبل ذات يوم نفر منهم إلى أبيهم، فقالوا" يا أبانا! إنك جعلت على كل رجل واحد منا نوبة من الحرس، و كل منا قائم بنوبته، ماخلا أخانا سليمة فإنه إذا كانت نوبته انفرد عن أصحابه، و تشاغل بالنوم عن الحرس. فلا تكن لك منه كفاية و لا معين".

و جعلوا يوهنون أمره، و ينسبونه إلى العجز و التقصير، فقال لهم أبوهم" إن كلا منكم قائم بما عليه؛ و ليس بأحد منكم [م 244] تقصير. و قد فهمت قولكم في ولدي سليمة، فإن لم تزل الإخوة يحسد بعضهم بعضا لإيثار الآباء بعضهم على بعض، و إن ظني به لكعلمي به". ثم انصرفوا عنه، و لم يبلغوا ما أمّلوه.

ثم [إن‏] (1) مالكا داخله [الشك‏] (2) فيما تكلموا به من أمر سليمة، فأراد أن يختبر دعواهم، فلما كانت نوبة سليمة في الحرس- و قد خرج سليمة في فرسان قومه- و كان من عادته إذ خرج للحرس انفرد عن أصحابه، و كمن قريبا من دار أبيه، فلما كانت تلك الليلة خرج مع أصحابه، و انفرد عنهم كعادته، و كمن في مكانه.

و كان مالك قد خرج في تلك الليلة متنكرا مستخفيا، لينظر هل يصح قول أولاده في سليمة، و كان سليمة قد أخذته تلك الساعة سنة- و هو على‏

____________

(1 و 2) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى.

29

ظهر فرسه- فلما رأى الفرس شخص مالك من بعيد صهل، فانتبه سليمة من سنته‏ (1) مذعورا، و رأى الفرس ناصبا أذنيه مقابلا لما يراه. و كان معودا للفرس إذا رأى شيئا نصب أذنيه مقابلا لما يراه، فيرمي الفارس السهم بين أذني الفرس، فلا يخطأ ما يراه الفرس، ففوق سليمة سهمه، و يمنه نحو أبيه مالك، و هو لا يعلم أن [م 245] ذلك الشخص أبوه. فسمع مالك صوت السهم و قد خرج من كبد القوس، فهتف به:" يا بنى! لا ترم! أنا أبوك!!". فقال" يا أبت! ملك السهم قصده!" فأصاب مالكا في لبة قلبه.

فقال مالك حين أصابه السهم قصيدة طويلة، انتخبت منها هذه الأبيات:-

جزاه اللّه من ولد جزاء-- سليمة أنه ساء ما جزاني‏

أعلمه الرماية كل يوم* * * فلما اشتد ساعده رماني‏

توخاني بقدح شك لبي* * * دقيق قد برته الراحتان‏

فأهوى سهمه كالبرق حتى* * * أصاب به الفؤاد و ما عداني‏

ألا شلت يمينك حين ترمي* * * و طارت منك حاملة البنان‏

[فلما مات مالك أنشأ ولده هناءة يقول شعرا]

لو كان يبقى على الأيام ذو شرف* * * لمجده لم يمت فهم و لا ولدا

حلت على مالك الأملاك جائحة-- هدّت بناء العلا و المجد فانقصدا

أبا جذيمة لا تبعد و لا غلبت* * * به المنايا و قد أودى و قد بعد

لو كان يفدى لبيت العز ذو كرم* * * فداك من حل سهل الأرض و الجلدا

يا راعي الملك أضحى الملك بعدك لا-- ندر الرعاة أجار الملك أم قصدا

____________

(1) في الأصل (و سنته).

30

و لما قتل سليمة أباه تخوف من إخوته و اعتزلهم؛ و أجمع على [م 246] الخروج من بينهم. فسار إليه أخوه هناءة في جماعة من وجوه قومه، و اجتمعوا إليه، و كرهوا إليه الخروج. و كان أكثر تخوفه من أخيه معن فقال لهم:" إني لا أستطيع المقام معكم و قد قتلت أباكم. و كان ذلك من حسد إخوتي لي و قد بلغني عن معن ما أكره. إني لأخشى أن يتوقع عليّ في بعض سفاه قومه".

فناشدوه‏ (1) اللّه و الرحم أن يقعد معهم، و ضمن له هناءة بتسليم الدية إلى إخوته من ماله، و أعفوه عن القود، فقبل ذلك سليمة، و أقام معهم.

و سلم هناءة الدية من ماله إلى إخوته؛ فقبلها الإخوة و عفوا، إلا معن، فإنه قبلها و لم يعف، و طمع هناءة أن يصلح ذات بينهم، و كان حسن‏ (2) السيرة في إخوته و قومه.

ثم إن معنا خلاله زمن لا يتعرض لسليمة بسوء، حتى أكل الدية، ثم جعل غفلة سليمة، و يغرى به سفهاء قومه من حيث لا يعلم به أحد. فبلغ ذلك سليمة، فأقسم [أنه‏] (3) لا يقيم بأرض عمان، و أجمع رأيه على ركوب البحر، فخرج هاربا في نفر من قومه؛ فقطع البحر حتى نزل بر فارس. و أقام [م 247] بجاسك‏ (4)؛ و تزوج بامرأة منهم- من قوم يقال لهم الاسفاهية- فولدت له [غلاما، فأولاده منها] (5) يسمون بني الأسفاهية. فبينما سليمة ذات يوم قاعدا يذكر أرض عمان، و انفراده عن إخوته، و ما كان فيه من العز و السلطان، قال شعرا:

____________

(1) في الأصل (فانشدوه)

(2) في الأصل (أحسن).

(3) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى.

(4) جاسك جزيرة كبيرة بين جزيرة قيس- المعروفة بكيش- و عمان، قبال هرمز (ياقوت: معجم البلدان)

(5) في الأصل (فولدت منها) و ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى.

31

كفى حزنا أني مقيم ببلدة-- أخلائي عنها نازحون بعيد

أقلب طرفي في البلاد فلا أرى* * * وجوه أخلائي الذين أريد

ثم إنه رحل و نزل أرض كرمان، و أقام عند بعض ملوكها و عرّفه بحسبه و نسبه، و كيف حسده إخوته، و كيف قتل أباه، و كيف كان خروجه عن إخوته، فلما عرفوا مكانه و شرفه، كتموا أمره، مخافة أن يعرض له بسوء، لأجل ما كان من أبيه و أخيه جذيمة الأبرش في ملوك فارس.

و أكرموا مثواه، و أعجبهم ما رأوا من فصاحته و جماله و كماله، و كمال أمره، فرفعوا قدره، و أرادوا أن يزوجوه بكريمة من كرائم نسائهم‏ (1).

و كان ذلك الزمان ملكهم ولد دارا بن دارا. و كان كثير العسف و الظلم؛ جبارا غشوما على رعيته و أهل مملكته؛ و قد أضرهم. [م 248] و كان إذا تزوجت امرأة من نسائهم، و لم تزف إليه قبل زوجها، قتلها و قتل أهلها و بعلها. و لا يقدر أحد أن يبني بامرأة إلا بعد أن يفتضها (2) الملك و يجامعها، كانت بكرا أو ثيبا، فأخبروا سليمة صنع الملك فيهم، و شكوا إليه جوره، و أنهم لا يقدرون عليه لكثرة حماته و حرّاسه، فقال سليمة:" ماذا لي عليكم إذا كفيتكموه و أرحتكم منه؟". فقالوا" أنّى لك ذلك، و لم يقدر عليه من كان قبلنا من أهل العز و السلطان؟". فقال:

" تدبير (3) الأمر عليّ. فماذا لي عليكم؟. فقالوا:" ما شئت". قال:" إذا كان الغد (4)، فليحضر عندي أهل الوفاء و العهد منكم و التقديم".

فلما كان الغد (5) اجتمع إليه عظماء كرمان و أشرافها أهل الوفاء.

____________

(1) في الأصل (كرايم)

(2) يقال افتض فلان جارية و افتضها إذا افترعها، و افترع البكر دخل عليها (لسان العرب)

(3) في الأصل (تبدير)

(4) في الأصل (الغدا)

(5) في الأصل (الغدا)

32

فجرى الكلام بينهم، فقال سليمة" إن أمكنتموني‏ (1) مما أشرط عليكم دبرت الأمر". فقالوا كلهم:" لك ما طلبت". فقال" أريد أن تصيروا ملكه و سلطانه لي و لعقبي من بعدي‏ (2)، على أن آخذ جميع غلات كرمان و خراجها إلى أن أتمكن. و أنتجب من العرب من أردت، و أجعلهم معي، و على أن تزوجوني من نسائكم". فأعطوه ذلك، [م 249] و ضربوا على يده، و قالوا:" لك الوفاء بجميع ما طلبت و شرطت". و بايعوه على قتل الملك، و أعطوه العهود و المواثيق على الوفاء، و كتموا أمرهم.

و كان فيهم من بيت الملك، و هم قوامه و نظام ملكه، و لكن كثر عليهم ظلمه و كرهوه و أرادوا قتله راحة لهم، انظروا أيها السامعون في عاقبة الظلم و الجور!! أدى‏ (3) إلى أن يقتله قرباه!! و لو عدل لأحبه البعداء و الأدنون، و نمنوا له طول العمر. و النظر على الأباعد للباعد!!.

فلما فرغوا من البيعة زوجوه بامرأة (4) من كرائم نسائهم، و كل هذا لم يعلم الملك منه بشي‏ء فلما فرغوا من أمر التزويج، عاهدهم سليمة على ليلة معلومة ليزفوه إلى الملك [في هيئة المرأة] (5). و قال:" اشهروا أمر التزويج ليتهيأ له الملك، و ليتأهب إلى مباشرة العرس".

____________

(1) في الأصل (اكتمتمونى)

(2) في الأصل (من بعد)

(3) في الأصل (أدا)

(4) في الأصل (بامرءة)

(5) ما بين حاصرتين إضافة لتوضيح لمعنى‏

33

فلما كانت‏ (1) تلك الليلة أشهروا الزفة، و عمدوا إلى سليمة، فألبسوه الحلل الفاخرة، و الحلى السني، و ضمخوه بالطيب، و كان شابا حسنا جميلا.

و كان [سليمة] (2) قد شحذ سكينا و جعلها في سراويله. و زفوه في الخدم و الحشم، حتى انتهوا به إلى الحصن. ففتحت [م 250] لهم الأبواب، و دخلوا به، و نظر إليه الملك في ضوء المشاميع، و هو في تلك الهيئة الحسنة الجميلة، [ف] أهاله‏ (3) منظره، و سلب لبه و عقله، [و توهم أنه المرأة] (4). فأومأ إلى النساء و الخدم لينصرفوا، فانصرفوا.

فأغلق الأبواب، و أرخى الستور، و بقي هو و سليمة في غرفة واحدة.

و أهوى إليه يقبله و يضمه إلى صدره، فاسترخى سليمة، و جعل يلاعبه و يداعبه- كما تفعل الجارية- حتى تمكن منه؛ فأخرج السكين، و ضربه بها في خاصرته، و قتله.

و لبس سليمة درع الملك، و تقلد السيف، و جعل على رأسه البيضة، و بات متأهبا، و لم يعلم أحد بما صنع بالملك، و بات الذين بايعوه في خوف عظيم، لا يدرون ما يكون من أمر سليمة و الملك.

فلما طلع الفجر، و ثب سليمة إلى الأبواب ففتحها، و خرج على الحراس و خاصة الملك و حجابه، فوقع فيهم السيف حتى أباد عامتهم، و باب العامة مغلوق لم يفتحه.

و وقع الضجيج في الحصن، و علت الأصوات، فأقبل أهل البيعة و غيرهم من أهل البلد بالسلاح التام [م 251]، فأشرف عليهم سليمة من أعلى الحصن،

____________

(1) في الأصل (كان)

(2) ما بين حاصرتين إضافة للتوضيح.

(3) هالني الأمر يهولني هولا أي أفزعني، هلته فاهتال أفزعته ففزع (القاموس المحيط) و ما بين حاصرتين إضافة

(4) ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمى (ج 1 ص 44).

34

و عليه الدرع و البيضة، و بيده سيف الملك يقطر دما. و رمى‏ (1) إليهم برأس الملك و جثته.

فلما نظروا إليه هالهم ما رأوا من أمر سليمة و جرأته، و سرّ بذلك كثير من أهل البلد، و خاف من لم يسره ذلك، و لم يقدر يظهر حربا و لا كلاما، و استقام الأمر لسليمة بأرض كرمان، و سلّمت له جميع رعاياها طوعا و كرها و رغبة و رهبة.

ثم جعلوا في رجل المك حبلا، و أمروا الصبيان يسحبونه، و يطوفون به شوارع البلد و سككها.

و لما استقر الأمر لسليمة أهدوا إليه عروسه، فابتنى‏ (2) بها، و تمهد له الأمر، و استولى على كورة كرمان و ثغورها و نواحيها، و أطاعوه و مكنوه في أنفسهم و أموالهم، و أعانوه في جميع أموره.

فلم يزل كذلك حتى حسدوه و بغوا عليه، و قالوا:" إلى متى يملكنا هذا العربي، و نحن أهل القوة و المنعة؟" و جعلوا يتعرضون له في أطراف ملكه.

فكتب سليمة إلى أخيه هناءة بن مالك- بعمان- يستنصره، و يطلب منه المعونة و المدد [م 252]، من فرسان الأزد و رجالهم، يشد بهم عضده، و يقيم بهم أود ما اعوج عليه من أهل مملكته، فأمده بثلاثة آلاف من فرسان الأزد و شجعانهم، و حملهم في المراكب حتى أوصلهم إلى أرض كرمان، فتحصلوا (3) عند سليمة، فاشتد بهم عضده، و أقام بهم من تعاوج عليه من المعجم.

____________

(1) في الأصل (و رماهم إليهم)

(2) الابتناء و البناء الدخول بالزوجة، و الأصح بنى فلان على أهله بناء، و لا يقال بأهله، هذا قول أهل اللغة (ابن منظور: لسان العرب)!

(3) في الأصل (فتخلصوا).

35

و تم أمره مستقيما بأرض كرمان. و اشتد ملكه و قوي سلطانه.

و ولده عشرة أولاد- كلهم ذكور- و هم عبد و حماية و سعد و رواحة و مجاش و كلاب و أسد و زاهر و أسود و عثمان.

و توفي سليمة بأرض كرمان، و اختلف رأي أولاده من بعده.

و دخل الناس بينهم، فكان زوال ملكهم، و رجوع الملك إلى العجم.

فغلبت الفرس عليهم، و استولوا على ملك أبيهم، و اضمحل أمرهم، فتفرقوا بأرض كرمان، و فرقة منهم توجهت إلى عمان، و جمهور بني سليمة بأرض كرمان لهم بأس و شدة و عدد كثير و بعمان الأقل منهم.

ثم لم تكن للفرسى رجعة إلى عمان، بعد أن جلاهم مالك عنها، إلى أن انقضى ملكه و ملك أولاده [م 253] من بعده، و صار ملكها إلى الجلندى بن المستكبر (1) المعولي.

و صار ملك فارس إلى بني ساسان، و هم رهط الأكاسرة و كان الصلح بينهم و بين [آل‏] (2) الجلندى بعمان، و كانوا يجعلون لهم أربعة آلاف من الأساورة و المرازبة (3)، مع عامل لهم بها من ملوك الأزد. و كانت الفرس في السواحل و شطوط البحر، و الأزد ملوكا بالبادية و الجبال و أطراف عمان، و كل الأمور منوطة بهم. و كان كل من غضب عليه كسرى أو خافه على نفسه و ملكه أرسله إلى عمان، يحبسه بها. و لم يزالوا كذلك إلى أن أظهر اللّه الإسلام بعمان، و اللّه أعلم.

____________

(1) في الأصل (المستتر). و الصيغة المثبتة من تحفة الأعيان للسالمي (ج 1 ص 47).

(2) ما بين حاصرتين إضافة للتوضيح.

(3) في الأصل (المرازنة).

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

إسلام أهل عمان‏

قيل إن مازن بن غضوبة (1) بن سبيعة بن شماسة بن حيان بن مرّ بن حيان بن أبي بشر (2) بن خطامة بن سعد بن نبهان بن عمرو بن الغوث بن طي‏ء- و كان يسكن قرية سمائل-، و قيل إنه جد أولاد سعد بني‏ (3) علي، كان‏ (4) يعبد صنما يقال له ناجر. فذبح يوما شاة و قربها إليه، فسمع صوتا من الصنم يقول" يا مازن! اسمع تسر!! ظهر خير و بطن شر! [م 254] بعث نبي من مضر يدين بدين اللّه الأكبر! فدع عبادة نحت حجر، تسلم من حرّ سقر!". ففزع من ذلك و قال:" إن هذا لعجب". ثم ذبح قربانا آخر، و قربه إليه، فسمع من الصنم صوتا يقول:" يا مازن! أقبل تسمع ما لا يجهل‏ (5)! هذا نبي مرسل! جاء بحق منزل! فآمن به تعدل عن حر نار تشعل. وقودها الناس و الجندل". فقال:" إن هذا لهو العجب، و إنه لخير (6) يراد بي".

فبينما هو كذلك إذ ورد عليه رجل من أهل الحجاز يريد دما. فسأله" ما الخبر وراءك؟" قال:" إنه ظهر رجل يقال له محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، يقول من جاءه: أجيبوا داعي اللّه،

____________

(1) في الأصل (غضويه)

(2) في الأصل (بن مر بن حيان بن مر بن أبي بشر)

(3) في الأصل (أولاد سعد أمنوا عن) و على عشائر عديدة من القحطانية بعضها من خزاعة من الأزد، و بعضها من مذحج ... و غير ذلك‏

(4) في الأصل (و كان)

(5) في الأصل (تجهل)

(6) في الأصل (لخبر).

38

فلست بمتكبر (1)، و لا جبار (2)، و لا مختال‏ (3) أدعوكم إلى اللّه، و ترك عبادة الأوثان، و أبشركم بجنة عرضها السموات و الأرض، و أستنقذكم من نار لا يطفى لهيبها، و لا ينعم من سكنها".

قال مازن" هذا و اللّه نبأ ما سمعته من الصنم". فشكره، [و كسر الصنم‏] (4) جذاذا، و ركب راحلته، و مضى قاصدا نحو رسول اللّه، (صلّى اللّه عليه و سلم).

فلما قدم [م 255] عليه سأله عما بعث إليه، فشرح له الإسلام، فأسلم و نوّر اللّه قلبه، ثم قال للنبي- (صلّى اللّه عليه و سلم)- ادع اللّه لأهل عمان فقال:" اللهم اهدهم و ثبتهم". فقال:" زدني يا رسول اللّه". فقال:

" اللهم ارزقهم العفاف و الكفاف، و الرضى بما قدرت لهم". قال مازن:

" يا رسول اللّه! البحر ينضح بجانبنا، فادع‏ (5) اللّه في ميرتنا و خفّنا (6) و ظلفنا (7)،. فقال: اللهم وسّع عليهم في ميرتهم، و أكثر خيرهم من بحرهم". فقال" زدني". فقال" اللهم لا تسلط عليهم عدوا من غيرهم" و قال لمازن" قل آمين، فإنه يستجاب عندها الدعاء" فقال مازن" آمين". ثم قال: يا رسول اللّه! إني مولع بالطرب و شرب الخمر! لجوج‏ (8) بالنساء! [و قد نفد أكثر مالي في هذا] (9)

____________

(1) في الأصل (بمستكبر).

(2) في الأصل (و لا جبارا).

(3) في الأصل (و لا مختالا).

(4) ما بين حاصرتين ساقط من الأصل.

(5) في الأصل (و ادعوا).

(6) الخف: الجمل؛ و هو في اللغة الجمل المسن، و قيل الضخم، جمعه أخفاف (لسان العرب)

(7) الظلف: ظفر كل ما اجتر، و هو ظلف البقرة و الشاة و الظبي و ما أشبهها، و الجمع أظلاف. و قد يطلق الظلف على ذات الظلف أنفسها مجازا (لسان العرب)

(8) لج في الأمر لجالجا لازمه، و أبى أن ينصرف عنه، فهو لجوج‏

(9) ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمي (ج 1 ص 55)

39

و ليس لي ولد. فادع اللّه يذهب عني ما أجد، و يرزقني ولدا تقربه عيني، و يأتنا بالحياء". فقال- (عليه السلام)-" اللهم أبدله بالطرب قراءة القرآن؛ و بالحرام حلالا؛ و بالعهر عفة الفرج، و بالخمر أربا (1) لا إثم فيه، و آتهم بالحياء، وهب له ولدا تقربه عينه" [م 256]

قال مازن: فأذهب اللّه عني ما كنت أجد من الطرب حججت حججا (2)، و حفظت شطرا (3) من القرآن، و تزوجت أربع عقائل من العرب، و رزقت ولدا و سميته حيان بن مازن" شعرا:

إليك رسول اللّه حنّت مطيتى* * * تجوز الفيافي من عمان إلى العرج‏ (4)

لتشفع لي يا خير من وطى‏ء الثرى* * * فيغفر لي ذنبي فأرجع بالفلج‏ (5)

و كنت امرءا بالرعف‏ (6) و الخمر مولعا-- شبابي إلى أن‏ (7) أذن العمر بالنهج‏

إلى معشر خالفت في اللّه دينهم* * * فلا رأيهم رأيي و لا شرجهم شرجي‏ (8)

____________

(1) الأرب: العقل و الدين، أرب يأرب أي أحسن الأدب (لسان العرب).

(2) في الأصل (حجا).

(3) في الأصل (سطرا).

(4) في الأصل (الفرج). و العرج موضع قرب المدينة.

(5) الفلج، النصر.

(6) الرعف: السبق، و رعفه سبقه و تقدمه، و رعف الفرس أي سبق و تقدم و الراعف الفرس الذي يتقدم الغير.

(7) في الأصل (حتى أذن).

(8) الشرح: الضرب، يقال هما على شرج واحد، و يقال أصبحوا في هذا الأمر شرجين أي فرقتين (لسان العرب).

40

فبدلني بالخمر أمنا و خشية (1)-- و بالعهر إحصانا فأحصن لي فرجي‏

فأصبحت همي في الجهاد و نيتي* * * فلله ما صومي و للّه ما حجي‏

ثم إنه كتب- (صلّى اللّه عليه و سلم)- إلى أهل عمان يدعوهم إلى الإسلام‏ (2). و على أهل الريف منهم عبد (3) و جيفر ابنا الجلندى؛ و كان أبوهما الجلندى قد مات في ذلك العصر. و كان كتابه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-" من محمد رسول اللّه إلى أهل عمان، أما بعد فأقرّوا أن لا إله إلا اللّه، و أني محمد رسول اللّه، أقيموا الصلاة، و أدوا الزكاة، و اعمروا المساجد، و إلا غزوتكم" [م 257]

و كتب إلى عبد و جيفر:" بسم اللّه الرحمن الرحيم، من محمد رسول اللّه إلى جيفر و عبد ابني الجلندى. أما بعد، فإني أدعوكما (4) بدعاية الإسلام، أسلما تسلما، فإني رسول اللّه إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا، و يحق القول على الكافرين. فإن أسلمتما وليتكما، و إن أبيتما فإن ملككما زائل‏ (5)، و خيلي تطأ ساحتكما، و تظهر نبوتي‏ (6) على ملككما". و الكاتب لهذا أبي بن كعب، و يملي عليه النبي (صلّى اللّه عليه و سلم).

____________

(1) في الأصل (فيبدلنى بالخمر خوفا و خشية) و الصيغة المثبتة من تحفة الأعيان للسالمي (ج 1 ص 56).

(2) كان ذلك سنة سبع أو ثمان للهجرة (أنظر تاريخ الطبري، و الكامل لابن الأثير).

(3) في الأصل عيد. و في السيرة لابن هشام و تاريخ الطبري (عباد).

(4) في الأصل (أدعوكم).

(5) في الأصل (زايل).

(6) في الأصل (بقوتي).

41

و طوى الصحيفة، و ختمها بخاتمه، و بعث بها عمرو بن العاص، فقدم بها إلى عبد و جيفر و أول موضع نزل بعمان دستجرد (1)، و هي مدينة بصحار بنتها العجم، فترل بها وقت الظهر، و بعث إلى ابني الجلندى- و هما ببادية عمان- و أهل رأيها فأول من لقيه عبد- و هو أحكم الرجلين و أحسنهما خلقا- فأوصل عمرو إلى أخيه جيفر.

و دفع [عمرو] (2) إلى جيفر الكتاب مختوما، ففض ختامه و قرأه، ثم دفعه إلى عبد فقرأه ثم التفت [م 258] إلى عمرو فقال:" إن الذي يدعو إليه من جهة صاحبك أمر ليس بصغير، و أنا أعيد فكري فيه و أعلمك".

ثم استحضر الأزد، و بعث إلى كعب بن برشة العودي، فسألوه عن أمر النبى (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقال لهم إنه نبي، و قد عرفت صفته، و أنه سيظهر على العرب و العجم.

و أسلم كعب و عبد و جيفر، و بعثوا إلى وجوه الناس، فبايعوهما (3) للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و أدخلوهم في دينه. و ألزمهم تسليم الصدقة، و أمّروا عمرو يقبضها، فقبضها، منهم على الجهة التي أمرهم بها، عليه الصلاة و السلام.

ثم بعث جيفر إلى مهيرة، و الشحر و نواحيها، فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا، و بعث إلى دبا و ما يليها إلى آخر عمان؛ فما ورد رسوله على أحد إلا أسلم و أجاب دعوته، إلا الفرس الذين كانوا بعمان، فحين أبوا عن الإسلام، اجتمعت الأزد إلى جيفر و قالوا:" لا تجاورنا العجم بعد هذا اليوم". و أجمعوا على إخراج عامل الفرس مسكان، و من معه من الفرس.

[م 259]

____________

(1) في الأصل (دمستجرد).

(2) ما بين حاصرتين إضافة للتوضيح.

(3) يعنى عبدا و جيفر.

42

فدعا جيفر بالأساورة و المرازبة (1)، فقال لهم إنه قد بعث نبي في العرب، فاختاروا منا إحدى حالتين: إما أن تسلموا و تدخلوا فيما دخلت فيه، و إما أن تخرجوا عنا بأنفسكم. فأبوا أن يسلموا (2)؛ و قالوا:" لسنا نخرج".

فعند ذلك اجتمعت الأزد فقاتلوهم قتالا شديدا، و قتل مسكان و كثير من أصحابه و قواده، ثم تحصن بقيتهم في مدينة دستجرد (3) فحاصروهم أشد الحصار. فلما طال عليهم الحصار طلبوا الصلح، فصالحوهم على أن يتركوا كل صفراء و بيضاء (4)، و حلقة و كراع. فأجابوا إلى ذلك فخرجوا من عمان، و بقيت أموالهم- و هي هذه الصوافي‏ (5)

و مكث معهم عمرو، و هم له طائعون‏ (6)، و لقوله سامعون، إلى أن بلغته وفاة النبي- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فأراد الرجوع إلى المدينة، فصحبه عبد بن الجلندى، و جيفر بن جشم‏ (7) العتكى، و أبو صفرة سارف‏ (8) بن ظالم، في جماعة من الأزد.

فقدموا مع‏ (9) عمرو بن العاص إلى أبي بكر، رضى اللّه عنه، فلما دخلوا عليه، قام سارف [م 260] بن ظالم، و قال،" يا خليفة

____________

(1) في الأصل (المرازنة).

(2) في المتن (تسلموا).

(3) في الأصل (دمستجرد).

(4) في الأصل (صفرا و بيضا) أي ذهب و فضة، تعبيرا عن الأموال بوجه عام.

(5) قارن هذا بما ذكره ابن الأثير في الكامل: (و فيها- سنة ثمان- بعث الرسول ((صلّى اللّه عليه و سلم)) عمرو بن العاص إلى جيفر و عياذ (عبد) ابني الجلندى من الأزد بعمان مصدقا، فأخذ الصدقة من أغنيائهم، وردها على فقرائهم، و أخذ الجزية من المجوس- الفرس- و هم كانوا أهل البلد، و كان العرب حولها ...).

(6) في الأصل (طايعون).

(7) في كتاب تحفة الأعيان للسالمي- ج 1 ص 62- (جعفر بن خشم).

(8) في الأصل (سارق) و الصيغة المثبتة من تحفة الأعيان للسالمي.

(9) في الأصل (إلى).

43

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)! و يا معشر قريش! هذه أمانة كانت في أيدينا و في ذمتنا، و وديعة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم). فقد برئنا (1) إليكم منها"، فقال أبو بكر:" جزاكم اللّه خيرا" (2).

و قام الخطباء بالثناء عليهم و المدح، فقالوا:" كفاكم معاشر الأزد قول رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و ثناؤه‏ (3) عليكم". و قام عمرو بن العاص، فلم يدع شيئا من المدح و الثناء (4) إلا قاله في الأزد، و جاءت وجوه الأنصار من الأزد و غيرهم مسلّمين على عبد و من معه.

فلما كان من الغد، أمر أبو بكر فجمع الناس- من المهاجرين و الأنصار- و قام أبو بكر خطيبا، فحمد اللّه و أثنى‏ (5) عليه، و ذكر النبى فصلى عليه، فقال:" معاشر أهل عمان! إنكم أسلمتم طوعا، لم يطأ رسول اللّه ساحتكم بخف و لا حافر، و لا عصيتموه كما عصت غيركم من العرب. و لم ترموا بفرقة و لا تشتت شمل، فجمع اللّه على الخير شملكم، ثم بعث إليكم عمرو بن العاص [م 261] بلا جيش و لا سلاح. فأجبتموه إذ دعاكم، على بعد دراكم، و أطعتموه إذ أمركم- على كثرة عددكم و عدتكم- فأي فضل أبرّ من فضلكم؟ و أي فعل أشرف من فعلكم؟ كفاكم قوله (عليه السلام) شرفا إلى [يوم‏] (6) المعاد. ثم قام فيكم عمرو ما أقام مكرّما، و رحل عنكم إذ رحل مسلما. و قد من اللّه عليكم‏

____________

(1) في الأصل (بريئا).

(2) يلاحظ أن المؤلف أغفل الدخول في تفاصيل حركة الردة، و ما كان من أمر ذي التاج لقيط بن مالك الأزدي، و ذلك سنة إحدى عشرة للهجرة (تاريخ الطبري، تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 131، الكامل لابن الأثير، تاريخ ابن خلدون ج 2 ص 77- 78).

(3) في الأصل (و ثناه).

(4) في الأصل (الثنما).

(5) في الأصل (و أثنا).

(6) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى.

44

بإسلام عبد و جيفر ابني‏ (1) الجلندى و أعزكم اللّه به و أعزه بكم، و كنتم على خير حال و جميل، حتى أتتكم وفاة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فأظهرتم ما يضاعف فضلكم، و قمتم مقاما حمدناكم فيه، و محضتم بالنصيحة (2) و شاركتم بالنفس و المال، فيثبت اللّه به ألسنتكم و يهدي قلوبكم، و للناس جولة (3)، فكونوا عند حسن ظني بكم، و لست أخاف عليكم أن تغلبوا على بلادكم، و لا أن ترجعوا عن دينكم، جزاكم اللّه خيرا." ثم سكت.

و ذكر بعض المتحدثين أن عبدا لما قدم على أبي بكر- رضي اللّه عنه- استنهضه في مقاتلة الرجعة (4)، فأجابه إلى ذلك، فسربه سرية (5) و أمره [م 262] عليها، فخرج عبد على السرية حتى وافى‏ (6) ديار آل جفنة (7).

و لهذا خبر و حديث يطول شرحه، تركته.

و قد شهر مقام عبد، و عرف مكانه.

و كان في السرية حسان بن ثابت الأنصارى، فلما قدموا ديار آل جفنة، قام حسان و قال:" قد شهر مقام عبد في الجاهلية و الإسلام، فلم أر رجلا أحزم و لا أحسن رأيا و تدبيرا من عبد، و هو من نفسه للّه في يوم غارت صباحه‏ (8)، و أظلم صباحه".

____________

(1) في الأصل (ابنا الجلندى).

(2) في الأصل (و محضتم النصيحة).

(3) في الأصل (و الناس حوله). و الصيغة المثبتة من تحفة الأعيان للسالمي (ج 1 ص 63).

(4) أى المرتدين عن الإسلام.

(5) سرب يسرب سروبا: ذهب و خرج، أي أرسل سرية.

(6) في الأصل (وافا).

(7) هم بنو جفنة بن عمرو، من غسان من الأزد من القحطانية، منهم غساسنة الشام (كحالة: معجم قبائل العرب ج 1 ص 197).

(8) في الأصل (صباحته) و الصيغة المثبتة من تحفة الأعيان للسالمي (ج 1 ص 64).

45

فسر ذلك أبا بكر- رضي اللّه عنه- و قال:" هو يا أبا الواليد كما ذكرت، و القول يقصر عن وصفه، و الوصف يقصر عن فضله".

فبلغ ذلك عبدا، فبعث إليه بمال عظيم، و أرسل إليه: إن مالي يعجز عن مكافأتك، فاعذر فيما قصر! و اقبل ما تيسر.

ثم إن أبا بكر كتب كتابا إلى أهل عمان يشكرهم و يثني عليهم؛ و أقر جيفر و أخاه عبدا على ملكهما؛ و جعل لهما أخذ الصدقات من أهلها و حملها إليه، و انصرف عبد و من معه شاكرين.

و لعبد و جيفر من المآثر و المناقب ما يضيق بشرحه الكتاب، و قد أوردنا لمعة [م 263] من أخبارهم. و لم يزالا في عمان متقدمين إلى أن ماتا، و خلف من بعدهم عباد بن عبد بن الجلندى في زمن عثمان و علي‏ (1).

____________

(1) في الأصل (إلى أن مات و خلف من بعده عياد بن عيد بن الجلندى) و التصويب من كتاب تحفة الأعيان للسالمي (ج 1 ص 36).

46

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

47

عمان في العصر الأموى‏

فلما وقعت الفتنة، و افترقت الأمة، و صار الملك إلى معاوية، لم يكن لمعاوية في عمان سلطان، حتى صار [الملك‏] (1) لعبد الملك بن مروان، و استعمل الحجاج على أرض العراق، و كان ذلك في زمن سليمان و سعيد إبني عباد بن عبد بن الجلندى، و هما القيمان في عمان.

فكان الحجاج يغزوهما بجيوش عظيمة، و هما يفضان جموعه، و يبيدان عساكره في مواطن كثيرة، و كان كلما أخرج إليهما جيشا هزماه، و استوليا على سواده‏ (2)، إلى أن أخرج عليهما القاسم بن شعوة (3) المزني، في جمع كثير و خميس‏ (4) جرار، فخرج القاسم بجيشه، حتى انتهى [إلى‏] (5) عمان في سفن كثيرة، فأرسى‏ (6) سفنه في ساحل قرية من قرى عمان، يقال لها حطاط، فسار إليه سليمان بن عباد بالأزد، فاقتتلوا قتالا شديدا، فكانت الهزيمة على أصحاب الحجاج، و قتل القاسم و كثير من أصحابه [م 264] و قواده، و استولى على سوادهم.

____________

(1) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى.

(2) في الأصل (على سواره). و سواد الأمير ثقله، و السواد من العسكر ما يشتمل عليه من المضارب و الآلآت و الأدوات.

(3) في الأصل (ابن شعورة) و الصيغة المثبتة من كتاب تحفة الأعيان للسالمي (ج 1 ص 74).

(4) الخميس هو الجيش لأنه يتألف من خمسة أقسام: القلب و المقدمة و الميمنة و الميسرة و ساقة الجيش و هي مؤخرته.

(5) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى.

(6) في الأصل (فأرقى).

48

فبلغ ذلك الحجاج فأصابه هائل‏ (1). ثم استدعى بمجاعة بن شعوة (2)- أخي القاسم- و أمره أن يندب الناس و يستصرخهم، و ينادي في قبائل نزار حيث كانوا، و يستعينهم و يستنجدهم.

و أظهر الحجاج من نفسه غضبا و حمية و أنفة و كتب بذلك إلى عبد الملك بن مروان، و أبعد وجوه الأزد- الذين كانوا بالبصرة- عن النصرة لسليمان بن عباد بن عبد، فوجدت العساكر التي جمعها الحجاج و أخرجها إلى عمان كانت أربعين ألفا.

فانتهى القوم الذين خرجوا من البر، فسار إليهم سليمان بسائر (3) فرسان الأزد- و كانوا ثلاثة آلاف فارس- و أصحاب النجائب‏ (4) ثلاثة آلاف و خمس مائة و التقى بهم عند الماء الذي دون البلقعة بخمس مراحل- و قيل بثلاث مراحل- و هو الماء الذي بقرب بوشر (5)، الذي يقال له اليوم البلقعين، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم أصحاب الحجاج، فأمعن سليمان في طلبهم. و هو لا [م 265] يعلم بشي‏ء من عسكر البحر، حتى أنهى عسكر البحر باليوتانة (6) من جلفار، فلقيهم رجل، فأعلمهم بخروج سليمان بسائر (7) العسكر للقاء القوم الذين أقبلوا من جانب البر، و أن الباقين مع أخيه شر ذمة قليلة.

فواصل مجاعة [سير] (8) الليل بالنهار، حتى وصل بركا، فنزل‏

____________

(1) في الأصل (هايل).

(2) في الأصل (شعورة).

(3) في الأصل (بساير).

(4) في الأصل (النجايب).

(5) في الأصل (بومشر) و الصيغة المثبته من تحفة الاعيان (ج 1 ص 75).

(6) في الأصل (بالبونانة) و الصيغة المثبتة من كتاب تحفة الأعيان للسالمي (ج 1 ص 75).

(7) في الأصل (بساير).

(8) ما بين حاصرتين إضافة.

49

إليهم سعيد، فقاتلهم قتالا شديدا حتى حجز بينهم الليل، و تأمل سعيد عسكره، فإذا هم في عسكر مجاعة كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، و قد قتل منهم من قتل، فاعتزل من ليلته، و عمد إلى ذراري‏ (1) أخيه و ذراريه، فاعتزل بهم إلى الجبل الأكبر، و هو جبل بني ريام- و يقال له الجبل الأخضر، و يقال له رضوا (2) بضم الراء- و لحقه القوم.

فلم يزالوا محصورين حتى وافى‏ (3) سليمان، و كان مجاعة أرسى‏ (4) سفنه في بندر مسكد (5)، و كانت ثلاث مائة سفينة. فمضى إليها سليمان، فأحرق‏ (6) منها نيفا و خمسين سفينة، و انفلت الباقون في لجج‏ (7) البحر، و مضى يريد البحر [م 266]، فالتقى هو و سليمان بقرية سمائل، فوقعت بينهم صكّة عظيمة، فانهزم مجاعة، و لحق بسفنه، فركبها و مضى الى جلفار.

و كاتب الحجاج، فأخرج له من طريق البر عبد الرحمن‏ (8) بن سليمان في خمسة آلاف عنان من بادية الشام، و كان فيهم رجل من الأزد، و لا يعلمون به أنه من الأزد فهرب في الليل حتى نزل على سليمان و سعيد، فأعلمهما

____________

(1) في الأصل (ذلادى)

(2) في الأصل (رضوان) و الصيغة المثبتة من كتاب تحفة الأعيان للسالمي (ج 1 ص 75) جاء في هذا الكتاب أن الجبل المذكور سمي بذلك باسم نبي دفن فيه‏

(3) في الأصل (وافا)

(4) في ألأصل (أرسا)

(5) مسقط

(6) في الأصل (فأخرج)

(7) في ألأصل (لحج)

(8) في الأصل (عبد الرحمان).

50

بذلك، فاستشعروا العجز (1)، فحملا ذراريهما و سوادهما، و من خرج معهما من قومهما، و لحقا ببلد من بلدان الزنج، حتى ماتا هناك.

و دخل مجاعة و عبد الرحمن بالعسكر إلى عمان، ففعلا فيها غير الجميل، و نهباها، نعوذ باللّه من ذلك.

ثم إن الحجاج استعمل على أهل عمان الخيار بن سبرة المجاشعي‏ (2) فلما مات عبد الملك، ولى من بعده [ابنه‏] (3) الوليد بن عبد الملك، و مات الحجاج، و استعمل الوليد على العراق يزيد بن أبي مسلم، فبعث يزيد سيف بن الهاني الهمداني‏ (4) عاملا على عمان.

و لما مات الوليد بن عبد الملك، و ولى أخوه سليمان بن عبد الملك، عزل العمال الذين كانوا [م 267] على عمان، و استعمل عليها صالح بن عبد الرحمن بن قيس الليثي، ثم إنه رأى أن يكون عمال عمان على ما كانوا عليه، فردهم، و جعل صالح بن عبد الرحمن‏ (5) مشرفا عليهم.

ثم ولى يزيد بن المهلب العراق و خراسان فاستعمل يزيد أخاه زيادا على عمان، فلم يزل عاملا عليها، محسنا إلى أهلها حتى مات سليمان‏ (6) بن عبد الملك.

و ولى عمر بن عبد العزيز، و استعمل عديا (7) بن أرطأة الفزاري،

____________

(1) في الأصل (فاسنشعر الفجر).

(2) في الأصل (الجبار بن سيرة). الصيغة المثبتة من كتاب تحفة الأعيان للسالمي (ج 1 ص 77).

(3) في الأصل (فولى). و ما بين حاصرتين إضافة.

(4) في الأصل (الغمداني).

(5) في الأصل (عبد الرحمان).

(6) في الأصل (حتى مات بن سليمان).

(7) في الأصل (و استعمل على رارطاه الفزارى).